Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
باب ٨ / ح ٥٥٥٧
كتاب الأضاحي
الموحَّدة مُصغَّر - فوَصَلَها المؤلِّف في أوَّل الأضاحيّ (٥٥٤٥) كذلك، وأمّا روایة فِراس
- وهو بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء وآخره مُهمَلة - بن يحيى فوَصَلَها أيضاً المؤلِّف في ((باب
مَن ذَبَحَ قبل الصلاة أعاد» (٥٥٦٣).
قوله: ((وقال أبو الأخوص: حدَّثنا منصور: عَناقٌ جَذَعةٌ)) هو بالتّنوین فیهما، ورواية
منصور هذه - وهو ابن المعتمِر - وَصَلَها المؤلِّف من الوجه المذكور عنه عن الشَّعْبيّ عن
البراء في العيدَينِ (٩٨٣).
قوله: ((وقال ابن عَوْن)) هو عبد الله ((عَناقٌ جَذٌَ، عَناقُ لَبَن)) يعني: أنَّ في روايته عن
الشَّعْبيّ عن البراء باللَّفْظَينِ جميعاً: لفظِ عاصم ومَن تَابَعَه، ولفظِ منصور ومَن تابَعَه، وقد
وَصَلَ المؤلِّف رواية ابن عَوْن في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٦٧٣) من طريق معاذ بن معاذ
عن ابن عَوْن باللَّفظِ المذكور.
٥٥٥٧ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سَلَمَةَ، عن أبي
جُحَيفةَ، عن البراءِ قال: ذَبَحَ أبو بُرْدةَ قبلَ الصلاةِ، فقال له النبيُّ ◌َلتر: ((أبدِها»، قال: ليس
عندي إلا جَذَعةٌ - قال شُعْبةُ: وأحسَبُه قال: هي خيرٌ من مُسِنّةٍ - قال: ((اجْعَلْها مكانَها، ولن
تَجِزِيَ عن أحدٍ بعدَكَ)).
وقال حاتمُ بنُ وَزْدَانَ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّةِ، وقال: ((عَناقٌ
جَذَعةٌ).
قوله: ((عن سَلَمة)) هو ابن كُهَيل، وصَرَّحَ أحمدُ به في روايته (١٨٦٩١) عن محمَّد بن
جعفر بهذا الإسناد، وأبو جُحَيفةَ هو الصحابيّ المشهور.
قوله: (ذَبَحَ أبو بُزْدة» هو ابن نِیَار الماضي ذِكْره.
قوله: («آبدها» بموحّدة وفتح أوَّله، وقد تقدَّم بيانه في قوله: «اذبح مكانها أُخری».
قوله: ((قال شُعْبة: وأحْسَبه قال: هي خير / من مُسِنّة)) في رواية أبي عامر العَقَديّ عن شُعْبة ١٨/١٠
عند مسلم (٩/١٩٦١): هي خير من مُسِنّة، ولم يَشُكَّ.

١٨٢
باب ٩ / ح ٥٥٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((اجْعَلْها مكانها)) أي: اذبَحها. وقد تَسَّكَ بهذا الأمر مَن ادَّعَى وجوب الأُضحيَّة،
ولا دلالة فيه، لأنَّه ولو كان ظاهرُ الأمر الوجوب، إلّا أنَّ قَرِينة إفساد الأولى تقتضي أن
يكون الأمر بالإعادة لتحصيلِ المقصود، وهو أعَمُّ من أن يكون في الأصل واجباً أو
مندوباً، وقال الشافعيّ: يحتمل أن يكون الأمر بالإعادة للوجوب، ويحتمل أن يكون الأمر
بالإعادة للإشارة إلى أنَّ التَّضحية قبل الصلاة لا تقعُ أُضحيَّة، فأمَرَه بالإعادة ليكونَ في
عِداد مَن ضَخَّى، فلمَّا احتَمَلَ ذلك وَجَدْنا الدّلالة على عَدَم الوجوب في حديث أمّ سَلَمة
المرفوع: ((إذا دَخَلَ العشرُ فأراد أحدكم أن يُضَحّي))(١)، قال: فلو كانت الأُضحيَّة واجبة، لم
يَكِلْ ذلك إلى الإرادة. وأجابَ مَن قال بالوجوبٍ بأنَّ التَّعليق على الإرادة لا يَمنَعُ القول
بالوجوب، فهو كما لو قيل: مَن أراد الحجَّ فليُكثِر من الزّاد، فإنَّ ذلك لا يدلّ على أنَّ الحجّ
لا يَجِب، وتُعقِّبَ بأَنَّه لا يَلزَم من كَونِ ذلك لا يدلّ على عَدَم الوجوب، ثُبُوتُ الوجوب
بمُجرَّدِ الأمر بالإعادة، لمَا تقدَّم من احتمال إرادة الكمال، وهو الظّاهر، والله أعلم.
قوله: ((وقال حاتم بن وَرْدان ... )) إلى آخره، تقدَّم ذِكْر مَن وَصَلَه في الباب الذي قبله،
ولم يَسُق مسلم (١٢/١٩٦٢) لفظه، لكنَّه قال: ((بمِثْل حديثهما)) يعني: رواية إسماعيل ابن
عُليَّة عن أيوب، ورواية هشام عن محمَّد بن سِيرِین.
٩- باب من ذبح الأضاحيَّ بیده
٥٥٥٨- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثْنَا شُعْبَةُ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ، قال: ضَحَّى النبيُّ وَله
بِكَبْشَينِ أملَحَينٍ، فرأيتُه واضعاً قَدَمَه على صِفَاحِهِما يُسَمّي وُكبِّ، فَذَبَحَهما بيَدِه.
قوله: ((باب مَن ذَبَحَ الأضاحيّ بيَدِه)) أي: وهل يُشتَرَط ذلك أو هو الأَولى، وقد اتَّفَقوا
على جواز التَّوكيل فيها للقادر، لكن عند المالكيَّة رواية بعَدَمِ الإجزاء مع القُدرة، وعند
أكثرهم: يُكرَه لكن يُستَحَبّ أن يَشهَدها، ويُكرَه أن يَستَنيب حائضاً أو صبيّاً أو كتابياً،
وأوَّلهم أَولی ثمَّ ما یلیه.
(١) أخرجه مسلم (١٩٧٧).

١٨٣
باب ١٠ / ح ٥٥٥٩
كتاب الأضاحي
قوله: ((ضَخَّى)) كذا في رواية شُعْبة بصيغة الفِعل الماضي، وكذا في رواية أبي عَوَانة الآتية
قريباً (٥٥٦٥) عن قَتَادة، وفي رواية همَّام الآتية قريباً (٥٥٦٤) أيضاً عن قَتَادة: ((كان
يُضَحّي)»، وهي أظهَرُ في المداومة على ذلك.
قوله: ((بكَبْشَينِ أملَحَينٍ)) زاد في رواية أبي عَوَانة وفي رواية هَمَّام كلاهما عن قَتَادة:
(أقرَنَينٍ)) وسيأتيان قريباً، وتقدَّم مِثْلُه في رواية أبي قلابةً قبل بابٍ (٥٥٥٤).
قوله: ((فرأيتُه واضعاً قدمه على صِفاحِهما)) أي: على صِفاح كلٍّ منهما عند ذَبحِه،
والصِّفاح بكسر الصّاد المهمَلة وتخفيف الفاء وآخره حاء مُهمَلة: الجوانب، والمراد الجانب
الواحد من وجه الأُضحيَّة، وإِنَّا تُنِّي إشارةً إلى أنَّه فعل ذلك في كلّ منهما، فهو من إضافة
الجمع إلى المثنَّى بإرادة التَّوزيع.
قوله: (يُسَمّي ويُكبِّ)) في رواية أبي عَوَانة: ((وسَمَّى وكَبَّرَ) والأوَّلِ أظهرُ في وقوع ذلك
عند الذَّبح.
وفي الحديث غيرُ ما تقدَّم: مشروعيَّة التَّسمية عند الذَّبح، وقد تقدَّم في الذَّبائح بيانُ مَن
اشتَرَطَها في صِحَّة الذَّبح(١)، وفيه استحباب التَّكبير مع التَّسمية، واستحباب وضع
الرِّجل على صَفْحة عُنُقُ الأُضحيَّةَ الأيمَن، وانَّفَقوا على أنَّ إضجاعها يكون على الجانب
الأيسر، فَيَضَع رِجِلَه على الجانب الأيمَن ليكونَ أسهَلَ على الذّابح في أخذ السِّكّين
بالیمین، وإمساك رأسها بيده اليسار.
١٠ - باب مَن ذبح ضحيَّة غیره
وأعانَ رجلٌ ابنَ عمرَ في بَدَنَتِهِ.
وأمَرَ أبو موسى بناتِه أن يُضَحِّينَ بأيدِيهِنَّ.
٥٥٥٩- حدَّثنا قُتَيِيةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الرّحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها، قالت: دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ بَّهِ بِسَرِفَ وأنا أبكي، فقال: ((ما لكِ، أَنُّفِسْتِ؟»
(١) انظر باب (١٥): التسمية على الذبيحة.

