Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
باب ٣١ / ح ٥٨٤٤
كتاب اللباس
وقوله في هذه الرِّواية: ((مِرفَقة)) بكسر أوَّله وسكون الرَّاء وفتح الفاء بعدها قاف: ما يُرْتَفَق
به، وقد تقدَّم (٢٤٦٨) في الرّواية الأُخرى بلفظ: وِسَادة.
و قوله: «فما شعرتُ بالأنصاريِّ وهو يقول: قد حدث أمرٌ» في رواية الگُشْمِیهنيّ: فما
شَعَرتُ إلّا بالأنصاريِّ وهو يقول، وفي نسخة عنه: فما شَعَرتُ بالأنصاريِّ إلّا وهو يقول،
قال الكِرْمانيُّ: سَقَطَ حرفُ الاستثناء من جُلّ النُّسَخ بل من كلّها، وهو مُقدَّر والقَرِينة تَدُلّ
عليه، أو ((ما)) زائدة، والتَّقدير: فشَعَرتُ بالأنصاريِّ وهو يقول، أو ((ما)) مصدَريَّة وتكون
هي المبتَدَأ و((بالأنصاريِّ)) الخبر، أي: شُعوري مُتَلِّس بالأنصاريِّ قائلاً.
قلت: ويحتمل أن تكون ((ما)) نافية على حالها بغير احتياج لحرفِ الاستثناء، والمراد المبالَغة في
نفي شُعوره بكلام الأنصاريّ من شِدّة ما دَهَمَه من الخبر الذي أُخبر به، ويكون قد استَئِبَتَه
فيه مرَّةً أُخرى، ولذلك نَقَلَه عنه، لكن رواية الكُشْمِيهنيِّ تُرَجِّح الاحتمال الأوَّل، وتُوضح
أنَّ قول الکِرْمانيّ: / بل كلّها، ليس كذلك.
٣٠٣/١٠
وقوله: ((وعلى باب المشرُبة وَصِيف)» بمُهمَلةٍ وفاء وزن عَظيم: هو الغلام دونَ البلوغ،
وقد يُطلَق على مَن بَلَغَ الخِدمة، يقال: وَصُفَ الغلامُ - بالضَّمِّ - وَصَافَةً.
وقول عمر: ((فتقدَّمتُ إليها في أذَاه) أي: أنذَرتُها من أذَى رسول الله وَله وما يقع من العقوبة
بسببٍ أذاه.
الحديث الثاني: قوله: ((كَم من كاسيةٍ في الدُّنْيا عارية يوم القيامة)) قال ابن بَطّل: قَرَنَ
النبيُّ وَّه نزول الخزائن بالفتنة، إشارة إلى أنَّها تَسَبَّبُ عنها، وإلى أنَّ القصد في الأمر خير من
الإكثار، وأسلمُ من الفتنة، ومُطابقة حديث أمّ سَلَمة هذا للتَّرجمة من جهة أنَّه ◌َلِّ حَذَّرَ من
لباس الرَّقيق من الثّياب الواصفة لأجسامِهِنَّ لئلّا يَعْرَينَ في الآخرة، وفیما حكاه الزُّهْرِيُّ عن
هند ما يُؤْيِّد ذلك، قال: وفيه إشارة إلى أنَّ النبيَّ نَّه لم يكن يَلْبَس الثّابِ الشَّفّافة، لأَنَّه إذا حَذَّرَ
من لُبسِها من ظُهور العَوْرة، كان أَولى بصِفَة الكمال من غيره. انتهى، وهو مبنيّ على أحد
الأقوال في تفسير المراد بقوله: ((كاسية عارية)) كما سيأتي بيانه في كتاب الفتن (٧٠٦٩).
١٠٢
باب ٣٢ / ح ٥٨٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
ويحتمل أن يكون الحديثان دالّينِ على التَّرجمة بالتَّوزيع، فحديث عمر مُطابِقٍ للبُسطِ،
وحديث أمّ سَلَمة مُطابِقٍ للِّباس، والمراد بقوله (يتجزّى))، أي: فيما يَتَعلَّق بنفسِه وبأهلِه.
قوله: ((قال الزُّهْريُّ: وكانت هِنْد لها أزْرارٌ في كُمَّيها بين أصابعِها)) هو موصول بالإسناد
المذكور إلى الزُّهْريّ، وقوله: ((أزرار)) وَقَعَ للأكثر، وفي رواية أبي أحمد الجُرْجانيِّ: ((إزار))
براءٍ واحدة وهو غلطٌ، والمعنى: أنَّها كانت تَخْشَى أن يَبْدُوَ من جسدها شيء بسببٍ سَعَة
كُمَّيها، فكانت تُزُرِّر ذلك لئلّا يَبدُوَ منه شيء، فتَدخُل في قوله ◌َالَ: ((كاسية عارية))، والله
أعلمُ.
٣٢- باب ما يُدعَى لمن لبس ثوباً جديداً
٥٨٤٥ - حذَّثنا أبو الوليدِ، حذَّثنا إسحاقُ بنُ سعيدِ بنِ عَمْرِو بنِ سعيدِ بنِ العاصِ، قال:
حذَّثني أَبي، قال: حدَّثْني أُّ خالٍ بنتُ خالدٍ، قالت: أَتِيَ رسولُ اللهِهِ يشِيابِ فيها خَمِيصٌ
سوداءُ، قال: ((مَن تَرَوْنَ نَكْسوُها هذه الخَمِيصةَ؟)) فأُسْكِتَ القومُ، قال: ((اثْتُوني بأُمّ خالٍ))،
فَأَتِيَ بِيَ النبيُّ وَّةِ، فَألبَسَها بَيَدِهِ، وقال: ((أَبَلِي وأخْلِقِي)) مَرَّتَينٍ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى عَلَمِ الخَمِيصةِ
ويُشِيرُ بيَدِه إليَّ، ويقول: ((يا أمَّ خالدٍ هذا سَنَا».
والسَّنَا بلِسان الحَبَشِيَّةِ: الحَسَنُ.
قال إسحاقُ: حدَّثْني امرأةٌ من أهلي: أنَّهَا رَأتْه على أمِّ خالدٍ.
قوله: (باب ما يُدْعَى لمن لَبِسَ ثوباً جديداً)) كأنَّه لم يَتْبُت عنده حديث ابن عمر قال: رأى
النبيُّ وََّ على عمر ثوباً، فقال: ((البَسْ جديداً، وعِش ◌َميداً، ومت شهيداً)) أخرجه النَّسَائِيُّ
(ك ١٠٠٧٠)، وابن ماجَهْ (٣٥٥٨)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٨٩٧)، وأعَلَّه النَّسائيّ.
وجاء أيضاً فيما يَدعُو به من لَبِسَ الثَّوب الجديد أحاديث: منها: ما أخرجه أبو داود
(٤٠٢٠) والنَّسائيُّ (ك١٠٠٦٨) والتِّرمِذيّ (١٧٦٧) وصَخَّحَه من حديث أبي سعيد: كان
رسول الله وَ﴿ إذا استَجَدَّ ثوباً، سَمّاه باسمِه: عِمامة أو قميصاً أو رِداء، ثمَّ يقول: ((اللهمَّ لك
الحمد أنتَ كَسَوتنيهِ، أسألك خيره وخيرَ ما صُنِعَ له، وأعوذ بك من شَرّه وشَرّ ما صُنِعَ له)»،
١٠٣
باب ٣٣ / ح ٥٨٤٦
كتاب اللباس
وأخرج التِّرمِذيّ (٣٥٦٠)، وابن ماجَهْ (٣٥٥٧) وصَحَّحَه الحاكم (٤/ ١٩٣) من حديث عمر
رَفَعَه: ((مَن لَبِسَ جديداً فقال: الحمد لله الذي كَسَاني ما أُواري به عَورَتي، وأتجمَّل به في حياتي،
ثَّ عَمَدَ إلى الثَّوب الذي أخلَقَ فَتَصَدَّقَ به، كان في حِفْظ الله وفي كَنَف الله حَيّاً وميّا))، وأخرج
أحمد والتِّرمِذيّ(١) وحَسَّنَهَ من حديث معاذ بن أنس رَفَعَه: ((مَن لَبِسَ ثوباً فقال: الحمد لله الذي
كَسَاني هذا ورَزَقَنِيهِ من غير حولٍ مِنِّي ولا قوّة، غَفَرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه».
