Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
باب ٢٧ / ح ٥٥١٩
كتاب الذبائح والصيد
شَيْبة (٣٣٤/٨-٣٣٥) بسندٍ حسن عن جابر: نَهَى رسول الله وَّ عن الجَّالة أن يُؤكَل
لحمها، أو يُشرَب لبنها، ولأبي داود (٣٨١١) والنَّسائيِّ (٧٤٤٧) من حديث عبد الله بن
عَمْرو بن العاص: نَهَى رسول الله وَّه يوم خَيْبر عن لحوم الحُمُر الأهليَّة، وعن الجَلّالة عن
ر کوبها وأكل لحمها، وسنده حسن.
وقد أطلقَ الشافعيَّة كراهةَ أكل الجَّالة إذا تَغيَّرَ لحمُّها بأكل النَّجاسة، وفي وجهٍ: إذا
أکثرت من ذلك، ورجّحَ أکثرهم أنها کراهةٌ تنزيه، وهو قضيَّ صنیع أبي موسى، ومن
حُجَّتهم أنَّ العَلَف الطاهر إذا صارَ في كَرِشها تَنَجَّسَ، فلا تَتَغَذَّى إلّا بالنَّجاسة، ومع ذلك
فلا يُحكَم على اللَّحم واللَّبَن بالنَّجاسة، فكذلك هذا. وتُعقِّبَ بأنَّ العَلَف الطاهر إذا
تَنَجَّسَ بالمجاورة جازَ إطعامُه للدّابّة، لأنَّها إذا أكَلَته لا تَتَغَذَّى بالنَّجاسة وإِنَّما تَتَغَّذَّى
بالعَلَف، بخِلَاف الجَلّالة.
وذهب جماعة من الشافعيَّة - وهو قول الحنابلة - إلى أنَّ النَّهي للتَّحريم، وبه جَزَمَ ابن
دَقِيق العيد عن الفقهاء، وهو الذي صَخَّحَه أبو إسحاق المروَزيُّ والقَفّال وإمام الحرمَينِ
والبَغَويّ والغَزاليّ، وألحقوا بلبنِها ولحمِها بيضَها، وفي معنى الجَّالة ما يَتَغَذَّى بالنَّجِسِ
كالشّاة تَرضَعُ من كلبة، والمعتبر في جواز أكل الجَّالة زوالُ رائحة النَّجاسة بعد أن تُعلَف
بالشيءٍ الطاهر على الصَّحيح، وجاء عن السَّلَف فيه توقيت، فعند ابن أبي شَيْبة (٣٣٥/٨)
عن ابن عمر: أنَّه كان يَحِس الدَّجاجة الجَّالة ثلاثاً، كما تقدَّم، وأخرج البيهقيُّ (٣٣٣/٩)
بسندٍ فيه نظرٌ عن عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً: ((أنَّها لا تُؤكَل حتَّى تُعلَف أربعين يوماً)).
٢٧ - باب لحوم الخيل
٥٥١٩- حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا هشامٌ، عن فاطمةَ، عن أسماءً قالت:
نَحَرْنا فرساً علی عَهْدِ رسولِ الله آلآ فأكَلْناه.
قوله: ((باب لحوم الخيل)) قال ابن المنيِر: لم يَذكُر الحكمَ لتَعارُض الأدلَّة، كذا قيل، ودليل ٦٤٩/٩
الجواز ظاهرُ القوَّة كما سيأتي.

١٠٢
باب ٢٧ / ح ٥٥١٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينَةَ، وهشام: هو ابن عُرْوة، وفاطمة: هي بنت المنذر بن الزُّبَير،
وهي ابنة عَمّ هشام المذكور وزوجتُه، وقد تقدَّم ذلك صريحاً في ((باب النَّحر والذَّبح)) (٥٥١٠).
وقد اختُلِفَ في سنده على هشام، فقال أيوب من رواية عبد الوهّاب الثَّقفيّ عنه: عن أبيه
عن أسماء، وكذا قال ابن ثَوْبان من رواية عُتبة بن حمَّد عنه: عن هشام بن عُرْوة، وقال
المغيرة بن مسلم: عن هشام عن أبيه عن الزُّبَير بن العَوّام، أخرجه البزَّار (٩٨٥)، وذكر
الدّارَ قُطنيُّ(١) الاختلاف ثمَّ رَجَّحَ رواية ابن عُبَينَةَ ومَن وافَقَه.
قوله: (نَحَرْنا فرساً على عَهْد رسول الله وَّهِ فأكَلْناه)) زاد عَبْدة بن سليمان عن هشام:
ونحنُ بالمدينة، وقد تقدَّم ذلك قبل بابَينِ (٥٥١١)، وفي رواية للدّارَ قُطنيِّ(٢): فأكَلْناه نحنُ
وأهل بيت النبيِّ وشلّ.
وتقدَّم (٥٥١٠) الاختلاف في قولها: (نَحَرْنا)) و(ذَبَحْنا)) واختَلَفَ الشّارحونَ في
توجيهه، فقيل: يُحمَل النَّحر على الذَّبح مجازاً، وقيل: وَقَعَ ذلك مرَّتَين، وإليه جَنَحَ النَّوويّ،
وفيه نظرٌ، لأنَّ الأصل عَدَمُ التعدُّد والمَخرَجُ مُتَّحِد، والاختلاف فيه على هشام، فبعض
الزُّواة قال عنه: نَحَرنا، وبعضهم قال: ذَبَحنا، والمستَفاد من ذلك جواز الأمرَينِ عندهم
وقيام أحدهما في التَّذكية مقام الآخر، وإلّا لمَا ساغَ لهم الإتيانُ بهذا موضعَ هذا، وأمَّا الذي
وَقَعَ بعينِهِ فلا يَتَحرَّر لوقوع التَّساوي بين الزُّواة المختلفينَ في ذلك.
ويُستَفاد من قولها: ((ونحنُ بالمدينة)) أنَّ ذلك بعد فرض الجهاد، فيَرُدّ على مَن استَنَّدَ إلى
منع أكلها بعِّة أنَّها من آلات الجهاد، ومن قولها: (نحنُ وأهل بيت النبيّ ◌َّ)) الردُّ على مَن
زَعَمَ أنَّه ليس فيه أنَّ النبيَّ وَِّ الطَّلَعَ على ذلك، مع أنَّ ذلك لو لم يَرِدْ لم يُظنَّ بآلٍ أبي بكر
أنَّهم يُقدِمونَ على فِعل شيء في زمن النبيّ وَّهَ إلّا وعندهم العلم بجوازِه، لِشِدّة اختلاطهم
بالنبيِّ نَّهِ وعَدَم مُفارَقتهم له، هذا مع تَوفَّر داعيةِ الصحابة إلى سؤاله عن الأحكام، ومن
ثَمَّ كان الرَّاجح أنَّ الصحابيّ إذا قال: ((كنَّا نفعل كذا على عهد النبيّ ◌َّێ)) كان له حكمُ
(١) في كتابه ((العلل)) (٤٠٤٦).
(٢) في ((سننه)) (٤٧٨٦).

