Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ باب ١ / ح ٥٦٤٠ كتاب المرضى مَن ليست عليه خطيئة يُزاد في رفع دَرَجَته بقَدْرِ ذلك، والفضل واسع. تنبيه: وَقَعَ لهذا الحديث سببٌ أخرجه أحمد (٢٥٢٦٤)، وصَحَّحَه أبو عَوَانة(١)، والحاكم (٣٤٥/١-٣٤٦) من طريق عبد الرَّحمن بن شَيْبة العَبْدَريّ: أنَّ عائشة أخبَرَته: أنَّ رسول الله ﴿ طَرَقَه وجَعٌ، فجَعَلَ يَتَقَلَّب على فِراشه ويَشتَكي، فقالت له عائشة: لو صَنَعَ هذا بعضُنا لَوجَدتَ عليه، فقال: ((إنَّ الصالحِينَ يُشَدَّد عليهم، وإنَّه لا يُصيب المؤمن نَكبةٌ شَوكة)) الحديث. وفي هذا الحديث تَعقُّب على الشَّيخ ◌ِزّ الدّين بن عبد السَّلام حيثُ قال: ظنَّ بعض الجَهَلة أنَّ المصاب مأجور، وهو خطأٌ صريحٌ، فإنَّ الثَّواب والعقاب إنَّما هو على الكَسْب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصَّبر والرِّضا. ووجه التَّعَقُّب أنَّ الأحاديث الصَّحيحة صريحةٌ في ثُبُوت الأجر، بمُجرَّدٍ حُلُول المصيبة، وأمَّا الصَّبر والرِّضا فقَدْر زائد يُمكِن أن يُئاب عليهما زيادةً على ثواب المصيبة(٢). قال القَرافيّ: المصائب كفَّارات جَزماً سواء اقتَرَنَ بها الرِّضا أم لا، لكن إن اقتَرَنَ بها الرِّضا عَظُمَ التَّكفير وإلّا قَلَّ. كذا قال، والتَّحقيق أنَّ المصيبة كفَّارة لذَنبِ يُوازيها، وبالرِّضا يُؤْجَر على ذلك، فإن لم يكن للمُصابِ ذَنبٌ عُوِّضَ عن ذلك من الثَّواب بما يوازيه. وزَعَمَ القَرافيّ أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يقول للمُصابِ: جَعَلَ الله هذه المصيبة كفَّارةً لذَنِك، لأنَّ الشّارع قد جعلها كفَّارة، فسؤال التَّكفير طلبٌ لتحصيلِ الحاصل، وهو إساءة أدبٍ على الشّارع. كذا قال، وتُعقِّبَ بما ورَدَ من جواز الدُّعاء بما هو / واقعٌ كالصلاة على ١٠٦/١٠ النبيّ وَّه وسؤال الوسيلة له. وأُجيبَ عنه بأنَّ الكلام فيما لم يَرِدْ فيه شيءٌ، وأمَّا ما ورَدَ فهو مشروع، ليُثَابَ مَن امتَثَلَ الأمرَ فيه على ذلك. الحديث الثاني والثالث: حديث أبي سعيد وأبي هريرة معاً. (١) كذا نقل الحافظ تصحيحه عن أبي عوانة، ولم نقف عليه في مطبوع أبي عوانة، ولا عزاه هو نفسه إليه في ((إتحاف المهرة)) (٢١٧٨٥). ولعلَّ الحافظ أراد أن يذكر ابن حبان فسبق قلمه فذكر أبا عوانة، لأنَّ الحدیث صححه ابن حبان برقم (٢٩١٩). (٢) سيأتي مزيد بيان في هذه المسألة عند شرح آخر حديث في هذا الباب. ٣٦٢ باب ١ / ح ٥٦٤١ - ٥٦٤٢ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦٤١، ٥٦٤٢- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا عبدُ الملِك بنُ عَمرِو، حدَّثنا زُهَيرُ بنُ محمَّدٍ، عن محمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، وعن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((ما يُصِيبُ المسلمَ مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمِّ ولا خَزٍَ، ولا أذّى ولا غَمِّ، حتَّى النَّوْکِ یُشاكُها، إلّا كَنَّرَ الله بها من خطاياه)). قوله: ((عبد المَلِك بن عَمْرو)) هو أبو عامر العَقَديّ، مشهور بكُنْيتِه أكثر من اسمه. وزُهَير بن محمَّد: هو أبو المنذِر التَّميميّ، وقد تَكلَّموا في حِفظه، لكن قال البخاريّ في ((التاريخ الصَّغير)»: ما روى عنه أهلُ الشّام فإنَّه مَناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنَّه صحيح. قلت: وقال أحمد بن حَنبَل: كأن زُهَير بن محمَّد الذي يروي عنه الشّاميّونَ آخَرُ، لكَثْرة المناكير. انتهى، ومع ذلك فما أخرج ه البخاريّ إلّا هذا الحديث وحديثاً آخر في كتاب الاستئذان (٦٢٢٩) من رواية أبي عامر العَقَديّ أيضاً عنه، وأبو عامر بصريّ، وقد تابَعَه على هذا الحديث الوليد بن كثير في حديث الباب عن شيخه فيه محمَّد بن عَمْرو بن حَلْحَلة(١) عند مسلم (٢٥٧٣). وحَلْحَلة، بمُهمَلتَينِ مفتوحَتَينِ بينهما لام ساكنة وبعد الثّانية لام مفتوحة ثمَّ هاء. قوله: ((عن النبيّ وَّ)) في رواية الوليد بن كثير: أنَّهما سمعا رسولَ الله وَّه. قوله: (مِن نَصَب)) بفتح النُّون والمهمَلة ثمَّ موحّدة: هو التَّعَب، وزنه ومعناه. قوله: ((ولا وَصَب)) بفتح الواو والمهمَلة ثمَّ مُوحّدة، أي: مرض، وزنه ومعناه، وقيل: هو المرض اللّازِم. قوله: ((ولا هَمّ ولا حَزَن)) هما من أمراض الباطن، ولذلك ساغَ عَطفهما على الوصَب. قوله: ((ولا أذّى)) هو أعَمّ من جميع ما تقدَّمَ. وقيل: هو خاصّ بما يَلحَق الشَّخص من تَعَدّي غیرہ علیه. (١) كذا قال الحافظ، وهو وهمٌ منه رحمه الله، لأنَّ رواية مسلم عن الوليد بن كثير عن محمد بن عمرو بن عطاء القرشي العامري، وليس عن محمد بن عمرو بن حلحلة! ٣٦٣ باب ١ / ح ٥٦٤٣ كتاب المرضى قوله: ((ولا غَمّ)) بالغَينِ المعجَمة هو أيضاً من أمراض الباطن، وهو ما يُضَيِّق على القلب. وقيل في هذه الأشياء الثلاثة، وهي الهَمّ والغَمّ والحزن: إنَّ الهَمّ يَنشَأ عن الفِكر فيما يُتوقَّع حصوله ممّا يُتَأْذَّى به، والغَمّ كَرْبٌ يَحدُث للقلبِ بسببٍ ما حَصَلَ، والحَزَن يَحِدُث لفَقْدِ ما يَشُقّ على المرء فقدُه. وقيل: الهَمّ والغَمّ بمعنَى واحد. وقال الكِرْمانيُّ: الغَمّ يَشمَل جميع أنواع المكروهات، لأنَّه إمّا بسببٍ ما يَعرِض للبَدَنِ أو النَّفس، والأوَّل إمّا بحيثُ يَخْرُج عن المجرَى الطَّبيعيّ أو لا، والثّاني: إمّا أن يُلاحظ فيه الغيرُ أو لا، وإمّا أن يظهر فيه الانقباض أو لا، وإمّا بالنَّظَرِ إلى الماضي أو لا. الحديث الرابع: حدیث کعب. ٥٦٤٣- حدَّثني مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، عن سعدٍ، عن عبد الله بنِ کَعْبٍ، عن أبيه، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((مَثَلُ المؤمنِ كالخامةِ منَ الزَّرْعِ، تُفِيُها الرِّيحُ مَرَّةً وَتَعْدِلها مرَّةً، ومَثَلُ المنافِقِ كالأَرْزةِ، لا تَزالُ حتَّى يكونَ انجِعافُها مرَّةً واحدةً)). وقال زكريًّا: حدَّثني سَعْدٌ، حدَّثنا ابنُ كَعْبٍ، عن أبيه كَعْبٍ، عن النبيِّ يَّ. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوْريّ، وسعد: هو ابن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عَوْف الزُّهْريّ، وعبد الله بن كعب، أي: ابن مالك الأنصاريّ. قوله: ((كالخامَةِ)) بالخاءِ المعجَمة وتخفيف الميم: هي الطاقة الطَّريَّة اللَّيِّنة أو القَصبة (١)، قال الخليل: الخامة: الزَّرع أوَّلَ ما يَنْبُت على ساقٍ واحدٍ، والألف فيها مُنقَلِبة عن واو. ونَقَلَ ابن التِّين عن القَزّاز أنَّ ذَكَرها بالمهمَلة والفاء، وفَسَّرَها بالطاقة من الزَّرع. ووَقَعَ عند أحمد (١٥١٥٤) في حديث جابر: ((مَثَل المؤمن مَثَل السُّنْبُلة، تَستَقيم مرَّةً وَخِرّ مرّةً). وله (٢١٢٨٢) في حديثٍ لأُبيّ بن كعب: ((مَثَل المؤمن مَثَل الخامة، تَحمَرُ مرَّةً وَتَصفَرُ أُخرى)). قوله: ((تُقِيتُها) بفاءٍ وتحتانيَّة مهموز، أي: تُميْلها، وزنه ومعناه. قال الزَّركَشيّ: هنا لم يُذكر الفاعل، وهو الرّيح، وبه يَتِمّ الكلام، وقد ذكره في ((باب كفّارة المرض)) وهذا من (١) تصحفت في (س) إلى: القضبة. ٣٦٤ باب ١ / ح ٥٦٤٣ فتح الباري بشرح البخاري أعجَب ما وَقَعَ له، فإنَّ هذا الباب الذي ذكر فيه ذلك هو ((باب كفَّارة المرض))، ولفظ الرّيح ثابت فيه عند مُعظَم الرُّواة. ونَقَلَ ابن التِّين عن أبي عبد الملِك: أنَّ معنى تُفِيتُها: تُرقِدُها. وتَعقَّبَه بأنَّه ليس في اللُّغة فاءَ إذا رَقَدَ. قلت: لعلَّه تفسير معنًى، لأنَّ الرُّقود رُجوع عن القيام، وفاءَ تجيء بمعنى رَجَعَ. قوله: ((وتَعْدِلُها)) بفتح أوَّله وسكون المهمَلة وكسر الدّال، وبضمٍّ أوَّله أيضاً وفتح ثانيه والتَّشديد. ووَقَعَ عند مسلم (٥٩/٢٨١٠): («تُفِيتُها الرّيح، تَصرعُها مرَّة وتَعدِلها أُخرى))، وكأنَّ ذلك باختلاف حال الرّيح، فإن كانت شديدةً حَرَّكَتْها فماَلَت يميناً وشِمالاً حَتَّى تُقاربَ السُّقوطَ، وإن كانت ساكنةً أو إلى السُّكون أقرَبَ أقامَتْها. ووَقَعَ في رواية زکریًّا عند مسلم (٥٩/٢٨١٠): ((حتَّى تَهِيجَ)) أي: تَستَوي ويَكمُل نُضْجها، ولأحمد(١) من حديث جابر مثله. ١٠٧/١٠ قوله: ((ومَثَل / المنافق)) في حديث أبي هريرة المذكور بعده: ((الفاجِر»، وفي رواية زكريًّا عند مسلم: ((الكافر)). قوله: ((كالأَرْزة)) بفتح الهمزة - وقيل: بكسرها - وسكون الرَّاء بعدها زاي، كذا للأكثر، وقال أبو عُبيدة: هو بوزنِ فاعِلة، وهي الثّابِتَة في الأرض. ورَدَّه أبو عُبيد بأنَّ الرّواة اَنَّفَقوا على عَدَم المدّ، وإنَّما اختَلَفوا في سكون الرَّاء وتحريكها، والأكثر على السُّكون. وقال أبو حنيفة الدِّینوريّ: الرَّاء ساكنة، ولیس هو من نّبات أرض العرب، ولا يَنبُت في السِّباخ، بل يطُول طولاً شديداً ويَغلُظ. قال: وأخبرني الخَبِرُ(٢) أنَّه ذكر الصَّنَوبَرِ، وأنَّه لا يَحمِل شيئاً، وإنَّما يُستَخرَج من أعجازه وعُروقه الزّفت. وقال ابن سِيدَه: الأرز: العَرْعَر، وقيل: شَجَر بالشّام يقال لثَمَره: الصَّنَوبَر. وقال الخطَّبيُّ: الأرَزة مفتوحة الرَّاء، شجرة، واحدة الأرز: وهو شَجَر الصَّنَوبَر فيما يقال. وقال (١) لم نجد هذا الحرف في شيءٍ من روايات حديث جابر عند أحمد (١٤٧٦١) و(١٥١٥٤) و(١٥٢٤٥). (٢) قال ابن سِيدَهْ في ((المحكم)) ١٧٩/٥: جاء به على مثال فَعِل، وهذا لا يكاد يُعرف إلّا أن يكون على النسب. ٣٦٥ باب ١ / ح ٥٦٤٤ كتاب المرضى القَزّاز: قاله قوم بالتَّحريك، وقالوا: هو شَجَر مُعتَدِل صُلْب لا يُحرِّكه هُبوب الرّيح، ويقال له: الأرْزَن. قوله: ((انچِعافُها)) بجيمٍ ومُهمَلة ثمَّ فاء، أي: انقلاعها، تقول: جَعَفْته فانجَعَفَ، مِثل: فَلَعْته فانقَلَعَ. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ معناه انكِسارها من وسَطِها أو أسفَلِها. قال المهلَّب: معنى الحديث أنَّ المؤمن حيثُ جاءه أمر الله انطاعَ له، فإن وَقَعَ له خيرٌ فِعَ به وشَكَرَ، وإِن وَقَعَ له مكروهٌ صَبَرَ ورَجا فيه الخير والأجر، فإذا اندَفَعَ عنه اعتَدَل شاکِراً، والكافر لا يتفقَّدهُ الله باختبارِهِ، بل يَحَصُل له التَّيسير في الدُّنيا ليَتَعَسَّر عليه الحالُ في المعاد، حتَّى إذا أراد الله إهلاكه قَصَمَه فيكون موتُه أشدَّ عذاباً عليه وأكثر ألماً في خروج نفسه. وقال غيره: المعنى أنَّ المؤمن يَتَلَقَّى الأعراض الواقعة عليه لضعفٍ حَظّه من الدُّنيا، فهو كأوائل الَّرع شديدُ الميلان لضعفٍ ساقه، والكافر بخلاف ذلك، وهذا في الغالب من حال الاثنينِ. قوله: ((وقال زكريّا)) هو ابن أبي زائدة، وهذا التَّعليق عنه وَصَلَه مسلم (٥٩/٢٨١٠) من طريق عبد الله بن نُمَير ومحمَّد بن بشر، كلاهما عنه. قوله: ((حدَّثني سَعْد)» هو ابن إبراهيم المذكور من قبلُ. قوله: ((حدَّثني ابن كَعْب)) يريد أنَّه مُغایِرٌ لرواية سفيان عن سعد في شیئینِ: أحدهما: إبهامه اسمَ ابن كعب. والثّاني: تصريحه بالتَّحديث. فيُستَفاد من رواية سفيان تسميتُه، ومن رواية زكريّا التَّصريحُ باتِّصاله. وقد وَقَعَ في رواية لمسلم (٦٠/٢٨١٠) عن سفيان تسميته عبدَ الرّحمن بن كعب، ولعلَّ هذا هو السِّ في إبهامه في رواية زكريًّا. ويُستَفاد من صنيع مسلم في تخريج الرِّوايتَينِ عن سفيان أنَّ الاختلاف إذا دارَ على ثقةٍ لا يَضُرّ. الحديث الخامس: حديث أبي هريرة. ٥٦٤٤- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ فُلَیح، قال: حدثني أبي، عن ٣٦٦ باب ١ / ح ٥٦٤٤ فتح الباري بشرح البخاري هلال بنِ عليٍّ من بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ عُهُ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: (مَثَلُ المؤمنِ كَمَثَلِ الخامةِ منَ الزَّرْعِ، من حيثُ أتْها الرِّيحُ كَفَأَتْهَا، فإذا اعْتَدَلَت تَكَفَّأُ بالبَلاءِ، والفاجِرُ كالأَزْزةِ صَمّاءَ مُعتَدِلةٌ، حتَّى يَقْصِمَها اللهُ إذا شاءً)). [طرفه في: ٧٤٦٦] قوله: «حدّثني أبي» هو فُلیح بن سلیمان. قوله: ((عن هلال بن عليّ من بني عامر بن لُؤَيّ) كذا فيه، وليس هو من أنفُسهم، وإنَّما هو من مَواليهم، واسم جَدّه أُسامة وقد يُنسَب إلى جَدّه، ويقال له أيضاً: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، وهو مدنيّ تابعيّ صغير مُوثَّق، وفي الرُّواة: هلال بن أبي هلال سَلَمة الفِهْريّ، تابعيّ مدنيّ أيضاً، يروي عن ابن عمر، وروى عنه أُسامة بن زيد اللَّيِيّ وحده، ووهمَ مَن خَلَطَه بهلال بن عليّ. وفيهم أيضاً: هلال بن أبي هلال، مَذْحِجيٍّ تابعيُّ أيضاً، يروي عن أبي هريرة. وهلال بن أبي هلال أبو ظِلال، بصريّ تابعيّ أيضاً، یأتي ذكره قریباً في «باب فضل من ذهب بصره» (٥٦٥٣). وهلال بن أبي هلال شیخ يروي عن أنس، أفرَدَه الخطيب في ((المَّفِقِ)) عن أبي ظِلال، وقال: إنَّه مجهول، ولست أستبعد أن یکونا واحداً. قوله: ((من حيثُ أنْتْها الرّيحِ كَفَأتْها)» بفتح الكاف والفاء والهمز، أي: أمالَتها، ونَقَلَ ابن التِّين أنَّ منهم مَن رواه بغير همز، ثمَّ قال: كأنَّه سَهَّلَ الهمزة، وهو كما ظنَّ والمعنى أمالَتْها. قوله: «فإذا اعْتَدَلَت تَكَفَّأُ بِالبَلاءِ)» قال عِيَاض: كذا فيه، وصوابه فإذا انقَلَبَت، ثمَّ يكون قوله: (تَكَفَّأُ)) رُجوعاً إلى وصف المسلم، وكذا ذكره في التَّوحيد (٧٤٦٦). وقال الكِرْمانيُّ: ١٠٨/١٠ كان المناسب أن يقول: فإذا اعتَدَلَت تَكَفَّأُ بالرّيح كما يَتَكَفَّأُ المؤمن بالبلاء، لكن / الرّيح أيضاً بلاء بالنّسبة إلى الخامة، أو لأنَّه لمَّا شَبَّهَ المؤمن بالخامة أثبَتَ للمُشَبَّه به ما هو من خواصّ المشَبَّه. قلت: ويحتمل أن يكون جواب ((إذا)) محذوفاً. والتَّقدير: استَقَامَت، أي: فإذا اعتَدَلَتِ الرّيحِ استَقَامَتِ الخامة، ويكون قوله بعد ذلك: ((تَكَفَّأُ بالبلاءِ)) رُجوعاً إلى وصف المسلم، ٣٦٧ باب ١ / ح ٥٦٤٥ كتاب المرضى كما قال عياض، وسياق المصنّف في ((باب المشيئة والإرادة)) من كتاب التَّوحيد يُؤيِّد ما قلت، فإنَّه أخرجه فيه (٧٤٦٦) عن محمَّد بن سِنان عن فُلَيح عالياً بإسنادِه الذي هنا، وقال فيه: ((فإذا سَكَنَت اعتَدَلَت، وكذلك المؤمن يُكفَّأُ بالبلاءِ)). تنبيه: ذكر المِزّيّ في ((الأطراف)) في ترجمة هلال بن عليّ عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة حديث: ((مَثَل المؤمن مَثَل خامة الزَّرع (خ) في الطِّبّ عن محمَّد بن سِنان عن فُلَيح: وعن إبراهيم بن المنذر عن محمّد بن فُليح عن أبيه عنه به)) قال أبو القاسم - يعني ابنَ عساكر : لم أجِدْ حديث محمَّد بن سِنان ولا ذكره أبو مسعود، فأشارَ إلى أنَّ خَلَفاً تفرَّد بذِكْره. قلت: ورواية إبراهيم بن المنذر في كتاب المرضَى كما تَرَى لا في الطِّبّ، لكن الأمر فيه سَهل، وأمَّا رواية محمَّد بن سِنان فقد بيَّنتُ أين ذكرها البخاريّ أيضاً، فيُتَعَجَّب من خَفاء ذلك على هذَينِ الحافظَينِ الكبيرَينِ ابن عساكر والمِّيّ، ولله الحمد على ما أنعَمَ. قوله: ((والفاجِر)) في رواية محمَّد بن سِنان: ((والكافر)). وبهذا يظهر أنَّ المراد بالمنافقِ في حديث كعب بن مالك نِفاقُ الكفر. قوله: ((صَّاء)) أي: صُلْبة شديدة بلا تجويف. قوله: (يَقْصِمها)) بفتح أوَّله وبالقاف، أي: يَكسِرِها، وكأنَّه مُستَنَدُ الدَّاوُوديّ فيما فَسَّرَ به الانجِعافَ، لكن لا يَلزَم من التَّعبير بما يدلّ على الكسر أن يكون هو الانقلاع، لأنَّ الغرض القَدْر المشتَرَك منهما وهو الإزالة، والمراد خروج الرّوح من الجسد. الحديث السادس: حديث أبي هريرة أيضاً. ٥٦٤٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحْمنِ ابن أبي صَعْصَعةَ، أَنَّه قال: سمعتُ سعيدَ بنَ يَسارٍ أبا الحُبَاب يقول: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللهِوَلَهَ: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يُصِبْ منه)). قوله: ((عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي صَعْصَعةَ)) هكذا جَوّد(١) مالك نَسَبه، (١) في (س): جرّد. ٣٦٨ باب ١ / ح ٥٦٤٥ فتح الباري بشرح البخاري ومنهم مَن يَنسُبه إلى جَدّه، ومنهم مَن يَنسُب عبدَ الله إلى جَدّه. ووَفَعَ في رواية الإسماعيليّ من طريق ابن القاسم عن مالك: حدَّثني محمَّد بن عبد الله، فذكره. قوله: ((أبا الحُبَاب)) بضمِّ المهمَلة وموحَّدتَينِ مُفَّفاً. قوله: ((مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يُصِبْ مِنْه)) كذا للأكثرِ بكسر الصّاد والفاعلُ اللهُ، قال أبو عُبيد الهَرَويُّ: معناه يَبتليه بالمصائبِ ليُثِيبَه عليها. وقال غيره: معناه يوجِّه إليه البلاء فيُصيبه. وقال ابن الجَوْزيّ: أكثر المحدِّثينَ يَرْؤُونَه بكسر الصّاد، وسمعت ابن الخشَّاب يَفتَحِ الصّاد، وهو أحسن وأليَق. كذا قال، ولو عَكَسَ لكان أولى، والله أعلم. ووجَّهَ الطِّيبِيُّ الفتح بأنَّه أليَقُ بالأدبِ لقولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. قلت: ويَشهَد للكسر ما أخرجه أحمد (٢٣٦٢٣) من حديث محمود بن لَبِيد رَفَعَه: ((إذا أحَبَّ الله قوماً ابتلاهم، فمَن صَبَرَ فله الصَّبر، ومَن جَزِع فله الجَزَع))، ورواته ثقات، إلّا أنَّ محمود بن لَبيد اختُلِفَ في سماعه من النبيّ وَّةِ، وقد رآه وهو صغير. وله شاهدٌ من حديث أنس عند التِّرمِذيّ (٢٣٩٦) وحَسَّنَه. وفي هذه الأحاديث بِشارة عظيمة لكلِّ مُؤمِن، لأنَّ الآدميّ لا يَنفَكّ غالباً من ألم بسبب مرض أو هَمّ أو نحو ذلك ممّا ذُكر، وإنَّ الأمراض والأوجاع والآلام - بَدَنيَّةً كانت أو قلبيَّةً - تُكفِّر ذُنوب من تقع له. وسيأتي في الباب الذي بعده (٥٦٤٧) من حديث ابن مسعود: ((ما من مسلم يُصيبه أذّى إلّا حاتَّ الله عنه خطاياه))، وظاهره تعميم جميع الذُّنوب، لكن الجمهور خَصّوا ذلك بالصَّغائر، للحديثِ الذي تقدَّم التَّنبيه عليه في أوائل الصلاة (٥٢٨): ((الصَّلَوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفَّارات لما بينهنَّ، ما اجْتُنِبَتِ الكبائر)) فحَمَلوا المُطلَقات الواردة في التَّكفير على هذا المقيَّد. ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التَّعميم أنَّ المذكورات صالحةٌ لتكفير الذُّنوب، فيُكفِّر الله بها ١٠٩/١٠ ما شاءَ من الذُّنوب، ويكون كَثْرة التَّكفير وقِلَّته باعتبار / شِدّة المرض وخِفَّته. ثمَّ المراد بتكفير الذَّنب سَتْرُه أو مَحْوُ أثرِه المرتَّب عليه من استحقاق العقوبة. ٣٦٩ باب ١ / ح ٥٦٤٥ كتاب المرضى وقد استُدِلَّ به على أنَّ مُجرَّد حصول المرض أو غيره ممَّا ذُكِرَ يَتَرَتَّب عليه التَّكفير المذكور، سواء انضَمَّ إلى ذلك صَبْر المصاب أم لا، وأبَى ذلك قومٌ كالقُرطُبيِّ في ((المفهم)) فقال: مَحَلّ ذلك إذا صَبَرَ المصاب واحتَسَبَ وقال ما أمَرَ اللهُ به في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَآَ أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٥٦]، فحينئذٍ يَصِل إلى ما وعَدَ الله ورسوله به من ذلك. وتُعقِّبَ بأنَّه لم يأتِ على دَعواه بدليلٍ، وأنَّ في تَعبيره بقولِه: ((بما أمَرَ الله)) نظراً إذ لم يقع هنا صيغة أمر. وأُجيبَ عن هذا بأنَّه وإن لم يقع التَّصريح بالأمرِ فسياقه يقتضي الحَثّ عليه والطَّلَب له، ففيه معنى الأمر. وعن الأوَّل بأنَّه ◌َل الأحاديثَ الواردةَ بالتَّقييدِ بالصَّبرِ على المطلَقة، وهو حَمْل صحيح، لكن كان إنما يَتِمّ له ذلك لو ثَبَتَ شيءٌ منها، بل هي إمّا ضعيفة لا يُحْتَجّ بها، وإمّا قويّة لكنَّها مُقيَّدة بثوابٍ مخصوص، فاعتبار الصَّبر فيها إنَّما هو لحصولِ ذلك الثَّواب المخصوص، مِثل ما سيأتي (٥٧٣٤) فيمَن وَقَعَ الطاعون ببَلَدِ هو فيها فصَبَرَ واحتسب فله أجر شهيد. ومثل حديث محمَّد بن خالد عن أبيه عن جَدّه، وكانت له صُحْبة: سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((إنَّ العَبد إذا سَبَقَت له من الله مَنزِلة فلم يَبلُغها بعَمَلٍ، ابتلاه الله في جسده أو ولده أو ماله، ثمَّ صَبَّرَه على ذلك، حتَّى يَبلُغ تلك المنزلة)) رواه أحمد (٢٢٣٣٨) وأبو داود (٣٠٩٠)، ورجاله ثقات، إلّا أنَّ خالداً لم يَروِ عنه غير ابنه محمَّد، وأبوه اختُلِفَ في اسمه، لکن إبهام الصحابيّ لا يَضُرّ. وحديث سَخْبَرة - بمُهمَلةٍ ثمَّ مُعجَمة ثمَّ موحّدة وزن مَسلَمة - رَفَعَه: ((مَن أُعطيَ فشَكَرَ، وابتُليَ فصَبَرَ، وظَلَمَ فاستَغْفَرَ، وظُلِمَ فغَفَرَ، أولئكَ لهم الأمنُ وهم مُهْتَدونَ)) أخرجه الطبرانيُّ (٦٦١٣) بسندٍ حسن(١)، والحديث الآتي قريباً (٥٦٥٣) في مَن ذهب بَصَرُه، يَدخُل في هذا أيضاً. هكذا زَعَمَ بعضُ مَن لَقيناه أنَّه استقرأ الأحاديث الواردة في الصَّبر فوجَدَها لا تَعدُو أحدَ (١) كذا حسَّنَه الحافظُ هنا، مع أنه ذكر في ((الإصابة)) ٣/ ٣٥ في ترجمة سَخْبرة الأزدي أنَّ في إسناده أبا داود الأعمى أحد المتروكين. ٣٧٠ باب ١ / ح ٥٦٤٥ فتح الباري بشرح البخاري الأمرَين، وليس كما قال، بل صَحَّ التَّقييد بالصَّيرِ مع إطلاق ما يَتَرتَّب عليه من الثَّواب، وذلك فيما أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صُهَيب قال: قال رسول الله وَ لَهُ: ((المؤمنُ(١)، وليس ذلك إلّا للمؤمن، إن أصابته سَرّاء فشَكَرَ الله فله أجر، وإن أصابته ضرّاء فصَبَرَ فله أجر، فكلّ قضاء الله للمسلم خيرٌ))(٢). وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقّاص بلفظ: ((عَجِبتُ من قضاء الله للمؤمن، إن أصابه خيرٌ ◌َِدَ اللهَ وشَكَرَ، وإن أصابته مُصيبةٌ حَمِدَ اللهَ وصَبَرَ، فالمؤمن يُؤْجَر في كلّ أمره)) الحديث، أخرجه أحمد (١٤٨٧)، والنَّسائيُّ (١٠٨٣٩). وثمَّن جاء عنه التَّصريح بأنَّ الأجر لا يَحَصُل بمُجرَّدٍ حصول المصيبة، بل إنَّما يَحِصُل بها التَّكفير فقط، مِن السَّلَف الأوَّل: أبو عبيدة بن الجرّاح، فروى أحمد (١٦٩٠) والبخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٤٩١) وأصله في النَّسائيِّ (٢٢٣٣) بسندٍ جَيِّد، وصَخَّحَه الحاكم (٢٦٥/٣) من طريق عِيَاض بن غُطَيف قال: دَخَلنا على أبي عبيدة نَعودُه من شَكوى أصابته، فقلنا: كيف باتَ أبو عُبيدة؟ فقالت امرأته تُحَيْفَة: لقد باتَ بأجرٍ. فقال أبو عبيدة: ما بتُّ بأجرٍ، سمعت رسول الله ◌َ ﴿ يقول: ((مَن ابتلاه الله ببلاءٍ في جسده فهو له حِطّةٌ)) وكأنَّ أبا عُبيدة لم يسمع الحديث الذي صَرَّحَ فيه بالأجرِ لمن أصابته المصيبة، أو سمعَه وحَمَلَه على التَّقييد بالصَّبر، والذي نَفاه مُطلَقُ حصول الأجر العاري عن الصَّبر. وذكر ابن بَطّال أنَّ بعضهم استَدَلَّ على حصول الأجر بالمرضِ بحديث أبي موسى الماضي في الجهاد (٢٩٩٦) بلفظ: ((إذا مَرِضَ العَبد أو سافَرَ كَتَبَ الله له ما كان يعمل صحيحاً مُقيماً)) قال: فقد زاد على التَّكفير. وأجابَ بما حاصله أنَّ الزّيادة لهذا إنَّما هي ١١٠/١٠ باعتبار نيَّته أنَّه لو كان صحيحاً لَدامَ على ذلك العَمَل الصالح، فتَفَضَّلَ الله/ عليه بهذه النّيَّة بأن يَكتُب له ثوابَ ذلك العَمَل، ولا يَلزَم من ذلك أن يُساويَه مَن لم يكن يعمل في صِحّته شيئاً. (١) كذا ذكر الحافظُ الروايةَ على الاختصار، واللفظُ المذكور أقرب إلى رواية البيهقي ٣/ ٣٧٥ منه إلى رواية مسلم. (٢) قوله: ((فكلُّ قضاء الله للمسلم خير)) ليس في حديث مسلم، وإنما في رواية البيهقي للحديث ٣٧٥/٣. ٣٧١ باب ١ / ح ٥٦٤٥ كتاب المرضى وثمَّن جاء عنه أنَّ المريض يُكتَب له الأجرُ بمرضِه أبو هريرة، فعند البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (٥٠٣) بسندٍ صحيح عنه أنَّه قال: «ما من مرضٍ يُصيبُني أحَبُّ إليَّ من الحُمَّى، لأنَّها تَدخُل في كلّ عُضوٍ مِنِّي، وإِنَّ الله يُعطي كلّ عُضو قِسْطَه من الأجر))، ومثل هذا لا يقوله أبو هريرة برأيه. وأخرج الطبرانيُّ (٥٤٠) من طريق محمَّد بن معاذ عن أبيه، عن جَدّه أُبِيّ بن كعب: أنَّه قال: يا رسول الله ما جزاء الحُمَّى؟ قال: ((تُجَرَى الحسناتُ على صاحبها ما اختَلَجَ عليه قَدَمٌ أو ضَرَبَ عليه عِرْق)) الحديث، والأولى حَمل الإثبات والنَّفي على حالَينِ: فمَن كانت له ذُنوب مثلاً أفادَ المرض تَحيصَها، ومَن لم تكن له ذُنوب كُتِبَ له بمقدار ذلك. ولمَّا كان الأغلَبُ من بني آدم وجودَ الخَطايا فيهم أطلقَ مَن أطلقَ أنَّ المرض كفَّارة فقط، وعلى ذلك تُحمَل الأحاديث المطلَقة، ومَن أثبَتَ الأجرَ به فهو محمول على تحصيل ثوابٍ يُعادِل الخطيئةَ، فإذا لم تكن خطيئةٌ، تَوقَّرَ لصاحبِ المرض الثَّوابُ، والله أعلم بالصَّوابِ. وقد استَبعَدَ ابن عبد السَّلام في ((القواعد)) حصولَ الأجر على نفس المصيبة، وحَصَرَ حصولَ الأجر بسببها في الصّبر، وتُعقّب بما رواه أحمد (١٤٣٩٣) بسندٍ جيّد عن جابر قال: استأذَنَتِ الحُمَّى على رسول الله وَِّ فأمَرَ بها إلى أهل قُباء، فشَكَوا إليه ذلك فقال: ((ما شِئْتُم، إن شِئْتُم دَعَوتُ الله لكم فكَشَفَها عنكُم، وإن شِئْتُم أن تكون لكم طَهوراً)). قالوا: فَدَعْها. ووجه الدّلالة منه أنَّه لم يُؤاخِذْهم بشَكواهم، ووعَدَهم بأنَّهَا طَهور لهم. قلت: والذي يظهر أنَّ المصيبة إذا قارَنَهَا الصَّبر حَصَلَ التَّكفير ورفع الدَّرَجات على ما تقدَّم تفصيله، وإن لم يَحصُل الصَّبر نُظِرَ إن لم يَحَصُل من الجَزَعِ ما يُذَمّ من قولٍ أو فِعلٍ فالفضلُ واسعٌ، ولكنِ المنزِلة مُنحَطّة عن مَنزِلة الصّابِرِ السابقة، وإن حَصَلَ فيكون ذلك سبباً لنقصِ الأجر الموعُود به أو التَّكفير، فقد يَستَويان، وقد يزيد أحدهما على الآخر، فِقَدرِ ذلك يُقضَى لأحدِهما على الآخر. ويشير إلى التَّفصيل المذكور حديث محمود بن لَبِيد الذي ذكرته قريباً(١)، والله أعلم. (١) في أول شرح الحديث السادس من هذا الباب. ٣٧٢ باب ٢ / ح ٥٦٤٦ -٥٦٤٧ فتح الباري بشرح البخاري ٢ - بابُ شدّةِ المرض ٥٦٤٦- حدَّثْنَا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ. وحدَّثني بِشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما رأيتُ أحداً أشَدَّ عليه الوَجَعُ من رسولِ الله ◌ِآلّ. ٥٦٤٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيدٍ، عن عبدِ الله ◌ُ: أتيتُ النبيَّ وَّهَ في مرضِه وهو يُوعَكُ وَعْكاً شديداً، فقُلتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شديداً، قلتُ: إنَّ ذاكَ بأنَّ لكَ أَجْرَينٍ؟ قال: ((أجَل، ما من مسلمٍ يُصِيبُهُ أذّى إلّا حاتَ اللهُ عنه خَطاياهُ كما تَحَاتُّ ورَقُ الشَّجَرِ)). [أطرافه في: ٥٦٤٨، ٥٦٦٠، ٥٦٦١، ٥٦٦٧] قوله: ((بابُ شِدّة المرضِ)) أي: وبيان ما فيها من الفضل. قوله: ((وحدَّثني بِشْر بن محمَّد، أخبَرَنا عبد الله)) هو ابن المبارك. ١١١/١٠ قوله: ((عن الأعْمَش)) كذا أعادَ الأعمَش، بعد التَّحويل، ولو وقف في السَّنَد الأوَّل عند سفيان وحَوَّلَ ثمَّ قال: كلاهما عن الأعمش، لكان سائغاً، لكن أظنّه فعل ذلك لكَونِه ساقَه على لفظ الرِّواية الثّانية، وهي رواية شُعْبة (١). وقد أخرجها الإسماعيليّ من طريق حِبّان بن موسى عن ابن المبارَك بلفظ: ما رأيتُ الوجَعَ على أحدٍ أشدّ منه على رسول الله ◌َّه. وساقَه من رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة عن قَبيصة شيخ البخاريّ فيه، بلفظ: ما رأيت أحداً كان أشدّ عليه الوجَع. والباقي سواء، والمراد بالوجَع المرض، والعرب تُسمّي كلَّ وجَع مرضاً. ثم ذكر المصنِّف حديث ابن مسعود الآتي في الباب الذي يليه. (١) أخرج ابن ماجه هذا الحديث (١٦٢٢) من طريق سفيان الثوري، ولفظه كلفظ رواية البخاري تماماً، فالظاهر أنَّ هذا لفظه، وليس لفظ شعبة، ويؤكده أنَّ أحمد قد أخرج الحديث (٢٥٣٩٨) من طريق شعبة باللفظ الذي ذكره الحافظ عند الإسماعيلي، وكذلك أخرجه الترمذي (٢٣٩٧) من طريق شعبة، فاللفظ المذکور لسفيان الثوري بیقینٍ. ٣٧٣ باب ٣ / ح ٥٦٤٨ كتاب المرضى وقوله في آخره: ((إلّا حاتَّ الله)) بحاءٍ مُهمَلة ومَدّ وتشديد المثنّة، أصله حاتَتَ بمُثنّاتَينِ فأُدْغِمَت إحداهما في الأُخرى، والمعنى فتَّتَ، وهو كِناية عن إذهاب الخطايا. قوله: ((حدَّثنا محمّد بن يوسف)) هو الفِرْيابيّ، وسفيان: هو الثَّوْرِيّ. ٣- باب أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثمّ الأمثَلُ فالأمثَلُ ٥٦٤٨- حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيدٍ، عن عبدِ الله، قال: دَخَلْتُ على النبيِّ وَّهِ وهو يُوعَكُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وعكاً شديداً؟ قال: ((أجَلْ، إنّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلان منكم)). قلتُ: ذلك بأنَّ لكَ أجْرَينٍ؟ قال: ((أجَل، ذلك كذلك، ما من مسلم يُصِيبُهُ أُذَّى شَوْكَةٌ فما فوقَها، إلّا كَفَّرَ الله بها سَيِّاته كما تَحُطُّ الشَّجَرةُ وَرَقَها)). قوله: ((باب أشَدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمَّ الأمثل فالأمثل)) كذا للأكثر، وللنَّسَفيّ: ((الأوَّل فالأوَّل)) وجمعهما المُستَمْلي، والمراد بالأوَّل الأوَّلِيَّة في الفضل، والأمثَل: أفعَل من المثالة (١)، والجمع أماثِل وهم الفُضَلاء. وصَدْرُ هذه التَّرجمة لفظُ حديث أخرجه الدَّارِمِيُّ (٢٧٨٣) والنَّسائيُّ في ((الكُبرَى)) (٧٤٣٩) وابن ماجه (٤٠٢٣)، وصَحَّحَه التِّرمِذيّ (٢٣٩٨) وابن حِبّان (٢٩٠٠) والحاكم (٤١/١) كلَّهم من طريق عاصم بن بَهْدَلة عن مُصعَب بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: ((الأنبياء، ثمَّ الأمثَل فالأمثل، يُبتَلَى الرجلُ على حَسَب دِينه)) الحديث وفيه: ((حتَّى يمشي على الأرض وما عليه خطيئةٌ))، وأخرجه الحاكم (١/ ٤٠) من رواية العلاء بين المسيّب عن مُصعَب أيضاً. وأخرج له شاهداً من حديث أبي سعيد ولفظه: قال: ((الأنبياء)) قال: ثمَّ مَن؟ قال: ((العلماء)) قال: ثمَّ مَن؟ قال: ((الصالحونَ)) الحديث(٢)، وليس فيه ما في (١) وقع في الأصلين: من المائل، والمثبت من (س) ومن ((تحفة الأحوذي)) نقلاً عن الحافظ، وهو الصواب إذا لا يُعرف استعمال ((ماثل)» في اللغة بمعنی فاضل، وإنما استعمل ((مثیل)) بمعنی فاضل. (٢) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٤٠٢٤)، لكن دون ذكر العلماء، بل لم يرد ذكر العلماء عند غير الحاكم ممن خرَّج الحديث. ٣٧٤ باب ٣ / ح ٥٦٤٨ فتح الباري بشرح البخاري آخر حديث سعد. ولعلَّ الإشارة بلفظ: ((الأوَّل فالأوَّل)» إلى ما أخرجه النَّسائيُّ (ك٧٤٥٤) وصَحَّحَه الحاكم (٤٠٤/٤) من حديث فاطمة بنت اليَمَان أُخت حُذَيفة قالت: أتيتُ النبيَّ نَّه في نساءٍ نَعودُه، فإذا سقاءٌ يَقطُر عليه من شِدّة الحُمَّى، فقال: ((إنَّ من أشدّ الناسِ بلاءً الأنبياءَ، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم)). قوله: ((عن أبي حمزة)) هو السُّكَّريّ، بضمِّ المهملة وتشديد الكاف. قوله: ((عن إبراهيم التَّيْميِّ) هو ابن يزيد بن شَرِيك، والحارث بن سويدٍ هو تَيميّ أيضاً، وفي الإسناد ثلاثة من التابِعِينَ في نَسَق كوفيّونَ، وليس للحارثِ بن سويدٍ في البخاريّ سوى هذا الحديث وآخر يأتي في الدَّعَوات (٦٣٠٨)، لكنَّهما عنده من طرق عديدة، وله عنده ثالث مَضَى في الأشربة (٥٥٩٤) من روايته عن عليّ بن أبي طالب. قوله: ((دَخَلْتُ على النبيّ ◌َّهِ وهو يُوعَك)) في رواية سفيان التي قبلها (٥٦٤٧): «أتيتُ النبيّ وَ ﴿ في مرضه)» والوَعْك بفتح الواو وسكون العين المهملة: الحُمَّى، وقد تُفتَح، وقيل: ألم الحُمَّى، وقيل: تَعَبها، وقيل: إرعادُها الموعوك وتحريكها إيّاه، وعن الأصمَعيّ: الوعك: ١١٢/١٠ الحَرّ، / فإن كان محفوظاً فلعلَّ الحُمَّى سُمّيَت وعكاً حرارتها. قوله: ((ذلك)) إشارة إلى مُضاعَفة الأجر بشِدّة الْحُمَّى، وعُرِفَ بهذا أنَّ في الرِّواية السابقة في الباب قبله حذفاً يُعرَف من هذه الرواية، وهو قوله: «إنّي أوعَك کما یوعَك رجلان منکم». قوله: ((أجَلْ)) أي: نعم وزناً ومعنّی. قوله: ((أذّى شَوْكَةٌ)) التنكيرُ(١) فيه للتَّقليل، لا للجنسِ ليَصِحّ تَرَقُّب فوقَها ودوَها في العِظَم والحقارة عليه بالفاء، وهو يحتمل فوقَها في العِظَم ودونَها في الحَقَّارة وعكسه، والله أعلم. قوله: ((كما تَحُطّ)) بفتح أوَّله وضمَّ المهمَلة وتشديد الطاء المهمَلة، أي: تُلقيه مُنَثِراً. والحاصل أنَّه أثبت أنَّ المرض إذا اشتَدَّ تَضاعَفَ الأجرُ، ثمَّ زاد عليه بعد ذلك أنَّ المضاعَفة تنتهي إلى (١) في (س): التنوين. ٣٧٥ باب ٤ / ح ٥٦٤٩ كتاب المرضى أن تُحَطّ السَّيِّئَات كلّها، أو المعنى: قال: نعم، شِدّة المرض تَرفَع الدَّرَجات وتَحُطّ الخطيئات أيضاً حتَّى لا يَبقَى منها شيء، ويشير إلى ذلك حديث سعد الذي ذكرته قبلُ: «حتَّى يمشيَ على الأرض وما عليه خطيئة)). ومثله حديث أبي هريرة عند أحمد (٧٨٥٩) وابن أبي شَيْبة (٣/ ٢٣٢) بلفظ: ((لا يزال البلاء بالمؤمنِ حتَّى يَلقَى الله وليس عليه خطيئة)). قال أبو هريرة: ما من وجَعِ يُصيبني أحَبُّ إليَّ من الحُمَّى، إنَّها تَدخُل في كلّ مَفْصِل من ابن آدم، والله يُعطي كلّ مَفصِلٍ قِسطه من الأجر(١). ووجه دلالة حديث الباب على التَّرجمة من جهة قياس الأنبياء على نبيّنا محمَّد ◌َّةٍ، وإلحاق الأولياء بهم لقُرْبِهِم منهم، وإن كانت دَرَجَتُهم مُنحَطّةً عنهم، والسِّ فيه أنَّ البلاء في مقابل النِّعمة، فمن كانت نِعمة الله علیه أکثر كان بَلَاؤُه أشدّ، ومِن ثَمَّ ضُوعِفَ حَدّ الحُرّ على العَبد، وقيل لأُمَّهات المؤمنينَ: ﴿مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفْ(٢) لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. قال ابن الجَوْزيّ: في الحديث دلالة على أنَّ القويّ يَحمِل ما حُمِّل، والضَّعيف يُرِفَق به، إلّا أنَّه كلَّما قويَتِ المعرِفة بالمبتَلِي هانَ عليه البلاءُ، ومنهم مَن يَنظُر إلى أجر البلاء فيَهُون عليه البلاءُ، وأعلى من ذلك درجة مَن يرى أنَّ هذا تَصَرُّف المالك في مُلكه فيُسَلِّمُ ولا يَعتَرِض، وأرفَع منه مَن شَغَلَتْه المحبّة عن طلب رفع البلاء، وأنهَى المراتبِ مَن يَتَلَذَّذ به لأنَّه عن اختيارِه نَشَأ، والله أعلم. ٤ - باب وُجوب عِيادة المريض ٥٦٤٩- حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّةَ: ((أطْعِمُوا الجائعَ، وعُودُوا المَرِيضَ، وفُكّوا العاني)). (١) جمع الحافظُ رحمه الله هنا لفظي أحمد وابن أبي شيبة، وإنما اقتصر أحمد على المرفوع دون الموقوف، وعكسه عند ابن أبي شيبة. (٢) هذه قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب، وقرأها ابن كثير وابن عامر بالنون وتشديد العين وكسرها ونصب العذاب، وقرأها الباقون