Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
باب ٥٠ / ح ٥٧٦٦
كتاب الطب
رِجْليَّ، ثمَّ قال أحدُهما لصاحبِهِ: ما وَجَعُ الرجلِ؟ قال: مَطْبوبٌ، قال: ومَن طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بنُ
الأعصَمِ اليهوديُّ من بني زُرَبِقِ، قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطِةٍ، وجُفِّ طَلْعةٍ ذَكَرٍ،
قال: فأينَ هو؟ قال: في بثْرِ ذي أَرْوانَ))، قال: فذهب النبيُّ ◌َّه في أُناسٍ من أصحابه إلى البثْرِ،
فنَظَرَ إليها وعليها نَخْلٌ، ثمَّ رَجَعَ إلى عائشةَ فقال: ((والله لَكَأنَّ ماءَها نُقَاعةُ الحِنّاءِ، ولَكَأنَّ
نَخْلَها رؤوسُ الشَّيَاطِينِ)) قلتُ: يا رسولَ الله، أفأخرَجْتَه؟ قال: ((لا، أمّا أنا فقد عافانيَ الله وشَفَاني،
وخَشِيتُ أن أُنْوِّرَ على الناسِ منه شَرّاً))، وأمَرَ بها فدُفِنَت.
قوله: ((باب السِّحْر)) كذا وَقَعَ هنا للكثير، وسَقَطَ لبعضِهم، وعليه جَرَى ابنُ بَطّال ٢٣٦/١٠
والإسماعيليّ وغيرهما، وهو الصَّواب؛ لأنَّ التَّرجمة قد تقدَّمَت بعينِها قبلُ ببابَينِ، ولا يُعهَد
ذلك للبخاريِّ إلّا نادِراً عند بعضٍ دونَ بعض.
وذكر حديثَ عائشة من رواية أبي أُسامة فاقتَصَرَ الكثير منهم على بعضه، من أوَّله إلى
قوله: ((يفعل الشَّيء وما فعلَه))، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((أَنَّه فعل الشَّيء وما فعلَه))، ووَقَعَ
سِياقُ الحديث بكماله في رواية الكُشْمِيهنيِّ والمُستَمْلِي، وكذا صَنَعَ النَّسَفيُّ، وزاد في آخره
طريق يحيى القَطّان عن هشام إلى قوله: ((صَنَعَ شيئاً ولم يصنعه))، وقد تقدَّم سنداً ومتناً
لغيره في كتاب الجِزية (٣١٧٥). وأغفَلَ الِزِيُّ في ((الأطراف)) ذِكْرَها هنا، وذكر هنا رواية
الحميديّ عن سفيان، ولم أرَها ولا ذكرها أبو مسعود في ((أطرافه)).
واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الساحر لا يُقتَل حَدّاً إذا كان له عهد، وأمَّا ما أخرجه
التِّرمِذيّ (١٤٦٠) من حديث جُندُب رَفَعَه قال: ((حَدُّ الساحر ضربةٌ بالسَّيفِ) ففي سنده
ضعف، فلو ثَبَتَ لَخُصّ منه مَن له عهد، وتقدَّم في الجِزية(١) من رواية بَجَالة: أنَّ عمر
كَتَبَ إليهم: أن اقتُلوا كلَّ ساحر وساحرة، وزاد عبد الرَّزّاق (٩٩٧٢) عن ابن جُرَيج عن
عَمْرو بن دينار في روايته عن بَجَالة: فقتلنا ثلاثَ سواحر، أخرج البخاريّ (٣١٥٦) أصل
الحديث دونَ قصَّة قتل السُّواحر.
(١) عند شرح الحديث (٣١٥٦).

٦٢٢
باب ٥١ / ح ٥٧٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بَطّال: لا يُقتَل ساحر أهل الكتاب عند مالك والزُّهْريّ إلّا أن يَقتُل بسحره
فيُقْتَل، وهو قول أبي حنيفة والشافعيّ، وعن مالك: إن أدخَلَ بسحره ضَرَراً على مسلم لم
يُعاهَدْ عليه نُقِضَ العهد بذلك فيَحِلّ قتلُه، وإنَّما لم يَقتُل النبيُّ وَّهِ لبيدَ بن الأعصَم لأنَّه
كان لا يَنْتَقِم لنفسِه، ولأنَّ خَشِيَ إذا قتله أن تَثُور بذلك فتنةٌ بين المسلمينَ وبين حُلَفائه من
الأنصار، وهو من نَمَطِ ما راعاه من تركِ قتل المنافقينَ، سواء كان لبيدٌ يهوديّاً أو مُنافقاً على
ما مَضَى من الاختلاف فيه.
قال: وعند مالك: أنَّ حُكْم الساحر حُكم الزّنديق، فلا تُقبَل توبتُه، ويُقتَل حَدّاً إذا
ثَبَتَ عليه ذلك، وبه قال أحمد، وقال الشافعيّ: لا يُقتَل إلّا إن اعتَرَفَ، أنه قتل بسحره
فِيُقْتَل به، فإن اعتَرَفَ أنَّ سحرَه قد يَقتُل وقد لا يَقتُل، وأنَّه سَحَرَه وأنَّه ماتَ، لم يَجِبْ
عليه القِصاص، ووَجَبَتِ الدّيةُ في ماله لا على عاقلته، ولا يُتصوَّر القتل بالسِّحرِ بالبيِّنَة،
انتھی.
وادَّعَى أبو بكر الرَّازُّ في ((الأحكام)): أنَّ الشافعيّ تفرَّد بقولِه: إنَّ الساحر يُقتَل
قِصاصاً إذا اعتَرَفَ أنَّه قتل بسحره، والله أعلم. قال النَّوويّ: إن كان في السِّحر قول أو
فِعل يقتضي الكفرَ، كفرَ الساحر، وتُقبَل توبته إذا تابَ عندنا، وإذا لم یکن في سِحره ما
يقتضي الكفرَ، عُزِّرَ واستيبَ.
٥١- بابٌ من البیان سحرٌ
٥٧٦٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ
رضي الله عنهما: أنَّ قَدِمَ رجلانٍ منَ المشرقِ، فخَطَبًا فعَجِبَ الناسُ لبيانِهما، فقال رسولُ اللهِّ:
((إنَّ منَ البيانِ لَسِحْراً) أو ((إنَّ بعضَ البيانِ لَسِخْرٌ)).
قوله: ((بابٌ من البيان ◌ِخْرٌ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ والأَصِيليّ: السِّحرُ.
٢٣٧/١٠
قوله: ((قَدِمَ رجلان)) لم أقِفْ على تسميتهما صريحاً، وقد زَعَمَ جماعة: أنَهما الزِّبرِقان -
بكسر الزّاي والرَّاء بينهما موحَّدة ساكنة وبالقاف - واسمه الحُصَين ولُقِّبَ الزِّبرِقان لحُسنِهِ،

