Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
باب ٥/ ح ٥٧٨٨-٥٧٩١
كتاب اللباس
قوله: ((يَمْشي في حُلّة)) الحُلّة: ثوبانِ أحدهما فوق الآخر، وقيل: إزار ورِداء، وهو الأشهر،
ووَقَعَ في رواية الأعرَجُ وهَمَّام جميعاً عن أبي هريرة عند مسلم (٢٠٨٨/ ٥٠): ((بينما رجل يَتَبَخْتَر
في بردیە».
قوله: ((تُعجِبُهُ نفسُه)) في رواية الرَّبيع بن مسلم (١): ((فأعجَبَتَه جُمَّته وبُزْداه))، ومثله ٢٦١/١٠
لأحمد (٩٣٤٦) في رواية أبي رافع، وفي حديث ابن عمر: ((بَيْنا رجل يَجُرّ إزاره)) هكذا هنا،
وتقدَّم في أواخر ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٨٥) بزيادة ((من الخُيَلاء))، والاقتصار على الإزار لا
يَدَفَع وجودَ الرِّداء، وإنَّما خُصَّ الإزار بالذِّكرِ لأنَّه هو الذي يظهر به الخُيَلاء غالباً. ووَقَعَ
في حديث أبي سعيد عند أحمد، وأنس عند أبي يَعْلى: ((خَرَجَ في بُردَينِ يَخْتَالُ فيهما)). قال
القُرطُبيّ: إعجاب المرء بنفسِه: هو مُلاحَظُهُ لها بعينِ الكمال مع نِسْيان نِعمة الله، فإن احتَقَرَ
غيرَه مع ذلك فهو الكِبْر المذموم.
قوله: (مُرَجِّل)) بتشديد الجيم ((جُمَّتَه)) بضمِّ الجيم وتشديد الميم: هي مُجْتَمَع الشَّعر إذا تَدَّ
من الرَّأس إلى المنكِيَينِ وإلى أكثر من ذلك، وأمَّا الذي لا يتجاوزِ الأُذَنَينِ فهو الوَفْرة، وترجيل
الشَّعر: تسريحه ودهْنه.
قوله: ((إذا خَسَفَ اللهُ به)) في رواية الأعرَج: ((فخَسَفَ الله به الأرض))، والأوَّل أَظهَرُ في
سرعة وقوع ذلك به.
قوله: («فهو يَتَجَلْجَل إلى يوم القيامة)) في حديث ابن عمر: ((فهو يَتَجَلجَل في الأرض إلى
يوم القيامة))، وفي رواية الرَّبيع بن مسلم عند مسلم: ((فهو يَتَجَلجَل في الأرض حتَّى تقوم
الساعة))، ومثله في رواية أبي رافع، ووَقَعَ في رواية همَّام عن أبي هريرة عند أحمد (٨١٧٧):
((حتَّى يوم القيامة)).
والتَّجَلجُل بجيمَينِ: التَّحَرُّك، وقيل: الجَلجلة: الحركة مع صوت، وقال ابن دُرَید: كلّ
شيء خَلَطتَ بعضه ببعضٍ فقد جَلجَلته، وقال ابن فارس: التَّجَلجُل: أن يَسُوخ في الأرض
(١) عند مسلم (٢٠٨٨) (٤٩).

٢٢
باب ٥ / ح ٥٧٨٨-٥٧٩١
فتح الباري بشرح البخاري
مع اضطراب شديد ويَندَفِعِ من شِقٌّ إلى شِقّ، فالمعنى: يَتَجَلجَل في الأرض، أي: يَنزِل فيها
مُضطَرِباً مُتَدافعاً.
وحكى عِيَاض: أنَّه رُوِيَ: ((يَتَجلَّل)) بجيمٍ واحدة ولام ثقيلة وهو بمعنى: يَتَغَطَّى،
أي: تُغَطّيه الأرض، وحكى عن بعض الرِّوايات أيضاً: ((يَتَخَلخَل)) بخاءَينِ مُعجَمْتَينِ،
واستَبَعَدَها، إلّا أن يكون من قولهم: خَلخَلتُ العظمَ: إذا أخذتَ ما عليه من اللَّحم، وجاء
في غير («الصحيحين)): ((يَتَحَلحَل)) بحاءَينِ مُهمَلتَينٍ. قلت: والكلّ تصحيف إلّ الأوَّل،
ومُقتَضَى هذا الحديث: أنَّ الأرض لا تأكُل جسدَ هذا الرجل، فيُمكِن أن يُلغَز به، فيقال:
کافر لا ییلَی جسده بعد الموت.
قوله: ((تابَعَه يونس)) يعني: ابن يزيد ((عن الزُّهْريِّ)) وروايته تقدَّمَت موصولةً في أواخر
ذكر بني إسرائيل (٣٤٨٥).
قوله: ((ولم يرفعه شُعَيب عن الزُّهْرِيِّ) وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق أبي اليَمَان عنه بتمامه،
ولفظُه: ((جَرَّ إزاره مُسبِلاً من الخُيَلاء)).
الحديث الثالث:
قوله: ((وَهْب بن جَرِير، حدَّثنا أَبي)) هو جَرِير بن حازم بن زيد الأزديّ.
قوله: ((عن عمّه جَرِير بن زيد)» هو أبو سَلَمة البصريّ، قوّاه(١) أبو حاتم الرازيّ، وليس
لجرير بن زيد في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد خالَفَ فيه الزُّهْريَّ، فقال: عن سالم
عن أبي هريرة، والزُّهْريّ يقول: عن سالم عن أبيه، لكن قَوِيَ عند البخاريّ أنَّه عن سالم
عن أبيه وعن أبي هريرة معاً؛ لِشِدّة إتقان الزُّهْريِّ ومَعرِفَته بحديثٍ سالم، ولقولِ جَرِیر بن
زيد في روايته: كنتُ مع سالم على باب داره فقال: سمعتُ أبا هريرة؛ فإنَّهَا قَرِينة في أنَّه
حفظ ذلك عنه.
(١) تحرَّف في (س) إلى: قاله. وجرير هذا ذكره ابن أبي حاتم الرازي في ((الجرح والتعديل)) ٥٠٣/٢ وذكر
عن أبيه أنه قال فيه: لا بأس به.

٢٣
باب ٥ / ح ٥٧٨٨-٥٧٩١
كتاب اللباس
ووَقَعَ عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق عليّ بن سعيد عن وهب بن جَرِير: فمَّ
به شابٌّ من قريش يَجُرّ إزاره، فقال: حدَّثنا أبو هريرة، وهذا أيضاً ممّا يُقوِّي أنَّ جَرِير بن
زيد ضَبَطَه، لأنَّ مِثل هذه القصَّة لأبي هريرة قد رواها أبو رافع عنه كما قَدَّمت أنَّ مسلماً
أخرجها كذلك، وقد أخرجه النَّسائيُّ في الزّينة من ((السُّنَن)) (ك٩٥٩٩) من رواية عليّ بن
المَدِينيّ عن وهب بن جَرِير بهذا السَّنَد، فقال في روايته: عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبي
هريرة، وأورَدَه ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن عمر عن أبي هريرة، وهو وهمٌ نَبَّهَ عليه المِّيّ،
وكأنَّه وَقَعَ في نُسخَته تصحيف ((ابن عبد الله)) فصارت: عن عبد الله بن عمر.
قوله: ((سمعَ النبيَّ وَّةِ، نحوه)) في رواية أبي نُعَيم المذكورة: سمعت رسول الله وَّل
يقول: ((بينما رجل يَتَبَختَر في حُلّة تُعجِبُه نفسه، خَسَفَ الله به الأرضَ، فهو يَتَجَلجَل فيها
إلى يوم القيامة))./
٢٦٢/١٠
ذكرُ طرق أخرى للحديث الثاني:
قوله: ((مُحارِب)) بالمهمَلة والموخَّدة وزن مُقاتِل، و((دِثَار)) بكسر المهمَلة وتخفيف المثلَّثة.
قوله: ((مكانَه الذي يَقْضی فیه)) كان محاربٌ قد ولي قضاء الكوفة، قال عبد الله بن إدريس
الأوْديّ عن أبيه: رأيت الحَكَم وحَمَّاداً في مَجلِس قضائه، وقال سِماك بن حَرْب: كان أهل
الجاهليَّة إذا كان في الرجل ستّ خِصال سوَّدوه: الِحِلْم والعقل والسَّخاء والشَّجاعة والبيان
والتَّواضُع، ولا يَكمُلنَ في الإسلام إلّا بالعَفاف، وقد اجتَمَعنَ في هذا الرجل؛ يعني:
مُحارب بن دِثار، وقال الدَّاوُوديّ: لعلَّ رُكوبه الفرسَ كان لَيَغِيظَ به الكفَّار، ويُرهِب به العدوّ.
وتَعقَّبَهَ ابنَ التِّين: بأنَّ رُكوب الخيل جائز، فلا معنى للاعتذار عنه. قلت: لكنَّ المشي أقربُ إلى
التّواضُع، ويحتمل أن منزله کان بعیداً عن منزِل حُكمه.
قوله: ((فقلت لمُحاربٍ: أَذَكَر إزاره؟ قال: ما خَصَّ إزاراً ولا قميصاً)) كأن سبب
سؤال شُعْبة عن الإزار أنَّ أكثر الطّرق جاءت بلفظ الإزار، وجواب مُحارِب حاصله: أنَّ
التَّعبير بالثَّوبِ يَشمَل الإزار وغيره، وقد جاء التَّصريح بما اقتضاه ذلك، فأخرج أصحاب

