Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
باب ١٧ / ح ٥٦١٨
كتاب الأشربة
السَّواء، فإنَّ أبا نُعَيم مشهور بالرِّواية عن الثَّوْريّ معروف بمُلازَمَتِهِ، وروايته عن ابن عُيَينةً
قليلة، وإذا أطلقَ اسمَ شيخه ◌ُلَ على مَن هو أشهر بصُحيّتِّهِ، وروايتُه عنه أكثر. وبهذا جَزَمَ
المِّيّ في ((الأطراف)) أنَّ سفيان هذا: هو الثَّوْريّ. وهذه قاعدة مُطَّرِدة عند المحدِّثينَ في مِثل
هذا، وللخطيبِ فيه تصنيف سَمّه ((المكمِل لبيان المُهمَل)).
وقد روى هذا الحديثَ بعينِهِ سفيان بن عُيَينةَ عن عاصم الأحول أخرجه أحمد (١٩٠٣)
عنه، وكذا هو عند مسلم (١١٨/٢٠٢٧) من رواية ابن عُيَينَةَ، وأخرجه أحمد (٣١٨٦)
أيضاً من وجه آخر عن سفيان الثَّوْريّ عن عاصم الأحول. لكن خُصوص رواية أبي نُعَيم فيه
إنَّما هي عن الثَّوْرِيّ كما تقدَّمَ.
قوله: ((شَرِبَ النبيّ ◌َل﴿ قائماً من زَمْزَم» في رواية ابن ماجه (٣٤٢٢) من وجه آخر عن
عاصم في هذا الحديث: قال - أي: عاصم -: فذكرتُ ذلك لعِكْرمة فحَلَفَ أنَّه ما كان
حينئذٍ إلّا راكباً(١) وقد تقدَّم بيان ذلك في كتاب الحجّ (١٦٣٧)، وعند أبي داود (١٨٨١)
من وجه آخر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ طافَ على بعيره، ثمَّ أناخَه بعد
طَوافه فصَلَّى ركعتَينٍ. فلعلَّه حينئذٍ شَرِبَ من زَمزَم قبل أن يعودَ إلى بعيره ويَخْرُجَ إلى
الصَّفا، بل هذا هو الذي يَتَعيَّن المصير إليه، لأنَّ عُمدة عِكْرمة في إنكار كَونه شَرِبَ قائماً إنَّما
هو ما ثَبَتَ عنده أنَّه وَلِّ طافَ على بعيره، وخَرَجَ إلى الصَّفّا على بعيره وسَعَی كذلك، لكن
لا بدَّ من تَخُلُّل ركعتي الطَّواف بين ذلك، وقد ثَبَتَ أَنَّه صَلّهما على الأرض، فما المانع من
كَونه شَرِبَ حينئذٍ من سِقاية زَمزَم قائماً كما حَفِظَه الشَّعْبيّ عن ابن عبّاس؟
١٧ - باب من شَرِب وهو واقفٌ على بعيره
٥٦١٨- حدَّثْنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، أخبرنا أبو النَّضْرِ،
عن عُمَيرٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ، عن أمّ الفَضْلِ بنت الحارثِ: أنَّهَا أرسَلَت إلى النبيِّ ◌َّهِ بِقَدَحِ لَبَّنٍ
وهو واقفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فأخَذَه وشَرِبَه.
(١) كذا قال الحافظ هنا، وهو وهم منه رحمه الله، لأنَّ لفظ ابن ماجه: فحلف بالله ما فعل، وقد ذكره الحافظ
على الصواب عند شرح الحديث (١٦٣٧).

٣٢٢
باب ١٨ / ح ٥٦١٩
فتح الباري بشرح البخاري
زادَ مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ: على بعيرِهِ.
قوله: ((باب مَن شَرِبَ وهو واقف على بعيره)) قال ابن العربيّ: لا حُجّة في هذا على
الشُّرب قائماً، لأنَّ الرَّاكِب على البعير قاعِدٌ غيرُ قائم. كذا قال، والذي يظهر لي أنَّ البخاريّ
أراد بيان (١) حُكم هذه الحالة، وهل تَدخُل تحت النَّهي أو لا؟ وإيراده الحديث من فِعله وَّ
يدلّ على الجواز، فلا يَدخُل في الصّورة المنهيّ عنها، وكأنَّه لَمَّحَ بما قال ◌ِكْرمة: أنَّ مُراد
ابن عبّاس بقولِه في الرِّواية التي جاءت عن الشَّعْبيّ في الذي قبله: أنَّه شَرِبَ قائماً، إنَّما أراد
وهو راكب، والرَّاكِب يُشبِهِ القائم من حيثُ كَونُه سائراً، ويُشبِهِ القاعِد من حيثُ كَونُه
مُستَقِرّاً على الدَّابّة.
قوله: ((حدَّثنا مالك بن إسماعيل)) هو أبو غسَّان النَّهْديّ الكوفيّ من كِبار شيوخ
البخاريّ، وقوله بعد ذلك: زاد مالك ... إلى آخره هو ابن أنس، والمراد أنَّ مالكاً تابَعَ
عبد العزيز بن أبي سَلَمة على روايته هذا الحديث عن أبي النَّضر، وقال في روايته: شَرِبَ
٨٦/١٠ وهو واقف على بعيره. / وقد تقدَّمَت هذه الرِّواية تامّةً في كتاب الصيام (١٩٨٨) مع بقيَّة
شرح الحديث.
١٨ - باب الأيمنَ فالأيمنَ في الشُّرب
٥٦١٩- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ أَنِيَ بَلَبَنِ قد شِيبَ بماءٍ، وعن يمينِهِ أعرابٌّ وعن شِمالِه أبو بكرٍ، فشَرِبَ ثمّ
أعطَى الأعرابيّ، وقال: ((الأيمَنَ الأيمَنَ)).
قوله: ((باب الأيمَن فالأيمَن في الشُّرْب)» ذكر فيه حديث أنس الماضي قريباً (٥٦١٢) في
((باب شُرب اللَّبَن)) وتقدَّمَت مباحثه هناك. وإسماعيل: هو ابن أبي أويس، وكذا في حديث
الباب الذي بعده.
وقوله: ((الأيمَنَ فالأيمَن)) أي: يُقدَّم مَن على يمين الشّارب في الشُّرب، ثمَّ الذي عن
(١) لفظة: ((بيان)) سقطت من (س).

٣٢٣
باب ١٩ / ح ٥٦٢٠
كتاب الأشربة
يمين الثّاني، وهَلُمَّ جَرّاً، وهذا مُستَحَبّ عند الجمهور، وقال ابن حَزْمِ: يَجِب. وقوله في
التَّرجمة: «في الشُّرب)) يَعُمّ الماء وغيره من المشروبات، ونُقِلَ عن مالك وحده أنَّه خَصَّه
بالماءِ. قال ابن عبد البَرِّ: لا يَصِحّ عن مالك. وقال عِيَاض: يُشبِه أن يكون مُراده أنَّ السُّنّة
ثَبَتَت نَصّاً في الماء خاصّة، وتقديم الأيمَن في غير شُرب الماء يكون بالقياس. وقال ابن
العربيّ: كأنَّ اختصاص الماء بذلك لكَونِه قد قيل: إنَّه لا يُملَك، بخِلَاف سائر المشروبات.
ومن ثَمَّ اختُلِفَ هل يَجري الرِّبا فيه، وهل يُقْطَع في سَرِقَته؟ وظاهر قوله: ((في الشُّرب)) أنَّ
ذلك لا يجري في الأكل، لکن وَقَعَ في حديث أنس خِلَافُه كما سيأتي.
١٩ - باب هل يستأذنُ الرّجلُ مَنْ عن يمينه في الشّرب
ليعطيَ الأكبر؟
٥٦٢٠- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي حازِمِ بنِ دِينارٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ
أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ أَتِيَ بشرابٍ فَشَرِبَ منه، وعن يمينِهِ غلامٌ، وعن يساره الأشياُ، فقال
للغلام: «أتأذَنُ لي أن أُعطِيَ هُؤُلاءِ؟» فقال الغلامُ: والله يا رسولَ الله، لا أُوْثِرُ بنَصِيبِي مِنكَ
أحداً، قال: فتَلَّه رسولُ الله ێ في يدِه.
قوله: ((باب هل يَستَأذِنُ الرجلُ مَن عن يمينه في الشُّرْب لِيُعْطِيَ الأكبر؟)) كأنَّه لم يَجِزِم
بالحُكمِ لكَونها واقعةً عينٍ، فَيَتَطَرَّق إليها احتمالُ الاختصاص، فلا يَطَّرِد الحكمُ فيها لكلِّ
جَليسَينِ.
وذكر فيه حديث سَهْل بن سعد في ذلك، وقد تقدَّم في أوائل الشُّرب (٢٣٥١). وفيه
تسمية الغلام وبعض الأشياخ.
وقوله: ((أتأذَنُ لي)) لم يقع في حديث أنس أنَّه استأذَنَ الأعرابيّ الذي عن يمينه، فأجابَ
النَّوويّ وغيره بأنَّ السَّبَب فيه أنَّ الغلام كان ابنَ عمّه، فكان له علیه إدلالٌ وکان مَن علی
اليسار أقارب الغلام أيضاً، وطَيَّبَ نفسَه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحُكم، وأنَّ السُّنّة
تقديم الأيمَن ولو كان مفضولاً بالنِّسبة إلى مَن على اليسار، وقد وَقَعَ في حدیث ابن عبّاس

