Indexed OCR Text
Pages 1-20
فَتََّةُ التَُّىِ بشرح صحيح البُخَارِيّ تأليفٌ الإِحَّامِ الْحَافِظِّ شَكَابِ الِّينِ أُحَمَ بَنْ عَلَيّ بْنِ حَرِ العَسِّقَلَافِيّ ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ أُشرف على تحقيق الكتَابُ ورَاحَع شُغَيْبٌ الأهوُوطُ عَادكٌ مُّشْد شارك في تخريج نصوص حقّق هذا الجزء وضّصَهُ وعَلّ عَلَيْ رْعية التىزمة عكاوي مرشدُ أَحْمُدْ بُرْهُومٌ الجُزْءُ الثّامِنْ عَشْرُ الرسالة العالمية -3 فَتْجُ النَّارِي بشرّع صحِيُّح البُخاريّ ١٨ دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل الموفي والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من شركة الرسالة العالمية م.م. Publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحي 2625 (963)11-2212773 (963)11-2234305 الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resaishonline.com فرع بيروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112- 319039- 818615 P.O. BOX:117460 نِـ جميع الحقوق محفوظَةٌ لِلنَّاشِرْ الطبعَة الأولىُّ ١٤٣٤ ھ -٢٠١٣م ٥ باب ١ / ح ٥٧٨٣ كتاب اللباس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب اللباس ١- وقولِ الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىِّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وقال النبيُّ ◌َّه: ((كُلُوا واشَرَبوا والبَسُوا وَتَصَدَّقوا في غيرِ إسرافٍ ولا مَخِيلٍ)). وقال ابنُ عبّاسٍ: كُلْ ما شئتَ، والبَسْ ما شئتَ، ما أخطَاتُكَ اثنتانِ: سَرَفٌ أو مَخِيلةٌ. ٥٧٨٣- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ وعبدِ الله بنِ دِينارٍ وزيدِ بنِ أسلَمَ يُخِْرونَه، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهوَ لّ قال: ((لا يَنظُرُّ اللهُ إِلى مَن جَرَّ ثوبَه خُيَلاء)). قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم. كتاب اللَّاس، وقولِ الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِبَادِهِ،﴾)) كذا للأكثر، وزاد أبو نُعَيم: ﴿وَالطِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِ﴾، وللنَّسَفيّ: ((قال الله تعالى: ﴿قُلَّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ الآية)) وكأنَّه/ أشار إلى سبب نزول الآية، وقد أخرجه الطّبري ٢٥٣/١٠ (٢٤١/٩) من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبیر عن ابن عبّاس قال: كانت قریش تَطُوف بالبيت عُراة يُصَفِّرونَ ويُصَفِّقونَ، فأَنزَلَ الله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ﴾ الآية، . وسنده صحيح(١)، وأخرج الطَّرُّ وابن أبي حاتم بأسانيد چِيَاد عن أصحاب ابن عبّاس كمجاهدٍ وعطاء وغيرهما نحوَه، وكذا عن إبراهيم النَّخَعيِّ والسُّدِّيّ والزُّهْرِيّ وقَتَادة وغيرهم: أنَّها نزلت في طواف المشرِكينَ بالبيت وهم عُرَاة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كثير عن طاووسٍ في هذه الآية قال: لم يأمرهم بالحرير والدّيباج، ولكن كانوا إذا طافَ أحدُهم وعليه ثيابه ضُرِبَ وانتُزِعَت منه؛ يعني: فنزلت، وأخرج مسلم (٣٤١) وأبو داود (٤٠١٦) من حديث المِسوَر بن تَخَرَمةَ: سَقَطَ عنِّي (١) في تصحيح سنده مجازفة من الحافظ، وأحسن أحواله أن يكون الإسناد حسناً، ولا سيّما أنّ فيه سفيان بن وکيع شیخ الطبري، وفيه ضعف. ٦ باب ١ / ح ٥٧٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ثوبي، فقال النبيّ ◌َّ: ((خُذْ عليك ثوبَك، ولا تمشوا عُراة)). قوله: ((وقال النبيّ وَّرَ: كُلوا واشربوا والبَسوا وتَصَدَّقوا، في غير إسراف ولا مَخِيلة)» ثَبَتَ هذا التَّعليق للمُستَمْلِي والسَّرَخْسيّ فقط وسَقَطَ للباقينَ. وهذا الحديث من الأحاديث التي لا تُوجَد في البخاريّ إلّا مُعلَّقة، ولم يَصِلْه في مكان آخر، وقد وَصَلَه أبو داود الطَّيالسُّ (٢٣٧٥) والحارث بن أبي أُسامة(١) في ((مُسنَدَيهما)) (٥٧١) من طريق همَّام بن يحيى عن قَتَادة عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه به، ولم يقع الاستثناء في رواية الطَّالسيّ، وذكره الحارث ولم يقع في روايته: ((وتَصَدَّقوا)»، وزاد في آخره: «فإنَّ الله يُحِبّ أن يرى أثر نِعِمَته على عِباده)، ووَقَعَ لنا موصولاً أيضاً في كتاب ((الشُّكر)) (٥١) لابن أبي الدُّنيا بتمامه، وأخرج التِّرمِذيّ (٢٨١٩) الفصلَ الأخير منه - وهي الزّيادة المشار إليها - من طريق قَتَادة بهذا الإسناد، وهذا مَصِير من البخاريّ إلى تقوية نسخة (٢) عَمْرو بن شُعَيب، ولم أرَ في ((الصَّحيح)) إشارةً إليها إلّا في هذا الموضع. وقد قَلَبَ هذا الإسنادَ بعضُ الزُّواة فصَخَّف والدَ عَمْرو بن شُعَيب وقوله: ((عن أبيه))، فذكر ابن أبي حاتم في ((العِلَل)) (١٤٦١): أَنَّه