٢٤
باب ٥ / ح ٥٧٨٨-٥٧٩١
فتح الباري بشرح البخاري
((السُّنَن))(١) إلّا التِّرمِذيّ، واستَغْرَبَه ابن أبي شَيْبة من طريق عبد العزيز بن أبي رَوَّاد عن
سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبيّ وَ لّ م قال: ((الإسبال في الإزار والقميص والعِمامة،
مَن جَرَّ منها شيئاً خُيَلاءَ)) الحديثَ كحديثِ الباب، وعبد العزيز فيه مَقَال. وقد أخرج
أبو داود (٤٠٩٥) من رواية يزيد بن أبي سُميَّة عن ابن عمر قال: ما قال رسول الله وَليه
في الإزار فهو في القميص.
وقال الطَّبَرُّ: إِنَّا وَرَدَ الخبر بلفظ الإزار لأنَّ أكثر الناس في عَهْده كانوا يَلْبَسونَ الأُزُر
والأردية، فلمَّا لَبِسَ الناسُ القميصَ والدَّراريع كان حكمُها حكمَ الإزار في النَّهي.
قال ابن بَطّال: هذا قياس صحيح لو لم يأتِ النَّصُّ بالثَّوب، فإنَّه يَشمَل جميع ذلك، وفي
تصوير جَرّ العِمامة نظرٌ، إلّا أن يكون المراد ما جَرَت به عادة العرب من إرخاء العَذَبات،
فمهما زاد على العادة في ذلك كان من الإسبال، وقد أخرج النَّسائيُّ (٥٣٤٦) من حديث
جعفر بن عَمْرو بن أُميَّة عن أبيه قال: كأنّ أنظُر الساعةَ إلى رسول الله ◌ِّهِ على المِنْبَرَ وعليه
عِمَامٌ، قد أرخَى طَرَفَها بين كَتِفَيه(٢).
وهل يَدخُل في الزَّجر عن جَرّ الثَّوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ مَحَلَّ نظرٍ، والذي
يظهر أنَّ مَن أطالها حتَّى خَرَجَ عن العادة كما يفعله بعض الحِجازيّينَ، دَخَلَ في ذلك، قال
شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): ما مَسَّ الأرضَ منها خُيَلاءَ لا شَكَّ في تحریمه، قال: ولو قيل
بتحريمِ ما زاد على المعتاد لم يكن بعيداً، ولكن حَدَثَ للنّاس اصطِلاحُ بتَطويلِها، وصارَ
لكلِّ نوع من الناس شِعار يُعرَفونَ به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخُيَلاء فلا شَكَّ في
تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريمَ فيه ما لم يَصِل إلى جَرّ الذَّيل الممنوع. ونَقَل
عِيَاضٌ عن العلماء كراهةَ كلّ ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللِّباس من الطّول والسَّعَة.
قلت: وسأذكر البحث فيه قريباً.
(١) أبو داود (٤٠٩٤)، وابن ماجه (٣٥٧٦)، والنسائي (٥٣٣٤). واستغراب ابن أبي شيبة عند ابن ماجه.
(٢) وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من عند مسلم في ((صحيحه)) برقم (١٣٥٩) لكن قال فيه: جعفر بن
عمرو بن حریث عن أبيه.

٢٥
باب ٥ / ح ٥٧٨٨-٥٧٩١
كتاب اللباس
قوله: ((تابَعَه جَبَلَة)) بفتح الجيم والموخَّدة ((ابن سُحَيم)) بمُهمَلتَينِ مُصفَّر، وقد وَصَلَ
روايته النَّسائيُّ (ك٩٦٤٨) من طريق شُعْبة عنه عن ابن عمر بلفظ: ((مَن جَرَّ ثوباً من ثيابه
من مَخِيلة فإنَّ الله لا يَنظُر إليه))، وأخرجه مسلم (٤٣/٢٠٨٥) من طريق شُعْبة عن محارِب
ابن دِثار وجَبَلة بن سُحَيم جميعاً عن ابن عمر، ولم يَسُق لفظه.
قوله: ((وزيد بن أسلَمَ)) تقدَّم الكلام عليه في أوَّل اللِّباس (٥٧٨٣).
قوله: «وزید بن عبد الله)) أي: ابن عمر، يعني: تابعوا محاربَ بن دِثار في روايته عن ابن
عمر بلفظ: ((الثَّوب))، لا بلفظ (الإزار))، جَزَمَ بذلك الإسماعيليّ، ولم تقع لي رواية زيد
موصولةً بعدُ. وقد أخرج أبو عَوَانة (٨٥٨٣) هذا الحديث من رواية ابن وهب عن عمر
ابن محمَّد بن زيد بن عبد الله عن أبيه بلفظ: ((إنَّ الذي يَجُرّ ثيابَه من الخُيَلاء، لا يَنظُر الله
إليه يوم القيامة))، وسيأتي لمسلم (٢٠٨٥/ ٤٣) مقروناً بسالم ونافع، وأخرج البخاريّ (٣٨٦٤)
من رواية ابن وهب عن عمر بن محمَّد بن زيد عن جَدّه حديثاً آخر. فلعلَّ مُرادَه بقولِه/ هنا: ٢٦٣/١٠
((عن أبيه)) جَدُّه، والله أعلم.
قوله: «وقال اللّیث: عن نافع)) يعني: عن ابن عمر (مثله)) وَصَلَه مسلم (٤٢/٢٠٨٥) عن
قُتَية عنه، ولم يَسُقْ لفظه، بل قال: مِثلَ حديث مالك، وأخرجه النَّسائيُّ (٥٣٣٥) عن قُتَيبة
فذكره بلفظ الثَّوب، وكذا أخرجه (٥٣٢٧) من رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع.
قوله: ((وتابَعَه موسى بن عُقْبة وعمر بن محمَّد وقُدامة بن موسى، عن سالم، عن ابن عمر،
عن النبيّ وَّهِ: مَن جَرَّ ثوبه خيلاء)) أمَّا رواية موسى بن عُقْبة، فتقدَّمَت في أوَّل الباب الثّاني
من كتاب اللِّباس (٥٧٨٤).
وأمَّا رواية عمر بن محمَّد: وهو ابن زيد بن عبد الله بن عمر، فَوَصَلَها مسلم (٢٠٨٥/ ٤٣)
من طريق ابن وهب: أخبرني عمر بن محمَّد عن أبيه وسالم ونافع عن ابن عمر، بلفظ: ((الذي
يَجُرّ ثيابَه من المَخِيلة)) الحديث.
وأمَّا رواية قُدَامَةَ بن موسى: وهو ابن عمر بن قُدَامةَ بن مَظْعُون الجُمَحِيُّ، وهو مَدَنيّ تابعيّ

