Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ٨٩ / ح ٥٩٥٣
كتاب اللباس
ممَّن ذهب يَخْلُقُ كخَلْقي؟! فلْيَخلُقُوا حَبَةً، ولْيَخلُقُوا ذَرَةً». ثُمَّ دَعَا بتَوْرٍ من ماءٍ، فغَسَلَ يَدَیه حَّی
بَلَغَ إبطَه، فقلتُ: يا أبا هريرةَ، أشيءٌ سمعتَه من رسولِ الله ◌َِّ؟ قال: مُنتَهَى الحِلْيةِ.
[طرفه في: ٧٥٥٩]
قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد، وعُمارة: هو ابن القعقاع.
قوله: «حدّثنا أبو زُرعة)) هو ابن عَمْرو بن جَرِیر.
قوله: ((دخلتُ مع أبي هريرة)) جاء عن أبي زُرْعة المذكور حديث آخر بسندٍ آخر أخرجه
أبو داود (٢٢٧) والنَّسائيُّ (٢٦١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (١٢٠٥) والحاكم (١/ ١٧١) من
طريق عليّ بن مُدرِك عنه (١) عن عبد الله بن نُجَيّ - بنونٍ وجيم مُصغَّر - عن أبيه عن عليٍّ رَفَعَه:
((لا تَدخُل الملائكةُ بيتاً فيه كلب ولا صورة)).
قوله: ((داراً بالمدينةِ)) هي لمروان بن الحكم، وَقَعَ ذلك في رواية محمَّد بن فُضَيلِ عن
عُمارة بن القعقاع عند مسلم (٢١١١) من هذا الوجه، وعند مسلم أيضاً والإسماعيليّ من
طريق جَرِير عن عُمارة: داراً تُبنَى لسعيدٍ أو لمروان، بالشكّ، وسعيد: هو ابن العاص بن
سعيد الأَمَويّ، وكان هو ومروان بن الحَكَم يَتَعاقَبان إمرةَ المدينة لمعاوية، والرِّواية الجازمة
أولی.
قوله: ((مُصوِّراً يُصَوِّر)) لم أقِفْ على اسمه، وقوله: ((يُصَوِّر)) بصيغة المضارعة للجميع،
وضَبَطَه الكِرْمانيُّ بوجهَينِ: أحدهما: هذا، والآخر بكسر الموحّدة وضمّ الصّاد المهمَلة وفتح
الواو ثمّ راء مُنَّنة، وهو بعید.
قوله: ((سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ومَن أظْلمُ ممَّن ذهب يَخلُق كخَلْقي؟!» هكذا في
البخاريّ، وقد وقعَ نحو ذلك في حديث آخر لأبي هريرة تقدَّم قريباً (٥٩٢٧) في «باب ما يُذكَر
في المسك))، وفيه حذفٌ يُبيِّته ما وَقَعَ في رواية جَرِير المذكورة: قال رسول الله اَ له: ((قال الله
تعالى: ومَن أظلَمُ ... )) إلى آخره، ونحوه في رواية ابن فُضَيلٍ.
(١) لفظ ((عنه)) سقط من (أ) و(س)، وأثبتناه من (ع) على الصواب.

٢٦٢
باب ٨٩ / ح ٥٩٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((ذهبَ)) أي: قَصَدَ.
وقوله: ((كخَلْقي)) التَّشبيه في فِعْل الصّورة وحدها، لا من كلّ الوجوه، قال ابن بَطّال:
فَهِمَ أبو هريرة أنَّ التَّصوير يتناول ما له ظِلّ وما ليس له ظِلّ، فلهذا أنكَرَ ما يُنقَش في
الحيطان.
قلت: هو ظاهر من عُموم اللَّفظ، ويحتمل أن يُقْصَر على ما له ظِلّ من جهة قوله:
(كخَلْقي))، فإنَّ خلقه الذي اختَرَعَه ليس صورةً في حائط بل هو خلق تامّ، لكن بَقِيَّة
الحديث تقتضي تعميم الَّجر عن تصوير كلّ شيء، وهو قوله: ((فليَخلُقُوا حَبّة، وليَخلُقوا
ذَرّة) وهي بفتح المعجَمة وتشديد الرَّاء، ويُجاب عن ذلك: بأنَّ المراد إيجاد حَبّة على الحقيقة
لا تصويرها. ووَقَعَ لابنِ فُضَيلِ من الزّيادة: ((وليَخلُقُوا شَعِيرةً) والمراد بالحبّة: حَبّة القمح
بقَرِينة ذِكْر الشَّعير، أو الحبّة أعَمُّ، والمراد بالذَّرّة: النَّملة، والغرض تعجيزهم تارةً بتكليفهم
خلقَ حيوان، وهو أشدّ، وأُخرى بتكليفِهم خلق ◌َادٍ، وهو أهون، ومع ذلك لا قُدرة لهم
على ذلك.
قوله: ((ثُمَّ دَعَا بتَوْرِ)) أي: طلبَ تَوراً، وهو بمُثنّاةٍ: إناء کالطَّسْتِ، تقدَّم بيانه في کتاب
الطَّهارة (١٨٥).
قوله: «من ماء» أي: فيه ماء.
قوله: ((فِغَسَلَ يَدَيه حتَّى بَلَغَ إِبطَه)) في هذه الرِّواية اختصار، وبيانه في رواية جَرِير بلفظ:
فَتَوضَّأ أبو هريرة فَغَسَلَ يده حتَّى بَلَغَ إِبطه، وغَسَلَ رِجِلَيه حتَّى بَلَغَ رُكِبَتَه، أخرجها
الإسماعيليّ، وقَدَّمَ قصَّة الوضوء على قصَّة المصوِّر، ولم يَذْكُر مسلم قصَّة الوضوء هنا.
قوله: ((مُنَتَهَى الِحِلْية)) في رواية جَرِير: إنَّه مُنتَهَى الحِلية؛ كأنَّه يشير إلى الحديث المتقدِّم في
الطَّهارة (١٣٦) في فضل الغُرّة والتَّحجيل في الوضوء، ويُؤيِّده حديثه الآخر: «تَبلُغ الحِليةُ
من المؤمن حيثُ يَبلُغ الوضوء))(١) وقد تقدَّم شرحه، والبحث في ذلك مُستَوفَّى هناك. وليس بين
(١) أخرجه مسلم (٢٥٠).

٢٦٣
باب ٩٠ / ح ٥٩٥٤ - ٥٩٥٦
كتاب اللباس
ما دلّ عليه الخبر من الزَّجر عن التَّصوير وبين ما ذُكِرَ من وُضوء أبي هريرة مُناسَبة، وإنَّما أخبر
أبو زُرْعة بما شاهَدَ وسمعَ من ذلك.
٩٠ - باب ما وُطرَ من التّصاوير
٥٩٥٤- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ القاسمِ - وما
بالمدينةِ يومَئذٍ أفضلُ منه - قال: سمعتُ أَبي، قال: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها: قَدِمَ
رسولُ اللهِوَ﴿ه من سَفَرٍ، وقد سَتَرَتُ بقِرَامٍ لي على سَهْوةٍ لي فيها تَماثِيلُ، فلمَّا رآه رسولُ الله ◌ِنه
هَتَكَه، وقال: ((أشَدُّ الناسِ عذاباً يومَ القيامةِ الَّذِينَ يُضاهُونَ بخلقِ الله)). قالت: فجَعَلْناه
وِسادةً، أو وِسادتَينِ.
٥٩٥٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ داودَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ قالت:
قَدِمَ النبيُّ ◌َّ مِن سَفَرٍ وعَلَّقْتُ دُرْنوكاً فيه تَمَاثِيلُ، فأمَرَني أن أُنزِعَه، فنَزَعْتُه.
٥٩٥٦ - وكنتُ أغتَسِلُ أنا والنبيُّ وَلَ﴿ من إناءٍ واحدٍ.
قوله: ((باب ما وُطِئَ من التَّصاوير)) أي: هل يُرَخَّص فيه؟ و((وُطِئَ)) بضمِّ الواو مَبنيّ ٣٨٧/١٠
للمجهول، أي: صارَ يُداس علیه ويُمتَھَن.
قوله: ((القاسم)) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدّيق.
قوله: ((من سَفَر)) في رواية البيهقيِّ (٢١٩/١٠): أنَّها غزوة تَبُوك، وفي أُخرى لأبي داود
(٤٩٣٢) والنَّسائيِّ (ك٩٦٩٥): غزوة تَبُوك أو خَيبَرَ، على الشكّ.
قوله: ((بقِرام)) بكسر القاف وتخفيف الرَّاء: هو سِترٌ فيه رَقْم ونَقْش، وقيل: ثوب من صوف
مُلَوَّن، يُفْرَش في الهَودَج أو يُغَطَّى به.
قوله: ((على سَهْوة)) بفتح المهمَلة وسكون الهاء: هي صُفّة من جانب البيت، وقيل: الكُوّة،
وقيل: الرَّفّ، وقيل: أربعة أعواد أو ثلاثة يُعارَض بعضها ببعضٍ يُوضَع عليها شيء من
الأمتعة، وقيل: أن يُبنَى من حائط البيت حائط صغير ويُجعَل السَّقف على الجميع، فما كان
وَسَطَ البيت فهو السَّهوة، وما كان داخله فهو المَخدَع، وقيل: دخلة في ناحية البيت، وقيل:

