Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
باب ٤٩ / ح ٥٨٧٢ - ٥٨٧٣
كتاب اللباس
٤٩ - باب نقش الخاتم
٥٨٧٢- حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ
مالكٍ ﴾: أنَّ نبيَّ الله ◌َّهِ أرادَ أن يَكتُبَ إلى رَهْطٍ - أو أُناسٍ - منَ الأعاجِمِ، فِقِيلَ له: إنَّهم لا
يَقبَلونَ كتاباً إلّا عليه خاتَمٌّ، فاتَّخَذَ النبيُّ ◌َِّ خاتماً من فِضّةٍ، نَقْشُه: محمَّدٌ رسولُ الله، فكانّ
بَوَبِيصٍ - أو بيَصِيصٍ - الخاتَمِ فِي إِصْبَعِ النبيِّ وَلِّ، أو في كَفِّه.
٥٨٧٣- حدَّثني محمَّدُ بنُ سَلَام، أخبرنا عبدُ الله بنُّ نُمَير، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمر رضي الله عنهما، قال: اتخذَ رسولُ الله ګ خاتماً من وَرِقٍ، و کان في یدِه، ثمَّ کان بعدُ في يدِ
أبي بكرٍ، ثمَّ كان بعدُ في يدِ عمرَ، ثمَّ كان بعدُ في يدِ عثمانَ، حتَّى وَقَعَ بعدُ في بثِْ أَرِيسٍ، نَقْتُه:
محمَّدٌ رسولُ الله.
قوله: ((باب نَقْش الخاتم)) ذكر فيه حدیثینِ:
٣٢٤/١٠
أحدهما: عن أنس.
قوله: ((حدَّثنا عبد الأعْلَى)) هو ابن حَّاد، وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة.
قوله: ((أرادَ أن يَكتُب إلى رَهْط، أو أُناس)) هو شكٌّ من الراوي.
قوله: ((من الأعاجم)) في رواية شُعْبة عن قَتَادة كما يأتي بعد بابٍ (٥٨٧٥): إلى الرُّوم.
قوله: ((فقيلَ له)) في مُرسَل طاووسٍ عند ابن سعد (١ /٤٧٥): أنَّ قريشاً هم الذينَ قالوا
ذلك للنبيِّ أَلّد.
قوله: ((نَقْشُه: محمَّدٌ رسول الله)) زاد ابن سعد (١ / ٤٧٤) من مُرسَل ابن سِيرِين: ((بسمِ الله،
محمَّد رسول الله)) ولم يُتَابَع على هذه الزّيادة، وقد أورَدَه من مُرسَل طاووسٍ والحسن البصريّ
وإبراهيم النَّخَعيِّ وسالم بن أبي الجَعْد وغيرهم، ليس فيه الزّيادة، وكذا وَقَعَ في الباب من
حديث ابن عمر، وأمَّا ما أخرجه عبد الرَّزّاق (١٩٤٦٩) عن مَعمَر عن عبد الله ابن محمَّد
ابن عَقِيل: أنَّه أخرج لهم خاتماً، فَعَمَ أنَّ رسول الله ێ کان یَلبَسُه، فیه تمثال أسد، قال مَعمَر:
فغَسَلَه بعض أصحابنا فشَرِبه، ففیه مع إرساله ضعفٌ، لأنَّ ابن عقيل مختلف في الاحتجاج به

١٤٢
باب ٥٠-٥١ / ح ٥٨٧٤ -٥٨٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
إذا انفَرَدَ، فكيف إذا خالَفَ، وعلى تقدير ثبوته فلعلَّه لَبِسَه مرَّةً قبل النَّهي.
قوله: ((في إصْبَعِ النبيّ وََّ، أو في كَفِّه)) شكٌّ من الراوي، ووَقَعَ في رواية شُعْبة: في يَده،
وسيأتي من وجه آخر عن أنس في الباب الذي بعده: في خِنِصِره.
الحديث الثاني: حديث ابن عمر، وقد تقدَّم شرحه في ((باب خاتم الفِضّة)) (٥٨٦٦).
٥٠- باب الخاتم في الخنصر
٥٨٧٤- حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، عن أنسٍ ◌َ
قال: صَنَعَ النبيُّ ◌َّهِ خَاتَماً، قال: ((إنّا لَّخِذْنا خاتماً، ونَقَشْنا فيه نَقْشاً، فلا يَنْقُشْرِ عليه أحدٌّ)). قال:
فإنّي لأَرَى بَرِيقَه في ◌ِنْصِرِه.
قوله: ((باب الخاتم في الخِنْصِر)) أي: دونَ غيرها من الأصابع، وكأنَّه أشارَ إلى ما أخرجه
مسلم (٢٠٧٨) وأبو داود (٤٢٢٥) والتِّرمِذيّ (١٧٨٦) من طريق أبي بُرْدة بن أبي موسى
عن عليّ قال: نَهاني رسول الله وَّهِ أن ألبَسَ خاتمي في هذه، وفي هذه؛ يعني: السَّابة
والوُسطَى، وسيأتي بيان أيّ الخِنِصِرَينِ: الْيُمنَى أو اليُسرَى كان يَلْبَس الخائَمَ فيه بعد باب.
قوله: ((فلا يَنْقُشْر عليه أحد)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ وحده: ((يَنْقُشَنَّ) بالنّونِ المؤَكِّدة، وإِنَّا نَى
أن يَنقُش أحد على نَقَشِه لأنَّ فيه اسمه وصِفَته، وإِنَّا صَنَعَ فيه ذلك ليَخْتِمَ به، فيكون علامة
تَخْتَصّ به وتميزُه عن غيره، فلو جازَ أن يَنقُش أحد نَظِيرَ نَقشِه، لفاتَ المقصود.
٥١ - باب اتخاذ الخاتم ليُختَم به الشّيءُ، أو ليكتبَ به
إلى أهل الكتاب وغيرهم
٥٨٧٥- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ، قال: لمَّا أرادَ
النبيُّ ◌َّهِ أَن يَكْتُبَ إلى الرُّومِ، قيل له: إنَّهم لن يَقرَؤوا كتابَكَ إذا لم يكن مختوماً، فاتَّخَذَ خاتماً من
فِضّةٍ، ونَفْئُه: محمَّدٌ رسولُ الله، فكأنَّما أنظُرُ إلى بياضِه في يدِه.
قوله: ((باب اُّخاذ الخاتم)) سَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ.
٣٢٥/١٠

١٤٣
باب ٥١ / ح ٥٨٧٥
كتاب اللباس
قال الخطّابيُّ: لم يكن لباس الخاتم من عادة العرب، فلمَّا أراد النبيُّ وَِّ أن يَكتُب إلى
الملوك النَّخَذَ الخاتم، واَّخَذَه من ذهب، ثمَّ رَجَعَ عنه لما فيه من الزّينة ولما يُحْشَى من الفتنة،
وجَعَلَ فصَّه مَّ يَلي باطنَ كَفّه ليكونَ أبعَدَ من التَّزُيُّن. قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)):
دَعْواه أنَّ العرب لا تَعرِف الخاتم عجيبة، فإنَّه عربيّ، وكانت العرب تَستَعمِله. انتهى،
ويحتاج إلى ثُبوت لُبسِه عن العرب، وإلّا فكَونُه عربيّاً واستعمالهم له في خَتْم الكتب لا يَرُدّ
على عبارة الخطَّبيّ.
وقد قال الطَّحاويُّ (٢٦٥/٤) بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه أحمد (١٧٢٠٩)
وأبو داود (٤٠٤٩) والنَّسائيُّ (٥٠٩١) عن أبي رَتْجانة قال: نَهَى رسول الله وَلَ عن لُبْس
الخاتَم إلّا لذي سُلْطان(١): ذهب قوم إلى كراهة لُبس الخاتَم إلّا لذي سلطان، وخالَفَهم
آخرونَ فأباحوه، ومن حُجَّتهم حديثُ أنس المتقدِّم (٥٨٦٨): أنَّ النبيَّ ◌َِّ لمَّا ألقَى خاتَمَه
ألقَى الناس خواتيمهم؛ فإنَّه يدلّ على أنَّه كان يَلبَس الخائَمَ في العهد النبويّ مَن ليس ذا
سلطان، فإن قيل: هو منسوخ، قلنا: الذي نُسِخَ منه لبسُ خاتَم الذَّهَب، قلت: أو لبس
الخاتم المنقوش عليه نقشَ خاتم النبيّ وَِّ كما تقدَّم تقريره، ثمَّ أورَدَ عن جماعة من الصحابة
والتابعينَ: أنَّهم كانوا يَلبَسونَ اخواتیمَ ممَّن ليس له سلطان. انتهى، ولم يجب عن حديث أبي
ريجانة.
والذي يظهر أنَّ لُبسَه لغير ذي سلطان خِلَاف الأَوْلى، لأنَّه ضربٌ من التَّزُيُّن، واللّائق
بالرِّجال خِلافه، وتكون الأدلّة الدَّالّة على الجواز هي الصّارفة للنَّهي عن التَّحريم، ويُؤيِّده
أنَّ في بعض طرقه: نهى عن الزّينة والخاتَم ... الحديث، ويُمكِّن أن يكون المراد بالسُّلطان
مَن له سَلْطنة على شيء ما، يحتاج إلى الختم عليه لا السُّلطان الأكبر، خاصّة والمراد بالخاتَمِ
ما يُخْتَم به، فيكون لُبسُه عَبَثاً، وأمَّا مَن لَبِسَ الخاتم الذي لا يُخْتَم به، وكان من الفِضّة للزِّينة
فلا يَدخُل في النَّهي، وعلى ذلك يُحمَل حال مَن لَبِه، ويُؤيِّده ما وَرَدَ من صِفَة نقش خواتم
(١) في إسناده ضعفٌ، فلا يقوى حُجَّةً أمام الأحاديث الصحيحة الواردة في الجواز، وسيذكر الحافظ لاحقاً
أنَّ الإمام مالكاً سُئل عن حديث أبي ريحانة هذا فضعَّفه.