وحديث أمّ خالد بنت سعيد المذكور في هذا الباب/ تقدَّم شرحه في ((باب الخَميصة ٣٠٤/١٠
السَّوداء)) قريباً (٥٨٢٣)، وتقدَّم بيان الاختلاف في قوله {وَ لّ لها: «أَبلي وأخلِقي)» هل هو بالقاف
أو الفاء؟
وقوله فیه: «خَمیصة سوداء)) لا يُنافي ما وقع في کتاب الجهاد (٣٠٧١): أنَّه کان عليها قميص
أصفَر؛ لأنَّ القميص كان عليها لمَّا چيءَ بها، والحميصة هي التي كُسِيتَها.
وقوله في آخره: (قال إسحاق» هو ابن سعید، راوي الحديث عن أبيه، وهو موصول بالسَّنَد
المذكور.
وقوله: ((حدَّثتني امرأة من أهلي)» لم أقِفْ على اسمها.
وقوله: ((إنَّها رأته على أمّ خالد)) أي: الثَّوب، ويُستَفاد من ذلك أنَّه بَقِيَ زماناً طويلاً،
وقد تقدَّم ما يدلُّ على ذلك صريحاً في ((باب الخَميصة)).
٣٣- باب النهي عن التّزعفر للرَّجل
٥٨٤٦- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيزِ، عن أنس قال: نَهَى النبيُّ ◌َِل
أن يَتَزَعْفَرَ الرجلُ.
قوله: ((باب النَّهي عن التَّزعْفُر للرَّجل)» أي: في الجسد، لأنَّه تَرجَمَ بعده: ((باب الثَّوب
المزَعَفَر))، وقَيَّدَه بالرجلِ ليُخرِج المرأة.
(١) رواية أحمد (١٥٦٣٢)، والترمذي (٣٤٥٨) ليس فيها اللفظ المذكور، والحديث باللفظ المذكور أخرجه
أبو داود (٤٠٢٣) وزاد فيه: ((وما تأخر))، وهي زيادة منكرة.
١٠٤
باب ٣٣ / ح ٥٨٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عبد العزيز)) هو ابن صُهَيب.
قوله: ((أن يَتَزَعْفَر الرجل)» كذا رواه عبد الوارث - وهو ابن سعيد - مُقيَّداً، ووافَقَه
إسماعيل ابن عُليَّة وحمّاد بن زيد عند مسلم وأصحاب ((السُّنَن))(١)، ووَقَعَ في رواية حَمَّاد بن
زيد: نَهَى عن التّزعفُر للرِّجال، ورواه شُعْبةُ عن ابن عُليَّة عند النَّسائيِّ (٢٧٠٧) مُطلَقاً
فقال: نَهَى عن التَّزعفُر وكأنَّه اختَصَرَه، وإلّا فقد رواه عن إسماعيل فوق العشرة من
الحُفّاظ مُقيَّداً بالرجل، ويحتمل أن يكون إسماعيل اختَصَرَه لمَّا حدَّث به شُعْبةَ، والمطلَق
محمول على المقَيَّد، ورواية شُعْبة عن إسماعيل من رواية الأكابر عن الأصاغر.
واختُلِفَ في النَّهي عن التَّزعفُر: هل هو لرائحَتِه لكَونِه من طِيب النِّساء ولهذا جاء الَّجرُ
عن الخُلُوق؟ أو للونِهِ فِيَلْتَحِقِ به كلُّ صُفرة؟ وقد نَقَلَ البيهقيُّ عن الشافعيّ أنَّه قال: أنهَى
الرجلَ الحلال بكلِّ حال أن يَتَزَعفَرِ، وآمرُه إذا تَزَعِفَرَ أن يَغْسِله. قال: وأُرَخِّص في المعَصفَر
لأنّني لم أچِدْ أحداً يُحكى عنه إلّا ما قال عليّ: تهاني ولا أقول: تَهَاكُم(٢).
قال البيهقيُّ: قد وَرَدَ ذلك عن غیر عليّ، وساقَ حديث عبد الله بن عَمْرو قال: رأى
عليَّ النبيُّ ◌َّهِ ثوبينِ مُعَصفَرَينٍ، فقال: ((إنَّ هذه من ثياب الكفَّار فلا تَلبَسْهما)) أخرجه
مسلم (٢٠٧٧)، وفي لفظ له: ((فقلتُ: أغسِلهما؟ قال: ((لا، بل أحرِقهما))، قال البيهقيُّ: فلو
بَلَغَ ذلك الشافعيَّ لَقال به اتِباعاً للسُّنّة كعادتِهِ، وقد كَرِهَ المعَصفَر جماعةٌ من السَّلَف
ورَخَّصَ فيه جماعةٌ، وممَّن قال بكَراهَتِه من أصحابنا الحَلِيمَيّ(٣)، واتِّباع السُّنّة هو الأَولى،
انتھی.
وقال النَّوويّ في ((شرح مسلم)): أتقَنَ البيهقيُّ المسألةَ والله أعلم، ورَخَّصَ مالك في
المعَصفَر والمزَعفَر في البيوت وكَرِهَه في المحافل.
(١) مسلم (٢١٠١)، وأبو داود (٤١٧٩)، والترمذي (٢٨١٥)، والنسائي (٢٧٠٧). و(٢٧٠٨).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٠٩٨)، وابن ماجه (٣٦٠٢)، والنسائي (١٠٤٢)، وأصله في مسلم (٤٨٠).
(٣) كذا قال الحافظُ، وهو خطأ منه، فإنَّ الحليمي قال بجوازه لا بكراهته، وانظر معنى قول البيهقي هذا في كتابه
((معرفة السنن والآثار)) الفقرات (٣٤٣٤ - ٣٤٣٦) و(٣٤٤٦).
١٠٥
باب ٣٤ / ح ٥٨٤٧
كتاب اللباس
وسيأتي قريباً (٥٨٥١) حديثُ ابن عمر في الصُّفرة، وتقدَّم في النِّكاح (٥١٥٣) حديث
أنس في قصَّة عبد الرَّحمن بن عَوْف حين تزوَّجَ وجاء إلى النبيّ وَّهِ وعليه أثر صُفْرة، وتقدَّم
الجواب عن ذلك بأنَّ الْخُلُوق كان في ثوبه عَلِقَ به من المرأة ولم يكن في جسده، والكراهة
لمن تَزَعفَرَ في بَدَنه أشدُّ من الكراهة لمن تَزَعفَرَ في ثوبه، وقد أخرج أبو داود (٤٧٨٩)
والتِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٣٣٩)، والنَّسائيُّ في ((الكُبِرَى)) (٩٩٩٤) من طريق سَلْم العَلَويّ
عن أنس: دَخَلَ رجل على النبيّ وَّهِ وعليه أثر صُفرة، فكَرِهَ ذلك، وقَلَّما كان يُواجِه أحداً
بشيءٍ يَكرَهه، فلمَّا قامَ قال: ((لو أمَرتُم هذا أن يَتَرُّك هذه الصُّفرة)، وسَلْم - بفتح المهمَلة
وسكون اللّام - فيه لين، ولأبي داود (٤١٨٠) من حديث عمَّر رَفَعَه: ((لا تَحَضُر الملائكة
جِنازةَ كافر ولا مُتَضمِّخ بالزَّعفَران)»، وأخرج أيضاً (٤١٧٦) من حديث عمَّر قال: قَدِمتُ
على أهلي ليلاً وقد تَشَقَّقَت يَدايَ، فخَلَّقوني بزَعفَرانٍ، فسَلَّمت على النبيّ ◌َ ◌ِّ فلم يُرَحِّب
بي وقال: ((اذهَبْ فاغسِل عنك هذا))(١).
٣٠٥/١٠
٣٤ - باب الثّوب المزعفَر
٥٨٤٧- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما،
قال: نَهَى النبيُّ ◌َّهِ أَن يَلْبَسَ المحرِمُ ثوباً مصبوغاً بوَرْسٍ أو بزَغْفَرانٍ.
قوله: ((باب الثَّوْب المزَعْفَر)) ذكر فيه حديث ابن عمر: ((نَهَى النبيّ ◌َِّ أن يَلْبَس المحرِم
ثوباً مصبوغاً بورسٍ أو زَعفَران، كذا أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم مُطوَّلاً مشروحاً في كتاب
الحجّ (١٥٤٢).
وقد أُخِذَ من التَّقييد بالمحرِمِ جوازُ لُبس الثَّوب المزَعفَر للحلال، قال ابن بَطّل: أجازً
مالك وجماعة لباسَ الثَّوب المزرعفَر للحلال، وقالوا: إنَّما وَقَعَ النَّهي عنه للمُحرِمِ خاصّة،
وَلَه الشافعيّ والكوفّونَ على المحرم وغير المحرم، وحديث ابن عمر الآتي في ((باب النِّعال
السِّبْتَيَّة)) (٥٨٥١) يدلّ على الجواز، فإنَّ فيه: أنَّ النبيَّ ◌َلّه كان يَصْبَغ بالصُّفرة، وأخرج الحاكم
(١) وإسناد الخبرين ضعيفان لانقطاعهما.