٢٦٤
باب ٩٠ / ح ٥٩٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
بيت صغير يُشبِهِ المَخدَع، وقيل: بيت صغير مُنحَدِر في الأرض وسُمْكه مُرتفع من
الأرض، كالخِزانة الصَّغيرة يكون فيها المتاع، ورَجَّحَ هذا الأخيرَ أبو عُبيد، ولا مُخالَفة
بينه وبين الذي قبله.
قلت: وقد وَقَعَ في حديث عائشة أيضاً في ثاني حديثَي الباب: أنَّهَا عَلَّقَته على بابها، وكذا في
رواية زيد بن خالد الجُّهَنيّ عن عائشة عند مسلم (٢١٠٧)، فَتَعيَّنَ أنَّ السَّهوة بيت صغير عَلَّقَتِ
السِّتر علی بابه.
قوله: ((فيه تماثيل)) بمُثنّاةٍ ثَّ مُثلَّثة: جمع ◌ِثال: وهو الشَّيء المصوَّر، أعَمُّ من أن يكون
شاخصاً، أو يكون نَقشاً، أو دِهاناً، أو نَسجاً في ثوب، وفي رواية بُكَير بن الأشَجّ عن عبد الرَّحمن
ابن القاسم عند مسلم (٩٥/٢١٠٧): أنَّهَا نَصَبَت سِتراً فيه تصاوير.
قوله: ((هَتَكَه)) أي: نَزَعَه، وقد وَقَعَ في الرِّواية التي بعدها: فأمَّرَني أن أنزِعَه، فَزَعتُه.
قوله: ((أشَدّ الناس عذاباً يومَ القيامة الذينَ يُضاهُونَ بخلقِ الله)) أي: يُشَبِّهونَ ما يصنعونَه
بما يصنعُه الله، ووَقَعَ في رواية الزُّهْريِّ عن القاسم عند مسلم (٩١/٢١٠٧): ((الذينَ يُشَبِّهونَ
بخلقِ الله))، وقد تقدَّم الكلام على قوله: ((أشدّ» قبلُ ببابٍ.
قوله: ((فجَعَلْناه وِسادةً أو وِسادتَينٍ)) تقدَّم هذا الحديث في المظالم (٢٤٧٩) من طريق
عُبيد الله العُمَريّ عن عبد الرَّحمن بن القاسم بهذا السَّنَد قالت: فاتَّخذت منه نُمرُقَتينٍ، فكانتا في
البيت يجلِس عليهما، وهو عند مسلم (٩٦/٢١٠٧) من وجه آخر عن عُبيد الله بلفظ: فأخَذتُه
فَجَعَلته مِرِفَقَتَين، فكان يَرتَّفِق بهما في البيت؛ والنُّمرُقة يأتي ضبطها في الباب الذي يليه. ولمسلم
من طريق بُكَير بن الأشَجّ: فقَطَعته وِسادتَينِ، فقال رجل في المجلس، يقال له: ربيعة بن عطاء:
أفَما سمعتَ أبا محمَّد -يريد القاسم بن محمَّد- يَذكر أنَّ عائشة قالت: فكان رسول الله ﴾﴿ یَرتَفِق
عليهما؟ قال ابن القاسم - يعني عبد الرّحمن -: لا، قال: لكنّي قد سمعتُه.
قوله: ((عبد الله بن داودَ» هو الْخُرَيبِيّ بمُعجَمةٍ وراء وموخَّدة مُصغَّر، وهشام: هو ابن
عُرْوة.

٢٦٥
باب ٩٠ / ح ٥٩٥٦
كتاب اللباس
قوله: ((دُرْنوكاً)) زاد مسلم (٢١٠٧/ ٩٠) من طريق أبي أسامة عن هشام: على بابي،
والدُّرْنُوك بضمِّ الدَّال المهمَلة وسكون الرَّاء بعدها نون مضمومة ثمَّ كاف، ويقال فيه:
دُرُمُوك بالميمِ بدلَ النّون، قال الخطّابيُّ: هو ثوب غليظ له خَمْل، إذا فُرِشَ فهو بِساط، وإذا
عُلِّقَ فهو / سِتْر.
٣٨٨/١٠
قوله: ((فیه تماثيلُ» زاد في رواية أبي أُسامة عند مسلم: فيه الخيلُ ذوات الأجنحة. واستُدِلَّ
بهذا الحديث على جواز التّخاذ الصّور إذا كانت لا ظِلَّ لها، وهي مع ذلك ممَّا يُوطَأً ويُداس،
أو يُمتَهَن بالاستعمال كالمخادِّ والوسائد، قال النَّوويّ: وهو قول ◌ُمهور العلماء من الصحابة
والتابعينَ، وهو قول الثَّوريّ ومالك وأبي حنيفة والشافعيّ، ولا فرق في ذلك بين ما له ظِلّ
وما لا ظِلَّ له، فإن كان مُعلَّقاً على حائط، أو مَلبُوساً، أو عِمامة أو نحو ذلك ممّا لا يُعَدّ ◌ُمْتَهَناً،
فهو حرام.
قلت: وفيما نَقَلَه مُؤاخَذات: منها: أنَّ ابن العربيّ من المالكيَّة نَقَلَ: أنَّ الصّورة إذا كان
لها ظِلّ حَرُمَ بالإجماع، سواء كانت ممَّا يُمْتَهَن أم لا، وهذا الإجماع مَحَلّه في غير لُعَب البنات
كما سأذكره في ((باب مَن صَوَّرَ صورة))(١). وحكى القُرطُبيّ في ((المفهم)) في الصُّور التي لا تُتَّخَذ
للإبقاءِ كالفَخّار قولَينِ: أظهَرُهما المنعُ.
قلت: وهل يَلْتَحِقِ ما يُصنَع من الحلوى بالفَخّار، أو بلُعَبِ البنات؟ مَحَلُّ تأمُّل،
وصَحَّحَ ابن العربيّ أنَّ الصّورة التي لا ظِلَّ لها إذا بَقِيَت على هيئتها حَرُمَت، سواء كانت
مَا يُمْتَهَن أم لا، وإن قُطِعَ رأسها أو فُرَّقَت هيئتها جازَ، وهذا المذهب منقول عن الزُّهْريِّ
وقَوّاه النَّوويّ، وقد يَشْهَد له حديث النُّمرُقة؛ يعني: المذكور في الباب الذي بعده، وسيأتي
ما فيه.
ومنها: أنَّ إمام الحرمَينِ نَقَلَ وجهاً: أنَّ الذي يُرَخَّص فيه ممّا لا ظِلّ له ما كان على سِتر أو
وِسادة، وأمَّا ما على الجدار والسَّقف فيُمنَع، والمعنى فيه أنَّه بذلك يصير مُرتَفِعاً، فيَخرُج عن
(١) باب رقم (٩٦).

