Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ كتاب الطب رواية الحميديّ (٢٥٩) عن سفيان عن ابن جُرَيج: حدَّثني بعض آل عُرْوة عن عُرْوة، وظاهره أنَّ غير هشام أيضاً حدَّث به عن عُرْوة، وقد رواه غير عُرْوة عن عائشة كما سأُبيِّنْه. وجاء أيضاً من حديث ابن عبّاس وزيد بن أرقم(١) وغيرهما. قوله: ((سَحَرَ النبيَّ ◌َِّ رجلٌ من بني زُرَيق)) بزايٍ قبل الرَّاءِ مُصفَّر. قوله: ((يقال له: لَبِيد)) بفتح اللّام وكسر الموحّدة بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُهمَلة ((بن الأَعْصَم)) بوزنِ أحمر بمُهمَلتَين، ووَقَعَ في رواية عبد الله بن نُمَير عن هشام بن عُرْوة عند مسلم (٢١٨٩/ ٤٣): سَحَرَ النبيَّ ◌َِّ يهوديٌّ من يهود بني زُرَيق، ووَقَعَ في رواية ابن عُيَينَةَ الآتية قريباً: رجلٌ من بني زُرَيق حليفٌ ليهود وكان مُنافقاً، ويُجمَع بينهما: بأنَّ مَن أطلقَ أنَّه يهوديّ، نَظَرَ إلى ما في نفس الأمر، ومَن أطلقَ عليه مُنافقاً، نَظَرَ إلى ظاهر أمره. وقال ابن الجَوْزيّ: هذا يدلُّ على أنَّه كان أسلَمَ نِفاقاً وهو واضح، وقد حكى عِیَاض في ((الشِّفاء)): أنّه كان أسلمَ، ويحتمل أن یکون قيل له: يهوديّ، لگونه کان من حُلَفائهم لا أنَّه کان علی دینهم. وبنو زُریق بطن من الأنصار مشهور من الخزرج، وکان بین کثیر من الأنصار وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حِلفٌ وإخاء ووُدّ، فلمَّا جاء الإسلام ودَخَلَ الأنصار فيه تبرَّؤوا منهم، وقد بيَّن الواقديُّ السَّنةَ التي وَقَعَ فيها السِّحر، أخرجه عنه ابن سعد (٢/ ١٩٧) بسندٍ له إلى عمر بن الحَكَم مُرسَل قال: لمَّا رَجَعَ رسول الله وَلاَ من الحُدَيبية في ذي الحِجّة ودَخَلَ المحرَّم من سنة سبع، جاءت رُؤَساء اليهود إلى لَبيد بن الأعصَم - وكان حَليفاً في بني زُرَيق، وكان ساحراً - فقالوا له: يا أبا الأعصَم، أنتَ أسحَرُنا، وقد سَحَرْنا محمَّداً فلم نَصنَعْ شيئاً، ونحنُ نَجعَل لك جُعْلاً على أن تسحره لنا سِحراً ینگؤُه، فجعلوا له ثلاثة دنانیر. ووَقَعَ في رواية أبي ضَمْرة عند الإسماعيليّ: فأقامَ أربعينَ ليلة، وفي رواية وُهَيب عن هشام (١) حديث ابن عباس عند ابن سعد في ((الطبقات)) ١٩٨/٢- ١٩٩، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٤٨/٦ بإسنادين ضعيفين جداً، وحديث زيد بن أرقم عند أحمد (١٩٢٦٧)، والنسائي (٤٠٨٠) وغيرهما، وانظر تتمة تخريجه والكلام عليه في («مسند أحمد». ٦٠٢ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ فتح الباري بشرح البخاري عند أحمد (١): ستّة أشهُر، ويُمكِن الجمع: بأن تكون السِّة أشهُرِ من ابتداء تَغيُّر مِزاجه والأربعينَ يوماً من استحكامه، وقال السُّهَيلِيّ: لم أقِفْ في شيء من الأحاديث المشهورة على قَدْر المدّة التي مَكَثَ النبيّ وََّ فيها في السِّحر، حتَّى ظَفِرِتُ به في ((جامعِ مَعمَر)) عن الزّهْريِّ: أنَّه لَبِثَ سنةً(٢)، كذا قال، وقد وَجَدناه موصولاً بإسناد ((الصَّحيح))، فهو المعتمد. قوله: ((حتَّى كان رسول الله وَّهِ يُخيَّل إليه أنَّه كان يَفْعَل الشَّيء وما فَعَلَه)) قال المازَرِيّ: أنكَرَ بعضُ المبتَدِعة هذا الحديث، وزَعَموا أنَّه يَحُطّ مَنصِبَ النُّبوّة ويُشَكِّك فيها، قالوا: وكلّ ما أدَّى إلى ذلك فهو باطل، وزَعَموا أنَّ تجويز هذا يُعدِم الثُّة بما شَرَعَه من الشَّرائع، إذ يحتمل على هذا أن يُخَيَّل إليه أنَّه يرى جِبْريل وليس هو ثَمَّ، وأنَّه يُوحَى إليه بشيءٍ ولم يُوحَ إليه بشيءٍ، قال المازَرِيّ: وهذا كلّه مردود، لأنَّ الدَّليل قد قامَ على صِدق النبيّ ◌َِل ٢٢٧/١٠ فيما يُبلِّغه عن الله / تعالى وعلى عِصمَته في التَّبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجویز ما قامَ الدَّليل على خِلافه باطل. وأمَّا ما يَتَعلَّق ببعضِ أمور الدُّنيا التي لم يُبعَث لأجلِها ولا كانت الرّسالةُ من أجلها، فهو في ذلك عُرضة لمَا يَعتَرِض البشرَ كالأمراض، فغيرُ بعيد أن يُیَّل إليه في أمر من أُمور الدُّنيا ما لا حقيقة له مع عِصْمته عن مثل ذلك في أُمور الدّين، قال: وقد قال بعض الناس: إِنَّ المراد بالحديث أنَّه كان ◌َّهِ يُخِيَّل إليه أنَّه وَطِئَ زوجاته ولم يكن وَطَأْهُنَّ، وهذا كثيراً ما يقع تَّخِيُّله للإنسان في المنام، فلا يَبعُد أن يُخْيَّل إليه في اليَقَظة. قلت: وهذا قد وَرَدَ صريحاً في رواية ابن عُيَينَةَ في الباب الذي يلي هذا (٥٧٦٥)، ولفظه: حتَّى كان يرى أنَّه يأتي النِّساءَ ولا يأتيهِنَّ، وفي رواية الحميديّ (٢٥٩): أنَّه يأتي أهله ولا يأتيهم، قال الدَّاوُودُّ: (يُرَى)) بضمٍّ أوَّله، أي: يَظُنّ، وقال ابن التِّين: ضُِطَت ((يَرَى)) بفتح أوَّله. قلت: وهو من الرَّأي لا من الرُّؤية، فَيَرجِع إلى معنى الظَّنّ. وفي مُرسَل يحيى بن يَعمَر عند (١) ليس هو في رواية وهيب التي عنده برقم (٢٤٦٥٠)، بل هي عنده في رواية معمر عن هشام برقم (٢٤٣٤٧). (٢) كذا في (أ) و(ع)، وهو الموافق لما في ((الروض الأنف)) للسهيلي ٢/ ٢٩٠. ٦٠٣ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ كتاب الطب عبد الرَّزاق: سُحِرَ النبيّ وَّهِ عن عائشة حتَّى أَنكَرَ بَصَره (١)، وعنده (١٩٧٦٤) في مُرسَل سعيد بن المسيّب: حتَّى كادَ يُنكِرِ بَصرَه، قال عِيَاض: فَظَهَرَ بهذا أنَّ السِّحر إنَّما تَسَلَّطَ على جسده وظواهر جَوارحِه، لا على تمييزه ومُعتَقَده. قلت: ووَقَعَ في مُرسَل عبد الرَّحمن بن كعب عند ابن سعد (١٩٧/٢-١٩٨): فقالت أُخت لَبيد بن الأعصَم: إن يكن نبياً فسَيُخبَ، وإلّا فسيُذهِلُه هذا السِّحر حتَّى يذهب عقلُه. قلت: فَوَقَعَ الشِّقّ الأوَّل كما في هذا الحديث الصَّحيح. وقد قال بعض العلماء: لا يَلزَمُ من أنَّه كان يَظُنّ أنَّه فعل الشَّيءَ ولم يكن فَعَلَه أن يَجِزِمِ يفِعِلِه ذلك، وإنَّما يكون من جنس الخاطر يَخْطُر ولا يَثْبُت، فلا يَبقَى على هذا للمُلحِدِ حُجّة. وقال