٣٢٤
باب ١٩ / ح ٥٦٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
في هذه القصَّة أنَّ النبيَّ وَّهِ تَلَطَّفَ به حيثُ قال له: ((الشَّرْبةُ لك، وإن شِئتَ آثَرتَ بها
خالداً) كذا في ((السُّنَن)) (١)، وفي لفظ لأحمد (٢٥٦٩): ((وإن شِئتَ آثَرتَ به عَمّك))(٢)، وإنَّما
أطلقَ عليه عَمَّه لكَونِه أسَنَّ منه، ولعلَّ سِنّه كان قريباً من سِنّ العبَّاس، وإن كان من جهة
أُخرى من أقرانه لكَونِه ابنَ خالَته، وكان خالد مع رياسَته في الجاهليّة وشَرَفه في قومه قد
٨٧/١٠ تأخّرَ إسلامُه فلذلك استأذَنَ له، بخِلَاف أبي / بكر فإنَّ رُسوخ قَدمه في الإسلام وسَبْقه
يقتضي طُمأنينَتَه بجميع ما يقع من النبيّ وَلِ﴿ ولا يَتَأثَّر لشيءٍ من ذلك، ولهذا لم يَستأذِن
الأعرابيّ له. ولعلَّه خَشِيَ من استئذانه أن يَتَوهَّم إرادةَ صَرفه إلى بقيَّة الحاضرينَ بعد أبي
بكر دونه، فُرُبَّمَا سَبَقَ إلى قلبه من أجل قُرب عَهْده بالإسلام شيءٌ، فَجَرَى وَلِّ على عادته
في تأليف مَن هذا سبيلُه، وليس ببعيدٍ أنَّه كان من كُبراء قومه، ولهذا جَلَسَ عن يمين النبيّ وَّ
وأقَرَّه على ذلك.
وفي الحديث أنَّ سُنّة الشُّرب العامّة تقديم الأيمَن في كلّ مَوطِن، وأنَّ تقديم الذي
على اليمين ليس لمعنّى فيه بل لمعنّى في جهة اليمين، وهو فضلها على جهة اليسار، فيُؤخَذ
منه أنَّ ذلك ليس ترجيحاً لمن هو على اليمين بل هو ترجيح لِجِهَتِه. وقد تقدَّم كلام الخطَّابيّ
في ذلك قبل ثلاثة أبواب.
وقد يُعارِضُ حديثَ سهل هذا وحديثَ أنس الذي في الباب قبله (٥٦١٩) حديثُ
سَهل بن أبي حَثْمة(٣) الآتي في القَسامة (٦٨٩٨): ((كَبِّرُ كَبِر))، وتقدَّم في الطَّهارة (٢٤٦)
حديثُ ابن عمر في الأمر بمُناوَلة السِّواكِ الأكبرَ، وأخصُّ من ذلك حديثُ ابن عبّاس
الذي أخرجه أبو يَعْلى (٢٤٢٥) بسندٍ قويّ قال: كان رسولُ الله وَّل إذا سَقَى قال: ((ابدؤوا
بالكبيرِ)). ويُجمَع بأنَّه محمول على الحالة التي يَجلِسونَ فيها مُتَساوينَ: إمّا بين يدي الكبير،
أو عن يساره كلّهم، أو خَلفه، أو حيثُ لا يكون فيهم، فتُخَصّ هذه الصّورة من عُموم تقديم
(١) الترمذي (٣٤٥٥)، وابن ماجه (٣٤٢٦).
(٢) لفظه عند أحمد: ((أتأذن أن أسقي عمك؟)).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: خيثمة.

٣٢٥
باب ١٩ / ح ٥٦٢٠
كتاب الأشرية
الأيمَن، أو يُخُصّ من عُموم هذا الأمر بالبِداءة بالكبير ما إذا جَلَسَ بعضٌ عن يمين الرَّئيس
وبعضٌ عن يساره، ففي هذه الصّورة يُقدَّم الصَّغير على الكبير، والمفضول على الفاضل.
ويظهر من هذا أنَّ الأيمَن ما امتازَ بمُجرَّدِ الجلوس في الجهة الیُمنَی بل بخُصوصٍ گونها
يمينَ الرَّئيس، فالفضل إنَّما فاضَ عليه من الأفضل.
وقال ابن المنيِّر: تفضيلُ اليمين شَرعيّ وتفضيل اليسار طَبعيّ، وإن كان ورَدَ به الشَّرع
لكن الأوَّل أَدْخَلُ في التَّعَبُّد، ويُؤخَذ من الحديث أنَّه إذا تَعارَضَت فضيلة الفاعل وفضيلة
الوظيفة اعتُبِرَت فضيلة الوظيفة، كما لو قُدِّمَت جِنازَتان لرجلٍ وامرأةٍ، ووليّ المرأة أفضل
من وليّ الرجل قُدِّمَ وليّ الرجل ولو كان مفضُولاً لأنَّ الجنازة هي الوظيفة، فتُعتَبَرَ
أفضليّتها لا أفضليّة المصَلّى عليها. قال: ولعلَّ السِّ فيه أنَّ الرُّجوليَّة والميمَنة أمرٌ يَقطَع به
كلُّ أحد، بخِلَاف أفضليّة الفاعل فإنَّ الأصل فيه الظَّنّ، ولو كان مقطوعاً به في نفس الأمر
لكنَّه ممّا يخفى مِثله عن بعضٍ، كأبي بكر بالنّسبة إلى عِلم الأعرابيّ، والله أعلم.
قوله: ((أنأذَنُ لي أن أُعْطِي هؤُلاءِ)) ظاهر في أنَّه لو أذِنَ له لَأعطاهم. ويُؤخَذ منه جواز
الإيثار بمِثلِ ذلك، وهو مُشكِل على ما اشتَهَرَ من أنَّه لا إيثار بالقُرَبِ، وعِبارة إمام الحرمَينِ
في هذا: لا يجوز التبرُّع في العبادات ويجوز في غيرها. وقد يقال: إنَّ القُرَبَ أعَمّ من العبادة،
وقد أُورِدَ على هذه القاعدة تجويزُ جَذْبٍ واحدٍ من الصَّفّ الأوَّل لِيُصَلِّيَ معه ليَخرُج
الجاذِبُ عن أن يكون مُصَلّياً خلف الصفِّ وحدَه لُبُوتِ الزَّجر عن ذلك(١)، ففي مُساعَدة
المجذوب للجاذِبٍ إيثارٌ بقُرْبةٍ كانت له، وهي تحصيلُ فضيلة الصَّفّ الأوَّل، ليُحَصِّل
فضيلةً تَحصُل للجاذِب، وهي الخروج من الخِلاف في بُطْلان صلاته. ويُمكِن الجواب بأنَّه
لا إيثارَ، إذ حقيقة الإيثار إعطاء ما استَحقَّه لغيره، وهذا لم يُعطِ الجاذِب شيئاً وإِنَّمَا رَجَّحَ
مَصلَحَته على مَصلَحَته، لأنَّ مُساعدة الجاذِب على تحصيل مقصُودِه، ليس فيه إعطاؤه ما
كان يَحَصُّل للمجذوبِ لو لم يوافقه، والله أعلم.
(١) أي: عن الصلاة منفرداً خلفَ الصف، أخرجه أبو داود (٦٨٢) وابن ماجه (١٠٠٤)، والترمذي (٢٣٠)
من حديث وابصة بن معبد. وقد خرّجه الحافظ وتكلم على فقهه عند شرح الحديث (٧٨٣).