٢٦٦
باب ٩٠ / ح ٥٩٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
هَيْئة الامتهان بخِلَاف الثَّوب، فإنَّه بصَدَدٍ أن يُمْتَهَن، وتُساعِده عِبارة ((مختصر المُزَنِيِّ»:
صورة ذات روح إن كانت منصوبةً. ونَقَلَ الرَّافعيّ عن الجمهور: أنَّ الصّورة إذا قُطْعَ رأسها،
ارتَفَعَ المانع. وقال المتولّي في ((النَِّمّة): لا فرق.
ومنها: أنَّ مذهب الحنابلة جوازُ الصّورة في الثَّوب ولو كان مُعلَّقاً على ما في خبر أبي
طلحة(١)، لكن إن سُتِرَ به الجِدار مُنِعَ عندهم.
قال النَّوويّ: وذهب بعض السَّلَف إلى أنَّ الممنوع ما كان له ظِلَّ، وأمَّا ما لا ظِلّ له فلا
بأس باتِّخاذِهِ مُطلَقاً، وهو مذهبٌ باطل، فإنَّ السِّتر الذي أنكَرَه النبيّ وَل﴿ كانت الصّورة فيه
بلا ظِلِّ بغير شَكّ، ومع ذلك فأمَرَ بنَزْعِه.
قلت: المذهب المذكور نَقَلَه ابن أبي شيبة (٥٠٩/٨) عن القاسم بن محمَّد بسندٍ صحيح
ولفظه: عن ابن عَوْن قال: دَخَلتُ على القاسم وهو بأعلى مكَّة في بيته، فرأيتُ في بيته
حَجَةً(٢) فيها تصاوير القُندُس والعَنقاء، ففي إطلاق كَونِه مذهباً باطلاً نظرٌ، إذ يحتمل أنَّه
تَسَّكَ في ذلك بعُمومٍ قوله: ((إلّا رَقْماً في ثوب))(٣)، فإنَّه أعَمّ من أن يكون مُعلَّقاً أو مَفروشاً،
وكأنَّه جَعَلَ إنكار النبيّ وَّهِ على عائشة تعليقَ السِّتر المذكور مُرَكَّباً من كونه مُصوَّراً، ومن
كونه ساتراً للجِدار، ويُؤْيِّده ما وَرَدَ في بعض طرقه عند مسلم (٢١٠٧)، فأخرج من طريق
سعيد بن يسار عن زيد بن خالد الجُّهَنيّ قال: دخلتُ على عائشة، فذکر نحو حدیث الباب
لكن قال: فجَذَبَه حتَّى هَتَكَه، وقال: ((إنَّ الله لم يأمرنا أن نَكسُوَ الحجارة والطّين)) قالت:
فقطَعْنا منه وِسادتَينِ ... الحديث، فهذا يدلُّ على أنَّه كَرِهَ سَتْر الجدار بالثَّوبِ المصوَّر، فلا
يُساوِيه الثَّوب الممتَهَن ولو كانت فيه صورة، وكذلك الثَّوب الذي لا يُستَربه الجدار. والقاسم
ابن محمَّد أحدُ فقهاء المدينة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الذي روى حديث النُّمرُقة،
فلولا أنَّه فَهِمَ الرُّخصة في مِثل الحَجَلة ما استَجازَ استعمالها، لكنَّ الجمع بين الأحاديث الواردة
(١) يأتي قريباً برقم (٥٩٥٨).
(٢) الحجلة: بناء يشبه القَبَّة.
(٣) هو في الخبر الآتي برقم (٥٩٥٨).

٢٦٧
باب ٩١ / ح ٥٩٥٧
كتاب اللباس
في ذلك يدلّ على أنَّه مذهب مرجوح، وأنَّ الذي رُخِّصَ فیه من ذلك ما یُمتَهَن، لا ما کان
منصوباً.
وقد أخرج ابن أبي شيبة (٥٠٦/٨) من طریق أيوب عن عكرمة قال: كانوا يقولون في
التَّصاوير في البُسُط والوسائد التي تُوطَأ: ذَلَّ لها، ومن طريق عاصم عن عِكْرمة قال: كانوا
يَكرَهونَ ما نُصِبَ من التَّماثيل نصباً، ولا يَرَونَ بأساً بما وَطِئَتَه الأقدام، ومن طريق ابن
سِیرین وسالم بن عبد الله وعكرمة بن خالد وسعید بن ◌ُبیر -فرَّقَھم ۔۔ أنَّهم قالوا: لا بأس
بالصّورة/ إذا كانت تُوطَأ. ومن طريق عُرْوة: أنَّه كان يَتَّكِئ على المرافق فيها التَّماثيل: الطَّر ٣٨٩/١٠
والرِّجال.
قوله في آخر الحديث: ((وكنتُ أَغتَسِل أنا والنبيّ وَِّ من إناء واحد)) كذا أورَدَه عَقِبَ
حديث التَّصوير، وهو حديث آخر مُستَقِلّ قد أفرَدَه في كتاب الطَّهارة (٢٥٠) من وجه
آخر عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة، وأخرجه عَقِبَ حديث عائشة في صِفَة الغُسل (٢٧٣) من طريق
عبد الله بن المبارك عن هشام بن عُرْوة به، وتقدَّم شرحه هناك، وكأنَّ البخاريّ سمعَ الحديث
على هذه الصّورة فأورَدَه كما هو، واغتُغِّرَ ذلك لكَونِ المتن قصيراً، مع أنَّ كَثْرة عادته النَّصَرُّف في
المتن بالاختصار والاقتصار. وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أنَّ الدُّرمُوك كان في باب المُغْتَسَل، أو
اقتَضَى الحال ذِكرَ الاغتسال إمّا بحَسَبِ سؤالٍ وإمّا بغيره.
٩١ - باب من كره القعود على الصُّوَر
٥٩٥٧- حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهال، حدَّثنا جُوَبِرِيَةُ، عن نافعٍ، عن القاسمِ، عن عائشةً
رضي الله عنها: أنَّها اشتَرَت نَمْرُقَةً فيها تصاويرُ، فقامَ النبيُّ وَّ بالباب فلم يَدخُلْ، فقلتُ:
أتوبُ إلى الله، ماذا أذنَبتُ؟ قال: ((ما هذه النّمْرُقةُ؟)) قلتُ: لَتَجْلِسَ عليها وتَوَسَّدَها، قال: ((إنَّ
أصحابَ هذه الصّوَرِ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ، يقال لهم: أَحيُوا ما خَلَقْتُم، وإنَّ الملائكةَ لا تَدخُلُ
بيتاً فيه الصُّوَرُ)).
قوله: ((باب مَن كَرِهَ القُعودَ على الصّور)) أي: ولو كانت ممَّا تُوطَاً.

٢٦٨
باب ٩١ / ح ٥٩٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
ذکر فیه حدیثین:
الأول: حديث عائشة.
قوله: ((جُوَيِرِيَة)) بالجيم والرَّاء مُصفَّر.
قوله: ((عن عائشة)) في رواية مالك عن نافع عن القاسم عن عائشة: أنَّها أخبَرَته، وسيأتي
بعد بابین (٥٩٦١).
قوله: ((نَمْرُقة)) بفتح النُّون وسكون الميم وضمّ الرَّاء بعدها قاف، كذا ضَبَطَها القَزّاز
وغيره، وضَبَطَها ابن السّكّيت: بضمِّ النُّون أيضاً(١) وبكسرها وكسر الرَّاء، وقيل في النُّون
الحَرَكات الثلاث، والرَّاء مضمومة جَزماً، والجمع: نَارِق، وهي الوسائد التي يُصَفّ بعضها
إلى بعض، وقيل: النّمرُقة: الوسادة التي يُجلس عليها.
قوله: ((فلم يَدخُل)) زاد مالك في روايته: فعَرَفتُ الكراهيةَ في وجهه.
قوله: ((أتوبُ إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذْتَبْتُ؟)) يُستَفاد منه جواز التَّوبة من الذُّنوب كلّها
إجمالاً، وإن لم يَستَحِضِر التائبُ خصوص الذَّنب الذي حَصَلَت به مُؤاخذتُه.
قوله: ((ما هذه النّمْرُقة؟)) في رواية مالك: ((ما بالُ هذه؟)).
قوله: ((قلتُ: لِتَجِلِسَ عليها)) في رواية مالك: اشتَرَيتُها لتَقَعُد عليها.
قوله: ((وَتَوسَّدَها)) بفتح أوَّله وبتشديد السّين المهمَلة، أصله: تَتَوسَّدُها.
قوله: ((إنَّ أصحاب هذه الصّور .. )) إلى آخره، وفيه: ((إنَّ الملائكة لا تَدخُل بيتاً فيه الصّور)»
٣٩٠/١٠ والجملة الثّانية هي المطابقة لامتناعِه من الدُّخول، وإنَّما قَدَّمَ الجملة الأولى عليها اهتماماً بالَّجرِ
عن اتّخاذ الصّور، لأنَّ الوعيد إذا حَصَلَ لصانعِها فهو حاصل لمستَعمِلِها، لأنَّها لا تُصنَع إلّا
لتُستَعمَل، فالصّانع مُنسَبِّب والمستعمِل مُباشِر، فیکون أُولی بالوعيد، ويُستفاد منه أنَّه لا فرق في
تحريم التَّصوير بين أن تكون الصّورة لها ظِلّ أو لا، ولا بين أن تكون مَدهونةً أو منقوشة أو
(١) والضمُّ هو المشهور كما في ((تاج العروس)) للَّبيدي، والحافظ في مقدمته ((هدي الساري)) لم يذكر في ضبطها
سوی الضمِّ في النون والراء والکسر فیھما.