١٠٣
باب ٢٧ / ح ٥٥٢٠
كتاب الذبائح والصيد
الرَّفع، لأنَّ الظّاهر الطَّلاعُ النبيّ ◌َِّ على ذلك وتقريرُه، وإذا كان ذلك في مُطلَق الصحابيّ
فکیف بآلِ أبي بكر الصِّدّیق.
الحديث الثاني:
٥٥٢٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن عَمْرِوٍ، عن محمَّدِ بنِ عليٍّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله
رضي الله عنهم، قال: نَهَى النبيُّ ◌ََّ يومَ خَيْرَ عن لحومِ الحُمُّرِ، وَرَخَّصَ في لحومِ الخيلِ.
قوله: ((حَمّاد)) هو ابن زيد، وعَمْرو: هو ابن دينار، و ((محمَّد بن عليّ) أي: ابن الحسين بن
عليّ، وهو الباقرُ أبو جعفر، كذا أدخَلَ حَمَّدُ بن زيد بين عَمْرو بن دينار وبين جابر في هذا
الحديث محمَّدَ بن عليّ، ولمَّا أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٦٠٧) قال: لا أعلم أحداً وافَقَ حَمَّداً على
ذلك، وأخرجه (٤٣٢٩) من طريق حُسَين بن واقد، وأخرجه هو (٤٣٢٨) والتِّرمِذيّ
(١٧٩٣) من روایة سفيان بن عُيَینةَ، كلاهما عن عَمْرو بن دینار عن جابر، ليس فيه محمَّد
ابن عليّ، ومالَ التِّمِذيُّ أيضاً إلى ترجيح رواية ابن عُيَينةَ، وقال: سمعت محمَّداً يقول: ابن
عُيَينةَ أحفظُ من حمّاد.
قلت: لكن اقتَصَرَ البخاريّ (٤٢١٩ ٥٥٢٤) ومسلم (٣٦/١٩٤١) على تخريج طريق
حمّاد بن زيد، وقد وافَقَه ابنُ جُرَيج عن عَمْرو على إدخال الواسطة بين عَمْرو وجابر لكنَّه
لم يُسمِّه، أخرجه أبو داود (٣٨٠٨) من طريق ابن جُرَيج، وله طريق أُخرى عن جابر
أخرجها مسلم (٣٦/١٩٤١) من طريق ابن جُرَيج، وأبو داود (٣٧٨٨) من طريق حَمَّد،
والنَّسائيُّ (٤٣٢٩) من طريق حُسَين بن واقد، كلّهم عن أبي الزُّبَير عنه، وأخرجه النَّسائيُّ
(٤٣٣٠ و ٤٣٣٣) صحيحاً عن عطاء عن جابر أيضاً.
وأغرَبَ البيهقيُّ فجَزَمَ بأنَّ عَمْرو بن دينار لم يسمعه من جابر، واستَغرَبَ بعضُ
الفقهاء دَعوَى التِّرمِذيّ أنَّ رواية ابن عُيَينةَ أصحُ مع إشارة البيهقيِّ إلى أنَّهَا مُنقَطِعة، وهو
ذُهول، فإنَّ كلام التِّرمِذيّ محمول على أنَّه صَحَّ عنده اتِّصاله، ولا يَلزَم من دعوى البيهقيِّ
انقطاعَهَ كَونُ التِّرمِذيّ يقول بذلك، والحقّ أنَّه إن وُجِدَت رواية فيها تصريح عَمْرو بالسَّماع

١٠٤
باب ٢٧ / ح ٥٥٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
من جابر، فتكون رواية حمّاد من المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد، وإلّا فرواية حمّاد بن زيد هي
٦٥٠/٩ المتَّصِلة، وعلى تقدير وجود التَّعارُض من / كلّ جهة، فللحديثِ طرق أُخرى عن جابر غيرُ
هذه، فهو صحیح علی کلّ حال.
قوله: ((يوم خَيْبر عن لحوم الحُمُر)) زاد مسلمٌ في روايته: الأهليّة.
قوله: ((وَرَشَّصَ في لحوم الخيل)) في رواية مسلم: ((وأذِنَ)) بدلَ: رَخَّصَ، وله في رواية ابنِ
جُرَيج: أكَلْنا زمن خَيْبر الخيل وحُمُر الوحش، ونَهانا النبيُّ وَّر عن الحمار الأهليّ، وفي حديث
ابنِ عبَّاس عند الدّارَ قُطنيِّ (٤٧٨٢): أُمَرَ.
قال الطَّحاويُّ: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكلِ الخيل وخالَفَه صاحباه وغيرهما،
واحتَجُّوا بالأخبار المتواترة في حِلّها، ولو كان ذلك مأخوذاً من طريق النَّظَر لَما كان بين
الخيل والحُمُر الأهليَّة فرق، ولكنَّ الآثار إذا صَحَّت عن رسول الله وَ يهِ أَولى أن يقال بها مَّاً
يُوجِبه النَّظَر، ولا سيّما وقد أخبر جابر أنَّه ◌َّ هِ أباحَ لهم لحوم الخيل في الوقت الذي مَنَعَهم
فيه من لحوم الحُمُر، فدَلَّ ذلك على اختلاف حُكمِهما.
قلت: وقد نَقَلَ الحِلَّ بعضُ التابِعِينَ عن الصحابة من غير استثناء أحدٍ، فأخرج ابن
أبي شَيْبة(١) بإسنادٍ صحيح على شرط الشَّيخَينِ عن عطاء قال: لم يزل سَلَفُك يأكلونَه،
قال ابن جُرَيج: قلت له: أصحاب رسول الله وَ ﴿؟ فقال: نعم. وأمَّا ما نُقِلَ في ذلك عن
ابنِ عبَّاس من كراهتها فأخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٥٩/٨) وعبد الرَّزّاق بسندَينِ
ضعيفَين، ويدلّ على ضعف ذلك عنه ما سيأتي في الباب الذي بعده صحيحاً عنه أنَّه
استَدَلَّ لإباحة الحُمُر الأهليّة بقوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا﴾ [الأنعام: ١٤٥]
فإنَّ هذا إن صَلَحَ متمسَّكاً لحِلِّ الْحُمُر، صَلَحَ للخيل ولا فرقَ، وسيأتي فيه أيضاً أنَّه
تَوقَّفَ في سبب المنع من أكلِ الحُمُر هل كان تحريماً مُؤَبَّداً أو بسببٍ كَوْنها كانت حَمُولة
الناس؟ وهذا يأتي مِثلُه في الخيل أيضاً، فيَبَعُد أن يَتْبُت عنه القولُ بتحريم الخيل والقولُ
لم نقف عليه في ((مصنفه))، وأورده ابن حزم في «المحلّ)، ٤٠٩/٧ من طريق يحيى القطّان عن ابن جريج.