١٤٤
باب ٥٢ / ح ٥٨٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
بعض مَن كان يَلبس الخاتم، ممَّا يدلّ على أنَّها لم تكن بصِفَة ما يُخْتَم به، وقد سُئلَ مالك عن
حديث أبي رَجانة فضَعَّفَه، وقال: سألَ صَدَقةٌ بن يَسارٍ سعيد بن المسيّب، فقال: البَس الخاتَم،
وأخبر الناسَ أنّي قد أفتَيتُك، والله أعلم.
تكملة: جَزَمَ أبو الفتح اليَعمَريّ أنَّ اتّخاذ الخاتم كان في السَّنة السابعة، وجَزَمَ غيره بأنَّه
كان في السادسة، ويُجمَع بأنّه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة، لأنَّه إنَّما اتَّخَذَه عند إرادته
مُكاتَبَةَ الملوك كما تقدَّمَ، وكان إرساله إلى الملوك في مُدّة الهُدْنة، وكان في ذي القَعْدة سنة ستٍّ،
ورَجَعَ إلى المدينة في ذي الحِجّة، ووجَّهَ الرُّسُل في المحرَّم من السابعة، وكان اتّخاذه الخاتَمَ
قبل إرساله الرُّسُلَ إلى الملوك، والله أعلم.
٥٢- باب من جعل فصَّ الخاتم في بطن كفّه
٥٨٧٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيِرِيَّةُ، عن نافعٍ، أنَّ عبدَ الله حدَّثه: أنَّ النبيَّ وَّل
اصطَنَعَ خاتماً من ذهبٍ وجَعَل فَصَّه في بَطْنِ كَفِّه إذا لَبِسَه، فاصطَنَعَ الناسُ خَوَاتيمَ من ذهبٍ،
فَرَقِيَ المِنْبَ، فَحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، فقال: ((إنّي كنتُ اصطَنَعتُه، وإنّ لا ألبَسُه)) فنَبَذَه، فَتَبَذَ
الناسُ. قال جُوَيِرِيَةُ: ولا أحسَبُهُ إلّا قال: في يدِه اليُمنَى.
قوله: ((باب مَن جَعَلَ فصّ الخاتم في بَطْن كَفّه)) سَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرِّ، قال
ابن بطّال: قیل مالك: مُجعَل الفَصُّ في باطن الگفّ؟ قال: لا. قال ابن بطال: ليس في حَوْن
٣٢٦/١٠ فصّ الخاتم في بطن الكَفّ ولا ظَهرِها أمر / ولا نهي. وقال غيره: السِّرُّ في ذلك أنَّ جَعْله في
بطن الكَفّ أبعَدُ من أن يُظنّ أنَّه فَعَلَه للتَّزيُّنِ به، وقد أخرج أبو داود (٤٢٢٩) من حديث
ابن عبّاس: جَعَله في ظاهر الكفّ، كما سأذكره قريباً.
قوله: ((حدَّثنا جُوَيرية)) هو ابن أسماء، وعبد الله: هو ابن عُمَر.
قوله: ((اصطَنَعَ خاتَماً من ذهب، وجَعَلَ، كذا للأكثر، وللمُستَمْلي والسَّرَخْسيّ: ويجعل،
وقد تقدَّم شرح الحديث في ((باب خاتم الفِضّة)) (٥٨٦٦).
قوله: «قال جویریة: ولا أحسبه إلا قال: في ید، الیمنی» هو موصول بالإسناد المذكور، قال

١٤٥
باب ٥٢ / ح ٥٨٧٦
كتاب اللباس
أبو ذَرِّ في روايته: لم يقع في البخاريّ موضعُ الخاتَم من أيّ اليدَينِ إلّا في هذا. وقال الدَّاوُوديُّ: لم
يَجِزِمْ به جويريةٌ، وتَوَاطُؤْ الرِّوايات على خِلَافه يدلّ على أنَّه لم يحفظه، وعملُ الناس على لُبْس
الخاتَم في اليسار يدلّ على أنَّه المحفوظ.
قلت: وكلامه مُتَعقَّب، فإنَّ الظَّنّ فیه من موسی شیخ البخاريّ، وقد أخرجه ابن سعد
(١/ ٤٧٠) عن مسلم بن إبراهيم، وأخرجه الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان عن عبد الله
ابن محمَّد بن أسماء، كلاهما عن جويرية، وجَزَما بأنَّه لَبِسَه في يده اليُمنَى، وهكذا أخرج
مسلم (٢٠٩٠) من طريق عُقْبة بن خالد عن عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في قصَّة
التَّخاذ الخاتَم من ذهب، وفيه: وجعله في يده اليُمنَى، وأخرجه التُّرمِذيّ (١٧٤١) وابن سعد
(١/ ٤٧٠) من طريق موسى بن عُقْبة عن نافع بلفظ: صَنَعَ النبيُّوَلَّ خَاتَماً من ذهب، فتَخْتَّمَ به
في يمينه، ثمَّ جَلَسَ على المِبَرَ، فقال: ((إنّي كنت الَّخذتُ هذا الخاتَم في يميني))(١) ثمَّ نَذَه ...
الحديث، وهذا صريح من لفظه ◌َ له رافعٌ للَّبسِ، وموسى بن عُقْبة أحد الثِّقات الأثبات، وأمّا ما
أخرجه ابن عَديّ من طريق محمّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى(٢)، وأبو داود (٤٢٢٧) من طريق
عبد العزيز بن أبي رَوّادٍ، كلاهما عن نافع عن ابن عمر: كان النبيّ وَّهِ يَتَخْتَّم في يَساره، فقد قال
أبو داود بعده. ورواه ابن إسحاق وأُسامة بن زید عن نافع: «في یمینه» انتھی.
ورواية ابن إسحاق قد أخرجها أبو الشَّيخ في كتاب ((أخلاق النبيّ ◌َليّ)(٣) من طريقه،
وكذا رواية أُسامة، وأخرجها محمّد بن سعد أيضاً (١/ ٤٧٠)، فظَهَرَ أنَّ رواية اليسار في
حديث نافع شاذّة، ومَن رواها أيضاً أقلُّ عَدَداً وأليَنُ حِفظاً ممَّن روى اليمين، وقد أخرج
(١) هذا اللفظ للترمذي وحده، وهو عنده من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن موسى بن عقبة، وهذا
الحرف ((في يميني)) تفرد به عبد العزيز بن أبي حازم، وفي روايته كلام خفيف، ثم إنَّ الترمذي رواه في
((الشمائل)) أيضاً (٩٨) من هذا الطريق نفسه فلم يذكر هذا الحرف، فيغلب على ظنِّنا أنه في الحديث من
قول النبي ◌َّ شاذٌّ، والله تعالى أعلم.
(٢) لم نقف عليه من هذا الطريق عند ابن عدي في ((الكامل))، وهو عنده فيه ١/ ٣٨٠ من طريق العُمري -
وهو عبد الله - عن نافع عن ابن عمر.
(٣) ((أخلاق النبي)) ص١٢٦.