٢٦٩
باب ٩١ / ح ٥٩٥٨
كتاب اللباس
منقورة أو منسوجة، خِلَافاً لمن استَثْنَى النَّسيج، واذَّعَى أنَّه ليس بتصويرٍ.
وظاهر حديثَي عائشة هذا والذي قبله التعارضُ، لأنَّ الذي قبله يدلّ على أنَّه وَلِّ استعملَ
السِّتر الذي فيه الصّورة بعد أن قُطِعَ وعُمِلَت منه الوِسادة، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يَستَعمِله
أصلاً، وقد أشارَ المصنّف إلى الجمع بينهما بأنَّه لا يَلزَم من جواز اتّخاذ ما يُوطَأ من الصّور
جواز القُعود على الصّورة، فيجوز أن يكون استعملَ من الوسادة ما لا صورة فيه، ويجوز أن
يكون رأى النَّفْرِقَةَ بين القعود والاتِّكاء، وهو بعيد، ويحتمل أيضاً أن يُجمَع بين الحديثَينِ: بأنَّا
لمَّا قَطَعَتِ السِّتر وَقَعَ القطعُ في وَسَط الصّورة مثلاً، فخرجت عن هيئتها فلهذا صارَ یَرتَفِق بها،
ويُؤيِّد هذا الجمعَ الحديثُ الذي في الباب قبله في نقضِ الصّور، وما سيأتي في حديث أبي هريرة
المخرَّج في ((السُّنَن))، وسأذكره في الباب بعده(١).
وسَلَكَ الدَّاوُودِيُّ في الجمع مَسلَكاً آخر، فادَّعَى أنَّ حديث الباب ناسخٌ لجميع الأحاديث
الدَّالَّة على الرُّخصة، واحتَجَّ بأنَّه خبرٌ والخبر لا يَدخُله النَّسخ، فيكون هو الناسخ. قلت:
والنَّسْخِ لا يَثْبُت بالاحتمال، وقد أمكنَ الجمعُ فلا يُلتَفَت لدعوى النَّسخ، وأمَّا ما احتَجَّ به فرَدَّه
ابن التِّين بأنَّ الخبر إذا قارَنَه الأمرُ جازَ دخولُ النَّسخ فيه.
٥٩٥٨ - حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن بُكَير، عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ خالدٍ، عن
أبِي طَلْحةَ صاحبٍ رسولِ الله وَِّ، قال: إنَّ رسولَ اللهِوَلَّهِ قال: ((إنَّ الملائكةَ لا تَدخُلُ بيتاً فيه
صورةٌ)).
قال بُشْرٌ: ثمَّ اشتكَى زيدٌ فعُدْناه، فإذا على بابه سِتْرٌ فيه صورةٌ، فقلتُ لعُبيدِ الله رَبِيبٍ
ميمونةَ زَوْجِ النبيِّ وَّهِ: ألم يُحْبِرْنا زيدٌ عن الصّوَرِ يومَ الأوَّلِ؟ فقال عُبِيدُ الله: ألم تَسْمَعْه حينَ قال:
«إلّا رقماً في ثوپٍ».
وقال ابنُ وَهْبٍ: أخبَرَني عَمْرٌو - هو ابنُ الحارثِ - حدَّثه بُکَیرُّ، حدَّثه بُشْرٌ، حدَّثه زيدٌ،
حدَّثه أبو طَلْحةَ، عن النبيِّ ◌َِّ.
(١) في باب (٩٣): لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة.

٢٧٠
باب ٩١ / ح ٥٩٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن بُكَير)) بالموخَّدة مُصغَّر، في رواية النَّسائيِّ (٥٣٥٠) عن عيسى بن حمّاد عن
اللَّيث: ((حدَّثني بُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ، وكذا عند أحمد (١٦٣٤٥) عن حَجّاج بن محمّد
وهاشم بن القاسم عن اللَّيث.
قوله: ((عن بُسْر)) بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة، في رواية عَمْرو بن الحارث عن بُکیر:
((أنَّ بُسر بن سعيد حدَّثه، وقد مَضَت في بَدْء الخلق (٣٢٢٦).
قوله: ((عن زيد بن خالد)» هو الْجُهَنيّ الصحابيّ، في رواية عَمْرو أيضاً: أنَّ زيد بن خالد
الْجُّهَنيّ حدَّثه ومع بُسر بن سعيد عُبيد الله الحَولانيُّ الذي كان في حِجر ميمونة.
قوله: ((أبي طَلْحة)) هو زيد بن سَهْل الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، وفي الإسناد تابعيّان
فِي نَسَقٍ، وصحابيّان في نَسَق، وعلى رواية بُسْر عن عبيد الله الخولانيّ للزّيادة الآتي ذِكْرها
يكون فيه ثلاثة من التابعينَ في نَسَق، وكلّهم مَدَنّونَ. ووَقَعَ في رواية عَمْرو بن الحارث: أنَّ
أبا طلحة حدَّثه.
قوله: ((فيه صورة)) كذا لكَرِيمة وغيرها، وفي رواية أبي ذرِّ عن مشايخه إلّ المُستَمْلي:
((صُوَر)) بصيغة الجمع، وكذا في قوله: فإذا على بابه ◌ِتر فيه صورة، ووَقَعَ في رواية عَمْرو ابن
الحارث: فإذا نحنُ في بيته بستر فيه تصاوير، وهي تُقوِّي رواية أبي ذرٍّ.
قوله: ((فقلت لعُبيدِ الله الخَوْلانيِّ) أي: الذي كان معه كما بيَّنته رواية عَمْرو بن الحارث،
وعبيد الله: هو ابن الأسود، ويقال: ابن أسَد، ويقال له: رَبيب ميمونة، لأنَّها كانت رَبَّته
وكان من مَوَاليها، ولم يكن ابنَ زوجها، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخرَ تقدَّم
في الصلاة (٤٥٠) من روایته عن عثمان.
قوله: ((يومَ الأوَّل)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: يومَ أوَّلَ.
قوله: ((فقال عُبيد الله: ألم تَسمَعْه حين قال: إلّا رَقْماً في ثوب)» في رواية عَمْرو بن الحارث:
فقال: إنَّه قال: ((إلّا رَقماً في ثوب)) ألا سمعته؟ قلت: لا، قال: بلى قد ذكره.
قوله: ((وقال ابن وَهْب: أخبَرَني عَمْرو - هو ابن الحارث -)) تقدَّم أنَّه وَصَلَه فِي بَدْء

