Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
باب ١٠ / ح ٥٥٩٨ -٥٥٩٩
كتاب الأشربة
شَهِدَ عَدلان ممّن كان يشرب ثمَّ تابا أنَّه ريح خمر وجَبَ الحدّ، وخالَفَ ذلك الجمهورُ،
فقالوا: لا يجب الحدّ إلّا بالإقرار أو البيّنة على مُشاهَدة الشُّرب، لأنَّ الرَّوائح قد تَنَّفِقِ،
والحدّ لا يُقام مع الشُّبهة، وليس في قصَّة عمر التَّصريح أنَّه جَلَدَ بالرَّائحة، بل ظاهر سياقه
يقتضي أنَّه اعتَمَدَ في ذلك على الإقرار أو البيّنة، لأنَّه لم يجلِدهم حتَّى سألَ.
وفي قول عمر: اللهمَّ لا أُحِلّ لهم شيئاً حَرَّمَتَه عليهم، رَدٌّ على مَن استَدَلَّ بإجازَتِهِ شُربَ
المطبوخ أنَّه يجوز عنده الشُّرب منه ولو أسكَرَ شاربه، لكَونِه لم يُفْصِّل بين ما إذا أسكَرَ أو لم
يُسكِر، فإنَّ بقيّة أثر عمر الذي ذكرته يدلّ على أنَّه فضَّلَ، بخلاف ما قال الطّحاويُّ وغيره.
٥٥٩٨- حدَّثْنا محمَّدُ بنُّ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن أبي الجُوَيِرِيَةِ، قال: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ
عن الباذَقِ؟ فقال: سَبَقَ محمَّدٌ مَِّ الباذَقَ، فما أسكَرَ فهو حرامٌ. قال: الشَّرابُ الحلالُ الطَّيِّب؟
قال: ليس بعدَ الحلال الطيِّبِ إلّا الحرامُ الخَبِيث.
٥٥٩٩- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هشام بنُ عُرْوةَ،
عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّ ◌َلّهِ يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ.
قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوْريّ.
قوله: ((عن أبي الجويرية)) بالجيم مُصغَّراً: اسمه حِطّان، وقد تقدَّم شرح حاله في سورة المائدة
(٤٦٢٢)، ووَقَعَ في رواية عبد الرَّزّاق (١٧٠١٤) عن الثَّوْريّ: حدَّثني أبو الجويرية(١).
قوله: ((سَبَقَ مِحِمَّدٌ نَِّ الباذَقَ، ما (٢) أسكَرَ فهو حرام)) قال المهلَّب: أي: سَبَقَ محمَّدٌ إِلهـ
بتحريم / الخمر تسميتهم لها الباذَقَ. قال ابن بَطّال: يعني بقولِه: ((كلّ مُسكِر حرام)) والباذَق: ٦٦/١٠
شراب العَسَل، ويحتمل أن يكون المعنى سَبَقَ حُكمُ محمَّد بتحريمِ الخمر تسميتَهم لها بغير
اسمها، وليس تغييرهم للاسم بمُحِلّ له إذا كان يُسكِرِ، قال: وكأنَّ ابن عبّاس فهمَ من السائل
(١) تحرَّف في (س) إلى: الجورية.
(٢) كذا وقع للحافظ رحمه الله، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري: ((فما)» بزيادة
الفاء، وما عند الحافظ يوافق ما في ((سنن البيهقي)) ٢٩٤/٨ من طريق محمد بن كثير شيخ البخاري في
هذا الحدیث.

٢٨٢
باب ١٠ / ح ٥٥٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّه يرى أنَّ الباذَق حلالٌ، فحَسَمَ ماذَّته وقَطَعَ رَجاءه وباعَدَ منه أصله، وأخبَرَه أنَّ المسكِر
حرام ولا عِبرة بالتَّسمية. وقال ابن التِّين: يعني أنَّ الباذَق لم يكن في زمن رسول الله وَّ ه.
قلت: وسياق قصَّة عمر الأُولى يُؤيِّد ذلك.
وقال أبو اللَّيث السَّمَرْ قَنْديّ: شارب المطبوخ إذا كان يُسكِر أعظَم ذَنباً من شارب
الخمر، لأنَّ شارب الخمر يشربها وهو يعلم أنَّه عاصٍ بشُربها، وشارب المطبوخ يشرب
المسكِرِ ويراه حلالاً، وقد قامَ الإجماع على أنَّ قليل الخمر وكثيره حرام، وثَبَتَ قوله ◌َِّ:
(كلّ مُسكِرِ حرام))(١) ومَن استَحلَّ ما هو حرام بالإجماع كفرَ.
قلت: وقد سَبَقَ إلى نحو هذا بعض قُدَماء الشُّعَراء في أوَّل المئة الثّالثة فقال يُعرِّض
ببعضٍ مَن كان يُفتي بإباحة المطبوخ:
وأشرَبُها وأزعُمُها حراماً وأرجو عفوَ رَبِّ ذي امتِنانِ
ويشربُها ويَزْعُمُها حلالاً وتلك على المُسيءٍ خطيئتانِ
قوله: ((قال: الشَّراب الحلال الطيِّب؟ قال: ليس بَعْد الحلال الطيِّب إلّ الحرامُ الخبيثُ))
هكذا في جميع نُسَخ ((الصَّحيح))، ولم يُعيَّن القائلُ: هل هو ابن عبّاس أو مَن بعده، والظّاهر
أنَّه من قول ابن عبّاس، وبذلك جَزَمَ القاضي إسماعيل في ((أحكامه)) في رواية
عبد الرَّزّاق(٢)، وأخرج البيهقيُّ الحديث (٢٩٤/٨) من طريق محمَّد بن أيوب عن محمّد بن
كثير شيخ البخاريّ فيه بلفظ: ((قال: الشَّراب الحلالُ الطيِّب لا الحرامُ الخبيث))، وأخرجه
أيضاً (٢٩٤/٨) من طريق أبي خَيْئمةَ(٣) - وهو زُهَير بن معاوية - عن أبي الجويرية قال:
قلت لابنِ عبَّاس: أفتِنِي الباذَق، فذكر الحديث، وفي آخره: فقال رجل من القوم: إنّا نَعمِد
إلى العِنَب فنَعِصِرُه ثمَّ نَطْبُخُه حتَّى يكون حلالاً طيِّباً، فقال: سبحان الله سبحان الله! اشرَب
(١) تقدم تخريجه بتوسع في باب الخمر من العسل عند شرح الحديث (٥٥٨٥)، (٥٥٨٦).
(٢) هو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٧٠١٤).
(٣) وقع في (س): ابن أبي خيثمة، بإقحام لفظة ((ابن)).

٢٨٣
باب ١١ / ح ٥٦٠٠
كتاب الأشربة
الحلال الطيِّب، فإنَّه ليس بعد الحلال الطيِّب إلّا الحرام الخبيث. وأخرجه سعيد بن منصور
من طريق أبي عَوَانة عن أبي الجويرية قال: سألت ابن عبّاس قلت: نأخُذُ العِنَب فنَعِصِرُه
فَتَشْرَبُ منه حُلواً حلالاً؟ قال: اشرَب الحلو، والباقي مِثله. ومعنى هذا أنَّ المشَبَّهات تقع
في حَيِّز الحرام وهو الخبيث، وما لا شُبهة فيه هو حلال طيِّبٌ. قال إسماعيل القاضي في
((أحكام القرآن)): هذا الأثر عن ابن عبّاس يُضعِّف الأثرَ المرويَّ عنه: حُرِّمَتِ الخمر بعينِها،
الحديث، وقد سَبَقَ بيانه في ((باب الخمر من العَسَل))(١). ثمَّ أَسْنَد عن ابن عبّاس قال: ما
أسكَرَ كثيره فقليله حرام. وأخرج البيهقيُّ (٢٩٤/٨) من طريق إسحاق بن راهويه بسندٍ
صحيح إلى يحيى بن عُبيد أحد الثِّقات عن ابن عبّاس قال: إنَّ النار لا تُحِلّ شيئاً ولا تُحرِّمه.
وزاد في رواية أُخرى عن يحيى بن عُبيد عن ابن عبّاس أنَّه قال لهم: آيُسكِر؟ قالوا: إذا أُكثِرَ
منه أسگرَ، قال: فکلّ مُسکِر حرام.
ثم ذكر المصنف حديث عائشة: ((كان النبيّ ◌َّهِ يُحِبّ الحَلْواء والعَسَل)) وقد تقدَّم في
الأطعمة (٥٤٣١)، والحَلْواء: تُعقَد من العَسَل(٢)، وعَطْفُ العَسَل عليها من عَطْف العامّ
على الخاصّ، وقد تُعقَد الحَلْواء من السُّكَّر فيَتَقَارَبان. ووجه إيراده في هذا الباب أنَّ الذي
يَحِلّ من المطبوخ هو ما كان في معنى الحَلْواء، والذي يجوز شُربه من عَصير العِنَب بغير طَبْخ هو
ما في معنى العَسَل، فإنَّهم كانوا يَمِزُجُونَه بالماءِ ويشربونَه من ساعَته، والله أعلم.
١١ - باب من رأى أن لا يخلِطَ البُسرَ والتّمر إذا كان مُسكِراً،
وأن لا يجعل إدامَين في إدامٍ
٥٦٠٠- حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ ﴾، قال: إنّي لأسقي أبا
طَلْحَةَ وأبا دُجانةَ وسُهَيلَ ابنَ البيضاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وتَمْرٍ إِذ حُرِّمَتِ الخمرُ، فقَذَفْتُها وأنا ساقِيْهم
وأصغَرُهم، وإنّا نَعُدُّها يومَئذٍ الخمرَ.
(١) عند شرح الحديث (٥٥٨٥) و(٥٥٨٦).
(٢) في (س): السكر، وهو خطأ.