١٤٦
باب ٥٢ / ح ٥٨٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
الطبرانيُّ في («الأوسط)» (٤٥٣٩) بسندٍ حسن عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان
النبيّ وَ لِّ يَتَخْتَّم في يمينه، وأخرج أبو الشَّيخ في كتاب ((أخلاق النبيّ وَّ) من رواية خالد
ابن أبي بكر عن سالم عن ابن عمر نحوه، فَرَجَحَت روايةٌ اليمين في حديث ابن عمر أيضاً.
وقد وَرَدَ النَّخَتُّم في اليمين أيضاً في أحاديث أُخرَى: منها عند مسلم (٢٠٩٤) من
حديث أنس: أنَّ النبيَّ ◌َل﴿ لَبِس خاتماً من فضّة في يمينه، فصُّه حبشيّ.
وأخرج أبو داود أيضاً (٤٢٢٩) من طريق ابن إسحاق قال: رأيتُ على الصَّلت بن
عبد الله خاتَماً في خِنِصِره اليُمنَى، فسألته فقال: رأيت ابن عبّاس يَلبَس خاتمه هكذا - وجَعَلَ
فصَّه على ظَهرِها - ولا إخالُ ابنَ عبَّاس إلّا ذكره عن النبيّ ◌َّهِ، وأورَدَه الِّرمِذيّ (١٧٤٢)
من هذا الوجه مختصراً: رأيت ابن عبّاس يَتَخَّم في يمينه، ولا إخالُه إلّا قال: رأيت
رسول الله وَ﴿ يَتَخْتَّم في يمينه، وللطََّرانيّ (١١٨١٥) من وجه آخر عن ابن عبّاس: كان
النبيّ ◌َ﴾﴿ يَتَخَّم في يمينه، وفي سنده لین.
وأخرج التِّرمِذيّ أيضاً (١٧٤٤) من طريق حمَّد بن سَلَمة: رأيتُ ابن أبي رافع يَتَخَّم في
يمينه وقال: رأيتُ عبد الله بن جعفر يتخَّم في يمينه(١)، وقال: كان النبيّ وَِّ يَتَخَّم في
يمينه، ثمَّ نقلَ عن البخاريّ: أنَّه أصحّ شيء رُويَ في هذا الباب.
وأخرج أبو داود (٤٢٢٦) والنَّسائيُّ (٥٢٠٣) والتِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٩٠) وصَحَّحَه
ابن حِبّان (٥٥٠١) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حُنَينٍ عن أبيه عن عليٍّ: أنَّ النبيَّ وَيه
کان یَتَخَّم في یمینه.
وفي الباب عن جابر في ((الشَّمائل)) (٩٣) بسندٍ لَيِّن، وعائشة عند البَزَّار(٢) بسندٍ لَيِّن، وعند
أبي الشَّيخ(٣) بسندٍ حسن، وعن أبي أمامة عند الطبرانيِّ (٧٩٥٣) بسندٍ ضعيف، وعن أبي
(١) قوله: ((رأيت عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه)) سقط من (س).
(٢) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢٩٩١).
(٣) في ((أخلاق النبي ◌َّ)) ص ١٢٥، وأبو الشيخ قد روى حديث عائشة بإسنادين: الأول مثل إسناد البزار،
وهو شديد الضعف، والثاني ضعيف وليس بحسنٍ كما قال الحافظ .

١٤٧
باب ٥٢ / ح ٥٨٧٦
كتاب اللباس
هريرة عند الدَّارَ قُطنيِّ في ((غرائب مالك)) بسندٍ ساقط.
ووَرَدَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَار من حديث ابن عمر كما تقدَّمَ، ومن حديث أنس أيضاً أخرجه
مسلم (٢٠٩٥)/ من طريق حمَّد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس قال: كان خاتم النبيّ ◌َل ـ في هذه، ٣٢٧/١٠
وأشارَ إلى الخِنِصِر اليُسرَى، وأخرجه أبو الشَّيخ والبيهقيُّ في ((الشِّعَب)) (٦٣٧٢) من طريق
قَتَادة عن أنس، ولأبي الشَّيخ من حديث أبي سعيد بلفظ: كان يلبس خاتمه في يساره، وفي
سنده لين، وأخرجه ابن سعد أيضاً (٤٧٧/١)، وأخرج البيهقيُّ في ((الأدب)) (٨٠٩) من طريق
أبي جعفر الباقر قال: كان النبيّ وَّهِ وأبو بكر وعمر وعليّ والحسن والحسين يَتَخْتَّمونَ في
اليسار، وأخرجه التِّرمِذيّ (١٧٤٣) موقوفاً على الحسن والحسين حَسْبُ.
وأمَّا دَعَوَى الدَّاوُودِيِّ: أنَّ العَمَل على النَّخَتُّم فِي الْيَسَار، فكأنَّه تَوقَّمَه من استحباب
مالك للتَّخَتُّم في اليسار(١)، وهو يُرجِّح عملَ أهل المدينة، فظنَّ أنَّه عملُ أهل المدينة، وفيه
نظرٌ، فإنَّه جاء عن أبي بكر وعمر وجَمعٍ جَمٍّ من الصحابة والتابعينَ بعدهم من أهل المدينة
وغيرهم الثَّخَتُّم في اليُمنَى، وقال البيهقيُّ في ((الأدب)): يُجمَع بين هذه الأحاديث: بأنَّ الذي
لسه في یمینه، هو خاتم الذَّهَب کما صرّح به في حديث ابن عمر، والذي لَبِسَه في يساره هو
خاتَم الفِضّة، وأمَّا رواية الزُّهْريِّ عن أنس التي فيها التَّصريح بأنَّه كان فِضّة، ولَسَه في يمينه،
فكأنَّها خطأ، فقد تقدَّم أنَّ الزُّهْريَّ وَقَعَ له وهمٌّ في الخاتم الذي طَرَحَه النبيّ ◌َِّيٍ(٢)، وأنَّه
وَقَعَ في روايته: أنَّه الذي كان من فِضّة، وأنَّ الذي في رواية غيره: أنَّه الذي كان من ذهبٍ،
فعلى هذا فالذي كان ◌َبِسَه في يمينه هو الذَّهَب، انتهى مُلخَّصاً.
وَمَعَ غيرُه: بأنَّه لَبِسَ الخاتمَ أوَّلاً في يمينه ثمَّ حَوَّلَه إلى يساره، واستَدَلَّ له بما أخرجه
أبو الشَّيخ وابن عَدِيّ (٢٦١/٣) من رواية عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر: أنَّ النبيَّ وَلَيه
تَخْتَّمَ في يمينه، ثمَّ إِنَّه حَوَّلَه في يساره، فلو صَحَّ هذا لكان قاطعاً للنِّراع، ولكن سنده ضعيف،
وأخرج ابن سعد (١/ ٤٧٣) من طريق جعفر بن محمَّد عن أبيه قال: طَرَحَ رسول الله ◌َّ خاتمه
(١) قوله: ((في اليسار)) سقط من (س).
(٢) هو الحديث السالف برقم (٥٨٦٨).