٢٧١
باب ٩٢ / ح ٥٩٥٩
كتاب اللباس
الخلق (٣٢٢٧)، وقد بيَّنْتُ ما في روايته من فائدة زائدة، ووَقَعَ عند النَّسائيِّ (ك٩٦٧٧) من
وجه آخر عن بُسْر بن سعيد عن عُبيدة بن سفيان قال: دَخَلتُ أنا وأبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن
على زيد ابن خالد نَعُوده، فوجدنا عنده نُمِرُقتَينِ فيهما تصاوير، وقال أبو سَلَمة: أليس حَدَّثَنَا ...
فذكر الحديث، فقال زيد: سمعتُ رسول الله آل﴾ يقول: ((إلّا رَقْماً في ثوب».
قال النَّوويّ: يُجمَع بين الأحاديث بأنَّ المراد باستثناءِ الرَّقم في الثَّوب: ما كانت
الصّورة/ فيه من غير ذوات الأرواح كصورة الشَّجَر ونحوها. انتهى، ويحتمل أن يكون ٣٩١/١٠
ذلك قبل النَّهي كما يدلّ عليه حديث أبي هريرة الذي أخرجه أصحاب ((السُّنَن))، وسأذكره
في الباب الذي يليه، وقال ابن العربيّ: حاصل ما في اتّخاذ الصّور أنَّها إن كانت ذاتَ أجسام
حَرُمَ بالإجماع، وإن كانت رَقْماً فأربعة أقوال:
الأوَّل: يجوز مُطلَقاً على ظاهر قوله في حديث الباب: ((إلّا رَقْماً في ثوب)).
الثّاني: المنعِ مُطلَقاً حتَّى الرَّقْم.
الثّالث: إن كانت الصّورة باقيةَ الهيئة قائمةَ الشَّكل حَرُمَ، وإن قُطِعَتِ الرَّأس أو تَفرَّقَتِ
الأجزاء جازَ، قال: وهذا هو الأصحّ.
الرَّابع: إن كان ممّا يُمْتَهَن جازَ، وإن كان مُعلَّقاً لم يَجُز.
٩٢- باب كراهية الصَّلاة في التّصاوير
٥٩٥٩ - حدَّثْنا عِمْرانُ بنُ مَيسَرَةَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، عن
أنسٍ ﴾ قال: كان قِرَامٌ لعائشةَ سَتَرَت به جانبَ بيتِها، فقال لها النبيُّ ◌َّ: ((أَمِيطي عنِّي، فإنَّه لا
تزالُ تصاویرُه تَعْرِضُ لي في صلاتي)).
قوله: ((باب كراهية الصلاة في التَّصاوير)) أي: في الثّياب المصوّرة.
قوله: ((عبد الوارث)) هو ابن سعيد، والإسناد كلُّه بصريّونَ.
قوله: ((كان قِرامٌ لعائشة سَتَرَت به جانبَ بيتها)» تقدَّم ضبط القِرام قريباً (٥٩٥٤).
قوله: «أمیطي» أي: أزيلي، وزنَه ومعناه.

٢٧٢
باب ٩٣ / ح ٥٩٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((تَعْرِض)) بفتح أوَّله وكسر الرَّاء، أي: أنظُر إليها فتَشْغَلني، ووَقَعَ في حديث عائشة
عند مسلم (٢١٠٧/ ٩٣): أنَّها كان لها ثوب فيه تصاوير ممدودٌ إلى سَهْوة، وكان النبيّ وَِّ يُصَلّي
إليه، فقال: ((أخِّريه عنِّي)). ووجه انتزاع التَّرجمة من الحديث: أنَّ الصّور إذا كانت تُلهي المصلّي
وهي مُقابِله، فكذا تُلهيه وهو لابسُها، بل حالة اللُّس أشدّ، ويحتمل أن تكون ((في)) بمعنى ((إلى))
فَتَحصُل المطابقة وهو اللّائق بمُرادِهِ، فإنَّ في المسألة خِلَافاً، فتُثُلَ عن الحنفيَّة: أنَّه لا تُكرَه
الصلاة إلى جهة فيها صورة إذا كانت صغيرة أو مقطوعة الرأس.
وقد استُشكلَ الجمع بين هذا الحديث وبين حديث عائشة أيضاً في النُّمرُقة (٥٩٥٧)، لأَنَّه
يدلّ على أَنَّهِ وَِّ لم يَدخُل البيت الذي كان فيه السِّتر المصوّر أصلاً حتَّى نَزَعَه، وهذا يدلُّ على أنَّه
أَقَرَّه وصَلَى وهو منصوب، إلى أن أمَرَ بنَزِعِه من أجل ما ذُكِرَ من رُؤيَته الصّورةَ حالةَ الصلاة، ولم
يَتعرَّض لخُصوصِ كونها صورةً. ويُمكِن الجمعُ بأنَّ الأوَّل كانت تصاويره من ذوات الأرواح،
وهذا کانت تصاويره من غیر الحیوان، کما تقدَّم تقريره في حديث زيد ابن خالد (٥٩٥٨).
٩٣ - بابٌ لا تدخلُ الملائكة بيتاً فيه صورةٌ
٥٩٦٠ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثْني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني عمرُ بنُ محمَّدٍ، عن
سالمٍ، عن أبيه قال: وَعَدَ جِبْرِيلُ النبيَّ ◌َ فَرَاثَ عليه، حتَّى اشتَدَّ على النبيِّ وَِّ، فَخَرَجَ النبيُّ ◌َه
فَلَقِيَه، فشَكَا إليه ما وَجَدَ، فقال له: إنّا لا نَدْخُلُ بيتاً فيه صورةٌ ولا كلبٌ.
قوله: ((بابٌ لا تَدخُل الملائكة بيتاً فيه صورة)) تقدَّم البحث في المراد بالصّورة في ((باب
التَّصاوير))(١)، وقال القُرطُبيّ في ((المفهِم)): إنَّما لم تَدخُل الملائكة البيت الذي فيه الصّورة،
٣٩٢/١٠ لأنَّ مُتَّخِذَها قد تَشَبَّهَ بالكفَّار، لأنَّهم يَتَّخِذونَ الصّور/ في بيوتهم ويُعظِّمونَها، فكَرِهَتِ
الملائكة ذلك فلم تَدخُل بيته مَجْراً له لذلك.
قوله: ((عمر بن محمَّد)) أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر، وسالم شيخه: هو عَمُّ أبيه،
وهو ابن عبد الله بن عمر.
(١) باب رقم (٨٧).

٢٧٣
باب ٩٣ / ح ٥٩٦٠
كتاب اللباس
قوله: (وَعَدَ جِبْرِيلُ النبيَّ ◌َ﴿) زادَت عائشة: في ساعة يأتيه فيها، أخرجه مسلم (٢١٠٤).
قوله: ((فَرَاثَ عليه)) بالمثلَّثة، أي: أبطاً، وفي حديث عائشة: فجاءت تلك الساعةُ، ولم يأتِه.
قوله: ((حتَّى اشتدَّ على النبيّ ◌َ ليّ) في حديث عائشة: وفي يده عَصاً، فألقاها من يده، وقال:
(«ما يُخْلِفِ اللهُ وعدَه، ولا رُسُلُه))، وفي حديث ميمونة عند مسلم (٢١٠٥) نحو حديث عائشة،
وفيه: أنَّه أصبَحَ واجِماً؛ بالجيم، أي: مُنقَبِضاً.
قوله: ((فَخَرَجَ النبيّ ◌َّهِ فَلَقِيَه، فشَكَا إليه ما وَجَدَ)) أي: من إبطائِهِ «فقال له: إنّا لا نَدخُلُ
بيتاً فيه صورة ولا كلب)) في هذا الحديث اختصار، وحديث عائشة أتمّ، ففيه: ثمَّ التَفَتَ
فإذا جِرْو كلبٍ تحت سريره، فقال: ((يا عائشة، متى دَخَلَ هذا الكلبُ؟)) فقالت: والله(١) ما
دَرَيتُ، ثمّ أمَرَ به فأُخرِجَ، فجاء جِبْرِيل، فقال: ((واعَدتَني فجلستُ لك، فلم تأتِ، فقال:
مَنَعَني الكلبُ الذي كان في بيتك))، وفي حديث ميمونة: فظَلَّ يومَه على ذلك، ثمَّ وَقَعَ في
نفسه جِروُ كلب، فأمَرَ به فأُخرِجَ، ثمَّ أخَذَ بيدِه ماءً فنَضَحَ مكانه، فلمَّا أمسى لَقِيَه جِبْريل،
وزاد فیه الأمرَ بقتل الکِلاب.
وحديث أبي هريرة في ((السُّنَن))(٢) وصَخَّحَه التِّرمِذيّ وابن حِبّان (٥٨٥٤) أَتُّ سياقاً
منه، ولفظه: «أتاني جِبْريل، فقال: أتيتُك البارحةَ، فلم يَمنَعني أن أكون دَخَلتُ إلّا أنَّه كان
على الباب تماثيل، وكان في البيت قِرَامُ سِترٍ فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُرْ برأسٍ
التِّمثال الذي على باب البيت يُقطَع، فيصير كهَيْئَة الشَّجَرة، ومُرْ بالسِّتِرِ فليُقطَع، فليُجعَل
منه وِسادتَانِ منبوذتان تُوطَان، ومُرْ بالكلبِ فليُخرَج، ففَعَلَ رسول الله وَّ))، وفي رواية
النَّسائيِّ: ((إمّا أن تُقطَع رؤوسها أو تُجعَل بِساطاً يُوطَ)»، وفي هذا الحديث ترجيح قول مَن
ذهب إلى أنَّ الصّورة التي تَتَنِعِ الملائكةُ من دخول المكان التي تكون فيه، باقيةٌ على هيئتها
مُرتِفِعة غير مُمْتَهَنة، فأمَّا لو كانت مُمْتَهَنة أو غير مُمتَهَنة لكنَّها غُيِّرَت من هيئتها، إمّا بقطعِها
من نصفها أو بقطع رأسها، فلا امتناع.
(١) في (س): وايم الله، والمثبت من (أ) و(ع) وهو الموافق للرواية عند مسلم (٢١٠٤).
(٢) أبو داود (٤١٥٨)، والترمذي (٢٨٠٦)، والنسائي (٥٣٦٥).

