Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ باب ٢٠ / ح ٥٧٠٨ كتاب الطب قلت: الكمال المذكور: هو كمال الدّين عبد العزيز بن عبد المنعِم بن الخَضِر، يُعرَف بابنِ عبدٍ - بغير إضافة - الحارثيّ الدِّمَشقيّ، من أصحاب أبي طاهر الخُشوعيّ، سمعَ منه جماعة من شيوخ شيوخنا، عاشَ ثلاثاً وثمانينَ سنة، وماتَ سنة اثنتَينِ وسبعينَ وست مئة قبل النَّوويّ بأربع سنين. وينبغي تقييد ذلك بمَن عَرَفَ من نفسه قوّة اعتقاد في صِحّة الحديث والعَمَل به كما يشير إليه آخر كلامه، وهو يُنافي قوله أوَّلاَ: مُطلَقاً. وقد أخرج التِّرمِذيّ في ((جامعه)) (٢٠٦٩) بسندٍ صحيح إلى قَتَادة قال: حُدِّثت أنَّ أبا هريرة قال: أخذتُ ثلاثة أكمُؤْ أو خمساً أو سبعاً فعَصَرتُهنَّ، فجَعَلت ماءَهُنَّ في قارورة، فگَحَلْت به جاريةً لي فبرأَتْ. وقال ابن القَيِّم: اعتَرَفَ فُضَلاء الأطبّاء أنَّ ماء الكَمْأة يَجلو العين، منهم المَسِيحيُّ(١) وابن سينا وغيرهما. والذي يُزيل الإشكال عن هذا الاختلاف أنَّ الكَمْأة وغيرها من المخلوقات خُلِقَت في الأصل سليمة من المضارّ، ثمَّ عَرَضَت لها الآفات بأُمورٍ أُخرى من مجاورةٍ أو امتزاجٍ أو غير ذلك من الأسباب التي أرادها الله تعالى، فالكَمْأة في الأصل نافعة لما اختَصَّت به من وصفها بأنَّها من الله، وإنَّما عَرَضَت لها المضارّ بالمجاورة. واستعمال كلّ ما ورَدَت به السُّنّة بِصِدْقٍ يَنْتَفِع به مَن يَستَعمِله، ويَدَفَع الله عنه الضَّرَر بنيَّتِه، والعكس بالعكس، والله أعلم. قوله: ((وقال شُعْبة)) كذا لأبي ذرِّ بواوٍ في أوَّله، وصورته صورة التَّعليق، وسَقَطَتِ الواو لغيره، وهو أولى فإنَّه موصول بالإسناد المذكور، وقد أخرجه مسلم (١٥٨/٢٠٤٩) عن محمَّد بن المثنَّى شيخ البخاريّ فيه، فأعادَ الإسناد من أوَّله للطَّريق الثّانية، وكذا أورَدَه أحمد (١٦٣٥ و١٦٣٦) عن محمّد بن جعفر بالإسنادَينِ معاً. قوله: ((وأخبَرَني الحَكَم)) هو ابن عُتَيبة، بمُثنّاةٍ ثمَّ موخَّدة مُصغَّر. والحسن العُرَنِيّ، بضمِّ (١) تصحف في (س) إلى: المسيحي، والمسيحي: هو أبو الحسن هبةُ الله بن صاعد، المعروف بابن التلميذ، طبيب نصراني. ترجمه الذهبي في ((السير)) ٢٠/ ٣٥٤. ٤٨٢ باب ٢١ / ح ٥٧٠٩-٥٧١٢ فتح الباري بشرح البخاري المهمَلة وفتح الرَّاء بعدها نون: هو ابن عبد الله البَجَليّ، كوفيّ، وثَّقه أبو زُرْعة والعِجْلِيّ وابن سعد، وقال ابن مَعِين: صَدوق. قلت: وما له في البخاريّ إلّ هذا الموضع. قوله: «قال شُعْبة: لمَّا حدَّثني به الحَكَم لم أُنكِرِه من حديث عبد المَلِك)» كأنَّه أراد أنَّ ١٦٦/١٠ عبد الملِك كَبِرَ وتَغيَّرَ حِفظه، فلمَّا حدَّث به شُعْبةَ تَوقَفَ فيه، فلمَّا / تابَعَه الحَكَم بروايتِه ثَبَتَ عند شُعْبة فلم يُنكِرِهِ، وانتَفَى عنه التَّوقُّف فيه. وقد تَكلَّفَ الكِرْمانيُّ لتوجيه كلام شُعْبة أشياءَ فيها نَظَرِّ: أحدها: أنَّ الحَكم مُدلِّس وقد عَنعَنَ، وعبد الملِك صَرَّحَ بقولِه: سمعته، فلمَّا تَقوى برواية عبد الملِك لم يَبقَ به مَحَلّ للإنكار. قلت: شُعْبة ما كان يأخُذ عن شيوخه الذينَ ذُكِرَ عنهم التَّدليس إلّا ما يَتَحقَّق سماعَهم فيه، وقد جَزَمَ بذلك الإسماعيليّ وغيره، فَبَعُدَ هذا الاحتمال، وعلى تقدير تسليمه كان يَلزم الأمر بالعكس، بأن يقول: لمَّا حدَّثني عبد الملك لم ◌ُنکِره من حديث الحكم. ثانيها: لم يكن الحديث مَنكوراً لي، لأنّي كنت أحفظه. ثالثها: يحتمل العكس بأن يُراد لم يُنكِرِ شيئاً من حديث عبد الملِك، وقد ساقَ مسلم (١٥٩/٢٠٤٩) هذه الطَّريق من أوجُه أُخرى عن الحَكَم. ووَقَعَ عنده في المتن: ((مِن المَنّ الذي أُنزِلَ على بني إسرائيل))، وفي لفظ (٢٠٤٩/ ١٦٠): ((على موسى))، وقد أشرت إلى ما في هذه الزّيادة من الفائدة في الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة البقرة (٤٤٧٨). ٢١ - بابُ اللَّهُود ٥٧٠٩، ٥٧١٠، ٥٧١١- حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني موسى بنُ أبي عائشةَ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ: أنَّ أبا بَكْرٍ ﴾ قَبَّلَ النبيَّ ◌َّه وهو ميِّتٌ. ٥٧١٢- قال: وقالت عائشةُ: لَدَدْناهُ في مرضِه فجَعَلَ يُشِيرُ إلينا: أن لا تَلُدّوني، فقُلْنا: كراهِيةَ المَرِيضِ للَّواءِ، فلمَّا أفاقَ قال: ((ألم أنهَكم أن تَلُدّوني؟)) قُلْنا: كراهيةَ المَرِيضِ للدَّواءِ، ٤٨٣ باب ٢٢ / ح ٥٧١٣ -٥٧١٤ كتاب الطب فقال: ((لا يَبْقَى في البيتِ أحدٌ إلّا لَُّ وأنا أَنظُرُ، إلّا العبّاسُ فإنَّه لم يَشْهَدْكُمْ)). ٥٧١٣ - حدَّثْنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني عُبيدُ الله بن عبد الله، عن أمِّ قيسٍ، قالت: دَخَلْتُ بابنٍ لي على رسولِ الله وَّهِ وقد أعلَقْتُ عنهُ منَ العُذْرةِ، فقال: ((عَلَامَ تَدْغَرْنَ أوْلادَكُنَّ بهذا العَلاق؟ عليكُنَّ بهذا العُودِ الهِنْدِيِّ، فإنَّ فيه سبعةً أشفِيةٍ، منها ذاتُ الجَنْبِ، ويُسْعَطُ منَ العُذْرةِ، ويُلَدُّ من ذات الجَنْبِ». فَسمعتُ الزّهْرِيَّ يقول: بيَّن لنا اثنَينٍ، ولم يُبيِّن لنا خمسةً. قلتُ لسفيانَ: فإنَّ مَعمَراً يقول: أعلَقْتُ عليه(١) قال: لم يَحْفَظ، إنما قال أعلَقْتُ عنه، حَفِظْتُهُ مِن في الزُّهْرِيِّ، ووَصَفَ سفيانُ الغلامَ يُنَّكُ بِالإصْبَعِ، وأَدْخَلَ سفيانُ في حَنكِهِ، إِنَّما يعني رَفْعَ حَنَكِهِ بِإِصْبَعِه، ولم يَقُل: أعلِقِوا عنه شيئاً. قوله: ((باب اللَّدود)) بفتح اللّام وبمُهمَلتَينِ: هو الدَّواء الذي يُصَبّ من أحد جانبي فم المريض. والُّدود بالضَّمِّ: الفِعل، ولَدَدتُ المريض: فعَلت ذلك به. وتقدَّم شرحُ الحديث مُستَوفَّى في ((باب وفاة النبيّ ◌ََّ)) (٤٤٥٨)، وبيانُ مَا لَدّوهِ وَّ به، وبيانُ مَن عُرِفَ اسمُه مَمَّن كان في البيت ولُدَّ لأمره وَّ بذلك، فأغنى عن إعادته. وأما الحديث فسيأتي شرحُه في ((باب العُذرة))(٢) قريباً. ٢٢- بابٌ ١٦٧/١٠ ٥٧١٤- حدَّثْنا بِشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ ويونسُ، قال الزُّهْريُّ: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ وَّ قالت: لمَّا ثَقُلَ رسولُ اللهِ وَّهِ واشتَّ وجَعُه، استأذَنَ أَزْواجَه في أن يُمرَّضَ في بيتي، فأذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بينَ رجلَينِ تَخُطَّ رِجْلاه في الأرضِ، بينَ عبَّاسٍ وآخَرَ - فأخبَرْتُ ابنَ عبَّاسٍ قال: هل تَدْرِي مَنِ (١) لم ينفرد معمر بقوله: أعلقت عليه، فقد تابعه عليه أيضاً شعيب بن أبي حمزة كما سيأتي عند المصنف برقم (٥٧١٥). (٢) بعد الباب التالي. ٤٨٤ باب ٢٣ / ح ٥٧١٥ فتح الباري بشرح البخاري الرجلُ الآخَرُ الذي لم تُسمِّ عائشةُ؟ قلتُ: لا، قال: هو عليٌّ - قالت عائشةُ: فقال النبيُّ ◌َّهِ بعدَما دَخَلَ بِيتَها واشتَّ به وجَعُه: «هَرِيقوا عليَّ من سبْعِ قِرَبٍ لم تُخْلَلْ أوْكِيْتُهنَّ، لعلّي أَعهَدُ إلى الناسِ)). قالت: فأجْلسناه في مِخْضَبٍ لحفصةَ زَوْجِ النبيِّ وَِّ، ثمَّ طَفِقْنا نَصُبُّ عليه من تلك القِرَبِ، حتَّى جَعَلَ يُشِيرُ إلينا أن قد فعَلْتُنَّ. قالت: وخَرَجَ إلى الناسِ، فصَلَّى لهم وخَطَبَهم. قوله: ((بابٌ)) كذا لهم بغير ترجمة، وذكر فيه حديث عائشة: لمَّا نَقُلَ النبيُّ وَ لِ واشتَدَّ به وجَعُه، استأذَنَ أزواجه أن يُمَرَّض في بيتي)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه في الوفاة النبويَّة (٤٤٤٢)، ومن قبل ذلك في كتاب الطَّهارة (١٩٨)، والغرض منه هنا قوله: ((هَرِيقوا عليّ من سبع قِرَب لم تُحلَلْ أوكيَتَهنَّ))، وقد تقدَّم بيان الحكمة فيه في الطَّهارة. وقد استَشكَلَ ابن بَطّال مُناسَبة حديث هذا الباب لترجمة الذي قبله بعد أن تَقرَّرَ أنَّ الباب إذا كان بلا ترجمة يكون كالفَصلِ من الذي قبله، وأجابَ باحتمال أن يكون أشارَ إلى أنَّ الذي يُفْعَل بالمريضِ بأمره، لا يَلزَم منه فاعلَ ذلك لَومٌ ولا قِصاصٌ، لأَنَّه ◌ِّهِ لم يأمر بصَبِّ الماء على كلّ مَن حَضَرَه، بخِلَاف ما نَهَى عنه أن لا يُفعَل به، لأنَّ فِعلَه چِنایةٌ علیه فیکون فيه القصاصُ. قلت: ولا يخفى بُعده، ويُمكِن أن يُقرَّب بأن يقال أوَّلاً: إنَّه أشارَ إلى أنَّ الحديث عن عائشة في مرض النبيّ وَّه، وما اتَّفَقَ له فيه واحد، ذكره بعض الرُّواة تامّاً واقتَصَرَ بعضهم على بعضه، وقصَّة اللُّدود كانت عندَما أُغمَيَ عليه، وكذلك قصَّة السَّبع قِرَب، لكن اللُّدود كان نَهَى عنه ولذلك عاتَبَ عليه، بخِلَاف الصَّبّ فإنَّه كان أمَرَ به(١) فلم يُنكِرِ عليهم، فيُؤخَذ منه أنَّ المريض إذا كان عارفاً لا يُكرَه على تَنَاؤُل شيء يَنْهَى عنه، ولا يُمنَع من شيء یأمرُ به. ٢٣ - بابُ العُذْرة ٥٧١٥- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله: أنَّ أَمَّ قيسٍ بنتَ مِحْصَنِ الأسَدِيَّةَ - أسَدَ خُزَيمةَ، وكانت منَ المهاجِرات الأُوَلِ اللّاتي (١) لفظة ((به)) أثبتناها من (ع) وحدها. ٤٨٥ باب ٢٣ / ح ٥٧١٥ كتاب الطب باَيَعْنَ النبيَّ ◌َّةِ، وهي أُختُ عُكاشةَ - أخبَرَتْه: أنَّهَا أتت رسولَ الله وَّر بابن لها قد أعلَّقَت عليه مِنَ العُذْرةِ، فقال النبيُّ نَّهِ: ((عَلَامَ تَدْغَرْنَ أوْلادَكُنَّ بهذا العَلاق؟ عليكم بهذا العُودِ الهِنْدِيِّ، فإنَّ فيه سبعةً أشفِيةٍ، منها ذاتُ الجَنْبِ». يُرِيدُ الكُسْتَ، وهو العُودُ الهِنْدِيّ. وقال يونسُ وإسحاقُ بنُ راشدٍ، عن الزُّهْرِيِّ: عَلَّقَتْ عليه. قوله: ((باب العُذْرة)) بضمِّ المهمَلة وسكون الذّال المعجَمة: هو وجَع الحَلْق، وهو الذي يُسَمَّى سقوطَ اللَّهاة، وقيل: / هو اسم اللَّهاة، والمراد وجَعُها سُمّيَ باسمِها، وقيل: هو موضع ١٦٨/١٠ قريب من اللَّهاة. واللَّهاة بفتح اللّام: اللَّحمة التي في أقصَى الحَلْقِ. قوله: ((وكانت من المهاجِرات ... )) إلى آخره، يُشبِه أن يكون الوصف من كلام الزُّهْريّ فيكون مُدرَجاً، ويحتمل أن يكون من كلام شيخه فيكون موصولاً، وهو الظّاهر. قوله: ((بابنٍ لها)) تقدَّم في ((باب السَّعوط)) (٥٦٩٢): أنَّه الابن الذي بالَ في حِجر النبيّ ◌َلؤ. قوله: ((قد أعْلَقَتْ عليه)) تقدَّم قبلُ ببابٍ (٥٧١٣) من رواية سفيان بن عُيَينةً عن الزُّهْرِيّ بلفظ: أعلَقْتُ عنه، وفيه: قلت لسفيان: فإنَّ مَعمَراً يقول: أعلَقْتُ عليه، قال: لم يَحَفَظ، إنَّما قال: أعلَقْتُ عنه. حَفِظته مِن في الزُّهْرِيّ. وَقَعَ هنا مُعلَّقاً من رواية يونس - وهو ابن يزيد - وإسحاق بن راشد عن الزُّهْريّ: عَلَّقَتْ عليه، بتشديد اللّام، والصَّواب: أعلَقَتْ، والاسم العَلاق بفتح المهمَلة(١). وكذا وَقَعَ في رواية سفيان الماضية: ((بهذا العَلاق)) كذا للكُشْمِيهنيّ، ولغيره: ((الإعلاق)). ورواية يونس المعلّقة هنا وَصَلَها أحمد (٢٦٩٩٧) ومسلم (٨٧/٢٢١٤)، ورواية إسحاق ابن راشد وَصَلَها المؤلِّف في ((باب ذات الجنب)) (٥٧١٨) وسيأتي