٢٦
باب ٥ / ح ٥٧٨٨-٥٧٩١
فتح الباري بشرح البخاري
صغير وكان إمامَ المسجد النبويّ، وليس له في البخاريّ سوى هذا الموضع، فوَصَلَها أبو عَوَانة
في (صحيحه)) (٨٥٨٢)، ووَقَعَت لنا بعُلوٍّ في ((الثَّقْفّات)) بلفظ حديث مالك المذكور أوَّل کتاب
اللِّباس (٥٧٨٣).
قلت: وكذا أخرجه مسلم (٤٤/٢٠٨٥) من رواية حَنظَلة بن أبي سفيان عن سالم(١)،
وقد رواه جماعة عن ابن عمر بلفظ: ((مَن جَرَّ إزاره)، منهم مسلم بن يَنَّاق - بفتح التَّحتانيَّة
وتشديد الُّون وآخره قاف - ومحمّد بن عَبّاد بن جعفر كلاهما عند مسلم (٤٥/٢٠٨٥
و٤٦)، وعَطَيَّة العَوْفيّ عند ابن ماجَهْ (٣٥٧٠)، ورواه آخرونَ بلفظ الإزار، والرِّواية بلفظ
الثَّوب أشمَلُ، والله أعلم.
وفي هذه الأحاديث أنَّ إسبال الإزار للخُيَلاءِ كبيرة، وأمَّا الإسبال لغير الخُيَلاء فظاهر
الأحاديث تحريمُه أيضاً، لكنِ استُدِلَّ بالتَّقييدِ في هذه الأحاديث بالخُيَلاءِ على أنَّ الإطلاق
في الَّجْر الوارد في ذَمّ الإسبال محمول على المقيَّد هنا، فلا يَحِرُم الجُرُّ والإسبال إذا سَلِمَ من
الخُيَلاء، قال ابن عبد البَرِّ: مفهومه أنَّ الجرّ لغير الخُيَلاء لا يَلحَقُه الوعيد، إلّا أنَّ جَرّ
القميص وغيره من الثّاب مذمومٌ على كلّ حال. وقال النَّوويّ: لا يجوزُ(٢) الإسبال تحت
الكعبين للخُيَلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وهكذا نَصَّ الشافعيُّ على الفَرْق بين الجرّ
للخُيَلاءِ ولغير الخُيَلاء، قال: والمستَحَبّ أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا
كراهة ما تحته إلى الكعبين، وما نزلَ عن الكعبين ممنوع منعَ تحريم إن كان للخُيَلاءِ، وإلّا
فمنعَ تنزيه، لأنَّ الأحاديث الواردة في الزَّجر عن الإسبال مُطلَقة فيجب تقييدُها بالإسبال
للخُیَلاءِ، انتھی.
والنصُّ الذي أشارَ إليه ذكره البُوَيطيّ في ((مختصره)) عن الشافعيّ قال: لا يجوز السَّدْل
في الصلاة ولا في غيرها للخُيَلاء، ولغيرها خفيفٌ لقول النبيّ ◌َّ لأبي بكر. انتهى، وقوله:
((خفيف)) ليس صريحاً في نفي التَّحريم، بل هو محمول على أنَّ ذلك بالنّسبة للجرِّ خُيَلاءَ، فأمَّا
(١) قوله: ((عن سالم)) هكذا رواه مسلم مرة، ورواه مرة أخرى عقبها فلم يذكره.
(٢) قوله: ((لا يجوز)) سقط من (س).

٢٧
باب ٥ / ح ٥٧٨٨-٥٧٩١
كتاب اللباس
لغير الخُيَلاء فيختلف الحال، فإن كان الثَّوب على قَدْر لابسِه لكنَّه يَسدُله، فهذا لا
يظهرُ فيه تحريم، ولا سيّما إن كان عن غير قصد كالذي وَقَعَ لأبي بكر، وإن كان الثَّوب
زائداً على قَدْر لابسِه، فهذا قد يتَّجه المنعُ فيه من جهة الإسراف، فينتهي إلى التَّحريم،
وقد يتَّجِه المنعُ فيه من جهة التشبُّهُ بالنِّساءِ وهو أمكَنُ فيه من الأوَّل، وقدِ صَخَّحَ
الحاكم (٤/ ١٩٤) من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَّه لَعَنَّ الرجلَ يَلْبَس لِبسةً
المرأة (١)، وقد يَتَّجِه المنعُ فيه من جهة أنَّ لابسِه لا يأمَنُ من تَعلَّق النَّجاسة به، وإلى ذلك
يشير الحديث الذي أخرجه التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (١١٣) والنَّسائيُّ (ك٩٦٠٢) من
طريق أشعَثَ بن أبي الشَّعثاء - واسم أبيه: سُلَيم - المُحَارِبِيّ، عن عمَّته - واسمها:
رُهْم، بضمِّ الرَّاء وسكون الهاء، وهي بنت الأسود بن حَنظَلة - عن عَمّها - واسمه
عُبيد بن خالد - قال: كنت أمشي وعليَّ بُردٌ أُجُرّه، فقال لي رجل: ((ارفعْ ثوبَك فإنَّه
أنقَى وأتقى)) فنَظَرتُ فإذا هو النبيّ ◌َّه، فقلت: إنَّما هي بُرْدة مَلْحاء، فقال: ((أمَا لك
فيَّ أُسوة؟)) قال: فَتَظَرتُ، فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه، وسنده قبلَها جيِّد، وقوله: ((مَلْحاء))
بفتح الميم وبمُهمَلةٍ قبلها سكون ممدودة، أي: فيها خطوط سودٌ وبيض، وفي قصَّة قتل
عمر: أنَّه قال للشّابِّ الذي دَخَلَ عليه: ارفَعْ ثوبك، فإنَّه أنقَى / لثوبِك، وأتقَى لرَبِّك، ٢٦٤/١٠
وقد تقدَّم في المناقب (٣٧٠٠)، ويتَّجه المنعُ أيضاً في الإسبال من جهة أُخرى، وهي كَونُه
مَظِنّة الخُيَلاء.
قال ابن العربيّ: لا يجوز للرجلِ أن يُحاوِز بثوبِهِ كعبَه، ويقول: لا أُجُرّه خُيَلاء، لأنَّ النَّهي قد
تَناولَه لفظاً، ولا يجوز لمن تناولَ اللَّفظ حُكماً أن يقول: لا أمَِّلُه، لأنَّ تلك العِلّة ليست فيَّ، فإنّها
دعوى غير مُسَلَّمة، بل إطالتُهُ ذَيلَه دالّة على تكُّره. انتهى مُلخَّصاً، وحاصله: أنَّ الإسبال يَستَلِم
جَرَّ الثَّوب، وجَرُّ الثَّوب يَسْتَلِمِ الْخُيَلاء، ولو لم يَقصِد اللّبسُ الخُيَلاء، ويُؤيِّده ما أخرجه أحمد
ابن مَنيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رَفَعَه: ((وإيّاكَ وجَرَّ الإزار، فإنَّ جَرّ الإزار
من المخِیلة)».
(١) وهو عند أحمد أيضاً (٨٣٠٩)، وأبي داود (٤٠٩٨)، وصححه ابن حبان (٥٧٥١).