٢٧٤
باب ٩٤-٩٥ / ح ٥٩٦١- ٥٩٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال القُرطُبيّ: ظاهر حديث زيد بن خالد عن أبي طلحة - الماضي قبلُ (٥٩٥٨) - أنَّ
الملائكة لا تَتَنِعُ من دخول البيت الذي فيه صورة إن كانت رَقْماً في الثَّوب، وظاهر حديث
عائشة المنعُ، ويُجمَع بينهما: بأن يُحمّل حديث عائشة على الكراهة، وحديث أبي طلحة على
مُطلَق الجواز، وهو لا يُنافي الكراهة. قلت: وهو جمعٌ حسن، لكنَّ الجمع الذي دلَّ عليه حديث
أبي هريرة أُولی منه، والله تعالى أعلم.
٩٤ - باب من لم يدخل بيتاً فيه صورةٌ
٥٩٦١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن نافعٍ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن
عائشةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ وَّلِ أَنَّهَا أخبَرَتْه: أنَّهَا اشتَرَت نُمْرُقةً فيها تصاويرُ، فلمَّا رآها
رسولُ الله ◌َ﴿ قامَ على الباب فلم يَدخُلْ، فعَرَفَت في وجهِه الكراهيةَ، قالت: يا رسولَ الله،
أتوبُ إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنَبْتُ؟ قال: ((ما بالُ هذه النُّمْرُقِةِ؟)) فقالت: اشتَرَيتُها لتَقْعُدَ
عليها وتَوَسَّدَها، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ أصحابَ هذه الصُّوَرِ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ، ويقال
لهم: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ))، وقال: ((إنَّ البيتَ الذي فيه الصّوَرُ لا تَدخُلُه الملائكةُ)).
قوله: ((باب مَن لم يَدخُل بيتاً فيه صورة)) ذكر فيه حديث عائشة في النُّمرُقة، وقد تقدَّم
٣٩٣/١٠ بيانه في ((باب مَن كَرِهَ القُعود/ على التَّصاوير))(١).
قال الرَّافعيّ: وفي دخول البيت الذي فيه الصّورة وجهان: قال الأكثر: يُكرَه، وقال أبو
محمَّد: يَجُم، فلو كانت الصّورة في مَمَرّ الدَّار لا داخلَ الدَّار، كما في ظاهر الحمّام، أو دِهلیزها، لا
يَمْتَنِعُ الدُّخول، قال: وكأن السَّبَب فيه أنَّ الصّورة في الممَرّ ◌ُمتَهَنة، وفي المجلِس مُكرَمة. قلت:
وقصَّة إطلاق نَصّ ((المختصر)) وكلام الماوَرْديّ وابن الصَّاغ وغيرهما: لا فرقَ.
٩٥ - باب مَن لَعَنَ المصوِّر
٥٩٦٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ الشَّى، قال: حدَّثني غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَوْنِ بنِ أبي جُحَیفةً، عن
أبيه: أَنَّ اشْتَرَى غلاماً حَجّاماً، فقال: إنَّ النبيَّ ◌َّ نَهَى عن ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكلبِ، وكَسْبِ الْبَغِيِّ،
(١) باب رقم (٩١).

٢٧٥
باب ٩٦ / ح ٥٩٦٣
كتاب اللباس
ولَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه، والواشمةَ والمستَوشِمةَ، والمصوِّرَ.
قوله: ((باب مَن لَعَنَ المصوِّر)) ذكر فيه حديث أبي جُحَيفةَ، وقد تقدَّم بيانه في ((باب الواشمة))
(٥٩٤٥).
٩٦ - بابٌ من صوَّر صورةً كُلِّف يوم القيامة أن ينفخ فيها
الُّوح، وليس بنافخٍ
٥٩٦٣ - حدَّثنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا سعيدٌ، قال: سمعتُ النَّضْرَ
ابنَ أنسِ بنِ مالكٍ يُحدِّثُ قَتَادَةَ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عبَّاسٍ وهم يَسْألُونَه، ولا يَذْكُرُ النبيَّ ◌َِّ،
حتَّى سُئلَ فقال: سمعتُ محمَّداً ◌َّهِ يقول: ((مَن صَوَّرَ صورةً في الدُّنْيا، كُلِّفَ يومَ القيامةِ أن
ینفُخَ فیھا الرّوحَ، ولیس بنافخ)».
قوله: ((بابٌّ مَن صَوَّرَ صورة ... )) إلى آخره، كذا تَرجَمَ بلفظ الحديث، ووَقَعَ عند
النَّسَفيِّ: ((باب)) بغير ترجمة، وثَبَتَتِ التَّرجمة عند الأكثر، وسَقَطَ الباب والتّرجمة من رواية
الإسماعيليّ، وعلى ذلك جَرَى ابن بَطّال، ونُقِلَ عن المهلَّب توجيه إدخال حديث الباب في
الباب الذي قبله، فقال: اللَّعن في اللّغة: الإبعاد من رحمة الله تعالى، ومَن كُلِّفَ أن يَنفُخ الرّوح
وليس بنافخ، فقد أُبعِدَ من الرَّحمة.
قوله: ((حدَّثْنا عيَّاش)) هو بالتَّحتانيَّة وبالشّينِ المعجَمة، وعبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى،
وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة، والسَّنَد كلّه بصريّونَ.
قوله: ((سمعتُ النَّضْر بن أنس بن مالك يُحدِّث قَتَادةَ)) كان سعيد بن أبي عَرُوبة كثيرَ
الملازمة لقَتَادة، فاتَّفَقَ أنَّ قَتَادة والنَّضر بن أنس اجتَمَعا، فحدَّث النَّضرُ قَتَادةَ فسمعَه سعيد
وهو معه، ووَقَعَ في رواية المُستَمْلِي وغيره: ((يُحدِّثه قَتَادة)) والضَّمير للحديث، وقَتَادة بالنَّصبِ
على المفعولِيَّة، والفاعل النَّضر، وضَبَطَه بعضهم بالرَّفع على أنَّ الضَّمير للنَّرِ وفاعل ((يُحدِّث))
قَتَادة، وهو خطأ لأنَّه لا يُلائم قوله: ((سمعتُ النَّضر)) ولأنَّ قَتَادة لم يسمع من ابن عبّاس ولا
حَضَرَ عنده، وقد تقدَّم (٢٢٢٥) تصريح البخاريّ بأنَّ سعيداً سمعَ من النَّضر هذا الحديث