١٠٦
باب ٣٥ / ح ٥٨٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
(١٨٩/٤) من حديث عبد الله بن جعفر قال: رأيتُ رسول الله وَ ظله وعليه ثوبان مصبوغان
بالَّعفَران، وفي سنده عبد الله بن مُصعَب الزُّبَيريّ وفيه ضعف، وأخرج الطبرانيُّ (٩٥٣/٢٣)
من حديث أمّ سَلَمة: أنَّ رسول الله وَ صَبَغَ إزارَه ورِداءَه بزَعفَرانٍ، وفيه راوٍ مجهول،
ومن المستَغْرَب قول ابن العربيّ: لم يَرِدْ في الثَّوب الأصفَر حديث؛ وقد وَرَدَ فيه عِدّة أحاديث كما
تَرَى، قال المهلَّب: الصُّفرة أبهَجُ الألوان إلى النَّفْس، وقد أشار إلى ذلك ابن عبّاس في قوله
تعالى: ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا قَسُرُّ النَّظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩].
٣٥- باب الثّوب الأحمر
٥٨٤٨- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، سمعَ البراءَ ﴾ يقول: كان
النبيُّ ◌َِّ مَرْبُوعاً، وقد رأيتُه في حُلّةٍ حمراءَ، ما رأيتُ شيئاً أحسنَ منه.
قوله: (باب الثَّوْب الأحمر)) ذكر فيه حديث البراء: ((كان النبيّ وَّه مربوعاً، ورأيته في حُلّة
حمراء، ما رأيت شيئاً أحسن منه))، وقد تقدَّم في صِفَة النبيّ ◌َِّ (٣٥٥١) أتمَّ سياقاً من هذا.
قوله: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبيعيّ ((سمعَ البراءَ)) هو ابن عازِب، كذا قال أكثر
أصحاب أبي إسحاق، وخالَفَهما أشعَتُ فقال: عن أبي إسحاق عن جابر بن سَمُرة، أخرجه
النَّسائيُّ (ك٩٥٦١) وأعَلَّه، والتِّرمِذيّ (٢٨١١) وحَسَّنَه، ونُقِلَ عن البخاريّ أنَّه قال: حديث
أبي إسحاق عن البراء وعن جابر بن سَمُرة صحيحان، وصَحَّحَه الحاكم (١٨٦/٤)، وقد
تقدَّم حديث أبي جُحَيفةً قريباً (٥٧٨٦)، ويأتي (٥٨٥٩) وفيه: حُلّة حمراء أيضاً(١).
ولأبي داود (٤٠٧٣) من حديث هلال بن عامر عن أبيه: رأيت النبيّ ◌َله يَخْطُب بمِنَّى على
بعير وعليه بُرد أحمر، وإسناده حسن، وللطَّبَرانيّ (٨١٧٥) بسندٍ حسن عن طارق المحارِبيِّ
نحوه، لكن قال: بسوقِ ذي المَجَاز. وتقدَّم في ((باب التَّزعفُر))(٢) ما يَتَعلَّق بالمعَصفَرِ، فإنَّ
غالب ما يُصْبَغ بالعُصفُرِ یکون أحمر.
(١) الرواية التي فيها: حلة حمراء، من حديث أبي جحيفة هي السالفة برقم (٣٧٦).
(٢) باب رقم (٣٣).
١٠٧
باب ٣٥ / ح ٥٨٤٨
كتاب اللباس
وقد تَلخَّصَ لنا من أقوال السَّلَف في لُبس الثَّوب الأحمر سبعة أقوال:
الأوَّل: الجواز مُطلَقاً، جاء عن عليّ وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من
الصحابة، وعن سعيد بن المسيّب والنَّخَعيِّ والشَّعبيّ وأبي قِلابةَ وأبي وائل وطائفة من التابعينَ.
القول الثّاني: المنعِ مُطلَقاً، لما تقدَّم من حديث عبد الله بن عَمْرو، وما نَقَلَه البيهقيُّ (١)،
وأخرج ابن ماجَهْ (٣٦٠١) من حديث ابن عمر (٢): نَهَى رسول الله وَّهِ عن المفَدَّم؛ وهو
بالفاءِ وتشديد الدَّال: وهو المشبَع بالعُصفُرِ، فَشَّرَه في الحديث، وعن عمر: أنَّه كان إذا رأى
على الرجل ثوباً مُعَصفَراً ضربه(٣) وقال: دَعُوا هذا للنِّساءِ، / أخرجه الطَّبَريُّ (٤)، وأخرج ٣٠٦/١٠
ابن أبي شَيْبة(٥) من مُرسَل الحسن: ((الحُمْرة من زينة الشَّيطان، والشَّيطان يُحِبّ الحُمرة))،
وَصَلَه أبو عليّ بن السَّكَن وأبو أحمد(٦) بن عَديّ ومن طريقه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٦٣٢٧)
من رواية أبي بكر الهُذَليّ - وهو ضعيف - عن الحسن عن رافع بن يزيد الثَّقْفيّ رَفَعَه: ((إِنَّ
الشَّيطان يُحِبّ الحُمرة، فإِّاكم والحُمرةَ، وكلَّ ثوب ذي شُهْرة))، وأخرجه ابن مَندَه وأدخَلَ
في رواية له بين الحسن ورافع رجلاً، فالحديث ضعيف، وبالَغَ الْجُورقانيُّ فقال: إنَّه باطل،
وقد وَقَفْتُ على كتاب الجُورقاني المذكور وتَرجَمَه ((بالأباطيلِ))، وهو بخَطِّ ابن الجَوْزيّ،
وقد تَبِعَه على أكثر ما ذكر في كتابه في ((الموضوعات))، لكنَّه لم يوافقه على هذا الحديث، فإنَّه
ما ذكره في الموضوعات فأصاب، وعن عبد الله بن عَمْرو قال: مرَّ على النبيّ وَ﴿ رجلٌ
وعليه ثوبان أحمران، فسَلَّمَ عليه، فلم يَرُدَّ عليه النبيّ ◌َِّ، أخرجه أبو داود (٤٠٦٩) والتِّرمِذيّ
(٢٨٠٧) وحَسَّنَه، والبزَّار (٢٣٨١) وقال: لا نَعلَمُه إلّا بهذا الإسناد، وفيه أبو يحيى القَّات
(١) في شرح الباب (٣٣): النهي عن التزعفر للرجال.
(٢) وسنده ضعيف.
(٣) في (س) وحدها: جذبه.
(٤) وأخرجه عبد الرزاق (١٩٩٧٠)، وابن أبي شيبة ٨/ ٣٧٠، بإسنادين فيهما ضعفٌ.
(٥) لم نقف عليه عنده، وأخرجه عبد الرزاق (١٩٩٧٥)، وعلى إرساله فيه رجل مبهم.
(٦) تحرَّف في (س) إلى: محمد. والحديث عند ابن عدي في ((الكامل)) ٣/ ٣٢٥.
١٠٨
باب ٣٥ / ح ٥٨٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
تُخْتَلَف فيه(١)، وعن رافع بن خَدِيج قال: خَرَجْنا مع رسول الله وَّه فِي سَفَر، فرأى على
رواحلنا أكسيةً فيها خُيوط عِهْن ◌ُمر، فقال: ((ألا أرَى هذه الحُمْرة قد غَلَبتَكم)) قال: فقُمنا
◌ِراعاً فَنَزَعناها، حتَّى نَفَرَ بعضُ إبلنا، أخرجه أبو داود (٤٠٧٠)، وفي سنده راوٍ لم يُسَمَّ، وعن
امرأة من بني أسَد قالت: كنت عند زينب أمّ المؤمنينَ ونحنُ نَصبغ ثياباً لها بمَغَرةٍ، إذْ طَلَعَ
النبيّ ◌َ له فلمَّا رأى المغرةَ رَجَعَ، فلمَّا رأت ذلك زينب غَسَلَت ثيابها، ووارَت كلَّ حُمرة، فجاء
فدَخَلَ، أخرجه أبو داود (٤٠٧١) وفي سنده ضعف.
القول الثالث: يُكرَه لُبْس الثَّوب المشبع بالُمرة دونَ ما کان صِبغُه خفيفاً، جاء ذلك عن
عطاء وطاووسٍ ومجاهد، وكأنَّ الحُجّة فيه حديث ابن عمر المذكور قريباً في المفَدَّم.