١٤٨
باب ٥٣ / ح ٥٨٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
الذَّهَب، ثمَّ تَخْتَّمَ خاتَماً من وَرِق، فجعله في يساره، وهذا مُرسَل أو مُعضَل، وقد جَمَعَ
البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)) بذلك، وأنَّه تَخْتَّمَ أوَّلاً في يمينه ثمَّ تَخْتَّمَ في يساره وكان ذلك آخرَ
الأمرَين، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زُرْعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك فقال: لا
يَثْبُت هذا ولا هذا، ولكن في يمينه أكثر، وقد تقدَّم قولُ البخاريّ: إنَّ حديث عبد الله بن
جعفر أصحُّ شيءٍ وَرَدَ فيه، وصُرِّحَ فيه بالتَّخَتُّمِ في اليمين، وفي المسألة عند الشافعيَّة اختلاف،
والأصحّ اليمين.
قلت: ويظهر لي أنَّ ذلك يختلف باختلاف القَصْد، فإن كان اللُّبس للتَّزَيُّنِ به فاليمين
أفضل، وإن كان للتَّخَتُّم به فاليسارُ أَولى، لأنَّه كالمودَع فيها، ويَحَصُل تَناوُلُه منها باليمين
وكذا وضعُه فيها، ويَترجَّح التَّخَتُّم في اليمين مُطلَقاً، لأنَّ اليسار آلة الاستنجاء، فيُصَان
الخاتَمُ إذا كان في اليمين عن أن تصيبَه النَّجاسة، ويَتَرجَّح التَّخَتُّم في اليسار بما أشرت إليه
من التَّنَاوُل. وجَنَحَت طائفةٌ إلى استواء الأمرَينِ، وجمعوا بذلك بين مُختَلَف الأحاديث،
وإلى ذلك أشارَ أبو داود حيثُ تَرجَمَ: ((باب التَّخَتُّم في اليمين واليَسَار)»، ثمَّ أَورَدَ
الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح (٤٢٢٦-٤٢٢٩)، ونَقَّلَ النَّوويّ وغيره
الإجماعَ على الجواز، ثمَّ قال: ولا كراهة فيه - يعني عند الشافعيَّة - وإنَّما الاختلاف في
الأفضل، وقال البَغَويُّ: كان آخر الأمرَينِ التَّخَتُّم في اليَسار، وتَعقَّبَه الطَّبَرِيُّ بأنَّ ظاهره
النَّسخ، وليس ذلك مُرادَه، بل الإخبار بالواقع اتِّفاقاً، والذي يظهر أنَّ الحكمة فيه ما تقدَّمَ، والله
أعلم.
٥٣- باب قول النبيّ وَّ: لا يُنقَش على نقشِ خاتمه
٥٨٧٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حمّادٌ، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾.
أنَّ رسولَ اللهِّهِ اَّخَذَ خائَماً من فِضّةٍ، وَنَقَشَر فيه: محمَّدٌ رسولُ الله، وقال: «إنِّي اتَّخَذْتُ خائَماً من
وَرِقٍ، ونَقَشْتُ فيه: محمَّدٌ رسولُ الله، فلا يَنقُشَنَّ أحدٌ على نَقْشِهِ».
قوله: ((باب قول النبيّ پے: لا يُنْقَش) بضمٌ أوَّله (علی نَقْش خاتمه)) ذکر فیه حديث أنس من
٣٢٨/١٠

١٤٩
باب ٥٣ / ح ٥٨٧٧
كتاب اللباس
رواية عبد العزيز بن صُهَيب عنه في اتّخاذ الخاتَم من فِضّة، وفيه: ((فلا يَنقُشْ أحد على نَقِشِه)).
وقوله فيه: ((إِنّا الَّخذنا)) بصِيغَة الجمع وهي للتَّعظيمِ هنا(١)، والمراد: إنّي النَّخَذْت.
وأخرج التِّرمِذيّ (١٧٤٥) من طريق مَعمَر عن ثابت عن أنس نحوه، وقال فيه: ثمَّ
قال: ((لا تَنْقُشوا عليه))، وأخرج الدَّارَقُطنيُّ في ((الأفراد)) من طريق سَلَمة بن وَهْرام عن
عِكْرمة عن يَعْلى بن أُميَّة قال: أنا صَنَعتُ للنبيِّ وَّرِ خاتماً لم يَشْرَكْني فيه أحد، نُقِشَ فيه:
محمَّد رسول الله؛ فيُستَفاد منه اسم الذي صاغَ خاتمَ النبيّ ◌َِّ ونَقَشَه.
وأمَّا نَهِيُّهُ وَلِّ عن أن يَنقُش أحدٌ على نقشه، أي: مِثْل نَقشِه، فقد تقدَّمَتِ الإشارة إلى
الحكمة فيه في ((باب خاتم الفِضّة))(٢)، وقد أخرج ابن أبي شَيْبة في ((المصنَّف)) (٤٥٨/٨)
عن ابن عمر: أنَّه نَقَشَ على خاتمه: عبد الله بن عمر، وكذا أخرج عن سالم عن عبد الله بن
عمر: أنَّه نَقَشَ اسمه على خاتَه، وكذا القاسم بن محمَّد، قال ابن بَطّال: وكان مالك يقول:
مِن شأن الخلفاء والقُضاة نَقشُ أسمائهم في خواتمهم.
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٤٥٦/٨ -٤٦٠) عن حُذَيفة وأبي عبيدة: أنَّه كان نَقشُ خاتَم كلّ
واحد منهما: الحمد لله، وعن عليّ: الله الملِك، وعن إبراهيم النَّخَعيِّ: بالله، وعن مسروق:
بسمِ الله، وعن أبي جعفر الباقر: العِزّة لله، وعن الحسن والحسين: لا بأس بنَقَشِ ذِكْر الله
على الخاتم، قال النَّويّ: وهو قول الجمهور، ونُقِلَ عن ابن سِيرِين وبعض أهل العلم
گراھته، انتھی.
وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ٤٦٠) بسندٍ صحيح عن ابن سِيرِين: أنَّه لم یکن یری بأساً
أن يَكتُب الرجل في خاتَه: حسبي الله، ونحوها، فهذا يدلُّ على أنَّ الكراهة عنه لم تَنْبُت،
ويُمكِن الجمع بأنَّ الكراهة حيثُ يُخاف عليه حملُه للجُنُبِ والحائض والاستنجاء بالكَفِّ التي
(١) كذا قال الحافظ، والذي وقع في النسخ المعتمدة من ((الصحيح)) في اليونينية: ((اتخذتُ)) بالإفراد بلا
خلاف، وأما صيغة الجمع فقد وقعت في رواية عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب فيما سلف عند
المصنف برقم (٥٨٧٤).
(٢) باب رقم (٤٦) ..

١٥٠
باب ٥٤ / ح ٥٨٧٨-٥٨٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
هو فيها، والجواز حيثُ حَصَلَ الأمنُ من ذلك، فلا تكون الكراهةُ لذاتها (١)، بل من جهة
ما يَعرِض لذلك، والله أعلم.
٥٤- بابٌ هل يُجُعَل نقشُ الخاتم ثلاثة أسطرِ؟
٥٨٧٨ - حذَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أَبي، عن ثُمَامَةَ، عن أنسٍ: أنَّ
أبا بكرٍ ﴾ لمَّا استُخْلِفَ كَتَبَ له، وكان نَقْشُ الخاتَم ثلاثةَ أسطُرٍ: محمَّدٌ سَطْرٌ، ورسولُ سَطْرٌ،
والله سَطْرٌ.
٥٨٧٩- قال أبو عبدِ الله: وزادني أحمدُ: حدَّثنا الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أَبي، عن ثُمامةً،
عن أنسٍ قال: كان خاتَمُ النبيِّ ◌ََّ في يدِه، وفي يدِ أبي بكرٍ بعدَه، وفي يدِ عمرَ بعدَ أبي بكرٍ، فلمَّا
كان عثمانُ جَلَسَ على بثْرِ أَرِيسٍ، قال: فأخرَجَ الخاتَمَ فَجَعَلَ يَعبَثُ به فسَقَطَ، قال: فاختَلَفْنا
ثلاثةَ أيامٍ معَ عثمانَ فَزَحَ الِثِرَ، فلم نَجِدْه.
قوله: ((بابٌّ هل يُجُعَل نَقْشُ الخاتَم ثلاثةَ أسطر؟)) قال ابن بَطّال: ليس كَونُ نَقشِ الخاتَم
ثلاثة أسطر أو سَطَرَينٍ، أفضلَ من كونه سَطراً واحداً، كذا قال، قلت: قد يظهر أثر الخِلاف من
أَنَّه إذا كان سَطراً واحداً يكون الفَصُّ مُستَطيلاً لضَرُورة كَثْرة الأحرُف، فإذا تَعَدَّدَتِ الأسطُر
أمكَنَ كَونُه مُربَّعاً أو مُستَديراً، وكلٌّ منهما أولى من المستطيل.
قوله: ((حدَّثني أَبي)) هو عبد الله بن المثنّی بن عبد الله بن أنس.
قوله: ((عن ثُمامة)) هو ابن عبد الله بن أنس عَمُّ عبد الله بن المثنَّى الراوي عنه، والسَّنَد كلّه
بَصْرِيُّونَ من آل أنس.
قوله: ((عن أنس)) في رواية الإسماعيليّ من طريق/ عليّ بن المَدِينيّ عن محمَّد بن عبد الله
٣٢٩/١٠
الأنصاريّ: حدَّثني أَبي، حدَّثنا ثُمامة، حدَّثني أنس.
قوله: ((أنَّ أبا بكر لمَّا استُخْلِفِ كَتَبَ له)) لم يَذْكُر المكتوبَ، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه
في كتاب الزكاة (١٤٤٨)، وأنَّه كَتَبَ له مقاديرَ الزكاة.
(١) تحرَّف في (س) إلى: لذلك.