سألَ أباه عن حديث رواه أبو عُبيدة الحدّاد عن هِمَّام عن قَتَادة عن عَمْرو بن سعيد عن أنس، فذكر هذا الحديث، فقال: هذا خطأ، والصَّواب: عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه. ومُناسَبة ذِكْر هذا الحديث والأثر الذي بعده للآية ظاهر، لأنَّ في التي قبلها: ﴿وَكُلُوا وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. والإسراف: مُجاوزة الحدّ في كلّ فِعل أو قول، وهو في الإنفاق أشهرُ، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. والمَخِيلة بوزنِ عَظِيمة: وهي بمعنى الخُيَلاء، وهو التكبُّر، وقال ابن التِّين: (١) ((بغية الباحث عن زوائد الحارث)) (٥٧١)، وأخرجه أيضاً من هذا الطريق - وفيه الاستثناء - أحمد (٦٦٩٥)، وابن ماجه (٣٦٠٥)، والنسائي (٢٥٥٩)، فالعجب من الحافظ رحمه الله كيف غَفَلَ عن مثل هذا المصادر. (٢) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: شيخه، والصواب ما أثبتناه من (ع). ٧ باب ١ / ح ٥٧٨٣ كتاب اللباس هي بوزنٍ مَفْعِلَة من اختالَ: إذا تَكَبَّرَ، قال: والخُيَلاء بضمٍّ أوَّله وقد يُكسَر ممدوداً: التكثُّر. وقال الرَّاغِب: الخُيَلاء: التكبُّر يَنشَأ عن فضيلة يَتَراءاها الإنسانُ من نفسه، والتخيُّل: تصوير خَيَال الشَّيء في النَّفس، ووجه الحَصْر في الإسراف والمخيلة: أنَّ الممنوع من تَنَاوُله أكلاً ولُبساً وغيرهما، إمّا لمعنّى فيه: وهو مُجاوَزة الحدّ وهو الإسراف، وإمّا للتعبُّدِ كالحرير إن لم تَثْبُت عِلّة النَّهي عنه، وهو الرَّاجح، ومجاوزة الحدّ تتناول مُخالَفة ما وَرَدَ به الشَّرع فيَدخُل الحرام، وقد يَستَلِزِم الإسرافُ الكِبرَ وهو المَخِيلة. قال الموفَّق عبد اللَّطيف البغداديّ: هذا الحديث جامعٌ لفضائل تدبير الإنسان نفسَه، وفيه تدبير مصالح النَّفْس والجسد في الدُّنيا والآخرة، فإنَّ السَّرَف في كلّ شيءٍ يَضُرّ بالجَسَدِ ويَضُرّ بالمعيشة، فيُؤَدّي إلى الإتلاف، ويَضُرّ بالنَّفْسِ إذ كانت تابعةً للجسدِ في أكثر الأحوال، والمَخِيلة تَضُرّ بالنَّفْسِ حيثُ تُكسِبها العُجْب، وتَضُرّ بالآخرة حيثُ تُكسِب الإثم، وبالدُّنيا حيثُ تُکسِب المَقْت من الناس. قوله: ((وقال ابن عبّاس: كُلْ ما شئتَ واشَرَب ما شئتَ، ما أخطأتك اثنتان: سَرَفٍّ أو مَخِيلة)» وَصَلَه ابن أبي شَيْبة في «مُصنَّفَه)) (٤٠٥/٨) والدِّينَوريّ في ((المجالَسة)) (١٦٠١) من رواية ابن عُيَينةَ عن إبراهيم بن مَيسَرة عن طاووسٍ عن ابن عبّاس، أمَّا ابن أبي شَيْبة فذكره بلفظه، وأمَّا الدِّينَوريّ فلم يَذْكُر السَّرَف(١). وأخرجه عبد الرَّزّاق (٢٠٥١٥) عن/ مَعمَر عن ابن ٢٥٤/١٠ طاووسٍ عن أبيه بلفظ: أحَلَّ الله الأكل والشُّرب، ما لم يكن سَرَفٌ أو مَخِيلة، وكذا أخرجه الطَّبَرِيُّ (١٦٢/٨) من رواية محمَّد بن ثَوْر عن مَعمَر به. وقوله: ((ما أخطأَتك)) كذا للجميع بإثبات الهمزة بعد الطاء، وأورَدَه ابن النِّين بحذفِها ثم قال: والصَّواب إثباتها، قال صاحب ((الصِّحاح)): أخطَاتُ ولا تَقُل: أخطَيتُ، وبعضهم يقوله. ومعنى قوله: ((ما أخطأَتك)) أي: تناولْ ما شِئتَ من المباحات ما دامَت كلّ خَصْلة من هاتَينِ تُجاوزك. قال الكِرْمانيُّ: ويحتمل أن تكون ((ما)) نافية، أي: لم يُوقِعْك في الخطأ اثنتان. (١) بل هو مذكور فيه في النسخة التي بين أيدينا منه. ٨ باب ١ / ح ٥٧٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وفيه بُعْد، ورواية مَعمَر تَرُدّه حيثُ قال: ما لم يكن سَرَف أو مَخِيلة. وقوله: ((أو)) قال الكِرْمانيُّ: أتى بأَو موضع الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] على تقدير النَّفي، أي: أنَّ انتفاء الأمرَينِ لازِمٌ فيه. وحاصله أنَّ اشتراط مَنْع كلّ واحد منهما يَسْتَلِزِمِ اشتراط مَنعِهما مُجْتَمِعَينِ بطريق الأولى، قال ابن مالك: هو جائز عند أَمن اللَّبْس كما قال الشّاعر(١): فقالوا لنائِتانِ لا بدَّمنهما صُدورُ رِماحٍ أُشرِعَتْ أو سَلامِلُ قوله: «إسماعيل» هو ابن أبي أُويس. قوله: ((عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلمَ)) في ((الموطَّأ)) (٩١٤/٢): عن نافع وعن عبد الله بن دينار وعن زيد بن أسلَمَ، بتكرير ((عن))(٢)، وعند التِّرمِذيّ (١٧٣٠) من رواية مَعْن عن مالك: سمعَ كلَّهم يُحدِّث، هكذا جَمَعَ مالك روایة الثلاثة. وقد روی داود بن قیس روایة زید بن أسلمَ عنه بزيادة قصَّة قال: أرسلني أبی إلی ابن عمر، قلت: أدخُلُ؟ فعَرَفَ صوتي، فقال: أي بُنيَّ، إذا جئتَ إلى قوم فقُل: السَّلام عليكم، فإن رَدُّوا عليك فقُل: أدخُلُ؟ قال: ثمَّ رأى ابنَه وقد انجَرَّ إزاره، فقال: ارفَعْ إزارك، فقد سمعتُ ... فذكر الحديث، أخرجه أحمد (٤٨٨٤)، وأخرج أحمد (٤٥٦٧)، والحُمَيديّ (٦٣٦) جميعاً عن سفيان بن عُيَينةَ عن زيد نحوه، ساقَه الْحُمَيديّ، واختَصَرَه أحمد، وسَمَّيا الابنَ عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، وأخرجه أحمد أيضاً (٦٣٤٠) من طريق مَعمَر عن زيد بن أسلَمَ: سمعتُ ابن عمر، فذكره بدون هذه القصَّة، وزاد قصَّة أبي بكر المذكورة في الباب الذي بعده، وقصَّة أُخرى لابنِ عمر تأتي الإشارة إليها بعد بابین. (١) هو جعفر بن عُلْبة الحارثي، وكان من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. انظر ((شرح ديوان الحماسة)) للتبريزي ١/ ٩. (٢) في المطبوع الذي بأیدینا بدون تکریر ((عن)). ٩ باب ٢ / ح ٥٧٨٤ -٥٧٨٥ كتاب اللباس وحديث نافع أخرجه مسلم (٤٢/٢٠٨٥) من رواية أيوب واللَّيث وأسامة بن زيد كلّهم عن نافع قال: مِثلَ حديث مالك، وزادوا فيه: ((يومَ القيامة)). قلت: وهذه الزّيادة ثابتة عند رواة ((الموطًا)) عن مالك أيضاً، وأخرجها أبو نُعَيم في (المستخرَج)) من طريق القَعْنبيّ، وأخرج التِّرمِذيّ (١٧٣١) والنَّسائيُّ (٥٣٣٦) الحديث من طريق أيوب عن نافع، وفيه زيادة تتعلَّق بذُيولِ النِّساء. وحديث عبد الله بن دينار أخرجه أحمد (٥٤٣٩) من طريق عبد العزيز بن مسلم عنه، وفيه: (يوم القيامة))، وكذا في رواية سالم وغیرٍ واحد عن ابن عمر كما سيأتي في الباب الذي بعده. ٢ - باب من جرَّ إزاره من غیر خُيَلاء ٥٧٨٤- حدَّثنا أحمدُ بنُّ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن أبيه ◌َّ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((مَن جَرَّ ثوبَه خُيَلاءَ، لم يَنظُرِ اللهُ إليه يومَ القيامةِ)) قال أبو بكرٍ: يا رسولَ الله، إنَّ أحدَ شِقَّيْ إزاري يسترخي، إلّا أنْ أتعاهَدَ ذلك منه، فقال النبيُّ ◌َله: (لستَ مَمَّنْ يَصْنَعُه خُيَلاءَ)). ٥٧٨٥- حذَّثني محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ ﴾، قال: خَسَفَتِ الشمسُ ونحنُ عندَ النبيِّ وَّهِ، فقامَ يَجُرُّ ثوبَه مُسْتَعْجِلاً حتَّى أَتَى المسجدَ، وثابَ الناسُ فِصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، فَجُلِّيَّ عنها ثمَّ أقبَلَ علينا، وقال: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ مِن آياتِ اللهِ، فإذا رأيتُم منها شيئاً فصَلُّوا وادْعُوا اللهَ حتَّى يَكْشِفَها)). قوله: ((باب مَن جَرَّ إزاره من غير خُيَلاء)) أي: فهو مُستَئنّی من الوعيد المذكور، لكن إن ٢٥٥/١٠ كان لعُذرٍ فلا حَرَجَ عليه، وإن كان لغير عُذرٍ فيأتي البحث فيه. وقد سَقَطَت هذه التَّرجمة لا بنِ بَطّال. قوله: (زُهَير بن معاوية)) هو أبو خَيْئمة الجُعْفيّ. قوله: ((مَن جَرَّ ثوبَه)) سيأتي شرحه بعد ثلاثة أبواب (١). (١) في باب (٥): من جرَّ ثوبه من الخيلاء. ١٠ باب ٢ / ح ٥٧٨٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقال أبو بكر)) هو الصِّدّيقِ ((إنَّ أحدَ شِقَّيْ إزاري) كذا بالتَّنية للنَّسَفيّ والكُشْمِيهنيّ، ولغيرهما: ((شِقّ)) بالإفراد، والشِّقّ بكسر المعجَمة: الجانب، ويُطلَق أيضاً على النّصف. قوله: ((يَستَرْخي)) بالخاءِ المعجمة، وكأن سبب استرخائه نحافة جسم أبي بكر. قوله: ((إلّا أن أتعاهَدَ ذلك منه)) أي: يسترخي إذا غَفَلتُ عنه، ووَقَعَ في روایة معمر عن زيد بن أسلَمَ عند أحمد (٦٣٤٠): إنَّ إزاري يسترخي أحياناً، فكأنَّ شَدَّه كان يَنحَلّ إذا تَحَّكَ بمشي أو غيره بغير اختياره، فإذا كان مُحافظاً عليه لا يسترخي لأنَّه كلَّما كادَ يسترخي شَدَّه. وأخرج ابن سعد (٣/ ١٨٨) من طريق طلحة بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر عن عائشة قالت: كان أبو بكر أحنَی لا یَستَمسِك إزاره، يسترخي عن حَقْوَیه، ومن طريق قيس بن أبي حازم قال: دَخَلتُ على أبي بكر وكان رجلاً نحيفاً. قوله: ((لستَ مَمَّنْ يَصْنَعِه خُيَلاءَ)) في رواية زيد بن أسلَمَ: ((لستَ منهم)). وفيه أنَّه لا حَرَجَ على مَن انجَرَّ إزارُه بغير قصده مُطلَقاً، وأمَّا ما أخرجه ابن أبي شَيْبة عن ابن عمر: أنَّه كان يَكرَه جَرّ الإزار على كلّ حال، فقال ابن بَطّال: هو من تشديداته، وإلّا فقد روى هو حديث الباب فلم يَخْفَ عليه الحكم. قلت: بل كراهة ابن عمر محمولة على مَن قَصَدَ ذلك سواء كان عن مَخِيلة أم لا، وهو المطابِقِ لروايتِه المذكورة، ولا يُظَنّ بابنِ عمر أنَّه يُؤَاخِذ مَن لم يَقصِدْ شيئاً، وإنَّما يريد بالكراهة مَن انجَرَّ إزارُه بغير اختياره، ثمَّ تَمَادَى على ذلك ولم يَتَدارَكه، وهذا مُتَّفَق عليه، وإن اختَلَفوا: هل الكراهة فيه للتَّحريمِ أو للتَّزيه. وفي الحديث اعتبارُ أحوال الأشخاص في الأحكام باختلافها، وهو أصل مُطَّرِد غالباً. قوله: ((حدَّثني محمَّد)» لم أرَه منسوباً لأحدٍ من الرُّواة، وأغفَلتُ التَّنبيه على هذا الموضع بخُصوصِه في المقدِّمة، وقد صَرَّحَ ابنِ السَّكَن في موضعين غير هذا بأنَّ محمَّداً الراوي عن عبد الأعلى: هو