٢٨٤
باب ١١ / ح ٥٦٠١ -٥٦٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال عَمْرو بنُ الحارثِ: حدَّثنا قَتَادةُ، سمعَ أنساً.
٥٦٠١ - حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، أخبرني عطاءٌ، أنَّه سمعَ جابراً ع يقول: نَى
النبيُّ وَّه عن الَّبِيبِ والتَّمرِ والبُسِ والرُّطَبِ.
٥٦٠٢ - حدَّثنا مسلمٌّ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا يحيى بنُ أبي كثير، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادَ،
عن أبيه، قال: نَهَى النبيُّ وَلِ أن يُجمَعَ بينَ التَّمرِ والزَّهْوِ، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، ولْيُتْبَذْ كلُّ واحدٍ
منهما على حِدَةٍ.
٦٧/١٠
قوله: ((باب مَن رَأى أن لا يَخْلِطِ البُسْرَ والَّمْرَ إذا كان مُسْكِراً) قال ابن بَطّال: قوله: إذا
كان مُسكِراً، خطأٌ، لأنَّ النَّهي عن الخَلِيطَينِ عامّ وإن لم يُسكِر كثيرهما، لسُرعة سَرَيان
الإسكار إليهما من حيثُ لا يَشعُر صاحبه به، فليس النَّهي عن الخَلِيطَينِ لأنَّهما يُسكِران
حالاً، بل لأنَّهما يُسكِران مَآَلاً، فإنَّهما إذا كانا مُسكِرَينٍ في الحال لا خِلاف في النَّهي عنهما.
قال الكِرْمانيُّ: فعلى هذا فليس هو خطأً بل يكون على سبيل المجاز، وهو استعمالٌ مشهورٌ.
وأجابَ ابن المنيِرِ بأنَّ ذلك لا يَرِدُ على البخاريّ، إمّا لأنَّه يرى جواز الخَلِيطَينِ قبل
الإسكار، وإمّا لأنَّه تَرجَمَ على ما يُطابِقِ الحديثَ الأوَّلَ وهو حديث أنس، فإنَّه لا شَكَّ أنَّ
الذي كان يَسقيه للقومِ حينئذٍ كان مُسكِراً، ولهذا دَخَلَ عندهم في عُموم النَّهي عن الخمر،
حتَّى قال أنس: وإنّا لَنَعُدّها يومئذٍ الخمر. فدَلَّ على أنَّه كان مُسكِراً.
قال: وأمَّا قوله: ((وأن لا يجعل إدامَينِ في إدام)) فَيُطابِقِ حديثَ جابر وأبي قَتَادة، ويكون
النَّهِي مُعلَّلاً بعِلَلِ مُستَقِلّة، إمّا تحقيق إسكار الكثير، وإمّا تَوقّع الإسكار بالخُلْطِ سريعاً، وإمّا
الإسراف والشَّرَه، والتَّعليل بالإسراف مُبيَّن في حديث النَّهي عن قِران النَّمر.
قلت: والذي يظهر لي أنَّ مُراد البخاريّ بهذه التَّرجمة الردُّ على مَن أوَّلَ النَّهيَ عن الخَلِيطَيْنِ
بأحدٍ تأویلینِ:
أحدهما: حَل الخَلِيط على المخلوط، وهو أن يكون نبيذُ تَرِ وحدَه مثلاً قد اشتدَّ، ونبيذُ
زَبيبٍ وحدَه مثلاً قد اشتَدَّ، فيُخلَطان ليصيرا خَلَّا، فيكون النَّهي من أجل تَعَمُّد التَّخليل،

٢٨٥
باب ١١ / ح ٥٦٠٢
كتاب الأشربة
وهذا مُطابِقٍ للتَّرجمة من غير تكلُّفُ.
ثانيهما: أن تكون عِلّة النَّهي عن الخَلط الإسرافَ، فيكون كالنَّهي عن الجمع بين إدامَينِ.
ويُؤيِّد الثّاني قوله في التَّرجمة: وأن لا يَجَعلَ إدامَينِ في إدامٍ. وقد حكى أبو بكر الأثرم عن
قوم أنَّهِم حَلوا النَّهيَ عن الخَلِيطَينِ على الثّاني، وجعلوا نَظيرَهُ النَّهي عن القِران بين التَّمر،
كما تقدَّم في الأطعمة (٥٤٤٦). قالوا: فإذا ورَدَ النَّهيُ عن القِران بين التمرتين وهما من نوعٍ
واحد، فكيف إذا وَقَعَ القِران بين نوعَينٍ؟ ولهذا عَبَّرَ المصنِّف بقولِه: مَن رأى، ولم يَجِزِم
بالحُكمِ.
وقد نَصَرَ الطَّحَاوِيُّ مَن ◌َلَ النَّهي عن الخَلِيطَينِ على مَنعِ السَّرَف، فقال: كان ذلك لمَا
كانوا فيه من ضِيق العَيش. وساقَ حديث ابن عمر في النَّهي عن القِران بين الثَّمرتَين. وتُعقّبَ
بأنَّ ابن عمر أحدُ مَن روى النَّهي عن الخَلِيطَينِ وكان يَنِذُ الْبُسرَ، فإذا نظرَ إلى بُسرة في بعضها
تَرطيب قَطَعَه كراهةَ أن يقع في النَّهي، وهذا على قاعِدَتهم يُعتَمَد عليه، لأنَّه لو فَهِمَ أنَّ النَّهي
عن الخَلِيطَينِ كالنَّهي عن القِران لَمَا خالَفَه، فدَلَّ على أنَّه عنده على غیرهِ.
ثمَّ أورَدَ المصنّف حديث أنس الذي تقدَّم شرحه في أوَّل الباب (٥٥٨٢)، وفيه أنَّه
سقاهُم خَليط بُسٍ وتَرٍ، فدَلَّ على: أنَّ المراد بالنَّهي عن الخَلِيطَينِ ما كانوا يصنعونَه قبل
ذلك من خَلط البُسر بالتَّمرِ ونحو ذلك، لأنَّ ذلك عادةً يقتضي إسراع الإسكار بخلاف / ٦٨/١٠
المنفَرِدَين. ولا يُمكِن حَمل حديث أنس هذا في الخَلِيطَينِ على ما ادَّعاه صاحب التَّأويل
الأوَّل، وحَمل عِلّةِ النَّهي لخَوفِ الإسراع أظهر من حَمْلها على الإسراف، لأنَّه لا فرق بين
نصف رطل من تَر ونصف رِطْلٍ من بُسر إذا خُلِطا مثلاً، وبین رِطْلِ من زَبیب صِرْف، بل
هو أولى لِقِلّة الزَّبيب عندهم إذ ذاكَ بالنِّسبة إلى التَّمر والرُّطَب، وقد وَقَعَ الإذن بأن يُنبَد
كلُّ واحد على حِدةٍ، ولم يُفرَّق بين قليل وكثير، فلو كانت العِلّة الإسرافَ لمَا أطلقَ ذلك.
وحكى الطَّحَاويُّ في ((اختلاف العلماء)) عن اللَّيث قال: لا أرَى بأساً أن يُخْلَط نبيذ الثَّمر
ونبيذ الَّبيب ثمَّ يُشرَبان جميعاً، وإنَّما جاء النَّهي أن يُنبَذا جميعاً ثمَّ يُشرَبان لأنَّ أحدهما يَشتَدّ
به صاحبه.