١٥١
باب ٥٤ / ح ٥٨٧٩
كتاب اللباس
قوله: ((وكان نَقْشُ الخاتَم ثلاثةَ أسطُر: محمَّد سَطْرٌ، ورسولُ سَطْرٌ، والله سَطْرٌ)) هذا ظاهره أنَّه
لم يكن فيه زيادة على ذلك، لكن أخرج أبو الشَّيخ في ((أخلاق النبيّ ◌َّ)(١) من رواية عَرعَرة بن
البِرِنْد - بكسر الموخَّدة والرَّاء بعدها نون ساكنة ثمَّ دال - عن عَزْرة - بفتح المهمَلة وسكون
الزّاي بعدها راء - بن ثابت عن ثُمامة عن أنس قال: كان فَصُّ خاتم النبيّ ◌َّهِ حَبَشّاً
مكتوبٌ عليه: لا إله إلّ الله محمَّد رسول الله، وعَرَعَرةُ ضَعَّفَه ابن المَدِينيّ، وزيادتُه هذه
شاذّة، وظاهره أيضاً أنَّه كان على هذا التَّرتيب، لكن لم تكن كتابته على السِّياق العادي، فإنَّ
ضَرُورة الاحتياج إلى أن يَخْتِمَ به يقتضي أن تكون الأحرُف المنقوشة مقلوبةً ليَخرُجِ الخَتمُ
مُستَوياً.
وأمَّا قول بعض الشُّيوخ: إنَّ كتابته كانت من أسفل إلى فوق، يعني أنَّ الجَلالة في أعلى
الأسطُر الثلاثة و((محمَّد)) في أسفلها، فلم أرَ التَّصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل
رواية الإسماعيليّ يخالف ظاهرُها ذلك، فإنَّه قال فيها: ((محمَّد)) سطر، والسَّطر الثّاني ((رسول))،
والسَّطر الثّالث (الله))، ولك أن تقرأ ((محمَّد)) بالتَّوين، والرسول بالتَّنْوينِ وعَدَمه، و ((الله))
بالرَّفع وباجرِّ.
قوله: ((وزادني أحمد: حدَّثنا الأنصاريّ ... )) إلى آخره، هذه الزّيادة موصولة، وأحمد
المذكور جَزَمَ الِّيّ في ((الأطراف)): أنَّه أحمد بن حَنبَل، لكن لم أرَ هذا الحديث في ((مُسنَد
أحمد)) من هذا الوجه أصلاً.
قوله: ((وفي یَدِ عمر بعد أبي بكر، فلمَّا كان عثمانُ جَلَسَ على بئر أَرِيسٍ) وَقَعَ في رواية ابن
سعد (٤٧٦/١ - ٤٧٧) عن الأنصاريّ: ثمَّ كان في يد عثمان ستَّ سنين، فلمَّا كان في السِّتّ
الباقية کنَّا معه على بئر أُرِیس.
قوله: «فجَعَلَ یَعبَث به» في رواية ابن سعد: فجَعَلَ مُحوِّله في يده.
قوله: ((فسَقَطَ)) في رواية ابن سعد: فوقَعَ في البئر.
(١) ((أخلاق النبي ◌ٌَّ)) ص١٢٨.

١٥٢
باب ٥٤ / ح ٥٨٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «فاختَلَفْنا ثلاثةَ أيام مع عثمان فَتَزَحَ البثْرَ، فلم نَجِدْه)) أي: في الذَّهاب والرُّجوع
والتُّزول إلى البئر والطُّلوع منها، ووَقَعَ في رواية ابن سعد: فطَلَبناه مع عثمان ثلاثة أيام فلم
نَقدِرْ علیه.
قال بعض العلماء: كان في خاتَمَه وَِّ من السِّ شيءٌ مَّا كان في خاتم سليمان عليه
السلام، لأنَّ سليمان لمَّا فُقِدَ خاتمُه ذهب مُلكُه، وعثمان لمَّا فُقِدَ خاتم النبيّ وَِّ انتَقَّضَ
عليه الأمرُ وخَرَجَ عليه الخارجونَ، وكان ذلك مَبدَأَ الفتنة التي أفضَتْ إلى قتله واتَّصَلَت إلى
آخر الزمان.
قال ابن بَطّال: يُؤخَذ من الحديث أنَّ يسير المال إذا ضاعَ يجب البحثُ في طلبه والاجتهاد
في تفتيشه، وقد فعل النبيُّ ◌َّ﴿ ذلك لمَّا ضاعَ عِقْدُ عائشة وحَبَسَ الجيشَ على طلبه حتَّى
وُجِدَ. كذا قال، وفيه نظر، فأمَّا عِقدُ عائشة فقد ظَهَرَ أثر ذلك بالفائدة العظيمة التي نَشَأَت
عنه، وهي رُخْصة التيمُّم، فكيف يُقاسُ عليه غيره؟
وأمَّا فِعِلُ عثمان فلا يَنْهَض الاحتجاج به أصلاً لما ذُكِرَ، لأنَّ الذي يظهر أنَّه إِنَّمَا بالَغَ في
التَّفتيش عليه لكَونِه أثرَ النبيّ ◌َّهِ، قد لَبِسَه واستعملَه وخَتَمَ به، ومثلُ ذلك يساوي في
العادة قَدراً عظيماً من المال، وإلّا لو كان غيرَ خاتم النبيّ ◌َّ لاكتُميَ بطَلِه بدون ذلك،
وبالضّرورة يُعلَم أنَّ قَدْر المؤْنة التي حَصَلَت في الأيام الثلاثة تزيد على قيمة الخاتم، لكنِ
اقتَضَت صِفَتُهُ عظيمَ قَدْره، فلا يُقاسُ عليه كلَّ ما ضاعَ من يسير المال.
قال: وفيه أنَّ من فِعْل الصالحينَ العَبَثَ بخواتیمهم وما یکون بأيديهم، وليس ذلك
بعائبٍ لهم. قلت: وإنَّما كان كذلك لأنَّ ذلك من مِثلهم إنَّما يَنشَأ عن فِكْر، وفِكِرَتهم إنَّما
هي في الخير.
قال الکزمانيُّ: معنى قوله: «یعبٹ به)): ◌ُرِّ کہ أو ◌ُخرِجه من إصبعه ثمَّ يُدخِله فيها، وذلك
صورة العَبَث، وإنَّما يفعل الشَّخصُ ذلك عند تَفَكُّره في الأُمور.
قال ابن بطال: وفيه أنَّ مَن طلب شيئاً ولم یَنجَحْ فیه بعد ثلاثة أيام، أنَّ له تَرْكَه، ولا يكون