٢٨
باب ٥ / ح ٥٧٨٨- ٥٧٩١
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج الطبرانيُّ (٧٩٠٩) من حديث أبي أمامةَ: بينما نحنُ مع رسول الله وَل إذ
◌َحَقَنا عمرُو بن زرارةَ الأنصاريّ في حُلّة - إزار ورِداء - قد أسبَلَ، فجَعَلَ رسول الله ◌ِله
يأخُذ بناحية ثوبه ويَتَوَاضَع لله، ويقول: ((عبدُك وابنُ عبدِك وأمَتِك)) حتَّى سمعَها
عَمْرو، فقال: يا رسول الله، إنّي حَمْش الساقين، فقال: ((يا عَمْرو، إنَّ الله قد أحسنَ كلَّ
شيء خَلَقَه، يا عَمْرو إنَّ الله لا يُحِبّ المُسبِل)) الحديث، وأخرجه أحمد (١٧٧٨٢) من
حديث عَمْرو نفسه، لكن قال في روايته: عن عَمْرو بن فلان، وأخرجه الطبرانيُّ أيضاً
فقال: عن عَمْرو بن زرارةَ، وفيه: وضَرَبَ رسول الله ﴿ بأربع أصابع تحت رُكْبة عَمْرو،
فقال: ((يا عَمْرو، هذا موضع الإزار)) ثمَّ ضَرَبَ بأربع أصابع تحت الأربع، فقال: ((يا
عَمْرو، هذا موضع الإزار)) الحديث، ورجاله ثقات، وظاهره أنَّ عَمراً المذكور لم يَقصِد
بإسباله الخُيَلاء، وقد مَنَعَه من ذلك لكَونِهِ مَظِنَّتَه، وأخرج الطبرانيُّ (٧٢٤١) من حديث
الشَّريد الثَّقفيّ قال: أبصَرَ النبيُّ نََّ رجلاً قد أسبَلَ إزاره، فقال: ((ارفَعْ إزارك)) فقال:
إنّ أحنَفُ تَصطَكّ رُكبَتاي، قال: ((ارفَعْ إزارك، فكلُّ خلق الله حسنٌ) (١)، وأخرجه
مُسدَّد وأبو بكر بن أبي شَيْبة(٢) من طرق عن رجل من ثَقيف لم يُسَمَّ، وفي آخره: ((ذاكَ
أقبَحُ ممَّا بساقك))، وأمَّا ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (٨/ ٣٩٠) عن ابن مسعود بسندٍ جيّد:
((أَنَّه كان يُسبِل إزاره، فقيلَ له في ذلك، فقال: إنَّ حَمْش الساقَينِ، فهو محمول على أنَّه
أسبَلَه زيادة على المستَحَبّ، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يُظنّ به أنَّه جاوزَ به
الكعبين والتَّعليلُ يُرشِد إليه، ومع ذلك فلعلَّه لم تَبلُغه قصَّة عَمْرو بن زرارةَ، والله أعلم.
وأخرج النَّسائيُّ (ك٩٦٢٤) وابن ماجَهْ (٣٥٧٤)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٥٤٤٢) من
حديث المغيرة بن شُعْبة: رأيتُ رسول الله وَ﴿ أَخَذَ برِداءِ سفيان بن سُهَيل وهو يقول: ((یا
سفيان لا تُسِلْ، فإنَّ الله لا يُحِبّ المُسبِلِينَ))
(١) وهو في («المسند» (١٩٤٧٢)، ورجاله ثقات.
(٢) في ((مسندیهما)) كما في «إتحاف الخيرة)) للبوصيري برقمي (٥٥٢٧) و(٥٥٢٩)، وفي إسناده جهالة.

٢٩
باب ٦ / ح ٥٧٩٢
كتاب اللباس
٦ - باب الإزار المهدَّب
ويُذكَرُ عن الزُّهْريِّ وأبي بكرِ بنِ محمَّدٍ وحمزةَ بنِ أبي أُسَيدٍ ومعاويةَ بنِ عبدِ الله بنِ جعفٍ:
أَّهِم لَبِسوا ثياباً مُهَدَّبةً.
٥٧٩٢- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ
عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ نَّهِ قالت: جاءتِ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظيِّ رسولَ الله وَلِّ وأنا
جالسةٌ وعندَه أبو بكرٍ، فقالت: يا رسولَ الله، إنّي كنتُ تحتَ رِفاعةَ، فطَلَّقَنِي فَبَثَّ طلاقي،
فتزوَّجْتُ بعدَه عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبَيرِ، وإِنَّه والله ما معه يا رسولَ الله إلّا مِثلُ هذه الهُدْبةِ،
وأخَذَت هُذْبةً من جِلْبابها، فسمعَ خالدُ بنُ سعيدٍ قولها وهو بالباب لم يُؤْذَنْ له، قالت: فقال
خالدٌّ: يا أبا بكرٍ، ألا تَنْهَى هذه عَّا تَجَهَرُ به عندَ رسولِ الله ◌ِّيَ! فلا والله ما يزيدُ رسولُ الله ◌ِيه
على التبسُّم، فقال لها رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لعلَّكِ تريدِينَ أن تَرْجِعِي إلى رِفاعةً! لا، حتَّى يَذُوقَ
عُسَيلتَكِ وتَذُوقِي عُسَيلتَه))، فصارَ سُنّةً بعدَه.
قوله: ((باب الإزار المهدَّب)) بدالٍ مُهمَلة ثقيلة مفتوحة، أي: الذي له هُدَب، وهي أطراف ٢٦٥/١٠
من سُدَى بغير ◌ُمة، رُبَّمَا قُصِدَ بها التَّجَمُّل، وقد تُقتَل صيانةً لها من الفساد، وقال الدَّاوُوديُّ:
هي ما يَبقَى من الخيوط من أطراف الأردية.
قوله: «وُذکر عن الزُّهْرِيِّ وأبي بكر بن محمّد وحمزة بن أبي أُسید ومعاوية بن عبد الله بن
جعفر: أنَّهم لَبِسوا ثياباً مُهَدَّبة)) قال ابن التِّين: قيل: يريد أنَّها غير مكفوفة الأسفل، وهذه
الآثار لم يقع لي أكثرها موصولاً. أمَّا الزُّهْريُّ: فهو ابن شِهاب الإمامُ المعروف، وأمَّا أبو بكر
ابن محمَّد: فهو ابن عَمْرو بن حَزْم الأنصاريّ قاضي المدينة. وأمَّا حمزة بن أبي أُسَيد - وهو
بالتَّصغير - الأنصاريّ الساعِديّ، فوَصَلَه ابن سعد (٢٧١/٥-٢٧٢) قال: أخبرنا مَعْن بن
عيسى حدَّثنا سَلَمة بن ميمون مولى أبي أُسَيد قال: رأيتُ حمزة بن أبي أُسَيد الساعديّ عليه
ثوبٌ مفتول الهُدَب، وسَلَمة هذا لم يَزِد البخاري في ترجمته على ما في هذا السَّنَد، وذكره
ابن حِبّان في ((الثِّقات)). وأمَّا معاوية بن عبد الله بن جعفر، أي: ابن أبي طالب، فهو مَدَنيّ

٣٠
باب ٧ / ح ٥٧٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
تابِعِيّ ما له في البخاريّ سوى هذا الموضع.
ثم ذكر حديثَ عائشة في قصَّة امرأة رِفاعة، والغرضُ منه قولها: ((ما معه إلّا مِثل الهُدْبة))،
وقد تقدَّم شرحه مُستَوَلَّى في كتاب الطَّلاق (٥٢٦٠)، والمراد بالهُدْبة: الخُصْلة من الهُدَب،
ووَقَعَ في هذا الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود (٤٠٧٥) من حديث أبي جُرَيّ جابر بن
سُلَيم قال: أتيت النبيَّ ◌َِّ وهو مُحْتَبٍ بِشَمْلةٍ، وقد وَقَعَ هُدَبها على قَدَمَيه.
وقوله في آخر هذه الطَّريق: ((فصارَ سُنّةً بعده)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((بعدُ)) بغير ضمير،
وهو من قول الزُّهْرِيِّ فيما أحسبُ.
٧ - باب الأردية
وقال أنس: جَبَذَ أعرابيٌّ رِداءَ النبيِّ ◌ِّهِ.
٥٧٩٣- حدَّثْنَا عَبْدَانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزّهْريِّ، أخبرني عليُّ بنُ حُسَينٍ،
أنَّ حُسَيْنَ بنَ عليٍّ أخبَرَه، أنَّ عليّاً ﴾ قال: فَدَعَا النبيُّ ◌َّهِ بِدَائِهِ، فارتَدى به ثمَّ انطَلَقَ يَمْشي،
واتَّبَعْتُه أنا وزيدُ بنُ حارثةَ، حتَّى جاء البيتَ الذي فيه حمزةُ، فاستَأْذَنَ فأَذِنوا لهم.
قوله: ((باب الأردية)) جمع رِداء بالمدِّ: وهو ما يُوضَع على العاتق أو بين الكَتِفَينِ من الشُياب
على أيّ صِفَة كان.
قوله: ((وقال أنس: جَبَذَ أَعْرابٌّ رِداءَ النبيّ ◌ََّ)) بجيم وموخَّدة ومُعجَمة، وهذا طَرَف
من حديث وَصَلَه المؤلِّف بعد أبواب في ((باب البُرود والحِبَرَة)) (٥٨٠٩).
ثم ذكر طَرَفاً من حديث عليّ قال: فدَعَا النبيُّ ◌َّ بِرِدائه فارتَدَى، وهو طَرَف من حديثه في
قصَّة حمزة والشّارِفَينَ، وقد تقدَّم بتمامه في فرض الخُمس (٣٠٩١).
وقوله: ((فَدَعَا)) عطفٌ على ما ذُكِرَ في أوَّل الحديث، وهو قول عليّ: كان لي شارفٌ من
نَصيبي من المغنَم يوم بدر ... الحديث بطوله.
قوله هنا: ((فاستأذَنَ فأَذِنوا لهم)) كذا للأكثر بصيغة الجمع، والمراد حمزة ومَن معه، وفي
رواية المُستَمْلي: «فأذِنَ)) بالإفرادِ، والمراد حمزة لكونِه كان كبير القوم.