٦٢٣
باب ٥١ / ح ٥٧٦٧
كتاب الطب
والزِّبرِقان من أسماء القمر، وهو ابن بدر بن امرِئ القيس بن خَلَف، وعَمْرو بن الأهتَم،
واسم الأهتَم: سِنان بن سُمَيّ، يجتمع مع الزِّبِرِقان في كعب بن سعد بن زيدٍ مَناة بن ◌َیم،
فهما تَيميّان، قَدِما في وفد بني تميم على النبيّ وَّ سنة تسع من الهجرة، واستَنَدوا في تعيينهما
إلى ما أخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٣١٦/٥-٣١٧) وغيره من طريق مِقسَم عن ابن
عبَّاس قال: جَلَسَ إلى رسول الله بِّهِ الزّيرِ قانُ بن بدر وعَمْرو بن الأهتَم وقيس بن عاصم،
فَخَرَ الزِّبرِقانُ فقال: يا رسول الله، أنا سَيِّد بني تميم والمطاعُ فيهم والمجاب، أمنَعُهم من
الظُّلم وآخذ منهم بحقوقِهم، وهذا يعلم ذلك؛ يعني: عَمْرَو بن الأهتَم، فقال عَمْرو: إنَّه
لَشديد العارضة، مانعٌ لجانبِهِ، مُطاعٌ في أُذُنَيه، فقال الزِّبِرِقان: والله يا رسول الله لقد علم
مِنِّي غيرَ ما قال، وما مَنَعَه أن يتكلَّم إلّ الحسدُ، فقال عَمْرو: أنا أحسُدك! والله يا رسول الله
إنَّه لَئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مُضَيَّع في العَشِيرة، والله يا رسول الله وَ ﴿ لقد صَدَقتُ
في الأولى وما كَذَبتُ في الآخرة، ولكنّي رجل إذا رَضِيتُ قلتُ أحسن ما علمتُ، وإذا غَضِبتُ
قلتُ أقبَحَ ما وجدتُ. فقال النبيّ وَّ: ((إنَّ من البيان سِحراً)).
وأخرجه الطبرانيُّ(١) من حديث أبي بَكْرة قال: كنَّا عند النبيّ وَِّ، فَقَدِمَ عليه وفد بني
تَيم عليهم قيس بن عاصم والزّبِرِقان وعَمْرو بن الأهتَم، فقال النبيّ ◌ََّ لعَمِرٍو: ((ما
تقول في الزِّبرِقان؟)) فذكر نحوه، وهذا لا يَلزَم منه أن يكون الزِّبِقان وعَمْرو هما المراد
بحديث ابن عمر، فإِنَّ المتكلِّم إنَّما هو عَمْرو بن الأهتَم وحده، وكان كلامه في مُراجَعة
الزِّبرِقان، فلا يَصِحّ نسبةُ الْخُطبة إليهما إلّا على طريق التَّجَوُّز.
قوله: ((من المشرق)) أي: من جهة المشرق، وكانت سُكنَى بني تَميم من جهة العراق،
وهي في شرقيّ المدينة.
(١) هو عنده في ((الأوسط)) (٧٦٧١)، وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٨/ ١١٧ للكبير أيضاً، وقال: رواه عن
محمد بن موسى الإصطخري عن الحسن بن كثير بن يحيى بن أبي كثير ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.
قلنا: ترجم للثاني ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٣٤/٣، ونقل عن أبيه أنه مجهول، وترجم الحافظ
في «اللسان» ٤٠١/٥ لإصطخري وقال: شیخ مجهول.

٦٢٤
باب ٥١ / ح ٥٧٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فَخَطَبا، فعَجِبَ الناسُ لبيانهما)) قال الخطَّبيُّ: البيانُ اثنان: أحدهما: ما تقعُ به
الإبانةُ عن المراد بأيِّ وجه كان، والآخر: ما دَخَلَته الصَّنعةُ بحيثُ يَرُوق للسامعينَ
ويَستَميل قلوبهم، وهو الذي يُشَبَّه بالسِّحرِ إذا خَلَبَ القلبَ وغَلَبَ على النَّفْس، حتَّى يُحُوِّل
الشَّيءَ عن حقيقته ويَصِرِفَه عن جِهَته، فَلُوح للنّاظِرِ في مَعرِض غيره، وهذا إذا صُرِفَ إلى
الحقّ يُمدَح، وإذا صُرِفَ إلى الباطل يُذَمّ. قال: فعلى هذا فالذي يُشَبَّه بالسِّحرِ منه هو
المذموم. وتُعقّبَ بأنَّه لا مانع من تسمية الآخر سِحراً، لأنَّ السِّحر يُطلَق على الاستمالة كما
تقدَّم تقريره في أوَّل باب السِّحر.
وقد ◌َلَ بعضهم الحديثَ على المدح والحَتُّ على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، وهذا
واضح إن صَحَّ أنَّ الحديث وَرَدَ في قصَّة عَمْرو بن الأهتَم، وَلَه بعضهم على الذَّمّ لمن
تَصَنَّعَ في الكلام وتَكلَّفَ لتحسينِهِ وصَرَفَ الشَّيءَ عن ظاهره، فشُبِّهَ بالسِّحرِ الذي هو
تخييل لغير حقيقة، وإلى هذا أشارَ مالك حيثُ أدخَلَ هذا الحديث في ((الموطَّأ)) (٩٨٦/٢) في
(باب ما يُكرَه من الكلام بغير ذِكْر الله))، وتقدَّم في ((باب الخِطبة)) من كتاب النكاح (٥١٤٦)
٢٣٨/١٠ في الكلام على حديث الباب من قول صَعصَعة بن صُوحَان في تفسير هذا الحديث/ ما يُؤيِّد
ذلك، وهو أنَّ المراد به الرجل يكون عليه الحقُّ، وهو الحَن بالحُجّة من صاحب الحقّ،
فَيَسحَر الناسَ ببيانه فيذهب بالحقّ، وحملُ الحديث على هذا صحيح، لكن لا يُمنَع حملُه على
المعنى الآخر إذا كان في تزيين الحقّ، وبهذا جَزَمَ ابن العربيّ وغيره من فُضَلاء المالكيَّة.
وقال ابن بَطّال: أحسنُ ما يقال في هذا: أنَّ هذا الحديث ليس ذَمّاً للبيان كلَّه ولا مَدحاً،
لقوله: ((من البيان))، فأتى بلفظة ((مِن)) التي للتَّبعيض، قال: وكيف يُذَمّ البيان وقد امتَنَّ الله
به على عباده حيثُ قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ بْ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤]؟ انتهى،
والذي يظهر أنَّ المراد بالبيان في الآية المعنى الأوَّل الذي نَبَّهَ عليه الخطَّبيّ، لا خُصوصُ ما
نحنُ فيه. وقد اتَّفَقَ العلماء على مَدْح الإيجاز، والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظِ اليسيرة، وعلى
مَدْح الإطناب في مقام الخطابة بحَسَبِ المقام، وهذا كلّه من البيان بالمعنى الثّاني، نعم الإفراطُ
في كلّ شيء مذموم، وخير الأُمور أوسَطُها، والله أعلم.

٦٢٥
باب ٥٢ / ح ٥٧٦٨ - ٥٧٦٩
كتاب الطب
٥٢- باب الدّواء بالعَجْوة للسّحر
٥٧٦٨- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا مَرْوانُ، أخبرنا هاشمٌ، أخبرنا عامرُ بنُ سعدٍ، عن أبيه ◌ُ،
قال: قال النبيُّ ◌َّ: «مَن اصْطَبَحَ كلَّ يومٍ تَمَراتِ عَجْوةٍ، لم يَضُرَّه سَمٌّ ولا سِحْرٌ ذلك اليومَ إلى
اللَّيلِ)).
وقال غيرُهُ: ((سبعَ تَمَراتٍ)).
٥٧٦٩- حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هاشمُ بنُ هاشمٍ، قال:
سمعتُ عامَرَ بنَ سعدٍ، سمعتُ سَعْدَاً لَّه يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ وََّ يقول: ((مَن تَصَبَّحَ
سبعَ تَمَراتِ عَجْوةٍ، لم يَضُرَّه ذلك اليومَ سَمٌّ ولا سِحْرٌ)).
قوله: ((باب الدَّواء بالعَجْوةِ للسِّحْرِ)» العجوة: ضرب من أجود تمر المدينة وألينه، وقال
الدَّاوُودِيُّ: هو من وَسَط التَّمر، وقال ابن الأثير: العجوة: ضربٌ من التَّمر أكبر من الصَّيْحانيّ
يَضرِب إلى السَّواد، وهو ممّا غَرَسَه النبيّ وَ لَّ بِيَدِه بالمدينة. وذَكَرَ هذا الأخير القَزّاز.
قوله: ((حدَّثنا عليّ) لم أرَه منسوباً في شيء من الرّوايات، ولا ذكره أبو عليّ الغسَّانيّ،
لكن جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) بأنَّه عليّ بن عبد الله، يعني: ابن المَدِينيّ، وبذلك جَزَمَ
المِّيّ في ((الأطراف))، وجَزَمَ الكِرْمانيُّ: بأنَّه عليّ بن سَلَمة اللَّبَقي، وما عرفتُ سَلَفَه فيه.
قوله: ((حدَّثْنا مَرْوان)) هو ابن معاوية الفَزَاريّ، جَزَمَ به أبو نُعَيم، وأخرجه مسلم
(٢٠٤٧/ ١٥٥) عن محمَّد بن يحيى بن أبي عمر عن مروان الفَزاريِّ.
قوله: (هاشم)) هو ابن هاشم بن عُتبةَ بن أبي وقّاص، وعامر بن سعد: هو ابن عمِّ أبيه،
ووَقَعَ في رواية أبي أُسامة في الطَّريق الثّانية في الباب: سمعتُ عامراً سمعتُ سعداً، ويأتي بعد
قليل (٥٧٧٩) من وجه آخر: سمعتُ عامر بن سعد سمعتُ أبي؛ وهو سعد بن أبي وقّاص.
قوله: ((مَن اصْطَبَحَ)) في رواية أبي أُسامة: ((مَن تَصَبَّحَ))، وكذا في رواية جمعة عن مروان
الماضية في الأطعمة (٥٤٤٥)، وكذا لمسلم عن ابن أبي عمر، وكلاهما بمعنى التَّنَاوُل صَباحاً،
وأصل الصَّبُوحِ والاصطِباح: تَناوُل الشَّراب صُبحاً، ثمَّ استُعمِلَ في الأكل، ومُقابِله: الغَبُوق