٢٨٦
باب ١١ / ح ٥٦٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال عَمْرو بن الحارث: حدَّثْنَا قَتَادة، سمعَ أنساً) أراد بهذا التَّعليق بيانَ سماع قَتَادة،
لأَنَّه وَقَعَ في الرِّواية التي ساقها قبلُ مُعَنْعَناً، وقد أخرجه مسلم (١٩٨١) من طريق ابن وهب
عن عَمْرو بن الحارث، ولفظه: نَهَى أن يُخْلَط التَّمر والزَّهْو، ثمَّ يُشرَب، وإنَّ ذلك كان عامّة
خمرهم يومئذٍ. وهذا السّياق أظهر في المراد الذي حَمَلْتُ عليه لفظَ التَّرجمة، والله أعلم.
وقوله في الإسناد الأوَّل: ((حدَّثْنا مسلم)، وَقَعَ في رواية النَّسَفيّ(١): حدَّثنا مسلم بن
إبراهيم. وهشام: هو الدَّستُوائيّ.
الحديث الثاني: حديث جابر، أورَدَه بلفظ: نَهَى عن الَّبيب والتَّمر والبُسْر والرُّطَب. وليس
صريحاً في النَّهي عن الخَلِيط، وقد بيَّنَه مسلم (١٨/١٩٨٦) في روايته من طريق عبد الرَّزّاق
ويحيى القَطّان جميعاً عن ابن جُرَيج بلفظ: ((لا تَجمَعوا بين الرُّطَب والبُسر وبين الَّبيب
والتَّمر نبيذا)). وأخرج (١٩٨٦/ ١٧) أيضاً من طريق اللَّيث عن عطاء: نهى أن يُنبَذَ التَّمرُ
والزبيبُ جميعاً، والرُّطَبُ والْبُسْرُ جميعاً.
الحديث الثالث: حديث أبي قتادة:
قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابنُ إبراهيم أيضاً. وهشام: هو الدَّستُوائيّ أيضاً.
قوله: ((عن عبد الله بن أبي قَتَادة، عن أبيه)) هو الأنصاريُّ المشهور.
قوله: ((نَى)) في رواية مسلم (١٩٨٨ /٢٤) من طريق إسماعيل ابن عُليَّة عن هشام بهذا
السَّنَد: ((لا تَنبذوا الزَّهو والرُّطَب جميعاً)) الحديث.
قوله: ((ولْيُبَذْ كلّ واحد منهما)) أي: من كلّ اثنَينِ منهما، فيكون الجمع بين أكثر بطريق الأولى.
قوله: ((على حِدَةٍ) بكسر المهمَلة وفتح الدّال بعدها هاء تأنيث، أي: وحدَه، ووَقَعَ في
رواية الكُتْمِيهنيّ: على حِدَته. وهذا ممّا يُؤْيِّد رَدّ التَّأويل المذكور أوَّلاً كما بيَّنَتُه، ولمسلم
(٢٢/١٩٨٧) من حديث أبي سعيد: ((مَن شَرِبَ منكم النبيذَ فليشربْه زَبيباً فَرْداً، أو تمراً
فَرْداً، أو بُسراً فَرْداً».
(١) المثبت من (أ) و(س)، وفي (ع): الإسماعيلي.

٢٨٧
باب ١١ / ح ٥٦٠٢
كتاب الأشربة
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ١٧٨) وأحمد (٤٧٨٦) والنَّسائيُّ (ك٥٢٧٥) سبب النَّهي من
طريق النَّجراني(١) عن ابن عمر قال: أُتَيَ النبيّ وَّهِ بسكران فضَرَبَه، ثمَّ سألَه عن شرابه،
فقال: شَرِبتُ نبيذ تَمر وزَبيب، فقال النبيّ وَلّ: ((لا تَخِطوهما، فإنَّ كلّ واحد منهما يكفي
وحده».
قال النَّوويّ: وذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أنَّ سبب النَّهي عن الخَلِيط أنَّ
الإسكار يُسرع إليه بسببِ الخَلْط قبل أن يَشتَدّ، فَيَظُنّ الشّاربُ أنَّه لم يَبلُغ حَدَّ الإسكار،
ويكون قد بَلَغَه. قال: ومذهب الجمهور أنَّ الَّهي في ذلك للتَّنزيه، وإنَّما يَمتَنِعِ إذا صارَ
مُسكِراً، ولا تَخْفَى علامَته. وقال بعض المالكيَّة: هو للتَّحريمِ.
واختُلِفَ في خَلْط نبيذ البُسر الذي لم يَشتَدَّ مع نبيذ التَّمر الذي لم يَشتَدَّ عند الُّرْب،
هل يَمْتَنِعِ أو يَخْتَصّ النَّهيُ عن الخَلْط عند الانتباذ؟ فقال الجمهور: لا فرق. وقال اللَّيث:
لا بأس بذلك عند الشُّرب. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ سبب النَّهي أنَّ النبيذ يكون
حُلواً، فإذا أُضيفَ إليه الآخر أسرَعَت إليه الشِّدّة. وهذه صورة أُخرى، كأنَّه يُخُصّ النَّهي
بما إذا نُبِذَ أحدهما ثمَّ أُضيفَ إليه الآخر، لا ما إذا نُبِذا معاً.
واختُلِفَ في الْخَلِيطَينِ من الأشربة غير النبيذ، فحكى ابن التِّين عن بعض الفقهاء أنَّه
كَرِهَ أن يَخْلِطَ للمريضِ شرابَين، ورَدَّه بأنَّهما لا يُسرعُ إليهما الإسكار اجتماعاً وانفراداً.
وتُعقّبَ باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أنَّ العِلّة الإسرافُ كما تقدَّمَ، لكن يُقيَّد كلام هذا
في مسألة المريض بما إذا كان المفرَد كافياً في دَواء ذلك المرض،/ وإلّا فلا مانع حينئذٍ من ٦٩/١٠
التَّرکیب.
وقال ابن العربيّ: ثَبَتَ تحريم الخمر لمَا يَحدُث عنها من السُّكر، وجواز النبيذ الحُلو الذي
لا يَحَدُث عنه سُكر، وثَبَتَ النَّهي عن الانتباذ في الأوعية ثمَّ نُسِخَ، وعن الخَلِيطَين،
فاختَلَفَ العلماء: فقال أحمد وإسحاق وأكثر الشافعيَّة بالتَّحريم ولو لم يُسكِرِ، وقال الكوفيّونَ
(١) تحرَّف في (س) إلى: الحرّاني.