٣٢٦
باب ٢٠ - ١٢ / ح ٥٦٢١ - ٥٦٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في هذه الرّواية: (فتَلَّه) بفتح المثنّة وتشديد اللّام، أي: وضَعَه. وقال الخطَّبيُّ: وضَعَه
بِعُنْفٍ. وأصله من الرَّمْي على الثّل: وهو المكان العالي المرتَفِع، ثمَّ استُعمِلَ في كلّ شيء يُرمَی به
وفي كلّ إلقاء، وقيل: هو من التَّلْتَل، بلام ساكنة بين المثنّتَينِ المفتوحَتَينِ وآخره لام: وهو العُنُقُ،
ومنه ﴿وَثَلَّهُ لِلْجَمِينِ﴾ أي: صَرَعَه فألقَى عُنُقُه وجَعَلَ جنّبُه إلى الأرض. والتَّفسير الأوَّل ألْيَق
بمعنى حديث الباب. وقد أنكَرَ بعضهم تقييد الخطَّبيّ الوضع بالعُنْفِ(١).
٨٨/١٠
٢٠- باب الگرْع في الحوض
٥٦٢١- حدَّثنا يحيى بنُ صالح، حدَّثنا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، عن سعيدِ بنِ الحارثِ، عن جابرِ
ابنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَ ◌ِّدَخَلَ على رجلٍ منَ الأنصار ومعه صاحبٌ له، فسَلَّمَ
النبيُّ وَّهِ وصاحبُهُ قَدَّ الرجلُ، فقال: يا رسولَ الله، بأبي أنتَ وأُمَّي، وهي ساعةٌ حارّةٌ وهو يُحُوِّلُ في
حائطٍ له، يعني: الماءَ، فقال النبيُّ وَّ: ((إن كان عندَكَ ماءٌ باتَ في شَنّةٍ، وإلّا كَرَعْنا» والرجل يُحوِّلُ
الماءَ في حائطٍ، فقال الرجلُ: يا رسولَ الله، عندي ماءٌ باتَ في شَّةٍ، فانطَلَقَ إلى العَرِيشِ فسَكَبَ في
قَدَحِ ماءً، ثمَّ حَلَبَ عليه من داجٍِ له، فَشَرِبَ النبيُّ وَِّ، ثُمَّ أعادَ فشَرِبَ الرجلُ الذي جاء معه.
قوله: ((باب الكَرْع في الحَوْض)) ذكر فيه حديث جابر، وقد تقدَّم شرحه قبل خمسة
أبواب مُستَوفَّى (٥٦١٣)، وإِنَّا قَيِّدَ في التَّرجمة بالحوضِ لمَا بَيَّنْتُهُ هناك أنَّ جابراً أعادَ قوله:
وهو يُحُوِّل الماء. في أثناء مُخاطَبة النبيّ وَّهِ الرجل مرَّتَين، وأنَّ الظّاهر أنَّه كان يَنقُله من أسفَل
البئر إلى أعلاه، فكأنَّہ کان هناك حَوضُ یجمعه فیه، ثمّ يُحَوِّله من جانب إلى جانب.
٢١ - باب خدمة الصّغارِ الكبارَ
٥٦٢٢- حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنَا مُعتَمِرٌ، عن أبيه، قال: سمعتُ أنساً عَظُه، قال: كنتُ قائماً على
الحيِّ أسقِيهم عُمومَتي - وأنا أصغَرُهُمُ - الفَضِيخَ، فِقِيلَ: حُرِّمَتِ الخمرُ، فقال: اكْفِتْها، فَكَفَأنا. قلتُ
الأنسٍ: ما شرابهم؟ قال: رُطَبُّ وبُشْرٌ، فقال أبو بكرِ بنُ أنسٍ: وكانت خرَهم، فلم يُنكِرْ أنسٌ.
وحدَّثني بعضُ أصحابي أنَّه سمع أنساً يقول: كانت خمرَهم يومَئذٍ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: العنق.

٣٢٧
باب ٢٢ - ٢٣ / ح ٥٦٢٣ - ٥٦٢٥
كتاب الأشربة
قوله: ((باب خِدْمة الصِّغارِ الكِيارَ)) ذكر فيه حديث أنس: كنتُ قائماً على الحيّ أسقيهم
وأنا أصغَرهم. وهو ظاهر فيما تَرجَمَ به، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوقَى في أوائل الأشربة
(٥٥٨٢).
٢٢ - باب تغطية الإناء
٥٦٢٣ - حدَّثني إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا روحُ بنُ عُبَادةَ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني
عطاءٌ، أَنَّه سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، يقول: قال رسولُ الله وَّ: ((إذا كان جُنْحُ اللَّيلِ
- أو أمسَيْتُم - فَكُفّوا صِبْيانَكم، فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حينئذٍ، فإذا ذهب ساعةٌ مِنَ اللَّيلِ فخَلُّوهُم،
فأغلِقوا الأبوابَ واذْكُرُوا اسمَ الله، فإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَفْتَحُ باباً مُغلَقاً، وأَوْكُوا قِرَبَكم، واذْكُرُوا
اسمَ الله، وَّروا آنيَتكم، واذْكُرُوا اسمَ الله، ولو أن تَعْرُضوا عليه شيئاً، وأطْفِئوا مصابِيحَكُمْ)).
٥٦٢٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّامٌ، عن عطاءٍ، عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ الله وَلّ
قال: ((أطْفِئوا المصابيحَ إذا رَقَدْتُم، وأغلِقُوا الأبوابَ، وأَوْكُوا الأسقِيةَ، وخَمِّرُوا الطَّعامَ
والشَّرابَ - وأحسِبُه قال : - ولو بِعُودٍ تَعْرِضُه عليه)).
قوله: ((باب تَغْطية الإناء)) ذكر فيه حديث جابر في الأمر بغَلقِ الأبوابِ وغير ذلك من ٨٩/١٠
الآداب، وفيه: ((وخِروا آنْيَتَكُم))، وفي الرِّواية الثّانية: ((وخَمِّرُوا الطَّعام والشَّراب))، ومعنى
التَّخمير: التَّغطية، وقد تقدَّم شيء من شرح الحديث في بَدْء الخلق (٣٢٨٠)، ويأتي شرحه
مُستَوَفَى في كتاب الاستئذان (٦٢٩٥ و٦٢٩٦)، وتقدَّم في ((باب شُرب اللَّبَن)) (٥٦٠٥) شرح
قوله: ((ولو أن تَعرُض عليه عُوداً».
٢٣ - باب اختِناثٍ الأسقية
٥٦٢٥- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنُ عُتبةَ،
عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ صُ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّه عن اختِناثِ الأسقِيةِ. يعني: أن تُكْسَرَ أفواهُها
فيُشْرَبَ منها.
[طرفه في: ٥٦٢٦]

٣٢٨
باب ٢٣ / ح ٥٦٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
٥٦٢٦- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال:
حدَّثني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّه سمعَ أبا سعيدِ الخُدرِيَّ يقول: سمعتُ رسولَ الله ◌َلِيَنْهَى
عن اختِناثِ الأسقيةِ.
قال عبدُ الله: قال مَعمَرٌ أو غيرُه: هو الشُّزبُ من أفواهها.
قوله: ((باب اختِناث الأسقية)) افتِعال من الحَنَث، بالخاءِ المعجمة والنُّون والمثلَّثة: وهو
الانطواء والتَّكَسُّر والانثناء. والأسقية جمع السِّقاء، والمراد به: التَّخَذ من الأَدَم صغيراً كان أو
كبيراً. وقيل: القربة قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، والسُّقاء لا يكون إلّا صغيراً.
قوله: ((عن عُبيد الله)) بالتَّصغير ((ابن عبد الله)) بالتَّكبير ((ابن عُتْبة)) بضمِّ المهمَلة وسكون
المثنّاة بعدها موخَّدة، أي: ابن مسعود، وصَرَّحَ في الرِّواية التي تلیها بتحدیثِ عُبيد الله
للزمريِّ.
قوله: ((عن أبي سعيد» صَرَّحَ بالسَّماع في التي تليها أيضاً.
قوله: ((نَهَى رسول الله وَل)) في التي بعدها: سمعتُ رسول الله وَلِّيَنھَى.
قوله: ((يعني: أن تُكْسَر أفواهُها فيُشْرَبَ مِنْها)) المراد بكسرها: ثَنيُها لا كسرُها حقيقةً،
ولا إيانَتُها، والقائل: يعني، لم يُصرَّح به في هذه الطَّريق، ووَقَعَ عند أحمد (١١٦٤٢) عن أبي
النَّضر عن ابن أبي ذِئْب بحذفِ لفظ: يعني، فصار التَّفسير مُدرَجاً في الخبر، ووَقَعَ في
الرّواية الثّانية: قال عبد الله - هو ابن المبارك - قال مَعمَر - هو ابن راشد - أو غيره: هو
الشُّرب من أفواهها. وعبد الله بن المبارك روى المرفوع عن يونس عن الزُّهْريّ، وروى
التَّفسير عن مَعمَر مع التردُّد. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن وهب عن يونس وابن
أبي ذِئْب معاً مُدرَجاً، ولفظه: يَنهَى عن اختناث الأسقية، أو الشُّرب(١) من أفواهها. كذا
فیه بحرفِ التردُّد، وهو عند مسلم (١١١/٢٠٢٣) من طريق ابن وهب عن يونس وحده،
٩٠/١٠ بلفظ: عن اختِناث الأسقية: أن يُشرَب من أفواهها. وهذا أشبه،/ وهو أنَّه تفسيرٌ للاختناث لا
(١) وقع في (س): أو الشرب أن يُشرب من أفواهها. بزيادة: أن يُشرب، ولم ترد في الأصلين، والظاهر أنها مقحمة.