٦٢٦
باب ٥٢ / ح ٥٧٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
والاغتباق بالغَينِ المعجَمة، وقد يُستَعمَل في مُطلَق الغِذاء أعَمَّ من الشُّرب والأكل، وقد
يُستَعمَل في اعَمَّ من ذلك كما قال الشّاعر(١):
صَبَحْنا الخَزْرِجَيَّةَ مُرهَفاتٍ
وتَصَبَّحَ مُطاوعٍ صَبَّحتُه بكذا: إذا أتيته به صباحاً، فكأنَّ الذي يَتَناول العجوةَ صباحاً قد
٢٣٩/١٠ أُتي بها، وهو مثل: تَغَدَّى وتَعَشَّى: إذا وَقَعَ ذلك/ في وقت الغداء أو العِشاء.
قوله: ((كلّ يومٍ تَمَراتِ عَجْوةٍ) كذا أُطلقَ في هذه الرِّواية، ووَقَعَ مُقيَّداً في غيرها، ففي
رواية ◌ُمعة وابن أبي عمر (٢): ((سبع تمرات))، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية دُحَيم عن
مروان، وكذا هو في رواية أبي أُسامة في الباب، ووَقَعَ مُفِيَّداً بالعجوة في رواية أبي ضَمْرة
أنس بن عِيَاض عن هاشم بن هاشم عند الإسماعيليّ، وكذا في رواية أبي أسامة، وزاد أبو
ضَمْرة في روايته الثَّقييدَ بالمكان أيضاً ولفظه: ((مَن تَصَبَّحَ بسبع تمراتِ عجوة من تمر
العاليَة))، والعاليَة: القُرَى التي في الجهة العالية من المدينة وهي جهة نَجْد، وقد تقدَّم لها
ذِكْر في المواقيت من كتاب الصلاة (٥٥٠)، وفيه بيان مِقْدار ما بينها وبين المدينة. وللزّيادة
شاهد عند مسلم (٢٠٤٨) من طريق ابن أبي مليكة(٣) عن عائشة بلفظ: ((في عجوة العالية
شِفاءٌ في أوَّل البُكْرة)، ووَقَعَ لمسلم (٢٠٤٧/ ١٥٤) أيضاً من طريق أبي طُوَالة عبد الله بن
عبد الرَّحمن الأنصاريّ عن عامر بن سعد بلفظ: ((مَن أكَلَ سبع تمراتٍ ممّاً بين لابَتَيَها حين
يُصبح))، وأراد لابَتَي المدينة(٤) وإن لم يَجرِ ها ذِكْر للعِلْمِ بها.
قوله: ((لم يَضُرَّه سَمّ ولا سِحْر ذلك اليومَ إلى اللَّيل)) السَّمّ: معروف، وهو مُثَلَّث السّين،
والسِّحر تقدَّم تحرير القول فيه قريباً.
(١) هو كعب بن زهير بن أبي سلمى، والمعنى: أنهم سَقَوْا الخزرج صَبُوحَ السيوف المرهَفات، أي: المرقَّقات
في صنعتهنَّ. انظر ((شرح ديوان الحماسة)) للتبريزي ١/ ٤٠٧.
(٢) رواية جمعة سلفت عند البخاري برقم (٥٤٤٥)، ورواية ابن أبي عمر عند مسلم (٢٠٤٧) (١٥٥).
(٣) كذا قال، وهو وهمٌّ صوابه: ابن أبي عَتيق، وسيتكرر خطأً عدة مرات.
(٤) لابَتَا المدينة: حَرَّتاها من الشرق والغرب، فالشرقية هي حرَّة واقم، والغربية هي حرَّة الوَبَرة، والحرَّة:
أرض واسعة ذات حجارة سُود بركانيّة.

٦٢٧
باب ٥٢ / ح ٥٧٦٩
كتاب الطب
وقوله: ((ذلك اليومَ)) ظَرْف وهو معمول ليَضُرّه، أو صِفَة لسِحر.
وقوله: ((إلى اللَّيل)) فيه تقييد الشِّفاء المطلَق في رواية ابن أبي مليكة حيثُ قال: ((شِفاء
أوَّلَ الْبُكْرة، أو تِرِياق))، وتَرَدُّده في شفاء أو (١) تِرياق شكٌّ من الراوي، والبُكْرة بضمِّ الموحّدة
وسكون الكاف يوافق ذِكْر الصَّباح في حديث سعد، والشِّفاء أشمل من التِّرياق، لأنَّ
التِّرْياق(٢) يناسب ذِكْر السَّمّ، والذي وَقَعَ في حديث سعد شيئان: السِّحر والسَّمّ، فمعه زيادة
علم، وقد أخرج النَّسائيُّ (ك٦٦٨٣) من حديث جابر رَفَعَه: «العَجْوة من الجنَّة، وهي
شِفاء من السَّمّ))(٣)، وهذا يوافق رواية ابن أبي مليكة.
والتِّرياق: بكسر المثنّاة وقد تُضَمّ وقد تُبدَل المثنّة دالاً أو طاءً بالإهمال فيهما، وهو دواء
مُركَّب معروف يُعالَج به المسموم، فأطلَقَ على العَجْوة اسم التِّرياق تشبيهاً لها به.
وأمَّا الغاية في قوله: ((إلى اللَّيل)) فمفهومه أنَّ السّ الذي في العجوة من دفع ضَرَر
السِّحر والسَّمّ يَرتفع إذا دَخَلَ اللَّيلُ في حَقّ مَن تَناولَه من أوَّل النَّهار، ويُستَفاد منه إطلاقُ
اليوم على ما بين طلوع الفجر أو الشمس إلى غروب الشمس، ولا يَسْتَلِزِم دخولَ اللَّيل،
ولم أقِفْ في شيء من الطّرق على حُكم مَن تَناولَ ذلك في أوَّل اللَّل، هل يكون كمَن تَناولَه
أوَّل النَّهارِ حَتَّى يَندَفِعَ عنه ضَرَر السَّمّ والسِّحر إلى الصَّباح؟ والذي يظهر خَصُوصيّة ذلك
بالتَّنَاوُلِ أوَّل النَّهار؛ لأنَّه حينئذٍ يكون الغالبُ أنَّ تَناوُله يقع على الرِّيق، فيحتمل أن يَلحَق
به مَن تَناولَ أولَ اللَّیل على الرِّيق کالصّائم، وظاهرُ الإطلاق أيضاً المواظبة على ذلك. وقد
وَقَعَ مُقِيَّداً فيما أخرجه الطَّبَريُّ(٤) من رواية عبد الله بن نُمَير عن هشام بن عُرْوة عن أبيه
عن عائشة: أنَّها كانت تأمُر بسبع تمرات عجوة في سبع غَدَوات، وأخرجه ابن عَديّ (١٩٥/٦)
(١) قوله: «شفاء أو)) سقط من (س).
(٢) قوله: («لأنَّ الترياق)) سقط من (س).
(٣) إسناده ضعيف.
(٤) لو عزاه لابن أبي شيبة ١٨/٨ -١٩ لكان أولى، فقد رواه مباشرة عن عبد الله بن نمير، ولم نقف علیه عند
الطبري.