١٨٤
باب ١٠ / ح ٥٥٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قلتُ: نعم، قال: ((هذا أمرٌ كَتَبَه اللهُ على بناتِ آدمَ، اقضي ما يَقْضي الحاجُ، غيرَ أن لا تَطُوفي
بالبيتٍ)). وضَحَّى رسولُ الله ◌َّ﴾ عن نسائِه بالبقرِ.
قوله: ((باب مَن ذَبَحَ ضَحيّة غيره)) أراد بهذه التَّرجمة بيانَ أنَّ التي قبلها ليست للاشتراطِ.
١٩/١٠
قوله: ((وأعانَ رجلٌ ابنَ عمر في بَدَنَته)) أي: عند ذبحها، وهذا وَصَلَه عبد الرَّزّاق(١) عن
ابن عُيَيْنَةَ عن عَمْرو بن دينار قال: رأيت ابن عمر يَنحَرِ بَدَنَةً بِمِنَّى وهي باركةٌ معقولة،
ورجل يُمسِك بحَبلِ في رأسها وابن عمر يَطعُن. قال ابن المنيِّر: هذا الأثر لا يُطابِقِ التَّرجمة
إلّا من جهة أنَّ الاستعانة إذا كانت مشروعة التَحَقَت بها الاستنابة، وجاء في نحو قصَّة ابن
عمر حديثٌ مرفوع أخرجه أحمد (٢٣١٦٨) من حديث رجل من الأنصار: أنَّ النبيَّ واله
أضجَعَ أُضحيَّته، فقال: ((أعِنّي على أُضحيَّتي)) فأعانَه، ورجاله ثقات.
قوله: ((وأمَرَ أبو موسى بناتِه أن يُضَحّينَ بأيدِنَّ)) وَصَلَه الحاكم في ((المستدرَك)) ووَقَعَ لنا
بعُلُوَّ في ((جزء لُوَين))(٢) كلاهما من طريق المسيّب بن رافع: أنَّ أبا موسى كان يأمر بناته أن
يَذْبَحنَ نَسائگھنَّ بأیدیینَّ، وسنده صحيح.
قال ابن التِّين: فيه جواز ذبيحة المرأة، ونَقَلَ محمَّدٌ عن مالك كراهتَه. قلت: وقد سَبَقَ
في الذَّبائح مُبَّناً(٣). وهذا الأثر مُباين للتَّرجمة، فيحتمل أن يكون مَحَلّه في التَّرجمة التي
قبلها، أو أراد أنَّ الأمر في ذلك على اختيار المضَحِّي، وعند الشافعيَّة: الأَوْلى للمرأة أن
توگِّل في ذبح ◌ُضحیَّتها ولا تُباشِر الذَّبح بنفسِها.
ثم ذكر المصنف حديث عائشة لمَّا حاضت بسَرِفَ، وفيه: «هذا أمر گتَبَه الله على بنات
آدم)) وفي آخره: وضَخَّى رسول اللهِوَ لاَ عن نسائه بالبقرِ))(٤)، ولمسلم (١٣١٩) من حديث
(١) كذا نسبه إلى عبد الرزاق، ولم نقف عليه عنده في المطبوع من ((مصنفه)) أو ((تفسيره)).
(٢) تحرَّف قوله: ((جزء لوين)) في (س) إلى: خبرين. وقد ساقه الحافظ في ((التغليق)) ١١/٥ من طريق محمد
ابنَ سليمان الملقَّب بلُوَين، ثم عزاه للحاكم في ((المستدرك)) ولم نقف على الخبر فيه.
(٣) باب (١٩): ذبيحة المرأة والأمة.
(٤) وقد تقدَّم عند البخاري برقم (٥٥٤٨).
٠

١٨٥
باب ١١- ١٢ / ح ٥٥٦٠ - ٥٥٦٢
كتاب الأضاحي
جابر: نَحَرَ النبيُّ ◌َّه عن نسائه بقرةً في حَجّة الوداع.
١١ - باب الذّبح بعد الصّلاة
٥٥٦٠- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ المِنْهال، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني زُبَيدٌ، قال: سمعتُ
الشَّعْبيَّ، عن البراءِ عُ قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يَخْطُبُّ، فقال: ((إِنَّ أَوَّلَ ما نَبْدَأُ من يومِنا هذا أن
نُصَلِّيَ، ثمَّ نَرجِعَ فَتَنْحَرَ، فمَن فَعَلَ هذا فقد أصاب سُنَّتَنَا، ومَن نَحَرَ فإنَّما هو لحمِّ يُقدِّمُه لأهلِه
ليس مِنَ النُّسُكِ في شيءٍ))، فقال أبو بُرْدَةَ: يا رسولَ الله، ذَبَحْتُ قبلَ أن أُصَلِّ، وعندي جَذَعةٌ
خيرٌ من مُسِنّةٍ، فقال: ((اجْعَلْها مكانَها، ولن تَجِزِيَ - أو تُوفِيَ - عن أحدٍ بعدَكَ)).
قوله: ((باب الذَّبْح بعد الصلاة)) ذكر فيه حديث البراء في قصّة أبي بُرْدة، وقد تقدَّم
شرحه قريباً (٥٥٥٦)، وسأذكر ما يَتَعلَّق بهذه التَّرجمة في التي بعدها.
وقوله فيه: (ولن تَجْزِيَ - أو تُوفي)) شَكٌّ من الراوي، ومعنى ((تُوفي)) أي: تُكمِل الثَّواب،
وعند أحمد (١٨٤٩٠)/ من طريق يزيد بن البراء عن أبيه: ((ولن تَفِي)) بغير واو ولا شَكٌّ، ٢٠/١٠
يقال: وَفَى: إذا أنجَزَ، فهو بمعنى «تَّجزي)) بفتح أوَّله.
١٢ - باب من ذَبَح قبل الصّلاة أعاد
٥٥٦١- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن
أنسٍ، عن النبيِّ وَّمِ قال: ((مَن ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ فَلْيُعِدْ)) فقال رجلٌ: هذا يومٌ يُشتَهَى فيه اللَّحْمُ
- وذكر هَنَّةً من جِيرانِهِ، فكأنَّ النبيَّ ◌َّهِ عَذَرَه - وعندي جَذَعةٌ خيرٌ من شاتَينٍ، فَخَّصَ له
النبيُّ ◌َّه فلا أدري بَلَغَتِ الرُّخْصِةُ أم لا؟ ثمَّ انكَفاً إلى كَبْشَينِ - يعني فَذَبَحَهما - ثمَّ انكَفأ
الناسُ إلى غُنَيمَةٍ فَذَبَحوها.
٥٥٦٢- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا الأسوَدُ بنُ قيسٍ، سمعتُ جُنْدُبَ بنَ سفيانَ
البَجَلِيَّ، قال: شَهِدْتُ النبيَّ ◌َّهِ يومَ النَّحْرِ، فقال: ((مَن ذَبَحَ قبلَ أن يُصَلِّيَّ فَلْيُعِدْ مكانَها أُخرى،
ومَن لم يَذْبَحْ فلْيَذْبَحْ)).
قوله: ((باب مَن ذَّبَحَ قبل الصلاة أعادَ)) أي: أعادَ الذَّبح.