القول الرَّابع: يُكرَه لُبس الأحمر مُطلَقاً لقصدِ الزينة والشُّهرة، ويجوز في البيوت والمهنة،
جاء ذلك عن ابن عبّاس، وقد تقدَّم قول مالك في ((باب التَّزعفُر)).
القول الخامس: يجوز لُبس ما كان صُبِغَ غَزْلُه ثمّ نُسِجَ، ويُمنَع ما صُبِغَ بعد النَّسج،
جَنَحَ إلى ذلك الخطَّبيُّ، واحتَجَّ بأنَّ الحُلّة الواردة في الأخبار الواردة في لُبسه وَِّ الحُلّة الحمراء
إحدَى حُلَل اليمن، وكذلك البُرد الأحمر، وبُرود اليمن يُصبَغْ غَزْلها ثمَّ يُنْسَجِ.
القول السادس: اختصاص النَّهي بما يُصبَغ بالمعَصِفِرِ لوُرودِ النَّهي عنه، ولا يُمنَع ما صُبِغَ
بغيره من الأصباغ، ويُعكِّر عليه حديث المَغَرةِ(٢) المتقدِّم.
القول السابع: تخصيص المنع بالثَّوبِ الذي يُصبَغ كلّه، وأمَّا ما فيه لون آخر غير الأحمر
من بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تُحمَل الأحاديث الواردة في الحُلّة الحمراء، فإنَّ
الحُلَل اليَمَانيَة غالباً تكون ذات خطوط حُرٍ وغيرها، قال ابن القَيِّم: كان بعض العلماء
يَلْبَس ثوباً مُشبَعاً بالحُمرة يَزْعُم أنَّه يَتَبَع السُّنّة، وهو غَلَطٌ، فإنَّ الْحُلّة الحمراء من بُرود اليمن،
والبُرد لا يُصبَغ أحمر صِرْفاً. كذا قال.
(١) والراجح أنه ضعيف ليِّ الحديث.
(٢) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: المغيرة. والحافظ يشير هنا إلى حديث زينب الذي ذكره في آخر القول الثاني.
والمَغَرة: طين أحمر تُصبغ به الثياب.
١٠٩
باب ٣٦ / ح ٥٨٤٩
كتاب اللباس
وقال الطَّبَرَيُّ بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال: الذي أراه جوازُ لُبْس الثّياب المصبَّغة
بكلِّ لون، إلّا أنّي لا أُحِبّ لُبسَ ما كان مُشْبَعاً بالحُمرة ولا لُبسَ الأحمر مُطلَقاً ظاهراً
فوق الثّياب، لكَونِه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإنَّ مُراعاة زِيّ الزَّمان من
المروءة ما لم يكن إثماً، وفي مُخالَفة الزِّيّ ضرب من الشُّهْرة، وهذا يُمكِّن أن يُلخّص منه
قول ثامن.
والتَّحقيق في هذا المقام: أنَّ النَّهي عن لُبس الأحمر إن كان من أجل أنَّه لُبس الكفّار،
فالقول فيه كالقولِ في المِثَرة الحمراء كما سيأتي، وإن كان من أجل أنَّه زِيّ النِّساء، فهو
راجعٌ إلى الزَّجر عن التشبُّه بالنِّساءِ، فيكون النَّهي عنه لا لذاتِه، وإن كان من أجل الشُّهرة
أو خَرْم المروءة، فيُمنَع حيثُ يقع ذلك وإلّا فلا(١)، فيقوى ما ذهب إليه مالك من التَّفْرِقة
بين المحافل والبيوت(٢).
٣٦- باب المِيثَرة الحمراء
٥٨٤٩- حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن أشعَثَ، عن معاويةَ بنِ سُوَيدِ بنِ مُقرِّنٍ، عن
البراءِ ◌ُ قال: أُمَرَنا النبيُّ ◌َله بِسَبْعِ: عِيادةِ المريضِ، وأتُّباعِ الجنائزِ، وَتَشْمِيتِ العاطِسِ، ونَهَانا
عن لُبْسِ الحريرِ، والدِّيباجِ، والقَسِّيِّ، والإستَبَرَقِ، ومَيَائِرِ الحُمْرِ.
قوله: ((باب المِثَرة الحمراء)) ذكر فيه حديث سفيان - وهو الثَّوْريّ - عن أشعَث - وهو ٣٠٧/١٠
ابن أبي الشَّعثاء - عن معاوية بن سُوَيد عن البراء قال: أمَرَنا النبيّ ◌َلّ بسبعٍ ... الحديث،
وفي آخره: وعن لُبس الحرير والدِّيباج والإستَبَرَق والميائِرِ الحُمْر، فالحرير قد سَبَقَ القول
فيه، والدِّيباج والإستَبِرَق صِنفان نفيسان منه، وأمَّا الميائِر فهي جمع مِيثَرة، تقدَّم ضبطها في
(باب لُبس القَسِِّيِّ))(٣)، وقد أخرج أحمد (٩٨١) والنَّسائيُّ (٥١٨٤) وأصله عند أبي داود
(٤٠٥٠) بسندٍ صحيح عن عليّ قال: نُهيَ عن الميائِر الأَرجُوان، هكذا عندهم بلفظ: ((نُهي))
(١) لفظ ((فلا)) سقط من (س).
(٢) فكرهه في المحافل، ورخّص به في البيوت.
(٣) باب رقم (٢٨).
١١٠
باب ٣٦ / ح ٥٨٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
على البناء للمجهول، وهو محمول على الرَّفع، وقد أخرج أحمد (٧٢٢) وأصحاب
((السُّنَن))(١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٥٤٣٨) من طريق هُبَيرة بن يَرِيم - بتحتائيَّةٍ أوَّله وزن
عَظيم - عن عليّ قال: نَهاني رسول الله وَ ◌ّهِ عن خاتَم الذَّهَب، وعن لُبس القَسِّيّ والِثَرة
الحمراء.
قال أبو عُبيد: الميائِرِ الحُمْر التي جاء النَّهيُ عنها کانت من مراکِب العجم من دیباج
وحرير، وقال الطَّبَريُّ: هي وِطاء يُوضَع على سَرْج الفرس أو رَحْل البعير من الأُرجوان،
وحكى في ((المشارق)) قولاً: أنَّا سُروج من ديباج، وقولاً: أنَّها أغشية للسُّروچِ من حریر،
وقولاً: أنَّها تُشِبِهِ المِخَدّة تُحشَى بقُطنٍ أو ريش يجعلها الرَّاكب تحته، وهذا يوافق تفسير
الطَّبَريّ، والأقوال الثلاثة يحتمل أن لا تكون مُتخالِفة، بل المِثَرَة تُطلَق على كلٍّ منها،
وتفسير أبي عُبيد يحتمل الثّاني والثّالث، وعلى كلّ تقدير فالمِثَرة وإن كانت من حرير، فالنّهيُ
فيها كالنَّهي عن الجلوس على الحرير، وقد تقدَّم القول فيه، ولكن تقييدها بالأحمرِ أخصّ من
مُطلَق الحریر فیمتَنِع إن کانت حریراً، ويتگَّد المنُ إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير
حرير فالنّهي فيها للزّجرِ عن التشبُّه بالأعاجم.
قال ابن بَطّال: كلام الطَّبَريّ يقتضى التَّسويةَ في المنع من الرُّکوب علیه، سواء كانت
من حرير أم من غيره، فكأن النَّهي عنها إذا لم تكن من حرير للتشبُّه أو للسَّرَفِ أو التَّزيُّن،
وبحَسَبِ ذلك تفصيلُ الكراهة بين التَّحريم والتَّنزيه، وأمَّا تقييدها بالحُمْرة، فمَن يَحمِل
المطلَق على المقيَّد - وهم الأكثر - ◌َخُصّ المنع بما كان أحمر.
والأُرجُوان المذكور في الرِّواية التي أشرت إليها: بضمِّ الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة
ثُمَّ واو خفيفة، وحكى عِيَاض ثمَّ القُرطُبيّ فتح الهمزة، وأنكَرَه النَّوويّ، وصَوَّبَ أنَّ الضَّمّ
هو المعروف في كتب الحديث واللُّغة والغريب.
واختلفوا في المراد به، فقيل: هو صبغٌ أحمر شديد الحمرة، وهو نَوْر شجر من أحسن
(١) أبو داود (٤٠٥١)، وابن ماجه (٣٦٥٤)، والترمذي (٢٨٠٨)، والنسائي (٥١٦٥) و(٥١٦٧).