٦٢٨
باب ٥٢ / ح ٥٧٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن الطُّفَاويّ عن هشام مرفوعاً، وذكر ابن عَديّ: أنَّه تفرَّد به،
ولعلَّه أراد تَفرُّده برفعِه، وهو من رجال البخاريّ لكن في المتابعات.
قوله: «وقال غيره: سبعَ تَمَراتٍ» وَقَعَ في نُسخة الصَّغَانيّ: يعني: غیر حديث عليٍّ. انتهى،
والغَيْرِ كأنَّه أراد به جُمعةَ، وقد تقدَّم في الأطعمة (٥٤٤٥) عنه، أو غيره ممَّن نَبَّهتُ عليه ممَّن
رواه كذلك.
قوله في رواية أبي أسامة: ((سبعَ تَمَراتِ عَجْوةٍ» في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((بسبع تمراتٍ))
بزيادة الموخَّدة في أوَّله، ويجوز في ((تَراتِ عجوةٍ) الإضافة فتُخْفَض كما تقول: ثيابُ خٍَّ،
ويجوز التَّنوين على أنَّه عطفُ بيانٍ، أو صِفَة لسبع أو تَمراتٍ، ويجوز النَّصب مُنوّناً على تقدير
فِعْل، أو على التَّمييز.
قال الخطَّبيُّ: كَونُ العجوة تَنفَع من السَّمّ والسِّحر إنَّما هو ببَرَكة دعوة النبيّ وَّ لِتَمرِ
المدينة، لا لخاصّيَّةٍ في الثَّمر. وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكون المراد نَخلاً خاصّاً بالمدينة لا
يُعرَف الآن. وقال بعض شُرّاح ((المصابيح)) نحوه، وأنَّ ذلك لخاصّيَّةٍ فيه، قال: ويحتمل أن
٢٤٠/١٠ يكون ذلك خاصّاً بزمانه وق لقه؛ وهذا/ يُبعِده وصفُ عائشة لذلك بعده ◌َله.
وقال بعض شُرّاح ((المشارق)): أمَّا تخصيص تمر المدينة بذلك، فواضحٌ من ألفاظ المتن،
وأمَّا تخصيص زمانه بذلك فبعيد، وأمَّا خَصُوصيّة السَّبع فالظّاهر أنَّه لِرِّ فيها، وإلّا
فُيُستَحَبّ أن يكون ذلك وتراً. وقال المازَرِيّ: هذا ممّا لا يُعقَل معناه في طريقة عِلْم الطِّبّ،
ولو صَحَّ أن يُخرَّج لمنفعة التَّمر في السَّمّ وجهٌ من جهة الطِّبّ، لم يُقدَر على إظهار وجه الاقتصار
على هذا العَدَد الذي هو السَّبع، ولا على الاقتصار على هذا الجِنس الذي هو العجوة، ولعلَّ
ذلك كان لأهلِ زمانه وَّه خاصّةً أو لأكثرهم، إذ لم يَتْبُت استمرارُ وقوع الشِّفاء في زماننا غالباً،
وإن وُجِدَ ذلك في الأكثر مُلَ على أنَّه أراد وصفَ غالب الحال.
وقال عِيَاض: تخصيصه ذلك بعجوة العاليَةِ وبما بين لابَتَي المدينة يَرفَعُ هذا الإشكال،
ويكون خصوصاً لها، كما وُجِدَ الشِّفاء لبعضِ الأدواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك

٦٢٩
باب ٥٢ / ح ٥٧٦٩
كتاب الطب
البلاد دونَ ذلك الجِنْس في غيره، لتأثيرٍ يكون في ذلك من الأرض أو الهواء. قال: وأمَّا
تخصيصُ هذا العَدَد فلجمعِه بين الأفراد والأشفاع، لأنَّه زاد على نصف العَشَرة، وفيه
أشفاعٌ ثلاثة وأوتارٌ أربعة، وهي من نَمَط غَسْل الإناء من وُلوغ الكلب سبعاً، ومن قوله
تعالى: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وكما أنَّ السَّبعينَ مُبالَغة في كَثْرة العشرات، والسَّبع
مئة مُبالَغة في كَثْرة المِئِينَ.
وقال النَّوويّ: في الحديث تخصيصُ عجوة المدينة بما ذُكِرَ، وأمَّا خصوص كَونِ ذلك
سبعاً، فلا يُعقَل معناه، كما في أعداد الصَّلَوات ونُصُب الزَّكَوات، قال: وقد تَكلَّمَ في ذلك
المازَرِيّ وعياض بكلامٍ باطل، فلا يُغتَرّ به. انتهى، ولم يظهر لي من كلامهما ما يقتضي
الحكمُ عليه بالبُطْلان، بل كلام المازَرِيّ يشير إلى محصَّل ما اقتَصَرَ عليه النَّوويّ، وفي كلام
عِيَاض إشارة إلى المناسَبة فقط، والمناسَبات لا يُقصَد فيها التَّحقيق البالغ بل يُكتَفَى منها
بطرف الإشارة.
وقال القُرطُبيّ: ظاهر الأحاديث خَصُوصيّة عجوة المدينة بدفع السَّمّ وإبطال السِّحر،
والمطلَق منها محمول على المقَيَّد، وهو من باب الخواصّ التي لا تُدرَك بقياسٍ ظنِيّ، ومن أئمَّتنا
مَن تَكلَّفَ لذلك فقال: إنَّ السُّمومِ إِنَّا تَقتُل لإفراطِ بُرودَتها، فإذا داومَ على التَّصَبُّح
بالعجوة تَحَكَّمَت فيه الحرارة، وأعانَتها الحرارة الغريزيَّة، فقاومَ ذلك برودةَ السَّمّ ما لم يَستَحكم.
قال: وهذا يَلزَم منه رفعُ خَصُوصيَّة عجوة المدينة، بل خَصُوصيّة العجوة مطلقاً، بل خَصُوصيّة
الثَّمر، فإنَّ من الأدوية الحارّة ما هو أولى بذلك من التَّمر، والأَوْلى أنَّ ذلك خاصّ بعجوة
المدينة. ثمَّ هل هو خاصٌّ بزمان نُطِقِه أو في كلّ زمان؟ هذا مُتَمَل، ويَرفَع هذا الاحتمال
التَّجرِبةُ المتكَرِّرة، فمَن جَرَّبَ ذلك فصَحَّ معه عُرِفَ أَنَّه مُستَمِّ، وإلّا فهو مخصوص بذلك
الزَّمان. قال: وأمَّا خَصُوصيَّة هذا العَدَد فقد جاء في مَواطِن كثيرة من الطِّبّ، كحديثٍ: ((صُبُّوا
عليَّ من سبع قِرَب)(١)، وقوله للمفؤود الذي وَجَّهَه للحارثِ بن كَلَدة: أن يَلُدّه بسبع تمرات(٢)،
(١) تقدم برقم (١٩٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٧٥) من حديث سعد، ورجاله ثقات إلّا أنَّ فيه انقطاعاً.

٦٣٠
باب ٥٣ / ح ٥٧٧٠ - ٥٧٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وجاء تعويذُه سبع مرَّات(١)، إلى غير ذلك، وأمَّا في غير الطِّبّ فكثير، فما جاء من هذا العَدَد
في مَعِرِض التَّداوي فذلك لخاصّيَّةٍ لا يَعلَمُها إلّا الله، أو مَن أطلَعَه على ذلك، وما جاء منه في
غير مَعرِض التَّداوي، فإنَّ العرب تضع هذا العدَدَ موضعَ الكَثْرة وإن لم تُرِدْ عَدَداً بعينِهِ.
وقال ابن القَيِّم: عجوة المدينة من أنفَع تمر الحِجاز، وهو صِنفٌ كريم مُلَّز متين الجسم
والقوّة، وهو من أليَن الثَّمر وألَذّه. قال: والثّمر في الأصل من أكثر الثِّمار تغذيةً لما فيه من
الجوهر الحارّ الرَّطْب، وأكله على الرِّيق يَقتُل الدِّيدان لما فيه من القوّة التِّرياقيَّة، فإذا أُديمَ
أكله على الرّيق جَفَّفَ مادّة الدُّود وأضعفَه، أو قتله. انتهى، وفي كلامه إشارة إلى أنَّ المراد
نوع خاصٍّ من السَّمّ، وهو ما يَنشَأ عن الدّيدان التي في البطن، لا كلَّ السُّموم، لكن سياق
الخبر يقتضي التَّعميم لأنَّ نَكِرةٌ في سياق النَّفي، وعلى تقدير التَّسليم في السَّمّ، فماذا يصنع
في السِّحر؟
٢٤١/١٠
٥٣ - بابٌ لا هامَةَ
٥٧٧٠- حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسُفَ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ،
عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ، قال: قال النبيُّ ◌َ: ((لا عَذْوَى ولا صَفَرَ ولا هامَةَ)) فقال
أعرابيٌّ: يا رسولَ الله، فما بالُ الإبلِ تكونُ في الرَّمْلِ كأنَّها الظُّاءُ، فيُخالِطُها البعيرُ الأجْرَبُ
فيُجْرِبُها؟ فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((فمَن أعدَى الأوَّلَ؟)).
٥٧٧١ - وعن أبي سَلَمَةَ، سمعَ أبا هريرةَ بَعْدُ يقول: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يُورِدَنَّ ◌ُمرضٌ على
مُصِحّ)، وأنكَرَ أبو هريرةَ الحديثَ الأوَّلَ، قُلْنا: ألم تُحدِّثْ أَنَّه لا عَدْوَى؟ فَرَطَنَ بِالحَبَشِيَّةِ، قال
أبو سَلَمَةَ: فما رأيتُهُ نَسِيَ حديثاً غيرَه.
[طرفه في: ٥٧٧٤]
قوله: ((بابٌ لا هامَةَ)) قال أبو زيد: هي بالتَّشديد، وخالَفَه الجميع فخَفَّفوها، وهو المحفوظ
(١) كحديث عثمان بن أبي العاص الثقفي عند مسلم (٢٢٠٢): (( ... وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من
شر ما أجد وأحاذر)).