١٠٥
باب ٢٧ / ح ٥٥٢٠
كتاب الذبائح والصيد
بالتَّوقُّفِ في الحُمُر الأهليّة، بل أخرج الدّارَقُطْنيُّ (٤٧٨٢) بسندٍ قويّ عن ابنِ عبَّاس
مرفوعاً مثل حديث جابر ولفظه: نَهَى رسول الله وٍَّ عن لحوم الحُمُر الأهليّة وأمَرَ بلحومِ
الخيل.
وصَحَّ القولُ بالكراهة عن الحَكَم بن عُتَيبة ومالك وبعض الحنفيّة، وعن بعض المالكيَّة
والحنفيَّة التَّحريم، وقال الفاكهيّ: المشهور عند المالكيَّة الكراهةُ، والصَّحيح عند المحَفِّقينَ
منهم التّحریم.
وقال أبو حنيفة في ((الجامع الصَّغير)): أكره لحمَ الخيل، فحَمَلَه أبو بكر الرَّازيّ على
التَّنزيه وقال: لم يُطلِقِ أبو حنيفة فيه التَّحريم وليس هو عنده كالحمار الأهليّ، وصَحَّحَ عنه
أصحابُ (المحيط) و((الهداية)) و((الذَّخيرة)) التَّحريمَ، وهو قول أكثرهم، وعن بعضهم: يأثَم
آكِلُه ولا يُسَمَّى حَراماً.
وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك المنعَ، وأنَّه احتَجَّ بالآية الآتي ذكرُها، وأخرج
محمَّد بن الحسن في ((الآثار)) عن أبي حنيفة بسندٍ له عن ابنِ عبَّاس نحوَ ذلك.
وقال القُرطُبيّ في ((شرح مسلم)): مذهب مالك الكراهة، واستَدَلَّ له ابن بَطّال بالآية.
وقال ابن المنيِّر: الشَّبَه الخلقيّ بينها وبين البِغال والحمير ممَّا يُؤَكِّد القول بالمنع، فمن ذلك
هيئتها وزُهومة لحمها وغِلَظُه، وصِفَة أروائها، وأنَّها لا تَجِتَرّ، قال: وإذا تأكَّدَ الشَّبَه الخلقيّ
التَحَقَ بنفي الفارق وبَعُدَ الشَّبَه بالأنعام المتَّفَق على أكلها. انتهى، وقد تقدَّم من كلام
الطَّحاويّ ما يُؤخَذ منه الجواب عن هذا.
وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: الدَّليل في الجواز مُطلَقاً واضح، لكن سبب كراهة
مالك لأكلِها لِكَونها تُستَعمَل غالباً في الجهاد، فلو انتَفَتِ الكراهة لكَثُرَ استعماله، ولو كَثُرَ
لَأدَّى إلى قلَّتها فيُفضي إلى فَنَائها، فيَؤُول إلى النَّقص من إرهاب العدوّ الذي وَقَعَ الأمرُ به
في قوله تعالى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
قلت: فعلى هذا فالكراهة لسببٍ خارج وليس البحثُ فيه، فإنَّ الحيوان المتَّفَق على إباحته

١٠٦
باب ٢٧ / ح ٥٥٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
لو حَدَثَ أمر يقتضي أن لو ذُبحَ لَأفضَى إلى ارتكاب محذور لامتَنَعَ، ولا يَلزَمُ من ذلك
القولُ بتحريمِه، وكذا قوله: إنَّ وقوع أكلها في الزَّمَن النبويّ كان نادِراً، فإذا قيل بالكراهة
قَلَّ استعمالُه فيوافق ما وَقَعَ قبلُ. انتهى، وهذا لا يَنهَض دليلاً للكراهة، بل غايته أن يكونَ
٦٥١/٩ خِلاف الأَولى، ولا يَلزَم من كَوْن أصل الحيوان/ حَلَّ أكلُه فناؤه بالأكلِ.
وأمَّا قول بعض المانعينَ: لو كانت حلالاً لَجَازَتِ الأُضحيَّة بها، فمُنتَقَض بحيوان
البَرّ، فإنَّه مأكول ولم تُشرَعِ الأُضحيّة به، ولعلَّ السَّبَب في كون الخيل لا تُشرَع الأُضحيَّة
بها استبقاؤها، لأنَّه لو شُرِعَ فيها جميعُ ما جازَ في غيرها، لَفاتَتِ المنفَعَةُ بها في أهمّ الأشياء
منها وهو الجهاد.
وذكر الطَّحاويّ وأبو بكر الرَّازيّ وأبو محمَّد بن حَزْمُ(١) من طريق عِكْرمة بن عمَّار عن
يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة عن جابر قال: نَهَى رسول الله وَّهِ عن لحوم الحُمُر والخيل
والبِغال، قال الطَّحاويّ: وأهل الحديث يُضعِّفونَ عِكْرمة بن عمَّر. قلت: لا سيّما في يحيى
ابن أبي كثير، فإنَّ ◌ِكْرمة وإن كان مُتَلَفاً في توثيقه، فقد أخرج له مسلم، لكن إنَّما أخرج له
من غير روايته عن يحيى بن أبي كثير، وقد قال يحيى بن سعيد القَطّانُ: أحاديثه عن يحيى بن
أبي كثير ضعيفة، وقال البخاريّ: حديثه عن يحيى مُضطَرِب، وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس
إلّا في يحيى، وقال أحمد: حديثه عن غير إياس بن سَلَمة مُضطَرِب، وهذا أشدُّ ممَّا قبله،
ودَخَلَ في عُمومه يحيى بن أبي كثير أيضاً، وعلى تقدير صِحّة هذه الطَّريق فقد اختُلِفَ على
عِكْرمة فيها، فإنَّ الحديث عند أحمد (١٤٤٦٣) والتِّرمِذيّ (١٤٧٨) من طريقه ليس فيه
للخيلِ ذِكْر، وعلى تقدير أن يكون الذي زادَه حَفِظَه، فالرِّوايات المتنوّعة عن جابر المفصِّلة
بين لحوم الخيل والحُمُر في الحُكم، أظهَرُ اتِّصالاً وأتقَن رجالاً وأكثر عَدَداً، وأعَلَّ بعض
الحنفيَّة حديث جابر بما نَقَلَه عن ابنِ إسحاق أنَّه لم يَشهَدْ خَيْبر، وليس بعِلّةٍ، لأنَّ غايته أن
يكونُ مُرسَل صحابيّ.
(١) الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٣٠٦٤)، وأبو بكر الرازي - وهو الجصّاص - في ((أحكام القرآن))
١٨٣/٣، وابن حزم في «المحلى)) ٧/ ٤٠٨.