٢٧٦
باب ٩٦ / ح ٥٩٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
الواحد، ووَقَعَ في رواية خالد بن الحارث عن سعيد عن قَتَادة عن النَّضر بن أنس، أخرجها
الإسماعيليّ، وقوله: ((عن قَتَادة)) من المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد، فإن كان خالد حَفِظَه احتَمَلَ أن
يكون سعيد كان سمعَه من قَتَادة عن النَّضر، ثمَّ لَقِيَ النَّرَ فسمعَه منه، فكان مُحدِّث به على
الوجهَين، وقد حدَّث به قَتَادةُ عن النَّضر من غير طريق سعيد، أخرجها الإسماعيليّ من رواية
هشام الدَّستُوائيّ عن قَتَادة.
قوله: «وهم يسألونَ، ولا یذکر النبيَّ پڼ» أي: مُسھم عَّا يسألونه بالفتوى من غیر أن یذُر
الدَّليل من السُّنّة، وقد وَقَعَ بيانُ ذلك عند الإسماعيليّ من رواية ابن / أبي عَديّ عن سعيد، ٤/١٠!
ولفظه: فجَعَلوا يَستَفْتُونَه ويُفِيهم، ولم يَذكُر فيما يُفتيهم النبيَّ ◌َِّ.
قوله: ((حتَّى سُئلَ فقال: سمعتُ)) كذا أبهَمَ المسألة، وبيَّنها ابنُ أبي عَديّ عن سعيد، ففي
روايته: حتَّى أتاه رجل من أهل العراق - أُراه نَجّاراً - فقال: إنّي أُصَوِّر هذه التَّصاوير، فما
تأمرُني؟ فقال: إذاً سمعتُ، وتقدَّم في البيوع (٢٢٢٥) من رواية سعيد بن أبي الحسن قال:
كنتُ عند ابن عبّاس إذ أتاه رجل، فقال: يا أبا عبَّاس، إنّ إنسان إنَّما مَعِيشَتي من صَنْعة
يدي.
قوله: ((مَن صَوَّرَ صورة في الدُّنْيا)) كذا أطلقَ، وظاهره التَّعميم فيتناول صورةً ما لا روح
فيه، لكن الذي فَهِمَ ابن عبّاس من بَقيَّة الحديث التَّخصيصُ بصورة ذوات الأرواح من
قوله: ((كُلِّفَ أن يَنفُخ فيها الرّوح)) فاستَثَنَى ما لا روح فيه كالشَّجَر.
قوله: ((كُلِّفَ يومَ القيامة أن يَنفُخ فيها الُّوحَ، وليس بنافخ)) في رواية سعيد بن أبي
الحسن: ((فإنَّ الله يُعذِّبه حتَّى يَنفُخ فيها الرّوح، وليس بنافخ فيها أبداً»، واستعمال ((حتَّى))
هنا نَظير استعمالها في قوله تعالى: ﴿حَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وكذا قولهم: لا
أفعَلُ كذا حتَّى يَشِيب الغُراب.
قال الكِرْ مانيُّ: ظاهره أنَّه من تكليف ما لا يُطاق، وليس كذلك، وإنَّما القصدُ طولُ تعذيبه
وإظهار عجزه عَّا كان تَعاطاه، ومُبالَغة في توبيخه وبیان قُبْح فِعله.

٢٧٧
باب ٩٦ / ح ٥٩٦٣
كتاب اللباس
وقوله: «لیس بنافخ)) أي: لا يُمكِنه ذلك فیکون مُعذَّباً دائماً، وقد تقدَّم في ((باب عذاب
المصوِّرينَ)) (٥٩٥١) من حديث ابن عمر: أنَّه يقال للمُصوِّرينَ: أَحيُوا ما خَلَقتُم، وأنَّه أمر
تعجيز، وقد استُشكلَ هذا الوعيد في حقّ المسلم، فإنَّ وعيد القاتل عمداً يَنقَطِع عند أهل السُّنّة
مع وُرود تخليده بحملِ التَّخليد على مُدّة مَدِيدة، وهذا الوعيد أشدّ منه لأنَّه مُغَيّاً بما لا
يُمكِن وهو نفخُ الرّوح، فلا يَصِحُ أن يُحِمَل على أنَّ المراد أنَّه يُعَذَّب زماناً طويلاً، ثمَّ يَتَخلَّص.
والجواب: أنَّه يَتَعيَّن تأويلُ الحديث على أنَّ المراد به الزَّجر الشَّديد بالوعيدِ بعِقاب الكافر،
ليكونَ أبلَغَ في الارتداعِ، وظاهره غير مُراد، وهذا في حقّ العاصي بذلك، وأمَّا مَن فَعَلَه
مُستَحِلَّا فلا إشكال فيه.
واستُدِلَّ به على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى للُحوقِ الوعيد بمَن تَشَبَّه بالخالق،
فدَلَّ على أنَّ غير الله ليس بخالقٍ حقيقةً. وقد أجابَ بعضهم بأنَّ الوعيد وَقَعَ على خلق
الجواهر، ورُدَّ بأنَّ الوعيد لاحقٌّ باعتبار الشَّكل والهيئة، وليس ذلك بجوهرٍ، وأمَّا استثناء غير
ذي الرُّوحِ، فَوَرَدَ مَورِدَ الرُّخصة كما قَرَّرتُه.
وفي قوله: ((كُلِّفَ يوم القيامة)) رَذِّ على مَن زَعَمَ أنَّ الآخرة ليست بدار تكليف. وأُجيبَ: بأنَّ
المراد بالنَّفي أنَّها ليست بدار تكليف بعَمَلِ يَتَرتَّب عليه ثواب أو عِقاب، وأمَّا مِثلُ هذا التكليف
فليس بمُمتنعٍ لأَنَّه نفسه عذاب، وهو نَظِير الحديث الآخر: ((مَن قتل نفسه بحديدةٍ، فحدیدُه
في يده یَجَأ بها نفسه يوم القيامة))، وسيأتي في موضعه(١).
وأيضاً فالتكليف بالعَمَلِ في الدُّنيا حسنٌ على مُصطَلَح أهل علم الكلام، بخِلَاف هذا
التَّكليف الذي هو عذاب. واستُدِلَّ به على جواز التَّكليف بما لا يُطاق، والجواب ما تقدَّمَ.
وأيضاً فَنَفخُ الرّوح في الجَمَاد قد وَرَدَ مُعجِزةً للنبِّ وَِّ فهو يُمكِّن، وإن كان في وقوعه
خرق عادةٍ، والحقّ أنّه خطابُ تعجیز لا تكلیف کما تقدَّمَ، والله أعلم. وقد تقدَّم في ((باب بيع
(١) سلف هذا الحديث مرتين برقم (١٣٦٣) وبرقم (٥٧٧٨)، وشرح في الموضع الأول، وليس له موضع
آتٍ كما ذكر الحافظ.