٦٣١
باب ٥٣ / ح ٥٧٧١
كتاب الطب
في الرّواية، وكأنَّ مَن شَدَّدَها ذهب إلى واحدة الهوَامّ: وهي ذوات السُّموم، وقيل: دَوابٌ
الأرض التي تَهُمُّ بأذَى الناس، وهذا لا يَصِحّ نفيُه، إلّا إن أُرِيدَ أنَّها لا تَضُرّ لذواتها، وإنَّما
تَضُرّ إذا أراد الله إيقاعَ الضَّرَر بمَن أصابته.
وقد ذكر الزُّبَير بن بَكّار في ((الموفَّقّات)): أنَّ العرب كانت في الجاهليّة تقول: إذا قُتِلَ
الرجل ولم يُؤْخَذ بثَاره، خَرَجَت من رأسه هامَةٌ - وهي دودة - فتدور حول قبره، فتقول:
اسقوني اسقوني، فإن أُدرِكَ بثأرِه ذهبت، وإلّا بَقِيَت، وفي ذلك يقول شاعرهم(١):
يا عَمْرُو إلّا تَدَعْ شَتْمي ومَنقَصَتي أضرِبْك حتَّى تقولَ الهامةُ اسْقُوني
قال: وكانت اليهود تَزُم أنّها تدور حولَ قبره سبعة أيام ثمَّ تذهب. وذكر ابن فارس
وغيره من اللُّغَويّينَ نحو الأوَّل، إلّا أنَّهم لم يُعيِّنوا كونَها دودة، بل قال القَزّاز: الهامة طائر
من طير اللَّيل، كأنَّه يعني البُومة، وقال ابن الأعرابيّ: كانوا يَتشاءَمونَ بها، إذا وَقَعَت على
بيت أحدهم يقول: نَعَتَ إليَّ نفسي أو أحداً من أهل داري، وقال أبو عُبيد: كانوا يَزْعُمونَ أنَّ
عِظام الميِّت تصير هامةً فتطير، ويُسَمُّونَ ذلك الطائر الصَّدَى.
فعلى هذا فالمعنى في الحديث: لا حياة لهامةِ المَيِّت، وعلى الأوَّل: لا شُؤمَ بالبُومة ونحوها،
ولعلَّ المؤلِّف تَرجَمَ: ((لا هامة)) مرَّتَينِ بالنَّظَرِ لهَذَينِ التَّفسيرَين، والله أعلم.
قوله: ((عن أبي سَلَمة)) في رواية شُعَيب عن الزّهْريِّ: حدَّثني أبو سَلَمة، وهي في الباب
الذي بعده (٥٧٧٣).
قوله: ((لا عَدْوى)) تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في («باب الجُدام)) (٥٧٠٧) وكيفيَّ الجمع بين
قوله: ((لا عَدْوى) وبين قوله: ((لا يُورِد مُمْرِض على مُصِحّ))، وكذا تقدَّم شرح قوله: ((ولا
صَفَرَ ولا هامةَ)).
قوله: ((فقال أعرابيّ)» لم أَقِفْ على اسمه.
(١) هو ذو الإصبَعَ العَدْواني، شاعر جاهليّ، وهذا البيت من قصيدة له قالها في ابن عمِّ له كان ينافسه ويُهاجيه.
انظر ((خزانة الأدب)) للبغدادي ٧/ ١٨٢ - ١٨٣.

٦٣٢
باب ٥٣ / ح ٥٧٧١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «تكون في الرَّمْلِ كأنَّها الظُّباء)» في رواية شُعَيب عن الزُّهْرِيِّ في الباب الذي يليه
(٥٧٧٥): ((أمثال الظِّباء)) بكسر المعجمة بعدها موخَّدة وبالمدِّ: جمع ظَبِي، شَبَّهَها بها في النَّشاط
والقوّة والسَّلامة من الدّاء.
قوله: ((فُيُجِرِبُها)) في رواية مسلم (١٠١/٢٢٢٠): ((فَيَدخُل فيها ويُجرِبها)) بضمٍّ أوَّله،
وهو بناء على ما كانوا يعتقدونَ من العدوى، أي: یکون سبباً لوقوع الجرب بها، وهذا من
٢٤٢/١٠ أوهام الجهّال، كانوا يَعتَقِدونَ أنَّ المريض إذا دَخَلَ في الأصِحَاء أمرَضَهم، فَنَفَى / الشّارعُ
ذلك وأبطَلَه، فلمَّا أورَدَ الأعرابيّ الشُّبهةَ، رَدَّ عليه النبيّ ◌َ بقولِه: ((فمَن أعدَى الأوَّل؟»،
وهو جواب في غاية البلاغة والرَّشاقة، وحاصله: من أين جاء الجَرَبُ للَّذي أعدَى بزَعيِهم؟
فإن أُجيبَ: من بعيرٍ آخر، لَزِمَ التَّسلسُلُ، أو سببٍ آخر فليُقْصِحْ به، فإن أُجيبَ بأنَّ الذي فَعَلَه
في الأوَّل هو الذي فَعَلَه في الثّاني، ثَبَتَ المدَّعَى: وهو أنَّ الذي فعل بالجميع ذلك هو الخالق
القادر على كلّ شيء، وهو الله سبحانه وتعالى.
قوله: ((وعن أبي سَلَمة، سمعَ أبا هريرة بَعْدُ يقول: قال رسول الله وَ له: لا يُورَِنَّ مُرِضٌ
على مُصِحّ)) كذا فيه بتأكيدِ النَّهي عن الإيراد، ولمسلم (٢٢٢١/ ١٠٤) من رواية يونس عن
الزُّهْريِّ: ((لا يُورِدُ)) بلفظ النَّفي، وكذا تقدَّم من رواية صالح وغيره(١)، وهو خبرٌ بمعنى
النَّھي بدلیلٍ رواية الباب.
والمُعْرِض بضمٌ أوَّله وسکون ثانیه وکسر الرَّاء بعدها ضاد مُعجَمة: هو الذي له إبلّ
مَرضَى، والمُصِحّ بضمِّ الميم وكسر الصّاد المهمَلة بعدها مُهمَلة: مَن له إبلِّ صِحَاح، نَى
صاحبَ الإبل المريضة أن يُورِدها على الإبل الصَّحيحة، قال أهل اللَّغة: المُعْرِض: اسم
فاعل من أمرَضَ الرجلُ: إذا أصاب ماشيتَه مرض، والمُصِحّ اسم فاعل من: أصحّ: إذا أصاب
ماشيتَه عامةٌ، ثمَّ ذهب عنها وصَخَّت.
قوله: ((وأنكَرَ أبو هريرة الحديثَ الأوَّل)) وَقَعَ في رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسيِّ: ((حديثَ
(١) نعم تقدمت رواية صالح برقم (٥٧١٧) لكن ليس فيها هذا الحرف، وهو فيها عند مسلم (٢٢٢١) (١٠٥).