١٠٧
باب ٢٧ / ح ٥٥٢٠
كتاب الذبائح والصيد
ومن حُجَج مَن مَنَعَ أكلَ الخيل حديثُ خالد بن الوليد المخرَّج في ((السُّنَن))(١): أنَّ النبيَّ وَمَّ
نَهَى يوم خَيْبر عن لحوم الخيل، وتُعقِّبَ بأَنَّه شاذٌّ مُنكَر، لأنَّ في سياقه أنَّه شَهِدَ خَيْبر، وهو
خطأ فإنَّه لم يُسلِمْ إلّا بعدها على الصَّحيح، والذي جَزَمَ به الأكثر أنَّ إسلامه كان سنة
الفَتْحِ، والعُمدة في ذلك على ما قال مُصعَب الزُّبَيريّ وهو أعلم الناس بقُرَيشٍ، قال: كَتَبَ
الوليد بن الوليد إلى خالد حين فرَّ من مَكّة في عُمْرة القضيَّة حتَّى لا يرى النبيَّ ◌َّهِ بِمَّة،
فذكر القصّة في سبب إسلام خالد، وكانت عمرة القضيّة بعد خَيْبر جَزماً، وأُعِلَّ أيضاً بأنَّ
في السَّنَد راوياً مجهولاً، لكن قد أخرج الطَّبَرُّ من طريق يحيى بن أبي كثير عن رجل من
أهل حِصَ قال: كنَّا مع خالد، فذكر أنَّ رسول الله وَّهِ حَرَّمَ لحوم الحُمُر الأهليَّة وخيلها
ويِغالها، وأُعِلَّ بتدليسٍ يحيى وإبهام الرجل.
وادَّعَى أبو داود أنَّ حديث خالد بن الوليد منسوخ ولم يُبيِّ ناسخَه، وكذا قال
النَّسائيُّ: الأحاديث في الإباحة أصحّ، وهذا إن صَحَّ كان منسوخاً، وكأنَّه لمَّا تَعارَضَ
عنده الخبرانِ ورأى في حديث خالد: ((نَهَى)) وفي حديث جابر: ((أذِنَ))، حَمَلَ الإذنَ على
نَسْخ التَّحريم، وفيه نظرٌ، لأنَّه لا يَلِزَم من كَوْن النَّهي سابقاً على الإذن أن يكون إسلام
خالد سابقاً على فتح خَيْبر، والأكثر على خِلَافه والنَّسُ لا يَئُبُت بالاحتمال، وقد قَرَّرَ
الحازِميّ النَّسخَ بعد أن ذكر حديث خالد، وقال: هو شاميّ المخرج، جاء من غير وجه بما
ورَدَ في حديث جابر من ((رَخَّصَ)) و((أذِنَ))، لأنَّه من ذلك يظهر أنَّ المنع كان سابقاً والإذن
مُتأخِّراً فيَتَعيَّن المصيرُ إليه، قال: ولو لم تَرِدْ هذه اللَّفظة لكانت دعوى النَّسخ مردودة لعَدَمِ
معرفة التاريخ، انتھی.
وليس في لفظ ((رَخَّصَ)) و((أذِنَ)) ما يَتَعيَّن معه المصيرُ إلى النَّسخ، بل الذي يظهرُ أنَّ
الحُكم في الخيل والبغال والحمير كان على البراءة الأصليّة، فلمَّا نهاهم الشّارعُ يوم خَيْبر
عن الحُمُر والبغال خُشِيَ أن يَظُنّوا أنَّ الخيل كذلك لِشَبَهِها بها، فأذِنَ في أكلها دونَ الحمير
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٩٠)، وابن ماجه (٣١٩٨)، والنسائي (٤٣٣٢)، وإسناده ضعيف ومتنه منكر كما
قال الحافظ.

١٠٨
باب ٢٧ / ح ٥٥٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
والبِغال، والرَّاجح أنَّ الأشياء قبل بيان حُكْمها في الشَّرع لا تُوصَف لا بحِلُّ ولا حُرْمة،
فلا يَتْبُت النَّسخ في هذا.
ونَقَلَ الحازِمِيّ أيضاً تقريرَ النَّسخ بطريقٍ أُخرى فقال: إنَّ النَّهي عن أكلِ الخيل والحمير
كان عاماً من أجل أخذهم لها قبل القِسْمة والتَّخميس، ولذلك أمَرَ بإكفاءِ القُدور، ثمَّ بيَّن
٦٥٢/٩ بندائه بأنَّ لحوم الحُمُر رِجْس أنَّ تحريمها لِذاتها،/ وأنَّ الَّهي عن الخيل إنَّما كان بسببٍ تَرْك
القِسمة خاصّة. ويُعكِّر عليه أنَّ الأمر بإكفاءِ القُدور إنَّما كان بطَبخِهم فيها الحُمُرَ كما هو
مُصرَّح به في ((الصَّحيح)) (١) لا الخيل، فلا يَتِمّ مُرادُه.
والحقّ أنَّ حديث خالد ولو سُلِّمَ أنَّه ثابت، لا يَنْهَضُ مُعارِضاً لحديثٍ جابر الدّالِّ على
الجواز، وقد وافَقَه حديثُ أسماء، وقد ضَعَّفَ حديث خالدٍ أحمدُ والبخاريّ وموسى بن
هارون والدّارَقُطنيّ والخطَّبِيّ وابن عبد البَرِّ وعبد الحقّ وآخرونَ، وَمَعَ بعضهم بين حديث
جابر وخالد بأنَّ حديث جابر دالٌّ على الجواز في الجملة، وحديث خالد دالّ على المنع في حالةٍ
دونَ حالة، لأنَّ الخيل في خَيْبر كانت عزيزة وكانوا محتاجينَ إليها للجهاد، فلا يعارض النَّهي
المذكور، ولا يَلزَم وصف أكلِ الخيل بالكراهة المطلقة فضلاً عن التَّحريم.
وقد وَقَعَ عند الدّارَ قُطنيّ (٤٧٨٤) في حديث أسماء: كانت لنا فرس على عهد
رسول الله ﴿ ﴿، فأرادت أن تموت فذَبَحناها فأكَلناها، وأجابَ عن حديث أسماء بأنّها
واقعةُ عينٍ، فلعلَّ تلك الفرس كانت كَبِرَت بحيثُ صارت لا يُنْتَفَع بها في الجهاد، فيكونُ
النَّهي عن الخيل لمعنّى خارجٍ لا لِذاتها، وهو جمعٌ جيّد.
وزَعَمَ بعضهم أنَّ حديث جابر في الباب دالٌّ على التَّحريم لقولِه: (رَخَّصَ)) لأنَّ
الرُّخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدَلَّ على أنَّه رَخَّصَ لهم فيها بسببِ المَخمَصة
التي أصابتهم بخَيْبر، فلا يدلّ ذلك على الحِلّ المطلَق. وأُجيبَ بأنَّ أكثر الرِّوايات جاء بلفظ
الإذن، وبعضها بالأمرِ، فدَلَّ على أنَّ المراد بقولِه: ((رَخَّصَ)): أَذِنَ، لا خُصوص الرُّخصة
(١) انظر ما سلف برقم (٢٤٧٧) و(٤٢٢٠) و(٤٢٢١).