٣١
باب ٨ / ح ٥٧٩٤ - ٥٧٩٦
كتاب اللباس
٨- بابُ لُبْس القميص
وقال يوسُفُ: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى﴾ [يوسف: ٩٣].
٥٧٩٤ - حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا حَمّادٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ
رجلاً قال: يا رسولَ الله، ما يَلْبَسُ المحرِمُ منَ الشِّاب؟ فقال النبيُّ وَلِ: ((لا يَلَبَسُ المحرِمُ
القميصَ، ولا السَّراوِيلَ، ولا البُرُنُسَ، ولا الخُفَّيْنِ، إلّا أن لا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ ما هو
أسفلُ منَ الكَعْبينِ)).
٥٧٩٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمانَ، أخبرنا ابنُ عُيَينةً، عن عَمرٍو، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله
رضي الله عنهما قال: أَتَى النبيُّ ◌َِّ عبدَ الله بنَ أُبَّ بعدما أُدْخِلَ قبرَه، فأمُرَ به فأُخرِجَ وُضِعَ
على رُكْبَتَهِ، ونَفَثَ عليه من رِيقِه، وألبَسَه قميصَه، فاللهُ أعلمُ.
٥٧٩٦- حدَّثنا صَدَقةُ، أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن
عبدِ الله قال: لمَّا تُوِّيَ عبدُ الله بنُ أَبيَّ جاء ابنُه إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، أَعطِي
قميصَكَ أُكَفِّنْه فيه، وصَلِّ عليه واستَغْفِرْ له، فأعطاه قميصَه، وقال: ((إذا فَرَغْتَ فَآذِنًا)) فلمَّا فَرَغَ
آذَنَه، فجاء ليُصَلَِّّ عليه فجَذَبَه عمرُ، فقال: أليسَ قد نَهاكَ الله أن تُصَلِّيَّ على المنافقينَ؟ فقال:
﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]،
فنزلت: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، فتَرَكَ الصلاةَ عليهم.
قوله: ((باب لُبَس القميص، وقال يوسُفُ: ﴿اَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ ٢٦٦/١٠
أَبِى﴾)) كأنَّه يشير إلى أنَّ لُبسَ القميص ليس حادثاً، وإن كان الشّائع في العرب لُبسَ الإزار
والرِّداء.
ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عمر فيما يَلبَس المحرِمُ من الثّياب، وقد مضى شرحه في الحجّ
(١٥٤٢) مُستَوفَّى، وفيه: ((لا يَلْبَسُ المحرِمُ القميص))، وفيه دلالة على وجود القُمصان
حينئذٍ.

٣٢
باب ٨ / ح ٥٧٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
والثاني: حدیث جابر في قصة موت عبد الله بن ◌ُبيّ.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن عثمان)) هو المروزيُّ المَلَقَّب عَبْدان، زاد القابِسيّ: عبد الله بن
عثمان بن محمَّد، وهو تحريف، وليس في شيوخ البخاريّ مَن اسمه عبد الله بن عثمان إلّا
عَبْدان، وجَدُّه هو جَبَلة بن أبي رَوّادٍ، ووَقَعَ في رواية أبي زيد المروزيِّ: عبد الله بن محمَّد،
فإن كان ضَبَطَه فلعلَّه اختلاف على البخاريّ، وفي شيوخه عبد الله بن محمَّد الجُعْفيُّ، وهو
أشهرهم، وابن أبي شَيْبة، وأكثرُ ما يجيء أبوه عنده غير مُسَمَّى، وابن أبي الأسود كذلك،
وعبد الله بن محمَّد بن أسماء، وليست له رواية عنده عن ابن عُيَينَةَ، وعبد الله بن محمّد
النُّغَيليّ كذلك، وقد مضى شرحُه في تفسير سورة براءة (١)، أورَدَه هنا مختصراً إلى قوله:
((وألبَسَه قميصَه، فالله أعلم))، وهذه الكلمة الأخيرة من جُملة الحديث قالها جابر، وقد
وَقَعَت في كلام عمر أيضاً في هذه القصَّة كما تقدَّم في تفسير براءة.
الثالث: حديث ابن عمر في قصَّة عبد الله بن أبي أيضاً، وقد تقدَّم شرحه أيضاً (٤٦٧٠
و ٤٦٧٢).
تكملة: قال ابن العربيّ: لم أرَ للقميصِ ذِكْراً صحيحاً إلّا في الآية المذكورة، وقصَّة ابن
أُبيِّ، ولم أرَ لهما ثالثاً فيما يَتَعلَّقِ بالنبيِّ ◌َ، قال هذا في كتابه ((سِراج المريدِينَ))، وكأنَّه صَنَّفَه
قبل (شرح التِّرمِذيّ)) فلم يَسْتَحِضِر حديث أمّ سَلَمة(٢) ولا حديث أبي هريرة: كان النبيّ وَّل
٢٦٧/١٠ إذا لَبِسَ قميصاً بَدَأ بمَيامنِهِ (٣)، ولا حديث أسماء بنت/ يزيد: كانت يد كُمّ النبيّ وَّه إلى
الرُّسغ (٤)، ولا حديث معاوية بن قُرَّة بن إياس المُزَني: حدَّثني أبي قال: أتيت النبيَّ ◌َّ في
رَهْط من مُزَينَةَ، فبايعْناه وإنَّ قميصه لَمُطلَق، فبايعته، ثمَّ أدخَلتُ يدي في جَيْب قميصه،
(١) عند الآية (٨٠) و(٨٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٠٢٥)، وابن ماجه (٣٥٧٥)، والترمذي (١٧٦٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٥٨٩)
ولفظه: كان أحب الثياب إلى النبي ◌َّ القميص.
(٣) أخرجه الترمذي (١٧٦٦)، والنسائي (٩٥٩٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٠٢٧)، والترمذي (١٧٦٥)، والنسائي (٩٥٨٧).

٣٣
باب ٩ / ج ٥٧٩٧
كتاب اللباس
فمَسِستُ الخاتَم(١)، ولا حديث أبي سعيد: كان رسول الله وَ له إذا استَجَدَّ ثوباً سَمَاه باسمِه،
قميصاً أو عِمامة أو رِداء، ثمَّ يقول: ((اللهمَّ لك الحمد)) الحديث(٣)، وكلُّها في ((السُّنَن))،
وأكثرها في التِّرمِذيّ، وفي ((الصحيحين)) حديثُ عائشة: ((كُفِّنَ رسول اللهِوَ لَه في خمسة
أثواب(٣)، ليس فيها قميص ولا عمامة(٤)، وحديث أنس: أنَّ النبيَّ وَّهِ رَخَّصَ لعبد الرّحمن ابن
عَوْف والزُّبير في قميص الحرير لِحِكّةٍ كانت بهم))(٥)، وحديث ابن عمر رَفَعَه: ((لا يَلْبَسُ المحرِمُ
القميصَ ولا العائم)) الحديث(٦)، وغير ذلك.
٩- باب جَيْب القميص من عند الصَّدر وغيره
٥٧٩٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عامٍ، حذَّثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، عن الحسنِ،
عن طاووسٍ، عن أبي هريرةَ، قال: ضَرَبَ رسولُ اللهِ وَمَثَلَ البخيلِ والمتصدِّقِ كَمَثَلِ رجلَيْنِ
عليهما ◌ُبَّتَانِ من حديدٍ، قد اضْطُرَّت أيدِيهما إلى تُدِيِّهما وتَراقِيهما، فجَعَلَ المتصدِّقُ كلَّما تَصَدَّقَ
بِصَدَقةٍ انْبَسَطَت عنه، حتَّى تُغَشِِّي أَنامِلَه وتَعفُوَ أَثَرَه، وجَعَلَ البخيلُ كلَّا هَمَّ بِصَدَقةٍ قَلَصَت
وأخَذَت كلُّ حَلْقةٍ بمكانِها. قال أبو هريرةَ: فأنا رأيتُ رسولَ الله وَ ◌ّه يقول بإصْبَعِه هکذا في
جَيِه، فلو رأيتَه يُوسِّعُها ولا تَتَوسَّعُ.
تابَعَه ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، وأبو الزِّنادِ، عن الأعرَجِ في الجُبَّتَينِ.
وقال حَنْظَلةُ: سمعتُ طاووساً، سمعتُ أبا هريرةَ يقول: جُنَّتَانِ.
وقال جعفر بن ربيعة، عن الأعرَجِ: جُنَّتَانِ.
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٨٢)، وابن ماجه (٣٥٧٨)، والترمذي في ((الشمائل)) (٥٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٠٢٠)، والترمذي (١٧٦٧)، والنسائي (١٠٠٦٨).
(٣) صوابه: في ثلاثة أثواب.
(٤) البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١).
(٥) البخاري (٢٩١٩)، ومسلم (٢٠٧٦)، وقوله: ((والزبير)) سقط من (أ) و(س)، واستدركناه من (ع)
وهو الموافق لرواية ((الصحيحين)).
(٦) البخاري (٥٧٩٤)، ومسلم (١١٧٧).