١١١
باب ٣٧ / ح ٥٨٥٠-٥٨٥٢
كتاب اللباس
الألوان، وقيل: الصّوف الأحمر، وقيل: كلّ شيء أحمر فهو أُرجوان. ويقال: ثوب أُرجوان
وقَطِيفة أُرجوان، وحكى السِّيرافيّ: أحمرُ أُرجوان، فكأنَّه وُصِفَ للمُبالَغة في الحُمرة، كما يقال:
أبيضُ يَقَقٌّ، وأصفَر فاقعٌّ، واختلفوا: هل الكلمة عربيَّة أو مُعرَّبة؟ فإن قلنا باختصاص النَّهي
بالأحمرِ من الميائِر، فالمعنيُّ في النَّهي عنها ما في غيرها كما تقدَّم في الباب قبله، وإن قلنا: لا
يَخْتَصّ بالأحمرِ، فالمعنيّ بالنَّهي عنها ما فيه من الثَّرقُّه، وقد يَعتادُها الشَّخص فتَعُوزه فيَشُقّ
عليه تركها، فيكون النَّهي نهيَ إرشاد لمصلحةٍ دُنيَويَّة، وإن قلنا: النَّهي عنها من أجل التشبُّه
بالأعاجِمِ، فهو لمصلحةٍ دينيّة، لكن كان ذلك شِعارَهم حينئذٍ وهم كفَّار، ثمَّ لمَّا لم يَصِر
الآن يختصُّ بشِعارِهم، زالَ ذلك المعنى فَتَزُول الكراهة، والله أعلم.
٣٧- باب النِّعال السِّبْتَّة وغيرها
٥٨٥٠- حدّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن سعيدٍ أبي مَسْلَمةَ قال: سألتُ أنساً: ٣٠٨/١٠
أُكان النبيُّ ◌َلَ يُصَلّي فِي نَعْلَيْه؟ قال: نعم.
٥٨٥١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن سعيدِ المَقْبُريِّ، عن عُبيدِ بنِ جُرَيجٍ،
أنَّه قال لعبدِ الله بن عمر رضي الله عنهما: رأيتُكَ تَصْنَعُ أربعاً لم أرَ أحداً من أصحابِكَ يَصْنَعُها،
قال: ما هي يا ابنَ جُرَيج؟ قال: رأيتُكَ لا تَمَسُّ مِنَ الأركان إلّ الْيَمَانِيَينِ، ورأيتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ
السِّيْنِيَّةَ، ورأيتُكَ تَصْبَغُ بالصُّفْرةِ، ورأيتُكَ إذا كنتَ بمكَّةَ أهَلَّ الناسُ إذا رَأْوًا الهلالَ، ولم تُِلَّ
أنتَ حتَّى كان يومُ الثَّرَوِيَةِ! فقال له عبدُ الله بنُ عمرَ: أَمَّ الأركانُ، فإنّي لم أرَ رسولَ الله وَاهـ
يَمَسُّ إلَّا الْيَمَانيَينِ، وأَمَّا النِّعَالُ السَّيْئَةُ، فإني رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ يَلْبَسُ النِّعالَ التي ليس فيها شَعَرٌ
ويَتَوضَّأُ فيها، فأنا أُحِبُّ أن ألبَسَها، وأمَّا الصُّفْرةُ، فإنّي رأيتُ رسولَ الله وَلِ يَصْبَغُ بها، فأنا أُحِبُّ أن
أصبُغَ بها، وأمَّ الإِهْلالُ فإنّي لم أرَ رسولَ الله وَلِ يُِّلُ حتَّى تَنْبَعِثَ به راحِلتُه.
٥٨٥٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما، قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ أَن يَلْبَسَ المحرِمُ ثوباً مصبوغاً بزَعْفَرانٍ أو وَرْسٍ، وقال:
((مَن لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُقَّيْنٍ، ولْيَقْطَعْهما أسفلَ منَ الكَعْبِينِ)).
١١٢
باب ٣٧ / ح ٥٨٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
٥٨٥٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَّةَ: «مَن لم يكن له إزارٌ فَلْيَلبَسِ السَّراوِيلَ،
ومَن لم يكن له نَعْلانِ فَلْيَلبَسْ خُفَّيْنٍ».
قوله: ((باب النِّعال)) جمع نَعْل وهي مؤنَّة، قال ابن الأثير: هي التي تُسمَّى الآن: تاسُومَة،
وقال ابن العربيّ: النَّعل لباس الأنبياء، وإنَّما اَّخِذَ الناسُ غيرها لما في أرضهم من الطِّين، وقد
يُطلَق النَّعل على كلّ ما يَقي القَدمَ. قال صاحب ((المحكَم)): النَّعل والنَّعلة: ما وَقَيتَ به القَدَمَ.
قوله: ((السُّبْتَيَّة)) بكسر المهمَلة وسكون الموحّدة بعدها مُثنّة: منسوبة إلى السِّبْت، قال
أبو عُبيد: هي المدبوغة، ونقله عن الأصمَعَيّ وعن أبي عَمْرو الشَّيْانيّ، زاد الشيباني: بالقَرَظ،
قال: وزَعَمَ بعض الناس أنَّها التي حُلِقَ عنها الشَّعر. قلت: أشارَ بذلك إلى مالك، نَقَلَه ابنُ
وهب عنه ووافَقَه، وكأنَّه مأخوذ من لفظ السَّبْت، لأنَّ معناه: القَطْع، فالحَلْق بمعناه، وأَبَّدَ
ذلك جوابُ ابن عمر المذكور في الباب، وقد وافَقَ الأصمَعيَّ الخليلُ، وقالوا: قيل لها: سِبْيَّة
لأنَّهَا تَسَبَّتَت بالدِّباغ، أي: لانَتْ، قال أبو عُبيد: كانوا في الجاهليَّة لا يَلبَس النِّعال المدبوغة إلّا
أهلُ السَّعَة؛ واستَشْهَدَ لذلك بشِعرٍ.
وذکر في الباب أربعة أحادیث:
الأول: حديث أنس في الصلاة في النَّعلَينِ، وقد تقدَّم شرحه في الصلاة (٣٨٦).
الثاني: حديث ابن عمر من رواية سعيد المقبريِّ عن عُبيد بن جُرَيج، وهما تابعيّان مَدَنیّان.
قوله: ((رأيتُك تَصْنَعُ أربعاً) فذكرها، فأمَّا الاقتصار على مَسّ الزُّكنَيْنِ اليَمَانيَينِ، فتقدَّم
٣٠٩/١٠ شرحه/ في كتاب الحجّ(١)، وكذلك الإهلال يوم التَّروية، وأمَّا الصَّبغ بالصُفرة فتقدَّم في ((باب
التَّزْعِفُر))(٢)، ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق عن عُبيد بن جُرَيج(٣): يُصفِّر بالوَرْسِ.
(١) بالأرقام (١٥١٤) و(١٥٥٢) و(١٦٠٩).
(٢) باب رقم (٣٣).
(٣) يعني في رواية ابن إسحاق عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج، وهذه الرواية أخرجها ابن عبد البر في
((التمهید» ٢١/ ٨٠ بإسناده إلى ابن إسحاق.
١١٣
باب ٣٧ / ح ٥٨٥٣
كتاب اللباس
وأمَّا لُبس النِّعال السِّبتيَّة فهو المقصود بالذِّكرِ هنا، وقول ابن عمر: ((يَلبَس النِّعال التي
ليس فيها شَعر)) يُؤيِّد تفسير مالك المذكور، وقال الخطَّبيُّ: السِّبْتَيَّة: التي دُبِغَت بالقَرَظِ،
وهي التي سُبِتَ ما عليها من شعر، أي: حُلِقٍ، قال: وقد يَتَمسَّك بهذا مَن يَدَّعي أنَّ الشَّعر
يَنْجُس بالموت، وأنَّه لا يُؤَثِّر فيه الدِّباغ، ولا دلالةَ فيه لذلك.