١٨٦
باب ١٢ / ح ٥٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث أنس.
قوله فيه: ((وذكر هَنَةً)) بفتح الهاء والنُّون الخفيفة بعدها هاءُ تأنيث، أي: حاجةً ((من
جيرانه)) إلى اللَّحم.
قوله: ((فكأنَّ النبيَّ وَّهِ عَذَرَه)» بتخفيف الذّال المعجَمة من العُذْر، أي: قَبِلَ عُذرَه،
ولكن لم يجعل ما فَعَلَه كافياً ولذلك أمَرَه بالإعادة. قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أنَّ
المأمورات إذا وَقَعَت على خِلَاف مُقْتَضَى الأمر لم يُعذَر فيها بالجهل، والفَرْق بين المأمورات
والمنهيّات أنَّ المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يَحَصُل إلّا بالفِعل،
والمقصود من المنهيّات الكَفُّ عنها بسبب مَفاسدِها، ومع الجهل والنِّسيان لم يَقصِد المكلّف
فِعلَها فيُعذَر.
قوله: ((وعندي جَذَعة)) هو معطوف على كلام الرجل الذي عنى الراوي بقولِه: ((وذكر
هَنَةً من جيرانه)) تقديره: هذا يوم يُشتَهَى فيه اللَّحم، ولجيراني حاجة فذَبَحتُ قبل الصلاة،
وعندي جَذَعة. وقد تقدَّمَت مباحثه قبل ثلاثة أبوابٍ (٥٥٥٦).
الثاني: حديث جُندُب بن سفيان أورَدَه مختصراً، وتقدَّم في الذَّبائح (٥٥٠٠) من طريق
أبي عَوَانة عن الأسود بن قيس أتمَّ منه، وأوَّله: ضَخَّينا مع رسول الله وَلَ أَضحاةً، فإذا
ناس ذَبَحوا ضَحَاياهم قبل الصلاة ... الحديث.
قوله: ((ومَن لم يَذْبَح فَلْيَذْبَحْ)) في رواية أبي عَوَانة: ((ومَن كان لم يَذْبَح حتَّى صَلَّينا فليَذْبَح
على اسم الله))، وفي رواية لمسلم (١٩٦٠): ((فليَذْبَح باسمِ الله)) أي: فليَذَبَح قائلاً: باسمِ الله،
أو مُسَمِّياً، والمجرور مُتعلِّق بمحذوفٍ، وهو حالٌّ من الضَّمير في قوله: ((فليَذْبَح))، وهذا
أَولِى ما ◌ُلَ عليه الحديث، وصَحَّحَه النَّوويّ، ويُؤيِّده ما تقدَّم في حديث أنس (٥٥٥٨):
وسَمَّی وکَبَّرَ.
٢١/١٠ وقال عِيَاض: يحتمل أن يكون معناه: فليَذَبَحْ لله، / والباء تجيء بمعنى اللّام، ويحتمل أن

١٨٧
باب ١٢ / ح ٥٥٦٣
كتاب الأضاحي
يكون معناه: بتسمية الله، ويحتمل أن يكون معناه: مُتَبَرِّكاً باسمِه، كما يقال: سِرْ على بَرَكة الله،
ويحتمل أن يكون معناه: فليَذْبَح بسُنّة الله. قال: وأمَّا كراهة بعضهم: افعَل كذا على اسم الله،
لأَنَّ اسمه على كلّ شيء، فضعيف.
قلت: ويحتمل وجهاً خامساً: أن يكون معنى قوله: ((باسم الله)) مُطلَق الإذن في
الذَّبيحة حينئذٍ، لأنَّ السّياق يقتضى المنعَ قبل ذلك والإذنَ بعد ذلك، كما يقال للمُستأذن:
باسمِ الله، أي: ادخُل.
وقد استَدَلَّ بهذا الأمر في قوله: ((فليَذبَح مكانها أُخرى)) مَن قال بوجوبِ الأُضحيَّة،
قال ابن دَقِيق العيد: صيغة ((مَن)) في قوله: ((مَن ذَبَحَ)) صيغة عُموم في حَقِّ كلّ مَن ذَبَحَ قبل
أن يُصَلّي، وقد جاءت لتأسيس قاعدة، وتنزيلُ صيغة العُموم إذا وَرَدَت لذلك على
الصّورة النادرة يُستَنكَر، فإذا بَعُدَ تخصيصه بمَن نَذَرَ أُضحيَّةً مُعيَّنة، بَقِيَ التردُّد: هل الأَولى
◌َملُه على مَن سَبَقَت له أُضحيَّة مُعيَّنة، أو حَملُه على ابتداء أُضحيَّة من غيرِ سَبْق تعيين؟
فعلى الأول: يكون حُجّة لمن قال بالوجوبِ على مَن اشتَرَى الأُضحيّة كالمالكيَّة، فإنَّ
الأُضحيَّة عندهم تجب بالْتِزام اللِّسان وبنيَّة الشّراء وبنيَّة الذَّبح، وعلى الثّاني: يكون
حُجّة(١) لمن أوجَبَ الضَّحَّة مُطلَقاً، لكن حَصَلَ الانفصالُ ممّن لم يَقُل بالوجوبِ بالأدلّة
الدّالّة على عَدَم الوجوب، فيكون الأمر للنَّذْب.
واستَدَلَّ به مَن اشتَرَطَ تَقَدُّمَ الذَّبح من الإمام بعد صلاته وخُطْبته، لأنَّ قوله: ((مَن
ذَبَحَ قبل أن يُصَلّيَ فليَذْبَح مكانها أُخرى)) إنَّمَا صَدَرَ منه بعد صلاته وخُطبَته وذَبحِه، فكأنَّه
قال: مَن ذَبَحَ قبل فِعْل هذه الأُمور فليُعِد، أي: فلا يُعتَدُّ بما ذَبَحَه، قال ابن دقيق العيد:
وهذا استدلال غير مُستَقيم، لمخالَفَتِهِ التَّقييدَ بلفظ الصلاة والتَّعقيب بالفاءِ.
٥٥٦٣ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن فِراسٍ، عن عامٍ، عن البراءِ
قال: صَلَّى رسولُ الله ◌َّ ذاتَ يوم، فقال: ((مَن صَلَّى صلاتَنا، واستقبَلَ قِبْلتَنا، فلا يَذْبَحْ حتَّى
(١) في (س): يكون لا حجة، بإقحام لفظ ((لا))، وهو خطأ.

١٨٨
باب ١٢ / ح ٥٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
يَنْصَرِفَ))، فقامَ أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، فَعَلْتُ، فقال: ((هو شيءٌ عَجَّلْتَه))، قال:
فإنَّ عندي جَذَعةً هي خيرٌ من مُسِنَتَينٍ، أَذْبَحُها؟ قال: ((نعم، ثمَّ لا تَجْزِي عن أحدٍ بعدَكَ)). قال
عامرٌ: هي خيرُ نَسِيكتِیهِ.
الحديث الثالث: حديث البراء، أورَدَه من طريق فِراس بن يحيى عن الشَّعْبيّ، وقد
تقدَّمَت مباحثه قريباً (٥٥٥٦).
قوله: ((مَن صَلَّى صلاننا واستَقبَلَ قِبْلتَنا)) المراد مَن كان على دين الإسلام.
قوله: ((فلا يَذْبَحْ أي: الأُضحيَّةُ ((حتَّى يَنْصَرِفَ)) تَسَّكَ به الشافعيََّ في أَنَّ أَوَّل وقت
الأُضحيَّة قَدْر فراغ الصلاة والخُطبة، وإنَّما شَرَطوا فراغ الخطيب لأنَّ الخُطبتَينِ مقصودَتانِ
مع الصلاة في هذه العبادة، فيُعتبَرَ مِقدارُ الصلاة والخُطبَتَيْنِ على أخَفِّ ما يُجزئ بعد طُلوع
الشمس، فإذا ذَبَحَ بعد ذلك أجزأه الذَّبح عن الأُضحيّة، سواء صَلَّى العيد أم لا، وسواء
ذَبَحَّ الإمام أُضحيَّتَه أم لا، ويستوي في ذلك أهلُ المِصْر والحاضر والبادي، ونَقَلَ الطَّحَاويُّ
عن مالك والأوزاعيِّ والشافعيّ: لا تجوز أُضحيّة قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن
مالك والأوزاعيِّ لا الشافعيّ.
قال القُرطُبيّ: ظواهر الأحاديث تَدُلّ على تعليق الذَّبح بالصلاة، لكن لمَّا رأى
الشافعيُّ أنَّ مَن لا صلاة عيدٍ عليه مُخاطَب بالتَّضحية، حَمَلَ الصلاة على وقتها. وقال
أبو حنيفة واللَّيث: لا ذَبحَ قبل الصلاة، ويجوز بعدها ولو لم يَذْبَح الإمام، وهو خاصٍّ
بأهلِ المِصْرِ، فأمَّا أهل القُرَى والبَوادي فيَدخُل وقتُ الأُضحيَّة في حَقّهم إذا طَلَعَ الفجر
الثّاني. وقال مالك: يَذْبَحونَ إذا نَحَرَ أقربُ أئمّة القُرَى إليهم، فإن نَحَروا قَبلُ أجزأَهم.
وقال عطاء ورَبيعة: يَذْبَح أهل القُرَى بعد طلوع الشمس. وقال أحمد وإسحاق: إذا فَرَغَ
الإمام من الصلاة جازَتِ الأُضحيَّة، وهو وجه للشّافعيَّة قوُّ من جهة الدَّليل وإن ضَعَّفَه
بعضهم، ومثلُه قول الثَّوْريّ: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خُطْبته وفي أثنائها، ويحتمل أن
يكون قوله: ((حتَّى يَنصَرِف)) أي: من الصلاة، كما في الرِّوايات الأُخَر.