٣٤
باب ٩ / ح ٥٧٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب جَيْب القميص من عند الصَّدْر وغيره)) الجَيْب بفتح الجيم وسكون التَّحتانيَّة
بعدها موخَّدة: هو ما يُقطَع من الثَّوب ليَخرُج منه الرَّأس أو اليد أو غير ذلك، وقد
اعتَرَضَه الإسماعيليّ فقال: الجيب هو الذي يحيط بالعُنُقُ، وجُيِّبَ الثَّوب، أي: جُعِلَ فيه
ثَقْب، وأورَدَه البخاريّ على أنَّه ما يُجْعَل في الصَّدر ليوضع فيه الشَّيء، وبذلك فَسَّرَه أبو
عُبيد، لكن ليس هو المراد هنا، وإنَّما الجيبُ الذي أشارَ إليه في الحديث هو الأوَّل؛ كذا قال،
وكأنَّه يعني ما وَقَعَ في الحديث من قوله: ((ويقول بإصبَعِه هكذا في جَيْبه))، فإنَّ الظّاهر أنَّه
كان لابِسَ قميصٍ، وكان في طَوْقه فتحة إلى صدره، ولا مَنْعَ من حمله على المعنى الآخر، بل
اسْتَدَلَّ به ابن بَطّال على أنَّ الجيبَ في ثياب السَّلَف كان عند الصَّدر، قال: وهو الذي تَصنَعُه
النِّساء بالأندَلُس.
وموضع الدّلالة منه: أنَّ البخيل إذا أراد إخراجَ يده، أُمسِكَت في الموضع الذي ضاقَ
عليها، وهو الثَّدي والتَّراقي، وذلك في الصَّدر، قال: فبانَ أنَّ جيبه كان في صدره، لأنَّه لو
كان في يدُه لم تضطَرَّ يَداه إلى ثَدَيَيه وتَراقِيه. قلت: وفي حديث قُرّة بن إياس الذي أخرجه
أبو داود (٤٠٨٢) والتِّرمِذيّ وصَحَّحَه (١) هو وابن حِبّان (٥٤٥٢): «لمَّا بايعَ النبيَّ ◌َِله
قال: فأدخَلتُ يدي في جَيْب قميصه، فمَسِستُ الخاتم، ما يقتضى أنَّ جيب قميصه كان في
صَدْرِه، لأنَّ في أوَّل الحديث: أنَّه رآه مُطلَق القميص، أي: غير مَزُرُور.
وذكر المصنف في الباب حديث: مَثَل البخيل والمتصدِّق، وقد مضى شرحه مُستَوفَّى في
كتاب الزكاة (١٤٤٣).
وقوله في هذه الرِّواية: ((مادَتْ))(٢) بتخفيفِ الدَّال، أي: مالَت، ولبعضِ الرُّواة: ((مارَت))
بالرَّاءِ بدلَ الدَّال، أي: سالَت.
(١) في هذا ما يفيد أنَّ الحافظ خرَّج حدیث قرة بن إياس من ((سنن الترمذي))، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، فهو
إنما خرّجه في كتابه «الشمائل)) برقم (٥٧) وليس فيه تصحيح. وأخرجه من أصحاب ((السنن)) أيضاً ابنُ
ماجه برقم (٣٥٧٨).
(٢) هذا الحرف في الرواية التي في الطلاق برقم (٥٢٩٩)، وليس في هذه الرواية.

٣٥
باب ٩ / ح ٥٧٩٧
كتاب اللباس
وقوله: (ثُدِيّهما)) بضمِّ المثلَّة على الجمع، وبفتحها على الَّشْنية.
٢٦٨/١٠
وقوله: ((تُغِّي)) بضمٍّ أوَّله والتَّشديد، ويجوز فتح أوَّل وسكون ثانيه بمعنَّی.
وعبد الله بن محمَّد: هو الجُّعْفيُّ، وأبو عامر: هو العَقَدي، والحسن: هو ابن مسلم بن يَنَّاق،
وقد تقدَّم ضبط اسم جَدّه قريباً(١).
قوله: ((وتَراقِيهما)) جمع تَرقُوَة بفتح المثنّة وضمّ القاف: هي العَظْم الذي بين ثُغرة النَّحر
والعاتق، وقال ثابت بن قاسم في ((الدَّلائل)): التَّرقُوَتان: العظمان المشرِفان في أعلى الصَّدر
إلى طَرَف تُغْرة النَّحر.
قوله: ((فلو رأيتَه)) جوابه محذوف، وتقديره: لَتَعَجَّتَ منه، أو هو للتَّمَنّي، والأوَّل أوضَح.
قوله: ((يقول بإصْبَعِه هكذا في جَيْبه)) كذا للأكثر: بفتح الجيم، وهو الموافق للتَّرجمة،
وكذا في رواية مسلم (١٠٢١/ ٧٥)، وعليه اقتَصَرَ الحميديّ، وللُشْمِیهنيِّ وحده بضمِ
الجيم وتشديد الموحَّدة بعدها مُثنّاة ثمَّ ضمير، والأوَّل أَولى لدلالتِه على الموضع بخُصوصِه
بخلاف الثّاني، والله أعلم.
قوله: ((تابَعَه ابنُ طاووسٍ) يعني: عبد الله. ((عن أبيه)) يعني: عن أبي هريرة، وقد تقدَّم
موصولاً في الزكاة (١٤٤٣)، ولم يَسُقْه بتمامه فيه، بل ساقَه في الجهاد (٢٩١٧).
قوله: ((وأبو الزِّناد عن الأعرج) يعني: عن أبي هريرة.
قوله: ((في الُبَّتَينِ)) يعني: بالموخَّدة، وقد بيَّنْتُ اختلاف الرُّواة في ذلك: هل هو بالموحَّدة
أو النُّون؟ في كتاب الزكاة، ورواية أبي الزِّناد وَصَلَها المؤلِّف في الزكاة (١٤٤٣).
قوله: ((وقال حَنْظَلة)) هو ابن أبي سفيان، وقد سَبَقَ القولُ فيه أيضاً في الزكاة (١٤٤٤).
قوله: ((وقال جعفر بن ربيعة)) كذا للأكثر، وهو الصَّواب، ووَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ: وقال
جعفر بن حَيَّن، وكذا وَقَعَ عند ابن بَطّال، وهو خطأ، وقد ذكرها في الزكاة أيضاً تعليقاً بزيادةٍ
فقال: ((وقال اللَّيث: حدَّثني جعفر)) وبيَّنتُ هناك أنَّ للَّثِ فیه إسناداً آخر من رواية عيسى
(١) في أواخر شرح الحديث (٥٧٩١).