عِيَاض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيُّل المذكور: أنَّه يظهر له من نَشاطِهِ ما ألِفَه من سابق عادته من الاقتدار على الوَطْء، فإذا دَنَا من المرأة فَتَرَ ذلك كما هو شأنُ المعقود، ويكون قوله في الرِّواية الأُخرى: حتَّى كادَ يُنكِرِ بَصرَه))، أي: صارَ كالذي أنكَرَ بصرَه بحيثُ إنَّه إذا رأى الشّيء يُيَّل أنَّه على غير صِفَته، فإذا تأمَّلَه عَرَفَ حقيقتَه. ويُؤيِّد جميعَ ما تقدَّم: أنَّه لم يُنقَل عنه في خبر من الأخبار أنَّه قال قولاً فكان بخلاف ما أخبر به. وقال المهلَّب: صَوْن النبيّ وَّه من الشَّياطين لا يَمنَعِ إرادتَهم كَيْدَه، فقد مضى في ((الصَّحيح)) (٤٦١): أنَّ شيطاناً أراد أن يُفسِد عليه صلاته فأمكَنَه الله منه، فكذلك السِّحر ما نالَه من ضَرَره ما يُدخِل نقصاً على ما يَتَعلَّق بالتَّبليغ، بل هو من جنس ما كان يَنالُه من ضَرَر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام، أو عَجْز عن بعض الفِعل، أو حُدوث تَخِيُّل لا يَسْتَمِّ، بل يزول ويُبطِل الله كيدَ الشَّياطين. واستَدَلَّ ابن القَصّار على أنَّ الذي أصابه كان من جِنس المرض بقوله في آخر الحديث: ((فأمَّا أنا فقد شَفَاني الله))، وفي الاستدلال بذلك نظرٌ، لكن يُؤيِّد المدَّعَى أنَّ في رواية عَمْرة عن عائشة عند البيهقيِّ في (الدَّلائل)) (٩٢/٧): (١) هو بهذا اللفظ من كلام عبد الرزاق نفسه في ((المصنف)) ١٣/١١، أما مرسل يحيى بن يعمر عنده (١٩٧٦٥) فهو بلفظ: حُبِس رسول الله وَّه عن عائشة سنةً. وهو من رواية عطاء بن أبي مسلم الخراساني عنه، وعطاء صدوق لکن له أوهام. ٦٠٤ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ فتح الباري بشرح البخاري فكان يَذُوب(١) ولا يَدري ما وَجَعُه، وفي حديث ابن عبّاس عند ابن سعد (١٩٨/٢ -١٩٩): مَرِضَ النبيُّ ◌َّله وأُخِذَ عن النِّساء والطَّعامِ والشَّراب، فَهَبَطَ عليه مَلَكان ... الحديث(٢). قوله: ((حتَّى إذا كان ذات يوم - أو ذات ليلة -)» شٌَّ من الراوي، وأظنُّه من البخاريّ لأنَّه أخرجه في صِفَة إبليس من بَدْء الخلق (٣٢٦٨) فقال: ((حتَّى كان ذاتَ يومٍ)) ولم يَشُكّ، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ الشكّ فيه من عيسى بن يونس، فإنَّ إسحاق بن راهويه أخرجه في ((مُسنَده)) (٧٣٧) عنه على الشكّ، ومن طريقه أخرجه أبو نُعَيم، فيُحمَل الجزمُ الماضي على أنَّ إبراهيم ابن موسى شيخ البخاريّ حدَّثه به تارةً بالجزمِ وتارةً بالشكّ، ويُؤيِّده ما سأذكره من الاختلاف عنه، وهذا من نَوادِر ما وَقَعَ في البخاريّ أن يُرِّج الحديثَ تامّاً بإسنادٍ واحد بلفظَينِ، ووَقَعَ في رواية أبي أُسامة الآتية قريباً (٥٧٦٦): ((ذات يوم)) بغير شَكٌّ. و((ذاتَ)) بالنَّصبِ ويجوز الرَّفع، ثمَّ قيل: إنَّهَا مُقْحَمة، وقيل: بل هي من إضافة الشَّيء ٢٢٨/١٠ لنفسِه/ على رأي من يجيزه. قوله: ((وهو عندي، لكنَّه دَعَا ودَعَا)) كذا وَقَعَ، وفي الرِّواية الماضية في بَدْء الخلق (٣٢٦٨): حتَّى كان ذات يوم دَعَا ودَعًا، وكذا عَلَّقَه المصنّ لعيسى بن يونس في الدَّعَوات (٦٣٩١)، ومثله في رواية اللَّيث(٣)، قال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون هذا الاستدراكُ من قولها: ((عندي)) أي: لم يكن مُشتَغِلاً بي بل اشتَغَلَ بالدُّعاء، ويحتمل أن يكون من التَّخَيُّل، أي: كان السِّحر أضَرَّه في بَدَنه، لا في عقله وفَهْمه، بحيثُ إِنَّه تَوجَّهَ إلى الله، ودَعَا على الوضع الصَّحيح والقانون المستقيم، ووَقَعَ في رواية، ابن نُمَير عند مسلم (٤٣/٢١٨٩): («فدَعَا، ثمَّ دَعَا، ثمَّ دَعَا»، وهذا هو المعهود منه أنَّه كان يُكرِّر الدُّعاء ثلاثاً، وفي رواية وُهَيب عند أحمد (٢٤٦٥٠) وابن سعد (١٩٦/٢): فرأيتُه يدعو. قال النَّوويّ: فيه استحباب (١) تحرَّف في (س) إلى: يدور. (٢) وإسناده ضعيف جداً، وسيأتي تضعيف الحافظ له قريباً، وكذا إسناد حديث عمرة عن عائشة ضعيف جداً، ففى الإسنادين من تُرك حديثه. (٣) رواية الليث سلفت معلّقة عند البخاري في بدء الخلق برقم (٣٢٦٨). ٦٠٥ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ كتاب الطب الدُّعاء عند حصول الأُمور المكروهات، وتكريرُه والالتجاء إلى الله تعالى في دفع ذلك. قلت: سَلَكَ النبيُّ وَله في هذه القصَّة مَسلَكَي التَّفويض وتعاطي الأسباب، ففي أوَّل الأمر فَوَّضَ وسَلَّمَ لأمرِ ربِّه، فاحتَسَبَ الأجرَ في صبره على بَلائِهِ، ثمَّ لمَّا تَمَادَى ذلك وخَشِيَ من تَمَادِيه أن يُضعِفَه عن فنون عِبادَته، جَنَحَ إلى التَّداوي ثمَّ إلى الدُّعاء، وكلٌّ من المقامَينِ غاية في الكمال. قوله: ((أشعَرتِ؟)) أي: عَلِمتِ؟ وهي رواية ابن عُيَينةَ كما في الباب الذي بعده. قوله: ((أفتاني فيما استَفْتَيتُه)) في رواية الحميديّ (٢٥٩): ((أفتاني في أمر استَقْتَيْتُه فيه)) أي: أجابني فيما دَعَوتُه، فأطلقَ على الدُّعاء استفتاءً، لأنَّ الدّاعي طالبٌ والمجيب مُستَقْتَّى، أو المعنى: أجابني بما سألتُه عنه، لأنَّ دعاءَه كان أن يُطلِعَه الله على حقيقة ما هو فيه لما اشتَبَهَ عليه من الأمر. ووَقَعَ في رواية عَمْرة عن عائشة: ((إنَّ الله أنبأَني بمرضي)) أي: أخبرني. قوله: ((أثاني رجلان)) وَقَعَ في رواية أبي أُسامة (٥٧٦٦): قلت: وما ذاكَ؟ قال: ((أتاني رجلان))، ووَقَعَ في رواية مَعمَر عند أحمد (٢٤٣٤٧)، ومُرجَّى بن رَجاء عند الطبرانيّ(١)، كلاهما عن هشام: ((أتاني مَلَكان))، وسَمّهما ابن سعد (١٩٦/٢ -١٩٧) في رواية مُنقَطِعة: جِبْرِيل وميكائيل، وكنتُ ذكرتُ في المقدِّمة ذلك احتمالاً. قوله: ((فقَعَدَ أحدهما عند رأسي، والآخَرُ عند رِجْلِيَّ) لم يقع لي أيُّهُمَا فَعَدَ عند رأسه، لكنَّني أظنّه جِبْريل لخَصُوصَّتِه به عليهما السَّلام، ثمَّ وجدتُ في ((السِّيرة)) للدِّمياطيِّ الجزمَ بأنَّه جِبْريل قال: لأنَّه أفضل، ثمَّ وجدتُ في حديث زيد بي أرقَمَ عند النَّسائيِّ (٤٠٨٠) وابن سعد (١٩٩/٢) وصَحَّحَه الحاكم (٣٦٠/٤) وعبد بن حُميدٍ (٢٧١): سَحَرَ النبيَّ وَّ رجلٌ من اليهود، فاشتَكَى لذلك أياماً، فأتاه جِبْريل فقال: إنَّ رجلاً من اليهود سَحَرَك، عَقَدَ لك عُقَداً في بئر كذا؛ فدَلَّ مجموع الطُّرق على أنَّ المسؤول هو جِبْريل والسائل میکائیل. (١) في ((الأوسط)) برقم (٥٩٢٦). ٦٠٦ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقال أحدهما لصاحبِه)) في رواية ابن عُيَينةَ الآتية بعد بابٍ: ((فقال الذي عند رأسي للآخِرِ))، وفي رواية الحميديّ (٢٥٩): ((فقال الذي عند رِجليَّ للَّذي عند رأسي)»، وكأنَّها أصوبُ، وكذا هو في حديث ابن عبَّاس عند البيهقيِّ (٢٤٨/٦)، ووَقَعَ بالشكِّ في رواية ابن نُمَير عند مسلم (٢١٨٩). قوله: ((ما وَجَعُ الرجل؟)) كذا للأكثر، وفي رواية ابن عُيَينَةَ: ((ما بالُ الرجل؟»، وفي حديث ابن عبّاس عند البيهقيِّ: ((ما تَرَى؟))، وفيه إشارة إلى أنَّ ذلك وَقَعَ في المنام، إذ لو جاءا إليه في اليَقَظة لخَاطَباه وسألاه، ويحتمل أن يكون كان بصِفَة النائم وهو يقظان، فتَخاطَبا وهو يسمع. وأطلقَ في رواية عَمْرة عن عائشة(١) أنَّه كان نائماً، وكذا في رواية ابن عُيَينَةَ عند الإسماعيليّ: ((فانتَبَهَ من نومِه ذات يوم))، وهو محمول على ما ذكرتُ، وعلى تقدير حَملِها على الحقيقة فرُؤيا الأنبياء وحي. ووَقَعَ في حديث ابن عبَّاس عند ابن سعد (١٩٨/٢ -١٩٩) بسندٍ ضعيف جدّاً: فَهَبَطَ عليه مَلَكانٍ وهو بين النائم واليقْظان. قوله: ((فقال: مَطْبوبٌ)) أي: مَسحُور، يقال: طُبَّ الرجل - بالضَّمِّ -: إذا سُحِرَ، يقال: كَنَّوا عن السِّحر بالطِّبِّ تَفاؤُلاً، كما قالوا للديغ: سَلِيم، وقال ابن الأنباريّ: الطِّبّ من الأضداد، يقال لعلاج الدّاء: طِبّ، والسِّحر من الدّاء، ويقال له: طِبّ، وأخرج أبو عُبيد(٢) ٢٢٩/١٠ من مُرسَل عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: احْتَجَمَ النبيُّ ◌َّ على رأسه بقَرْنٍ حین طُبَّ، قال/ أبو عُبید: يعني سُحِرَ. قال ابن القَيِّم: بَنَى النبيُّ ◌َّهِ الأمرَ أوَّلاً على أنَّه مرضٌ، وأنَّه عن مادّة مالَت إلى الدِّماغ وغَلَبَت على البطن المقدَّم منه، فغَيَّرَت مِزاجَه، فرأى استعمال الحِجامة لذلك مُناسباً، فلمَّا أُوحِيَ إليه أنَّه سُحِرَ، عَدَلَ إلى العِلاج المناسب له وهو استخراجه، قال: ويحتمل أنَّ مادة السِّحر انتَهَت إلى إحدَى قوى الرَّأس حتَّى صارَ يُخْيَّل إليه ما ذُكِرَ، فإنَّ السّحر قد يكون من تأثير الأرواح الخبيثة، وقد يكون من انفعال الطَّبيعة وهو أشدُّ السّحر، واستعمال (١) وهي عند البيهقي في ((الدلائل)) ٧/ ٩٢. (٢) في ((غريب الحديث)) ٢/ ٤٣. ٦٠٧ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ كتاب الطب الحَجْم لهذا الثّاني نافع، لأنَّه إذا هَيَّجَ الأخلاطَ وظَهَرَ أثره في عضو، كان استفراغ المادّة الخبيثة نافعاً في ذلك. وقال القُرطُبيّ: إنَّما قيل للسِّحرِ طِبٌّ، لأنَّ أصل الطِّبّ: الحِذْقِ بالشَّيءِ والتَّفَطُّن له، فلمَّا كان كلٌّ من عِلاج المرض والسِّحر إنَّما يَتَأَتَّى عن فِطْنة وحِذْق، أُطلِقَ على كلٍّ منهما هذا الاسم. قوله: ((في مُشْط ومُشَاطة)) أمَّا المُشْط فهو بضمِّ الميم، ويجوز كسرها، أثبتَه أبو عُبيد وأنكَرَه أبو زيد، وبالسُّكونِ فيهما، وقد يُضَمّ ثانيه مع ضَمّ أوَّله فقط: وهو الآلة المعروفة التي يُسَرَّح بها شَعرُ الرّأس واللِّحية، وهذا هو المشهور، ويُطلَق المُشْط بالاشتراك على أشياء أُخرى: منها العظم العَريض في الكَتِفِ، وسُلامَيَات ظَهْر القَدَم، ونبت صغير يقال له: مُشْط الذَّنَب. قال القُرطُبيّ: يحتمل أن يكون الذي سُحِرَ فيه النبيّ ◌ََِّ، أَحدَ هذه الأربع. قلت: وفاتَه آلةُ لها أسنان وفيها هِراوة يُقبَض عليها، ويُغَطَّى بها الإناء، قال ابن سِيدَه في ((المحكَم)): إنَّها تُسمَّى المُشْط. والمُشْط أيضاً سِمَة من سِمات البعير تكون في العين والفَخِذ، ومع ذلك فالمراد بالمُشطِ هنا هو الأوَّل، فقد وَقَعَ في رواية عَمْرة عن عائشة: فإذا فيها مُشطُ رسول الله وَّل ومن مُرَاطة رأسه، وفي حديث ابن عبّاس: من شَعرِ رأسه ومن أسنان مُشطه، وفي مُرسَل عمر ابن الحَكَمْ(١): ((فَعَمَدَ إلى مُشطٍ، وما مُشِطَ من الرّأس من شعرٍ، فعَقَدَ بذلك عُقَداً. قوله: ((ومُشَاطة)) سيأتي بيان الاختلاف: هل هي بالطاءِ أو القاف، في آخر الكلام على هذا الحديث حيثُ بيَّنْه المصنِّف. قوله: ((وُجُفِّ طَلْعِ نَخْلةٍ ذَكَرٍ)) قال عِيَاض: وَقَعَ للجُرجانيّ - يعني في البخاريّ - والعُذْريّ - يعني في مسلم -: بالفاءِ، ولغيرهما: بالموخَّدة. قلت: أمَّا رواية عيسى بن يونس هنا فوَقَعَ للكُشْمِيهنيّ بالفاءِ ولغيره بالموخَّدة، وأمَّا روايته في بَدْء الخلق (٣٢٦٨) فالجميع (١) مرسل عمر بن الحكم عند ابن سعد في ((الطبقات)) ٢/ ١٩٧. ٦٠٨ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ فتح الباري بشرح البخاري بالفاء، وكذا في رواية ابن عُيَينةَ للجميع، وللمُستَمْلي في رواية أبي أسامة (٥٧٦٦) بالموخَّدة، وللگُشْمِيهنيِّ بالفاء، وللجميع في رواية أبي ضمرة في الدعوات (٦٣٩١) بالفاء. قال القُرطُبيّ: روايتنا - يعني في مسلم - بالفاء، وقال النَّوويّ: في أکثر نُسَخ بلادنا بالباء - يعني في مسلم - وفي بعضها بالفاء، وهما بمعنّى واحد: وهو الغِشاء الذي يكون على الطَّلْع ويُطلَق على الذَّكَر والأُنْثَى، فلهذا قَيَّدَه بالذَّكَر في قوله: ((طَلْعة ذَكَرٍ))، وهو بالإضافة. انتهى، ووَقَعَ في روايتنا هنا بالتَّنوين فيهما على أنَّ لفظ ((ذَكَر)) صِفَة ◌ُفِّ، وذكر القُرطُبيّ: أنَّ الذي بالفاءِ هو وِعاءُ الطَّع، وهو الغِشاءُ الذي يكون عليه، وبالموحّدة: داخل الطَّلعة إذا خَرَجَ منها الكُفرَّى، قاله شَمِر، قال: ويقال أيضاً لداخلِ الرَّكِيَّة من أسفَلِها إلى أعلاها: جُبُّ(١)، وقيل: هو من القَطْع، يعني: ما قُطِعَ من قُشورها. وقال أبو عَمْرو الشَّيباني: الجُفّ بالفاءِ: شيء يُنْقَر من جُذوع النَّخل. قوله: ((قال: وأينَ هو؟ قال: هو في بئر ذَرْوانَ)) زاد ابن عُيَينَ (٥٧٦٥) وغيره: ((تحت راعوفة) وسيأتي شرحها بعد بابٍ. وذَرْوان بفتح المعجَمة وسكون الرَّاء، وحكى ابن التِّين فتحَها وأنَّه قرأه كذلك، قال: ولكنَّه بالسُّكونِ أشبه، وفي رواية ابن نُمَير عند مسلم (٢١٨٩/ ٤٣): «في بئر ذي أَزْوان)»، ويأتي في رواية أبي ضَمْرة في الدَّعَوات مِثْلُه، وفي نُسخة الصَّغَانيّ لكن بغير لفظ ((بئر))، ولغيره: ((فِي ذَرْوان))، وذَرْوان: بئر في بني زُرَيق، فعلى هذا فقوله: ((بتر ذَرْوان)) من إضافة ٢٣٠/١٠ الشَّيء لنفسِه، ويُجمَع بينهما وبين رواية ابن نُمَير: بأنَّ الأصل: ((بئر ذي أَزْوان))، ثمَّ/ لكَثْرة الاستعمال سُهُّلَتِ الهمزة فصارت ((ذَرْوان))، ويُؤْيِّده أنَّ أبا عُبيد البَكْريّ صَوَّبَ أنَّ اسم البئر ((أَرْوان)) بالهمز، وأنَّ مَن قال: ((ذَرْوان)) أخطأ. وقد ظَهَرَ أَنَّه ليس بخطأٍ على ما وَجَّهته. ووَقَعَ في رواية أحمد (٢٤٦٥٠) عن وُهَيب(٢)، وكذا في روايته عن ابن نُمَير (٢٤٣٠٠): ((بئر أروان))، كما قال البَكْريّ، فكأنَّ رواية الأَصِيلُّ كانت مِثْلَها فسَقَطَت منها الرَّاء، ووَقَعَ عند (١) تحرَّف في (س) إلى: جف، بالفاء. (٢) الذي في نسخنا من ((المسند)): ذي أروان. ٦٠٩ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ كتاب الطب الأَصِيلِيِّ فيما حكاه عِيَاض: ((في بئر ذي أوان)) بغير راءٍ. قال عِيَاض: هو وهمٌّ، فإنَّ هذا موضع آخر على ساعةٍ من المدينة، وهو الذي بُنيَ فيه مسجد الضّرار. قوله: ((فأتاها رسول الله وَّي في ناسٍ من أصحابه)) وَقَعَ في حديث ابن عبَّاس عند ابن سعد: فَبَعَثَ إلى عليّ وعمَّار فأمَرَهما أن يأتيا البئر، وعنده في مُرسَل عمر بن الحَكّم: فدَعَا جُبَير بن إياس الزُّرَقيّ - وهو مَمَّن شَهِدَ بدراً - فدلَّه على موضعه في بئر ذَرْوان فاستخرَجَه، قال: ويقال: الذي استَخرَجَه قيس بن مِحصَن الزُّرَقيّ، ويُجمَع: بأنَّه أعانَ جُبَيراً على ذلك وباشَرَه بنفسِه فنُسِبَ إليه، وعند ابن سعد (١٩٧/٢ -١٩٨) أيضاً: أنَّ الحارث بن قيس قال: يا رسول الله، ألا نُهُوِّر البئر؟ فيُمكِن تفسير مَن أُبِهِمَ بهؤلاءِ أو بعضهم، وأنَّ النبيَّ ◌َّ وَجَّهَهم أوَّلاً، ثمَّ تَوجَّهَ فشاهَدَها بنفسِه. قوله: ((فجاء فقال: يا عائشةُ)) في رواية وُهَيب: «فلمَّا رَجَعَ قال: يا عائشة))، ونحوه في رواية أبي أسامة ولفظه: فذهب النبيُّ وَّه إلى البئر فَنَظَرَ إليها، ثمَّ رَجَعَ إلى عائشة فقال، وفي رواية عَمْرة عن عائشة(١): فنزلَ رجل فاستَخرَجَه، وفيه من الزّيادة: أنَّه وَجَدَ في الطَّلعة تمثالاً من شَمْع، تمثالَ رسول الله وََّ، وإذا فيه إبَر مغروزة، وإذا وَتَرٌ فيه إحدى عشرة عُقدة، فنزلَ جِبْريل بالمعوِّذتَين، فكلّما قرأ آية انخَلَّت عُقدة، وكلَّما نَزَعَ إبرةً وَجَدَ لها ألماً، ثمَّ يَجِدُ بعدها راحة، وفي حديث ابن عبّاس نحوه (٢) كما تقدَّم التَّنبيه عليه، وفي حديث زيد بن أرقم الذي أشرت إليه عند عبد بن حُميدٍ (٢٧١) وغيره: فأتاه جِبْريل فنزلَ عليه بالمعوِّذَتَينِ، وفيه: فأمَرَه أن يَحِلّ العُقَد ويقرأ آية، فجَعَلَ يقرأ ويَحَلّ، حتَّى قامَ كأنَّا أُنْشِطَ من عِقال(٣)، وعند ابن سعد (١٩٦/٢- ١٩٧) من طريق عمر مولى غُفرة مُعضَلاً: فاستَخرَجَ السِّحرَ من الجُّفْ من تحت البئر، ثمَّ نَزَعَه فحَلَّه، فكُشفَ عن رسول الله وَّهِ. (١) عند البيهقي في ((الدلائل)) ٧/ ٩٢-٩٤، وإسناده ضعيف جداً فيه محمد بن عبيد الله - وهو ابن أبي سليمان العرزمي - متروك الحديث. (٢) حديث ابن عباس سلف تخريجه وتضعيفه. (٣) انظر الكلام على إسناده في ((مسند أحمد)» (١٩٢٦٧). ٦١٠ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((كأنَّ ماءَها)) في رواية ابن نُمَير: ((والله لكأنَّ ماءَها)) أي: البئر «نُقاعةُ الحِنّاء)) بضمِّ النُّون وتخفيف القاف، والحِنّاء معروف وهو بالمدّ، أي: إنَّ لون ماء البئر لون الماء الذي يُنقَع فيه الحِنّاء، قال ابن التِّين: يعني أحمر، وقال الدَّاوُوديّ: المراد الماء الذي يكون من غُسَالة الإناء الذي تُعجَن فيه الحِنّاء. قلت: ووَقَعَ في حديث زيد بن أرقَمَ عند ابن سعد (١٩٩/٢)، وصَحَّحَه الحاكم (٣٦٠/٤ - ٣٦١): فوجدوا الماء وقد اخضَرَّ، وهذا يُقَوِّي قول الدَّاوُوديِّ، قال القُرطُبيّ: كأنَّ ماء البئر قد تَغيَّرَ إمّا لرَداءَتِه بطولٍ إقامته، وإمّا لمَا خَالَطَه من الأشياء التي أُلقيَت في البئر. قلت: ويَرُدّ الأوَّلَ أنَّ عند ابن سعد (١٩٨/٢) في مُرسَل عبد الرَّحمن ابن كعب: أنَّ الحارث بن قيس هَوَّرَ البئر المذكورة، وكان يَستَعذِب منها، وحَفَرَ بئراً أُخرى، فأعانَه رسول الله آلټ في حفرها. قوله: ((وكأنَّ رُؤوس نَخْلها رؤوس الشَّياطين)) كذا هنا، وفي الرِّواية التي في بَدْء الخلق (٣٢٦٨): ((نَخْلها كأنَّه رُؤوس الشَّياطين))، وفي رواية ابن عُيَينةَ (٥٧٦٥) وأكثر الرُّواة عن هشام: ((كأنَّ نخْلَها)) بغيرِ ذِكْر («رُؤوس)) أوَّلاً، والتَّشبيه إنَّما وَقَعَ على رؤوس النَّخل، فلذلك أفصَحَ به في رواية الباب، وهو مُقدَّر في غيرها، ووَقَعَ في رواية عَمْرة عن عائشة(١): ((فإذا نَخْلُها الذي يشرب من مائها قد التَوى سَعَفُه، كأنَّه رُؤوس الشَّیاطین)»، وقد وَقَعَ تشبيه طَلْع شجرة الزَّقُّوم في القرآن برُؤوسِ الشَّياطين لأنها موصوفةٌ بالقُبْحِ(٢). قال الفَرّاء وغيره: يحتمل أن يكون شَبَّهَ طَلعَها في قُبحه برُؤوسِ الشَّياطين لأنََّا موصوفة بالقُبح، وقد تَقرَّرَ في اللِّسان أنَّ مَن قال: فلان شيطان، أراد أنَّه خبيث أو قبيح، وإذا قَبَّحوا مُذكَّراً قالوا: شيطان، أو مؤنَّاً قالوا: غُول، ويحتمل أن يكون المراد بالشَّياطينِ: ٢٣١/١٠ الحيّات، والعرب تُسمّي بعض الحيّات شيطاناً، وهو ثُعبان قبيح الوجه، ويحتمل/ أن يكون المراد نباتٌ قبيحٌ، قيل: إنَّه يُوجَد باليمن. (١) عند البيهقي في ((الدلائل)) ٩٢/٧- ٩٣. (٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. وقوله: ((لأنها موصوفة بالقبح)) سقط من (س). ٦١١ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ كتاب الطب قوله: ((قلت: يا رسول، الله أفلا استَخْرَجْتَه؟)) زاد أبو أُسامة في روايته (٥٧٦٦): ((فقال: لا»، ووَقَعَ في رواية ابن عُيَينَةَ (٥٧٦٥): أنَّه استَخْرَجَه، وأنَّ سؤال عائشة إنَّا وَقَعَ عن النُّشرة فأجابَها بلا، وسيأتي بَسطُ القول فيه بعد بابٍ. قوله: ((وكَرِهْتُ أن أُثيرَ على الناس فيه شَرّاً)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((سوءاً))، ووَقَعَ في رواية أبي أُسامة: ((أن أُنْوِّر)) بفتح المثلَّثة وتشديد الواو، وهما بمعنّى، والمراد بالناس التَّعميم في الموجودِينَ. قال النَّوويّ: خَشِيَ من إخراجه وإشاعته ضَرَراً على المسلمينَ من تَذَكُّر السِّحر وتَعلُّمه ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسَدة. ووَقَعَ في رواية ابن نُمَير: ((على أمَّتي))(١) وهو قابِلٌ أيضاً للتَّعميم، لأنَّ الأُمّة تُطلَق على أمّة الإجابة وأُمّة الدَّعوةَ وعلى ما هو أعَمّ، وهو يَرُدّ على مَن زَعَمَ: أنَّ المراد بالناس هنا لَبيد بن الأعصَم، لأنَّه كان مُنافقاً، فأراد ◌َِّ أن لا يُثير عليه شَرّاً لأنَّه كان يُؤْثِر الإغضاءَ عمَّن يُظهِر الإسلام ولو صَدَرَ منه ما صَدَرَ، وقد وَقَعَ أيضاً في رواية ابن عُيَّينةَ: ((وكرهتُ أن أُثير على أحد من الناس شَرّاً))، نعم وَقَعَ في حديث عَمْرة عن عائشة: فقيل: يا رسول الله، لو قتلته، قال: ((ما وراءَه من عذاب الله أشدُّ))، وفي رواية عَمْرة: فَأَخَذَه النبيّ ◌َِّ فاعتَرَفَ فعَفَا عنه، وفي حديث زيد بن أرقَم: فما ذَكَرَ رسول الله وَّه لذلك اليهوديّ شيئاً ممّا صَنَعَ به، ولا رآه في وجهه، وفي مُرسَل عمر بن الحَكَم: فقال له: ((ما حَمَلَك على هذا؟)) قال: حُبّ الدَّنانير، وقد تقدَّم في كتاب الجِزْية(٢) قولُ ابن شِهاب: إنَّ النبيَّ ◌َّه لم يَقْتُله. وأخرج ابن سعد (٢/ ١٩٩) من مُرسَل ◌ِكْرمة أيضاً: أنَّه لم يَقتُله، ونُقِلَ عن الواقديِّ: أنَّ ذلك أصحّ من رواية مَن قال: إنَّه قتله، ومن ثَمَّ حكى عِيَاض في ((الشِّفاء)) قولَينِ: هل قُتِلَ، أم لم يُقْتَل؟ وقال القُرطُبيّ: لا حُجّة على مالك من هذه القصَّة، لأنَّ تَركَ قتل ◌َبيد بن الأعصَم (١) كذا قال، ورواية ابن نمير عند ابن أبي شيبة ٣٠/٨-٣١، وأحمد (٢٤٣٠٠)، ومسلم (٢١٨٩) (٤٣)، وابن ماجه (٣٥٤٥)، وابن حبان (٦٥٨٣)، وفيها عندهم كلهم: ((على الناس))! فلعلَّ ما ذكره الحافظ ذهولٌ منه، ومثله للعيني في ((عمدة القاري» ٢١/ ٢٨٢! (٢) تعليقاً في باب (١٤): هل يعفى عن الذمي إذا سَحَر؟ بين يدي الحديث (٣١٧٥). ٦١٢ باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣ فتح الباري بشرح البخاري كان لخَشْية أن يُثير بسبب قتله فتنة، أو لئلا يَنِفِرَ الناس عن الدُّخول في الإسلام، وهو من جِنس ما راعاه النبيُّ ◌َّله من مَنْع قتل المنافقينَ، حيثُ قال: ((لا يَتَحدَّث الناسُ أنَّ محمَّداً يَقتُل أصحابه))(١). قوله: ((فأمَرَ بها)) أي: بالبئرِ ((فِدُفِنَتْ)) وهكذا وَقَعَ في رواية ابن نُمَير وغيره عن هشام، وأورَدَه مسلم (٢١٨٩/ ٤٤) من طريق أبي أسامة عن هشام عَقِبَ رواية ابن نُمَير وقال: لم يَقُل أبو أسامة في روايته: ((فأمَرَ بها فدُفِنَت))، قلت: وكأنَّ شيخه لم يَذكُرها حين حدَّثه، وإلا فقد أوردها البخاريّ (٥٧٦٦) عن عُبید بن إسماعيل عن أبي أُسامة، کما في الباب بعده، وقال في آخره: ((فأمَرَ بها فدُفِنَت))، وقد تقدَّم أنَّ في مُرسَل عبد الرَّحمن بن كعب: أنَّ الحارث بن قيس مَوَّرَها. قوله: ((تابَعَه أبو أسامة)) هو حَمَّاد بن أُسامة، وتأتي روايته موصولة بعد بابَينِ (٥٧٦٦). قوله: ((وأبو ضَمْرة)) هو أنس بن عياض، وستأتي روايته موصولة في كتاب الدَّعَوات (٦٣٩١). قوله: ((وابن أبي الزُّناد)» هو عبد الرّحمن بن عبد الله بن ذَكْوانَ، ولم أعرِفْ مَن وَصَلَها بعدُ. قوله: ((وقال اللَّيث وابن عُنَينَةَ، عن هشام: في مُشْط ومُشَاطة)) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره: ((ومُشَاقَة)) وهو الصَّواب وإلّا لاَّحَدَتِ الرُّوايات، ورواية اللَّيث تقدَّم ذِكرُها في بَدْء الخلق (٣٢٦٨)، ورواية ابن عُيَينةَ تأتي موصولة بعد بابٍ (٥٧٦٥)، وذكر المِّيّ في ((الأطراف)) تَبَعاً لَخَلَفِ: أنَّ البخاريّ أخرجه في الطِّبّ عن الحميديّ وعن عبد الله بن محمَّد كلاهما عن ابن عُبَيْنَةَ، وطريق الحميديّ ما هي في الطِّبّ في شيء من النُّسَخ التي وَقَفَتُ عليها، وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق الحميديّ، وقال بعده: أخرجه البخاريّ عن عبد الله بن محمّد؛ لم يَزِدْ على ذلك، وكذا لم يَذكُر أبو مسعود في ((أطرافه)) الحميديَّ، والله أعلم. (١) سلف عند البخاري برقم (٤٩٠٥) من حديث جابر بن عبد الله. ٦١٣ باب ٤٨ / ح ٥٧٦٤ كتاب الطب قوله: ((ويقال: المُشَاطة: ما يَخْرُج من الشَّعْرِ إذا مُشِطَ)) هذا لا اختلافَ فيه بين أهل اللُّغة، قال ابن قُتَيبة: المُشَاطة: ما يَخْرُج من الشَّعر الذي سَقَطَ من الرَّأس إذا سُرِّحَ بالمشط، وكذا من اللِّحية. قوله: ((والمُشَاطة: من مُشاطة الكَتّان)) كذا لأبي ذرٍّ،/ كأنَّ المراد أنَّ اللَّفظ مُشتَرك بين الشَّعر ٢٣٢/١٠ إذا مُشِطَ وبين الكَتّان إذا سُرِّحَ، ووَقَعَ في رواية غير أبي ذرٍّ: ((والمُشاقة)) وهو أشبهُ، وقيل: المُشَاقة هي المُشَاطة بعينِها، والقاف تُبدَل من الطاء لقُربِ المخرَج، والله أعلم. ٤٨ - بابٌ الشّركُ والسّحرُ من المُوبِقات ٥٧٦٤- حدَّثني عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني سليمانُ، عن ثَوْرِ بنِ زيدٍ، عن أبي الغَيْثِ، عن أبي هريرةَ ظُهُ، أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((اجْتَنِوا المُوبِقاتِ: الشِّرْكُ بالله والسِّحْرُ)). قوله: ((بابٌّ الشِّرْك والسِّخْر من الموبقات)) أي: المهلكات. قوله: ((اجْتَنِيوا المُوبِقات: الشِّرْك بالله والسِّخْر)) هكذا أورَدَ الحديث مختصراً وحَذَفَ لفظ العَدَد، وقد تقدَّم في كتاب الوصايا (٢٧٦٦) بلفظ: ((اجتَنِبوا السَّبع الموبقات)) وساقَ الحديث بتمامه، ويجوز نصبُ ((الشِّرك)) بَدَلاً من ((السَّبع))، ويجوز الرَّفع على الاستئناف فيكون خبر مُبْتَدَأ محذوف، والنُّكتة في اقتصاره على اثنتَينٍ من السَّبع هنا: الرَّمز إلى تأكيد أمر السِّحر، فظنَّ بعض الناس أنَّ هذا القَدْر هو جملة الحديث، فقال: ذَكَر الموبِقات، وهي صيغة جمع وفَسَّرَها باثنتَينِ فقط، وهو من قَبِيل قوله تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيِّنَكٌ مَّقَامُ إِبْزَهِيمٌ وَمَنْ دَخَلَهُ, كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فاقتَصَرَ على اثنتَينِ فقط، وهذا على أحد الأقوال في الآية، ولكن ليس الحديث كذلك، فإنَّه في الأصل سبعة حَذَفَ البخاريّ منها خمسة، ولیس شأن الآية كذلك. وقال ابن مالك: تَضَمَّنَ هذا الحديث حذفَ المعطوف للعِلْم به، فإنَّ التقدير: اجتَنِبوا الموبقات: الشِّرك بالله والسِّحر وأخَواتهما، وجازَ الحذف لأنَّ الموبقات سبع، وقد بُيِّنت في حديثٍ آخر، واقتَصَرَ في هذا الحديث على ثِنتَينِ منها تنبيهاً على أنَّهما أحقُّ بالاجتناب، ويجوز ٦١٤ باب ٤٩ فتح الباري بشرح البخاري رفع الشِّرك والسِّحر على تقدير: مِنْهُنَّ. قلت: وظاهر كلامه يقتضي أنَّ الحديث ورَدَ هكذا تارةً وتارةً وَرَدَ بتمامه، وليس كذلك، وإنَّما الذي اختَصَرَه البخاريّ نفسه، کعادتِه في جواز الاقتصار على بعض الحديث، وقد أخرجه المصنِّف في كتاب الوصايا في ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَىّ ◌ُلْمًا﴾)) (٢٧٦٦) عن عبد العزيز بن عبد الله شيخه في هذا الحديث بهذا الإسناد، وساقَها سبعاً، فذكر بعد السِّحر: ((وقتل النَّفس ... )) إلى آخره، وأعادَه في أواخر كتاب المحاربين (٦٨٥٧) بهذا الإسناد بعينِه بتمامه، وأغفَلَ المِيُّ في ((الأطراف)) ذِكْرَ هذا الموضع في ترجمة سالم أبي الغَيث عن أبي هريرة(١). ٤٩- بابٌ هل يُستخرج السّحرُ؟ وقال قَتَادةُ: قلتُ لسعيدِ بنِ المسيّبِ: رجلٌ به طِبٍّ - أو يُؤَخَّذُّ عن امرأتِهِ - أيُّ عنه أو يُنفَّرُ؟ قال: لا بأسَ به، إنَّما يُرِيدونَ به الإصْلاحَ، فأمَّا مَا يَنْفَعُ فلم يُنْهُ عنه. ٢٣٣/١٠ قوله: ((بابٌ هل يُسْتَخرَج السِّحْر؟)) كذا أورَدَ التَّرجمة بالاستفهام إشارةً إلى الاختلاف، وصَدَّرَ بما نَقَلَه عن سعيد بن المسيّب من الجواز إشارةً إلى ترجيحه. قوله: ((وقال قَتَادة: قلت لسعيد بن المسيّب ... )) إلى آخره، وَصَلَه أبو بكر الأثرم في كتاب ((السُّنَن)) من طريق أبانَ العَطّار عن قَتَادة، ومثله من طريق هشام الدَّستُوائيّ عن قَتَادة بلفظ: يَلْتَمِس مَن يُداوِيه؟ فقال: إِنَّمَا نَهَى اللهُ عَّا يَضُرّ، ولم يَنهَ عمَّا يَنفَع، وأخرجه الطَّبَرُّ في ((التَّهذيب)) من طريق يزيد بن زُرَيع عن قَتَادة عن سعيد بن المسيّب: أنَّه كان لا يرى بأساً إذا كان بالرجلِ سِحرٌ أن يمشي إلى مَن يُطلِقِ عنه، فقال: هو صلاح، قال قَتَادة: وكان الحسن يكره ذلك يقول: لا يعلم ذلك إلّا ساحر، قال: فقال سعيد بن المسيّب: إنَّما نَهَى الله عَّا يَضُرّ ولم يَنهَ عَّا يَنفَع. وقد أخرج أبو داود في ((المراسيل)) (٤٥٣) عن الحسن رَفَعَه: ((النُّشْرة من عَمَل الشَّيطان))، ووَصَلَه أحمد (١٤١٣٥) وأبو داود (٣٨٦٨) بسندٍ حسنٍ عن جابر. (١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فقد ذكره فيه (١٢٩١٥) في ترجمة سالم أبي الغيث عن أبي هريرة. ٦١٥ باب ٤٩ كتاب الطب قال ابن الجَوْزيّ: النُّشرة: حَلَّ السِّحر عن المسحور، ولا يَكاد يَقدِرُ عليه إلّا مَن يَعرِف السِّحر، وقد سُئلَ أحمد عمَّن يُطلِقِ السِّحرَ عن المسحور، فقال: لا بأس به، وهذا هو المعتمَد. ويُجاب عن الحديث والأثر: بأنَّ في قوله: ((النُّشرة من عَمَل الشّيطان)) إشارةً إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد، فمَن قَصَدَ بها خيراً كان خيراً، وإلّا فهو شرّ. ثمَّ الحَصْر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره، لأنَّه قد يَنحَلّ بالرُّقَى والأدعية والتَّعويذ، ولكن يحتمل أن تكون النُّشرة نوعين. قوله: ((به طِبٌّ)) بكسر الطاء، أي: سِحْر، وقد تقدَّم توجيهه(١). قوله: ((أو يُؤَخَّذ)) بفتح الواو مهموزٌ وتشديد الخاء المعجمة وبعدها مُعجَمة، أي: يُحبَس عن امرأته ولا يَصِل إلى جماعها، والأُخْذة بضمِّ الهمزة: هي الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل: خرزة يُرفَى عليها، أو هي الرُّقية نفسها. قوله: ((أو يُحَلّ عنه)) بضمٍّ أوَّله وفتح المهمَلة. قوله: ((أو يُنشَر)) بتشديد المعجَمة من النُّثْرة بالضَّمِّ: وهي ضربٌ من العِلاج، يُعالَج به مَن يُظَنّ أَنَّ به سِحراً أو مَسّاً من الجِنّ، قيل لها ذلك لأنَّه يُكشَف بها عنه ما خالَطَه من الدّاء، ويوافق قول سعيد بن المسيّب ما تقدَّم في ((باب الرُّقية))(٢) في حديث جابر عند مسلم (٢١٩٩) مرفوعاً: ((مَن استَطاعَ أن يَنفَعَ أخاه فليفعل))، ويُؤيِّد مشروعيَّة النُّشرة ما تقدَّم (٥٧٤٠) في حديث ((العين حَقّ)) في قصَّة اغتسال العائن، وقد أخرج عبد الرَّزاق (١٩٧٦٣) من طريق الشَّعْبيّ قال: لا بأس بالنُّشرة العربيّة التي إذا وُطِئَت لا تَضُرّه، وهي أن يَخْرُج الإنسان في موضع عِضَاهِ فيأخُذ عن يمينه وعن شِماله من كلٍّ، ثمَّ يَدُقّه ويقرأ فيه، ثمَّ يَغتَسِل به. وذكر ابن بَطّال: أنَّ في كتب وَهْب بن مُنَبِّه: أن يأخذ سبع ورقات من سِدْر أخضر، فيَدُقّه (١) في الباب السابق. (٢) في باب (٣٢): الرقى بالقرآن والمعوذات. ٦١٦ باب ٤٩ / ح ٥٧٦٥ فتح الباري بشرح البخاري بين حجرَينِ ثُمَّ يَضرِبِه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسيّ والقواقل(١)، ثمَّ يَحَسُو منه ثلاث حَسَوات، ثمَّ يَغتَسِل به، فإنَّه يُذهِب عنه كلَّ ما به، وهو جيِّ للرجلِ إذا حُبِسَ عن أهله. وثمَّن صَرَّحَ بجوازِ النُّشرة المُزَنُّ صاحب الشافعيّ وأبو جعفر الطَّبَرِيُّ وغيرهما، ثمَّ ٢٣٤/١٠ وَقَفتُ على صِفَة النُّشرة في كتاب ((الطِّبّ / النبويّ)) لجعفرِ المستَغفِريّ قال: وجدتُ في خَطّ نَصُوح بن واصل على ظهر جُزء من ((تفسير قُتَيبة بن أحمد البخاريّ)) قال: قال قَتَادة لسعيد بن المسيّب: رجل به طِبّ أُخِذَ عن امرأته، أيُحُلُّ له (٢) أو يُنشَر؟ قال: لا بأس، إنَّما يريد به الإصلاح، فأمَّا ما يَنفَع فلم يُنهَ عنه، قال نصوح: فسألَني حمّاد بن شاكر: ما الحَلَّ وما النُّشرة؟ فلم أعرِفهما، فقال: هو الرجل إذا لم يَقدِرْ على مُجامَعة أهله وأطاقَ ما سواها، فإنَّ المبتَلَى بذلك يأخذ حُزْمة قُضبان وفَأساً ذا قِطارَين، ويضعه في وَسَطِ تلك الحزمة، ثمَّ يُؤَجِّج ناراً في تلك الحزمة حتَّى إذا ما حَيَ الفأس استَخرَجَه من النار، وبالَ على حَرّه، فإنَّه يَبِرَأ بإذنِ الله تعالى، وأمَّا النُّشْرة فإنَّه يجمع أيام الرَّبيع ما قَدَرَ عليه من وَرْد المفازة وورد البَساتين، ثمَّ يُلقيها في إناء نظيف ويجعل فيهما ماء عَذباً، ثمَّ يَغْلي ذلك الورد في الماء غَلياً يسيراً، ثمَّ يُمهِل حتَّى إذا فَتَرَ الماءُ أفاضَه عليه، فإنَّه يَبْرَأ بإذنِ الله تعالى. قال حاشد: تَعلَّمتُ هاتَينِ الفائدتَينِ بالشّام. قلت: وحاشدٌ هذا من رواة (الصَّحيح)) عن البخاريّ، وقد أغفَلَ المسْتَغِفِرِيّ أنَّ أثر قَتَادة هذا عَلَّقَه البخاريّ في (صحيحه))، وأنَّه وَصَلَه الطَّبَرِيُّ في ((تفسيره)(٣)، ولو الطَّلَعَ على ذلك ما اكتَفَى بعَزوِه إلى ((تفسير قُتَيبة بن أحمد)) بغير إسناد، وأغفَلَ أيضاً أثر الشَّعْبيّ في صِفَته، وهو أعلى ما اتَّصَلَ بنا من ذلك. ٥٧٦٥ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: سمعتُ ابنَ عُيَينةَ يقول: أوَّلُ مَن حدَّثنا به ابنُ (١) يريد: ((قل هو الله أحد)) و((قل أعوذ بربِّ الفلق)) و((قل أعوذ بربِّ الناس)) و((قل يا أيها الكافرون))، والعبارة في (شرح ابن بطال)) ٤٤٦/٩: ويقرأ فيه آية الكرسي وذوات ((قُلْ)). (٢) في الأصلين و(س): أن، وهو تحريف، وما بعده من سؤال حماد بن شاكر يدل على أن الصواب ((أو)). (٣) بل في ((تهذيب الآثار)) له كما عند الحافظ نفسه في كتابه ((تغليق التعليق)) ٤٩/٥. ٦١٧ باب ٤٩ / ح ٥٧٦٥ كتاب الطب جُرَيج، يقول: حدَّثني أَلُّ عُرْوةَ، عن عُرْوةَ، فسألتُ هشاماً عنه، فحدّثنا عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان رسولُ اللهِوَّ سُحِرَ، حتَّى كان يُرَى أَنَّه يأتي النِّساءَ ولا يأتيهِنَّ - قال سفيانُ: وهذا أشَدُّ ما يكونُ منَ السِّحْرِ إذا كان كذا - فقال: ((يا عائشةُ، أعلِمْتِ أنَّ اللهَ قد أفتاني فيما استَفْتَيتُه فيه؟ أتاني رجلانِ فقَعَدَ أحدُهما عندَ رأسي، والآخَرُ عندَ رِجْلِيَّ، فقال الذي عندَ رأسي للآخَرِ: ما بالُ الرجلِ؟ قال: مَطْبوبٌ، قال: ومَن طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بنُ أعصَمَ - رجلٌ من بني زُرَبِقِ حَلِيفٌ ليهودَ كان مُنافقاً - قال: وفِيمَ؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاقِةٍ، قال: وأينَ؟ قال: فِي جُفِّ طَلْعةٍ ذَكَرٍ، تحتَ رَعُوفٍ في بَثْرِ ذَرْوانَ))، قالت: فأتى النبيُّ ◌ََّ الِثْرَ حتَّى اسْتَخْرَجَه، فقال: ((هذِهِ الِثْرُ التي أُرِيتُها، وكأنَّ ماءَها نُقاعةُ الحِنّاءِ، وكأنَّ نَخْلَها رؤوسُ الشَّيَاطِينِ)) قال: فاستُخْرِجَ، قالت: فقلتُ: أَفَلا - أي: تَنَشَّرْتَ -؟ فقال: ((أمَّا اللهُ فقد شَفَاني، وأكرَه أن أُثِيرَ على أحدٍ منَ الناسِ شَرّاً». ثم ذكر حديث عائشة في قصَّة سِحْر النبيّ وََّ، وقد سَبَقَ شرحه مُستَوفَى قريباً (٥٧٦٣). وقوله فيه: ((وقال سفيان: وهذا أشدُّ ما يكون من السِّحر)) سفيان: هو ابن عُيَينَةَ، وهو موصول بالسَّنَدِ المذكور. ولم أقِفْ على كلام سفيان هذا في ((مُسنَد)) الحميديّ ولا ابن أبي عمر ولا غيرهما، والله أعلم. قوله: ((في ◌ُفّ طَلْعةٍ ذَكَرٍ تحت رَعُوفة)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((راعوفة)) بزيادة ألِفِ بعد الرَّاء، وهو كذلك لأكثر الرّواة، وعَكَسَ ابن التِّين وزَعَمَ أنَّ ((راعوفة)) للأَصِيليّ فقط، وهو المشهور في اللُّغة، وفي لُغة أُخرى: ((أُرعوفة))، ووَقَعَ كذلك في مُرسَل عمر بن الحَكَم(١)، ووَقَعَ في رواية مَعمَر عن هشام بن عُرْوة عند أحمد (٢٤٣٤٧): ((تحت رَعُوثة)) بِمُثَلَّئةٍ بَدَل الفاء، وهي لُغة أُخرى معروفة، ووَقَعَ في ((النِّهاية)) لابن الأثير: أنَّ في رواية أُخرى: ((زَعُوبة)) بزاې وموحّدة، وقال: هي بمعنی راعوفة، انتھی. (١) عند ابن سعد ١٩٧/٢. ٦١٨ باب ٤٩ / ح ٥٧٦٥ فتح الباري بشرح البخاري والرَّاعوفة: حجر يُوضَع على رأس البئر، لا يُستَطاع قَلعُه يقوم عليه المستقي، وقد یکون في أسفل البئر. قال أبو عُبيد: هي صخرة تُترَك في أسفَل البئر إذا حُفِرَت، يَجِلِسُ عليها الذي يُنَظّف البئر، وهو حجر يُوجَد صَليباً لا يُستَطاع نَزْعُه فيُترَك، واختُلِفَ في اشتِقاقها: فقيل: لتَقَدُّمِها وبُروزها، يقال: جاء فلان يَرعَفُ الخيلَ، أي: يَتقدَّمها، وذكر الأزهَريّ في (تهذيبه)) عن شَمِر قال: راعوفة البئر: النُّطَافة، هي مثل عين على قَدْر ◌ُحْر العَقرَب في أعلى الرَّكِيَّة، فيجاوز في الحفر خمس قِيَم وأكثر، فُرُبَّما وجدوا ماء كثيراً، قال شَمِر: فمَن ذهب بالرَّاعوفة إلى النُّطَافة فكأنَّه أخَذَه من رُعاف الأنف، ومَن ذهب بالرَّاعوفة إلى الحجر الذي يَتقدَّم طَيَّ البئر، فهو من رَعَفَ الرجلُ: إذا سَبَقَ. قلت: وتنزيل الرَّاعوفة على الأخير واضح بخِلاف الأوَّل، والله أعلم. قوله: ((فأتى النبيُّ ◌َِّ البِتْرِ حتَّى استَخْرَجَه ... إلى أن قال: فاستُخرِجَ)) كذا وَقَعَ في رواية ابن عُبَينَةَ، وفي رواية عيسى بن يونس(١): قلت: يا رسول الله أفَلا استَخرَجته؟