١٨٩
باب ١٢ / ح ٥٥٦٣
كتاب الأضاحي
وأصرَحُ من ذلك ما وَقَعَ عند أحمد (١٨٤٩٠) من طريق يزيد بن البراء عن أبيه رَفَعَه:
((إنَّما الذَّبح بعد الصلاة)، ووَقَعَ في حديث جُندُب عند مسلم (١/١٩٦٠): ((مَن ذَبَحَ قبل
أن يُصَلّيَّ فليَذْبَح مكانها أُخرى))، قال ابن دقيق العيد: هذا اللَّفظ أظهرُ في اعتبار فِعْل
الصلاة من حديث البراء، أي: حيثُ جاء فيه: ((مَن ذَبَحَ قبل الصلاة))، قال: لكن إن
أجريناه على ظاهره اقتَضَى أَنَّه لا تُجزِئ الأُضحيَّةُ في حَقّ مَن لم يُصَلِّ العيد، فإن ذهب إليه
أحد فهو أسعَدُ الناس / بظاهرِ هذا الحديث، وإلّا وَجَبَ الخروج عن الظّاهر في هذه الصّورة ٢٢/١٠
ويَبقَى ما عَدَاها في مَحَلّ البحث.
وتُعقّبَ بأنَّه قد وَقَعَ في ((صحيح مسلم)) في رواية أُخرى(١): ((قبل أن يُصَلّيَ، أو نُصلّي)»
بالشكِّ، قال النَّوويّ: الأولى بالياءِ والثّانية بالنّون، وهو شَكٍّ من الراوي، فعلى هذا إذا
كان بلفظ: ((يُصَلّي)) ساوى لفظَ حديث البراء في تعليق الحُكم بفِعْل الصلاة. قلت: وقد
وَقَعَ عند البخاريّ في حديث جُندُب في الذَّبائح (٥٥٠٠) بمِثْل لفظ البراء، وهو خِلاف ما
يُوهِمه سياق صاحب ((العُمدة))، فإنَّه ساقَه على لفظ مسلم، وهو ظاهرٌ في اعتبار فِعل الصلاة،
فإنَّ إطلاق لفظ الصلاة وإرادة وقتها خِلاف الظّاهر، وأظهرُ من ذلك قوله: ((قبل أن نُصلِّي))
بالنّون، وكذا قوله: ((قبل أن نَنصَرِف)) سواء قلنا: من الصلاة أم من الخُطبة.
وَاذَّعَى بعض الشافعيَّةِ أنَّ معنى قوله وََّ: ((مَن ذَبَحَ قبل أن يُصَلَّ فليذبح مكانها
أُخرى)) أي: بعد أن يَتَوجَّه من مكان هذا القول، لأنَّه خاطَبَ بذلك مَن حَضَرَه، فكأنَّه
قال: مَن ذَبَحَ قبل فِعْل هذا من الصلاة والخُطبة فليَذبَح أُخرى، أي: لا يُعتَدّ بِما ذَبَحَه، ولا
يخفی ما فيه.
وأورَدَ الطَّحَاويُّ (١٧١/٤) ما أخرجه مسلم (١٩٦٤) من حديث ابن جُرَيج عن أبي
الزُّبَير عن جابر بلفظ: أنَّ النبيَّ نَّهِ صَلَّى يوم النَّحر بالمدينة، فتقدَّم رجال فتَحَروا، وظنُّوا
أَنَّ النبيَّ ◌َ قد نَحَرَ، فأمَرَهم أن يُعيدوا. قال: ورواه حمّاد بن سَلَمة عن أبي الزُّبَير عن جابر
(١) بل هي نفس الرواية.

١٩٠
باب ١٣ / ح ٥٥٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
بلفظ: أنَّ رجلاً ذَبَحَ قبل أن يُصَلَّ رسول الله وَّهَ، فَنَهَى أن يَذْبَح أحدٌ قبل الصلاة -
وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٩٠٩) - ويَشهَد لذلك قولُه في حديث البراء: ((إنَّ أوَّل ما نَصنَع أن
نَّدَأَ بالصلاة، ثمَّ نَرجِعَ فَتَنَحَر)) فإنَّه دالٌّ على أنَّ وقت الذَّبح يَدخُل بعد فعل الصلاة، ولا
يُشْتَرَط التَّأخير إلى نَحْر الإمام، ويُؤيِّده - من طريق النَّظَرَ - أنَّ الإمام لو لم يَنحَرْ، لم يكن
ذلك مُسقِطاً عن الناس مشروعيّة النَّحر، ولو أنَّ الإمام نَحَرَ قبل أن يُصَلّيَ لم يُزِئه نَحْرُه،
فدَلَّ على أنَّه هو والناس في وقت الأُضحيَّة سواء.
وقال المهلَّب: إنَّما كُرِهَ الذَّبح قبل الإمام لئلا يَشتَغِل الناسُ بالذَّبحِ عن الصلاة.
قوله: ((فقامَ أبو بُرْدة بن نِيار فقال: يا رسول الله، فعَلْتُ)) أي: ذَبَحتُ قبل الصلاة. ووَقَعَ
عند مسلم (٦/١٩٦١) من هذا الوجه: ((نَسَكتُ عن ابنٍ لي)) وقد تقدَّم توجيهه(١).
قوله: ((هي خيرٌ من مُسِتَينٍ)) كذا وَقَعَ هنا بالتَّنية، وهي مُبالَغة، ووَقَعَ في رواية غيره:
((من مُسِنّة)) بالإفراد، وتقدَّم توجيهُه أيضاً (٥٥٥٧).
قوله: ((قال عامر: هي خير نَسيكَتَيْهِ)) كذا فيه بالتَّنية، وفيه ضَمّ الحقيقة إلى المجاز بلفظٍ
واحد، فإنَّ النَّسيكة هي التي أجزأَت عنه وهي الثّانية، والأولى لم تَجِزِ عنه، لكن أطلقَ
عليها نَسيكةً لأنَّه نَحَرَها على أنَّهَا نَسِيكة أو نَحَرَها في وقت النَّسيكة، وإنَّما كانت خيرَهما
لأنّها أجزأت عن الأُضحيَّة بخِلَاف الأُولى، وفي الأُولى خيرٌ في الجملة باعتبار القصد
الجميل، ووَقَعَ عند مسلم (٦/١٩٦١) من هذا الوجه: قال: ((ضَحِّ بها، فإنَّهَا خير نَسيكةٍ)).
ونَقَلَ ابن التِّين عن الشَّيخ أبي الحسن - يعني ابن القَصّار -: أنَّه استَدَلَّ بتسميتها نَسيكةً على
أَنَّه لا يجوز بيعُها ولو ذُبحَت قبل الصلاة، ولا يخفى وجهُ الضَّعف عليه.
١٣ - باب وَضْع القَدَم على صَفْح الذّبيحة
٥٥٦٤ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، حدَّثنا أنسُ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌ِلـ
كان يُضَحّي بِكَبْشَينِ أملَحَينِ أقرَنَينِ، ويَضَعُ رِجْلَه على صَفْحَتِهما، ويَذْبَحُهما بيَدِه.
(١) عند شرح الحديث (٥٥٤٩).