٣٦
باب ١٠-١١ / ح ٥٧٩٨ -٥٧٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
ابن حمّاد عنه عن محمّد بن عَجْلان عن أبي الزِّناد.
١٠ - باب من لَبِسَ جُبّةً ضيّقة الكُمَّين في السفر
٥٧٩٨- حدَّثْنا قيسُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني أبو
الضُّحَى، قال: حدَّثني مسروقٌ، قال: حدَّثني المغيرةُ بنُ شُعْبةَ، قال: انطَلَقَ النبيُّ وَّ لِحَاجَتِهِ ثَمَّ
أقبَلَ، فَتَلَقَُّه بماءٍ، فَتَوضَّأَ وعليه جُبَّةٌ شامِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ واستنَشَقَ وغَسَلَ وجهَه، فذهبَ مُرِجُ
يَدَيهِ مِن كُمَّهِ فكانا ضَيَّقَينِ، فأخرَجَ يَدَيه من تحتٍ بَدَنِهِ فَفَسَلَهما، ومَسَحَ برأسِه وعلى خُقَِّهِ.
قوله: ((باب مَن لَبِسَ حُبّةً ضَيَّقة الكمَّينِ في السَّفَر)) تَرجَمَ له في الصلاة: ((الصلاة (١) في الجُبّة
الشّاميَّة))(٢)، وفي الجهاد: ((الجُبّة في السَّفَر والحرب))(٣)، وكأنّه يشير إلى أنَّ لُبْس النبيّ ◌َِله
الجُبّة الضَّيِّقة إنَّما كان لحال السَّفَر لاحتياج المسافر إلى ذلك، وأنَّ السَّفَر يُغْتَفَر فيه لُبس غير
المعتاد في الحَضَر، وقد تَوَارَدَتِ الأحاديث عمَّن وَصَفَ وُضوءَ النبيّ ◌َّه وليس في شيء منها:
أنَّ كُمَّيه ضاقا عن إخراج يَدَيه منهما، أشارَ إلى ذلك ابن بَطّال.
وأورد فيه حديث المغيرة في مَسْح الخُفَّين، وقد تقدَّم شرحه في الطَّهارة (١٨٢)، وفيه
القصَّة المذكورة، وفيه: ((وعليه جُبّة شاميَّة)) وهي بتشديد الياء ويجوز تخفيفها، وعبد الواحد
المذکور في سنده: هو ابن زیاد.
وقوله فيه: ((فأخرج يَدَيه من تحت بَدَنِهِ)) بفتح الموحّدة والمهمَلة بعدها نون، أي: جُبَّته،
ووَقَعَ كذلك في رواية أبي عليّ بن السَّكّن، والبَدَن: دِرٌ ضَيِّقة الكمَّينِ.
١١ - باب لُبْس ◌ُجُبّة الصُّوف
٥٧٩٩- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زكريًّا، عن عامٍ، عن عُرْوةَ بنِ المغیرةِ، عن أبيه ، قال:
كنتُ معَ النبيِّ نَّهِ ذاتَ ليلةٍ في سَفَرٍ، فقال: ((أُمَعَكَ ماءُ؟)) قلتُ: نعم، فنزلَ عن راحلَتِهِ، فمَشَى
(١) لفظ ((الصلاة)) سقط من (أ) و(س)، واستدركناه من (ع).
(٢) باب رقم (٧).
(٣) باب رقم (٩٠).

٣٧
باب ١٢ / ح ٥٨٠٠
كتاب اللباس
حتَّى تَوارَى عنِّي في سوادِ اللَّيلِ، ثمَّ جاء فأفرَغْتُ عليه الإِدَاوَةَ، فَغَسَلَ وجهَه ويَدَيه، وعليه
مُبَةٌ من صوفٍ، فلم يَستطِعْ أن يُخْرِجَ ذِراعَيه منها حتَّى أخرَجَهما من أسفلِ الجُبّةِ، فَغَسَلَ
ذِراعَيه، ثمَّ مَسَحَ برأسِه، ثمَّ أهوَيتُ لأَنْزِعَ خُفَّيِه، فقال: ((دَعْهما، فإنّي أدخَلْتُهما طاهرَتَينِ))
فمَسَحَ علیھما.
قوله: ((باب لُبس جُبّة الصّوف)) ذكر فيه حديث المغيرة المشار إلیه من وجه آخر عنه، وساقه ٢٦٩/١٠
عنه أتمَّ. وزكريّا المذكور فيه: هو ابن أبي زائدة، وعامر: هو الشَّعبيّ، قال ابن بَطّال: كَرِهَ مالكٌ
لُبسَ الصّوف لمن يَجِدُ غيره، لما فيه من الشُّهرة بالزُّهِدِ، لأنَّ إخفاء العَمَل أولى، قال: ولم يَنحَصِر
التَّواضُعِ فِي لُبِسِه، بل في القُطن وغيره ما هو بدون ثَمَنِهِ.
١٢ - باب القَبَاء وفَرُّوج حريرٍ، وهو القَبَاءُ
ويقال: هو الذي له شَقٌّ من خَلْفِه.
٥٨٠٠- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثْنَا اللَّيْثُ، عن ابنٍ أبي مُلَيكةَ، عن المِسْوَرِ بنِ تَخَرَمةَ، قال:
قَسَمَ رسولُ الله ◌ِّهِ أَقِيَةً ولم يُعْطِ مَرَمَةَ شيئاً، فقال ◌َرَمةُ: يا بُنِيَّ، انطَلِقْ بنا إلى رسولِ الله ◌ِێ،
فانطَلَقْتُ معه، فقال: ادْخُل فادْعُه لي، قال: فَدَعَوْتُه له، فخَرَجَ إليه وعليه قَباءٌ منها، فقال:
((خَبَأْتُ هذا لكَ)) قال: فَنَظَرَ إليه فقال: رَضِيَ تَرَمةُ.
قوله: ((باب القَبَاء)) بفتح القاف وبالموحَّدة ممدود فارسيّ مُعرَّب، وقيل: عربيّ، واشتِقاقه
من القَبْو: وهو الضَّمّ.
قوله: ((وفَرُّوجُ حرير)) بفتح الفاء وتشديد الرَّاء المضمومة وآخره جيم.
قوله: ((وهو القَبَاء)» قلت: ووَقَعَ كذلك مُفَسَّراً في بعض طرق الحدیث کما سأُبيِّنه.
قوله: ((ويقال: هو الذي له شَقّ من خَلْقه) أي: فهو قَبَاءٌ مخصوص، وبهذا جَزَمَ أبو عُبيد ومَن
تَبِعَه من أصحاب الغريب نظراً لاشتقاقه، وقال ابن فارس: هو قميص الصبيّ الصَّغير، وقال
القُرطُبيّ: القَباء والفَرّوج كلاهما ثوب ضَيِّقُ الكمَّينِ والوَسَط، مشقوق من خلف، يُلبَس
في السَّفَر والحرب لأنَّه أعونُ على الحركة.