١٠٩
باب ٢٧ / ح ٥٥٢٠
كتاب الذبائح والصيد
باصطِلاح مَن تأخّرَ عن عهد الصحابة. ونُوقِضَ أيضاً بأنَّ الإذن في أكل الخيل لو كان
رُخصةً لأجلِ المَخمَصة، لكانت الحُمُر الأهليَّةِ أَولى بذلك لِكَثْرَتِها وعِزّة الخيل حينئذٍ،
ولأنَّ الخيل يُنْتَفَع بها فيما يُنْتَفَع بالحمير من الحَمْل وغيره، والحمير لا يُنْتَفَع بها فيما يُنتَفَع
بالخيلِ من القتال عليها، والواقع - كما سيأتي صريحاً في الباب الذي يليه - أنَّه ◌َلّهِ أَمَرَ
بإراقة القُدور التي طُبِخَت فيها الحُمُر مع ما كان بهم من الحاجة، فدَلَّ ذلك على أنَّ الإذن
في أكل الخيل إنَّما كان للإباحة العامّة، لا لخُصوصِ الضَّرورة.
وأمَّا ما نُقِلَ عن ابنِ عبَّاس ومالك وغيرهما من الاحتجاج للمَنْع بقولِه تعالى:
وَالْخَيَّلَ وَالِْغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨] فقد تَمسَّكَ بها أكثرُ القائلينَ
بالتَّحریم، وقَرَّروا ذلك بأوجُهٍ:
أحدها: أنَّ اللّم للتَّعليلِ، فدَلَّ على أنَّها لم تُخُلَق لغير ذلك، لأنَّ العِلّة المنصوصة تفيد
الحَصْر، فإباحة أكلها تقتضي خِلَافَ ظاهر الآية.
ثانيها: عَطْف البِغال والحمير فدَلَّ على اشتراكها معها في حُكْم التَّحريم، فيحتاج مَن
أفردَ حُکمَها عن حکم ما عُطِفَت علیه إلی دلیل.
ثالثها: أنَّ الآية سِيقَت مَساقَ الامتنان، فلو كانت يُنتَفَع بها في الأكل لكان الامتنان به
أعظَمَ، لأنَّه يَتَعلَّق به بقاءُ البِنْية بغير واسطة، والحكيم لا يَمتَنّ بأدنَى النِّعَم ويَتْرُك أعلاها،
ولا سيَّما وقد وَقَعَ الامتنانُ بالأكلِ في المذكورات قبلها.
رابعها: لو أُبيحَ أكلُها لَفاتَتِ المنفَعةُ بها فيما وَقَعَ به الامتنان من الرُّكوب والزّينة.
هذا مُلخَّص ما تَسَّكوا به من هذه الآية، والجواب على سبيل الإجمال أنَّ آية النَّحل
مكّيَّة اتِّفاقاً، والإذن في أكلِ الخيل كان بعد الهجرة من مكّة بأكثرَ من ستّ سنين، فلو فَهِمَ
النبيُّ ◌َّه من الآية المنعَ لمَا أذِنَ في الأكل. وأيضاً فآيَة النَّحل ليست نَصّاً في مَنْع الأكل،
والحديث صريح في جوازه. وأيضاً على سبيل التنزّل فإنَّما يدلّ ما ذُكِرَ على ترك الأكل،
والتَّرك أعَمُّ من أن يكون للتَّحريمِ أو للتَّزيه أو خِلَاف الأَولى، وإذا لم يَتَعيَّن واحد منها

١١٠
باب ٢٨ / ح ٥٥٢١ - ٥٥٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
بَقِيَ التَّمَسُّك بالأدلّة المصرِّحة بالجواز وعلى سبيل التَّفصيل:
أمَّا أوّلاً: فلو سَلَّمنا أنَّ اللّام للتَّعليلِ، لم نُسلِّم إفادة الحَصْر في الرُّكوب والزينة، فإنَّه
يُنْتَفَع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتِّفاقاً، وإنَّما ذُكِرَ الرُّكوب والزينة لِكَونِما أغلَبَ ما
تُطلَب له الخيل، ونَظِيره حديث البقرة المذكور في ((الصحيحين))(١) حين خاطَبَت راكبَها
فقالت: ((إنّا لم نُخلَق لهذا إنَّما خُلِقنا للحَرْثِ))، فإنَّه مع كَونِهِ أصرحَ في الحصر لم يُقْصَد به
٦٥٣/٩ إلّا (٢) الأغلَبَ، وإلّا/ فهي تُؤْكَل ويُنتَفَع بها في أشياء غير الحرث اتّفاقاً، وأيضاً فلو سَلِمَ
الاستدلالُ لَلَزِمَ مَنعُ حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير، ولا قائل به.
وأمّا ثانياً: فدلالة العطف إنَّما هي دلالة اقتران، وهي ضعيفة.
وأمَّا ثالثاً: فالامتنان إِنَّمَا قُصِدَ به غالباً ما كان يقع به انتفاعُهم بالخيلِ فخُوطِبوا بما أَلِفِوا
وعَرَفوا، ولم يكونوا يَعرِفونَ أكل الخيل لعِزَّتِها في بلادِهم بخِلَاف الأنعام، فإنَّ أكثر انتفاعهم
بها كان ◌َحَمْل الأثقال وللأكل، فاقتُّصِرَ في كلٍّ من الصِّنفَينِ على الامتنان بأغلب ما يُنتَفَع به،
فلو لَزِمَ من ذلك الحصرُ في هذا الشِّقّ، لَلَزِمَ مِثلُه في الشِّق الآخر.
وأمَّا رابعاً: فلو لَزِمَ من الإذن في أكلها أن تَفْنَى، لَلَزِمَ مِثْلُه في البقر وغيرها ممَّا أُبِيحَ أكلُه
ووَفَعَ الامتنان بمَنفَعةٍ له أُخرى، والله أعلم.
٢٨ - باب لحوم الحُمُر الإنسيَّة
فيه عن سَلَمَةَ، عن النبيِّ وَلَد.
٥٥٢١- حدَّثنا صَدَقَةُ، أخبرنا عَبْدةُ، عن عُبيدِ الله، عن سالمٍ ونافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما: نَهَى النبيُّ ◌َّهِ عن لحومِ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ يومَ خَيْرَ.
٥٥٢٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله، قال: نَهَى
النبيُّ ◌ِنَّه عن لحومِ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ.
(١) سلف برقم (٢٣٢٤)، وأخرجه مسلم (٢٣٨٨).
(٢) لفظ ((إلا)) سقط من (س).

١١١
باب ٢٨ / ح ٥٥٢٣ -۵۵٢٩
كتاب الذبائح والصيد
تابَعَه ابنُ المبارَكِ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ.
وقال أبو أُسامةَ: عن عُبيدِ الله، عن سالمٍ.
٥٥٢٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الله والحسنِ
ابنَي محمَّدِ بنِ عليٍّ، عن أبيهما، عن عليٍّ رضي الله عنهم، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ◌ِّ عن المُتْعِةِ
عامَ خَيْرَ، وعن لحومٍ حُمُرِ الإنْسِيَّةِ.
٥٥٢٤- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَادٌ، عن عَمٍو، عن محمَّدِ بنِ عليٌّ، عن جابرٍ
ابنِ عبدِ الله، قال: نَهَى النبيُّ ◌َّهِ يومَ خَيْبَرَ عن لحومِ الحُمُّرِ، وَرَخَّصَ في لحومِ الخيلِ.
٥٥٢٥، ٥٥٢٦- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني عَدِيٌّ، عن البراءِ
وابنٍ أَبي أَوْلَى رضي الله عنهم، قالا: نَى النبيُّ ◌ََّ عن لحومِ الحُمُرِ.
٥٥٢٧- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أَبي، عن صالحٍ، عن ابنِ
شِهابٍ، أنَّ أبا إدريسَ أخبَرَه، أنَّ أبا ثَعْلبةَ قال: حَرَّمَ رسولُ الله ◌َّةٍ لحومَ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ.
تابَعَه الزُّبَيدِيُّ وُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ.
وقال مالكٌ ومَعمَرٌ والماحِشُونُ ويونسُ وابنُ إسحاقَ، عن الزُّهْرِيِّ: نَهَى النبيُّ ◌َّر عن
كلِّ ذي نابٍ من السِّباع.
٥٥٢٨- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سَلَام، أخبرنا عبدُ الوهَّاب الثَّقَفيُّ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن
أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ رسولَ الله وَهِ جاءَه جاءٍ، فقال: أُكِلَت الحُمُرُ، ثمَّ جاءه جاءٍ، فقال:
أُكِلَتُ الحُمُرُ، ثمَّ جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَتِ الحُمُرُ، فأمَرَ مُنادِياً فنادَى في الناسِ: ((إنَّاللهَ ورسولَه
يَنْهَيانِكم عن لحومِ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ، فإنََّا رِجْسٌ))، فَأُكْفِئَت القُدورُ وإِنَّا لَتَفُورُ باللَّحْمِ.
٥٥٢٩- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سفيانُ، قال عَمْرُو: قلتُ لجابرِ بنِ زيدٍ: يَزْعُمونَ
أَنَّ رسولَ اللهِ ◌َّ نَهَى عن حُمُرِ الأهلِيَّةِ! فقال: قد كان يقول ذاكَ الحَكَمُ بنُ عَمرِو الغِفَاريُّ
عندَنا بالبَصْرةِ، ولكن أَبَّى ذلكَ البحرُ ابنُ عبَّاسٍ، وقرأَ ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا﴾
[الأنعام: ١٤٥].