١٩١
باب ١٤- ١٥ / ح ٥٥٦٥ - ٥٥٦٦
كتاب الأضاحي
قوله: ((باب وَضْع القَدَم على صَفْح الذَّبيحة)) ذكر فيه حديث أنس: ((ويَضَع رِجلَه على
صَفْحتهما))، وقد تقدَّمَت مباحثه قريباً (٥٥٥٨).
١٤ - باب التكبير عند الذَّبح
٥٥٦٥- حدَّثنَا قُتَبةُ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن قَادةَ، عن أنسٍ، قال: ضَخَّى النبيُّ ◌َّ بِكَبْشَيْنِ
أملَخَینِ أُقرَنَیْنِ ذَبَحَھما بیَدِه، وسَمَّی و کَبَّرَ، ووَضَعَ رِجْلَه على صِفَاحِهما.
قوله: ((باب التَّكْبير عند الذَّبْح)) ذكر فيه حديث أنسٍ أيضاً، وقد تقدَّم أيضاً (٥٥٥٨).
١٥ - بابٌ إذا بعث بهَدْيِهِ ليُذبَح لم يجرُم عليه شيءٌ
٥٥٦٦- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا إسماعيلُ، عن الشَّعْبيِّ، عن
مسروقٍ: أَنَّه أتى عائشةَ فقال لها: يا أمَّ المؤمنينَ، إِنَّ رجلاً يَبْعَثُ بالهَذْي إلى الكَعْبةِ، ويَجلِسُ في
المِصْرِ، فَيُوصِي أن تُقَلَّدَ بَدَنَتُه، فلا يزالُ من ذلك اليومِ مُحرِماً حتّى يَحِلَّ الناسُ، قال: فسمعتُ
تَصْفِيقَها من وراءِ الحِجَاب، فقالت: لقد كنتُ أَفْتِلُ قَلائدَ هَدْي رسولِ الله ◌ِ، فِيَبْعَثُ هَدْيَه
إلى الكَعْبةِ، فما يَحِرُمُ عليه ممََّ حَلَّ للرِّجالِ من أهلِهِ حتَّى يَرجِعَ الناسُ.
قوله: ((بابٌ إذا بَعَثَ بَهَدِْهِ لِيُذْبَح لم يَحُرُم عليه شيء)) ذكر فيه حديث عائشة، وقد تقدَّمَت ٢٣/١٠
مباحثه في كتاب الحجّ (١٦٩٦).
وأحمد بن محمَّد شيخه: هو المروَزيّ، وعبد الله: هو ابن المبارك، وإسماعيل: هو ابن أبي
خالد.
وقوله فيه: ((إنَّ رجلاً يَبْعَث بالهَدْيِ)) هو زياد بن أبي سفيان، وقد تقدَّم نَقلُه عن ابن
عبَّاس وغيره (١٧٠٠).
وقوله: ((فسمعتُ تَصْفيقَها من وراء الحجاب)) أي: ضَرَبَت إحدَى يَدَيها على الأُخرى
تَعَجُّباً أو تأسُّفاً على وقوع ذلك.
واستَدَلَّ الدَّاوُوديّ بقولها هذا(١) على أنَّ الحديث الذي رَوَتْه ميمونة مرفوعاً: ((إذا دَخَلَ
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((بقولها: هدیه)).

١٩٢
باب ١٦ / ح ٥٥٦٧ -٥٥٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
عشرُ ذي الحِجّة، فمَن أراد أن يُضَحّي فلا يأخُذْ من شعره ولا من أظفاره)) يكون منسوخاً
بحديث عائشة أو ناسخاً، وقال ابن التِّين: ولا يُحتاج إلى ذلك، لأنَّ عائشة إنَّما أنكَرَت أن
يصير مَن يَبْعَث هَديَه مُحرِماً بمُجرَّدٍ بَعْثِه، ولم تَتَعرَّض على ما يُستَحَبّ في العشر خاصّة من
اجتناب إزالة الشَّعر والظُّفر. ثمّ قال: لكن عمومَ الحديث يدلُّ على ما قال الدَّاوُوديّ، وقد
استَدَلَّ به الشافعيّ على إباحة ذلك في عشر ذي الحِجّة. قال: والحديث المذكور أخرجه
مسلم (١٩٧٧) وأبو داود (٢٧٩١) والتِّرمِذيّ (١٥٢٣) والنَّسائيُّ (ك٤٤٣٥). قلت: هو
من حديث أمّ سَلَمة لا من حديث ميمونة، فَوَهِمَ الدَّاوُوديّ في النَّقْل وفي الاحتجاج أيضاً، فإنَّه
لا يَلزَمُ من دلالته على عَدَم اشتراط ما يَجِتَنِبِه المحرِمِ على المضَخّي، أنَّه لا يُستَحَبّ فِعلُ ما
وَرَدَ به الخبر المذكور لغير المحرم، والله أعلم.
١٦ - باب ما يُؤگل من لحوم الأضاحيّ، وما يُتزوَّد منها
٥٥٦٧ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: أخبرني عطاءٌ، سمعَ جابَرَ بنَ
عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: كنَّا نَتزوَّدُ لحومَ الأضاحيِّ على عَهْدِ النبيِّ وَّهَ إلى المدينةِ.
وقال غيرَ مَّةٍ: لحومَ الهَذْىِ.
٥٥٦٨- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني سليمانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ، أنَّ ابنَ
خَبّابٍ أخبَرَه، أنَّه سمعَ أبا سعيدٍ يُحدِّثُ: أنَّه كان غائباً فقَدِمَ، فَقُدِّمَ إليه لحمٌّ قالوا: هذا من لحمٍ
ضَحَايانا! فقال: أخّروه لا أُذُوقُه، قال: ثمَّ قُمْتُ فخَرَجْتُ حتَّى آتيَ أخي أبا قَتَادةَ - وكان أخاه
الأُمُّه، وكان بَدْرِيّاً - فَذَكَرْتُ ذلك له، فقال: إنَّه قد حَدَثَ بعدَكَ أمرٌ.
قوله: ((باب ما يُؤْكَل من لحوم الأضاحيّ)) أي: من غير تقييد بُثُلُثٍ أو نصف ((وما يُتزوَّد مِنْها))
٢٥/١٠
أي: للسَّفَرِ وفي الحَضَر. وبيانُ التَّقييد بثلاثة أيام إمّا منسوخ وإمّا خاصٌّ بسببٍ.
فيه أحاديث: الأول: حدیث جابٍ.
قوله: ((لحوم الأضاحيّ)) تقدَّم البحث في قوله: ((إلى المدينة)) في ((باب ما كان السَّلَف
يَدَّخِرونَ» من كتابٍ الأطعمة (٥٤٢٤).

١٩٣
باب ١٦ / ح ٥٥٦٨
كتاب الأضاحي
قوله: ((وقال غيرَ مَرَّة: لحومَ الهَدْي)) فاعل ((قال)) هو سفيان بن عُيَينَةَ، وقائل ذلك
الراوي عنه عليّ بن عبد الله: وهو ابن المَدِينِيّ، بيَّن أنَّ سفيان كان تارةً يقول: لحوم الأضاحي،
ومِراراً يقول: لحوم الهدي، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ هنا: ((وقال غيره)) وهو تصحيف.
وقد تقدَّم في الباب المذكور من رواية أُخرى عن سفيان: لحوم الهدي.
الثاني: قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُويس، وسليمان: هو ابن بلال، ويحيى بن
سعيد: هو الأنصاريّ، والقاسم: هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدّيق، وابن خَبّاب - بمُعجَمةٍ
وموخَّدتَينِ الأولى ثقيلة - اسمه عبد الله، والإسناد كلّه مدنيّونَ، وفيه ثلاثة من التابعينَ في
نَسَق: يحيى والقاسم وشيخه، وفيه صحابيّان: أبو سعيد وقَتَادة بن النُّعمان.
قوله: ((فقَدِمَ))، أي: من السَّفَر ((فقُدِّمَ)) بضمِّ القاف وتشديد الدّال المكسورة، أي: وُضِعَ
بین یَدَیه.
قوله: ((فقال: أخِّروه)) فِعلُ أمر من التَّأخير ((لا أذوقُه)) أي: لا آكُل منه.
قوله: ((قال: ثمَّ قُمْتُ فخَرَجْت)) قد تقدَّم في غزوة بدر من كتاب المغازي (٣٩٩٧) من
رواية اللَّيث عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد بلفظ: أنَّ أبا سعيد قَدِمَ من سَفَر، فقَدَّمَ إليه
أهلُه لحماً من لحوم الأضاحيّ، فقال: ما أنا بآكِلِه حتَّى أَسأل.
قوله: ((فخَرَجْت حتَّى آتي أخي أبا قَتَادة، وكان أخاه لأُّه)) كذا لأبي ذرٍّ ووافَقَه الأَصِيلِيّ
والقابِسيّ في روايتهما عن أبي زيد المروزيِّ وأبي أحمد الجُرجانيّ، وهو وهمٌّ، وقال الباقونَ:
حتَّى آتيَ أَخِي قَتَادة، وهو الصَّواب، وقد تقدَّم في رواية اللَّيث: فانطَلَقَ إلى أخيه لأُمُّه
قَتَادة بن النُّعمان. وزَعَمَ بعضُ مَن لم يُمعِنِ النَّظَر في ذلك أنَّه وَقَعَ في كلّ النُّسَخِ أبا قَتَادة،
وليس كما زَعَمَ، وقد نَبَّهَ على اختلاف الرُّواة في ذلك أبو عليّ الجيَّانيّ في ((تقييده)) وتَبِعَه
عِيَاض وآخرونَ، وأُمّ أبي سعيد وقَتَادة المذكورة: أُنيسة بنت أبي خارجة عَمْرو بن قيس بن
مالك من بني عَديّ بن النَّجّار، ذكر ذلك ابنُ سعد.
قوله: ((حَدَثَ بَعْدَك أمرٌ)) زاد اللَّيث: نَقِضٌ لمَا كانوا يُنهَونَ عنه من أكل لحوم الأضاحيّ