١٥٣
باب ٥٥ / ح ٥٨٨٠
كتاب اللباس
بعد الثلاث مُضَيِّعاً، وأنَّ الثلاث حَدٌّ يقع بها العُذْر في تَعذُّر/ المطلوبات. وفيه استعمال آثار ٣٣٠/١٠
الصالحينَ ولِباس مَلابِسهم على جهة التبرُّك والتيمُّن بها(١).
٥٥- باب الخاتَم للنّساء
وكان على عائشةَ خواتيمُ الذَّهَبِ.
٥٨٨٠- حدَّثنا أبو عاصم، أخبرنا ابنُ جُرَيجِ، أخبَرَنا الحسنُ بنُ مسلِمٍ، عن طاؤُوسِ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: شَهِدْتُ العيدَ معَ النبيِّ وَّهِ، فصَلَّى قبلَ الخُطْبةِ.
وزادَ ابنُ وَهْب، عن ابنِ جُرَيجٍ: فَأَتَى النِّساءَ فَأَمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ، فجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ
واخواتيم في ثوبٍ بلالٍ.
قوله: ((باب الخاتَم للنِّساءِ)) قال ابن بَطّال: الخاتم للنِّساءِ من جُملة الحُليّ الذي أُبِيحَ لهنَّ.
قوله: ((وكان على عائشة خواتيمُ الذَّهَب)) وَصَلَه ابن سعد (٨/ ٧٠) من طريق عَمْرو بن
أبي عَمْرو مولى المطَّلِب قال: سألتُ القاسم بن محمَّد، فقال: لقد رأيتُ والله عائشةً تَلبَس
المعَصفَرِ، وتَلبَس خواتيمَ الذَّهَب.
قوله: ((طاووسٍ عن ابن عبّاس: شَهِدْتُ العيدَ مع النبيِّ وَّهِ، فصَلَّى قبل الخُطْبة)) سَقَطَ
لفظ ((فصَلَّى)) من رواية المُستَمْلي والسَّرَخْسيّ، وهي مُرادَة ثابتة في أصل الحديث، فإنَّه
طَرَفٌ من حديث تقدَّم في صلاة العيد (٩٧٩) من طريق عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَيج بسنِه
هنا.
قوله: ((وزادَ ابن وَهْب، عن ابن جُرَيج)) يعني بهذا السَّنَد إلى ابن عبَّاس، وقد تقدَّم
بالزيادة موصولاً في تفسير سورة الممتحنة (٤٨٩٥) من رواية هارون بن معروف عن ابن
وَهْب.
(١) هذا خاصٌّ بالنبيِّ وٍَّ وغيره من إخوانه الأنبياء، ولا يجوز تعديتُه إلى غيرهم من المخلوقات، لما في ذلك
من احتمالية الولوج إلى أبواب من الغلوِّ وارتكاب أنواع المحظورات، وقد سبق التنبيه إلى هذا المطلب في
غير ما موضع، والله الموفِّق.

١٥٤
باب ٥٦-٥٧ / ح ٥٨٨١ - ٥٨٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأتى النِّساءَ فجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ والخواتيمَ)» الفَتَخ، بفتح الفاء ومُثّة فوق بعدها
خاء مُعجَمة جمع فَتّخة: وهي الخواتيم التي تَلبَسها النِّساء في أصابع الرِّجلَينِ، قاله ابن السُّكّيت
وغيره، وقيل: الخواتم التي لا فُصوصَ لها، وقيل: الخواتم الكِبار كما تقدَّم ذلك من تفسير
عبد الرَّزّاق في كتاب العيدينِ (٩٧٩) مع بَسْط ذلك.
٥٦ - باب القلائد والسِّخَاب للنّساء
يعني: قِلادةً من طِيبٍ وسُكِّ.
٥٨٨١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: خَرَجَ النبيُّ وَّهِ في يومٍ عِيدٍ، فصَلَى رَكْعَتَينِ لم يُصَلِّ قبلُ
ولا بعدُ، ثمَّ أَتَى النِّساءَ فأمَرَهُنَّ بِالصَّدَقِةِ، فَجَعَلَتِ المرأةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِها وسِخَابِها.
قوله: ((باب القَلائد والسِّخاب للنِّساءِ» السِّخَاب بكسر المهملة وتخفيف الخاء المعجمة وبعد
الألف موحّدة.
قوله: ((يعني: قِلادةً من طِيب وسُكِّ)) بضمِّ المهمَلة وتشديد الكاف، وفي رواية
الكُشْمِيهنيِّ: ومِسْك، بكسر الميم وسكون المهمَلة وكافٍ خفيفة، والسِّخاب: جمع
◌ُخُب، بضمَّتَين، وقد تقدَّم بيان ما فَسَّرَه به غيره في ((باب ما ذُكِرَ في الأسواق)) من
كتاب البيوع (٢١٢٢).
ثم أورد فيه حديث ابن عبّاس من رواية سعيد بن جُبَير عنه قال: خَرَجَ النبيُّ وَِّ،
وفيه: فجَعَلَت المرأة تُلقي سِخابَها وخُرْصَها؛ بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الرَّاء ثمَّ صادٌ
مُهمَلة: هي الخَلْقة الصَّغيرة من ذهبٍ أو فِضّة، وقد تقدَّم تفسيره في ((باب الخُطبة بعد
العيد)» من كتاب العيدَينِ (٩٦٤).
٥٧- باب استعارة القَلائد
٥٨٨٢- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثْنَا عَبْدةُ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ
رضي الله عنها، قالت: هَلَكَت قِلادةٌ لأسماءَ، فَبَعَثَ النبيُّ نَّهِفِي طَلَبِها رجالاً، فَحَضَرَتِ الصلاةُ

١٥٥
باب ٥٨ / ح ٥٨٨٣
كتاب اللباس
وليسُوا على وُضُوءٍ، ولم يَجِدُوا ماءً، فصَلَّوْا وهم على غيرِ وُضوءٍ، فَذَكَّرُوا ذلك للنبيِّ
فأنزلَ اللهُ آيَةَ التَِّمُّمِ.
زادَ ابنُ نُمَير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ: استعارت من أسماءَ.
قوله: ((باب استعارة القلائد)) ذكر فيه حديث عائشة في قصَّة قلادة أسماء، وقد تقدَّم شرحه ٣٣١/١٠
مُستَوقّى في كتاب الطَّهارة (٣٣٤)، وفيه بيان القِلادة المذكورة مِمَّ كانت.
قوله: ((زاد ابنُ نُمَير، عن هشام)) يعني بسندِه المذكور ((أنَّها استَعارَت من أسماء)» أي: بنت أبي
بكر القِلادةَ المذكورة، وقد وَصَلَه المؤلِّف رَحِمه الله في كتاب الطَّهارة من طريقه (٣٣٦).
٥٨- باب القُرْط للنِّساءِ
وقال ابنُ عبَّاسٍ: أَمَرَهُنَّ النبيُّ ◌َّهِ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأيْتُهنَّ يُهْوِينَ إلى آذانِنَّ وحُلُوقِهِنَّ.
٥٨٨٣- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهال، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَدِيٌّ، قال: سمعتُ سعيداً،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صَلَّى يومَ العيدِ رَكْعَتَينِ، لم يُصَلِّ قبلَها ولا بعدَها،
ثمَّ أَتِى النِّساءَ ومعَه بلالٌ فأمَرَهُنَّ بِالصَّدَقِةِ، فَجَعَلَتِ المرأةُ تُلْقي قُرْطَها.
قوله: ((باب القُرْط للنِّساءِ) بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاء مُهمَلة: ما ◌ُحلّى به
الأُذُن ذهباً كان أو فِضّة، صِرْفاً أو مع لُؤْلُؤْ وغيره، ويُعلَّق غالباً على شَحْمتها.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: أمَرَهُنَّ النبيُّ ◌َّهِ بِالصَّدَقةِ، فرأَيتُهنَّ يُهوِينَ إلى آذانِهِنَّ وحُلُوقِهِنَّ))
هذا طرفٌ من حديث وَصَلَه المؤلِّف رحمه الله في العيدَينِ (٩٧٧) وفي الاعتصام (٧٣٢٥)
وغيرهما من طريق عبد الرَّحمن بن عابِسٍ عن ابن عبّاس، فأمَّا في الاعتصام فقال في روايته:
فجَعَلَ النِّساءُ يُشِرِنَ إلى آذانهنَّ وحُلُوقهنَّ، وقال في العيدَينِ: فرأيتُهنَّ ◌ُهُوِينَ بأيديِنَّ يَقذِفنَه في
ثوب بلال، وأخرجه قُبَيل كتاب الجمعة (٨٦٣) من هذا الوجه بلفظ: فجَعَلَتِ المرأة تُهوِي
بِيَدِها إلى حَلْقها تُلقي في ثوب بلال، ومعنى الإهواء: الإيماء باليَدِ إلى الشَّيِء ليُؤْخَذ، وقد ظَهَرَ
أنَّه في الآذان إشارة إلى الحلق، وأمَّا في الحُلُوق فالذي يظهر أنَّ المراد القلائد، فإنَّها تُوضَع
في العُنُقُ وإن كان مَحَلُّها إذا تَدَلَّتِ الصَّدْرَ.