٣٢٩
باب ٢٤ / ح ٥٦٢٧
كتاب الأشربة
أَنَّه شَكٌّ من الراوي في أيّ اللَّفْظَينِ وَقَعَ في الحديث، لكن ظاهره أنَّ النَّفسير في نفس الخبر.
وأخرجه مسلم (١١١/٢٠٢٣) أيضاً من طريق عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْريّ ولم
يَسُق لفظه، لكن قال: مِثله. قال: غير أنَّه قال: واختنائها أن يُقْلَبَ رأسها ثمَّ يُشربَ. وهو
مُدَرَج أيضاً. وقد جَزَمَ الخطَّبيُّ أنَّ تفسير الاختناث من كلام الزُّهْرِيّ، ويُحمَل النَّفسير
المطلَق، وهو الشُّرب من أفواهها على المقَيَّد بكسْرِ فَمِها أو قلبٍ رأسِها. ووَقَعَ في «مُسنَد
أبي بكر بن أبي شَيْبة))(١) عن يزيد بن هارون عن ابن أبي ذِئْب في أوَّل هذا الحديث: شَرِبَ
رجلٌ من سِقاءٍ فانسابَ في بطنه جِنّان، فنَهَى رسول الله ◌َّةٍ، فذكره، وكذا أخرجه الإسماعيليّ
من طريق أبي بكر وعثمان بن أبي شَيْبة - فرَّقَهما - عن يزيد، به.
قوله: ((أفواهها)) جمع فم، وهو على سبيل الردّ إلى الأصل في الفَم أنَّه فوه، نَقَصَت منه
الهاء لاستثقال هاءَينٍ عند الضَّمير لو قيل: فوهه، فلمَّا لم تحتمل الواوُ بعد حذف الهاء
الإعرابَ لسكونها عُوِّضَت ميماً فقيل: فم، وهذا إذا أُفرِدَ، ويجوز أن يُقتَصَر على الفاء إذا
أُضيف لكن تُزاد حركةٌ مُشبَعة يختلف إعرابُها بالحروف، فإن أُضيفَ إلى مُضمَر كَفَتِ
الحَرَكات، ولا يُضاف مع الميم إلّا فِي ضَرُورة شِعر كقولِ الشّاعر (٢):
يُصبِحُ عَطْشانَ وفي البحرِ فَمُهْ
فإذا أرادوا الجمع أو التَّصغير رَدُّوه إلى الأصل، فقالوا: فُوَيْه وأفواه، ولم يقولوا: فُمَيم ولا
أفمام.
٢٤ - باب الشّرب مِن فَمِ السّقاء
٥٦٢٧- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا أيوبُ، قال: قال لنا عِكْرِمةُ: ألا
أُخْبِرُكم بأشياءَ قِصارٍ حدَّثْنا بها أبو هريرةَ؟ نَهَى رسولُ الله ◌َِّ عن الشَّرْبِ من فمِ السِّقَاءِ - أو
القِرِبةِ، وأن يَمْنَعَ جارٌ جارَه أن يَغْرِزَ خَشَبةً في چِداره.
(١) وهو في ((مصنفه)) أيضاً ٨/ ٢٠٧، لكن قال: جَانٌ، بدل: جِنّان. والجِنّان جمع الجانّ.
(٢) هو رُؤبة بن العجَّاج. انظر ((المعاني الكبير)) لابن قتيبة ٢/ ٦٤١.

٣٣٠
باب ٢٤ / ح ٥٦٢٨-٥٦٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
٥٦٢٨- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، أخبرنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن أبي هريرةَ مَلُه:
نَهَى النبيُّ نَّهِ أَن يُشْرَبَ مِن في السِّقاءِ.
٥٦٢٩- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما، قال: نَهَى النبيُّ وَِّ عن الشُّرْبِ مِن فِي السِّقَاءِ.
قوله: ((باب الشُّرْب من فم السِّقاء» الفَم بتخفيفِ الميم ويجوز تشديدها، ووَقَعَ في
رواية: مِن في السِّقاء. وقد تقدَّم توجيهها. قال ابن المنيِّر: لم يَقنَع بالتَّرجمة التي قبلها لئلّا
يُظنّ أنَّ الَّهي خاصّ بصورة الاختناث، فبيَّن أنَّ النَّهي يَعُمّ ما يُمكِن اختِناتُه وما لا يُمكِن
کالفخّار مثلاً.
قوله: ((حدَّثنا أيوب قال: قال لنا عِكْرمة)) في رواية الحميديّ (١١٤١) عن سفيان: حدَّثنا
أيوب السَّختِيانيّ أخبرنا عِكْرمة. وأخرجه أبو نُعَیم من طريقه.
قوله: ((ألا أخبر كم بأشياء قِصارٍ حدَّثنا بها أبو هريرة)» في الكلام حذف تقديره مثلاً:
فقلنا: نعم، أو فقلنا: حدثنا، أو نحو ذلك، فقال: حدثنا أبو هريرة. ووقع في رواية ابن أبي
عُمر عن سفيان، بهذا الإسناد: سمعت أبا هريرة. أخرجه الإسماعيليّ من طريقه.
قوله: ((من فم السِّقاء أو القِربة)) هو شَكٌّ من الراوي، وكأنَّه من سفيان، فقد وَقَعَ في
رواية عبد الجبّار بن العلاء عن سفيان عند الإسماعيليّ: مِن في السِّقاء. وفي رواية ابن أبي
عمر عنده: مِن فَم القربة.
٩١/١٠ قوله: ((وأن يَمْنَع/ جارٌ(١) جاره ... )) إلى آخره، تقدَّم شرحه في أوائل كتاب المظالم (٢٤٦٣)،
قال الكِرْمانيّ: قال: ألا أُخبِركم بأشياء، ولم يَذكُر إلّا شيئينِ فلعلَّه أخبرَ بأكثرَ فاختَصَرَه
بعضُ الرُّواة أو أقلّ الجمع عنده اثنان. قلت: واختصاره يجوز أن يكون عَمداً ويجوز أن
يكون نِسْياناً، وقد أخرج أحمد (٨٣٣٥) الحديث المذكور من رواية حمّاد بن زيد عن أيوب
(١) لفظة ((جارٌ)) أثبتناها من الأصلين، وهي ثابتة أيضاً في ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي (٢٣٢٥). ولم
ترد في الیونینیة ولا في «إرشاد الساري)).