٦٣٣
باب ٥٣ / ح ٥٧٧١
كتاب الطب
الأوَّلِ))، وهو كقولهم: مسجدُ الجامع، وفي رواية يونس عن الزّهْريِّ عن أبي سَلَمة: كان
أبو هريرة يُحدِّثهما كِلَيهما عن رسول الله وَّهِ، ثمَّ صَمَتَ أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: ((لا
عدوی)).
قوله: ((وقُلْنا: ألم تُحدِّث: أنَّه لا عَدْوى)) في رواية يونس: فقال الحارث بن أبي ذُبَاب
- بضمِّ المعجَمة وموخَّدتَين، وهو ابن عمّ أبي هريرة -: قد كنتُ أسمَعك يا أبا هريرة
تُحدِّثُنا مع هذا الحديث حديث: ((لا عَدوى)) فأَبَى أن يَعرِف ذلك، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ
من رواية شُعَيب: فقال الحارث: إنَّك حَدَّثْتَنا ... فذكره: قال: فأنكَرَ أبو هريرة وغَضِبَ،
وقال: لم أُحدِّثك ما تقول.
قوله: ((فَطَنَ بِالحَبَشِيَّةِ)) في رواية يونس: فماراهُ الحارثُ في ذلك حتَّى غَضِبَ أبو هريرة
حتَّى رَطَنَ بالحبشيَّة، فقال للحارثِ: أتدري ماذا قلتُ؟ قال: لا، قال: إنّ قلت: أَبَيْتُ.
قوله: ((فما رأيتُه)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: فما رأيناه («نَسِيَ حديثاً غيرَه)) في رواية يونس:
قال أبو سَلَمة: ولَعَمْري لقد كان يُحدِّثنا به، فما أدري أنسيَ أبو هريرة، أم نَسَخَ أحدُ القولَينِ
الآخرَ. وهذا الذي قاله أبو سَلَمة ظاهر في أنَّه كان يَعتَقِد أنَّ بين الحديثَينِ تمامَ التَّعارُض،
وقد تقدَّم وجهُ الجمع بينهما في ((باب الجُذام)) (٥٧٠٧)، وحاصله: أنَّ قوله: ((لا عَدَوَى))
نَهيٌ عن اعتقادها، وقوله: ((لا يُورِد) سبب النَّهي عن الإيراد خَشْبةَ الوقوع في اعتقاد العَدْوى،
أو خَشْية تأثير الأوهام، كما تقدَّم نَظِيره في حديث: ((فِرَّ من المجذوم)) (٥٧٠٧)، لأنَّ الذي
لا يَعتَقِد أنَّ المُذام يُعدي يَجِدُ في نفسه نُفرةً، حتَّى لو أكرهَها على القُرب منه لَتَأَّت بذلك،
فالأَولى بالعاقل أن لا يَتعرَّض لِمثل ذلك، بل يُباعِد أسبابَ الآلام ويجانِب طرق الأوهام،
والله أعلم.
قال ابن التِّين: لعلَّ أبا هريرة كان يسمع هذا الحديث قبل أن يسمع من النبيّ ټ﴿ حديث:
((مَن بَسَطَ رِداءَه ثمَّ ضَمَّه إليه، لم يَنْسَ شيئاً سمعَه من مَقَالتي))(١)، وقد قيل في الحديث المذكور:
(١) سلف عند البخاري برقم (١١٩).

٦٣٤
باب ٥٣ / ح ٥٧٧١
فتح الباري بشرح البخاري
إنَّ المراد أنَّه لا يَنسَى تلك المقالةَ التي قالها ذلك اليوم، لا أنَّ يَنتَفي عنه النِّسيانُ أصلاً. وقيل:
كان الحديث الثّاني ناسخاً للأوَّل، فسَكَتَ عن المنسوخ، وقيل: معنى قوله: ((لا عَدْوى)):
الَّهي عن الاعتداء، ولعلَّ بعض مَن أَجلَبَ عليه إيلاً جَرْباءَ أراد تضمينَه، فاحتَجَّ عليه في
إسقاط الضَّمان بأنَّه إنَّما أصابها ما قُدِّرَ عليها وما لم تكن تَنجُو منه، لأنَّ العَجماء جُبَار(١)،
ويحتمل أن یکون قال هذا على ظنّه، ثمّ تَبَّن له خلاف ذلك، انتھی.
فأمَّا دَعْوى نِسْيان أبي هريرة للحديثِ، فهو بحَسَبٍ ما ظنَّ أبو سَلَمة، وقد بيَّنت ذلك
روايةُ يونس التي أشرتُ إليها، وأمَّا دَعْوى النَّسخ فمردودة، لأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه
٢٤٣/١٠ بالاحتمال، ولا سيّما مع إمكان/ الجمع، وأمَّا الاحتمال الثّالث فبعيد من مَسَاق الحديث،
والذي بعده أبعَدُ منه، ويحتمل أيضاً أنَّهما لمَّا كانا خَبَرَينِ مُتغايِرَينٍ عن حُكمَينٍ مُتَلِفَيْنِ لا
مُلازَمَ بينهما، جازَ عنده أن يُحدِّث بأحدِهما ويَسكُت عن الآخر حَسبَما تدعو إليه الحاجة،
قاله القُرطُبيّ في ((المفهم))، قال: ويحتمل أن يكون خافَ اعتقاد جاهل يَظُنّهما مُتَنَاقَضَينٍ فسَكَتَ
عن أحدهما، وكان إذا أَمِنَ ذلك حدَّث بهما جميعاً.
قال القُرطُبيّ: وفي جواب النبيّ ◌َّهِ للأعرابيِّ جوازُ مُشافَهة مَن وَقَعَت له شُبْهة في
اعتقاده بذِكْر البرهان العقليّ إذا كان السائل أهلاً لفَهمِه، وأمَّا مَن كان قاصراً فيُخاطَب
بما يحتمله عقلُه من الإقناعيّات. قال: وهذه الشُّبهة التي وَقَعَت للأعرابيِّ هي التي وَقَعَت
للطَّبائعيّين أوَّلاً، وللمُعتَزِلة ثانياً، فقال الطَّبائعيّون بتأثير الأشياء بعضها في بعض
وإيجادها إيّاها، وسَمَّوا المؤَثِّر طبيعةً، وقال المعتَزِلة بنحوِ ذلك في الحيوانات والمتولِّدات،
وأنَّ قُدْرتهم مُؤَثِّرة فيها بالإيجاد، وأنَّهم خالقونَ لأفعالهم مُستَقِلّونَ باختراعِها، واستَنَّدَ
الطائفتان إلى المشاهَدة الحِسّيَّة، ونَسَبوا مَن أنكَرَ ذلك إلى إنكار البديهة، وغَلِطَ مَن قال
ذلك منهم غَلَطاً فاحشاً، لالتباس إدراك الِحِسّ بإدراك العقل، فإنَّ المشاهَد إنَّما هو تأثير
شيء عند شيء آخر، وهذا حَظُّ الِحِسّ، فأمَّا تأثيره فهو فيه حَظِّ العقل، فالحِسّ أدرَكَ
(١) كما في حديث أبي هريرة السالف برقم (١٤٩٩): والعجماء: البهيمة، وجُبَار: هدرٌ، والمعنى: أنَّ جناية البهيمة
لیس فیھا ضمان.

٦٣٥
باب ٥٤ / ح ٥٧٧٢ - ٥٧٧٦
كتاب الطب
وجودَ شيء عند وجود شيء، وارتفاعَه عند ارتفاعه، أمَّا إيجادُه به فليس للحِسِّ فيه
مَدخَل، فالعقل هو الذي يُفرِّق، فيُحكَم بتَلازُمِهما عقلاً أو عادةً، مع جواز التَّبدُّل عقلاً،
والله أعلم.
وفيه وقوع تشبيه الشَّيء بالشَّيءٍ إذا جمعهما وصفٌ خاصّ، ولو تَبايَنا في الصّورة. وفيه
شِدّة وَرَع أبي هريرة، لأَنَّه مع كَونِ الحارث أغضَبَه حتَّى تَكلَّمَ بغير العربيَّة، خَشِيَ أن يَظُنّ
الحارث أنَّه قال فيه شيئاً يكرهه، ففَسَّرَ له في الحال ما قال، والله أعلم.
٥٤- بابٌ لا عَذوی
٥٧٧٢- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال:
أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله وحمزةُ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِوَالت:
(لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، إنَّا الشُّؤْمُ في ثلاثٍ: في الفرسِ والمرأةِ والدّارِ)).
٥٧٧٣- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ
عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: إنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((لا عَدْوَى)).
٥٧٧٤ - قال أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: سمعتُ أبا هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّه قال: ((لا تُورِدُوا
المُمْرِضَ على المُصِحِّ)).
٥٧٧٥ - وعن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سِنانُ بنُ أبي سِنانِ الدُّؤَلِيُّ، أنَّ أبا هريرةَ ◌َ﴾ قال: إنَّ
رسولَ اللهِ﴿ قال: «لا عَدْوَى)) فقامَ أعرابيٌّ فقال: أرأيتَ الإبلَ تكونُ في الرِّمالِ أمثالَ الظِّبَاءِ،
فيأتيهِ البعيرُ الأجْرَبُ فتَجْرَبُ؟ قال النبيُّ وَّهِ: ((فمَن أعدَى الأوَّلَ؟)).
٥٧٧٦ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا ابنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ قَتَادةَ، عن
أنسِ بنِ مالكٍ ◌َُ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ويُعْجِبُني الفَأْلُ)) قالوا: وما الفَأْلُ؟
قال: ((كلمةٌ طِّةٌ)).
قوله: ((بابٌ لا عَدْوى)) تقدَّم تفسيرها (٥٧٠٧).
٢٤٤/١٠
/