١٥٦
باب ٥٩ / ح ٥٨٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به على جواز ثَقْب أُذُن المرأة لتجعلَ فيها القُرْطَ وغيرَه ممّاً يجوز لهنَّ التَّزُّن به،
وفيه نظرٌ، لأنَّه لم يَتَعيَّن وضعُ القُرْط في تُقْبة الأُذُن، بل يجوز أن يُشبَك في الرّأس بسلسلةٍ
لطيفة حتَّى تُحاذيَ الأُذُنَ وتَنزِلَ عنها، سَلَّمْنا لكن إنَّما يُؤخَذ من ترك إنكاره عليهنَّ، ويجوز
أن تكون آذاتُهنَّ تُقِبَت قبل مَجَيء الشَّرع، فيُعْتَفَر في الدَّوام ما لا يُغْتَفَر في الابتداء، ونحوه قول أمّ
زَرْعٍ: أَنَاسَ من حُلِيٍّ أُذُنيَّ(١)، ولا حُجّةَ فيه لما ذَكَرنا.
وقال ابن القَيِّم: كَرِهَ الجمهور ثَقبَ أُذُن الصبيّ، ورَشَخَّصَ بعضهم في الأُنثَى. قلت:
وجاء الجواز في الأُنْثَى عن أحمد للزينة، والكراهة للصَّبيِّ.
قال الغَزاليّ في ((الإحياء)): يَحَرُم تَقبُ أُذُن المرأة ويَحُرُم الاستئجار عليه، إلّا إن ثَبَتَ فيه
شيء من جهة الشارع. قلت: جاء عن ابن عبّاس فيما أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٥٥٨):
سبعة في الصبيّ من السُّنّة، فذكر السابع منها: وثَّقْب أُذُنُه(٢)، وهو يُستدرَك على قول بعض
الشّارحينَ: لا مُستَنْدَ لأصحابِنا في قولهم: إنَّه سُنّة.
قوله: ((أخبَرَني عَدِيّ»/ هو ابن ثابت، وقد تقدَّم قبلَ بابَينِ (٥٨٨١) من طريق شُعْبة أيضاً
بهذا الإسناد بلفظ: ((خُرْصها)) بَدَل: قُرْطها.
٣٣٢/١٠
٥٩- باب السِّخَاب للصِّبیانِ
٥٨٨٤- حذَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا يحيى بنُ آدمَ، حدَّثْنا وَرْقاءُ بنُ
عمَرَ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي يزيدَ، عن نافعٍ بنِ جُبَيٍ، عن أبي هريرةَ﴾ قال: كنتُ معَ رسولِ الله وَي
في سُوقٍ من أسواقِ المدينةِ، فانصَرَفَ فانصَرَفْتُ، فقال: ((أينَ لُكَمُ؟ - ثلاثاً - ادْعُ الحسنَ بنَ
عليٍّ)) فقامَ الحسنُ بنُ عليٍّ يَمْشِي وفي عُنُقِهِ السِّخَابُ، فقال النبيُّ ◌َّ بِيَدِه هكذا، فقال الحسنُ
بَيَدِه هكذا، فالتَزَمَه، فقال: ((اللهمَّ إنِّي أُحِبُّه فَأَحِبّه، وأُحِبَّ مَن ◌ُحِبُّ)). وقال أبو هريرةَ. فما كان
أحدٌ أحَبَّ إليَّ منَ الحسنِ بنِ عليٍّ بعدَما قال رسولُ اللهِ ما قالَ.
(١) سلف حديث أم زرع برقم (٥١٨٩) من حديث أم المؤمنين عائشة.
(٢) إسناده ضعيف، وقد سبق في شرح الحديث (٥٤٦٧) تضعيفُ الحافظ له.

١٥٧
باب ٦٠ / ح ٥٨٨٥
كتاب اللباس
قوله: ((باب السِّخاب للصِّبْيان)) تقدَّم بيان السِّخاب.
وحديث أبي هريرة تقدَّم شرحه في ((باب ما ذُكِرَ في الأسواق)) من كتاب البيوع (٢١٢٢)
مُستَوفَّى.
وقوله فيه: ((أينَ لُكَمُ؟)) في رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ: ((أَيْ لُكَعُ)) بصيغة النِّداء.
٦٠ - باب المتشبّهين بالنّساء والمُتشبِّهات بالرِّجال
٥٨٨٥- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بن جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن عِكْرِمَ،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لَعَنَ النبيُّنَّهِ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمُتَشَبِّهاتِ منَ
النِّساءِ بالرِّجالِ.
تابَعَه عَمْرٌو، أخبَرَنا شُعْبةُ.
[طرفاه في: ٥٨٨٦، ٦٨٣٤]
قوله: ((باب المتشَبِّهينَ بالنِّساءِ والمتشَبِّهات بالرِّجال)) أي: ذَمّ الفريقين، ويدلّ على ذلك
اللَّعنُ المذكور في الخبر.
قوله: ((حدَّثنا محمّد بن جعفر)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: حدَّثنا غُندَر؛ وهو هو.
قوله: (لَعَنَ النبيُّ ◌َّةِ المتشَبِّهِينَ)) قال الطََّرَيُّ: المعنى: لا يجوز للرِّجال التشبّه بالنِّساءِ في
اللَّاس والزّينة التي تَخْتَصّ بالنِّساءِ، ولا العكس. قلت: وكذا في الكلام والمشي، فأمَّا هَيْئة
اللُّباس فتختلف باختلاف عادة كلّ بَلَد، فرُبَّ قومٍ لا يَفتَرِق زيُّ نسائهم من رجالهم في
اللُّبس، لكن يَمتاز النِّساءُ بالاحتجابِ والاستتار، وأمَّا ذَمُّ التشبُّه بالكلام والمشي فمُختَصّ
بمَن تَعَمَّدَ ذلك، وأمَّا مَن كان ذلك من أصل خلقته، فإنَّما يُؤمَر بتكلَّفِ تركه والإدمان على
ذلك بالتَّدريج، فإن لم يفعل وتَمَادَى دَخَلَه الذَّمُّ، ولا سيَّما إن بَدَا منه ما يدلّ على الرِّضا به،
وأَخْذُ هذا واضح من لفظ المتشَبِّهينَ.
وأمَّا إطلاق مَن أطلقَ كالنَّوويِّ: وأنَّ المخَنَّثِ الْخِلْقِيّ لا يَتَّجِه عليه اللَّوم، فمحمول

١٥٨
باب ٦٠ / ح ٥٨٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
على ما إذا لم يَقدِر على ترك الَّي والتَّكَسُّر في المشي والكلام بعد تَعاطِيه المعالجة لتركِ ذلك، وإلّا
متى كان تركُ ذلك تُمكِناً ولو بالتَّدريج فتركَه بغير عُذر، لَحِقَه اللَّومِ، واستَدَلَّ لذلك الطَّبَرِيُّ
بِكَونِهِ وَ له لم يَمنَع المخَنَّث من الدُّخول على النِّساء حتَّى سمعَ منه التَّدقيق في وَصْف المرأة،
٣٣٣/١٠ كما في ثالث / أحاديث الباب الذي يليه، فمَنَعَه حينئذٍ، فدَلَّ على أن لا ذَمَّ على ما كان من
أصل الخِلقة.
وقال ابن التِّين: المراد باللَّعنِ في هذا الحديث مَن تَشَبَّهَ من الرِّجال بالنِّساءِ في الزِّيّ،
ومَن تَشَبَّهَ من النِّساء بالرِّجال كذلك، فأمَّا مَن انتهى في التشبُّه بالنِّساءِ من الرِّجال إلى أن
يُؤْنَى في دُبُره، وبالرِّجال من النِّساء إلى أن تَتَعاطَى السَّحْق بغيرها من النِّساء، فإنَّ لهذَينٍ
الصِّنفَينِ من الذَّمَ والعقوبة أشدَّ مَمّن لم يَصِلْ إلى ذلك، قال: وإنَّما أمَرَ بإخراجٍ مَن تَعاطَى
ذلك من البيوت كما في الباب الذي يليه، لئلا يُفضي الأمرُ بالتشبُّه إلى تعاطي ذلك الأمر
المنكر.
وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة - نَفَعَ الله به - ما مُلخَّصه: ظاهر اللَّفظ الزَّجرُ عن
التشبُّه في كلّ شيء، لكن عُرِفَ من الأدلّة الأُخرى أنَّ المراد التشبُّه في الزِّيّ وبعض
الصِّفات والحَرَكات ونحوها، لا التشبُّه في أُمور الخير. وقال أيضاً: اللَّعن الصّادِر من
النبيّ وَُّ على ضَربَينِ: أحدهما: يُراد به الزّجر عن الشَّيء الذي وَقَعَ اللَّعنُ بسبِه، وهو
مَخُوف، فإنَّ اللَّعن من علامات الكبائر، والآخر: يقع في حال الخَرَج، وذلك غير
مَخُوف، بل هو رحمة في حقّ مَن لَعَنَه، بشرطِ أن لا يكون الذي لَعَنَه مُستَحِقّاً لذلك كما
ثَبَتَ من حديث ابن عبّاس عند مسلم(١)، قال: والحكمة في لَعْن من تَشَبَّه، إخراجُه الشَّيءَ
عن الصِّفة التي وَضَعَها عليه أحكَمُ الحُكماء، وقد أشارَ إلى ذلك في لَعْن الواصلات بقولِه:
((المغيِّرّات خَلْقَ الله)(٢).
(١) کذا قال، وإنما هو عنده (٢٦٠٠ - ٢٦٠٢) من حديث عائشة ومن حديث أبي هريرة ومن حديث جابر.
(٢) سيأتي برقم (٥٩٣١) من حديث ابن مسعود.