٣٣١
باب ٢٤ / ح ٥٦٢٩
كتاب الأشرية
فذكر بهذا الإسناد الشَّيئينِ المذكورَينِ، وزاد النَّهي عن الشُّرب قائماً. وفي ((مُسنَد الحميديّ))
أيضاً ما يدلّ على أنَّه ذكر ثلاثة أشياء، فإنَّه ذكر النَّهي عن الشُّربِ مِن في السِّقاء أو القِرْبة،
وقال: هذا آخرها(١). والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا مُسدَّد، حدَّثنا إسماعيل)) هو المعروف بابنِ عُلَيَّة.
قوله: ((أن يُشْرَبَ مِن في السِّقاء)) زاد أحمد (٧١٥٣) عن إسماعيل، بهذا الإسناد والمتن:
قال أيوب: فأُنبِئت أنَّ رجلاً شَرِبَ مِن في السِّقاء، فخَرَجَت حَيَّة. وكذا أخرجه الإسماعيليّ
من رواية عبَّاد بن موسى عن إسماعيل، ووهمَ الحاكم فأخرج الحديث في ((المستدرَك))
(٤/ ١٤٠) بزيادَتِه، والزّيادة المذكورة ليست على شرط الصَّحيح، لأنَّ راويها لم يُسَمّ،
وليست موصولة، ولكن أخرجها ابن ماجَهْ (٣٤١٩) من رواية سَلَمة بن وَهْرام عن
عِكْرمة بنحوِ المرفوع(٢)، وفي آخره: وإنَّ رجلاً قامَ من اللَّيل بعد النَّهي إلى سِقاء، فاختَه
فخَرَجَت عليه منه حَيَّة. وهذا صريح في أنَّ ذلك وَقَعَ بعد النَّهي، بخلاف ما تقدَّم من
رواية ابن أبي ذِئْب في أنَّ ذلك كان سبب النَّهي، ويُمكِن الجمع بأن يكون ذلك وَقَعَ قبل
النَّهي فكان من أسباب النَّهي، ثمَّ وَقَعَ أيضاً بعد النَّهي تأكيداً(٣).
وقال النَّوويّ: اتَّفَقوا على أنَّ النَّهي هنا للتَّنزيه لا للتَّحريم. كذا قال، وفي نقل الاتّفاق
نظر لمَا سأذكُرُه، فقد نَقَلَ ابن الِّين وغيره عن مالك: أنَّه أجازَ الشُّرب من أفواه القِرَب
وقال: لم يَبلُغني فيه نَهِيٌّ، وَبالَغَ ابن بَطّال في رَدِّ هذا القول، واعتَذَرَ عنه ابن المنيِّر باحتمال
أَنَّه كان لا يَحِمِل النَّهي فيه على التَّحريم(٤). كذا قال مع النَّقل عن مالك أنَّه لم يَبلُغه فيه نَهِيٌّ،
فالاعتذار عنه بهذا القول أولى، والحُجّة قائمة على مَن بَلَغَه النَّهي. قال النَّوويّ: ويُؤيِّد
(١) هذا القول لم نجده في ((مسنده)) عقب الحديث (١١٤١)، فلعله يكون في رواية أبي نعيم في «مستخرجه))
حيث روى الحديث من طريقه كما أشار إليه الحافظ قريباً.
(٢) وإسناده ضعيف لضعف زمعة بن صالح راويه عن سلمة.
(٣) إذا علمنا ضعف إسناد ابن ماجه وصحة إسناد رواية ابن أبي ذئب فلا حاجة بنا إلى هذا الجمع، والله أعلم.
(٤) وقال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) ٨٢/٨ بعد نقله ذلك عن مالك: وعندي أنه في حال الضرورة.

٣٣٢
باب ٢٤ / ح ٥٦٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
كَون هذا النَّهي للتَّنزيه أحاديثُ الرُّخصة في ذلك.
قلت: لم أرَ في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدلّ على الجواز إلّا من فِعله وَلِ(١).
وأحاديث النَّهي كلّها من قوله، فهي أرجَح إذا نظرنا إلى عِلّة النَّهي عن ذلك، فإنَّ جميع ما
ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنَّه مأمون منه وَّه. أمَّا أوَّلاَ: فِلِعِصمَتِهِ وطِيبٍ نَكَهَته، وأمَّا
ثانياً: فلِرِفْقِه في صَبّ الماء.
وبيانُ ذلك بسياق ما ورَدَ في عِلّةِ النَّهي. فمِنها ما تقدَّم من أنَّه لا يُؤمَن دخولُ شيء
من الهوامّ مع الماء في جَوف السِّقاء فيَدخُلُ فمَ الشّارب، وهو لا يَشعُر، وهذا يقتضي أنَّه لو
مَلَأَ السِّقاء وهو يُشاهد الماءَ يَدخُل فيه، ثمَّ رَبَطَهِ رَبْطاً مُحْكَماً، ثمَّ لمَّا أراد أن يشرب حَلّه
فشِرِبَ منه لا يَتَناوله النَّهي. ومنها ما أخرجه الحاكم (٤/ ١٤٠) من حديث عائشة بسندٍ
قويّ(٢) بلفظ: نَهَى أن يُشرَب من في السِّقاء لأنَّ ذلك يُنِنه. وهذا يقتضي أن يكون النَّهي
خاصّاً بمَن يشرب فيَتَنَفَّس داخل الإناء أو باشَرَ بفَمِه باطن السِّقاء، أمَّا مَن صَبَّ من
القِربة من الفم، أي: فم السقاء(٣) داخِلَ فمه من غير مُماسّة فلا. ومنها: أنَّ الذي يشرب
من فم السِّقاء قد يَغْلِه الماء، فيَنصَبّ منه أكثر من حاجته، فلا يأمَن أن يَشْرَق به أو تَبتَلّ
ثيابه. قال ابن العربيّ: وواحدة من الثلاثة تَكفي في ثُبوت الكراهة، وبمجموعِها تَقوی
الكراهة جدّاً.
وقال الشَّيخ أبو (٤) محمَّد بن أبي جَمْرة ما مُلخَّصه: اختُلِفَ في عِلّة النَّهي، فقيل: يُحْشَى
أن يكون في الوِعاء حيوان، أو يَنصَبّ بقوّةٍ فَيَشرَق به، أو يَقطَع العُروق الضَّعيفة التي بإزاءِ
(١) سيذكرها الحافظ قريباً.
(٢) كذا قوَّى الحافظُ إسنادَه مع أنه اختُلف في وصله وإرساله، فقد أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٩٨)،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٧٦/٤، والبيهقي في ((السنن الكبرى) ٢٨٥/٨، مرسلاً. بل وقع
عند عبد الرزاق أنَّ قوله: فإنَّ ذلك ◌ُنِنُه، من قول هشام بن عروة. وقال البيهقي في ((شعب الإيمان» بإثر
(٦٠٢٢): الصحيح أنه من قول هشام.
(٣) عبارة ((من الفم))، أي: فم السقاء)) سقطت من (س).
(٤) لفظة ((أبو)) سقطت من (س).

٣٣٣
باب ٢٤ / ح ٥٦٢٩
كتاب الأشربة
القلب فُرُبَّما كان سببَ الهلاك، أو بما يَتَعلَّق بفَم السِّقاء من بُخار النَّفْس، أو بما يُخالط الماء من
ريق الشّارب فيَتَقَذَّرُه غيرُه، أو لأنَّ الوِعاء يَفسُد بذلك في العادة فيكون من إضاعة المال.
قال: والذي يقتضيه الفقه أنَّه لا يَبعُد أن يكون النَّهي لمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضي
الكراهة وفيها ما يقتضي التَّحريم، والقاعِدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتَّحريم.
وقد جَزَمَ ابن حَزْم بالتَّحريمِ لتُبوتِ النَّهي، وحَمَلَ / أحاديث الرُّخصة على أصل الإباحة، ٩٢/١٠
وأطلقَ أبو بكر الأثرم صاحبُ أحمد أنَّ أحاديث النَّهي ناسخة للإباحة، لأنَّهم كانوا أوَّلاً يفعلونَ
ذلك حتَّى وَقَعَ دخول الحيَّة في بطن الذي شَرِبَ من فم السِّقاء فنُسِخَ الجواز.
قلت: ومن الأحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه التِّرمِذيّ (١٨٩٢) وصَحَّحَه من
حديث عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة عن جَدَّته كَبشة قالت: دَخَلَ عليّ(١) رسول الله لَ ◌ّهِ فِشَرِبَ
من في قِرِبة مُعلَّقة. وفي الباب عن عبد الله بن أُنيس(٢) عند أبي داود (٣٧٢١)، والتِّرمِذيّ
(١٨٩١)، وعن أمّ سليم(٣) في ((الشَّمائل)) (٢١٥)، وفي ((مُسنَد أحمد)) (٢٧١١٥)، والطبرانيِّ
(٣٠٧/٢٥)، و((المعاني)) للطَّحَاويّ (٢٧٤/٤).
قال شيخنا في (شرح التِّرمِذيّ): لو فرَّقَ بين ما يكون لعُذرٍ كأن تكون القِربة مُعلَّقة ولم
يَجِدِ المحتاج إلى الشُّرب إناء مُتَسِّراً، ولم يتمكَّن من التّناوُل بكَفِّه، فلا كراهة حينئذٍ، وعلى ذلك
تُحمَل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عُذر فتُحمَل عليه أحاديث النَّهي.
قلت: ويُؤيِّده أنَّ أحاديث الجواز كلَّها فيها أنَّ القربة كانت مُعلَّقة، والشُّرب من القِربة
المعلّقة أخصُّ من الشُّرب من مُطلَق القِربة، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرُّخصة مُطلَقاً
بل على تلك الصّورة وحدها، وحَمْلها على حال الضَّرورة جمعاً بين الخبرَينِ أولى من حَملها
على النَّسخ، والله أعلم.
وقد سَبَقَ ابنُّ العربيّ إلى نحو ما أشارَ إليه شيخنا، فقال: يحتمل أن يكون شُربِه وَلّ في
(١) تحرَّف في (س) إلى: دخلت على.
(٢) وإسناده ضعيف کما بيناه في ((سنن أبي داود)).
(٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: أم سلمة. وفي إسناده مجهول، كما بيناه في ((مسند أحمد)).