واستُدِلَّ بحديثٍ ابن عمر في لباس النبيّ وَّهِ النِّعالَ السِّبْتَيَّة، وَبَّته لذلك على جواز
لُبسِها على كلّ حال، وقال أحمد: يُكرَه لُبسُها في المقابر لحديثِ بشير ابن الخَصَاصِيَة قال:
بينما أنا أمشي في المقابر وعليَّ نَعلان إذا رجل ينادي من خَلْفي: ((يا صاحبَ السِّبتَيَّتَينِ إذا
كنت في هذا الموضع فاخلَعْ نَعلَيك)) أخرجه أحمد (٢٠٧٨٤) وأبو داود (٣٢٣٠)،
وصَحَّحَه الحاكم (٣/ ٣٧٣)، واحتَجَّ به على ما ذُكِرَ، وتَعقَّبَه الطَّحاويُّ: بأنَّه يجوز أن يكون
الأمر بخَلعِهما لأذّى فيهما، وقد ثَبَتَ في الحديث: أنَّ المَيِّت يسمع قَرْع نعالهم إذا وَلَّوا عنه
مُدبِرِينَ(١)، وهو دالٌّ على جواز لُبْس النِّعال في المقابر، قال: وثَبَتَ حديث أنس: أنَّ النبيَّ ◌ِله
صَلَّى فِي نَعلَيه، قال: فإذا جازَ دخولُ المسجد بالنَّعلِ فالمقبرة أولى. قلت: ويحتمل أن يكون
النَّهي لإكرام المَيِّت كما وَرَدَ النَّهي عن الجلوس على القبر (٣)، وليس ذِكْر السِّبتَيَّتَينِ للتَّخصيصِ
بل اتَّفَقَ ذلك، والنَّهي إِنَّما هو للمَشْي على القُبور بالنِّعال.
الحدیث الثالث والرابع: حديث ابن عمر وابن عباس فيما لا يلبسُ المحرم، وفيه ذِكْر
النَّعلَينِ، وقد تقدَّم شرحُهما في كتاب الحجّ(٣).
وفي هذه الأحاديث استحباب لُبس النَّعل، وقد أخرج مسلم (٢٠٩٦) من حديث
جابر رَفَعَه: ((استَكثِروا من النِّعال، فإنَّ الرجل لا يزال راكِباً ما انتَعَلَ)) أي: إنَّه شبيه بالرَّاكبِ في
خِفّة المشَقّة وقِلّة التَّعَب وسلامة الرّجل من أذى الطَّريق، قاله النَّوويّ، وقال القُرطُبيّ:
(١) سلف عند البخاري برقم (١٣٣٨).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٠) من حديث جابر، و(٩٧١) من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث ابن عمر بالأرقام (١٥٤٢) و(١٨٣٨) و(١٨٤٢)، وحديث ابن عباس (١٨١٢) و(١٨٤١)
و(١٨٤٣).
١١٤
باب ٣٨-٣٩ / ح ٥٨٥٤ - ٥٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
هذا كلامٌ بليغ ولفظٌ فصيح، بحيثُ لا يُنسَج على مِنْواله ولا يُؤْتَى بِمِثاله، وهو إرشاد إلى
المصلحة وتنبيه على ما يُحُفِّف المشَقّة، فإنَّ الحافي المُدِيم للمَشْيِ يَلقَى من الآلام والمشَقّة
بالعِثار وغيره ما يَقطَعه عن المشي، ويَمنَعه من الوصول إلى مقصوده، بخلاف المنتعل فإنه لا
يمنعه من إدامة المشي، فيصل إلى مقصوده(١) كالرَّاكِبِ، فلذلك شُبُّهَ به.
٣٨- بابٌ يبدأ بالنّعل الیمنی
٥٨٥٤- حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهال، حدَّثْنَا شُعْبةُ، قال: أخبرني أشعَثُ بنُ سُلَيم، سمعتُ
أبي يُحدِّثُ عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّنَّهَ يُحِبُّ التيمُّنَ في طُهورِه
وتَرَجُلِهِ وتَنعُلِهِ.
قوله: ((بابٌّ يَبْدَأُ بالنَّعْلِ اليمنى)) ذكر فيه حديث عائشة: ((كان يُحِبّ التيمُّن في طُهوره
وتَنَعُّلُه))، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الطَّهارة (١٦٨)، وهو ظاهر فيما تُرجِمَ له، والله أعلم.
٣٩- بابٌ لا يمشي في نعل واحدة
٥٨٥٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي
هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((لا يَمْشي أحدُكم في نَعْلٍ واحدةٍ، لِيُحْفِهما أو ليُعِلْهما جميعاً)).
قوله: (بابٌ لا يَمْشي في نَعْل واحدة)) ذكر فيه حديث أبي هريرة من رواية الأعرَج عنه،
قال الخطَّبيُّ: الحكمة في النَّهي: أنَّ النَّعل شُرِعَت لوقاية الرِّجل عمَّا يكون في الأرض من
٣١٠/١٠ شَوْك أو نحوه، فإذا انفَرَدَت إحدَى الرَّجلَينِ احتاجَ/ الماشي أن يَتَوقَّى لإحدَى رِجلَيه ما لا
يَتَوقَى للأُخرى، فيَخرُج بذلك عن سَجَيَّة مَشْيه، ولا يأمَن مع ذلك من العِثَار، وقيل:
لأنَّه لم يَعدِل بين جَوارِ حه، ورُبَّما نُسِبَ فاعل ذلك إلى اختلال الرَّأي أو ضعفه. وقال ابن
العربيّ: قيل: العِلّة فيها أنَّهَا مِشْية الشَّيطان(٢)، وقيل: لأنَّها خارجة عن الاعتدال. وقال البيهقيُّ:
(١) من قوله: ((بخلاف المنتعل)) إلى هنا سقط من (س).
(٢) بل هذا هو الراجح - والله أعلم - فقد رُوِيَ هذا مرفوعاً من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله ێے نهى
عن المشي في النعل الواحدة وقال: ((إنَّ الشيطان يمشي بالنعل الواحدة))، أخرجه الطحاوي في ((شرح
المشکل)» (١٣٥٨)، وسنده صحيح.
١١٥
باب ٣٩ / ح ٥٨٥٥
كتاب اللباس
الكراهة فيه للشُّهْرة فَتَمْتَدّ الأبصارُ لمن تَرَى ذلك منه، وقد وَرَدَ النَّهي عن الشُّهرة في اللِّباس(١)،
فكلّ شيءٍ صَيَّرَ صاحبَه شُهرةً فحَقُّه أن يُجِتَنب.
وأمَّا ما أخرج مسلم (٢٠٩٨) من طريق أبي رَزِين عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا انقَطَعَ
شِسْعُ أحدكم فلا يَمشِ في نَعلِ واحدة حتَّى يُصلِحها))، وله (٢٠٩٩) من حديث جابر: ((حتَّى
يُصلِحِ نَعَلَه))، وله (٢) ولأحمد (٨١٥١) من طريق همَّام عن أبي هريرة: ((إذا انقَطَعَ شِسعُ أحدكم
أو شِراكُه، فلا يَمشِ في إحداهما بنَعلِ والأُخرى حافية، ليُحِفِهما جميعاً أو ليُنْعِلهما جميعاً)،
فهذا لا مفهوم له حتَّى يدلّ على الإذن في غير هذه الصّورة، وإنَّما هو تصوير خَرَجَ مَخَرَجَ
الغالب، ويُمكِن أن يكون من مفهوم الموافقة وهو التَّنبيه بالأدنَى على الأعلى، لأَنَّه إذا مُنِعَ مع
الاحتیاج فمع عَدَم الاحتیاج أولى.
وفي هذا التَّقرير استدراكٌ على مَن أجازَ ذلك حين الضَّرورة، وليس كذلك، وإنّما
المراد أنَّ هذه الصّورة قد يُظَنّ أنَّها أخَفّ لكونها للضَّرورة المذكورة، لكنَّ العِلّة موجودة
فيها أيضاً، وهو دالٌّ على ضعف ما أخرجه التِّرمِذيّ (١٧٧٧) عن عائشة قالت: رُبَّما انقَطَعَ
يشِعُ نَعلِ رسول اللهِوَّهِ فِمَشَى في النَّعل الواحدة حتَّى يُصلِحَها، وقد رَجَّحَ البخاريّ(٣)
وغير واحد وقفَه على عائشة.
وأخرج التِّرمِذيّ (٤) بسندٍ صحيح عن عائشة: أنَّها كانت تقول: لأَحِقِنَّ(٥) أبا هريرة،
فَتَمْشِي فِي نَعل واحدة، وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبة (٤١٧/٨) موقوفاً، وكأنَّها لم يَبلُغها
النَّهي، وقولها: ((لأُحِقِنَّ)) معناه: لَأَفْعَلَنَّ فِعلاً يُخالفه. وقد اختُلِفَ في ضبطه فُرُوِيَ: ((لَأُخالفَنَّ))
(١) يشير إلى حديث: ((من لبس ثوب شُهْرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلَّة يوم القيامة))، أخرجه أحمد
(٥٦٦٤)، وأبو داود (٤٠٢٩)، وابن ماجه (٣٦٠٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٤٨٧)، وهو
حديث حسن.
(٢) في عزوه لمسلم ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فهو لم يخرجه من هذا الطريق.
(٣) وكذلك الترمذي (١٧٧٨)، فقد أخرجه موقوفاً على عائشة، وقال: هذا أصح.