٢٧٨
باب ٩٦ / ح ٥٩٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
التَّصاوير)) في أواخر البيوع (٢٢٢٥) زيادة سعيد بن أبي الحسن في روايته: أنَّ ابن عبّاس
قال للرجلِ: وَيَحَك، إن أبيتَ إلّا أن تَصنَع فعليك بهذا الشَّجَر ... الحديث، مع ضبط لفظه
وإعرابه.
واستُدِلَّ به على جواز تصوير ما لا روح له من شَجَر أو شَمس أو قمر، ونَقَلَ الشَّيخ
أبو محمَّد الجُوينيّ وجهاً بالمنع؛ لأنَّ من الكفَّار مَن عَبَدَها. قلت: ولا يَلزَمُ من تعذيب مَن يُصَوِّر
ما فيه روح بما ذُكِرَ تجويزُ تصوير ما لا روح فيه، فإنَّ عمومَ قوله: ((الذينَ يُضاهُونَ بخلقِ الله)،
وقوله: ((ومَن أظلمُ ممّن ذهب يَخْلُق كخلقي))(١) يتناول ما فيه روح وما لا روح فيه، فإن خُصَّ ما
٣٩٥/١٠ فيه روح بالمعنى من جهة أنَّه ممّاً لم تَجِرِ عادة الآدميّينَ بصَنعَتِه، وجَرَت / عادتُهم بغَرسِ الأشجار
مثلاً، امتَنَعَ ذلك في مِثل تصوير الشمس والقمر، ويَتأكَّد المنُ بما ◌ُبِدَ من دون الله، فإنّه يُضاهِي
صورة الأصنام التي هي الأصل في منع التّصویر، وقد قَّدَ مجاهد صاحب ابن عبّاس جواز
تصوير الشَّجَر بما لا يُثمِر، وأمَّا ما يُثمِر فألحَقَه بما له روح.
قال عِيَاض: لم يَقُله أحد غير مجاهد، ورَدَّه الطَّحَاوِيُّ: بأنَّ الصّورة لمَّا أُبيحَت بعد قطع
رأسها التي لو قُطِعَت من ذي الرّوح لمَا عاشَ، دَلَّ ذلك على إباحة ما لا روح له أصلاً. قلت:
وقضيَّتَه أنَّ تجويز تصوير ما له روح بجميع أعضائه إلّ الرَّأس فيه نظرٌ لا يَخْفَى، وأظنُّ مجاهداً
سمعَ حديث أبي هريرة الماضي (٥٩٥٣) ففيه: ((فليَخلُقُوا ذَرّة، وليَخلُقُوا شَعِیرة»، فإنَّ في ذِكْر
النَّة إشارة إلى ما له روح، وفي ذِكْر الشّعیرة إشارة إلى ما ینبُت ممّا يُؤگل، وأمَّا ما لا روح فيه ولا
يُثمِر فلا تقع الإشارة إليه.
ويُقابل هذا التَّشديد ما حكاه أبو محمَّد الجُوينيّ: أنَّ نَسْج الصّورة في الثَّوب لا يَمْتَنِعِ، لأَنَّه
قد يُلبَس، وطَرَدَه المتولّي في التَّصوير على الأرض ونحوها، وصَحّح النَّوويّ تحريم جميع ذلك،
قال النَّوويّ: ويُستَئِنَى من جواز تصوير ما له ظِلّ ومن المّخاذه لُعَبُ البنات، لما وَرَدَ من الرُّخصة
في ذلك. قلت: وسأذكر ذلك في كتاب الأدب (٦١٣٠) واضحاً إن شاء الله تعالى.
(١) سلف الأول برقم (٥٩٥٤)، والثاني برقم (٥٩٥٣).

٢٧٩
باب ٩٧ -٩٨ / ح ٥٩٦٤- ٥٩٦٥
كتاب اللباس
٩٧ - باب الارتداف على الدَّابّة
٥٩٦٤- حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا أبو صَفْوانَ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ،
عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌ِ لَ رَكِبَ على حمارٍ على إِكَافٍ عليه قَطِيفةٌ فَدَكِيَّةٌ،
وأَرَدَفَ أُسامةَ وراءه.
قوله: ((باب الارتِداف على الدَّابَة)) أي: إركابُ راكب الدَّابّة خلفَه غيرَه، وقد كنتُ
استَشكَلتُ إدخال هذه التَّراجِم في كتاب اللِّباس، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ وجهه: أنَّ الذي يَرتَدِف لا
يأمَن من السُّقوط فيَنْكَشِف، فأشارَ إلى أنَّ احتمال السُّقوط لا يَمنَعُ من الارتداف، إذ الأصل
عَدمُه، فيَتَحقَّظ المرتَدِفُ إذا ارتَلَفَ من السُّقوط، وإذا سَقَطَ فليُبادِر إلى السَّتر، وتَلَقَّيْتُ فَهْمَ
ذلك من حديث أنس في قصَّة صَفيَّة الآتي في ((باب إرداف المرأة خَلف الرجل)) (٥٩٦٨). وقال
الكِرماني: الغرض الجلوسُ على لباس الدَّابّة وإن تَعَدَّدَ أشخاصُ الرَّاكِين عليها، والتَّصريح
بلفظ القَطِيفة في الحديث الثّامن مُشعِر بذلك.
قوله: ((أبو صَفْوان)) هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأُمَويّ.
قوله: «رکِبَ علی حمار)» هو طَرَفٌ من حدیث طویل تقدَّم أصله في العلم، ویأتي بهذا
السَّنَد في الاستئذان ثمَّ في الرِّقاق(١)، وهو ظاهر في مشروعيَّة الارتداف.
٩٨ - باب الثّلاثة على الدَّابّة
٥٩٦٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما، قال: لمَّا قَدِمَ النبيُّ وَِّ مِكَّةَ اسْتَقْبَلَه أُغَيِمةُ بني عبدِ المطَّلِبِ، فَحَمَلَ واحداً بينَ
يَدَيه والآخَرَ خَلْفَه.
قوله: ((باب الثَّلاثة على الذَّابّة)) كأنَّه يشير إلى الزّيادة التي في حديث الباب الذي بعده،
(١) لم يعزه المزى في ((التحفة)) (١٠٥) للعلم ولا للاستئذان، ولا للرقاق، لكن هو في الاستئذان (٦٢٥٤) من
طريق معمر عن الزهري عن عروة، وليس بإسناد حديث الباب، وقد سلف بهذا الإسناد ذاته في الجهاد
برقم (٢٩٨٧).

٢٨٠
باب ٩٨ / ح ٥٩٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
والأصل في ذلك ما أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٧٥١٢) عن جابر: نَهَى رسول الله وَّه
٣٩٦/١٠ أن يَركَب ثلاثةٌ على دابّة، وسنده ضعيف، وأخرج الطبري/ عن أبي سعيد رَفَعَه: ((لا يَركَب
الدَّابّةَ فوق اثنَينٍ)) وفي سنده لِين(١).
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٩/ ٣٦) من مُرسَل زاذانَ: أنَّه رأى ثلاثةً على بغل، فقال: لِيَنزِلْ
أحدُكم، فإنَّ رسول الله وَّهِ لَعَنَ الثّالث، ومن طريق أبي بُرْدة عن أبيه نحوه، ولم يُصرِّح
برفعِه، ومن طريق الشَّعْبِيّ قولَه مِثله، ومن حديث المهاجِر بن قُنفُذ: أنَّه لَعَنَ فاعل ذلك،
وقال: إنّا قد نُهِينا أن يركب الثلاثة على الدَّابّة، وسنده ضعيف، وأخرج الطََّريُّ عن عليّ
قال: إذا رأيتُم ثلاثة على دابّة فارُوهم حتَّى يَنزِل أحدهم. وعكسُه ما أخرجه الطَّبَرُّ
أيضاً بسندٍ جيّد عن ابن مسعود قال: كانوا يومَ بدر ثلاثةً على بعير(٢) وأخرج الطبرانيُّ
وابن أبي شَيْبة (٩/ ٣٤) أيضاً من طريق الشَّعْبيّ عن ابن عمر قال: ما أُبالي أن أكون عاشرَ
عَشَرة على دابّة إذا أطاقت حمَلَ ذلك؛ وبهذا يُجمَع بين مُخْتَلِفِ الحديث في ذلك، فيُحمَل ما
وَرَدَ في الَّجْر عن ذلك على ما إذا كانت الدَّابّة غير مُطيقةٍ كالحمار مثلاً، وعكسُه على
عكسِه كالناقة والبغلة.
قال النَّوويّ: مذهبنا ومذاهب العلماء كافّة: جوازُ رُكوب ثلاثة على الدَّابّة إذا كانت مُطِيقة،
وحكى القاضي عِيَاض منعَه عن بعضهم مُطلَقاً، وهو فاسد. قلت: لم يُصرِّح أحد بالجوازِ مع
العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلَق في المنع والجواز محمولٌ على المقيَّد.
قوله: ((خالد)» هو ابن مِهْران الحَذّاء.
قوله: «لمَّا قَدِمَ النبيُّ څ مگَّة)) يعني: في الفتح.
قوله: (اسْتَقبَلَه)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((استَقَبَلَته)). و«أُغَيِمة)) تصغير غِلْمة، وهو جمع
غُلام على غير قياس، والقياس: غُلَيْمة، وقال ابن التِّين: كأنَّهم صَغَّروا أغلِمة على القياس وإن
كانوا لم يَنطِقوا بأَغلِمة، قال: ونظيره: أُصَيِيةٌ، وإضافتُهم إلى عبد المطَّلِب لكَونِم من ذُرَيَّته.
(١) وهو في ((الأوسط)) أيضاً (٤٨٥٢).
(٢) وأخرجه أيضاً أحمد (٣٩٠١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٧٥٦)، والعزو لهما أَولى.