٣٣٤
باب ٢٥ - ٢٦ / ح ٥٦٣٠ - ٥٦٣١
فتح الباري بشرح البخاري
حال ضَرُورة، إمّا عند الحرب، وإمّا عند عَدَم الإناء، أو مع وجوده لكن لم يتمكَّن لشُغلِه من
التَّفريغ من السِّقاء في الإناء. ثمَّ قال: ويحتمل أن يكون شَرِبَ من إدَاوَة، والنَّهي محمول على ما
إذا كانت القِربة كبيرةً لأنَّها مَظِنّة وجود الهوامّ. كذا قال، والقِربة الصَّغيرة لا يَمتَنِع وجود
شيء من الهوامّ فيها، والضَّرَر يَحَصُل به ولو كان حَقيراً، والله أعلم.
٢٥ - باب النّهي عن التّنفّس في الإناء
٥٦٣٠- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادةَ، عن أبيه،
قال: قال رسولُ الله ◌َفيِ: ((إذا شَرِبَ أحدُكم فلا يَتَنَفَّسْ في الإناءِ، وإذا بالَ أحدُكم فلا یَمْسَحْ
ذكَرَه بيمينِهِ، وإذا تَسَّحَ أحدُكم فلا يَتَمسَّحْ بیمینِهِ)).
قوله: ((بابُ النَّهي عن التَّنَفّس في الإناء)) ذكر فيه حديث أبي قَتَادة. وقد تقدَّم شرحُه في
كتاب الطَّهارة (١٥٣ و١٥٤).
قوله: ((فلا يَتَنَفَّس في الإناء)) زاد ابن أبي شَيْبةٍ(١) (٢٢١/٨-٢٢٢) من وجه آخر عن
عبد الله بن أبي قَتَادة عن أبيه: النَّهي عن النَّفخ في الإناء. وله شاهد من حديث ابن عبّاس
عند أبي داود (٣٧٢٨)، والتِّرمِذيّ (١٨٨٨): أنَّ النبيَّ وَ نَهَى أن يُتَنَفَّس في الإناء، وأن
يُنْفَخ فيه (٢). وجاء في النَّهي عن النَّفْخ في الإناء ◌ِدّة أحاديث، وكذا النَّهي عن التَّنَفُّس في
الإناء، لأنَّه رُبَّا حَصَلَ له تَغْيُر من النَّفَس، إمّا لكَونِ المتَنَفِّس كان مُتَغيِّر الفَمِ بمأكولٍ
مثلاً، أو لبُعدِ عَهْده بالسِّواكِ والمضمضة، أو لأنَّ النَّفَس يَصعَد بُيُخار المعدة، والنَّفْخ في
هذه الأحوال كلّها أشدُّ من التَّنَفُس.
٢٦ - باب الشّرب بنفَسَين أو ثلاثةٍ
٥٦٣١- حدَّثنا أبو عاصم وأبو نُعَيم، قالا: حدَّثنا عَزْرةُ بنُ ثابتٍ، قال: أخبرني ثُمَامةُ بنُ
عبدِ الله، قال: كان أنسُ يَنَفَّسُ في الإناءِ مرَّتَينٍ أو ثلاثاً. وزَعَمَ أنَّ النبيَّ وَّلِكَان يَتَنَفَّسُ ثلاثاً.
(١) ذهل الحافظ رحمه الله تعالى عن وجود هذا الحديث عند النسائي في ((الكبرى)) (٦٨٥٥).
(٢) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٣٤٢٩) بذكر النفخ في الإناء وحسب.

٣٣٥
باب ٢٦ / ح ٥٦٣١
كتاب الأشرية
قوله: (باب الشُّرْب بنَفَسَينِ أو ثلاثة)» كذا تَرجَمَ، مع أنَّ لفظ الحديث الذي أورَدَه في ٩٣/١٠
الباب: كان يَتَنَفَّس. فكأنَّه أراد أن يجمع بين حديث الباب والذي قبله لأنَّ ظاهرهما
التَّعَارُض، إذ الأوَّل صريح في النَّهي عن التَّفُّس في الإناء، والثّاني يُثِت التَّّفُّس، فحَمَلَهما
على حالتَينِ: فحالة النَّهي على التَّنَفُّس داخل الإناء، وحالة الفِعل على مَن تَنفَّسَ خارجَه،
فالأوَّل على ظاهره من النَّهي، والثّاني تقديره كان يَتَنَفَّس في حالة الشُّرب من الإناء. قال
ابن المنّيِّر: أورَدَ ابن بَطّال سؤال التَّعارُض بين الحديثَين، وأجابَ بالجمع بينهما فأطنَبَ،
ولقد أغنى البخاريّ عن ذلك بمُجرَّدٍ لفظ التَرجمة، فجَعَلَ الإناء في الأوَّل ظَرْفاً للتَّفُّسِ
والنَّهي عنه لاستقذاره، وقال في الثّاني الشُّرب بنَفَسَينِ، فجَعَلَ التنفّس للشرُّب، أي: لا
يَقْتَصِر على نَفَس واحد، بل يَفصِل بين الشُّربَينِ بنَفَسَينِ أو ثلاثة خارجَ الإناء. فعُرِفَ
بذلك انتفاء التَّعارض.
وقال الإسماعيليّ: المعنى أنَّه كان يَتَنَفَّس، أي: على الشَّراب لا فيه داخلَ الإناء. قال:
وإن لم يُحمَل على هذا صارَ الحديثان مُخْتَلِفَيْنِ، وكان أحدهما منسوخاً لا محالة، والأصل
عَدَم النَّسخ، والجمع مهما أمكنَ أولى. ثمَّ أشارَ إلى حديث أبي سعيد، وهو ما أخرجه
التِّرمِذيّ (١٨٨٧) وصَحَّحَه، والحاكم (١٣٩/٤) من طريقه (١): أنَّ النبيَّ نََّ نَهَى عن
النَّفْخ في الشَّراب، فقال رجل: القَذاة أراها في الإناء، قال: ((أهرِقها))، قال: فإنّ لا أَرَوَى
مِن نَفَس واحد، قال: ((فأبِنِ القَدَح إذاً عن فيك))، ولابنِ ماجَهْ (٣٤٢٧) من حديث أبي
هريرة رَفَعَه: ((إذا شَرِبَ أحدُكم فلا يَتَنَفَّسْ في الإناء، فإذا أراد أن يُعُودَ فليُنَحِّ الإناءَ ثمَّ
لیعُدْ إن کان یریدُ».
قال الأثرم: اختلاف الرِّواية في هذا دالّ على الجواز وعلى اختيار الثلاث، والمراد
بالنَّهي عن التَّنَقُّس في الإناء أن لا يجعل نفسَه داخلَ الإناء، وليس المراد أن يَتَنَفَّس خارجَه
طلباً للراحةِ.
(١) لم يخرجه الحاكم من طريق الترمذي، فلعلَّ الحافظ أراد أنه عنده من طريق أبي سعيد يعني من حديثه،
والله أعلم.