١١٢
باب ٢٨ / ح ٥٥٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
٦٥٤/٩
قوله: ((باب لحوم الحُمُر الإنسيَّة)) القول في عَدَم جَزْمه بالحُكمِ في هذا كالقولِ في الذي
قبله، لكن الرَّاجح في الحُمُر المنعُ بخِلَاف الخيل.
والإنسيَّة، بكسر الهمزة وسكون النُّون: منسوبة إلى الإنس، ويقال فيه: أَنَسَّة بفتحَتَين،
وزَعَمَ ابن الأثير أنَّ في كلام أبي موسى المَدِينيّ ما يقتضي أنَّا بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون لقولِه:
الأُنسيَّة: هي التي تألَف البيوت، والأُنس ضِدُّ الوَحْشة؛ ولا حُجّة في ذلك لأنَّ أبا موسى
إِنَّما قاله بفتحَتَين، وقد صَرَّحَ الجَوْهريّ أنَّ الأَنَس بفتحَتَينِ ضِدّ الوحشة، ولم يقع في شيء
من روايات الحديث بضمٍّ ثمَّ سكون مع احتمال جوازه، نعم زَيَّفَ أبو موسى الرِّوايةَ
بكسر أوَّله ثمَّ السُّكون، فقال ابن الأثير: إن أراد من جهة الرِّواية فعَسَى، وإلّا فهو ثابت
في اللُّغة، ونِسبتها إلى الإنس(١)، وقد وَقَعَ في حديث أبي ثَعْلبة وغيره: ((الأهلِيَّة)) بَدَل:
الإنسيَّة، ويُؤخَذ من التَّقييد بها جوازُ أكل الحُمُر الوحشيّة، وقد تقدَّم صريحاً في حديث أبي
قَتَادة في الحجّ (٢٩١٤).
قوله: ((فيه سَلَمة)) هو ابن الأكوع، وقد تقدَّم حديثه موصولاً في المغازي مُطوَّلاً
(٤١٩٦).
ثمَّ ذكر في البابِ أحاديث:
الأول: حديث ابن عمر.
قوله: ((عَبْدة)) هو ابن سليمان، وعُبيدُ الله: هو العُمَريّ.
قوله: ((عن سالم ونافع)) كذا قال عبد الله بن نُمَير عن عُبيد الله عند مسلم (٢٤/١٩٣٦)،
ومحمَّد بن عُبيد عنه كما سَبَقَ في المغازي (٤٢١٨)، ثمَّ ساقَه المصنِّف من طريق يحيى
القطّان عن مُبید الله عن نافع وحده.
(١) الذي زيَّفه أبو موسى هو فتح الهمزة والنون ثم قال ابن الأثير: إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية
فيجوز، وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فإنه مصدر أَنِسْتُ به آنَسُ أنَساً وأنَسَة. ((النهاية في غريب
الحديث والأثر)) ١ / ٧٥.

١١٣
باب ٢٨ / ح ٥٥٢٩
كتاب الذبائح والصيد
وقوله: ((تابَعَه ابن المبارَكِ)) وَصَلَه المؤلِّف في المغازي (٤٢١٧).
قوله: ((وقال أبو أسامة: عن عُبيد الله، عن سالم)) وَصَلَه في المغازي (٤٢١٥) من طريقه،
وفَصَلَ في روايته بين أكل الثُّوم والحُمُر، فبيّن أنَّ النَّهي عن الثّوم من رواية نافع فقط، وأنَّ
النَّهي عن الحُمُر عن سالم فقط، وهو تفصيلٌ بالغ، لكن يحيى القَطّان حافظٌ فلعلَّ عُبيد الله
لم يُفَصِّله إلّا لأبي أُسامة، وكان يُحدِّث به عن سالم ونافع معاً مُدعَجاً، فاقتَصَرَ بعض الرُّواة
عنه على أَحد شيخَيهِ(١) تَمَسُّكاً بظاهرِ الإطلاق.
الثاني: حديث عليّ، ذكره مختصراً وتقدَّم مُطوَّلاً في كتاب النِّكاح (٥١١٥).
الثالث: حديث جابر، وقد سَبَقَ في الباب الذي قبله.
الرابع والخامس: حديث البراء وابن أبي أَوَى أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم عنهما أتمَّ سياقاً
من هذا في المغازي (٤٢٢٠-٤٢٢٢)، وأفرَدَه عن ابن أبي أوفَ هنا وفي فرض الخُمُس
(٣١٥٥) وفيه زيادة اختلافهم في السَّبَب.
السادس: حديث أبي ثَعْلبة.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه، ويعقوب بن إبراهيم، أي: ابن سَعْد(٢)،
وصالح: هو ابنُ کَیْسانَ.
قوله: ((حَرَّمَ رسول الله وٍَّ لحومَ الحُمُر الأهليّة) تابَعَه الزُّبَيديّ وعُقَيل عن الزُّهْريّ،
فرواية الزُّبَيديّ وَصَلَهَا النَّسائيُّ (٤٣٤٢) من طريق بقيَّة قال: حدَّثني الزُّبَيديّ - ولفظه ــ:
نَهَى عن أكل كلّ ذي نابٍ من السِّباع، وعن لحوم الحُمُر الأهليَّة، ورواية عُقَيل وَصَلَها
أحمد (١٧٧٥٠) بلفظ الباب، وزاد: ولحم کلّ ذي نابٍ من السِّباع، وسيأتي البحث فيه بعد
هذا، ووَقَعَ عند النَّسائيِّ (٤٣٤١) من وجه آخر عن أبي ثَعْلبة فيه قصَّة، ولفظه: غَزَونا مع
النبيّ نَّه خَيْبِرَ والناسُ جياع، فوجَدوا حُمُراً إنسيَّ فَذَبَحوا منها، فأمَرَ النبيُّ نَّهِ عبد الرَّحمن
(١) تحرَّفت العبارة في (س) إلى: على أخذ شیخه.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: سعید.