٢٨٨
باب ١١ / ح ٥٦٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
بالحِلِّ. قال: واتَّفَقَ عُلَمَاؤُنا على الكراهة، لكن اختَلَفوا: هل هو للتَّحريم أو للتَّزيه؟ واختُلِفَ
في عِلّة المنع: فقيل: لأنَّ أحدهما يَشُدّ الآخر، وقيل: لأنَّ الإسكار يُسرع إليهما. قال: ولا
خِلاف أنَّ العَسَل باللَّبَنِ ليس بخَلِيطَين، لأنَّ اللَّبَن لا يُنبَذ، لكن قال ابن عبد الحَكَم: لا
يجوز خَلْط شرابِي سُكَّر كالوردِ والجُلّاب، وهو ضعيف. قال: واختَلَفوا في الخَلِيطَينِ
لأجلِ التَّخليل. ثمَّ قال: ويَتَحَصَّل لنا أربع صور: أن يكون الخَلِيطان منصوصَينٍ فهو
حرام، أو منصوص ومَسكوت عنه، فإن كان كلّ منهما لو انفَرَدَ أسكَرَ فهو حرام قياساً على
المنصوص، أو مَسكوت عنهما وكلّ منهما لو انفَرَدَ لم يُسكِر جازَ. قال: وهُنا مَرتَبة رابعة:
وهي ما لو خَلَطَ شيئينِ وأضافَ إليهما دَواءً يَمنَع الإسكار، فيجوز في المسكوت عنه
ويُکرہ في المنصوص.
وما نَقَلَه عن أكثر الشافعيَّة وُجِدَ نَصُ الشافعيّ بما يوافقه، فقال: ثَبَتَ نَهي النبيّ ◌َِّل
عن الخَلِيطَين، فلا يجوز بحالٍ. وعن مالك قال: أدرَكت على ذلك أهلَ العلم بيَلَدِنا.
وقال الخطَّبيُّ: ذهب إلى تحريم الخَلِيطَينِ وإن لم يكن الشَّراب منهما مُسكِراً جماعةٌ
عَمَلاً بظاهرِ الحديث، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وظاهر مذهب الشافعيّ. وقالوا:
مَن شَرِب الْخَلِيطَينِ أثِمَ من جهة واحدة، فإن كان بعد الشِّدّة أثِمَ من جِهَتَين، وخَصَّ
اللَّيث النَّهيَ بما إذا نُبِذا معاً. انتهى.
وجَرَى ابن خَزْم على عادته في الجُمود فخَصَّ النَّهيَ عن الخَلِيطَينِ بخَلْطٍ واحد من
خمسة أشياء، وهي: التَّمر والرُّطَب والزَّهْو والبُسْر والزّبيب في أحدها أو في غيرها، فأمَّا لو
خُلِطَ واحدٌ من غيرها في واحدٍ من غيرها لم يُمنَعْ، كالتين (١) والعَسَل مثلاً، ويَرُدّ عليه ما
أخرجه أحمد في ((الأشربة))(٢) من طريق المختار بن فُلفُل عن أنس قال: نَهَى رسول الله وَ لال أن
(١) تحرَّف في (س) إلى: کاللبن.
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((الأشربة))، وهو عند النسائي (٥٥٦٣)، وفي إسناده وِقَاء بن إياس، وفيه
اختلاف، وهو إلى الضعف أقرب. وقد ذكر ابن حزم هذا الحديث ولم يَغفُل عنه، وردّه بتضعيف وقاء
هذا وبعلةٍ أخرى، انظر ((المحلى» ٥١٣/٧ و٥١٤.

٢٨٩
باب ١٢ / ح ٥٦٠٣ - ٥٦٠٤
كتاب الأشربة
يُجمَع بين شيئينٍ نبيذاً ممّا يَبغي أحدهما على صاحبه.
وقال القُرطُبيّ: النَّهي عن الخَلِيطَينِ ظاهر في التَّحريم، وهو قول ◌ُهور فقهاء الأمصار،
وعن مالك: يُكرَه فقط، وشَذَّ مَن قال: لا بأس به، لأنَّ كلَّ منهما يَحِلّ مُنفَرِداً فلا يُكرَه
مُجْتَمِعاً، قال: وهذه مُخالَفة للنَّصّ، وقياس مع وجود الفارق، فهو فاسد من وجهينِ. ثمَّ هو
مُنْتَقِض بجوازِ كلّ واحدة من الأُختَينِ(١) مُنفَرِدة وتحريمهما مُجْتَمِعَتَين. قال: وأعجَب من
ذلك تأويل مَن قال منهم: إنَّ النَّهي إنّما هو من باب السَّرَف، قال: وهذا تَبديلٌ لا تأويلٌ،
ويَشهَد ببُطْلانه الأحاديثُ الصريحة، وقال: وتسمية الشَّراب إداماً قولُ مَن ذَهَلَ عن
الشَّرع واللُّغة والعُرف. قال: والذي يُفهَم من الأحاديث التَّعليلُ بخوف إسراع الشِّدّة
بالخَلْط، وعلى هذا يُقتَصَر في النَّهي عن الخلط على ما يُؤثِّر فيه الإسراعُ، قال: وأفرَطَ بعض
أصحابنا فمَنَعَ الْخَلْط وإن لم تُوجَد العِلّةُ المذكورة، ويَلَزَمه أن يَمنَع من خَلطِ العَسَل واللَّبَن
والحَلّ والعَسَل. قلت: حكاه ابن العربيّ عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، وقال: إنَّه حَلَ
الَّهي عن الخَلِيطَينِ من الأشرِبة على عُمومه. واستَغرَبَه.
١٢ - باب شُرب اللبن
وقَولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَبٍ﴾ [النحل: ٦٦].
٥٦٠٣- حدَّثْنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بنِ
المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: أُتِيَ رسولُ الله ◌َّ﴿ ليلةَ أُسْرِيَ به بِقَدَحِ لَبَنٍ وقَدَحٍ خمٍ.
٥٦٠٤- حذَّثنا الحُميدُّ، سمعَ سفيانَ، أخبرنا سالمٌ أبو النَّضْرِ، أنَّه سمعَ عُمَيراً مولى أمّ
الفَضْلِ يُحدِّثُ، عن أمّ الفَضْلِ، قالت: شَكَّ الناسُ في صيامِ رسولِ الله ◌ِ لِّ يومَ عَرَفَةَ، فأرسَلَتْ
إليه أمُّ الفَضْلِ بِإِناءٍ فِيه ◌َبَنٌ، فَشَرِبَ.
وكان سفيانُ رُبَّما قال: شَكَّ الناسُ في صيامِ رسولِ الله وَ ﴿ه، فأرسَلَت إليه أمُّ الفَضْلِ، فإذا
وُقِفَ عليه قال: هو عن أمِّ الفَضْلِ.
(١) يعني في النكاح.

٢٩٠
باب ١٢ / ح ٥٦٠٥ - ٥٦١٠
فتح الباري بشرح البخاري
٥٦٠٥- حدّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالحِ وأبي سفيانَ، عن جابرِ
ابنِ عبدِ الله، قال: جاء أبو مُميدٍ بقَدَحِ من لَبَنٍ منَ النَّقِيع، فقال له رسولُ الله ◌ِ: ((ألّا خَّرَتَه
ولو أن تَعرُضَ عليه عُوداً؟)).
[انظر طرفه في: ٥٦٠٦]
٥٦٠٦- حدّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ أبا صالح
يَذْكُرُ - أُراه - عن جابرِ ﴾، قال: جاء أبو مُميدٍ - رجلٌ منَ الأنصار - منَ النَّقِيعِ بإناءٍ من لَبَنِ
إلى النبيِّ وَِّ، فقال النبيُّ ◌َ: ((أَلَّ خَّرَتَه؟ ولو أن تَعْرُض عليه عُوداً».
وَحدَّثني أبو سفيانَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ◌ٍَّ ... بهذا.
٥٦٠٧ - حدَّثني محمودٌ، أخبرنا النَّضْرُ، أخبرنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ ظُ
قال: قَدِمَ النبيُّوََّ مِن مَكّةَ وأبو بكرٍ معه، قال أبو بكرٍ: مَرَرْنا براعٍ وقد عَطِشَ رسولُ الله ◌ِ، قال
أبو بكرٍ ﴾: فَحَلَيتُ كُثْبةً من لَبَنِ فِي قَدَح، فشَرِبَ حتَّى رَضِيتُ، وَتَاهُ سُرَاقَةُ بنُ مُعْثُمٍ على فَسٍ
فَدَعَا عليه، فطَلَبَ إليه سُرَّاقَةُ أَن لا يَدْعوَ عليه وأن يَرجِعَ، ففَعَلَ النِيُّ ◌َّه.
٥٦٠٨- حذَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي
هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ وَ الِ قال: ((نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللَّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، والشّاةُ الصَفِيُّ مِنْحةً،
تَغْدُو بإناءٍ وتَرُوحُ بآخرَ)).
٥٦٠٩- حذَّثنا أبو عاصم، عن الأوزاعيِّ، عن ابن شهاب، عن عُبیدِ الله بنِ عبدِ الله، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أن رسولَ الله وَ شَرِبَ لَبناً فَمَضْمَضَ، وقال: ((إِنَّ له دَسَم)».
٥٦١٠- وقال إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ: عن شُعْبةَ، عن فَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((رُفِعَت إليَّ السِّدْرةُ، فإذا أربعةُ أنهارٍ: نَهْران ظاهران ونَهْران باطنان، فأمّا
الظّاهران: النِيلُ والفُراتُ، وأَمَّا الباطِنان: فتَهْران في الجنَّةِ، فَأَتِيتُ بثلاثةِ أقداحٍ: قَدَحِ فیه لَبَنٌ،
وقَدَحِ فيه عَسَلٌ، وقَدَحِ فيه خمرٌ، فَأَخَذْتُ الذي فيه اللَّبَنُ فشَرِبتُ، فِقِيلَ لي: أصَبْتَ الفِطْرةَ
أنتَ وَأُقْتُكَ)).