٣٣٦
باب ٢٦ / ح ٥٦٣١
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به لمالك على جواز الشُّرب بنَفَسٍ واحد. وأخرج ابن أبي شَيْبة الجواز عن سعيد بن
المسيّب وطائفة. وقال عمر بن عبد العزيز: إنَّما نهي عن التَّفُّس داخلَ الإناء، فأمَّا مَن لم يَتَنَفَّس
فإن شاءَ فليشرب بنَفَسٍ واحد. قلت: وهو تفصيلٌ حسن، وقد ورَدَ الأمر بالشُّربِ بنَفَسٍ واحد
من حديث أبي قَتَادة مرفوعاً أخرجه الحاكم(١)، وهو محمول على التَّفصيل المذكور.
قوله: ((حدَّثنا عَزْرة)) بفتح المهمَلة وسكون الزّاي بعدها راء ((ابن ثابت)) هو تابعيّ
صغير أنصاريّ، أصله من المدينة نزلَ البصرة، وقد سمعَ من جَدّه لأُمّه عبد الله بن یزید
الخَطْمَيّ وعبد الله بن أبي أوفَ وغيرهما، فهذا الإسناد له حُكم الثَّلاثيّات وإن كان شيخ
تابعیِّه فيه تابعیاً آخر.
قوله: ((كان يَتَنَفَّس في الإناء مرَّتَينِ أو ثلاثاً، يحتمل أن تكون ((أو)) للتَّنويع، وأنَّه كان ◌َ
لا يَقتَصِر على المرّة بل إن رَوِيَ من نَفَسَيْنِ اکتَفَى بها وإلّا فثلاث، ويحتمل أن تكون «أو »
للشَّكّ، فقد أخرج إسحاق بن راهويه(٢) الحديث المذكور عن عبد الرّحمن بن مَهديّ عن
عَزْرة بلفظ: كان يَتَنَفَّس ثلاثاً. ولم يَقُل: أو، وأخرج الِّرمِذيّ (١٨٨٥) بسندٍ ضعيف عن
ابن عبَّاس رَفَعَه: ((لا تشربوا واحدةً كما يشرب البعير، ولكنِ اشرَبوا مَثْنَى وَثُلاث))، فإن
كان محفوظاً فهو يُقَوِّي ما تقدَّم من التَّنويع. وأخرج أيضاً (١٨٨٦) بسندٍ ضعيف عن ابن
عبَّاس أيضاً: أنَّ النبيَّ وَ ﴿ كان إذا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَينٍ. وهذا ليس نَصّاً في الاقتصار على
المَرَّتَين، بل يُحتمل أن يُراد به التَّفُّس في أثناء الشُّرب، فيكون قد شَرِبَ ثلاث مرَّات،
وسَكَتَ عن التَّنْفُّس الأخير لكَونِه من ضَرُورة الواقع.
وأخرج مسلم (٢٠٢٨) وأصحاب (السُّنَن)(٣) من طريق أبي عِصَام عن أنس: أنَّالنبيَّ وَل
كان يَتَنَفَّس في الإناء ثلاثاً ويقول: ((هو أَروَى وأمْرأُ وأبرأ)» لفظ مسلم، وفي رواية أبي داود
(١) سقط من مطبوع ((المستدرك)) الطبعة الهندية، وقد ذكره الذهبي في ((تلخيص المستدرك)) ١٣٩/٤،
والحافظ في («إتحاف المهرة)) (٤٠٣٨).
(٢) وكذا أخرجه أحمد (١٢١٣٣) عن يحيى بن سعيد عن عزرة.
(٣) الترمذي (١٨٨٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٨٦١).

٣٣٧
باب ٢٦ / ح ٥٦٣١
كتاب الأشرية
(٣٧٢٧): ((أهنا)) بَدَل قوله: ((أَروى)) وقوله: ((أَروى)) هو من الرّيّ، بكسر الرَّاء، غير
مهموز، أي: أكثر رِيّاً، ويجوز أن يُقرأ مهموزاً للمُشاكَلة. و((أمْرأُ)) بالهمز: من المَرَاءة،
يقال: مَرَأْ الطَّعامُ، بفتح الرَّاء، يَمرَأ، بفتحِها(١) ويجوز كسرها: / صارَ مَرِيئاً، و ((أبْراً)) بالهمز: ٩٤/١٠
من البراءة أو من البُرْء، أي: يُرِئُ من الأذى والعَطَش. و((أهنا)) بالهمز: من الهَنَاء، والمعنى
أَنَّه يصير هَنيئاً مَرِيئاً بَرِيئاً، أي: سالماً أو مُثْرِئاً من مرض أو عَطَش أو أذى. ويُؤخَذ من ذلك أنَّه
أقمَعُ للعَطَش، وأقوى على الهضم، وأقلّ أثراً في ضعف الأعضاء وبَرْد المعدة. واستعمال
أفعَلِ التَّفضيل في هذا يدلُّ على أنَّ للمرَّتَينِ في ذلك مَدخَلاً في الفضل المذكور، ويُؤخَذ منه
أنَّ النَّهي عن الشُّرب في نَفَس واحد للتَّزيه.
قال المهلَّب: النَّهي عن التَّقُّس في الشراب كالنَّهي عن النَّفْخ في الطَّعام والشَّراب، من
أجل أنَّه قد يقع فيه شيءٌ من الرِّيق فيَعافُه الشّارب ويَستقذِرُه، إذ كان التقذُّر في مثل ذلك
عادةً غالبةً على طِباع أكثر الناس، ومحلّ هذا إذا أكَلَ أو شَرِبَ مع غيره، وأمَّا لو أكَلَ وحدَه
أو مع أهله أو مَن يعلمُ أنَّه لا يَتَقَذَّر شيئاً ممّا يَتَنَاولُه فلا بأس. قلت: والأَولى تعميمُ المنع،
لأنَّه لا يُؤمَن مع ذلك أن تَفضُل فَضْلة أو تَحصُل التقذُّر من الإناء أو نحو ذلك.
وقال ابن العربيّ: قال عُلَا ؤُنا: هو من مكارم الأخلاق، ولكن يحرُّم على الرجل أن
يُناوِل أخاه ما يَقْذَرُه، فإن فعَلَه في خاصّة نفسه ثمَّ جاء غيرُه فناولَه إيّاه فليُعلِمْه، فإن لم
يُعلِمْه فهو غِشْ، والغِشْ حرام.
وقال القُرطُبيّ: معنى النَّهي عن التَّقُّس في الإناء لئلا يُتَقَذَّر به من بُزاق أو رائحة كريهة
تتعلَّق بالماء، وعلى هذا إذا لم يَتَنَفَّس يجوز الشُّرب بنَفَسٍ واحد. وقيل: يُمنَعِ مُطلَقاً لأنَّه شُرْب
الشّيطان، قال: وقول أنس: كان يَتَنَفَّس في الشرابِ ثلاثاً، قد جعله بعضهم مُعارِضاً للنَّهي،
وُلَ على بيان الجواز، ومنهم مَن أومأ إلى أنَّه من خصائصه، لأنَّه كان لا يَتَقَذَّر منه شيء.
(١) المثبت من (س)، وفي الأصلين: بضمها، يعني ضم الراء، وهو خطأ، لأنه ذكر فتح الراء في الماضي
فناسب أن تفتح في المضارع، ولو أنه قال: مَرُؤَ الطعامُ، بضم الراء - إذ هو جائز في العربية أيضاً - يصحّ
أن يضم الراء في المضارع، بل هو الذي صدَّر به الجوهري كلامه في الصحاح في مادة (مرأ).

٣٣٨
باب ٢٧ / ح ٥٦٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
تكملة: أخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٨٤٠) بسندٍ حسن عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ وَلـ
كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنَى الإناء إلى فيه سَمَّى الله، فإذا أخَّرَه ◌َمِدَ الله، يفعل
ذلك ثلاثاً. وأصله في ابن ماجَهْ (٣٤٢٧). وله شاهد في حديث ابن مسعود عند البزَّار(١)
والطبرانيّ (١٠٤٧٥)، وأخرج التِّرمِذيّ (١٨٨٥) في حديث ابن عبّاس المشار إليه قبلُ:
((وسَمُّوا إذا أنتم شَرِبتُم، واحَمَدُوا إذا أنتم رَفَعتُم)). وهذا يحتمل أن يكون شاهداً لحديثٍ
أبي هريرة المذكور، ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط، والله أعلم.
٢٧ - باب الشّربِ في آنية الذهب
٥٦٣٢- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كان
خُذَيفةُ بالمدائنِ، فاستَسْقَى، فأتاه دِهْقَانٌ بقِدَحِ فِضّةٍ، فَرَماه به، فقال: إنّي لم أرْمِه إلّا أنّ نَهَتُهُ
فلم يَنْتَهِ، وإنَّ النبيَّ ◌َّهِ نَهانا عن الحَرِيرِ، والدِّيباجِ، والشَّربِ في آنِيةِ الذّهَبِ والفِضّةِ، وقال:
(هُنَّ لهم في الدُّنْيا، وهُنَّ لكم في الآخرة)).
قوله: ((باب الثُّرْب في آنية الذَّهَب)) كذا أطلقَ التَّرجمة، وكأنَّه استَغْنى عن ذِكْر الحُكم
بما صَرَّحَ به بعد في كتاب الأحكام(٢) أنَّ تَهي النبيّ وَّر على التَّحريم حتَّى يقوم دليل
الإباحة. وقد وَقَعَ الَّصريح في حديث الباب بالنَّهي والإشارة إلى الوعيد على ذلك، ونَقَلَ
ابن المنذر الإجماع على تحريم الشُّرب في آنية الذَّهَب والفِضّة إلّا عن معاوية بن قُرّة أحد
التابِعِينَ، فكأنَّه لم يَبلُغْه النَّهيُّ، وعن الشافعيّ في القديم، ونَقَلَ عن نَصِّه في حَرمَلة: أنَّ
الَّهي فيه للتَّنزيه، لأنَّ عِلَّتَه ما فيه من التَّشَبُّه بالأعاجِم، ونَصَّ في الجديد على التَّحريم،
ومن أصحابه مَن قَطعَ به عنه، وهذا اللائق به لُبوتِ الوعید علیه بالنار، کما سيأتي في
الذي يليه(٣).
(١) هو عند البزار برقم (١٧٥٢)، لكن ليس فيه ذكرُ التسمية في أول كل نفس والشكر في آخرهن، وجاء
ذلك عند الطبراني، وفي الإسناد المعلّ بن عرفان، وهو ضعيف جدّاً، وعدَّ الذهبي هذا الحديث في ترجمته
في («الميزان)» من مناكيره.
(٢) بل في كتاب الاعتصام، باب رقم (٢٧).
(٣) الحديث رقم (٥٦٣٤).