١٩٤
باب ١٦ / ح ٥٥٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
بعد ثلاثة أيام، وقد أخرجه أحمد (١٦٢١٤) من رواية محمَّد بن إسحاق قال: حدَّثني أَبي
ومحمَّد بن عليّ بن حُسَين عن عبد الله بن خَبّاب، مُطوَّلاً ولفظه: عن أبي سعيد: كان
رسول الله وَ﴿ قد نَهانا أن نأكُلَ لحوم نُسُكنا فوق ثلاث، قال: فخَرَجتُ في سَفَر، ثمَّ قَدِمتُ
على أهلي - وذلك بعد الأضاحيّ بأيامٍ - فأتتني صاحبَتَي بسِلْقِ قد جَعَلَت فيه قَديداً،
فقالت: هذا من ضَحَايانا، فقلت لها: أولم يَنْهَنا؟ فقالت: إنَّه قد رَخّصَ للنّاس بعد ذلك،
فلم أُصَدِّقها حتَّى بَعَنتُ إلى أخي قَتَادة بن النُّعمان، فذكره وفيه: قد أرخَصَ رسولُ الله ◌َِّ
للمسلمينَ في ذلك.
وأخرجه النسائيُّ (٤٤٢٨) وصَخَّحه ابن حِبّان (٥٩٢٦) من طريق زينب بنت كعب
عن أبي سعيد، فقلب المتنَ جَعَلَ راويَ الحديث أبا سعيد والممتَنِعَ من الأكل فَتَادة بن
النُّعمان، وما في ((الصحيحين)) أصحّ، وأخرجه أحمد (١٦٢١٠) من وجه آخر، فجَعَلَ
القصَّة لأبي قَتَادة وأنَّه سألَ قَتَادة بن النُّعمان عن ذلك أيضاً، وفيه: أنَّ النبيَّ وَِّ قامَ في
حَجّة الوداع فقال: ((إنّي كنتُ أمَرتُكم ألّا تأكُلوا الأضاحيّ فوق ثلاثة أيام لتَسَعَكم، وإنّي
أُحِلّه لكم فكُلُوا منه ما شِئْتُم)) الحديث، فبيَّن في هذا الحديث وقتَ الإحلال، وأنَّه كان في
حَجّة الوداع، وكأنَّ أبا سعيد ما سمعَ ذلك، وبيَّن فيه أيضاً السَّبَب في التَّقييد وأنَّه لتَحصُل
التَّوسِعة بلحوم الأضاحيّ لمن لم يُضَحِّ.
٥٥٦٩- حدَّثنا أبو عاصم، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ، قال: قال النبيُّ ◌َليّ
((مَنْ ضَخَّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ بعدَ ثالثةٍ في بيتِهِ منه شيءٌ)). فلَمّا كان العامُ المُقِلُ قالوا: يا
رسولَ الله، نَفْعَلُ كما فَعَلْنا عامَ الماضي؟ قال: «كُلُوا وأطْعِموا وادَّخِروا، فإنَّ ذلك العامَ كان
بالناسِ جَهْدٌ، فأرَدْتُ أن تُعِينُوا فيها».
الثالث: حديث سَلَمة بن الأكوع، وهو من ثُلاثيّاته.
قوله: ((فلمَّا كان العامُ المقْبِل قالوا: يا رسول الله، نَفْعَل كما فَعَلْنا في العام الماضي؟» يُستَفاد
٢٦/١٠ منه أنَّ النَّهي كان سنة تِسْع لما / دَلَّ عليه الذي قبله أنَّ الإذن كان في سنة عشر، قال ابن المنيِّر:

١٩٥
باب ١٦ / ح ٥٥٦٩
كتاب الأضاحي
وجه قولهم: هل نفعلُ كما كنَّا نفعل؟ مع أنَّ النَّهي يقتضى الاستمرار، لأنَّهم فهموا أنَّ ذلك
النَّهِي وَرَدَ على سبب خاصّ، فلمَّا احتَمَلَ عندهم عُمومَ النَّهي أو خُصوصَه من أجل السَّبَب
سألوا، فأرشَدَهم إلى أنَّه خاصٌّ بذلك العامّ من أجل السَّبَب المذكور.
وقوله: ((كُلوا وأطْعِموا)) تَسَّكَ به مَن قال بوجوبِ الأكل من الأُضحيَّة، ولا حُجّة فيه،
لأنَّه أمر بعد حَظْر، فيكون للإباحة. واستُدِلَّ به على أنَّ العامّ إذا وَرَدَ على سبب خاصّ،
ضَعُفَت دلالة العُموم حتَّى لا يَبقَى على أصالَتِه، لكن لا يُقتَصَر فيه على السّبب.
قوله: ((واذَّخِروا)) بالمهمَلة، وأصله من ((ذَخَرَ)) بالمعجَمةِ دَخَلَت عليها تاء الافتِعال ثمَّ
أُدْغِمَت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، ويُؤخَذ من الإذن في الادِّخار
الجوازُ خِلَافاً لمن كَرِهَه، وقد وَرَدَ في الادِّخار: ((كان يَدَّخِر لأهلِهِ قُوتَ سنة)) وفي رواية:
((كان لا يَدَّخِر لِغَدٍ))، والأوَّل في ((الصحيحين))(١)، والثّاني في مسلم(٢)، والجمع بينهما أنَّه
كان لا يَدَّخِر لنفسِه ويَدَّخِر لعياله، أو أنَّ ذلك كان باختلاف الحال فيترُکه عند حاجة
الناس إليه، ويفعله عند عَدَمِ الحاجة.
قوله: ((كان بالناسِ جَهْد)» بالفتح، أي: مَشَقّة من جَهْد فَحْطِ السَّنة.
قوله: ((فأَرَدْتُ أن تُعِينوا فيها» كذا هنا من الإعانة، وفي رواية مسلم (١٩٧٤) عن محمّد
ابن المثنَّى(٣) عن أبي عاصم شيخ البخاريّ فيه: ((فأردتُ أن تَفْشُّوَ فيهم))، وللإسماعيليِّ عن أبي
يَعْلى عن أبي خَيْئمةَ عن أبي عاصم: ((فأردت أن تَقسِموا فيهم، كُلوا وأطعِموا واذَّخِرِو)).
قال عِيَاض: الضَّمير في ((تُعينوا فيها)) للمَشَقّة المفهومة من الجَهْد أو من الشِّدّة أو من
السَّنة لأنَّها سبب الجهد، وفي: ((تَفشُو فيهم)) أي: في الناس المحتاجينَ إليها، قال في ((المشارق)):
(١) البخاري (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧).
(٢) وَهِمَ الحافظ رحمه الله في عزوه لمسلم، والحديث أخرجه الترمذي (٢٣٦٢)، وابن حبان (٦٣٥٦)، وابن
عدي في ((الكامل)) ١٤٩/٢ من حدیث ثابت عن أنس، وقال الترمذي عقبه: حديث غريب، وقد روي
عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن النبي وَلا مرسلاً.
(٣) كذا قال، والصواب أنه عن إسحاق بن منصور عن أبي عاصم.