٢٩١
باب ١٢ / ح ٥٦١٠
كتاب الأشربة
وقال هشامٌ وسعيدٌ وهَّامٌ: عن قَتَادَةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ، عن
النبيِّ ◌َّ في الأنهار، نحوَه، ولم يَذْكُرُوا ثلاثةَ أقداحٍ.
قوله: ((باب شُرْب اللََّن)) قال ابن المنيِّر: أطالَ التَّفَنُّنَ في هذه التَّرجمة ليَرُدَّ قول مَن ٧١/١٠
زَعَمَ: أنَّ اللَّبَن يُسكِرِ كثيره، فرَدَّ ذلك بالنُّصوص، وهو قول غير مُستَقيم لأنَّ اللَّبَن لا
يُسكِرِ بِمُجرَّدِهِ، وإنَّما يَتَّفِقِ فيه ذلك نادِراً بصِفَةٍ تَحدُث. وقال غيره: قد زَعَمَ بعضهم أنَّ
اللَّبَن إذا طالَ العهدُ به وتَغيَّرَ صارَ يُسكِرِ، وهذا رُبَّما يقع نادِراً إِن ثَبَتَ وقوعُه، ولا يَلزَم
منه تأثيم شاربه إلّا إن عَلِم أنَّ عقله يذهب به فشَرِبَه لذلك. نعم قد يقع السُّكر باللَّبَنِ إذا
جُعِلَ فيه ما يصير باختلاطِهِ معه مُسكِراً فيَحُرُم.
قلت: أخرج سعيد بن منصور بسندٍ صحيح عن ابن سِيرِين: أنَّه سمعَ ابن عمر يُسأل
عن الأشربة، فقال: إنَّ أهل كذا يَتَّخِذونَ من كذا وكذا خمراً. قال: حتَّى عَدَّ خمسة أشرِبة لم
أحفظ منها إلّ العَسَل والشَّعير واللَّبَن، قال(١): فكنت أهاب أن أُحدِّث باللَّبَنِ حتَّى أُنْبِئت
أنَّه بِإِرْمِينِيَّةَ يُصنَع شراب من اللَّبَن لا يَلْبَث صاحبُهُ أن يُصرَع.
واستُدِلَّ بالآية المذكورة أوَّلَ الباب على أنَّ الماء إذا تَغيَّرَ، ثمَّ طالَ مُكثه حتَّى زالَ التغيُّر
بنفسِه وَرَجَعَ إلى ما كان عليه أنَّه يَطْهُر بذلك، وهذا في الكثير، وبغير النَّجاسة من القليل،
مُتَّفَق عليه، وأمَّا القليل المتغيِّر بالنَّجاسة ففيما إذا زالَ تَغيُّرِه بنفسِه خِلاف: هل يَطْهُر؟
والمشهور عند المالكيَّة يَطهُر، وظاهر الاستدلال يُقوِّي القول بالتطهير، لكن في الاستدلال
به لذلك نظر، وقريب منه في البُعد استدلال مَن استَدَلَّ به على طهارة المنيّ، وتقريره أنَّ
اللَّبَن خالَطَ الفَرث والدَّمَ، ثمَّ استَحالَ فخَرَجَ خالصاً طاهراً، وكذلك المنيّ يَنقَصِر من
الدَّم فيكون على غير صِفَة الدَّم فلا يكون نَجساً.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: يَخْرُجُ من بينِ فرْثٍ وَمِ)) زاد غير أبي ذرٍّ: ﴿وََّا خَالِصًا﴾
(١) كلام الحافظ هنا يفيد أنَّ قائل ذلك هو ابن سیرین، وإنما قائل ذلك هو أيوب السختياني راويه عن محمد
ابن سيرين، كما وقع مصرَّحاً به عند ابن حزم في ((المحلى)) ٧/ ٥٠٤، وقد رواه من طريق سعيد بن
منصور أيضاً.

٢٩٢
باب ١٢ / ح ٥٦١٠
فتح الباري بشرح البخاري
[النحل: ٦٦]، وزاد غيره وغير النَّسَفيّ بقيّة الآية، ووَقَعَ بلفظ: ((يَرُج)) في أوَّله في مُعظَم
النُّسَخِ، والذي في القرآن: ﴿تُنْقِيكُم ◌ِمَّا فِي بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦]، وأمَّا
لفظ: ((يَجْرُج)) فهو في الآية الأُخرى من السّورة ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُّ أَلْوَنُهُ﴾
[النحل: ٦٩].
ووَقَعَ في بعض النُّسَخِ وعليه جَرَى الإسماعيليّ وابن بَطّال وغيرهما بحذفِ ((يَخْرُج)) من
أوَّله، وأوَّل الباب عندهم: وقول الله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَمٍ﴾ فكأنَّ زيادة لفظ: ((يَخْرُج)) ثمَّن
دونَ البخاريّ. وهذه الآية صريحة في إحلال شُرب لَبَن الأنعام بجميع أنواعه، لوقوع
الامتنان به، فیعُمّ جمیع ألبان الأنعام في حال حياتها.
والفَرْث، بفتح الفاء وسكون الرّاء بعدها مُثلَّثة: هو ما يجتمع في الكَرِش، وقال القَزّاز:
هو ما أُلقيَ من الكَرِش، تقول: فَرَنتُ الشَّيء: إذا أخرَجتَه من وعائه فنثرتَه(١)، فأمَّا بعد
خروجه فإنّما يقال له: سِرْچین وزِْل.
وأخرج القَزّاز عن ابن عبّاس: أنَّ الدَّابّة إذا أكَلَتِ العَلَف واستَقَرَّ في كَرِشِها طَبَخَتْه،
فكان أسفَله فَرْئاً وأوسَطه ◌َبناً وأعلاه دَماً، والكَبِد مُسَلَّطٌ عليه فيَقسِم الدَّم ويُجريه في
العُروق، ويُجري اللَّبَن في الضَّرْعِ، ويَبقَى الفَرْث في الكَرِش وحده.
وقوله تعالى: ﴿لَّنَا خَالِصًا﴾، أي: من حُمرة الدَّم وقَذارة الفَرْث.
وقوله: ﴿سَآَبِغَا ﴾ أي: لَذيذاً هنيئاً لا يَغَصّ به شارِبٌ.
وذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة.
قوله: ((بقَدَحِ لَن وقَدَح خمر)) تقدَّم البحث فيه قريباً (٥٥٧٦)، والحكمة في التّخيير بين
الخمر مع كَونِه حراماً واللَّبَن مع كَونِه حلالاً إمّا لأنَّ الخمر حينئذٍ لم تكن حُرِّمَت، أو لأنَّها
من الجنَّة وخمر الجنَّة ليست حراماً.
(١) تحرَّف في (س) إلى: فشربته.