بتخفيف العين وألف قبلها، انظر ((النشر)) لابن الجزري ٣٤٨/٢. ٣٧٦ باب ٤ / ح ٥٦٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦٥٠ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني أشعَثُ بنُ سُلَيم، قال: سمعتُ مُعاوِيةَ بنَ سُوَيدِ بنِ مُقَرٍِّ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ رضي الله عنهما، قال: أُمَرَنا رسولُ الله ◌ِهِ بِسَبْعٍ، وَهانا عن سبْعٍ: نَهانا عن خاتَمِ الذَّهَبِ، ولُبْسِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ والإستَبْرَقِ، وعن القَسِّيِّ، والمِثَرةِ، وأُمَرَنا أن نَتْبَعَ الجنائزَ، ونَعودَ المَرِيضَ، ونُفْشِيَ السَّلامَ. قوله: ((باب وجوب عيادة المريض)) كذا جَزَمَ بالوجوبِ على ظاهر الأمر بالعيادة، وتقدَّم حديث أبي هريرة في الجنائز (١٢٤٠): ((حَقُّ المسلم على المسلم خمس)) فذكر منها: ((عيادة المريض)) ووَقَعَ في رواية مسلم (٤/٢١٦٢): ((خمس تجبُ للمسلم على المسلم)) فذکرها منها. قال ابن بَطّال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكِفاية كَإطعام الجائع وفَكِّ الأسير، ويحتمل أن يكون للنَّدْبِ للحَثِّ على التَّواصُل والأُلفة. ١١٣/١٠ وجَزَمَ الدَّاوُوديّ بالأوَّل، فقال: هي فرضٌ يَحمِله بعضُ / الناس عن بعض. وقال الجمهور: هي في الأصل نَدب، وقد تَصِل إلى الوجوب في حَقِّ بعضٍ دونَ بعض. وعن الطََّريّ: تَنأكَّد في حَقِّ مَن تُرجَى بَرَكَتُه، وتُسَنّ فیمَن يُراعَی حالُه، وتُباح فيما عَدا ذلك. وفي الكافر خِلَاف كما سيأتي ذِكْره في باب مُفرَد (١). ونَقَلَ النَّويّ الإجماع على عَدَم الوجوب، يعني على الأعيان. وقد تقدَّم حديثُ أبي موسى المذكور هنا في الجهاد (٣٠٤٦)، وفي الوليمة (٥١٧٤). وذكر بعده حديث البراء مختصراً مقتصراً على بعض الخِصال السبع، ويأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب اللباس (٥٨٤٩,٥٨٣٨) إن شاء الله تعالی. واستُدِلَّ بعُموم قوله: ((عُودوا المريضَ)) على مشروعيَّة العيادة في كلّ مرض، لكن استَنَى بعضُهم الأرمَدَ لكَونِ عائدِه قد يرى ما لا يراهُ هو، وهذا الأمرُ خارجيّ قد يأتي مِثلُه في بقيَّة الأمراض كالمُغمَى عليه، وقد عَقَّبَه المصنِّف به. (١) باب رقم (١١). ٣٧٧ باب ٤ / ح ٥٦٥٠ كتاب المرضى وقد جاء في عيادة الأرمَد بخُصوصِها حديث زيد بن أرقَم قال: عادَني رسولُ اللهِ وَله من وجّع كان بعيني. أخرجه أبو داود (٣١٠٢)، وصَخَّحَه الحاكم (٣٤٢/١) وهو عند البخاريّ في «الأدب المفرَد)» (٥٣٢) وسياقه أتمّ. وأمَّا ما أخرجه البيهقيُّ والطبرانيُّ(١) مرفوعاً: (ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدُّمَّل والضّرس)) فصَحَّحَ البيهقيُّ أنَّه موقوف على يحيى بن أبي كثير (٢). ويُؤخَذ من إطلاقه أيضاً عَدَم التَّقييد بزمانٍ يمضي من ابتداء مرضه، وهو قول الجمهور، وجَزَمَ الغَزاليّ في ((الإحياء)) بأنَّه لا يُعاد إلّا بعد ثلاث، واستَنَدَ إلى حديث أخرجه ابن ماجَهْ (١٤٣٧) عن أنس: كان النبيّ وَّ﴿ لا يعُودُ مريضاً إلّا بعد ثلاث. وهذا حديث ضعيف جدّاً، تفرَّد به مَسلَمة بن عليّ، وهو متروك(٣)، وقد سُئلَ عنه أبو حاتم فقال: هو حديث باطل، ووجَدْت له شاهداً من حديث أبي هريرة عند الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٣٥٠٣). وفيه راوٍ متروك أيضاً. ويَلتَحِق بعيادة المريض تَعَهُّده وتَفَقُّد أحواله والتَّلَطُّف به، وُبّما كان ذلك في العادة سبباً لوجودِ نشاطه وانتعاش قوَّته. وفي إطلاق الحديث أنَّ العيادة لا تَتَقَيَّد بوقتٍ دونَ وقت، لكن جَرَتِ العادة بها في طَرَفَ النَّهار، وترجمة البخاريّ في ((الأدب المفرَد)): ((العيادة في اللَّيل))(٤)، وساقَ (٤٩٦) عن خالد بن الرَّبيع قال: لمَّا تَقُلَ حُذَيفة أتوه في جَوف اللَّيل أو عند الصُّبح، فقال: أيُّ ساعةٍ هذه؟ فأخبَروه، فقال: أعوذُ بالله من صَباحِ إلى النار، الحديث، ونَقَلَ الأثرَم عن أحمد: أنَّه قيل له بعد ارتفاع النَّهار في الصَّيف: تعود فلاناً؟ قال: ليس هذا وقت عيادة. ونَقَّلَ ابن الصَّلاح عن الفَراويّ: أنَّ العيادة تُستَحَبّ في الشِّتاء ليلاً وفي الصَّيف نهاراً، وهو غريب. (١) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٩١٨٩)، والطبراني في «الأوسط)) (١٥٢)، وعندهما: الرمد، بدل العين. (٢) وكذلك قال الدار قطني في ((العلل)) (٢٢٥٤)، والعقيلي في ((الضعفاء» ٢١١/٤، وذلك أنَّ في إسناد الموصول مسلمة بن على الخُشَني، وهو متروك الحديث. (٣) وله طريق أخرى أيضاً عند أبي يعلى (٣٤٢٩) بنحوه، لكن في إسناده أيضاً رجل متروك. (٤) نص الترجمة في المطبوع: باب العيادة جَوفَ الليل. ٣٧٨ باب ٥ / ح ٥٦٥١ فتح الباري بشرح البخاري ومن آدابها أن لا يُطيل الجلوسَ حتَّى يُضْجِرَ المريضَ أو يَشُقّ على أهله، فإن اقتَضَت ذلك ضَرُورٌ فلا بأس، کما في حديث جابر الذي بعده. وقد ورَدَ في فضل العيادة أحاديثُ كثيرة جِياد، منها عند مسلم (٢٥٦٨) والتِّرمِذيّ (٩٦٧) من حديث ثوبان: ((إنَّ المسلم إذا عادَ أخاه المسلم لم يزل في خُرْفة الجنَّة)) وخُرْفة، بضمِّ المعجَمة وسكون الرَّاء بعدها فاءَ ثمَّ هاء: هي الثَّمَرة إذا نَضِجَت، شَبَّهَ ما يَجوزُه عائد المريض من الثَّواب بما يَجوزُه الذي يَجِتَنَي الثَّمَر. وقيل: المراد بها هنا الطَّريق، والمعنى أنَّ العائد يمشي في طريق تُؤَدّيه إلى الجنَّة، والتَّفسير الأوَّل أَولى، فقد أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)» (٥٢١) من هذا الوجه، وفيه: قلت لأبي قِلابةَ: ما خُرفة الجنَّة؟ قال: جَناها. وهو عند مسلم (٢٥٦٨/ ٤٢) من جملة المرفوع. وأخرج البخاريّ (٥٢٢) أيضاً من طريق عمر بن الحَكَم عن جابر رَفَعَه: ((مَن عادَ مريضاً خاضَ في الرَّحمة حتَّى إذا قَعَدَ استَقرَّ فيها)). وأخرجه أحمد (١٤٢٦٠) والبزَّار(١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٢٩٥٦) والحاكم (١/ ٣٥٠) من هذا الوجه، وألفاظهم فيه مُخْتَلِفة، ولأحمد (١٥٧٩٧) نحوه من حديث كعب بن مالك بسند حسن(٢). ٥- بابُ عیادة المُغْمَی علیه ٥٦٥١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ المُنْكَدِرِ، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: مَرِضْتُ مرضاً، فأتاني النبيُّ ◌َّهِ يعُودُني وأبو بكرٍ وهما ماشيان، فوَجَداني أُغْمِيَ عليَّ، فَتَوضَّأ النبيُّنَ ◌ّهِ ثَّ صَبَّ وَضُوءَه عليَّ، فأفَقْتُ فإذا النبيُّ ◌ََّ، فقلتُ: يا رسولَ الله، كيفَ أصنَعُ في مالي؟ كيفَ أقضي في مالي؟ فلم يُحِبْني بشيءٍ حتَّى نزلت آيةُ الميراثِ. قوله: ((باب عيادة المغْمَى عليه)) أي: الذي يُصيبه غَشْيٌ تَتعَطَّل معه قوَّتُه الحسّاسة. قال ابن المنيِّر: فائدة التَّرجمة أن لا يُعتقد أنَّ عيادة المُغمَى عليه ساقطة الفائدة لكَونِهِ لا يَعلَمُ ١١٤/١٠ (١) كما في «كشف الأستار» (٧٧٥). (٢) بل إسناده ضعيف لضعف أبي مَعْشَر السِّندي في إسناده، وقد وهم فیه فجعله من حدیث کعب بن مالك، والصواب أنه من حديث جابر كما بيناه في ((المسند)). ٣٧٩ باب ٦ / ح ٥٦٥٢ كتاب المرضى : بعائدِه، ولكن ليس في حديث جابر التَّصريح بأنَّهما علما أنَّه مُغمَّى عليه قبل عيادَته، فلعلَّه وافَقَ حضورَهما. قلت: بل الظّاهر من السّياق وقوع ذلك حالَ مَجيئهما وقبل دخولهما عليه، ومُجرَّد عِلم المريض بعائدِه لا تتوقّف مشروعيَّة العيادة عليه، لأنَّ وراء ذلك جَبْرُ خاطِر أهله، وما يُرجَى من بَرَكة دعاء العائد، ووضع يده على المريض والمسح على جسده، والنَّفْثِ عليه عند التَّعويذ إلى غير ذلك. وقد تقدَّم شرح حديث جابر المذكور في كتاب الطّهارة (١٩٤)، وفي ((تفسير سورة النِّساءِ)) (٤٥٧٧). ٦ - بابُ فضلٍ مَن يُصرَعُ من الرّيح ٥٦٥٢- حدَّثني مُسدَّدٌ، حدّثنا يحيى، عن عِمْرانَ أبي بكرٍ، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ أبي رَباحِ، قال: قال لي ابنُ عبّاسٍ: ألا أُرِيكَ امرأةً من أهلِ الجنَّةِ؟ قلتُ: بَلَى، قال: هذه المرأةُ السَّوْداءُ، أنتِ النبيَّ ◌َّهِ فقالت: إنّ أُصْرَعُ، وإنّي أَتْكَشَّفُ، فادعُ اللهَ لي، قال: ((إن شئتٍ صَبَرْتٍ وَلَكِ الجنَّةُ، وإن شئتِ دَعَوْتُ اللهَ أن يُعافيَكِ)) فقالت: أصبِرُ، فقالت: إنّ أتكَشَّفُ، فادعُ اللهَ أن لا أتكَشَّف، فدَعَا لها. حذَّثني محمَّدٌ، أخبرنا تَخَلَّدٌ، عن ابنِ جُرَيج، أخبرني عطاءٌ: أنَّه رَأى أمَّ زُفَرَ، تِلْك المرأة، طويلةٌ سوداءُ على سِتْرِ الكَعْبةِ. دـ قوله: ((باب فضل مَن يُصْرَع من الرّيح) انحِباس الرّيح قد يكون سبباً للصَّرَع، وهي عِلّة تَنَع الأعضاءَ الَّئيسة عن انفِعالها مَنْعاً غير تامّ، وسببه ريحٌ غَليظة تَنحَبِس في مَنافذ الدِّماغ، أو بُخار رَديء يَرتَفِع إليه من بعض الأعضاء، وقد يَتَبَعه تَشَنُّج في الأعضاء فلا يَبْقَى الشَّخصُ معه مُنتَصِباً، بل يَسقُط ويَقْذِف بالزَّبَدِ لِغِلَظِ الرُّطوبة، وقد يكون الصَّرع من الجِنّ، ولا يقع إلّا من النُّفوس الخبيثة منهم، إمّا لاستحسان بعض الصّور الإنسيَّة، وإمّا لإيقاع الأذيَّة به، والأوَّل هو الذي يُثبِتِه جميع الأطبّاء ويَذْكُرُونَ عِلاجه، والثّاني يَجِحَده كثير منهم، وبعضهم يُشبِته ولا يَعرِف له علاجاً إلّا بمُقاومة الأرواح الخَيِّرة العُلويَّة ٣٨٠ باب ٦ / ح ٥٦٥٢ فتح الباري بشرح البخاري لتَنْدَفِعَ آثارُ الأرواح الشِّرّيرة السُّفليَّة وتَبطُل أفعالها. ومَّن نَصَّ على ذلك أبقراط، فقال لمَّا ذكر علاج المصروع: هذا إنَّما يَنفَع في الذي سببه أخلاط، وأمَّا الذي يكون من الأرواح فلا. قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان. قوله: ((عن عِمْران أبي بكر)) هو المعروف بالقصير، واسم أبيه مسلم، وهو بصريّ تابعيّ صغير. قوله: ((ألا أُريك)) ألا بتخفيفِ اللّام قبلها همزة مفتوحة. قوله: ((هذه المرأة السَّوْداء)» في رواية جعفر المستَغفِريّ في ((كتاب الصحابة))، وأخرجه ١١٥/١٠ أبو موسى في ((الذَّيل)) من طريقه،/ ثمَّ من رواية عطاء الخُراسانيّ عن عطاء بن أبي رباح في هذا الحديث: فأراني حَبَشيَّة صفراء عظيمة، فقال: هذه سُعَيرة الأسَدِيَّة (١). قوله: ((فقالت: إنَّ بي هذه المؤْتة(٢)) وهو بضمِّ الميم بعدها همزة ساكنة: الجنون، وأخرجه ابن مَرْدويه في ((التَّفسير)) من هذا الوجه، فقال في روايته: إنَّ بي هذه المؤتة، يعني الجنون. وزاد في روايته وكذا ابن مَندَهُ: أنَّها كانت تَجمَع الصّوف والشَّعر واللّيف، فإذا اجتَمَعَت لها كُبّة عظيمة نَقَضَتْها فنزلَ فيها: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا ﴾ الآية [النحل: ٩٢]، وقد تقدَّم في تفسير النَّحل أنَّها امرأة أُخرى. قوله: ((وإنَّ أَتَكَشَّفُ)) بِمُثنّاةٍ وتشديد المعجَمة: من التَّكَثُّف، وبالنّونِ الساكنة مُقَّفاً: من الانكشاف، والمراد أنَّهَا خَشِيَت أن تظهر عَورَتُها وهي لا تَشعُر. (١) قد ضعَّف الحافظُ إسناد هذه الرواية في مقدمة هذا الشرح. ونقل ابن الأثير في ((أسد الغابة)) في ترجمة سعيرة الأسدية قول ابن خزيمة: أنا أبرأ من عهدة هذا الإسناد. قلنا: وذلك أنَّ في إسناده بشير بن ميمون الخراساني، وهو متروك واتهمه بعضهم. وقد أخرجه من هذه الطريق أيضاً أبو نعيم في ((معرفة الصحابة» (٧٧١٧). (٢) هذا الحرف لم يَرِدْ في حديث الباب، وإنما هو في رواية عطاء الخراساني، كما توضحه رواية أبي نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٧٧١٧).