١٩٦
باب ١٦ / ح ٥٥٧٠
١٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
ورواية البخاريّ أوجَه، وقال في ((شرح مسلم)): ورواية مسلم أشبه. قلت: قد عَرَفتَ أنَّ
تَخَرَج الحديث واحد ومَدَاره على أبي عاصم، وأنَّه تارةً قال هذا، وتارةً قال هذا، والمعنى في
كلٌّ صحيح، فلا وجه للتَّرجيح.
٥٥٧٠ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ،
عن عَمْرَةَ بنت عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: الضَّحِيَّةُ كنَّا نُمَلِّحُ منه، فتَقْدَمُ
به إلى النبيِّ ◌َّهِ بِالمدينةِ، فقال: ((لا تأكُلُوا إِلَّ ثلاثةَ أيام))، وليست بعَزِيمةٍ، ولكن أرادَ أن نُطْعِمَ
منه، والله أعلمُ.
الحديث الرابع: حديث عائشة.
قوله: «إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أُویس الذي روى عنه حديث أبي سعيد(١).
قوله: ((حدَّثني أخي)) هو أبو بكر عبد الحميد، وسليمان: هو ابن بلال، ويحيى بن
سعید: هو الأنصاريّ. فإسماعيل في حديث أبي سعيد يروي عن سليمان بن بلال بغير
واسطة، وفي حديث عائشة هذا يروي عنه بواسطةٍ، وقد تَكَّرَ له هذا في عِدّة أحاديث،
وذلك یُرشِد إلى أنَّه كان لا يُدلِّس.
قوله: («الضَّحِيَّة)) بفتح المعجَمة وكسر الحاء المهمَلة.
قوله:(ثُمَلِّحُ مِنْه)) أي: من لحم الأُضحيَّة، في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((منها)) أي: من الأُضحيَّة.
قوله: ((فتَقْدَم)) بسكون القاف وفتح الدّال: من القُدوم، وفي رواية بفتح القاف وتشديد
الدّال، أي: نَضَعُه بين يَدَیه، وهو أوجه.
قوله: ((فقال: لا تأكُلوا)) أي: منه، هذا صريح في النَّهي عنه. ووَقَعَ في رواية القِّرمِذيّ
(١٥١١) من طريق عايِس بن ربيعة عن عائشة: أنَّهَا سُئِلَت: أكان رسول الله وَ لْ نَهَى عن
لحوم الأضاحيّ؟ فقالت: لا، والجمع بينهما أنَّهَا نَفَت نهيَ(٢) التَّحريم لا مُطلَق النَّهي، ويُؤْيِّده
(١) هو المتقدم قريباً برقم (٥٥٦٨).
(٢) سقط لفظ ((نهي)) من (أ) و(ع)، والأوجه إثباتها كما في (س).

١٩٧
باب ١٦ / ح ٥٥٧٠
كتاب الأضاحي
قوله في هذه الرِّواية: وليست بعَزيمةٍ.
قوله: ((وليست بعَزيمةٍ، ولكن أرادَ أن نُطْعِمَ مِنْه)) بضمِّ الُّون وسكون الطاء، أي: نُطعِم
غيرنا. قال الإسماعيليّ بعد أن أخرج هذا الحديث عن عليّ بن العبَّاس عن البخاريّ بسندِه
إلى قوله: ((بالمدينة)): كأنَّ الزّيادة من قوله: ((بالمدينة ... )) إلى آخره من كلام يحيى بن سعيد.
قلت: بل هو من جملة الحديث، فقد أخرجه أبو نُعَيم من وجه آخر عن البخاريّ بتمامه،
وتقدَّم في الأطعمة (٥٤٢٣) من طريق عابِس بن ربيعة: قلت لعائشة: أنَهَى النبيُّ وَلِّ أن
يُؤكَل من لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث؟ قالت: ما فَعَلَه إلّا في عامٍ جاعَ الناس فيه، فأراد أن
يُطعِم الغنيُّ الفقيرُ، وللطَّحَاويّ (١٨٨/٤) من هذا الوجه: أكان يُحرِّم لحوم الأضاحيّ
فوق ثلاث؟ قالت: لا، ولكنَّه لم يكن يُضَحّي منهم إلّ القليل، ففَعَلَ ليُطعِمَ مَن ضَخَّى
منهم مَن لم يُضَحِّ، وفي رواية مسلم (١٩٧١) من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم/ عن ٢٧/١٠
عَمْرة: ((إِنَّمَا تَتُكم من أجل الدّافّة التي دَفَّت، فكُلوا وتَصَدَّقوا وادَّخِروا)) وأوَّل الحديث
عند مسلم: دَفَّ ناس من أهل البادية حَضْرةَ الأضحَى في زمان رسول الله وَّةٍ، فقال:
((ادخروا لثلاثٍ، وتَصَدَّقوا بما بَقِي)» فلمَّا كان بعد ذلك قيل: يا رسول الله، لقد كان الناس
يَنْتَفِعونَ من ضَحَاياهم، فقال: ((إنَّما تَهَيتُكم من أجل الدّافّة التي دَفَّت، فكُلُوا وتَصَدَّقوا
وادَّخِروا))، قال الخطَّبيُّ: الذَّفّ - يعني بالمهمَلة والفاء الثَّقيلة -: السَّير السَّريع، والدّافّة:
مَن يَطرَأ من المحتاجينَ.
واستُدِلَّ بإطلاق هذه الأحاديث على أنَّه لا تقييد في القَدْر الذي يُجزئ من الإطعام،
ويُستَحَبّ للمُضَحّي أن يأكل من الأُضحيَّة شيئاً ويُطعِمِ الباقي صَدَقة وهَديَّة، وعن
الشافعيّ: يُسْتَحَبّ قِسمَتها أثلاثاً لقولِه: ((كُلوا وتَصَدَّقوا وأطعِموا))، قال ابن عبد البَرِّ:
وكان غيره يقول: يُستَحَبّ أن يأكل النِّصفَ ويُطعِمِ النِّصف. وقد أخرج أبو الشَّيخ في
كتاب ((الأضاحيّ)) من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة رَفَعَه: «مَن ضَخَّی فلیأکل من
أُضحِيَّتَه)) ورجاله ثقات، لكن قال أبو حاتم الرَّازيّ: الصَّواب عن عطاء مُرسَل. قال النَّوويّ:

١٩٨
باب ١٦ / ح ٥٥٧١- ٥٥٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
مذهب الجمهور: أنَّه لا يجب الأكل من الأُضحيَّة، وإنَّما الأمر فيه للإذنِ. وذهب بعض
السَّلَف إلى الأخذ بظاهرِ الأمر، وحكاه الماورديّ عن أبي الطيِّب بن سَلَمة من الشافعيَّة،
وأمَّا الصَّدَقة منها فالصَّحيح أنَّه يجب التَّصَدُّق من الأُضحيَّة بما يقعُ عليه الاسم، والأكمَل
أن يَتَصَدَّق بِمُعظَمِها.
٥٥٧١- حدَّثْنَا حِبّانُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرني يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال:
حدَّثني أبو عُبيدٍ مولى ابنِ أزْهَرَ: أَنَّه شَهِدَ العِيدَ يومَ الأضْحَى مَعَ عمرَ بنِ الخطَّبِ ﴾، فصَلَّى قبلَ
الخُطْبةِ، ثَّ خَطَبَ الناسَ فقال: يا أيُّها الناسُ، إِنَّ رسولَ الله وَّرِ قد نَهَاكُم عن صيامِ هذَينٍ
اليومَينِ (١): أمَّا أحدُهما: فيومُ فِطْرِكم من صيامِكُم، وأمَّا الآخَرُ: فيومٌ تَأْكُلُونَ نُسُكَكُم.
٥٥٧٢- قال أبو عُبيدٍ: ثمَّ شَهِدْتُ العيدَ مَعَ عُثْمانَ بنِ عَفّانَ، وكان ذلك يومَ الجمُعةِ،
فصَلَّى قبلَ الخُطْبةِ، ثمَّ خَطَبَ فقال: يا أيُّها الناسُ، إِنَّ هذا يومٌ قد اجتَمَعَ لكم فيه عِيدانٍ، فمَن
أحَبَّ أن يَنْتَظِرَ الجمعةَ من أهلِ العَوَالي فلْيَنتَظِرْ، ومَن أحَبَّ أن يَرجِعَ فقد أُذِنْتُ له.
٥٥٧٣- قال أبو عُبيدٍ: ثمَّ شَهِدْتُهُ معَ عليّ بنِ أبي طالبٍ، فصَلَّى قبلَ الخُطْبةِ، ثمَّ خَطَبَ
الناسَ، فقال: إن رسولَ اللهِوَ لّهِ فَهَاكُم أن تأكُلُوا لحومَ نُسُكِكم فوقَ ثلاثٍ.
وعن مَعمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي ◌ُبيدٍ، نحوَه.
الحدیث الخامس والسادس والسابع: أحادیث أبي عبيد عن عمر، ثم عن عثمان، ثم عن
علي.
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارَك، ويونس: هو ابن يزيد، وأبو عُبيد مولى ابن أزهَرَ، أي:
عبدِ الرَّحمن بن أزهَر بن عَوْف، ابن أخي عبد الرَّحمن بن عَوْف، وأبو عُبيد: اسمه سعدُ بن
عُبید.
قوله: ((قد نَاكُم عن صيام هذَينِ اليومَينِ(٢)) تقدَّمَت مباحثه في أواخر كتاب الصيام
(١) هكذا وقع للحافظ ابن حجر، والذي في النسخة اليونينية: ((العيدين)) بلا إشارة إلى أي خلاف في الروايات.
(٢) في (س): وحدها: العيدين.