٢٩٣
باب ١٢ / ح ٥٦١٠
كتاب الأشرية
وقوله في الحديث: (ليلة أُسريَ به)) حُكِيَ فيه تنوينُ ((ليلة)). والذي أعرِفه في الرِّواية
الإضافة.
الحديث الثاني: حديث أمّ الفضل في شُرب اللَّبَن بعَرَفة. وقد تقدَّم شرحه في الصيام
(١٩٨٨).
وقوله في آخره: ((وكان سفيان رُبَّما قال: شَكَّ الناس في صيام رسول الله وََّ، فأرسَلَتْ
إليه أمّ الفضل، فإذا وُقِفَ عليه قال: هو عن أمّ الفضل)) يعني أنَّ سفيان كان رُبَّما أرسَلَ
الحديث فلم يَقُل في الإسناد: عن أمّ الفضل، فإذا سُئلَ عنه هل هو موصول أو مُرسَل؟
قال: هو عن أمّ الفضل. وهو في قوّة قوله: هو موصول. وهذا معنى قوله: وُقِفَ عليه،
وهو بضمٌ/ أوَّله وکسر القاف. ووقع في رواية أبي ذرٍّ: ووقِفَ، بزيادة واو ساكنة بعد الواو ٧٢/١٠
المضمومة، والقائل: وكان سفيان: هو الراوي عنه، وهو الحُميديّ، وقد تقدَّم في الحجّ
(١٦٥٨) عن عليّ بن عبد الله عن سفيان بدون هذه الزّيادة. وأغرَبَ الذَّاوُوديّ فقال: لا
مُخالَفة بين الرِّوايتَين، لأنَّه يجوز أن تقول أمّ الفضل عن نفسها: فأرسَلَتْ أمّ الفضل، أي:
على سبيل التَّجريد. كذا قال(١).
الحديث الثالث:
قوله: ((عن أبي صالح وأبي سُفْيان)) كذا رواه أكثر أصحاب الأعمَش عنه عن جابر،
ورواه أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح وحده، أخرجه مسلمٌ (٩٤/٢٠١١). وقد أخرجه
الإسماعيليّ من وجه آخر عن حفص بن غياث(٢) عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. وعن
أبي صالح عن أبي هريرة، وهو شاذّ، والمحفوظ عن جابر.
(١) كذا استغرب الحافظُ رحمه الله كلام الداوودي ولا غرابة فيه، لأنَّ الظاهر أنّ الداوودي إنما قال ذلك في
شأن الاختلاف بين أبي ذرِّ الهروي وبين غيره من رواة البخاري في بعض متن الحديث، حيث خالفوا ما
عند أبي ذر، فقالوا في رواياتهم: فأرسلتُ إليه بإناء فيه لبن. على صيغة المتكلم، فبين الداوودي أن لا
مخالفة بين الروايتين بالتوجيه الذي ذكره، وكأنه لم يقع للحافظ هذا الاختلاف بين رواه البخاري، فظنَّ
أنَّ كلام الداوودي منصرف إلى الوصل والإرسال، فاستغربه، والله أعلم.
(٢) وكذلك رواه عبد العزيز بن مسلم القَسْملي عن الأعمش عند أبي يعلى (١٧٧٤).

٢٩٤
باب ١٢ / ح ٥٦١٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((من النَّقيع)) بالنّون، قيل: هو الموضع الذي ◌ُيَ لرَغْي النَّعَم، وقيل: غيره. وقد
تقدَّم في كتاب الجمعة ذِكْر نَقيع الخَضِمات(١) فدَلَّ على التعدُّد، وكان وادياً يجتمع فيه الماء،
والماء الناقِعُ هو المجتَمِع. وقيل: كانت تُعمَل فيه الآنية. وقيل: هو القاعُ (٢) حكاه الخطَّابيّ،
وعن الخليل: الوادي يكون فيه الشَّجَر. وقال ابن التِّين: رواه أبو الحسن - يعني القابسيّ -:
بالموخَّدة، وكذا نَقَلَه عِيَاض عن أبي بحر بن العاص. وهو تصحيف، فإنَّ البقيع مَقْبرة
المدينة. وقال القُرطُبيّ: الأكثر على النُّون، وهو من ناحية العَقيق على عشرينَ فرسَخاً من
المدينة.
قوله: ((ألا)) بفتح الهمزة والتَّشديد بمعنى هَلّا.
وقوله: (خَّرَتَه)) بخاءِ مُعجَمة وتشديد الميم، أي: غَطَّيته، ومنه ◌ِارُ المرأة، لأنَّه يَستُرها.
قوله: ((تَعْرُض)) بفتح أوَّله وضمِّ الرَّاء، قاله الأصمَعيّ، وهو رواية الجمهور، وأجازَ
أبو عُبيد كسر الرَّاء، وهو مأخوذ من العَرض، أي: تجعل العُود عليه بالعَرْض، والمعنى أنَّه
إن لم تُغَطِّه فلا أقلّ من أن تعرُض عليه شيئاً. وأظنّ السّرّ في الاكتِفاء بعَرضِ العود أنَّ
تعاطيَ التَّغطية أو العَرض يَقتَرِن بالتَّسمية، فيكون العَرض علامةً على التَّسمية فَتَمتَنِعِ
الشَّياطين من الدُّنّ منه. وسيأتي شيء من الكلام على هذا الحُكم (باب تغطية الإناء))(٣) بعد
أبواب.
تنبيه: وَقَعَ لمسلم (٢٠١١/ ٩٤) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح وحده
عن جابر: كنَّا مع رسول الله وَ له فاستَسقَى، فقال رجل: يا رسول الله، ألا نَسِقِيك نبيذاً؟
(١) ذكر الحافظ في کتاب الجمعة عند شرح الحديث (٨٧٦) قصة أسعد بن زرارة، وأنه أول من جمّع بالناس
قبل مقدم النبي ◌َّه، والمعروف أنَّ ذلك كان في نقيع الخضمات، لكن الحافظ لم ينصّ على اسم الموضع
هناك وإنما نص عليه في في شرح الحديث (٢٣٧٠) من كتاب المساقاة.
(٢) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: الباع بالباء الموحدة. وجاء على الصواب في (ع) موافقاً لما في ((غريب الحديث))
للخطابي ٢/ ٢٣٢.
(٣) هو رقم (٢٢)، لكننا لم نقف له على كلام هناك سوى قوله: ((وخمروا آنيتكم)) وفي الرواية الثانية: ((وخَّمِّروا
الطعام والشراب))، ومعنى التخمير التغطية.

٢٩٥
باب ١٢ / ح ٥٦١٠
كتاب الأشربة
قال: (بَ) فخَرَجَ الرجل يَسعَى فجاء بقَدَح فيه نبيذٌ، فقال رسول الله وَّة: ((ألّا خَّرته؟))
الحديث. ولمسلم (٢٠١٠) أيضاً من طريق ابن جُرَيج أخبرني أبو الزُّبَير أنَّه سمعَ جابراً
يقول: أخبرني أبو حُميدِ الساعِديّ قال: أتيت النبيّ ◌َّهِ بِقَدَحِ لَبَن من النَّقيع ليس مُحَمَّراً،
الحديث. والذي يظهر أنَّ قصَّة اللَّبَن كانت لأبي حُميدٍ، وأنَّ جابراً حَضَرها، وأنَّ قصَّة النبيذ
حَمَلَها جابر عن أبي مُميدٍ وأبهَمَ أبو حُميدٍ. صاحبَها، ويحتمل أن يكون هو أبا حُميدٍ راويها
أبهَمَ نفسه، ويحتمل أن يكون غيره، وهو الذي يظهر لي، والله أعلم.
الحديث الرابع: حديث البراء: قَدِمَ النبيّ وَّر من مَكّة وأبو بكر معه. كذا أورَدَه
مختصراً، فقال البزار (٥٢) إنَّ هذا القَدر هو الذي رواه شُعْبة عن أبي إسحاق. قال: ورواه
إسرائيل(١) وغيره عن أبي إسحاق مُطوَّلاً. قلت: وقد تقدَّم في الهجرة (٣٩١٧) وأوَّله: إنَّ
عازِباً باعَ رَحْلاً لأبي بكر، وسألَه عن قِصَّته مع النبيّ ◌َّ في الهجرة.
وقوله: ((فحَلَبتُ)) تقدَّم هناك: فأمَرت الرَّاعيَ فحَلَبَ. فتكون نسبة الحَلْب لنفسِه هنا
تَجَازِيَّةٌ.
وقوله: ((كُئبة)) بضمٍّ أوَّله وسكون المثلَّثة بعدها موحّدة، قال الخليل: كلّ قليل جمعتَه
فهو كُثبةٌ. وقال ابن فارس: هي القِطعة من اللَّبَن أو الثَّمر. وقال أبو زيد: هي من اللَّبَن
مِلء القَدَح، وقيل: قَدر حَلْبة ناقة.
ومحمود شيخ البخاريّ فيه: هو ابن غَيْلان، والنَّضر: هو ابن شُمَيلٍ.
وأحسن الأجوبة في شُرب النبيّ وَّه من اللََّن مع كَون الرَّاعي أخبَرَهم أنَّ الغنم
لغيره: أنَّه كان في عُرفهم التَّسامُح بذلك، أو كان صاحبها أذِنَ الرَّاعي أن يَسقي مَن يَمُرّ
به إذا التَمَس ذلك منه. وقيل فيه احتمالات أُخرى/ تقدَّمَت(٢).
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة: ((نِعمَ الصَّدَقَةُ اللِّقحة)) بكسر اللّام ويجوز فتحها
٧٣/١٠
(١) تقدمت روايته برقم (٢٤٣٩).
(٢) انظرها عند شرح الحديث (٣٦٥٢).