١٥٩
باب ٦١ / ح ٥٨٨٦- ٥٨٨٧
كتاب اللباس
قوله: ((تابَعَه عَمْرو، قال: أخبرنا شُعْبة)) يعني بالسَّنَد المذكور، وقد وَصَلَه أبو نُعَيم في
(المستخرَج)) من طريق يوسف القاضي قال: حدَّثنا عَمْرو بن مرزوق به.
واستُدِلَّ به على أنَّه يَحُرُم على الرجل لُبْس الثَّوب المكلَّل باللُّؤْلُؤْ، وهو واضح لوُرودِ
علامات التَّحريم وهو لَعنُ مَن فعل ذلك، وأمَّا قول الشافعيّ: ولا أكره للرجال لُبُسَ
الُّؤْلُؤ إلّ لأَنَّه من زِيّ النِّساء، فليس مخالفاً لذلك، لأنَّ مُرادَه أنَّه لم يَرِدْ في النَّهي عنه بخُصوصِه
شيء.
٦١ - باب إخراج المُتشبِّهين بالنّساء من البيوت
٥٨٨٦- حدَّثْنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ،
قال: لَعَنَ النبيُّ ◌َّهِ المخَِّينَ مِنَ الرِّجالِ، والمُتَرَجِّلاتِ منَ النِّساءِ، وقال: ((أَخرِجُوهم من
بيوتِكُمْ)). قال: فأخرَجَ النبيُّ ◌َّهِ فُلانَةَ، وأخرَجَ عمرُ فُلاناً.
٥٨٨٧- حدَّثْنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، أنَّ عُرْوةَ أخبَرَه،
أنَّ زينبَ ابنةَ أبي سَلَمَةَ أخبَرَتْه، أنَّ أَّ سَلَمَةَ أخبَرَتْها: أنَّ النبيَّ وَ كان عندَها وفي البيتِ
تُحَنَّثٌ، فقال لعبدِ الله أخي أمِّ سَلَمَةَ: يا عبدَ الله، إن فُتِحَ لكم غَداً الطّائِفُ، فإنّي أدُلُّكَ على بنت
غَيْلانَ، فإنَّها تُقِلُ بأربعٍ وتُدِرُ بثمانٍ، فقال النبيُّ ◌َّيِ: ((لا تُدخِلُنَّ هُؤُلاءِ عليكُنَّ).
قال أبو عبد الله: تُقبِلُ بأربعٍ وتُدِرُ؛ يعني: أربعَ عُكَنِ بَطْنِها، فهي تُقبِلُ بِهِنَّ.
وقولُهُ: وتُدِرُ بثمانٍ، يعني: أطرافَ هذه العُكَنِ الأربعِ، لأنَّا مُحِيطٌ بالجَنْبِينِ حتَّى لَحِقَت،
وإنَّما قال: بثمانٍ، ولم يَقُل: بثمانيةٍ، وواحدُ الأطرافِ وهو ذَكرٌ، لأنَّه لم يَقُل: ثمانيةَ أطرافٍ.
قوله: ((باب إخراج المتشَبِّهينَ بالنِّساءِ من البيوت)) كذا للأكثر، وللنَسَفيّ: ((باب إخراجهم»،
وكذا عند الإسماعيليّ وأبي نُعَیم.
قوله: ((حدَّثنا هشام)) هو الدَّستُوائيّ ((عن يحيى)) هو ابن أبي كثير، وأخرجه أبو داود
الطَّيالسيُّ/ في «مُستَده) (٢٨٠١) عن شُعْبة وهشام جميعاً عن قَتَادة عن عِكْرمة، وكأنَّ أبا داود ٣٣٤/١٠
حَملَ رواية هشام على رواية شُعْبة، فإنَّ رواية شُعْبة عن قَتَادة هي باللَّفظِ المذكور في الباب الذي

١٦٠
باب ٦١ / ح ٥٨٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
قبله، ورواية هشام عن يحيى هي بهذا اللَّفظ الذي في هذا الباب، وقد أخرجه المصنّف (٦٨٣٤)
وأبو داود في ((السُّنَن)) (٤٩٣٠) كلاهما عن مسلم بن إبراهيم، وأخرجه أحمد عن إسماعيل
ابن عُلِيَّة (١٩٨٢) ويحيى القَطّان (٢٠٠٦) ويزيد بن هارون (٢١٢٣) كلّهم عن هشام عن
یحیی بن أبي کثیر.
قوله: ((المخَتَّينَ من الرِّجال)) تأتي الإشارة إلى ضبطه عَقِبَ هذا.
قوله: ((والمترَجِّلات من النِّساء)) زاد أبو داود(١) من طريق يزيد بن أبي زياد عن عِكْرمة: فقلت
له: ما المترَجِّلات من النِّساءِ؟ قال: المتشَبِّهات بالرِّجال.
قوله: ((فأخرج النبيُّ وَلَ فُلانَةَ، وأخرج عمرُ فُلاناً، كذا في رواية أبي ذرٍّ: ((فلانة)) بالتَّأنيثِ،
وكذا وَقَعَ في ((شرح ابن بَطّال))، وللباقينَ: ((فلاناً) بالتَّذكير، وكذا عند أحمد (١٩٨٢)، وقد
أخرج الطبرانيُّ (٢٠٥/٢٢) وتَم الرَّازيُّ في «فوائده)) (١٢٠٩) من حديث وائِلَةَ مِثلَ
حديث ابن عبّاس هذا بتمامه، وقال فيه: وأخرج النبيُّ وَ ◌ّهِ أَنجَشَةَ، وأخرج عمرُ فلاناً(٢)،
وأنجَشة: هو العبد الأسود الذي كان يَحِدُو بالنِّساء، وسيأتي خبره في ذلك في كتاب الأدب
(٦١٤٩)، وقد تقدَّم ذِكْر أسامي مَن كان في العهد النبويّ من المخَتَِّينَ(٣)، ولم أقِفْ في شيء
من الرِّوايات على تسمية الذي أخرجه عمر، إلى أن ظَفِرِتُ بكتابٍ لأبي الحسن المدائنيّ سَّاه
((كتاب المغرَّبِينَ)) بمُعجَمةٍ وراء مفتوحة ثقيلة، فوجدتُ فيه عِدّة قِصَص لمن غَرَّبَهم عمرُ عن
المدينة، وسأذكر ذلك في أواخر كتاب الحدود (٦٨٣٤) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حدّثنا زُمَیر)) هو ابن معاوية الجُعْفيّ.
قوله: ((وفي البیت ◌ُنَّث)) تقدَّم ضبطُه وتسميته في أواخر کتاب النِّكاح (٥٢٣٥)، وشرحُ
الحديث مُستَوفّى، وبيانُ ما وَقَعَ هنا من كلام البخاريّ من شرح قوله: تُقبِل بأربعٍ وتُدبِر
بثمانٍ.
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فإنَّ هذه الزيادة من هذا الطريق عند أحمد في ((مسنده) برقم (٢٢٩١).
(٢) إسناده ضعيف جداً، وقد تحرَّف اسم أنجشة في مطبوع ((الطبراني)) إلى: الحبشة.
(٣) عند الحديث (٥٢٣٥).