، وفي رواية وُهَيب(٢): قلت: يا رسول الله، فأخرِجِه للنّاس، وفي رواية ابن نُمَير (٣): أفَلا أخرَجتَه؟ قال: ((لا))، وكذا في رواية أبي أُسامة التي بعد هذا الباب (٥٧٦٦). قال ابن بَطّال: ذكر المهلَّب أنَّ الزّواة اختلفوا على هشام في إخراج السِّحر المذكور، فأثبتَه سفيان وجَعَلَ سؤال عائشة عن النُّشْرة، ونَفاه عيسى بن يونس وجَعَلَ سؤالها عن الاستخراج، ولم يَذْكُر الجواب، وصَرَّحَ به أبو أُسامة، قال: والنَّظَر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدُّمِه في الضَّبط، ويُؤيِّده أنَّ النُّشْرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزّيادة من سفيان ٢٣٥/١٠ مقبولة لأنَّه أثبتُهم، ولا سيّما أنَّ كَرَّرَ استخراج السِّحر في روايته / مرَّتَينِ فيَبَعُد من الوهم، وزاد ذِكْر النُّشرة وجَعَلَ جوابه وَ ل﴿ عنها بـ(لا)) بَدَلاً عن الاستخراج، قال: ويحتمل وجهاً (١) ستأتي برقم (٥٧٦٣). (٢) عند أحمد (٢٤٦٥٠). (٣) عند مسلم (٢١٨٩) (٤٣). ٦١٩ باب ٤٩ / ح ٥٧٦٥ كتاب الطب آخر فذكر ما مُحصَّله: أنَّ الاستخراج المنفيّ في رواية أبي أسامة غيرُ الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبَت هو استخراج الجُفّ والمنفيّ استخراج ما حَوَاه، قال: وكأنَّ السّ في ذلك أن لا يراه الناسُ، فيَتعلَّمه مَن أراد استعمال السِّحر. قلت: وَقَعَ في رواية عَمْرةٍ (١): فاستَخرَجَ جُفّ طَلعةٍ من تحت راعوفة، وفي حديث زيد بن أرقَم(٢): فأخرَ جوه فَرَمَوْا به، وفي مُرسَل عمر بن الحَكَمِ: أنَّ الذي استَخرَجَ السِّحر قيس بن مِحصَن، وكلّ هذا لا يخالف الحملَ المذكور، لكن في آخر رواية عَمْرة وفي حديث ابن عبّاس(٣): أنَّهم وجدوا وَتَراً فيه عُقَد، وأنها انحلَّت عند قراءة المعوِّدتین، ففيه إشعار باستكشاف ما كان داخل الجُفّ، فلو كان ثابتاً لقَدَحَ في الجمع المذكور، لكن لا يَخْلُو إسناد كلٍّ منهما من الضَّعف. تنبيه: وَقَعَ في رواية أبي أُسامة مُخالَفة في لفظة أُخرى: فرواية البخاريّ (٥٧٦٦) عن عُبيد بن إسماعيل عنه: أفلا أخرَجتَه؟ وهكذا أخرجه أحمد(٤) عن أبي أُسامة، ووَقَعَ عند مسلم عن أبي كُرَيب عن أبي أُسامة: ((أَفَلا أحرَقتَه؟ بحاءٍ مُهمَلة وقاف(٥)، وقال النَّوويّ: كِلا الرِّوايتَينِ صحيح، كأنَّها طلبَت أنَّه يُخْرِجُه ثمَّ يُحِرِقه. قلت: لكن لم يَقَعا معاً في رواية واحدة، وإِنَّا وَقَعَتِ اللَّفظة مكان اللَّفظة، وانفَرَدَ أبو كُرَيب بالرّواية التي بالمهمَلة والقاف، فالجاري على القواعد أنَّ روايته شاذّة. وأغرَبَ القُرطُبيُّ فجَعَلَ الضَّمير في ((أحرَقته)) للَبيد بن أعصَمَ، قال: واسْتَفْهَمَته عائشة عن ذلك عقوبةً له على ما صَنَعَ من السِّحر، فأجابَها بالامتناع، ونَبَّهَ على سببه وهو خوفُ وقوع شَرِّ بينهم وبين اليهود لأجلِ العهد، فلو قتله لَثارَت فتنةٌ. كذا قال، ولا أدري ما وجه تَعُّنْ قتلِه بالإحراق، وإن لو سُلِّمَ أنَّ الرّواية ثابتة وأنَّ الضَّمير له. (١) عند البيهقي في ((الدلائل)) ٧/ ٩٢- ٩٣. (٢) عند البزار (٤٣٠٤)، وانظر حديث زيد عند أحمد أيضاً (١٩٢٦٧). (٣) حديث ابن عباس عند البيهقي في ((الدلائل)) ٢٤٨/٦. (٤) لفظ رواية أحمد (٢٤٣٤٨) عن أبي أسامة: يا رسول الله فأحرقه، وبنحوها روايته عن ابن نمير (٢٤٣٠٠)، والرواية التي أشار إليها الحافظ إنما هي روايته (٢٤٦٥٠) من طريق وهيب بن خالد عن هشام. (٥) هذا لفظ رواية ابن نمير عند مسلم (٢١٨٩)، أما رواية أبي أسامة عنده فبلفظ: ((يا رسول الله، فأَخرِجه)). ٦٢٠ باب ٥٠ / ح ٥٧٦٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قالت: فقلت: أفلا - أي: تَنَشَّرْتَ -؟)) وقع في رواية الحميديّ (٢٥٩): فقلت: يا رسول الله، فهَلّا؟ قال سفيان: بمعنى: تَنَشَّرت؛ فعيَّن الذي فَسَّرَ المراد بقولها: ((أفَلا» كأنَّه لم يَسْتَحِضِرِ اللَّفظة فذكره بالمعنى، وظاهر هذه اللَّفظة أنَّه من النُّشْرة. وكذا وَقَعَ في رواية مَعمَر عن هشام عند أحمد (٢٤٣٤٧): فقالت عائشة: لو أنَّك؛ تعني: تَنَشَّرُ، وهو مُقْتَضَى صنيع المصنّف حيثُ ذكر النُّشرة في التَّرجمة، ويحتمل أن يكون من النَّشْر بمعنى الإخراج، فيوافق رواية مَن رواه بلفظ: فهَلّا أخرجتَه؟ ويكون لفظ هذه الرِّواية: هَلّ استَخرَجتَ؟ وحُذِفَ المفعول للعِلمٍ به، ويكون المراد بالمخرَجِ ما حَوَاه الجُفّ لا الجُفُّ نفسه، فيَتَأَيَّد الجمع المقدَّم ذِكْره. تكميل: قال ابن القَيِّم: من أنفَع الأدوية وأقوى ما يُوجَد من النُّشرة مُقاوَمةُ السِّحر - الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة - بالأدوية الإلهيّة، من الذِّكر والدُّعاء والقراءة، فالقلب إذا كان مُمْتَلِئاً من الله معموراً بذِكْره، وله وِردٌ من الذِّكر والدُّعاء والتَّوجُّه لا يُحِلُّ به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السِّحر له. قال: وسُلطان تأثير السِّحر هو في القلوب الضَّعيفة، ولهذا غالبُ ما يُؤثِّر في النِّساء والصِّبيان والجُهّال، لأنَّ الأرواح الخبيثة إنَّما تَنشَطُ على أرواح تَلْقاها مُستَعِدّة لمَا يناسبها. انتهى مُلخَّصاً، ويُعكِّر عليه حديث الباب، وجواز السِّحر على النبيّ وَِّ مع عظيم مقامه، وصِدْق تَوجُّهه، ومُلازَمة وِرْده، ولكن يُمكِن الانفصالُ عن ذلك بأنَّ الذي ذكره محمولٌ على الغالب، وأنَّ ما وَقَعَ به رُّله لبيان تجويز ذلك، والله أعلم. ٥٠- باب السِّحر ٥٧٦٦- حدَّثْنَا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً، قالت: سُحِرَ النبيُّ وَّةِ، حتَّى إِنَّه لَيُخيّلُ إليهِ أَنَّه يَفْعَلُ الشَّيءَ وما فَعَلَه، حتَّى إذا كان ذاتَ يومٍ وهو عندي دَعَا اللّهَ ودَعَاه، ثمَّ قال: ((أَشَعَرْتِ يا عائشةُ أنَّ اللهَ قد أَفتاني فيما استَفْتَيْتُه فيه؟» قلتُ: وما ذاكَ يا رسولَ الله؟ قال: ((جاءَني رجلانٍ، فجَلَسَ أحدُهما عندَ رأسي والآخَرُ عندَ