٢٩٦
باب ١٢ / ح ٥٦١٠
فتح الباري بشرح البخاري
وسكون القاف بعدها مُهمَلة: وهي التي قَرُبَ عَهْدها بالولادة. والصَّفيّ، بمُهمَلةٍ وفاء،
وزن فَعيل: هي الكثيرة اللََّن، وهي بمعنى مفعول، أي: مُصطَفاة مُختارة.
وفي قوله: ((تَغدو وتَروح)) إشارة إلى أنَّ المستَعير لا يَستأصِل لَبَنها. وقد تقدَّم بيان ذلك
مُستَوفَّى في كتاب العاريَّة (٢٦٢٩).
الحديث السادس: حديث ابن عبَّاس في المضمضة من اللََّن، أي: بسببٍ شُرب اللَّبَن،
تقدَّم شرحه في الطَّهارة (٢١١). وقد أخرجه أبو جعفر الطَّبَريّ(١) من طريق عُقَيل عن ابن
شِهاب بصيغة الأمر: ((تَضمَضوا من اللَّبَنِ)).
الحديث السابع: حديث أنس في الأقداح:
قوله: ((وقال إبراهيم بن طَهْمان ... )) إلى آخره. وَصَلَه أبو عَوَانة (٨١٣٤)، والإسماعيليّ،
والطبرانيُّ في ((الصَّغير)) (١١٣٩) من طريقه، ووَقَعَ لنا بعُلُوٌّ في ((غرائب شُعْبة)) لابنِ مَندَه.
قال الطبرانيُّ: لم يَروِه عن شُعْبة إلّا إبراهيم بن طَهْمان، تفرَّد به حفص بن عبد الله النَّيسابوريّ
عنه.
قوله: ((رُفِعَت إليّ سِذْرة المنْتَهَى)) كذا للأكثرِ بضمِّ الرَّاء وكسر الفاء وفتح المهمَلة وسكون
المثنّاة على البناء للمجهول، والسِّدرة مرفوعة. وللمُستَمْلي: ((دَفَعْتُ)) بدالٍ بَدَل الرَّاء وسكون
العين وضمِّ المثنّة، بنسبة الفِعل إلى المتكلِّم، و((إلى)) بالسُّكونِ: حرف جرّ.
قوله: ((وقال هشام)) يعني: الدَّستُوائيّ، وهمّام يعني: ابن يحيى، وسعيد يعني: ابن أبي
عَرُوبة. يعني أنَّهم اجتمعوا على رواية الحديث عن قَتَادة، فزادوا هم في الإسناد بعد أنس
ابن مالك: مالك بن صَعصَعة. ولم يَذْكُره شُعْبة.
وقوله: ((في الأنهار نحوه)) يريد أنَّهم تَوافَقوا من المتن على ذِكْر الأنهار، وزادوا هم قصَّةً
الإسراء بطولها، وليست في رواية شُعْبة هذه، ووَقَعَ في روايتهم هنا بعد قوله: ((سِدرة
(١) لم نقف عليه في شيء من كتب الطبري المطبوعة، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ابن ماجه، وهو فيه
برقم (٤٩٨) من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب به، بلفظ: ((مَضْمِضوا من اللبن، فإنَّ له دسماً».

٢٩٧
باب ١٢ / ح ٥٦١٠
كتاب الأشربة
المنتَهَى)): ((فإذا نَبْقُها كأنَّ قِلالُ هَجَر، وورَقُها كأنَّها آذان الفِيلة، في أصلها أربعة أنهار))،
واقتَصَرَ شُعْبة على: «فإذا أربعة أنهار)».
قوله: (ولم یذُروا ثلاثة أقداح» في رواية الگُشْمِيهنيّ: ولم يذكُر، بالإفراد، وظاهر هذا
النَّفي أنَّه لم يقع ذِكْر الأقداح في رواية الثلاثة، وهو مُعتَرَض بما تقدَّم في بَدْء الخلق(١) عن
هُذْبة عن همَّام بلفظ: ((ثُمَّ أُتيت بإناءٍ من خمر، وإناء من لَبَن، وإناء من عَسَل))، فيحتمل أن
يكون المراد بالنَّفي نفي ذِكْر الأقداح بخُصوصِها. ويحتمل أن تكون رواية الكُشْمِيهنيّ
التي بالإفرادِ هي المحفوظة، والفاعل هشام الدَّستوائيّ، فإنَّه تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٢٠٧)
من طريق يزيد بن زُرَيع عن سعيد وهشام جميعاً عن قَتَادة بطولِه، وليس فيه ذِكْر الآنية
أصلاً، لكن أخرجه مسلم من رواية عبد الأعلى عن هشام(٣) وفيه: ((ثمَّ أَتْيت بإناءَينِ
أحدهما خمر والآخر لَبَن، فعُرِضا عليَّ)) ثمَّ أخرجه (١٦٤/ ٢٦٥) من طريق معاذ بن هشام
عن أبيه نحوه ولم يَسُق لفظه، وقد ساقَه النَّسائيُّ (٤٤٨) من رواية يحيى القَطّان عن هشام
وليس فيه ذِكْر الآنية أصلاً، فوضَحَ من هذا أنَّ رواية هَمَّام فيها ذِكْر ثلاثة، وإن كان لم
يُصرِّح بذِكْرِ العَدَد ولا وصف الظَّرْف، ورواية سعيد فيها ذِكْر إناءَينٍ فقط، ورواية هشام
ليس فيها ذكر شيء من ذلك أصلاً.
وقد رَجَّحَ الإسماعيليّ رواية إناءَين، فقال عَقِب حديث شُعْبة هُنا: هذا حديث شُعْبة،
وحديث الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة المذكور أوَّلَ الباب أصحُّ إسناداً من
هذا، وأولَى من هذا. كذا قال، مع أنَّه أخرج حديث همَّام عن جماعة عن هُدبة عنه كما
أخرجه البخاريّ سواء، والزّيادة من الحافظ مقبولة، وقد توبعَ، وذِكْر إناءَينٍ لا يَنفي
الثّالث، مع أنَّني قَدَّمتُ في الكلام على حديث الإسراء أنَّ عَرْض الآنية على النبيّ ◌َّ﴿ وَقَعَ
(١) بل في مناقب الأنصار (٣٨٨٧).
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم نقف على هذا الطريق في ((صحيح مسلم))، ولا ذكرها المزي في ((التحفة))
(١١٢٠٢)، واللفظ المذكور هو في ((صحيح مسلم)) (١٦٤) (٢٦٤) لكن من طريق سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة.