٦٣٦
باب ٥٤ / ح ٥٧٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
وذكر في الباب ثلاثة أحاديث:
الأول: قوله: ((أخبَرَني سالم بن عبد الله)) أي: ابن عمر.
قوله: «وحمزةُ)) هو أخو سالم.
قوله: ((أنَّ عبدَ الله بنَ عمر)) قال في رواية مسلم (١١٦/٢٢٢٥) عن أبي الطاهر وحَرمَلة
كلاهما عن ابن وَهْب بهذا السَّنَد: عن عبد الله بن عمر عن النبيّ ◌َ﴾، وتقدَّم في أوائل
النِّاح (٥٠٩٣) من طريق مالك عن الزُّهْريِّ عن حمزة وسالم ابنَي عبد الله بن عمر عن
عبد الله بن عمر، وفي تصريح الزّهْريُّ بالإخبار فيه في هذه الرِّواية دفعٌ لتَوهُّمِ انقطاعه
بسببٍ ما رواه ابن أبي ذِئْب عن الزُّهْريّ، فأدخَلَ بين الزُّهْريِّ وسالم رجلاً، وهو محمَّد بن
زيد بن قُنفُذ، ويُحمَل إن كان محفوظاً على أنَّ الزّهْرِيَّ حَلَه عن محمّد بن زيد عن سالم، ثمَّ
سمعه من سالم.
قوله: ((لا عَذْوى ولا طِيَرة، إنَّما الشُّؤْم في ثلاث ... )) الحديث، تقدَّم الكلام على حديث:
((الشُّؤْم في ثلاث)) في النِّكاح، وجمعُ ابن عمر بين الحديثَينِ يدلّ على أنَّه قَوِيَ عنده أحدُ
الاحتمالات في المراد بالشُّؤم، وذكر مسلم: أنَّه لم يَقُل أحد من أصحاب الزُّهْريِّ عنه في
أوَّل هذا الحديث: ((لا عدوى ولا طِيَرة)) إلّا يونس بن يزيد. قلت: وقد أخرجه النَّسائيُّ
(ك ٩٢٣١) من رواية القاسم بن مَبرور عن يونس بدونها، فكأن المنفَرِدَ بالزّيادة عبد الله بن
وهب.
الحديث الثاني: قوله: ((أنَّ أبا هريرة قال: سمعتُ رسول الله ◌ِصَّلي يقول: لا عَذوى. قال أبو
سَلَمة بن عبد الرّحمن: سمعت أبا هريرة، عن النبيّ ◌َّه قال: لا تُورِدوا الممرِضَ على المصِحّ.
وعن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سِنانُ بن أبي سِنان، أنَّ أبا هريرة قال: إنَّ رسول الله وَ ل﴿ قال: لا
عَذوى، فقامَ أعرابيٌّ» فذكر القصّة الماضية في الباب قبله، هكذا أورده من روایة شُعَیب عن
الزُّهْريّ، وقد أخرجه مسلم (١٠٥/٢٢٢١) من روايته عن الزّهْرِيِّ عن أبي سَلَمة بالحديثَین،
لكن لم يَسُقْ لفظه، أحالَ به على رواية صالح بن كَيْسانَ، ولفظه: ((لا عدوى. ويُحدِّث مع

٦٣٧
باب ٥٥ / ح ٥٧٧٧
كتاب الطب
ذلك: لا يُورِدُ المِرِضُ على المصِحّ. قاله بمِثْل حديث يونس))، وقد بيَّنْتُ ما في رواية
يونس من فائدة زائدة في الباب الذي قبله، وأورَدَ أيضاً (١٠٣/٢٢٢٠) رواية شُعَيب عن
الزّهْريِّ عن سِنان بن أبي سِنان بالقصَّة، وأحالَ بسياقه على رواية يونس، فظَهَرَ بذلك أنَّها
كلَّها موصولة.
وسِنانُ بن أبي سِنان مدنيٌّ ثقة، واسم أبيه: يزيد بن أُميَّة، وليس له في البخاريّ عن أبي
هريرة سوى هذا الحديث الواحد، وله آخرُ (٢٩١٠) عن جابر، قَرَنَه في كلّ منهما بأبي سَلَمة
ابن عبد الرَّحمن، والله أعلم.
الحديث الثالث: حديث أنس بلفظ: ((لا عَدْوى ولا طِيَرة، ويُعجِبني الفالُ)) وفيه تفسيره،
وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في بابِ مُفرَد (٥٧٥٦).
٥٥ - باب ما يُذكَر في سَمِّ النبيّ ◌ِ ﴾
رواه عُرْوةُ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َآلِ﴾.
٥٧٧٧- حدَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ أنَّه قال: لمَّا
فُتِحَت خَيْرُ أُهْدِيَت لرسولِ اللهِوَلِ شاةٌ فيها سَمٌّ، فقال رسولُ اللهِ وََّ: ((اجمَعُوا لي مَن كان
هاهُنا منَ اليهودِ) فجُمِعوا له، فقال لهم رسولُ الله ◌َِّ: «إنّ سائلُكم عن شيءٍ، فهل أنتم
صادِقُوني عنه؟)) فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسولُ الله وَلِ: ((مَن أبوكُم؟)) قالوا: أبونا
فلانٌ، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((كَذَبتُم، بل أبوكم فلانٌ)) فقالوا: صَدَقْتَ وبَرِرْتَ، فقال: ((هل
أنتم صادِقُوني عن شيءٍ إن سألتُكم عنه؟)) فقالوا: نعم يا أبا القاسمِ، وإن كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِيَنا
كما عَرَفْتَه في أبِينا، قال لهم رسولُ الله ◌ِّ: ((مَن أهلُ النارِ؟)) فقالوا: نكونُ فيها يَسِيراً، ثمَّ
تَخْلُفونَنا فيها، فقال لهم رسولُ الله ◌َّ: ((اخسَؤُوا فيها! والله لا نَخْلُفُكم فيها أبداً» ثمَّ قال لهم:
((فهل أنتم صادِقُوني عن شيءٍ إن سألتُكم عنه؟)) قالوا: نعم، فقال: ((هل جَعَلتُم في هذه الشّاةِ
سَّاً؟)) فقالوا: نعم، فقال: ((ما حَمَلَكم على ذلكَ؟)) فقالوا: أرَدْنا إن كنتَ كاذباً نَسْتَرِيحُ منكَ،
وإن كنتَ نبيّاً لم يَضُرَّكَ.

٦٣٨
باب ٥٥ / ح ٥٧٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب ما يُذكَر في سمِّ النبيّ ◌َّ)) الإضافة فيه إلى المفعول.
قوله: ((رواه عُرْوة، عن عائشة)) كأنَّه يشير إلى ما عَلَّقَه في الوفاة النبويَّة آخرَ المغازي
(٤٤٢٨) فقال: قال يونس عن ابن شِهاب: قال عُرْوة: قالت عائشة: كان النبيّ وَل يقول
في مرضه الذي ماتَ فيه: ((يا عائشة، ما أزال أجِدُ ألمّ الطَّعام الذي أكَلتُ بخَيْبر، فهذا أوانُ
انقطاع أَبهَري من ذلك السَّمّ) وقد ذكرتُ هناك مَن وَصَلَه، وهو البزَّار وغيره، وتقدَّم
شرحه مُستَوفی.
وقوله: ((أَجِدُ ألَمَ الطَّعام)) أي: الألم الناشئ عن ذلك الأكل، لا أنَّ الطَّعام نفسه بَقِيَ إلى
تلك الغاية، وأخرج الحاكم (٢١٩/٣) من حديث أمّ مُبشِّر نحو حديث عائشة (١)، ثمَّ ذکر
حديث أبي هريرة في قصَّة الشّاة المسمومة التي أُهدَيَت للنبيِّ وَ ل بِخَيْبر، وقد تقدَّم ذِكْره في
غزوة خَيْبر (٤٢٤٩) وأنَّه أخرجه مختصراً، وفي أواخر الجِزية (٣١٦٩) مُطوَّلاً.
قوله: ((أُهدِيَتْ)) بضمِّ أوَّله على البناء للمجهول، تقدَّم في الهِبة (٢٦١٧) من رواية هشام
ابن زيد عن أنس: أنَّ يهوديَّة أتتِ النبيَّ وَِّ بشاةٍ مسمومة، فأكَلَ منها فجيءَ بها ...
الحديث، فعُرِفَ أنَّ التي أهدَتِ الشّاة المذكورة امرأة، وقدَّمتُ في المغازي أنَّها زينب بنت
الحارث امرأة سَلّام بن مِشكَم، أخرجه ابن إسحاق بغير إسناد، وأورَدَه ابن سعد
(٢٠١/٢ -٢٠٣) من طرق عن ابن عبّاس بسندٍ ضعيف. ووَقَعَ في مُرسَل الزّهْريِّ: أنّها
أكثرَتِ السَّمّ في الكَتِفِ والذِّراع، لأنَّه بَلَغَها أنَّ ذلك كان أحَبَّ أعضاء الشّاة إليه، وفيه:
فتناولَ رسول الله وَِّ الكَتِفَ فَنَهَشَ منها، وفيه: فلمَّا ازدَرَدَ لُقْمتَه قال: ((إنَّ الشّاة تُحِبِرني))
يعني: أنَّها مسمومة، وبيَّنتُ هناك الاختلاف: هل قتلها النبيُّ وَّ أَو تَرَكَها؟ ووَقَعَ في
حديث أنس المشار إليه: فقيل: ألا نَقتُلها؟ قال: ((لا)) قال: فما زِلتُ أعرِفها في لَوات رسول الله
وَلّه، وتقدَّم كيفيَّة الجمع بين الاختلاف المذكور. ومن المستَغرَب قولُ محمَّد بن سَخْنون:
أجمَعَ أهلُ الحديث: أنَّ رسول الله وَّل قتلها.
(١) وأخرجه أيضاً أحمد (٩٨٢٧)، وأبو داود (٤٥١٣).
٢٤٥/١٠