١١٤
باب ٢٨ / ح ٥٥٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عَوْف فنادَى: «ألَا إنَّ لحوم الحُمُر الإنسَّة لا تَحِلّ)».
قوله: ((وقال مالك ومَعمَر والماحِشُون ويونس وابن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ: نَهَى النبيُّ وَل
عن أكل كلّ ذي نابٍ من السِّباع)) يعني: لم يَتعرَّضوا فيه لِذِكْرِ الحُمُر، فأمَّا حديث مالك
٦٥٥/٩ فسيأتي / موصولاً في الباب الذي يليه، وأمَّا حديث مَعمَر ويونس فوَصَلَهما الحسنُ بن
سفيان من طريق عبد الله بن المبارك عنهما معاً، وأمَّا حديث الماحِشُون - وهو يوسف بن
يعقوب بن أبي سَلَمة - فَوَصَلَه مسلم (١٤/١٩٣٢) عن يحيى بن يحيى عنه، وأمَّا حديث
ابن إسحاق فوَصَلَه إسحاق بن راهويه عن عَبْدة بن سليمان ومحمَّد بن عُبيد كلاهما عنه.
الحديث السابع: حديث أنسٍ في النِّداء بالنَّهي عن لحوم الحُمُر.
وَقَعَ عند مسلم (١٩٤٠): أنَّ الذي نادَى بذلك هو أبو طلحة، وعَزَاه النَّوويّ لرواية
أبِي يَعْلى (٢٨٢٨) فنُسِبَ إلى التَّقصير، ووَقَعَ عند مسلم أيضاً(١): أنَّ بلالاً نادَى بذلك، وقد
تقدَّم قريباً عند النَّسائيِّ (٤٣٤١): أنَّ المنادي بذلك عبد الرَّحمن بن عَوْف، ولعلَّ
عبد الرَّحمن نادَى أوَّلاً بالنَّهي مُطلَقاً، ثمَّ نادَى أبو طلحة وبلال بزيادةٍ على ذلك، وهو
قوله: ((فإنَّهَا رِجْس، فأُكِفِئَتِ القُدور وإنَّهَا لَتَفور باللَّحمِ)). ووَقَعَ في ((الشَّرح الكبير))
للرّافعيِّ: أنَّ المنادي بذلك خالد بن الوليد، وهو غَلَطُ فإنَّه لم يَشهَد خَيْبر وإنَّما أسلَمَ بعد
فتحها.
قوله: ((جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحُمُر)) لم أعرف اسم هذا الرجل ولا اللَّذَينِ بعده، ويحتمل
أن يكونوا واحداً فإنَّه قال أوّلاً: ((أُكلت))، فإمّا لم يسمعه النبيُّ نَّهِ، وإمّا لم يكن أمَرَ فيها
بشيءٍ، وكذا في الثّانية، فلمَّا قال الثّالثة: ((أُفْنَيَتِ الحُمُر)) أي: لِكَثْرة ما ذُبحَ منها لِتُطْبَخ،
صادَفَ نزول الأمر بتحريمِها، ولعلَّ هذا مُستَنَد مَن قال: إنَّما نهى عنها لِكَونِها كانت حَمَولَةَ
الناس کما سيأتي.
(١) لم نقف عليه عند مسلم، ولعلَّ الحافظ قد وهم في عزوه له، ووقع هذا بإسناد ضعيف عند الرُّوياني في
((مسنده)) (١٢١٤).

١١٥
باب ٢٨ / ح ٥٥٢٩
كتاب الذبائح والصيد
الحديث الثامن:
قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينةً، وعَمْرو: هو ابنُ دینار.
قوله: ((قلتُ لجابر بن زيد)) هو أبو الشَّعْثاء - بمُعجَمةٍ ومُثَلَّثة - البصريّ.
قوله: ((يَزْعُمونَ)) لم أقِفْ على تسمية أحد منهم، وقد تقدَّم في الباب الذي قبله أنَّ عَمْرو
ابن دينار روى ذلك عن محمّد بن عليّ عن جابر بن عبد الله، وأنَّ من الرُّواة مَن قال: عنه
عن جابر، بلا واسطة.
قوله: ((قد كان يقول ذلك الحَكَمُ بن عَمْرو الغِفَاريُّ عندنا بالبَصْرَةِ» زاد الحميديّ في ((مُسنَدَه))
(٨٥٩) عن سفيان بهذا السَّنَد: قد كان يقول ذلك الحكم بن عَمْرو عن رسول الله ◌َّ، وأخرجه
أبو داود (٣٨٠٨) من رواية ابن جُرَيج عن عَمْرو بن دينار مضموماً إلى حديث جابر بن عبد الله
في النَّهي عن لحوم الحُمُر مرفوعاً، ولم يُصرِّح برفع حديث الحكم.
قوله: ((ولكن أبى ذلك البحرُ ابن عبّاس)) و((أَبَى)) من الإباء، أي: امتَنَعَ، والبحر صِفَة
لابنِ عبَّاس قيل له لِسَعَة عِلمه، وهو من تقديم الصِّفة على الموصوف مُبالَغةً في تعظيم
الموصوف كأنَّه صارَ عَلَماً عليه، وإنَّما ذُكِرَ بشُهْرته بعد ذلك لاحتمال خَفَائه على بعض
الناس، ووَقَعَ في رواية ابن جُرَيجٍ: ((وأَبَّى ذلك البحرُ، يريد ابنَ عبَّاس) وهذا يُشعِر بأنَّ في
رواية ابن عُيَينَ إدراجاً.
قوله: ((وقرأَ ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾)) في رواية ابن مَرْدويه وصَحَّحَه الحاكم
(١١٥/٤) من طريق محمَّد بن شَرِيك عن عَمْرو بن دينار عن أبي الشَّعثاء عن ابن عبّاس
قال: كان أهل الجاهليَّة يأكلونَ أشياءَ ويَترُكونَ أشياءَ تَقَذُّراً، فبَعَثَ الله نبيّه وأنزَلَ كتابه
وأحَلَّ حلاله وحَرَّمَ حرامه، فما أحَلَّ فيه فهو حلال، وما حَرَّمَ فيه فهو حرام، وما سَكَتَ
عنه فهو عَفْو، وتلا هذه: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ إلى آخرها؛ والاستدلال بهذا للحِلِّ إنَّما يَتِمُّ فيما لم
يأتِ فيه نَصِّ عن النبيّ ◌َّه بتحريمِه، وقد تَوارَدَتِ الأخبارُ بذلك، والتَّنصيص على التَّحريم
مُقدَّم على عُموم التَّحليل وعلى القياس.