٢٩٨
باب ١٣ / ح ٥٦١١
فتح الباري بشرح البخاري
مرَّتَينِ: قبل المِعراج وهو في بيت المقدس، وبعده وهو عند سِدرة المنتَهَى، وبهذا يَرتَّفِع
الإشكال جملةً.
قال ابن المنيِر: لم يُذكَر السّرّ في عُدولِه عن العَسَل إلى اللَّبَن كما ذُكِرِ السِّ في عُدولِه عن
الخمر، ولعلَّ السّرّ في ذلك كَونُ اللَّبَن أنفَع، وبه يُنشَرُ العظم ويُنبَتُ اللَّحم، وهو بمُجرَّدِهِ
٧٤/١٠ قُوتٌ، ولا يَدخُل فِي السَّرَف بوجهٍ، وهو أقرب إلى الزُّهد، ولا مُنافاة/ بينه وبين الورَع
بوجهٍ. والعَسَل وإن كان حلالاً لكنَّه من المستَلَذّات التي قد يُحْشَى على صاحبها أن يَندَرِج
في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَتَِّتِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
قلت: ويحتمل أن يكون السّرّ فيه ما وَقَعَ في بعض طرق الإسراء: أنَّه ◌َ عَطِشَ - كما
تقدَّم في بعض طرقه مُبَّناً هناك - فأُتيَ بالأقداحِ، فَاثَرَ اللَّبَن دون غيره لما فيه من حصول
حاجته دونَ الخمر والعَسَل، فهذا هو السَّبَب الأصليّ في إيثار اللَّبَن، وصادَفَ مع ذلك
رُجْحانه عليهما من عِدّة جهات. وقد تقدَّم شيء من هذا في شرح حديث الإسراء (٣٨٨٧).
قال ابن المنيِر: ولا يُعكِّر على ما ذكرتُه ما سيأتي قريباً(١) أنَّه كان يُحِبّ الحَلْوى والعَسَل، لأنَّه إنَّما
كان يُحِبّه مُقْتَصِداً في تَناوُله لا في جَعْله دَيدَناً ولا تَتَطُّعاً. ويُؤخَذ من قول جِبْريل في الخمر:
((غَوِتْ أمَّتك)) أنَّ الخمر يَنشَأ عنها الغَيّ، ولا يَخْتَصّ ذلك بقَدرٍ مُعيَّن منها. ويُؤخَذ من عَرض
الآنية عليه وَ له إرادة إظهار التَّيسير عليه، وإشارة إلى تَفويض الأُمور إليه.
:
١٣ - باب استعذاب الماء
٥٦١١- حدَّثْنا عبدُ الله بنُ مَسْلمةَ، عن مالكِ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، أنَّه سمعَ أنسَ
ابنَ مالكٍ يقول: كان أبو طَلْحةَ أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينةِ مالاً من نَخْلِ، وكان أحبُّ ماله إليه
بَيْرَحاءَ، وكانت مُستَقْبِلَ المسجدِ، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ يَدخُلُها ويَشْرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب. قال
أنس: فلمَّا نزلت: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَقَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قامَ أبو طَلْحَةَ
فقال: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإِنَّ أحَبَّ مالي إليَّ
(١) في باب شراب الحلوى والعسل.

٢٩٩
باب ١٣ / ح ٥٦١١
كتاب الأشربة
بَيرُحاءَ، وإِنَّهَا صَدَقةٌ لله أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ الله، فضَعْها يا رسولَ الله حيثُ أراكَ الله،
فقال رسولُ الله وَّهِ: (بَخ، ذلك مالٌ رايحٌ - أو رابحٌ، شَكَّ عبدُ الله - وقَد سمعتُ ما قلتَ،
وإنّ أَرَى أن تَجْعَلَها في الأقَرَبِينَ)). فقال أبو طَلْحَةَ: أفعَلُ يا رسولَ الله، فقَسَمَها أبو طَلْحةً في
أقاربِهِ وفي بني عَمِّه.
وقال إسماعيلُ ويحيى بنُّ يحيى: ((رايحٌ)).
قوله: ((باب استِعْذاب الماء)) بالذّال المعجَمة، أي: طلب الماءِ العَذْب، والمراد به الحُلْو.
ذكر فيه حديث أنس في صَدَقة أبي طلحة لقولِه فيه: ((ويشربُ من ماء فيها طيِّب)) وقد
ورَدَ في خُصوص هذا اللَّفظ - وهو استعذاب الماء - حديث عائشة رضي الله عنها: كان
رسول الله يُستَعذَبُ له الماءُ من بيوت السُّقيا. والسُّقيا بضمِّ المهمَلة وبالقاف بعدها تحتانيَّة،
قال قُتَيبة: هي عين بينها وبين المدینة یومان، هكذا أخرجه أبو داود (٣٧٣٥) عنه بعد
سياق الحديث بسندٍ جيّد، وصَحَّحَه الحاكم (٤/ ١٣٨)، وفي قصَّة أبي الهَثَم بن التَّيِّهان أنَّ
امرأته قالت للنبيِّ وَّ لمَّا جاءهم يسأل عن أبي الهَيْثَم: ذهب يَستَعِذِب لنا من الماء. وهو
عند مسلم (٢٠٣٨) كما سأُبيِّنْه بعدُ، وذكر الواقديّ(١) من حديث سَلْمَى امرأة أبي رافع:
كان أبو أيوب حين نزلَ عنده النبيُّ وَّهِ يُستَعَذَب له الماءُ من بئر مالك بن النَّصْر والد
أنس، ثمَّ كان أنس وهند وأسماء ابنا حارثة(٢) يَحمِلونَ الماء إلى بيوت نسائه من بيوت
السُّقيا، وكان رَباحٌ الأسودُ عبدُه يَستَقي له من بئر غَرْسٍ(٣) مرَّة ومن بيوت السُّقيا مرَّة.
قال ابن بَطّال: استعذاب الماء لا يُنافي الزّهد ولا يَدخُل في التََّقُّه المذموم، بخِلَاف
(١) وعنه ابنُ سعد في ((الطبقات الكبرى)) ١/ ٥٠٤.
(٢) تحرفت العبارة في (أ) إلى: وهند وحارثة ابنا أسماء، وفي (ع) إلى: وهند وحارثة بن أسماء، وفي (س) إلى: وهند
وحارثة أبناء أسماء، وهذه الأخيرة توهم أنَّ الثلاثة أبناء أسماء، والتصويب من ((طبقات ابن سعد)) ١/ ٥٠٤
حيث روى الخبر عن الواقدي، وذلك أنَّ هند بن حارثة وأخاه أسماء صحابيان من أسلم، وقد ترجم لهما
الحافظ في ((الإصابة))، وأخرج الحاكم ٥٢٩/٣ بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: ما كنت أرى أسماء وهند ابني
حارثة إلّا خادمین لرسول الله پڑ من طول لزومھما بابه و خدمتهما إياه، و کانا محتاجين.
(٣) تصحف في (س) إلى: عرس، بالعين المهملة، وضبطه ابن الأثير في ((النهاية)) في مادة (غرس).

٣٠٠
باب ١٤ / ح ٥٦١٢
فتح الباري بشرح البخاري
تَطييب الماء بالِسكِ ونحوه، فقد كَرهَه مالك لما فيه من السَّرَف، وأمَّا شُرب الماء الحلو
٧٥/١٠ وطلبه فمُباح، فقد فَعَلَه الصالحونَ،/ وليس في شُرب الماء المِلْح فضيلة. قال: وفيه دلالة
على أنَّ استطابة الأطعمة جائزة، وأنَّ ذلك من فِعل أهل الخير، وقد ثَبَتَ أنَّ قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] نزلَ في الذينَ أرادوا
الامتناعَ من لذيذِ المطاعم، قال: ولو كانت ممّا لا يريد الله تَناُله ما امتَنَّ بها على عباده، بل
نَهيه عن تحريمها يدلّ على أنَّه أراد منهم تناولها ليُقابِلوا نِعمَته بها عليهم بالشُّكرِ لها، وإن
کانت نِعَمُه لا یُکافئها شُکرُهم.
وقال ابن المنيِّر: أمَّا أنَّ استعذاب الماء لا يُنافي الزّهد والورَع فواضحٌ، وأمَّا الاستدلال
بذلك علی لَذیذ الأطعمة فبعید.
وقال ابن التِّين: هذا الحديث أصل في جواز شُرب الماء من البُستان بغير ثَمَن. قلت:
المأذون له في الدُّخول فيه لا شَكَّ فيه، وأمَّا غيره فلما اقتَضاه العُرف من المسامحة بذلك، وثُبوت
ذلك بالفعلِ المذکور فیه نظرٌ.
قوله: ((ذلك مال رايح أو رابح)) الأوَّل بتحتانيَّةٍ والثّاني بموخَّدةٍ، والحاء مُهمَلة فيهما،
فالأوَّل: معناه أنَّ أجرَه يَروحُ إلى صاحبه، أي: يَصِل إليه ولا يَنقَطِع عنه. والثّاني: معناه
كثير الرِّبح، وأطْلَقَ عليه صِفَةَ صاحبه المتصدِّق به.
وقوله: ((شَكَّ عبد الله بن مَسلَمة)) هو القَعْنبيّ.
وقوله: (قال إسماعيل) هو ابن أبي أویس، ويحیی: هو ابن یحیی، ورایح في روایتهما
بالتَّحتانيَّة، وقد تقدَّمَت رواية إسماعيل مُصرِّحاً فيها بالتَّحديثِ في تفسير آل عمران
(٤٥٥٤)، ورواية يحيى بن يحيى كذلك في الوكالة (٢٣١٨). وتقدَّم شرح الحديث مُستَوَى
في كتاب الزكاة (١٤٦١).
١٤ - باب شُرب اللّبن بالماء
٥٦١٢- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهرِيِّ، قال: أخبرني أنسُ