قريباً. ورواية مَعمَر التي سألَ عنها عليٌّ بن عبد الله سفيانَ أخرجها أحمد (٢٧٠٠٠) عن عبد الرَّزّاق عنه، (١) كذا ضبطها الحافظ ومن قبله النووي، وضبطها الكرماني والعيني بكسر العين وفتحها، واقتصر في اليونينية على ضبطها بالكسر. ٤٨٦ باب ٢٤ / ح ٥٧١٦ فتح الباري بشرح البخاري لكن بلفظ: جِئت بابنٍ لي قد أعَلَقْتُ عنه(١). قال عِيَاض: وَقَعَ في البخاريّ: أعلَقَتْ وعَلَّقَت والعَلاق والإعلاق، ولم يقع في مسلم إلّا أعلَقَتْ، وذُكِرِ العَلاق في رواية والإعلاق في رواية، والكلّ بمعنى جاءت بها الرّوايات، لكنَّ أهل اللُّغة إنَّما يَذكُرونَ: أعلَقَتْ، والإعلاق رباعيّ، وتفسيره: غَمز العُذرة وهي اللَّهاة بالإصبع، ووَقَعَ في رواية يونس عند مسلم: قال: أعلَقَتْ: غَمَزَتْ. وقوله في الحديث: «علامَ)) أي: لأيِّ شيءٍ. قوله: (تَذْغَرْنَ)) خِطاب للنِّسوة، وهو بالغَينِ المعجَمة والدّال المهمَلة، والدَّغْرِ: غَمْز الحَلْقِ. قوله: ((علیگُمْ)) في رواية الگُشْمِيهنيّ: ((علیكُنَّ». قوله: ((بهذا العُودِ الهِنْديّ، يريد الكُسْت)) في رواية إسحاق بن راشد: يعني القُسط، قال: وهي لُغة. قلت: وقد تقدَّم ما فيها في ((باب السَّعوط بالقُسطِ الهنديّ))(٢)، ووَقَعَ في رواية سفيان (٥٧١٣) الماضية قريباً: قال: فسمعت الزُّهْريّ يقول: بيَّن لنا اثنين، ولم يُبيِّن لنا خمسة. يعني من السَّبعة في قوله: ((فإنَّ فيه سبعة أشفية)) فذكر منها ذات الجنب، ويُسعَط من العُذرة. قلت: وقد قَدَّمتُ في ((باب السَّعوط)) من كلام الأطباء ما لعلَّه يُؤخَذ منه الخمسة المشار إليها(٣). ٢٤ - بابُ دواء المبطون ٥٧١٦ - حدَّنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حَدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أبي المتوكّلِ، عن أبي سعيدٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّةٍ فقال: إنَّ أخي استُطْلِقَ بَطْنُه، فقال: ((اسِقِهِ عَسَلاً)، فسَقاه، فقال: إنّ سَقَيْتُه، فلم يَزِدْه إلّا استِطْلاقاً! فقال: ((صَدَقَ الله وكَذَبَ بَطْنُ أخيكَ)). (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو كذلك في بعض نسخ («المسند»، وفي نسخة متقنةٍ عندنا منه: أعلقْتُ عليه، كالذي نَماهُ علي بن المديني إلى معمر. (٢) وهو الباب رقم (١٠). (٣) عند شرح الحديث (٥٦٩٢). ٤٨٧ باب ٢٤ / ح ٥٧١٦ كتاب الطب تابَعَه النَّضْرُ، عن شُعْبَةَ. قوله: ((بابُ دَواء المَبْطون)) المراد بالمبطونِ: مَن اشتَكَى بطنَه لإفراطِ الإسهال، وأسبابُ ذلك متعدِّدة. قوله: ((قَتَادة، عن أبي المتوكّل)) كذا لشُعْبة وسعيد بن أبي عَرُوبة(١). وخالَفَهما شَيْبَانُ فقال: عن قَتَادة عن أبي الصِّدّيق(٢)، عن أبي سعيد. أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٦٧٣) ولم يُرجِّح، والذي يظهر ترجيح طريق أبي المتوكّل لاتِّفاق الشَّيخَينِ عليها، شُعْبة وسعيد أوَّلاً، ثمّ البخاريّ ومسلم ثانياً. ووَقَعَ في رواية أحمد (١١٨٧١) عن حَجّاج عن شُعْبة: عن قَتَادة، سمعت أبا المتوگِّل. قوله: ((جاء رجل إلى النبيّ وَّ﴿ فقال: إنَّ أخي)) لم أقِفْ على اسم واحد منهما. قوله: ((استُطْلِقَ بَطْنه)) بضمِّ المثنّاة/ وسكون الطاء المهمَلة وكسر اللّام بعدها قاف، أي: ١٦٩/١٠ گثُرَ خروج ما فیه، یرید الإسهال. ووقع في رواية سعید بن أبي عروبة في رابع باب من كتاب الطِّبّ هذا (٥٦٨٤): إنَّ(٣) أخي يَشتَكي بطنَه. ولمسلم من طريقه: قد عَرِبَ بطنُه. وهي بالعين المهمَلة والرَّاء المكسورة ثمَّ الموحَّدة، أي: فسَدَ هَضمُه لاعتلال المعِدة، ومثلُه ذَرِبَ بالذّال المعجَمة، بَدَل العین، وزناً ومعنّى. قوله: ((فقال: اسِقِهِ عَسَلاً) وعند الإسماعيليّ من طريق خالد بن الحارث عن شُعْبة: ((اسِقِهِ العَسَل)). واللّام عهديَّة، والمراد عَسَل النَّحل، وهو مشهور عندهم، وظاهرُه الأمر بسَقِهِ صِرْفاً، ويحتمل أن يكون تَمزوجاً. قوله: ((فسَقاه فقال: إنّ سَقَيته فلم يَزِدْه إلّا استِطلاقاً) كذا فيه، وفي السّياق حذفٌ تقديره: فَسَقاه فلم يَبرأ، فأتى النبيَّ وَّ فقال: إنّي سَقَيته. ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٢١٧): فسَقاه ثمَّ جاء (١) روايته عند البخاري (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧). (٢) تحرَّف في (س) إلى: أبي بكر الصديق! وأبو الصديق: هو الناجيُّ بكر بن عمرو. (٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: ابن. ٤٨٨ باب ٢٤ / ح ٥٧١٦ فتح الباري بشرح البخاري فقال: إنّي سَقَيته فلم يَزِدَد إلّا استطلاقاً. أخرجه عن محمَّد بن بشّار الذي أخرجه البخاريّ عنه، لكن قَرَنَه بمحمَّدٍ بن المثنَّى، وقال: إنَّ اللَّفظ لمحمَّدٍ بن المثنَّى. نعم أخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٨٢) عن محمَّد بن بشَّار وحده بلفظ: ثمَّ جاء فقال: يا رسول الله، إنّ قد سَقَيته عَسَلاً فلم يَزِده إلّا استطلاقاً. قوله: ((فقال: صَدَقَ الله)) كذا اختَصَرَه، وفي رواية التِّرمِذيّ: فقال: ((اسِقِه عَسَلاً)) فسَقاه، ثمَّ جاء، فذكر مِثله، فقال: ((صَدَقَ الله)). وفي رواية مسلم: فقال له ثلاث مرَّات، ثمَّ جاء الرَّابعةَ، فقال: ((اسِقِهِ عَسَلاً)) فقال: سَقَيته فلم يَزِده إلّا استطلاقاً، فقال: ((صَدَقَ الله)). وعند أحمد (١١١٤٦) عن يزيد بن هارون عن شُعْبة: فذهب ثمَّ جاء، فقال: قد سَقَيته فلم يَزِده