٣٨
باب ١٢ / ح ٥٨٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
وذکر فیه حدیثین:
أحدهما: قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكة)) في رواية أحمد (١٨٩٢٧): عن أبي النَّضر هاشم عن
اللَّيث حدَّثني عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مُلَيكة، وسيأتي كذلك في ((باب المزرَّر بالذَّهَبِ))(١)
مُعلَّقاً.
قوله: ((عن المِسْور بن مَخَرَمَ)) هكذا أسنَدَه اللَّيث، وتابَعَه حاتم بن وَرْدانَ عن أيوب عن
ابن أبي مُلَيكة على وَصْله كما تقدَّم في الشَّهادات (٢٦٥٧)، وأرسَلَه حمّاد بن زيد كما تقدَّم في
الخُمس (٣١٢٧)، وإسماعيل ابن عُليَّة كما سيأتي في الأدب (٦١٣٢)، كلاهما عن أيوب، وقد
تقدَّم الكلام على ذلك في ((باب قسمة الإمام ما يَقدَمُ عليه)) من كتاب الخمس.
قوله: ((قَسَمَ النبيُّمَ﴿ أقبيةً)) في رواية حاتم: / قَدِمَت على النبيّ ◌َليل أقبيةٌ، وفي رواية حمّاد:
٢٧٠/١٠
أُهدَيَت للنبيِّيَّ أقبية من ديباج مُزرَّرة بالذَّهَب، فقَسَمَها في ناس من أصحابه.
قوله: ((ولم يُعْطِ مَخَرَمةَ شيئاً)) أي: في حال تلك القسمة، وإلّا فقد وَقَعَ في روایة حمّاد بن زيد
مُتَّصِلاً بقولِه: ((من أصحابه)): وعَزَلَ منها واحداً لمخرَمة، وَخَرَمة: هو والد المِسوَر، وهو
ابن نَوفَل الزُّهْريّ، كان من رُؤَساء قريش ومن العارفينَ بالنَّسَبِ وأنصاب الحَرَم، وتأخَّ
إسلامُه إلى الفتح، وشَهِدَ ◌ُنَيناً، وأُعطي من تلك الغنيمة مع المؤلّفة، وماتَ سنة أربع وخمسين
وهو ابن مئة و خمس عشرة سنة، ذكره ابن سعد.
قوله: ((انطَلِقْ بنا)) في رواية حاتم: عَسَى أن يُعطِيَنا منها شيئاً.
قوله: ((ادْخُل فادْعُه لي)) في رواية حاتم: فقامَ أَبي على الباب فتَكلَّمَ، فَعَرَفَ النبيُّ ◌َيه
صوته. قال ابن التِّين: لعلَّ خروج النبيّ وَّ﴿ عند سماع صوت تَخَرَمةَ صادَفَ دخولَ المِسوَر
إليه.
قوله: ((فخَرَجَ إليه وعليه قَباءٌ منها)) ظاهره استعمال الحرير، قيل: ويجوز أن يكون قبل النَّهي،
ويحتمل أن يكون المراد أنَّه نَشَرَه على أكتافه ليراه مَخَرَمةُ كلَّه ولم يَقصِد لُبُسَه. قلت: ولا يَتَعيَّن
(١) باب رقم (٤٤).

٣٩
باب ١٢ / ح ٥٨٠١
كتاب اللباس
گونُه على أكتافه، بل يكفي أن یکون منشوراً علی یدیه، فیکون قوله: ((علیه)) من إطلاق
الكلّ على البعض، وقد وَقَعَ في رواية حاتم: فخَرَجَ ومعه قباءٌ، وهو يُریه محاسنه، وفي رواية
حمّاد: فتَلَقّاه به واستقبَلَه بأزراره.
قوله: ((خَبَّأْت هذا لك)) في رواية حاتم تَكْرار ذلك، زاد في رواية حمّاد: ((يا أبا المِسوَر))
هكذا دَعاه أبا المِسوَر، وكأنَّه على سبيل التَّنیس له بذكر ولده الذي جاء صُحبته، وإلّا فگنيته في
الأصل: أبو صفوان وهو أكبر أولاده، ذكر ذلك ابن سعد.
قوله: ((فنَظَرَ إليه فقال: رَضِيَ تَخَرَمة)) زاد في رواية هاشم: «فأعطاه إيّاه))، وجَزَمَ الدَّاوُوديُّ:
أنَّ قوله: ((رَضِيَ تَخَرَمة)) من كلام النبيّ وَّةِ، وقد رَجَّحت في الهِبة (٢٥٩٩): أنَّه من كلام مَخَرَمة،
زاد حمّاد في آخر الحديث: وكان في خُلُقه شِدّة.
قال ابن بَطّال: يُستَفاد منه استئلاف أهل اللَّسَن ومَن في معناهم بالعَطَيَّة والكلام الطيِّب،
وفيه الاكتفاء في الهِبة بالقَبْض، وقد تقدَّم البحث فيه هناك، وتقدَّم في كتاب الشَّهادات (٢٦٥٧)
الاستدلال به على جواز شهادة الأعمَى، لأنَّ النبيَّ نََّ عَرَفَ صوت ◌َخَرَمة فاعتَمَدَ على مَعرِفَتَه
به، وخَرَجَ إليه ومعه القَباءُ الذي خَبَأَه له، واستنَبَطَ بعض المالكيَّة منه جوازَ الشَّهادة على الخَطّ،
وتُعقّبَ بأنَّ الْخُطوط تَشْتَبِهِ أكثر ممَّا تَشتَبِهِ الأصوات، وقد تقدَّم بَقَيَّة ما يَتَعلَّق بذلك في
الشَّهادات، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ المِسوَر لا صُحْبة له.
الحديث الثاني:
٥٨٠١- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن
عُقْبَةَ بنٍ عامٍ ◌ّ أَنَّه قال: أُهْدِيَ لرسولِ الله ◌َ فَرُّوجُ حرِيرٍ فَلَبِسَه، ثمَّ صَلَّى فيه، ثمَّ انصَرَفَ
فَتَزَعَه نَزْعاً شديداً كالكارِه له، ثمَّ قال: ((لا يَنبَغي هذا للمُتَّقِينَ)).
تابَعَه عبدُ الله بنُ يوسُفَ، عن اللَّیثِ.
وقال غیرُه عن اللَّيثِ: فَرّوٌ حریرٌ.
قوله: ((عن يزيد بن أبي حبيب)) في رواية أحمد (١٧٣٤٣) عن حَجّاج - هو ابن محمَّد -

٤٠
باب ١٢ / ح ٥٨٠١
فتح الباري بشرح البخاري
وهاشم - هو ابن القاسم - عن اللَّيث: حدَّثني يزيد بن أبي حبيب.
قوله: ((عن أبي الخير)) هو مَرَد بن عبد الله اليَزَنيّ، وثَبَتَ كذلك في رواية أحمد المذكورة(١).
قوله: ((عن عُقْبة بن عامر)) هو الْجُهَنيّ، وصَرَّحَ به في رواية عبد الحميد بن جعفر ومحمّد
ابن إسحاق كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب عند أحمد (١٧٣٥٣).
قوله: «فَرّوج حریر» في رواية ابن إسحاق عند أحمد (١٧٢٩٣): فرّوجٌ من حریر.
قوله: ((ثمَّ صَلَّی فیه)) زاد في رواية ابن إسحاق وعبد الحميد عند أحمد: ثمَّ صَلَى فيه
المغرب.
قوله: (ثُمَّ انصَرَفَ)) في رواية ابن إسحاق: فلمَّا قَضَى صلاته، وفي رواية عبد الحميد: فلمَّا
سَلَّمَ من صلاته، وهو المراد بالانصراف في رواية اللَّيث.
قوله: ((فَزَعَه نَزْعاً شديداً) زاد أحمد في روايته عن حَجّاج وهاشم: ((عَنيفاً)) أي: بقوّةٍ
ومُبادَرة لذلك على خِلَاف عادته في الرِّفق والتَّأَنّي، وهو ممّا يُؤَكِّد أنَّ النَّحريم وَقَعَ حينئذٍ.
قوله: ((كالكارِه له)) زاد أحمد في رواية عبد الحميد بن جعفر: ثمَّ ألقاه فقلنا: يا
رسول الله، قد لَبِستَه وصَلَّيتَ فيه.
قوله: ((ثمَّ قال: لا يَنبَغي هذا» يحتمل أن تكون الإشارة للَّبْس، ويحتمل أن تكون للحرير،
فيتناول غير اللُّبس من الاستعمال كالافتراش.
قوله: ((للمُنَّقِین)) قال ابن بطال: يُمكِن أن يكون نَزَعَه لگونه کان حریراً صِرفاً، ويُمكِن أن
٢٧١/١٠ يكون نَزَعَه لأَنَّه من جِنس لباس الأعاجم، وقد وَرَدَ حديث ابن عمر / رَفَعَه: ((مَن تَشَبَّهَ بقوم
فهو منهم)). قلت: أخرجه أبو داود (٤٠٣١) بسندٍ حسنٍ(٢). وهذا التردُّد مَبنيّ على تفسير المراد
بالمتَّقِينَ، فإن كان المراد به مُطلَق المؤمن، حُمِلَ على الأوَّل، وإن كان المراد به قَدْراً زائداً على
ذلك، ◌ُملَ على الثّاني، والله أعلم.
(١) بل هو في الرواية المذكورة لاحقاً، والتي هي عند أحمد برقم (١٧٣٥٣).
(٢) في إسناده مقالٌّ بيّناه في التعليق على ((مسند أحمد)) برقم (٥١١٤).