١٩٩
باب ١٦ / ٥٥٧٣
كتاب الأضاحي
(١٩٩٠)، واستُدِلَّ به على أنَّ النَّهي عن الشَّيء إذا اّحَدَت جِهَتُه لم يَجُزْ فِعلُه كصوم يوم
العيد، فإنَّه لا يَنفَكُّ عن الصوم فلا يَتَحقَّق فيه جِهَتان فلا يَصِحّ، بخِلَاف ما إذا تَعَدَّدَتِ
الجهة كالصلاة في الدّار المغصوبة، فإنَّ الصلاة تتحقّق في غير المغصوب فيصحُّ في المغصوب
مع التَّحريم، والله أعلم.
قوله: ((قال أبو عُبيد)) هو موصول بالسَّنَدِ المذكورِ.
قوله: (ثُمَّ شَهِدتُ العيد)) لم يُبيِّ كَونَه أضحَى أو فِطراً، والظاهر أنَّه الأضحَى الذي قَدَّمَه
في حديثه عن عمر، فتكون اللّام فیه للعهدِ.
قوله: ((وكان ذلك يوم الجمعة)) أي: يوم العيد.
قوله: ((قد اجتَمَعَ لکم فیه عیدانٍ» أي: يوم الأضحَى ويوم الجمعة.
قوله: ((من أهل العَوالي)) جمع العاليَة، وهي قُرَى معروفة بالمدينة.
قوله: ((فلْيَنتَظِرِ)) أي: يَتأخّر إلى أن يُصلّيَّ الجمعة.
قوله: ((ومَن أحَبَّ أن يَرجِعَ فقد أذِنْت له)) استَدَلَّ به مَن قال بسقوطِ الجمعة عمَّن صَلَّى
العيد إذا وافَقَ العيدُ يومَ الجمعة، وهو مَحَكيّ عن أحمد، وأُجيبَ بأنَّ قوله: ((أذِنتُ له)) لیس
فيه تصريح بعَدَمِ العَوْد، وأيضاً فظاهر الحديث في كَونهم من أهل العَوالي أنَّهم لم يكونوا
◌َمَّن تجب عليهم الجمعة لبُعدٍ منازِلهم عن المسجد، وقد وَرَدَ في أصل المسألة حديث
مرفوع(١).
قوله: ((ثمَّ شَهِدْته)) أي: العيد، ودَلَّ السِّياق على أنَّ المراد به الأضحَى، وهو يُؤيِّد ما
تقدَّم في حديث عثمان، وأصرَحُ من ذلك ما وَقَعَ في رواية عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن
الزُّهْريِّ عن أبي عُبيد: أنَّه سمعَ عليّاً يقول يوم الأضحَى (٢)، وللنَّسائيّ (٤٤٢٤) من طريق
(١) انظر حديث أبي هريرة عند أبي داود (١٠٧٣)، وابن ماجه (١٣١١)، وإسناده ضعيف، وانظر التعليق
عليه في الکتابین بتحقیقنا.
(٢) أخرجه من هذا الطريق الطحاويُّ في ((شرح مشكل الآثار)) ١٨٤/٤، والبيهقي في ((السنن) ٩/ ٢٩٠.

٢٠٠
باب ١٦ / ٥٥٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
غُندَر عن مَعمَر بسندِه: شَهِدتُ عليّاً في يوم عيد بَدَأ بالصلاة قبل الخُطبة بلا أذان ولا إقامة
ثُمَّ قال: سمعتُ ... فذكر المرفوع.
قوله: ((تَهاكم أن تأكُلوا لحوم نُسُككم فوق ثلاث)) زاد عبد الرَّزّاق في روايته: فلا
تأكُلوها بعدها. قال القُرطُبيّ: اختُلِفَ في أوَّل الثلاث التي كان الادِّخار فيها جائزاً، فقيل:
أوَّلها يوم النَّحر، فمَن ضَخَّى فيه جازَ له أن يُمسِك يومَينِ بعده، ومَن ضَحَّى بعده أمسَكَ
ما بَقِيَ له من الثلاثة، وقيل: أوَّلها يوم يُضَخّي، فلو ضَخَّى في آخر أيام النَّحر جازَ له أن
٢٨/١٠ يُمسِك ثلاثاً بعدها، ويحتمل أن يُؤخَذ من قوله: ((فوق / ثلاث)) أن لا يُحسَب اليومُ الذي
يقع فيه النَّحر من الثلاث، وتُعتبَر اللَّيلةُ التي تليه وما بعدها.
قلت: ويُؤْيِّده ما في حديث جابر: كنَّا لا نأكُلُ من لحوم بُدُننا فوق ثلاثٍ مِنّى (١)، فإنَّ
ثلاثَ مِنَّى تَتناول ما بعد يوم النَّحر لأهلِ النَّفْر الثّاني، قال الشافعيّ: لعلَّ عليّاً لم يَبلُغه النَّسخُ،
وقال غيره: يحتمل أن يكون الوقتُ الذي قال عليٍّ فيه ذلك كان بالناس حاجة كما وَقَعَ في
عهد النبيّ نَّهِ، وبذلك جَزَمَ ابن حَزْم فقال: إنَّا خَطَبَ عليّ بالمدينة في الوقت الذي كان
عثمان حُوصِرَ فيه، وكان أهل البوادي قد ألجأَتهم الفتنةُ إلى المدينة فأصابهم الجَهْد، فلذلك
قال عليٌّ ما قال.
قلت: أمَّا كَون عليّ خَطَبَ به وعثمان محصورٌ، فأخرجه الطَّحَاويُّ (١٨٤/٤) من
طريق اللَّيث عن عُقَيل عن الزّهْريِّ في هذا الحديث، ولفظه: صَلَّيت مع عليّ العيدَ وعثمان
محصور. وأمَّا الحَمْل المذكور فلِمَا أخرج أحمد (١٢٣٦) والطَّحَاويّ أيضاً (١٨٥/٤) من
طريق مُارِق بن سُلَيم عن عليّ رَفَعَه: «إنّي كنت نَهَتُكم عن لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث،
فاذَّخِروا ما بَدَا لكم))، ثمَّ جَمَعَ الطَّحَاويُّ بنحوِ ما تقدَّمَ. وكذلك يُجاب عمَّ أخرج أحمد
(٢٦٤١٥) من طريق أم سليمان قالت: دَخَلتُ على عائشة فسألتُها عن لحوم الأضاحيّ،
فقالت: كان النبيّ ◌َّهِ فَهَى عنها ثمَّ رَخَّصَ فيها، فقَدِمَ عليٍّ من السَّفَر فأتته فاطمة بلحمٍ
-
(١) تقدم برقم (١٧١٩).