إلّا استطلاقاً، فقال: ((اسِقِهِ عَسَلاً)) فسَقاه. كذلك ثلاثاً، وفيه: فقال في الرَّابعة: ((اسِقِه عَسَلاً)). وعند الإسماعيليّ من رواية خالد بن الحارث: ثلاث مرَّات يقول فيهنَّ ما قال في الأولى. وتقدَّم في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة (٥٦٨٤) بلفظ: ثمَّ أتاه الثّانية فقال: ((اسِقِه عَسَلاً)) ثمَّ أتاه الثّالثةَ. قوله: ((فقال: صَدَقَ الله وكذَبَ بَطْن أخيك)) زاد مسلم في روايته: فسَقاه فبرأ. وكذا للتِّرمِذيّ، وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون: فقال في الرَّابعة: ((اسقِهِ عَسَلاً)) قال: فأظنّه قال: فسَقاه فبرأ، فقال رسول الله رَ له في الرَّابعة: ((صَدَقَ الله وكذَبَ بطنُ أخيك)) كذا وَقَعَ ليزيدَ بالشكّ، وفي رواية خالد بن الحارث: فقال في الرَّابعة: ((صَدَقَ الله وكذَبَ بطنُ أخیك». والذي اتَّفَقَ عليه محمَّد بن جعفر ومَن تَابَعَه أرجَح، وهو أنَّ هذا القول وَقَعَ منهَِّ بعد الثّالثة(١)، وأمَرَه أن يَسقيه عَسَلاً فسَقاه في الرابعة فبرأ. وقد وَقَعَ في روایة سعید بن أبي عَرُوبة: ثمَّ أتاه الثّالثة فقال: ((اسِقِه عَسَلاً)) ثمَّ أتاه فقال: قد فعَلتُ، فسَقاه فبَرَأَ. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله! مع أنَّ الذي في رواية محمد بن جعفر المطوّلة التي عند أحمد (١١٨٧١)، ومسلم (٢٢١٧) أن هذا القول جاء بعد الرابعة، وليس بعد الثالثة، بل جاء عند الترمذي أنه جاء بعد الثانية، فالله تعالى أعلم. ٤٨٩ باب ٢٤ / ح ٥٧١٦ كتاب الطب قوله: ((تابَعَه النَّضْر)) يعني: ابن شُمَيلِ، بالمعجَمة مُصغَّر ((عن شُعْبة)) وَصَلَه إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) عن النَّضر. قال الإسماعيليّ: وتابَعَه أيضاً يحيى بن سعيد وخالد بن الحارث ویزید بن هارون. قلت: رواية يحيى عند النَّسائيِّ في ((الكُبرَى)) (ك٦٦٧٢ و٧٥١٧) ورواية خالد عند الإسماعيليّ عن أبي يَعْلى، ورواية يزيد عند أحمد (١١١٤٦). وتابَعَهم أيضاً حَجّاج بن محمَّد (١١٨٧١)، ورَوْح بن عُبَادة (١١٨٧٢)، وروايتهما عند أحمد أيضاً. قال الخطَّايُّ وغيره: أهل الحِجاز يُطلِقونَ الكذِب في موضع الخطأ، يقال: كذَبَ سَمعُك، أي: زَلَّ فلم يُدرِك حقيقةَ ما قيل له، فمعنى كذَبَ بطنه، أي: لم يَصلُح لقَبُولٍ الشِّفاء بل زَلَّ عنه، وقد اعتَرَضَ بعض الملاحدة، فقال: العَسَل مُسهل فكيف يوصَف لمن وَقَعَ به الإسهال؟ والجواب أنَّ ذلك جهلٌ من قائله، بل هو كقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ [يونس: ٣٩]، فقد اتَّفَقَ الأطبّاء على أنَّ المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السِّنّ والعادة والزَّمان والغذاء المألوف والتَّدبير وقوّة الطَّبيعة، وعلى أنَّ الإسهال يحدُث من أنواع منها الهَيضة التي تَنشَأ عن تُخَمَةٍ، وانَّفَقوا على أنَّ عِلاجها بتَركِ الطَّبيعة وفِعلها، فإن احتاجَت إلى مُسَهِل مُعيَّن أُعينَت ما دامَ بالعليلِ قوّة. فكأنَّ هذا الرجل كان استطلاقُ بطنه عن تُخَمة أصابته، فَوَصَفَ له النبيّ ◌َِّ العَسَل الدفع الفُضول المجتَمِعة في نواحي المعدة والأمعاء/ لمَا في العَسَل من الجَلَاء ودفع الفُضول ١٧٠/١٠ التي تُصيب المعدة من أخلاط لَزِجة تَنَع استقرار الغِذاء فيها، وللمَعِدة ◌َمْل كَخَمْلِ المِشَفة، فإذا عَلِقَت بها الأخلاط اللَّزِجة أفسَدَتها وأفسَدَتِ الغِذاء الواصل إليها، فكان دَواؤُها باستعمال ما يَجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مِثْلُ العَسَل، لا سيّما إن مُزِجَ بالماءِ الحارّ. وإنَّما لم يُفِدْه في أوَّل مرّة لأنَّ الدَّواء يجب أن يكون له مِقدار وكَمّيَّة بحَسَبِ الدّاء، إن ٤٩٠ باب ٢٤ / ح ٥٧١٦ فتح الباري بشرح البخاري قَصُرَ عنه لم يَدِفَعه بالكلّيَّة، وإن جاوزَه أوهَى القوّةَ وأحدَثَ ضَرَراً آخر، فكأنَّه شَرِبَ منه أوَّلاً مِقداراً لا يَفِي بِمُقاومة الدّاء، فأمَرَه بِمُعاودة سَقْيه، فلمَّا تَكَرَّرَتِ الشَّرَبات بحَسَبٍ مادّة الدّاء برأ بإذنِ الله تعالى. وفي قوله ◌َله: ((وكذَبَ بطن أخيك)) إشارة إلى أنَّ هذا الدَّواء نافع، وأنَّ بَقاء الدّاء ليس لقُصورِ الدَّواء في نفسه، ولكن لكَثْرة المادّة الفاسدة، فمن ثَمَّ أمَرَه بمُعاودة شُرب العَسَل لاستفراغها، فکان کذلك، وبرا بإذنِ الله. قال الخطَّبيُّ: والطِّبّ نوعان: طِبّ اليونان، وهو قِياسيّ، وطِبّ العرب والهند، وهو تَجاربيّ، وكان أكثر ما يَصِفه النبيُّ ◌َله لمن يكون عليلاً على طريقة طِبّ العرب، ومنه ما يكون ممَّ اطَّلَعَ عليه بالوحي. وقد قال صاحب كتاب ((المئة في الطِّبّ)): إنَّ العَسَل تارة يَجري سريعاً إلى العُروق ويَنفُذ معه جُلّ الغِذاء ويُدِرّ البول فيكون قابِضاً، وتارة يَبقَى في المعِدة فيُهَيِّجها بلَذْعِها حتَّى يَدَفَعِ الطَّعام ويُسهِل البطن فيكون مُسهلاً. فإنكار وصفه للمُسِهِلِ مُطلَقاً قُصور من المنكِرِ. وقال غيره: طِبُّ النبيِّ لَّهِ مُتَيَقَّن البُرء لصُدوره عن الوحي، وطِبُّ غيره أكثره حَدْس أو تَجِرِبة، وقد يَتَخلَّف الشِّفاء عن بعض مَن يَستَعمِل طِبّ النَّة، وذلك لمانعٍ قامَ بالمستَعمِلِ من ضعف اعتقاد الشِّفاء به وتَلَقّيه بالقَبُول، وأظهَر الأمثلة في ذلك القرآن الذي هو شِفاء لمَا في الصُّدور، ومع ذلك فقد لا يَحصُل لبعضِ الناس شِفاء صَدره لقُصوره في الاعتقاد والتَّلقّي