ابن سَلَام، فيُحمَل هذا أيضاً على ذلك. وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية محمَّد بن المثنَّى عن عبد الأعلى، فيحتمل أن يكون هو المراد هنا، والله أعلم. ١١ باب ٣ / ح ٥٧٨٦ كتاب اللباس وعبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى السامِيّ ـ بالمهملة - البصريّ بالموحّدة، ويونس: هو ابن عُبيد، والحسن: هو البصريّ. وقد تقدَّم الحديث في صلاة الكُسوف (١٠٤٠) مع شرحه، والغرض منه هنا قوله: ((فقامَ يَجُرّ ثوبه مُستَعجِلاً)) فإنَّ فيه أنَّ الجرّ إذا كان بسببِ الإسراع، لا يَدخُل في النَّهي، فيُشعِر بأنَّ النَّهِي يَخْتَصّ بما كان للخُيَلاء، لكن لا حُجّة فيه لمن قَصَرَ النَّهيَ على ما كان للخُيَلاءِ، حتَّى أجازَ لُبْس القميص الذي ينجرّ على الأرض لطوله، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالی. وقوله: ((وثابَ الناسُ)) بمُثلَّثةٍ ثمَّ موخَّدة، أي: رَجَعُوا إلى المسجد بعد أن كانوا خَرَجوا منه. ٣- باب التشمُّر في القیاب ٥٧٨٦- حذَّثني إسحاقُ، أخبرنا ابنُ شُمَيلٍ، أخبرنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، أخبرنا عَوْنُ بنُ أبي جُحَيفةَ، عن أبيه أبي جُحَيفةَ، قال: فرأَيتُ بلالاً جاء بعَنَزةٍ فَرَكَزَها، ثمَّ أقامَ الصلاةَ، فرأيتُ رسولَ الله ◌َّهَ خَرَجَ في حُلّةٍ مُشَمِّراً، فصَلَّى رَكْعَتَينِ إلى العَنَزَةِ، ورأيتُ الناسَ والدَّوَابَّ يَمُرّونَ بِينَ يَدَیه من وراءِ العَنَزةِ. قوله: ((باب التَّشَمُّر في الثّياب)) هو بالشّينِ المعجمة وتشديد الميم: رفعُ أسفل الثّوب. ٢٥٦/١٠ قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن راهويه، جَزَمَ بذلك أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وابن شُمَيلِ: هو النَّضر، وعمر بن أبي زائدة: هو الهَمْدانيُّ - بسكون الميم - الكوفيّ أخو زكريا، واسم أبي زائدة: خالد، ويقال: هُبَيرة، ولِعمرَ في البخاريّ أحاديثُ يسيرة. قوله: ((قال: فرأيتُ)) كذا للأكثر، وهو معطوف على جُمَلِ من الحديث، فإنَّ أوَّله: رأيتُ النبيّ وَّه فِي قُبّة حمراء من أدَم ... الحديث، وفيه: ثمَّ رأيت بلالاً ... إلى آخره، هكذا أخرجه المصنّف في أوائل الصلاة (٣٧٦) عن محمَّد بن عَرعَرة عن عمر بن أبي زائدة، فلمَّا اختَصَرَه أشارَ إلى أنَّ المذكور ليس أوَّلَ الحديث. ١٢ باب ٤ / ح ٥٧٨٧ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ للكُشْمِيهنيّ في أوَّله: ((رأيتُ)) وكذا في رواية النَّسَفيّ، وكذا أخرجه أبو نُعَيم من ((مُسنَد إسحاق بن راهويه)) عن النَّضر، وأخرجه من وجه آخر عن إسحاق قال: أخبرنا أبو عامر العَقَديّ حدَّثنا عمر بن أبي زائدة، وذكر أنَّ رواية إسحاق عن النَّضر لم يقع فيها قوله: ((مُشَمِّراً))، ووَقَعَ في روايته عن أبي عامر. وقد وَقَعَت في الباب عن إسحاق عن النَّضر، فیحتمل أن یکون إسحاق: هو ابن منصور، ولم يقع لفظ: ((مُشَمِّراً) للإسماعيليِّ، فإنَّه أخرجه من طريق يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة عن عَمّه عمر بلفظ ((فخَرَجَ النبيُّ وَ﴿ كأنّ أَنظُرُ إلى وَبِيص ساقَيهِ، ثمّ قال: ورواه الثَّوريّ عن عَوْن بن أبي جُحَيفةَ، فقال في حديثه: كأنّي أَنظُر إلى بَرِيق ساقيه، قال الإسماعيليّ: وهذا هو التَّشْمير، ويُؤخَذ منه أنَّ النَّهي عن كَفِّ الثّاب في الصلاة مَحَلّه في غيرِ ذَيَل الإزار، ويحتمل أن تكون هذه الصّورة وَقَعَت أَتِّفاقاً، فإنَّهَا كانت في حالة السَّفَر، وهو مَحَلُّ التَّشْمير. ٤- بابٌّ ما أسفلَ من الکعبین فهو في النار ٥٧٨٧- حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي سعيدِ المَقْبُريُّ، عن أبي هريرةَ مُ﴾ عن النبيِّ ◌َ﴿ قال: ((ما أسفلَ منَ الكَعْبينِ منَ الإزارِ ففي النارِ)). قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوين ((ما أسفلَ من الكَعْبينِ فهو في النار)) كذا أطلقَ في التَّرجمة لم يُقيِّده بالإزار كما في الخبر، إشارةً إلى التَّعميم في الإزار والقميص وغيرهما، وكأنَّه أشارَ إلى لفظ حديث أبي سعيد، وقد أخرجه مالك (٩١٤/٢-٩١٥) وأبو داود (٤٠٩٣) والنَّسائيُّ (ك ٩٦٣١) وابن ماجَهْ (٣٥٧٣)، وصَحَّحَه أبو عَوَانة (٨٦٠٥) وابن حِبّان (٥٤٤٧) كلُّهم من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي سعيد، ورجاله رجال مسلم، وكأنَّه أعرَضَ عنه لاختلافٍ فيه وَقَعَ على العلاء وعلى أبيه، فرواه أكثرُ أصحاب العلاء عنه هكذا، وخالَفَهم زيدُ بن أبي أُنيسةَ فقال: عن العلاء عن نُعَيم المُجمِر عن ابن عمر، أخرجه الطبرانيُّ(١)، ورواه محمَّد بن عَمْرو ومحمَّد بن إبراهيم التَّيْميُّ جميعاً عن عبد الرّحمن (١) في ((الأوسط)) (٤١٢) و(١١٦٩)، ولو عزاه للنسائي لكان أولى، فهو في ((سننه الكبرى)) برقم (٩٦٣٥). ١٣ باب ٤ / ح ٥٧٨٧ كتاب اللباس: ابن يعقوب عن أبي هريرة، أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٦٢٨ ٩٦٢٩)، وصَحَّحَ الطَّريقَينِ النَّسائيُّ ورَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ الأوَّلَ، وأخرج أبو داود (٤٠٧٥) والنَّسائيُّ (ك٩٦١١) وصَحَّحَه الحاكم (١٨٦/٤) من حديث أبي جُرَيّ - بالجيم والرَّاء مُصفَّر - واسمه جابر بن سُلَيم رَفَعَه، قال في أثناء حديث مرفوع: ((وارفَعْ إزارَك إلى نصف الساق، فإن أبيتَ فإلى الكعبين، وإيّاكَ وإسبالَ الإزار فإنَّه من المَخِيلة، وإِنَّ الله لا يُحِبّ المَخِيلة))، وأخرج النَّسائيُّ (ك٩٦٠٨) وصَخَّحَ الحاكم أيضاً (١)/ من حديث حُذَيفة بلفظ: ((الإزار إلى أنصاف الساقين، فإن أبيتَ ٢٥٧/١٠ فأسفلَ، فإن أبيتَ فمن وراء الساقين، ولا حقّ للكعبينِ في الإزار)). قوله: ((عن أبي هريرة)) في رواية الإسماعيليّ من طريق عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن شُعْبة: سمعتُ سعيداً المقبُريَّ، سمعتُ أبا هريرة. قوله: «ما أسفل من الگعْبینِ من الإزار في النار)) ((ما)» موصولة وبعض صلته محذوف، وهو كانَ، و((أسفلَ)) خبره وهو منصوب، ويجوز الرّفع، أي: ما هو أسفلُ، وهو أفعَلُ تفضيل، ويحتمل أن يكون فِعلاً ماضياً، ويجوز أن تكون ((ما)) نَکِرة موصوفة بأسفل. قال الخطَّبيُّ: يريد أنَّ الموضع الذي يَنالُه الإزارُ من أسفل الكعبين في النار، فكَنَّی بالثَّوبِ عن بَدَن لابِسِه، ومعناه: أنَّ الذي دونَ الكعبين من القَدَم يُعذَّب عُقوبةً، وحاصله أنَّه من تسمية الشَّيء باسم ما جاوَرَه أو حَلَّ فيه، وتكون ((مِن)) بيانيَّة، ويحتمل أن تكون سبيَّة، ويكون المراد الشَّخص نفسه، أو المعنى: ما أسفل من الكعبين من الذي يُسامِت الإزارَ في النار، أو التَّقدير: لابِسُ ما أسفل من الكعبين ... إلى آخره، أو التَّقدير: أنَّ فِعلَ ذلك محسوب في أفعال أهل النار، أو فيه تقديم وتأخير، أي: ما أسفل من الإزار من الكعبين في النار، وكلَّ هذا استبعادٌ مَّن قاله لوقوع الإزار حقيقةً في النار، وأصله ما أخرج عبد الرَّزّاق (١٩٩٩١) عن عبد العزيز بن أبي رَوّادٍ: أنَّ نافعاً سُئلَ عن ذلك، فقال: وما ذنبُ القیاب؟! بل هو من القَدَمینِ، انتھی. (١) کذا قال، ولعله أراد ابن حبان فذهلَ وذکر الحاکم، والحديث صححه ابن حبان برقم (٥٤٤٥)، ومما يؤيد ذلك أنَّ الحافظ نفسه لم يعزه للحاكم في كتابه «إتحاف المهرة)) (٤٢١١) وإنما عزاه لابن حبان. ١٤ باب ٤ / ح ٥٧٨٧ فتح الباري بشرح البخاري لكن أخرج الطبرانيُّ(١) من طريق عبد الله بن محمَّد بن عُقَيل عن ابن عمر قال: رآني النبيُّ ◌َّ أْسَبَلتُ إزاري، فقال: ((يا ابن عمر، كلُّ شيء يَمَسّ الأرضَ من الثّياب في النار))، وأخرج الطبرانيُّ (٩٣٦٨) بسندٍ حسن عن ابن مسعود: أنَّه رأى أعرابيّاً يُصَلّي قد أسبَلَ، فقال: المسبِلُ في الصلاة ليس من الله في حِلّ ولا حَرام؛ ومثل هذا لا يقال بالرَّأي، فعلى هذا لا مانعَ من حمل الحديث على ظاهره، ويكون من وادي: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، أو يكون في الوعيد لما وَقَعَت به المعصية، إشارةً إلى أنَّ الذي يَتَعاطَى المعصية أحقُّ بذلك. قوله: ((في النار)) في رواية النَّسائيِّ (ك٩٦٢٩,٩٦٢٨) من طريق أبي يعقوب، وهو عبد الرَّحمن بن يعقوب: سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَّ: ((ما تحتَ الكعبين من الإزار ففي النار)) بزيادة فاء، وكأنَّهَا دَخَلَت لتَضمينِ ((ما)) معنى الشَّرط، أي: ما دونَ الكعبين من قَدَم صاحب الإزار المُسبَل فهو في النار، عُقوبةً له على فِعله، وللطَّبَرانيّ (١١٨٧٨) من حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((كلّ شيء جاوزَ الكعبين من الإزار في النار))، وله من حديث عبد الله ابن مُغفَّل رَفَعَه: ((إزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف الساقَين، وليس عليه حَرَجُ فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففي النار))، وهذا الإطلاق محمول على ما وَرَدَ من قيد الخُيَلاء، فهو الذي وَرَدَ فيه الوعيد بالانِّفاق، وأمَّا مُرَّد الإسبال فسيأتي البحث فيه في الباب الذي يليه. ويُستَثنَى من إسبال الإزار مُطلَقاً ما أسبَلَه لضَرُورةٍ، كمَن يكون بكعبَيهِ جُرح مثلاً، يُؤذيه الذُّبابُ مثلاً إن لم يَستُره بإزاره حيثُ لا يَجِدُ غيره، نَبََّ على ذلك شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ))، واستَدَلَّ على ذلك بإذنِهِ وَِّ لعبد الرَّحمن بن عَوْف في لُبْس القميص الحرير من أجل الحِكّة(٢)، والجامع بينهما جوازُ تعاطي ما نُهيَ عنه من أجل الضَّرورة، كما يجوز كشفُ العَوْرة للنَّداوي، ويُستثنى أيضاً من الوعيد في ذلك النِّساءُ كما سيأتي البحث فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. (١) في ((المعجم الكبير)) برقم (١٣٤٣٣)، ولو عزاه لأحمد في مسنده)) (٥٧١٣) لكان أولى. (٢) سلف عند البخاري برقم (٢٩١٩). ١٥ باب ٥ / ح ٥٧٨٨- ٥٧٩١ كتاب اللباس ٥- باب مَن جرَّ ثوبهمِن الخُیَلاء ٥٧٨٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَلَ/ قال: ((لا يَنظُرُ اللهُ يومَ القيامةِ إلى مَن جَرَّ إزارَه بَطَرًا)). ٢٥٨/١٠ ٥٧٨٩- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ زیادٍ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: قال النبيُّ وَِّ أو قال أبو القاسمِ وَلِــ: ((بينما رجلٌ يَمْشي في خُلَّةٍ تُعجِبُهُ نفسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَه، إِذْ خَسَفَ الله به، فهو يَتَجَلْجَلُ إلى يومِ القيامةِ)). ٥٧٩٠- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، أنَّ أباه حدَّثه، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: (بَيْنا رجلٌ يَجُّ إزارَه خُسِفَ به، فهو يَتَجلَّلُ في الأرضِ إلى يومِ القيامةِ)). تابَعَه يونسُ، عن الزُّهْريِّ. ولم يرفَعْه شُعَيبٌ، عن أبي هريرةَ. ٥٧٩٠م - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِیر، أخبرنا أبي، عن عَمِّه جَرِیرِ بنِ زيدٍ، قال: كنتُ معَ سالم بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ على باب دارِه، فقال: سمعتُ أبا هريرةَ، سمعَ النبيَّ ◌َلّ ... نحوَه. ٥٧٩١ - حدَّثْنَا مَطَرُّ بنُ الفَضْلِ، حَدَّثنا شَبَابةُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، قال: لَقِيتُ مُحارِبَ بنَ دِقَارِ على فرسٍ وهو يأتي مكانَه الذي يَقْضي فيه، فسألتُه عن هذا الحديثِ، فحدَّثني، فقال: سمعتُ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما يقول: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((مَن جَرَّ ثوبَه مَخِيلةً، لم يَنظُرِ الله إليه يومَ القيامةِ)). فَقلتُ لمُحاربٍ: أَذَكَر إزارَه؟ قال: ما خَصَّ إزاراً ولا قميصاً. تابَعَه جَبَلةُ بنُ سُحَيمٍ وزيدُ بنُ أسلَمَ وزيدُ بنُ عبدِ الله، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّل. وقال اللَّيِثُ: عن نافعٍ، مِثْلَه. وتابَعَه موسى بنُ عُقْبَةَ وعمرُ بنُ محمَّدٍ وقُدَامةُ بنُ موسى، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وََّ: «مَنْ جَرَّ ثوبَه)). ١٦ باب ٥ / ح ٥٧٨٨ - ٥٧٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب مَن جَرَّ ثوبه من الخُيَلاءِ)) أي: بسببِ الخُيَلاء. أورد فیه ثلاثة أحادیث: الأول: حديث أبي هريرة بلفظ: ((لا يَنظُر الله إلى مَن جَرَّ إزاره بَطَرًا))، ومثله لأبي داود والنَّسائيِّ في حديث أبي سعيد المذكور قريباً(١). والبَطَر: بمُوخَّدةٍ ومُهمَلة مفتوحَتَينٍ، قال عِيَاض: جاء في الرّواية ((بَطَرًا)) بفتح الطاء على المصدَر، وبكسرها على الحال من فاعل ((جَرَّ))، أي: جَرَّه تكبُّراً وطُغياناً، وأصل البَطَر: الطُّغيان عند النِّعمة، واستُعمِلَ بمعنى التكبُّر. وقال الرَّاغِب: أصل البَطَر: دَهَشِّ يَعتَري المرءَ عند هُجوم النِّعمة عن القيام بحَقِّها. قوله: ((لا يَنظُرُ الله)) أي: لا يرحمُه، فالنَّظَر إذا أُضيفَ إلى الله كان مَجَازاً(٢)، وإذا أُضيفَ إلى المخلوق كان كِنايةً، ويحتمل أن يكون المراد لا يَنظُر الله إليه نظرَ رحمة، وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): عَبَّرَ عن المعنى الكائن عند النَّظَر بالنَّظَرِ، لأنَّ مَن نظرَ إلى متواضع رَحِمَه، ومَن نظرَ إلى مُتْكَبِّرِ مَقَتَه، فالرَّحمة والمَقْت مُتَسَّبان عن النَّظَر. وقال الكِرْمانيُّ: نسبة النَّظَر لمن يجوز عليه النَّظرُ كِناية، لأنَّ مَن اعتَدَّ بالشَّخصِ التَّفَتَ إليه، ثمَّ كَثُرَ حتَّى صارَ عِبارةً عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النَّظَر، وهو تقليب الحَدَقة، والله مُنَزَّه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مَجَازٌ عَّ وَقَعَ في حقّ غيره كِناية. ٢٥٩/١٠ وقوله: ((يومَ القيامة)) إشارة إلى أنَّه مَحَلّ الرَّحمة المستَمِرّة، بخِلَاف رحمة الدُّنيا فإنّها قد تَنقَطِع بما يَتَجَدَّد من الحوادث. ويُؤْيِّد ما ذُكِرَ من حمل النَّظَر على الرَّحمة أو المَفْت ما أخرجه الطبرانيُّ (٦٣٨٤) - وأصله في أبي داود (٤٠٨٤) - من حديث أبي جُرَيّ: ((إنَّ رجلاً ممَّن كان (١) ص ١٢، في شرح الباب رقم (٤). (٢) سبق مراراً التنبيهُ إلى أنَّ مذهب السلف الصالح في الصفات والأفعال الواردة في حق الله تعالى هو إمرارُها كما جاءت من غير صرف لظاهر الكلام عن حقيقته، وإثباتُها له تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تمثيل ولا تكييف، ومِن هذا النظرُ، فصرفه إلى المجاز تأويل من غير ضرورة تلجئ إليه، والاحتمال الثاني الذي أورده الحافظ من أنه تعالى لا ينظر إليه نظر رحمة أقربُ إلى الصواب، والله تعالى أعلم. ١٧ : باب ٥ / ح ٥٧٨٨-٥٧٩١ كتاب اللباس قبلكم ◌َبِسَ بُرْدة فتَبَختَرَ فيها، فَنَظَرَ الله إليه فمَقَتَه، فأمَرَ الأرضَ فَأخَذَته)) الحديث. قوله: (مَن)) يتناول الرِّجال والنِّساء في الوعيد المذكور على هذا الفِعل المخصوص، وقد فَهِمَت ذلك أمّ سَلَمة رضي الله عنها، فأخرج النَّسائيُّ (٥٣٣٦) والتِّرمِذيّ (١٧٣١) وصَحَّحَه من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر مُتَّصِلاً بحديثِه المذكور في الباب الأوَّل: فقالت أمّ سَلَمة: فكيف تَصنَع النِّساءُ بذُيولِهِنَّ؟ فقال: ((يُرِينَ شِبرا) فقالت: إذاً تَنكَشِفَ أقدامُهنَّ، قال: ((فيُرِينَهَ ذِراعاً لا يَزِدنَ عليه))، لفظ التِّرمِذيّ. وقد عَزَا بعضهم هذه الزّيادة لمسلمٍ فَوَهِمَ، فإنَّها ليست عنده، وكأنَّ مسلماً أعرَضَ عن هذه الزّيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود (٤١١٨) والنَّسائيُّ (٥٣٣٩) وغيرهما من طريق عُبيد الله بن عمر عنه سليمان بن يَسار عن أمّ سَلَمة، وأخرجه أبو داود (٤١١٧) من طريق أبي بكر بن نافع، والنَّسائيُّ (٥٣٣٨) من طريق أيوب بن موسى ومحمّد ابن إسحاق، ثلاثتهم عن نافع عن صَفيَّة بنت أبي عُبيد عن أمّ سَلَمة، وأخرجه النَّسائيُّ (٥٣٣٧) من رواية يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أمّ سَلَمة نفسها، وفيه اختلافات أُخرَى، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود (٤١١٩) من رواية أبي الصِّدّيق عن ابن عمر قال: رَخَّصَ رسول الله وَّ لِأُمَّهات المؤمنينَ شِبراً، ثمَّ استَزَدْنَه فزادَهُنَّ شِبراً، فكُنَّ يُرسِلنَ إلينا فنَذْرَعُ لهنَّ ذِراعاً، وأفادَت هذه الرِّواية قَدْر الذِّراع المأذون فيه وأنَّه شِبران بشِيرِ اليد المعتَدِلة. ويُستَفاد من هذا الفَهْم التعقُّبُ على مَن قال: إنَّ الأحاديث المطلقة في الزّجر عن الإسبال، مُقيّدة بالأحاديثِ الأُخرى المصرِّحة بمَن فَعَلَه خُيَلاء، قال النَّوويّ: ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجرِّ خُيَلاءَ يقتضي أنَّ التَّحريم مُخْتَصّ بالخُيَلاء؛ ووجه التعقّب أنَّه لو كان كذلك لمَا كان في استفسار أمّ سَلَمة عن حُكم النِّساء في جَرّ ذُيولهنَّ معنّى، بل فَهمَتِ الَّجرَ عن الإسبال مُطلَقاً سواء كان عن مَخِيلة أم لا، فسألَت عن حُكم النِّساء في ذلك لاحتياجِهِنَّ إلى الإسبال من أجل سَتْر العَوْرة، لأنَّ جميع قَدِمِها عَوْرة، فبيَّن لها أنَّ حُكمَهنَّ في ذلك خارج ١٨ باب ٥ / ح ٥٧٨٨ -٥٧٩١ فتح الباري بشرح البخاري عن حُكم الرِّجال في هذا المعنى فقط، وقد نَقَلَ عِيَاض الإجماعَ على أنَّ المنع في حقّ الرِّجال دونَ النِّساء، ومُراده مَنْع الإسبال، لتقريرهِ وَ﴿ أَمَّ سَلَمة على فهمها، إلّا أنَّه بيَّن لها أنَّه عام مخصوص، لتَفرِقَتِهِ في الجواب بين الرِّجال والنِّساء في الإسبال، وتبيينه القَدْر الذي يُمنَع ما بعده في حَقُّهنَّ كما بيَّن ذلك في حقّ الرِّجال. والحاصل أنَّ للرّجال حالَينِ: حال استحباب: وهو أن يَقتَصِر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز: وهو إلى الكعبين، وكذلك للنِّساءِ حالان: حال استحباب: وهو ما يزيد على ما هو جائز الرِّجال بقَدرِ الشِّبر، وحال جواز بقَدرِ ذِراع، ويُؤْيِّد هذا التَّفصيل في حقّ النِّساء ما أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٥٩٣٦) من طريق مُعتَمِر عن حُميدٍ عن أنس: أنَّ النبيَّ وَّهِ شَبَرَ لفاطمة من عَقِبها شِبراً، وقال: ((هذا ذَيْل المرأة))(١)، وأخرجه أبو يَعْلى (٣٧٩٦) بلفظ: شَبَرَ من ذَيلِها شِبراً أو شِبرَينِ، وقال: ((لا تَزِدنَ على هذا» ولم يُسمِّ فاطمة، قال الطبرانيُّ: تفرَّد به مُعتَمِر عن حُميدٍ. قلت: و((أو)) شكٌّ من الراوي، والذي جَزَمَ بالشِّبرِ هو المعتمَد، ويُؤيِّده ما أخرجه التِّرمِذيّ (١٧٣٢) من حديث أمّ سَلَمة: أنَّ النبيَّ ◌َلِّ شَبَرَ لفاطمة شِبراً(٢). ويُستَنْبَط من سياق الأحاديث: أنَّ التَّقييد بالجرِّ خَرَجَ للغالب، وأنَّ البَطَر والتَّختُر مذموم ولو لمن شَمَّرَ ثوبه، والذي يجتمع من الأدلّة أنَّ مَن قَصَدَ بالملبوسِ الحسنِ إظهارَ نِعْمة الله عليه مُستَحِضِراً لها شاكراً عليها، غيرَ مُخْتَقِر لمن ليس له مِثلُه، لا يَضُرّه ما لَبِسَ من المباحات، ولو كان في غاية النَّفاسة، ففي ((صحيح مسلم)) (٩١) عن ابن مسعود: أنَّ ٢٦٠/١٠ رسول الله بَّه قال: ((لا يَدخُل الجنَّة مَن كان في قلبه مثقالُ ذَرّة من كِبْر)»/ فقال رجل: إنَّ الرجل يُحِبّ أن يكون ثوبه حسناً ونَعْله حَسَنة، فقال: ((إنَّ الله جميل يُحِبّ الجمال، الكِبرُ: بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ الناس))، وقوله: ((وغَمْط)) بفتح المعجَمة وسكون الميم ثمَّ مُهمَلة: الاحتقار. (١) إسناده ضعيف، وكذا حديث أبي يعلى الآتي. (٢) إسناده ضعيف أيضاً. ١٩ باب ٥ / ح ٥٧٨٨-٥٧٩١ كتاب اللباس وأمَّا ما أخرجه الطَّبَريُّ من حديث عليّ: إنَّ الرجل يُعجِبه أن يكون شِراكُ نَعلِه أجود من شِراك صاحبه، فيَدخُل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٨٣](١)، فقد جَمَعَ الطَّبَرُّ بينه وبين حديث ابن مسعود: بأنَّ حديث عليّ محمول على مَن أحَبَّ ذلك ليَتَعَظَّم به على صاحبه، لا مَن أحَبَّ ذلك ابتهاجاً بنِعْمة الله عليه، فقد أخرج التِّرمِذيّ (٢٨١٩) وحَسَّنَه من رواية عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه رَفَعَه: ((إنَّ الله يُحِبّ أن يرى أثرَ نِعمَته على عبده))، وله شاهد عند أبي يَعْلى (١٠٥٥) من حديث أبي سعيد، وأخرج النَّسائيُّ (٥٢٢٣) وأبو داود (٤٠٦٣)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٤١٦) والحاكم (٢٤/١ -٢٥) من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك الجُشَميّ عن أبيه: أنَّ النبيّ وَّه قال له ورآه رَثَّ الثّياب: ((إذا آتاك الله مالاً فليَرَ أثرَه عليك)) أي: بأن يَلْبَسَ ثياباً تليق بحاله من النَّاسة والنَّظافة، لِيَعرِفَه المحتاجونَ للطَّلَبِ منه، مع مراعاة القصد وترك الإسراف جمعاً بين الأدلّة. تكملة: الرجل الذي أبهمَ في حديث ابن مسعود: هو سَوَاد بن عَمْرو الأنصاريّ، وأخرجه الطَّبَرِيُّ(٢) من طريقه، ووَقَعَ ذلك لجماعةٍ غیرهِ. الحديث الثاني: قوله: «قال النبيّ وَآل﴾، أو قال أبو القاسم ◌َّێ)) شكّ من آدم شيخ البخاريّ، وقد أخرجه مسلم (٤٩/٢٠٨٨) من رواية غُندَر وغيره عن شُعْبة فقالوا: عن النبيّ وَلِّ، وكذا أخرجه من روایة الرَّبیع بن مسلم عن محمّد بن زیاد. قوله: ((بينما رجل)) زاد مسلم (٢٠٨٨/ ٥٠) من طريق أبي رافع عن أبي هريرة: (مَّن كان قبلكم))، ومن ثَمَّ أخرجه البخاريّ في ذِكْر بني إسرائيل كما مضى (٣٤٨٥)، وخَفِيَ هذا على (١) أخرجه الطبري في «تفسیره)) ١٢٢/٢٠ وسنده ضعيف جداً، والجمع المذكور بينه وبين حديث ابن مسعود لم يرد فيه، والظاهر أنه في (تهذيب الآثار)) له، والله تعالى أعلم. (٢) كذا وقع في أصول ((الفتح))، فلعله في كتابه ((التهذيب)) كما في التعليق السابق. وأخرجه الطبراني أيضاً في «المعجم الكبير)) (٦٤٧٧) بسند لا بأس به. ٢٠ باب ٥ / ح ٥٧٨٨ - ٥٧٩١ فتح الباري بشرح البخاري بعض الشُّاح، وقد أخرجه أحمد (١١٣٥٦) من حديث أبي سعيد، وأبو يَعْلى (٤٣٠٢) من حديث أنس، وفي روايتهما أيضاً: ((مَّن كان قبلكم))، وبذلك جَزَمَ النَّوويّ، وأمَّا ما أخرجه أبو يَعْلى (٦٦٩٩) من طريق كُرَيب قال: كنت أقودُ ابنَ عبَّاس فقال: حدَّثني العبّاس قال: بينا أنا مع رسول الله ﴿ إذا أقبَلَ رجل يَتَبَختَرَ بين ثوبَين ... الحديث، فهو ظاهر في أنَّه وَقَعَ في زمن النبيّ ◌َِّ، فسنده ضعيف، والأوَّل صحيح، ويحتمل التعدُّد، أو الجمع بأنَّ المراد مَن كان قبل المخاطَبِين بذلك كأبي هريرة، فقد أخرج أبو بكر بن أبي شَيْبة وأبو يَعْلى - وأصله عند أحمد (٩٣٤٦)، ومسلم (٢٠٨٨/ ٥٠) - أنَّ رجلاً من قريش أتى أبا هريرة في حُلّة يَتَبختَر فیها، فقال: يا أبا هريرة، إنَّك تُكثِر الحديث، فهل سمعته يقول في حُلَّتي هذه شيئاً؟ فقال: والله إنَّكم لَتُؤْذونَنا، ولولا ما أخَذَ الله على أهل الكتاب لَيُبيِّنُنَّه للنّاس ولا يَكتُمُونَه، ما حَدَّثْتُكم بشيءٍ، سمعت ... فذكر الحديث، وقال في آخره: فوالله ما أدري لعلَّه کان من قومِك. وذكر السُّهَيليّ في ((مُبهَمات القرآن)) في سورة ((والصّافّات)) عن الطَّبَريّ: أنَّ اسم الرجل المذكور الَيَزَن، وأنَّه من أعراب فارس. قلت: وهذا أخرجه الطََّرِيُّ في ((التاريخ)) (٢٤١/١) من طريق ابن جُرَيج عن شُعَيب الْجَبَائِي(١)، وجَزَمَ الكَلَاباذيُّ في ((معاني الأخبار)»: بأنَّه قارون، وكذا ذكر الجَوْهريّ في ((الصِّحاح))، وكأنَّ المستَنَد في ذلك ما أخرجه الحارث بن أبي أسامة(٢) من حديث أبي هريرة وابن عبّاس بسندٍ ضعيف جدّاً قالا: خَطَبَنا رسول الله وَاتٍ ... فذكر الحديث الطّويل، وفيه: ((ومَن لَبِسَ ثوباً فاختالَ فيه، خُسِفَ به من شَغِير جَهَنَّم، فيَتَجَلْجَل فيها، لأنَّ قارون ◌َبِسَ حُلّة فاختالَ فيها فخُسِفَ به الأرض فهو يَتَجَلجَل فيها إلى يوم القيامة)). وروى الطَّبَريُّ في ((التاريخ)) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة قال: ذكر لنا أنَّه يُحْسَف بقارون كلَّ يومٍ قامَة، وأَنَّه يَتَجَلجَل فيها لا يَبلُغْ قَعَرَها إلى يوم القيامة. (١) وقع في المطبوع من ((التاريخ)) أنَّ اسم الرجل هينون! وشعيب الجبائي هذا أخباريُّ متروك كما في ترجمته من ((ميزان الاعتدال)). (٢) ((بغية الباحث عن زوائد الحارث)) (٢٠٥).