(٤) لم يخرجه الترمذي، ولا عزاه صاحب ((التحفة)) له.
(٥) تصحف في (س) في هذا الموضع والذي يليه إلى: لأخيفن، بالخاء المعجمة والياء.
١١٦
باب ٣٩ / ح ٥٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
وهو أوضَحُ في المراد، ورُويَ: ((لَأْحِثَنَّ)) من الحِنْث بالمهمَلة والنُّون والمثلَّثة، واستُبعِدَ،
لكن يُمكِن أن يكون بَلَغَها أنَّ أبا هريرة حَلَفَ على كراهية ذلك، فأرادتِ المبالَغة في مُالَفَتِهِ،
ورُويَ: (لَأُخِيفَنَّ)) بكسر المعجَمة بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ فاء، وهو تصحيف، وقد وُجِّهت بأنَّ
مُرادَها أنَّه إذا بَلَغَه أنَّها خالَفَته، أمسَكَ عن ذلك خَوفاً منها، وهذا في غاية البُعْد، وقد كان
أبو هريرة يعلم أنَّ من الناس مَن يُنكِر عليه هذا الحُكم، ففي رواية مسلم المذكورة من
طريق أبي رَزِين: خَرَجَ إلينا أبو هريرة فضَرَبَ بَيَدِه على جبهته، فقال: ألا إنَّكم تَحَدَّثونَ أنّ
أُكذِب لتَهتَدوا وأضِلَّ، أشهَدُ لَسمعت ... فذكر الحديث، وقد وافَقَ أبا هريرة جابرٌ على رفع
الحديث، فأخرج مسلم (٢٠٩٩) من طريق ابن جُرَيج، أخبرني أبو الزُّبَير، أنَّه سمعَ جابراً
يقول: إنَّالنبيّ ◌َّه قال: ((لا تَشٍ في نَعلِ واحدة)) الحديث، ومن طريق مالك عن أبي الزُّبَير عن
جابر: نَهَى النبيُّ ◌َ ﴿ أن يأكل الرجل بشماله، أو يَمشيَ في نَعل واحدة، ومن طريق أبي خَيْئمةَ
عن أبي الزُّبَير عن جابر رَفَعَه: ((إذا انقَطَعَ شِعُ أحدكم فلا يَمشٍ في نَعلٍ واحدة حتَّى يُصلِح
شِسعَه، ولا يَمشِ فِي خُفٍّ واحد)).
قال ابن عبد البَرِّ: لم يأخُذ أهل العلم برأي عائشة في ذلك، وقد وَرَدَ عن عليّ وابن
عمر (١) أيضاً: أنَهما فَعَلا ذلك، وهو إمّا أن يكون بَلَغَهما النَّهيُ فحَمَلاه على التَّنزيه، أو كان
زمنُ فِعلهما يسيراً بحيثُ يُؤمَن معه المحذور، أو لم يَبلُغهما النَّهي، أشارَ إلى ذلك ابنُ
عبد البَرِّ.
والشِّسْع، بكسر المعجَمة وسكون المهمَلة بعدها عين مُهمَلة: السَّير الذي يُجُعَل فيه إصبَع
الرِّجل من النَّعل، والشِّراك بكسر المعجَمة وتخفيف الزَّاء وآخره كاف: أحد سُيُور النَّعل التي
تكون في وجهها، وكلاهما يَخْتَلّ المشيُّ بفَقدِه.
وقال عِيَاض: رُوِيَ عن بعض السَّلَف في المشي في نَعلِ واحدة أو خُفّ واحد أثر لم يَصِحَّ،
أو له تأويل في المشي اليسير بقَدْرِ ما يُصلِحِ الأُخرَى، والتَّقْبيد بقولِه: ((لا يَمشِ)) قد يَتَمسَّك به
(١) كما عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤١٧/٨.
١١٧
باب ٣٩ / ح ٥٨٥٥
كتاب اللباس
مَن أجازَ الوقوف بنَعلِ واحدة، إذا عَرَضَ للنَّعلِ ما يحتاج إلى إصلاحها، وقد اختُلِفَ في
ذلك، فَقَلَ عِيَاض عن / مالك أنَّه قال: يَخْلَع الأُخرى، ويَقِف إذا كان في أرض حارّة أو نحوها ٣١١/١٠
ممّا يَضُرّ فيه المشئُ حتَّى يُصلِحها، أو يمشي حافياً إن لم يكن ذلك.
قال ابن عبد البَرِّ: هذا هو الصَّحيح في الفتوى وفي الأثر، وعليه العلماء، ولم يَتعرَّض
الصورة الجلوس، والذي يظهر جوازُها بناءً على أنَّ العِلّة في النَّهي ما تقدَّم ذِكْره، إلّا ما ذُكِرَ من
إرادة العَدْل بين الجَوَارح، فإنَّه يتناول هذه الصّورة أيضاً.
قوله: (لُعِلْهما جميعاً)) قال ابن عبد البَرِّ: أراد القَدَمَينِ وإن لم يَجِرِ لهما ذِكْر، وهذا مشهور في
لغة العرب، ووَرَدَ في القرآن أن يُؤْتَى بضميرٍ لم يَتقدَّم له ذِكْر لدلالة السِّياق عليه.
و(يُنِعِلهم)) ضَبَطَه النَّوويّ بضمٍّ أوَّله مِن أنعَلَ، وتَعقَّبَه شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) بأنَّ أهل
اللُّغة قالوا: نَعَلَ بفتح العين، وحُكيَ كسرها، وانتَعَلَ، أي: لَبِسَ النَّعل، لكن قد قال أهل اللُّغة
أيضاً: أنعَلَ رِجلَه: ألبَسَها نَعلاً، وأنعَلَ دابته: جَعَلَ لها نَعلاً، وقال صاحب ((المحكَم)): أنعَلَ
الدَّابَّةَ والبعير ونَعَّلَهما بالتَّشديد، وكذا ضَبَطَه عِيَاض في حديث عمر المتقدِّم (٥١٩١): ((إنَّ
غسّان تُنعِّل الخيل)) بالضَّمّ، أي: تجعل لها نِعالاً. والحاصل أنَّ الضَّمير إن كان للقَدَمَينِ جازَ
الضَّمّ والفتح، وإن كان للنَّعَلَينِ تَعيَّنَ الفتح.
قوله: ((أو ليُحفِهما جميعاً) كذا للأكثر، ووَقَعَ في رواية أبي مُصعَب في ((الموطَّا)) (١٩١٩):
((أو ليخلعهما))، وكذا في رواية لمسلم (٦٧/٢٠٩٧)، والذي في جميع روايات («الموطَّأ)»
كالذي في البخاريّ، وقال النَّوويّ: وكِلا الرّوايتَينِ صحيح، وعلى ما وَقَعَ في رواية أبي
مُصعَب فالضَّمير في قوله: ((أو ليخلعهما)) يعود على النَّعلَينِ، لأنَّ ذِكْر النَّعل قد تقدَّم، والله
أعلم.
تكملة: قد يَدخُل في هذا كلُّ لباس شُفِع كالُفَّيْنِ، وإخراج اليد الواحدة من الكُمّ
دونَ الأُخرى، وللتَّردّي على أحد المنكِبَينِ دونَ الآخر، قاله الخطَّبيّ، قلت: وقد أخرج ابن
ماجَة (٣٦١٧) حديث الباب من رواية محمَّد بن عَجْلان عن سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة بلفظ:
١١٨
باب ٤٠ / ح ٥٨٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
((لا يَمشِ أحدُكم في نَعلِ واحدة ولا خُفُّ واحد))، وهو عند مسلم (٢٠٩٩/ ٧١) أيضاً من
حديث جابر، وعند أحمد (١١٣٧٨) من حديث أبي سعيد، وعند الطبرانيّ (١٢٣٥٩)(١) من
حديث ابن عبّاس، وإلحاقُ إخراج اليد الواحدة من الكُمّ وترك الأُخرى بلُبسِ النَّعل الواحدة
والخُفّ الواحد بعيدٌ، إلّا إن أُخِذَ من الأمر بالعَدلِ بين الجوارح أو ترك الشُّهرة، وكذا وضعُ
طَرَف الرِّداء على أحد المنكِيَين، والله أعلم.
٤٠- بابُ یَنزِعِ نعله الیسری
٥٨٥٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾،
أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ قال: ((إذا انتَعَلَ أحدُكم فَلْيَبدَأْ باليَمِينِ، وإذا انتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بالشِّمالِ، لتكُنِ
اليُمنَى أَوَّلَمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهِما تُنْزَعُ)).