٦٣٩
باب ٥٥ / ح ٥٧٧٧
كتاب الطب
قوله: ((اْمَعُوا لي)) لم أقِفْ على تعيين المأمور بذلك.
قوله: ((إنّ سائلُكم عن شيء، فهل أنتم صادِقُوني عنه؟)) كذا وَقَعَ في هذا الحديث في
ثلاثة مواضع، قال ابن التِّين: ووَقَعَ في بعض النُّسَخ: ((صادِقِيٍّ)) بتشديد الياء بغير نون،
وهو الصَّواب في العربيَّةَ، لأنَّ أصله: صادِقُوني، فحُذِفَتِ النُّون للإضافة، فاجتَمَعَ حرفا
عِلّة سَبَقَ الأوَّلُ بالسُّكون، فقُلِبَتِ الواو ياءً وأُدغِمَت، ومثله: ﴿وَمَّ أَنْتُم بِمُصْرِخِىَ﴾
[إبراهيم: ٢٢] وفي حديث بَدْء الوحي (٣): «أوَ مُرِجِيَّ هم؟)) انتهى.
وإنكاره الرِّوايةَ من جهة العربيَّة ليس بجيِّدٍ، فقد وَجَّهَها غيره، قال ابن مالك: مُقتَضَی
الدَّليل أن تَصحَب نونُ الوقاية اسمَ الفاعل وأفعَلَ التَّفضيل والأسماء المعرَبة المضافة إلى
ياء المتكلِّم لتَقِيَها خَفاءَ الإعراب، فلمَّا مُنِعَت ذلك كانت كأصلِ متروك، فنبَّهوا عليه في
بعض الأسماء المعرَبة المشابهة للفِعْل، كقولِ الشّاعر:
وليس المُوافِيني ليُرفَدَ خائباً فإنَّ له أضعافَ ما كان أَمَّلا
ومنه في الحديث: ((غيرُ الدَّجّال أخوَفُني عليك))(١) والأصل فيه: أخوفُ مُوِّفاتي عليكم، ٢٤٦/١٠
فحُذِفَ المضاف إلى الياء وأُقيمت هي مقامَه، فانَّصَلَ أخوفُ بها مقرونة بالّون، وذلك أنَّ
أفعَلَ التَّفضيل شبيه بفِعْلِ التَّعَجُّب. وحاصل كلامه: أنَّ النُّون الباقية هي نون الوقاية،
ونون الجمع حُذِفَت، كما تَدُلّ عليه الرُّواية الأُخرى بلفظ: ((صادقيَّ)) ويُمكِن تخريجه أيضاً
على أنَّ النُّون الباقية هي نون الجمع، فإنَّ بعض النُّحاة أجازَ في الجمع المذكَّر السالم أن
يُعرَب بالْحَرَكات على النُّون مع الواو، ويحتمل أن تكون الياء في مَحَلّ نصبٍ بناءً على أنَّ
مفعول اسم الفاعل إذا كان ضميراً بارزاً مُتَّصِلاً به كان في مَحَلّ نصب، وتكون النُّون على
هذا أيضاً نون الجمع.
قوله: ((مَن أبوكُم؟ قالوا: أبونا فلان، فقال رسول الله وَ له: كَذَّبْتُم، بل أبوكم فلان، فقالوا:
صَدَقْتَ وبَرِزْتَ)) بكسر الرَّاء الأولى وحُكيَ فتحها: وهو من البِرّ.
(١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان.

٦٤٠
باب ٥٥ / ح ٥٧٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((نكون فيها يسيراً، ثمَّ تَخْلُفونَنا فيها)) بضمِّ اللّام مُخُفَّفاً، أي: تَدخُلونَ فْتُقيمونَ في
المكان الذي كنّا فيه، وضَبَطَه الكِرْمانيُّ بتشديد اللّام.
وقد أخرج الطَّبَرَيُّ (٣٨٢/١) من طريق عِكْرمة قال: خاصَمَتِ اليهودُ رسول الله وَيه
وأصحابه فقالوا: لن نَدخُل النار إلّا أربعينَ ليلة، وسيَخلُفُنا إليها قوم آخرونَ - يَعِنُونَ
محمَّداً وأصحابه - فقال رسول الله وَّهِ بَيَدِه على رؤوسهم: ((بل أنتم خالدونَ مُلَّدونَ لا
يَخْلُفكم فيها أحد)) فأنزَلَ الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَنَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ الآية
[البقرة: ٨٠]، ومن طريق ابن إسحاق عن سيف بن سليمان عن مجاهد عن ابن عبّاس: أنَّ
اليهود كانوا يقولون: هذه الدُّنيا سبعة آلاف سنةٍ، وإنَّما نُعَذَّب بكلِّ ألف سنةٍ يوماً في النار،
وإنّما هي سبعة أيام، فنزلت، وهذا سندٌ حسن.
وأخرج الطَّبَرَيُّ أيضاً من وجه آخر عن عِكْرمة قال: اجتَمَعَت يهودُ تُخاصم النبيَّ وَلَيه
فقالوا: لن تُصيبنا النار ... فذكر نحوه، وزاد: فقال النبيّ وَّهِ: ((كذَبْتُم، بل أنتم خالدونَ
مُخَلَّدونَ، لا نَخلُفكم فيها أبداً إن شاء الله تعالى)) فنزلَ القرآن تصديقاً للنبيِّ نَّه، ومن
طريق عبد الرّحمن بن زيد بن أسلَمَ: حدَّثني أَبي زيدُ بن أسلَمَ: أنَّ رسول الله وَ ◌ّه قال
ليهود: ((أنشُدكم اللهَ، مَن أهلُ النار الذينَ ذكرهم الله في التَّوراة؟» قالوا: إنَّ الله غَضِبَ
علينا غَضْبة، فَتَمكُث في النار أربعينَ يوماً، ثمَّ نَخرُج فَتَخلُفونَنا فيها، فقال: ((كَذَبْتُم، والله
لا نَخلُفْكم فيها أبداً» فنزلَ القرآن تصديقاً له. وهذانِ خَبَرَانِ مُرسَلان يُقوِّي أحدهما الآخر،
ويُستَفاد منهما تعيينُ مِقدار الأيام المعدودة المذكورة في الآية، وكذا في حديث أبي هريرة
حيثُ قال فيه: ((أياماً يسيرة)). وأخرج الطَّبَرُّ أيضاً من رواية قَتَادة وغيره: أنَّ حِكمة العَدَد
المذكور - وهو الأربعونَ -: أنَّها المدّة التي عَبَدوا فيها العِجْل.
قوله: ((اخسَؤُوا فيها)) هو زَجْر لهم بالطّردِ والإبعاد، أو دعاءٌ عليهم بذلك.
قوله: ((والله لا نَخْلُفكم فيها أبداً) أي: لا تَّخْرُجونَ منها ولا نُقيم بعدكم فيها، لأنَّ مَن يَدخُل
النار من عُصاة المسلمينَ يَخْرُج منها، فلا يُتصوَّر أنَّه يَخَلُف غيرَه أصلاً.