بالقَبُول، بل لا يزيد المنافق إلّا رِجساً إلى رِجسه ومرضاً إلى مرضه، فطِبّ النُّة لا يناسب إلّ الأبدان الطيِّة، كما أنَّ شِفاء القرآن لا يناسب إلّا القلوب الطيِّبة، والله أعلم. وقال ابن الجَوْزيّ: في وصفه بِّهِ العَسَلَ لهذا المنسَهِل أربعة أقوال: أحدها: أنَّه حَمَلَ الآية على عُمومها في الشِّفاء، وإلى ذلك أشارَ بقولِه: ((صَدَقَ الله)) أي: في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] فلمَّا نَبَّهَه على هذه الحكمة تلقَّاها بالقَبُول، فشُفيَ بإذنِ الله. ٤٩١ باب ٢٤ / ح ٥٧١٦ كتاب الطب الثّاني: أنَّ الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التَّداوي بالعَسَلِ في الأمراض كلّها. الثّالث: أنَّ الموصوف له ذلك كانت به هَيْضةٌ كما تقدَّم تقريره. الرَّابع: يحتمل أن يكون أمَرَه بطَبِخِ العَسَل قبل شُربه فإنَّه يَعقِد البَلغَم، فلعلَّهِ شَرِبَه أوّلاً بغیر طبخ. انتھی. والثّاني والرَّابع ضعيفان وفي كلام الخطَّبيّ احتمال آخر، وهو أن يكون الشِّفاء يَحِصُل للمذكورِ بِبَرَكة النبيّ وَّهِ وبَرَكة وصفه ودعائه، فيكون خاصّاً بذلك الرجل دونَ غيره، وهو ضعيف أيضاً. ويُؤيِّد الأوَّل حديث ابن مسعود: ((عليكم بالشِّفاءَينِ: العَسَل والقرآن)) أخرجه ابن ماجَهْ (٣٤٥٢)، والحاكم (٤/ ٢٠٠) مرفوعاً، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٨٧/٨)، والحاكم (٢٠٠/٤) موقوفاً (١)، ورجاله رجال الصَّحيح. وأثر عليّ: إذا اشتَكَى أحدكم فليَستَوهِب من امرأته من صَداقها فليَشتَرِ به عَسَلاً، ثمَّ يأخُذْ ماء السماء، فيجمَع هَنيئاً مَريئاً شِفاء مباركاً. أخرجه ابن أبي حاتم في ((التَّفسیر)) (٣/ ٨٦٢) بسندٍ حسن. قال ابن بَطّال: يُؤْخَذ من قوله: ((صَدَقَ الله، وكذَبَ بطن أخيك)) أنَّ الألفاظ لا تُحمَل على ظاهرها، إذ لو كان كذلك لَبَرِئَ العليل من أوَّل شَربة، فلمَّا لم يَبرأ إلّا بعد التَّكرار دَلَّ على أنَّ الألفاظ تفتقر إلى (٢) معانيها. قلت: ولا يخفى تكلّف هذا الانتزاع. وقال أيضاً: فيه أنَّ الذي يجعلُ اللهُ فيه الشِّفاء قد يَتَخلَّف لتَتِمّ المدّة التي قَدَّرَ الله تعالى فيها الدّاء. وقال غيره: في قوله في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة: فسَقاه فبَرَأْ، بفتح الرَّاء والهمز بوزنٍ قرأ، وهي لُغة أهل الحِجاز، وغيرهم يقولها: بكسر الرَّاء بوزنٍ عَلِمَ،/ وقد وَقَعَ في رواية أبي ١٧١/١٠ الصِّدّيق الناجيّ في آخره: فسَقَاه فعافاه الله. والله أعلم. (١) وهو الصحيح، كما قال الدار قطني في ((العلل)) (٩١٥)، والبيهقي في («السنن الكبرى)) ٩/ ٣٤٤ وغيرهما. (٢) تحرَّف في (س) إلى: تقتصر على. ٤٩٢ باب ٢٥ / ح ٥٧١٧ فتح الباري بشرح البخاري ٢٥ - بابٌ لا صَفَر، وهو داءٌ يأخذ البطن ٥٧١٧- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالح، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وغيرُه، أنَّ أبا هريرةَ عَّه قال: إنَّ رسولَ الله عَلَ قال: ((لا عَدْوَى، ولا صَفَرَ، ولا هامةَ))، فقال أعرابيٌّ: يا رسولَ الله، فما بالُ إبلي تكونُ في الرَّمْلِ كأنَها الظِّبَاءُ، فيأتي البعيرُ الأجْرَبُ فيَدخُلُ بينَها فيُجْرِبُها؟ فقال: ((فمَن أعدَى الأوَّلَ؟)). رواه الزُّهْريُّ، عن أبي سَلَمة وسِنان بنِ أبي سِنانٍ. قوله: ((باب لا صَفَر، وهو داء يأْخُذُ البَطْن)) كذا جَزَمَ بتفسير الصَّفَرِ، وهو بفتحَتَينِ. وقد نَقَلَ أبو عبيدة مَعمَر بن المثنَّى في ((غريب الحديث)) له عن يونس بن عُبيد الجرميّ أنَّه سألَ رُؤبة بن العَجّاج فقال: هي حَيَّة تكون في البطن تُصيب الماشيةَ والناسَ، وهي أعدَى من الجَرَب عند العرب. فعلى هذا فالمراد بنفي الصَّفَر نفي ما كانوا يَعتَقِدونَه فيه من العَدوى. ورَجَحَ عند البخاريّ هذا القول لكَونِهِ قُرِنَ في الحديث بالعَدوى. وكذا رَجَّحَ الطَّبَرِيُّ هذا القول، واستَشْهَدَ له بقولِ الأعشَى: ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ والشُّرْسُوف(١)، بضمِّ المعجَمة وسكون الرَّاء ثمَّ مُهمَلة ثمَّ فاء: الضِّلَع، والصَّفَر: دود يكون في الجَوف، فُرُبَّما عَضَّ الضِّلَعَ أو الكَبِدَ فقَتَلَ صاحبَه. وقيل: المراد بالصَّفَرِ الحيَّة، لكن المراد بالنَّفي نفيُ ما كانوا يعتقدون أنَّ مَن أصابه قتله، فَرَدَّ ذلك الشّارع بأنَّ الموت لا يكون إلّا إذا فَرَغَ الأجَل. وقد جاء هذا التَّفسير عن جابر، وهو أحد رواة حديث: ((لا صَفَرَ)). قاله الطَّريّ. وقيل في الصَّفَر قول آخر: وهو أنَّ المراد به شَهْر صَفَر، وذلك أنَّ العرب كانت تُحُرِّم صَفَر، وتَستَحِلّ المُحرَّم كما تقدَّم في كتاب الحجّ (١٥٦٤)، فجاء الإسلام برَدِّ ما كانوا يفعلونَه من ذلك، فلذلك قال ◌َّهِ: ((لا صَفَر))، قال ابن بطّال: وهذا القول مَرويٌّ عن مالك. (١) تحرَّف في الأصلين إلى: والشرسوفة، وجاء على الصواب في (س). ٤٩٣ باب ٢٦ / ح ٥٧١٨ كتاب الطب والصَّفَر أيضاً وجَع في البطن يأخُذ من الجوع، ومن اجتماع الماء الذي يكون منه الاستسقاء، ومن الأوَّل حديث: ((صَفْرة في سبيل الله خيرٌ من حُمُرُ النَّعَم))(١) أي: جَوعة، ويقولون: صَفَرَ الإناءُ: إذا خَلا عن الطَّعام، ومن الثّاني ما سَبَقَ في الأشربة (٢) في حديث ابن مسعود: أنَّ رجلاً أصابه الصَّفَر فنُعِتَ له السَّكَر، أي: حَصَلَ له الاستسقاء فوُصِفَ له النبيذ، وَمْل الحديث على هذا