قوله: ((باب يَنْزِعِ نَعْله اليسرى)) وَقَعَ ذِكْر هذه التَّرجمة قبل التي قبلها عند الجميع إلّا أبا
ذرً، ولِگلٌّ منهما وجه.
قوله: ((إذا انتَعَلَ)) أي: لَبِسَ النَّعل.
قوله: ((باليمين)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((باليُمنَى)).
قوله: ((وإذا انتَزَعَ)) في رواية مسلم (٢٠٩٧/ ٦٧): ((وإذا خَلَعَ)).
قوله: (لِتِكُن اليُّمْنَى أَوَّلهما تُنْعَل، وآخر هما تُنْزَع)» زَعَمَ ابن وضّاح فيما حكاه ابن التِّين: أنَّ هذا
القَدْر مُدَرَج، وأنَّ المرفوع انتهى عند قوله: ((بالشِّمال)).
وضُبِطَ قوله: ((أوَّلهما)) و((آخرهما» بالنَّصبِ على أنَّه خبر كان أو على الحال، والخبر ((تُنْعَل))
و (تُنزَع))، وضُبِطا بمُثنّاتَينِ فوقانيَّتَينِ وتحتانيَّتَينِ مُذكَّرَينٍ باعتبار النَّعل والخَلْع، قال ابن
العربيّ: البِداءةُ باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة، لفضلِ اليمين حِسّاً في القوّة،
وشَرعاً في النَّذْب إلى تقديمها.
(١) وعزوه لـ ((مسند أحمد)) أولى، فهو فيه من حديث ابن عباس برقم (٢٩٤٨).
١١٩
باب ٤١ / ح ٥٨٥٧ - ٥٨٥٨
كتاب اللباس
وقال النَّوويّ: يُستَحَبّ / البداءةُ باليمين في كلّ ما كان من باب التَّكريم أو الزّينة، ٣١٢/١٠
والبِداءة باليَسار في ضِدّ ذلك، كالدُّخولِ إلى الخَلاء، ونَزْع النَّعل والخُفّ، والخروج من
المسجد، والاستنجاء وغيره من جميع المستَقذَرات. وقد مرَّ كثير من هذا في كتاب الطَّهارة في
شرح حديث عائشة (١٦٨): ((كان يُعجِبه التيمُّن))، وقال الحَلِيميّ: وجه الابتداء بالشِّمال
عند الخلع: أنَّ اللُّبس كرامة لأَنَّه وِقاية للبَدَن، فلمَّا كانت اليُمنَى أكرم من اليُسرَى بُدِئَ بها في
الُّبس، وأُخّرَت في الخلع لتكونَ الكرامةُ لها أدومَ وحَظّها منها أكثر.
قال ابن عبد البَرِّ: مَن بَدَأ بالانتعال في اليُسرَى أساءَ لمخالَفة السُّنّة، ولكن لا يَحُرُم
عليه لُبسُ نعله، وقال غيره: ينبغي له أن يَنزِعَ النَّعل من اليُسرَى ثمَّ يَبدَأ باليُمنَى، ويُمكِن
أن يكون مُراد ابن عبد البَرِّ ما إذا لَبِسَهما معاً فَبَدَأ باليُسَرَى، فإنَّه لا يُشرَع له أن يَنزِعهما ثمَّ
يَلبَسهما على التَّرتيب المأمور به، إذ قد فاتَ محلُّه. ونَقَلَ عِيَاض وغيره الإجماعَ على أنَّ الأمر
فيه للاستحباب، والله أعلم.
٤١ - بابٌ قِبالانِ في نعل، ومن رأى قبالاً واحداً واسعاً
٥٨٥٧- حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهال، حدَّثْنَا هَّامٌ، عن قَتَادَةَ، حدَّثنا أنسُ ه: أنَّ نَعْلَ النبيِّ ◌َِه
كان لهما قِبالانِ.
٥٨٥٨- حذَّثني محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الله، أخبَرَنا عيسى بنُ طَهْمَانَ، قال: أخرَجَ إلينا أنسُ
ابنُ مالكِ نَعْلَينِ لهما قِبالانٍ، فقال ثابتٌ البُنَانِيُّ: هذه نَعْلُ النبيِّ وَّ.
قوله: «باب قِبالان في نَعْل)) أي: في کلّ فردة((ومَن رَأْی قِبالاً واحداً واسِعاً) أي: جائزاً.
القِبال بكسر القاف وتخفيف الموحَّدة وآخره لام: هو الزّمام، وهو السَّير الذي يُعقَد فيه الشُّسْع
الذي یکون بين إصبعي الرِّجل.
قوله: ((هَّام)) وَقَعَ في رواية ابن السَّكَن عن الفِرَبْريِّ: ((هشام)» بَدَل هَمَّام، والذي عند
الجماعة أولى.
قوله: ((أنَّ نَعْلَي النبيّ ◌َێ) وَقَعَ في روايةٍ عند الگُشْمِیهنيِّ بالإفراد، و كذا في قوله: لهما.
١٢٠
باب ٤١ / ح ٥٨٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قِبالان)) زاد ابن سعد (١/ ٤٧٨) عن عفَّنَ عن همَّامٍ: من سِبْت ليس عليهما شَعر،
وقد أخرجه أحمد (١٣٥٦٨) عن عفَّانَ بدون هذه الزّيادة، وقوله: ((سِبْت)) بكسر المهمَلة
وسكون الموحّدة بعدها مُثنّة، وقد فَسَّرَه في الحديث.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) هو ابن مُقاتِل، وعبد الله: هو ابن المبارك.
قوله: ((عيسى بن طَهْمَانَ قال: أخرج إلينا أنس بن مالك نعلَينِ لهما قِبالان، فقال ثابت
البُنَائِيُّ: هذه نَعْلُ النبيّ ◌َّ)) هذا مُرسَل، قاله الإسماعيليّ. قلت: صورته الإرسال لأنَّ ثابتاً لم
يُصرِّح بأنَّ أنساً أخبَرَه بذلك، فإن كان ثابت قاله بحَضْرة أنس وأقَرَّه أنس على ذلك، فيكون
أخْذُ عيسى بن طَهْمانَ له عن أنس عَرْضاً، لكن قد تقدَّم هذا الحديث في الخُمس (٣١٠٧) من
طريق أبي أحمد الزُّبَيريّ عن عيسى بن طَهْمانَ بما يَنفي هذا الاحتمال، ولفظه: أخرج إلينا
أنس نَعلَينِ جَرْداوتَينِ لهما قِبالان، فحدَّثني ثابت البنانيُّ بعدُ عن أنس: أنَّهما نَعْلا النبيّ ◌ََّ،
فِظَهَرَ بهذا أنَّ رواية عيسى عن أنس إخراجُه النَّعلَينِ فقط، وأنَّ إضافتَهما للنبيِّ وَّ من
رواية عيسى عن ثابت عن أنس، وقد أشارَ الإسماعيليّ إلى أنَّ إخراج طريق أبي أحمد أَولى،
وكأنَّه لم يَستَحِضِرِ أنَّها تقدَّمَت هناك، والبخاريّ على عادته إذا صَحَّتِ الطَّريق موصولةً،
لا يَمتَنِعِ من إيراد ما ظاهرُه الإرسالُ اعتماداً على الموصول.
وقد أخرج التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٧٢) وابن ماجَهْ (٣٦١٤) بسندٍ قويّ من حديث
ابن عبّاس: كانت لنَعلِ رسول الله وَّهِ قِبالان مثنيٌّ شِراكهما. قال الكِرْمانيُّ: دلالة الحديث
٣١٣/١٠ على / التَّرجمة من جهة أنَّ النَّعل صادقة على مجموع ما يُلبَس في الرِّجَلَين، وأمَّا الرُّكن الثّاني
من التَّرجمة فمن جهة أنَّ مُقابلة الشَّيء بالشَّيءٍ يفيد التّوزيع، فلِكلِّ واحد من نعل کلّ رِجْل
قِبالٌ واحد. قلت: بل أشارَ البخاريّ إلى ما وَرَدَ عن بعض السَّلَّف، فقد أخرج البزَّار (١٠٠٧١)
والطبرانيُّ في ((الصَّغير)) (٢٥٤) من حديث أبي هريرة مثل حديث أنس هذا، وزادَ: ((وكذا لأبي
بكر ولِعمر، وأوَّل مَن عَقَدَ عُقدةً واحدة عثمان بن عفَّانَ، لفظ الطبرانيِّ وسياق البَزَّار
مختصر، ورجال سنده ثقات، وله شاهد أخرجه النَّسائيُّ (٥٣٦٨) من رواية محمَّد بن سِيرِين عن
عمرو بن أوس مثله، دونَ ذِكْر عثمان.