٣٣٩
باب ٢٧ / ح ٥٦٣٢
كتاب الأشربة
وإذا ثَبَتَ ما نُقِلَ عنه فلعلَّه كان قبل أن يَبلُغَه الحديثُ المذكور، ويُؤيِّد/ وهمَ النَّقل أيضاً ٩٥/١٠
عن نَصّه في حَرمَلة أنَّ صاحِب ((الثَّقريب)) نَقَلَ في كتاب الزكاة عن نَصّه في حَرمَلة: تحريم
المّخاذ الإناء من الذَّهَب أو الفِضّة، وإذا حَرُمَ الاتِّخاذ فتحريم الاستعمال أَولى، والعِلّة المشار
إليها ليست مُتَّفَقاً عليها، بل ذَكَروا للنَّهي عِدّة عِلَل: منها ما فيه مِن كَسْر قلوب الفقراء،
ومِن الخُيَلاء ومن السَّرَف، ومِن تضييق النَّقْدَينِ.
قوله: ((عن ابن أبي ليلى)) هو عبد الرّحمن، وفي رواية غُندَر عن شُعْبة عن الحَكَم:
سمعت ابن أبي ليلى، أخرجه مسلم (٢٠٦٧) والتِّرمِذيّ (١٨٧٨).
قوله: ((كان حُذَيفة بالمدائنِ)) عند أحمد (٢٣٤٦٤) من طريق يزيد عن ابن أبي ليلى: كنت
مع حُذَيفة بالمدائنِ(١). والمدائن اسم بلفظ جمع مدينة، وهو بَلَد عظيم على دِجلة بينها وبين
بغداد سبعة فراسخ، كانت مَسكَنَ ملوك الفُرس، وبها إيوان كِسرَى المشهور، وكان فتحها
على يد سعد بن أبي وقّاص في خِلَافة عمر سنة ستّ عشرة، وقيل: قبل ذلك، وكان حُذَيفة
عاملاً علیها في خلافة عمر، ثمَّ عثمان إلى أن ماتَ بعد قتل عثمان.
قوله: ((فاستَسْقَى، فأتاه دِهْقان)) بكسر الدّال المهمَلة، ويجوز ضَمّها، بعدها هاء ساكنة
ثمَّ قافٌ: هو كبير القرية بالفارسيَّة، ووَقَعَ في رواية أحمد (٢٣٤٠١) عن وكيع عن شُعْبة:
استَسقَى حُذَيفةٌ من دِهْقان أو عِلْج. وتقدَّم في الأطعمة (٥٤٢٦) من طريق سيف عن
مجاهد عن ابن أبي ليلى: أنَّهم كانوا عند حُذَيفة، فاستَسقَى، فسَقاه مَجوسيٌّ. ولم أقِفْ على
اسمه بعد البحث.
قوله: ((بقَدَحِ فِضّةٍ)) في رواية أبي داود (٣٧٢٣) عن حفص شيخ البخاريّ فيه: بإناءٍ
من فِضّة. ولمسلم (٢٠٦٧) من طريق عبد الله بن عُكَيم: كنَّا عند حُذَيفة فجاءه دِهقانٌ
بشرابٍ في إناء من فِضّة. ويأتي في اللِّباس (٥٨٣١) عن سليمان بن حَرْب عن شُعْبة بلفظ:
بماءٍ في إناء.
(١) ورواية مسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، قال: شهدتُ حذيفة استسقى بالمدائن.
وسيأتي عند البخاري (٥٦٣٣) من طريق مجاهد عن ابن أبي ليلى، قال: خرجنا مع حذيفة.

٣٤٠
باب ٢٧ / ح ٥٦٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فَرَمَاهُ به)) في رواية وكيع: فحَذَفَه به. ويأتي في الذي يليه(١) بلفظ: فرَمَى به في
وجهه ولأحمد من روایة یزید عن ابن أبي ليلى: ما یأُو أن يُصيبَ به وجهَه. زاد في رواية
الإسماعيليّ وأصله عند مسلم: فرَماه به فكَسَرَه.
قوله: ((فقال: إنّ لم أرمِه إلّا أنّ نَتُه فلم يَنْتَه)» في رواية الإسماعيليّ المذكورة: لم أكسِره
إلّا أنّي ثَهَتُهُ فلم يَقبلْ. وفي رواية وكيع: ثمَّ أقبَلَ على القوم فاعتَذَرَ. وفي رواية یزید: لولا
أنّ تقدَّمت إليه مرَّة أو مرَّتَينِ لم أفعَل به هذا. وفي رواية عبد الله بن عُكَيم: إنّ أمَرتُه أن لا
يسقيني فیه. ويأتي في الذي بعده مزید فيه.
قوله: ((وإنَّ النبيّ(وَلِهِ نَهانا عن الحرير والدّيباج )) سيأتي في اللِّباس (٥٨٣٧) التَّصريح
ببيان النَّهي عن لُبسهما، وفيه بيانُ الدّيباج ما هو(٢).
قوله: ((والشُّرْب في آنية الذَّهَب والفِضّة)) وَقَعَ في الذي يليه بلفظ: ((لا تشربوا ... ولا
تَلبَسوا ... )). وكذا عند أحمد (٢٣٣١٤) من وجه آخر عن الحَكَم، كذا وَقَعَ في مُعظَم
الرِّوايات عن حُذَيفة الاقتصار على الشُّرب، ووَقَعَ عند أحمد من طريق مجاهد عن ابن أبي
ليلى، بلفظ: نَهَى أن يُشرَب في آنية الذَّهَب والفِضّة، وأن يُؤكَل فيها(٣). ويأتي نحوه في
حديث أمّ سَلَمة في الباب الذي يليه (٥٦٣٤).
قوله: ((وقال: هُنَّ لهم في الدُّنْيا، وهُنَّ لكم في الآخرة)) كذا فيه بلفظ: ((هُنَّ) بضمِّ الهاء
وتشديد النُّون في الموضعينِ (٤). وفي رواية أبي داود (٣٧٢٣) عن حفص بن عمر شيخ البخاريّ
فيه بلفظ ((هي) بكسر الهاء ثمَّ التَّحتانيَّة، وكذا في رواية غُندَر عن شُعْبة (٥)، ووَقَعَ عند
(١) يعني في لفظة المطويّ ذِكْرُه، وقد ذكره الدارمي (٢١٣٠)، وسيخرجه الحافظ من ((مستخرج الإسماعيلي)).
(٢) ذكر عند شرح الحديث (٥٨٤٩) أنَّ الديباج صنف نفيس من الحرير.
(٣) كذا نسب الحافظ هذه الرواية لأحمد، وهو ذهول منه رحمه الله، فإنَّ هذه رواية حديث علي بن أبي طالب
عند الدار قطني (٩٧)، والبيهقي ١ / ٢٨، ولم نقف عليها عند أحمد.
(٤) كذا ضبطها الحافظ، وهي كذلك في نسخة عندنا عتيقة برواية أبي ذرّ الهروي، وجاء في اليونينية في
الموضع الثاني بلفظ ((وهي)) دون ذكر خلاف بين رواه البخاري، وكذلك في ((إرشاد الساري)).
(٥) عند الترمذي (١٨٧٨)، ورواية عند مسلم أيضاً (٢٠٦٧) لكنه لم يسُق لفظه.