لا يَتَّجِهِ، بخِلاف ما سَبَقَ. وسيأتي شرح الهامّة والعَدوى كلٍّ منهما في باب مُفرَد(٣). قوله: ((عن صالح)) هو ابن کَیْسانَ. وقوله: ((أخبرني أبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن وغيره)) وَقَعَ في روایة يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كَيْسانَ عند مسلم (١٠٥/٢٢٢١) في هذا الحديث: أنَّه سمعَ أبا هريرة. وقوله في آخر الباب: ((رواه الزُّهْريّ، عن أبي سَلَمة وسِنان بن أبي سِنان)) يعني كلاهما عن أبي هريرة، وسيأتي ذلك في ((باب لا عَدوى)) (٥٧٧٣ -٥٧٧٥) من رواية شُعَيب عن الزّهْريّ عنهما، وفيه تفصيل لفظ أبي سَلَمة من لفظ سِنان، ويأتي البحث فيه هناك إن شاء الله تعالى. ٢٦ - بابُ ذاتِ الجَنْب ٥٧١٨- حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عَتّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُبِيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ أَمَّ قيسٍ بنتَ مِحْصَنٍ - وكانت منَ المهاجِرات الأُوَلِ اللّاتي بايعْنَ رسولَ الله ێے، وهي اُختُ عُكاشةً بنِ مِحْصَنٍ - أخبرتْه: أنَّا أتت رسولَ الله ێۇ بابن لها قد عَلَّقَتْ عليه منَ العُذْرةِ، فقال: ((أَّقوا اللهَ، عَلَامَ تَدْغَرونَ أوْلادَكم بَهَذِه الأعلاق؟ عليكُم بهذا (١) هذا الحديث ذكره بعض أهل اللغة كابن قتيبة وابن الجوزي والزمخشري وابن الأثير وغيرهم، ولم نقف له علی أصل. (٢) في باب شراب الحلواء والعسل، وهو الباب رقم (١٥). (٣) في البابين رقم (٥٣) و(٥٤)، باب لا هامة، وباب لا عدوى. ٤٩٤ باب ٢٦ / ح ٥٧١٩ - ٥٧٢١ فتح الباري بشرح البخاري العودِ الهِنْدِيِّ، فإنَّ فيه سبعةً أشفِيةٍ، منها ذاتُ الجَنْبِ)). يُرِيدُ الكُسْتَ، يعني: القُسْطَ، قال: وهي لُغةٌ. ٥٧١٩، ٥٧٢٠، ٥٧٢١ - حدَّثنا عارِمٌ، حدَّثنا حَمَّدٌ، قال: قُرِىءَ على أيوبَ من كُتُبٍ أبي قِلَابةَ - منه ما حدَّث به، ومِنْه ما قُرِئَ عليه، فكانَ هذا في الكتاب - عن أنسٍ: أنَّ أبا طَلْحةَ وأنسَ بنَ النَّضْرِ كَوَياه، وكَواه أبو طَلْحةَ بَيَدِه. وقال عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ، قال: أذِنَ رسولُ الله وَيه لأهلٍ بيتٍ منَ الأنصار أن يَرْقُوا مِنَ الحُمَةِ والأُذُنِ. قال أنسٌ: كُوِيتُ من ذات الجَنْبِ ورسولُ اللهِ وَّهَ حَيُّ، وشَهِدَني أبو طَلْحَةَ وأنسُ بنُ النَّضْرِ وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو طَلْحةَ كَواني. [طرفه في: ٥٧٢١] ١٧٢/١٠ قوله: ((باب ذات الجَنْب)» هو ورَمٌ حارِّ يَعرِض في الغِشاء المستَبطِن للأضلاع، وقد يُطلَق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تَحتقِن بين الصِّفاقات والعَضَل التي في الصَّدر والأضلاع، فَتُحدِثِ وَجَعاً، فالأوَّل هو ذات الجنب الحقيقيّ الذي تَكلَّمَ عليه الأطبّاء، قالوا: ويَحَدُث بسببِه خمسة أعراض: الْحُمَّى والسُّعال والنَّخْس وضيق النَّفَس والنَّبض المنشاريّ. ويقال لذات الجنب أيضاً: وجَع الخاصِرة، وهي من الأمراض المَخُوفة، لأنَّها تَحدُث بين القلب والكَبِد، وهي من سَيِّئ الأسقام، ولهذا قال ◌َّ: ((ما كان الله ليُسَلِّطها عليَّ)(١)، والمراد بذات الجنب في حديثَي الباب: الثّاني، لأنَّ القُسط - وهو العود الهنديّ كما تقدَّم بيانه قريباً - هو الذي تُداوى به الرّيح الغَليظة، قال المَسِيْحيُّ(٢): العود حارّ يابِس قابِض يَحَبِس البطن، ويُقوِّي الأعضاء الباطنة، ويَطُرُد الرّيح، ويُفتِّح السُّدَد، ويُذهِب فضل الرُّطوبة، قال: ويجوز أن يَنفَع القُسط من ذات الجنب الحقيقيّ أيضاً إذا كانت ناشئة عن مادّة بَلَغَمَّة، ولا سيَّما في وقت انحطاط العِلّة. (١) أخرجه أحمد (٢٤٨٧٠). (٢) تصحف في (س) إلى: المسبحي، وإنما هو المسيحي الطبيب كما نبّهنا عليه عند شرح الحديث (٥٧٠٨). ٤٩٥ باب ٢٦ / ح ٥٧١٩- ٥٧٢١ كتاب الطب ثم ذكر المؤلف في الباب حديثين: أحدهما: حديث أمّ قيس بنت مِحْصَن في قصَّة ولدها، والإعلاق عليه من العُذرة، وقد تقدَّم شرح ذلك وبیانه قبلُ بیابینِ (٥٧١٥). وقوله في أوَّله: ((حدَّثْنا محمَّد)) هو الذُّهْلِّ. وقوله: ((عَّاب بن بَشِير)) بمُهمَلةٍ ومُثنّة ثقيلة وآخره موخَّدة، وأبوه بموخَّدةٍ ومُعجَمة، وزن عَظيم، وشيخه إسحاق: هو ابن راشد الجَزَريّ. وقوله في آخره: ((يريد الكُست، يعني: القُسط، قال: وهي لغةٌ)) هو تفسير العُود الهنديّ بأنَّه القُسط، والقائل: قال: هي لُغة: هو الزهري. ثانيهما: حديث أنس: قوله: ((حدَّثْنا عارِم)) بمهملة(١)، هو محمَّد بن الفضل أبو النُّعمان السَّدُوسيّ، وحَمَّاد: هو ابن زید. قوله: ((قُرِئَ على أيوب)) هو السَّختِيانيّ. قوله: ((من كُتُب أبي قلابةَ، منه ما حدَّث به، ومِنْه ما قُرِئَ عليه، فكان هذا في الكتاب)» أي: كتاب أبي قِلابةَ، كذا للأكثرِ. ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ بَدَل قوله: في الكتاب: قرأ الكتاب. وهو تصحيف، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ بعد قوله: في الكتاب: غير مسموع. ولم أرَ هذه اللَّفظة في شيء من نُسَخ البخاريّ. قوله: «عن أنس)» هو ابن مالك. قوله: ((أنَّ أبا طَلْحة)) هو / زيد بن سهل زوج والدة أنس أمّ سُلَيم، وأنس بن النَّضر: هو ١٧٣/١٠ عَمّ أنس بن مالك. قوله: ((كَوَياه، وكَوَاه أبو طَلْحة بَيَدِه)) نَسبَ الكَيّ إليهما معاً لِرِضاهما به، ثمَّ نَسبَ الكَيّ لأبي (١) قوله: بمهملة، سقطت من (س). ٤٩٦ باب ٢٦ / ح ٥٧١٩- ٥٧٢١ فتح الباري بشرح البخاري طلحة وحده لمباشَرَتِه له. وعند الإسماعيليّ من وجه آخر عن أيوب: وشَهِدَني أبو طلحة وأنس بن النَّضر وزيد بن ثابت. قوله: ((وقال عبَّاد بن منصور)) هو الناجيّ، بالنّونِ والجيم، وأراد بهذا التَّعليق فائدةً من جهة الإسناد، وأُخرى من جهة المتن، أمَّا الإسناد فبيَّن أنَّ حمّاد بن زيد بيَّن في روايته صورة أخذ أيوب هذا الحديث عن أبي قلابةَ، وأنَّه كان قرأه عليه من كتابه، وأطلقَ عبَّاد بن منصور روايته بالعَنعَنة. وأمَّا المتن فلما فيه من الزّيادة، وهي أنَّ الكَيّ المذكور كان بسببٍ ذات الجَنْب، وأنَّ ذلك كان في حياة رسول الله وَله، وأنَّ زيد بن ثابت كان فيمَن حَضَرَ ذلك، وفي رواية عبّاد بن منصور زيادة أُخرى في أوَّله أفرَدَها بعضُهم، وهي حديثُ إذن رسول الله وَل﴿ الأهلِ بيت من الأنصار أن يَرْقُوا من الحُمَة والأُذُن. وليس لعبَّادِ بن منصور - وكُنْيته أبو سَلَمة - في البخاريّ سوى هذا الموضع المعلَّق، وهو من كِبار أتباع التابِعِينَ، تَكلَّموا فيه من عِدّة جِهات: إحداها: أنَّه رُميَ بالقَدَر، لكنَّه لم يكن داعِيةً. ثانيها: أنَّه كان يُدَلِّس. ثالثها: أنَّه قد تَغيَّرَ حِفظه. وقال يحيى القَطّان: لمَّا رأيناه كان لا يحفظ. ومنهم مَن أطلقَ ضعفه. وقد قال ابن عَديّ: هو من جملة مَن يُكتَب حديثُه. ووصَلَ الحديثَ المذكور أبو يَعْلى عن إبراهيم بن سعيد الجَوْهريّ عن رَتجان بن سعيد عن عبَّاد بطولِهِ (١)، وأخرجه عنه الإسماعيليّ كذلك، وفَرَّقَه البَزَّارُ حديثَين (٦٧٧٤ و٦٧٧٥) وقال في كلّ منهما: تفرَّد به عبّاد بن منصور(٢). والحُمَة، بضمِّ الحاء المهمَلة وتخفيف الميم - وقد تُشَدَّد، وأنكَرَه الأزهَريّ -: هي السَّمّ. وقد تقدَّم شرحها في ((باب من اکتَوی))(٣)، وسيأتي الكلام على حُكمها في («باب (١) الحديث عند أبي يعلى (٢٨١٩) بذكر إذنه وَ ﴿ برقية الحُمَّة والعين والنفس، ولم يذكر الأُذُن، وليس فيه قصة كيّ أنس من ذات الجنب، لكن جاء بطوله عند البيهقي ٩/ ٣٤٢ من طريق علي بن المديني عن ريحان بن سعید. (٢) لكن لفظ البزار في حديث الرقية بذكر الحمة والنملة. (٣) وهو الباب رقم (١٧). ٤٩٧ باب ٢٦ / ح ٥٧١٩ - ٥٧٢١ كتاب الطب رُقْية الحيَّة والعَقرَب))(١) بعد أبواب. وأمَّا رُقية الأُذُن، فقال ابن بطّال: المراد وَجَع الأُذُن، أي: رَخَّصَ في رُقية الأُذُن إذا كان بها وجَعٌّ، وهذا يَرِد على الحَصر الماضي في الحديث (٥٧٠٥) المذكور في ((باب مَن اكتَوى)) حيثُ قال: لا رُقية إلّا من عين أو حُمة. فيجوز أن يكون رَخَّصَ فيه بعد أن مَنع منه، ويحتمل أن يكون المعنى: لا رُقية أنفَع من رُقية العين والحُمة، ولم يُرِد نفيَ الرُّقَى عن غير هما. وحكى الكِرْمانيُّ عن ابن بَطّال أنَّه ضَبَطَه ((الأُدْر)) بضمِّ الهمزة وسكون المهمَلة بعدها راء، وأنَّ جَمْعُ آدَرَ(٢) وهي نَفخة الخُّصية. قال: وهو غريب شاذّ. انتهى، ولم أرَ ذلك في کتاب ابن بطّال، فليُحرَّر. ووَقَعَ عند الإسماعيليّ في سياق رواية عبَّد بن منصور بلفظ: ((أن يَرِقُوا من الحُمة، وأذِنَ برُقية العين والنَّفْس. فعلى هذا فقوله: والأُذُن، في الرِّواية المعلّقة تصحيف من قوله: أذِنَ، فِعل ماضٍ من الإذن، لكن زاد الإسماعيليّ في رواية من هذا الوجه: وكان زيد بن ثابت يَرقي من الأُذن والنَّفْس. فالله أعلم(٣). وسيأتي بعد أبواب ((باب رُقية العين)) (٤) وغير ذلك. وقوله: ((رَأَخَّصَ لأهلِ بيت من الأنصار)) هم آل عَمْرو بن خَزْم، وَقَعَ ذلك عند مسلم (١) هو الباب رقم (٣٧). (٢) وقع في الأصلين و(س): جمع أدرة، وكذلك نقله العيني في ((عمدة القاري)) عن الحافظ، واعترضه بأنه خلاف ما نقله الكرماني عن ابن بطال، مع أنَّ الحافظ نفسه في ((انتقاض الاعتراض)) ٢/ ٥١٠ قيَّد هذا بقوله: جمع آدَرَ بالمدّ، وهذا يوافق ما رأيناه في ((شرح الكرماني)) ٢٠/ ١١ حيث نقل عن ابن بطال قوله: الأُذر جمع الآدر. قال الكرماني: أقول: يعني نحو الحمر والأحمر، فالظاهر أنَّ الحافظ كان قال في أول الأمر: جمع أدرة، خطأ، فانتسخت عنه كذلك، ثم عدّلها مؤخراً، ولم يقع للعيني النسخة التي عدّل الحافظ فيها ذلك، والله أعلم. (٣) ومما يدفع القول بالتصحيف أيضاً أنَّ رواية البزار كما قدّمنا بذكر رقية العين والنملة، ورواية أبي يعلى بذكر رقية الحمة والعين والنفس، فالظاهر أنه اضطراب من عبَّاد بن منصور، والله أعلم. (٤) وهو الباب رقم (٣٥). ٤٩٨ باب ٢٧ / ح ٥٧٢٢ فتح الباري بشرح البخاري (٢١٩٩) من حديث جابر، والمخاطَب بذلك منهم عمارة بن حَزْم كما بيَّنته في ترجمتِه في كتاب الصحابة. ٢٧ - بابُ حَرْقِ الحصير ليُسَدَّ به الدَّمُ ٥٧٢٢- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ القاريُّ، عن أبي حازِمِ، عن سَهْلٍ بنِ سعدِ الساعِدِيِّ، قال: لمَّا كُِرَت على رأسِ النبيِّ وَّةِ البَيضةُ، وَأَدْمِيَ وجهُه، وكُبِرَت رَباعيتُه، وكان عليٍّ يَخْتَلِفُ بالماءِ في المِجَنِّ، وجاءت فاطمةُ تَغْسِلُ عن وجهِهِ الدَّمَ، فلمَّا رَأْت فاطمةُ عليها السَّلام الدَّمَ يزيدُ على الماءِ كَثْرَةً، عَمَدَت إلى حَصِيرٍ فأحرَقَتْها، وألصَقَتْها على جُرْحٍ رسولِ الله وَّةِ فَرَقَأَ الدَّمُ. ١٧٤/١٠ قوله: ((بابُ حَرْقِ الحَصير)) كذا لهم، وأنكَرَه ابن التِّين، فقال: والصَّواب إحراقُ الحَصير لأنَّه من أحرَقَ، أو تحريق من حَرَّقَ، قال: فأمَّا الْحَرْق فهو حَرْقَ الشَّيءٍ يُؤذيه. قلت: لكن له توجیه. وقوله: ((ليُسَدّ به الدَّم)) هو بالسِّين المهمَلة، أي: مَجَاري الدَّم، أو ضَمَّنَ ((سَذَّ) معنى قَطَعَ، وهو الوجه، وكأنَّه أشارَ إلى أنَّ هذا ليس من إضاعة المال لأنَّه إنَّما يُفعَل للضَّرورة المبيحة، وقد كان أبو الحسن القابستيّ يقول: ودِدْنا لو عِلمنا ذلك الحَصير ممَّا كان لتَتَّخِذه دَواء لقطع الدَّم، قال ابن بَطّال: قد زَعَمَ أهل الطِّبّ أنَّ الحَصير كلَّها إذا أُحرِقَت تُبطِل زيادة الدَّم، بل الرَّماد كلّه كذلك، لأنَّ الرَّماد من شأنه القَبْض، ولهذا تَرجَمَ التِّرمِذيّ لهذا الحديث (٢٠٨٥): ((التَّداوي بالَّمادِ)). وقال المهلَّب: فيه أنَّ قطع الدَّم بالرَّمادِ كان معلوماً عندهم، لا سيّما إن كان الحَصير من دِيْس السُّعد(١)، فهي معلومة بالقَبْضِ وطِيب الرَّائحة، فالقَبض يَسُدّ أفواه الجُرح، وطِيب الرَّائحة يذهب بزَهَمِ الدَّم، وأمَّا غَسل الدَّم أوَّلاً فينبغي أن يكون إذا كان الجُرح (١) السُّعْد، بالضم نبت طيِّب الريح. والدِّيْس: جنس أعشاب مائية من الفصيلة السُّعْدية يصنع منه الحُصُر. ٤٩٩ باب ٢٨ / ح ٥٧٢٣-٥٧٢٦ كتاب الطب غيرَ غائر، أمَّا لو كان غائراً فلا يُؤمَن معه ضَرَر الماء إذا صُبَّ فيه. وقال الموفَّق عبد اللَّطيف: الرَّماد فيه تَجفيف وقِلّة لَذْع، والمجَفِّف إذا كان فيه قوّة لَذْع رُبَّمَا هَيَّجَ الدَّم وجَلَبَ الوَرَم. ووَقَعَ عند ابن ماجَهْ (٣٤٦٥) من وجه آخر عن سهل بن سعد: أحرَقَتْ له - حين لم يَرقَا - قِطعة حَصيرٍ خَلَقٍ، فوضَعَت رَمادَه عليه. وقد تقدَّم شرح حديث الباب، وهو حديث سهل بن سعد في غَسل فاطمة وجه النبيّ ◌ِّل من الدَّم لمَّا جُرِحَ يومٍ أُحُد، في كتاب الجهاد (٢٩٠٣ و٢٩١١). وقوله في آخر الحديث: ((فَرَقَا)) بِقافٍ وهمزة، أي: بَطَل خروجه. وفي رواية (٤٠٧٥): فاستَمسَكَ الدَّم. ٢٨ - باب الحُمّى مِن فَيْحِ جَهنّم ٥٧٢٣- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((الحُمَّى من فَيِحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئوها بالماءِ)). قال نافعٌ: وكان عبدُ الله يقول: اكْشِف عَنّا الرِّجْزَ. ٥٧٢٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن هشام، عن فاطمةَ بنت المنذِرِ: أنَّ أسماءَ ابنةَ أبي بكرٍ رضي الله عنهما كانت إذا أُتِيَتْ بالمرأةِ قد حُمَّت تَدْعو لها، أخَذَتِ الماءَ فصَبَّتْه بينها وبينَ جَيبها، وقالت: كان رسولُ اللهِ وَ له يأمرُنا أن نَبْرُدَها بالماءِ. ٥٧٢٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشامٌ، أخبرني أبي، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((الحُمَّى من فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوها بالماءِ)). ٥٧٢٦- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، حدَّثنا سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن عَبایةَ بنِ رِفاعةَ، عن جَدِّه رافع بنِ خَدِيج، قال: سمعتُ رسولَ اللهَوَّ يقول: ((الحُمَّى من فَيِحِ جَهَنَّمَ، فابْرُدُوها بالماءِ)). قوله: ((باب الحُمَّى من فَيح جَهَنَّم)) بفتح الفاء وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُهمَلة، وسيأتي ٥٠٠ باب ٢٨ / ح ٥٧٢٦ فتح الباري بشرح البخاري ١٧٥/١٠ في حديث رافع آخرَ الباب: / ((من فَوْحٍ)) بالواو، وتقدَّم من حديثه في صِفَة النار (٣٢٦٢) بلفظ: (فَوْر)) بالزَّاءِ بَدَل الحاء، وكلّها بمعناهُ، والمراد سُطوع حَرّها ووَهَجُه. والحُمَّى أنواع كما سأذكره. واختُلِفَ في نِسبتها إلى جَهَنَّم، فقيل: حقيقةٌ، واللهَب الحاصل في جِسم المحموم قِطعةٌ من جَهَنَّم، وقَدَّرَ الله ظُهورها بأسبابٍ تقتضيها ليَعتَبِرِ العبادُ بذلك، كما أنَّ أنواع الفَرَح واللَّذّة من نَعيم الجنَّة، أظهَرَها في هذه الدّار عِبرةً ودلالةً. وقد جاء في حديث أخرجه البَزَّار(١) من حديث عائشة بسندٍ حسن. وفي الباب عن أبي أمامةَ عند أحمد (٢٢١٦٥). وعن أبي رَيحانة عند الطبرانيّ(٢). وعن ابن مسعود في ((مُسنَد الشُّهاب)) (٦٢): «الحُمَّى حَظُّ المؤمن من النار)). وهذا كما تقدَّم في حديث الأمر بالإبرادِ أنَّ شِدّة الحرّ من فَيْحِ جَهَنَّم، وأنَّ الله أذِنَ لها بنَفَسَين (٥٣٧). وقيل: بل الخبر ورَدَ مَورِد التَّشبيه، والمعنى: أنَّ حَرّ الْحُمَّى شبيه بحرٌ جَهَنَّم تنبيهاً للنُّفُوسِ على شِدّة حَرّ النار، وأنَّ هذه الحرارة الشَّديدة شبيهة بفَيجِها، وهو ما يُصيب مَن قَرُبَ منها من حَرّها، كما قيل بذلك في حديث الإبراد، والأوَّل أولى، والله أعلم. ويُؤيِّده قول ابن عمر في آخر الباب. وذكر المصنّف فيه أربعة أحاديث: الحديث الأول: حديث ابن عمر. أخرجه من طريق عبد الله بن وهب عن مالك، وكذا مسلم (٧٩/٢٢٠٩). وأخرجه النَّسائيُّ (ك٧٥٦٤) من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم عن مالك، قال الدّارَ قُطنيُّ في ((الموطآت)): لم يَروِهِ من أصحاب مالك في (الموطَّأ)) إلّ ابن وهب وابن القاسم، وتابَعَهما الشافعيّ وسعيد بن عُفَير وسعيد بن داود، قال: ولم يأتِ به مَعْن (١) كما في «كشف الأستار)» (٧٦٥). (٢) لم نقف عليه فيما طبع من ((المعجم الكبير))، وهو عند ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (٢١)، وعند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٢١٧)، وغيرهما.