١١٦
باب ٢٨ / ح ٥٥٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّم في المغازي (٤٢٢٧) عن ابن عبّاس أنَّه تَوقَّفَ في النَّهي عن الحُمُر: هل كان
لمعنّى خاصٍّ، أو للتأبيد؟ ففيه عن الشَّعْبيّ عنه أنَّه قال: لا أدري أنَهَى عنه رسولُ الله ◌ِيه
من أجل أنَّه كان ◌َمولةَ الناس فكَرِهَ أن تذهب ◌ُولَتُهم، أو حَرَّمَها البَتَّةَ يوم خَيْبر؟ وهذا
التردُّهُ أصحُّ من الخبر الذي جاء عنه بالجزمِ بالعِلّة المذكورة، وكذا فيما أخرجه الطبرانيُّ
(١٢٢٢٦) وابن ماجَهْ (١) من طريق شَقِيق بن سَلَمة عن ابن عبّاس قال: إنَّما حَرَّمَ
رسول الله وَ﴿ الْحُمُرَ الأهلِيَّةِ تَخَافَةَ قِلّة الظَّهر، وسنده ضعيف، وتقدَّم في المغازي (٤٢٢٠)
٦٥٦/٩ في حديث ابن أبي أوفَ: فَتَحدَّثنا أنَّه إِنَّمَا نَهَى عنها لأنَّها لم تُخُمَّس، وقال بعضهم: نَهَى عنها/
لأنَّها كانت تأكُلِ العَذِرة.
قلت: وقد أزالَ هذه الاحتمالات من كَوْنها لم تُخُمَّس، أو كانت جَلّالة، أو كانت انتُهِبَت،
حديثُ أنس المذكور قبل هذا، حيثُ جاء فيه: ((فإنَّهَا رِجْس))، وكذا الأمر بغَسلِ الإناء في
حديث سَلَمة، قال القُرطُبيّ: قوله: ((فإنَهَا رِجس)) ظاهر في عَوْد الضَّمير على الحُمُر، لأنَّها
المتحدَّث عنها المأمور بإكفائها من القُدور وغَسْلها، وهذا حكم المتنجِّس، فيُستَفاد منه تحريم
أكلها، وهو دالٌّ على تحريمها لعَينِها لا لمعنّى خارج.
وقال ابن دَقِيق العيد: الأمر بإكفاءِ القدور ظاهر أنَّه بسبب تحريم لحم الحُمُر، وقد وَرَدَت
عِلَل أُخرى إن صَحَّ رفعُ شيءٍ منها وَجَبَ المصيرُ إليه، لكن لا مانع أن يُعلَّل الحكم بأكثر
من عِلّة، وحديث أبي ثَعْلبة صريح في التَّحريم فلا مَعدِلَ عنه. وأمَّا التَّعليل بخَشْية قِلّة
الظَّهر فأجابَ عنه الطَّحاويُّ بالمعارضة بالخيل، فإنَّ في حديث جابر النَّهيَ عن الحُمُر
والإذنَ في الخيل مقروناً، فلو كانت العِلّة لأجلِ الحَمُولة، لكانت الخيل أولى بالمنع لِقِلَّتِها
عندهم وعِزَّتها وشِدّة حاجتهم إليها.
(١) هذا الحديث غير موجود في ((سنن ابن ماجه))، ولم يذكر الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف)) أصلاً ترجمةً
لشقيق بن سلمة عن عبد الله بن عباس، ولم يستدركه الشارح نفسه في «النكت الظراف) على المزي، ومما
يؤكد أنَّ الحافظ ابن حجر قد وهمَ في عزوه لابن ماجه: أنَّ الهيثمي أورده في كتابه «مجمع الزوائد» (أي:
الزوائد على الكتب الستة بما فيها ابن ماجه) ٤٨/٥ معزوّاً للطبراني فقط.

١١٧
باب ٢٨ / ح ٥٥٢٩
كتاب الذبائح والصيد
والجواب عن آية الأنعام أنَّها مكّيَّة، وخَبَرَ التَّحريم مُتأخِرٌ جدّاً فهو مُقدَّم، وأيضاً فنَصُّ
الآية خبرٌ عن الحُكم الموجود عند نزولها، فإنَّه حينئذٍ لم يكن نزلَ في تحريم المأكول إلّا ما
ذُكِرَ فيها، وليس فيها ما يَمنَعِ أن يَنزِلَ بعد ذلك غيرُ ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة
أحكامٌ بتحريمِ أشياءَ غير ما ذُكِرَ فيها، كالخمرِ في آية المائدة، وفيها أيضاً تحريم ما أُهِلّ لغير الله
به والمنخَيِقة إلى آخره، وكتحريمِ السِّباع والحَشَرات، قال النَّوويّ: قال بتحريم الحُمُر الأهليّة
أكثرُ العلماء من الصحابة فمَن بعدهم، ولم نَجِد عن أحد من الصحابة في ذلك خِلَافاً لهم
إلّا عن ابن عبّاس، وعند المالكيَّة ثلاث روايات ثالثها: الكراهة.
وأمَّا الحديث الذي أخرجه أبو داود (٣٨٠٩) عن غالب بن أَبجَرَ(١) قال: أصابتنا
سَنَةٌ، فلم يكن في مالي ما أُطعِم أهلي إلّا سِمانُ حُمُر، فأتيتُ رسول الله وَّهِ فقلت: إِنَّك
حَرَّمت لحوم الحُمُر الأهليَّة وقد أصابتنا سنةٌ، قال: ((أطعِمْ أهلك من سمين ◌ُرك، فإنّما
حَرَّمتُها من أجل جَوَّالِّ القرية) يعني: الجَلّالة، وإسناده ضعيف، والمتن شاذَّ مخالف للأحاديثِ
الصّحیحة، فالاعتماد عليها.
وأمَّا الحديث الذي أخرجه الطبرانيُّ (٢٥/ ٣٩٠) عن أمّ نَصْرِ المُحاربيَّةِ: أنَّ رجلاً
سألَ رسول الله وَ ◌ّه عن الحُمُر الأهليَّة، فقال: ((أليس تَرعَى الكَلَأَ وتأكُلِ الشَّجَر؟)) قال:
نعم، قال: ((فأصِبْ من لحومها)»، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٦٤/٨) من طريق رجل من بني
مُرّة قال: سألتُ ... فذكر نحوه، ففي السَّنَدَينِ مَقالٌ، ولو ثَبَتَا احتَمَلَ أن يكون قبل
التَّحریم.
قال الطَّحاويُّ: لو تَواتَرَ الحديثُ عن رسول الله وَّه بتحريمِ الْحُمُر الأهليّة لكان النَّظَرُ
يقتضي حِلّها، لأنَّ كلّ ما حُرِّمَ من الأهليّ أُجمعَ على تحريمه إذا كان وحشياً كالخنزير، وقد
أجمَعَ العلماء على حِلّ الحمار الوحشيّ، فكان النَّظر يقتضي حِلَّ الحمار الأهليّ. قلت: ما اذَّعاه
من الإجماع مردود، فإنَّ كثيراً من الحيوان الأهليّ مُختَلَف في نَظِيره من الحيوان الوحشيّ
کالِرٌ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: غالب بن الحر.

١١٨
باب ٢٩ / ح ٥٥٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث أنَّ الذَّكاة لا تُطهِّر ما لا يَحِلّ أكلُه، وأنَّ كلّ شيءٍ تَنَجَّسَ بمُلاقاة النَّجاسة
يكفي غَسلُه مرَّة واحدة لإطلاق الأمر بالغَسْل، فإنَّه يَصدُق بالامتثال بالمرّة، والأصل أن
لا زيادة عليها، وأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة لكَونِ الصحابة أقدَمُوا على ذَبحِها وطَبخِها
كسائرِ الحيوان من قبل أن يَستأمِروا مع تَوفّر دَواعيهم على السُّؤال عمّا يُشكِل، وأنَّه ينبغي
الأمير الجيش تَفْقُّدُ أحوال رَعيَّتَه، ومَن رآه فعل ما لا يَسُوغ في الشَّرع أشاعَ منعَه إمّا بنفسِه
كأن يُخاطِبهم، وإمّا بغيره بأن يأمر مُنادياً فينادي لئلا يَغْتَرَّ به مَن رآه فيَظُنّه جائزاً.
٢٩ - باب أکل کلّ ذي نابٍ من السُّباع
٥٥٣٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ،
عن أبي ثَعْلبةَ عُه: أنَّ رسولَ الله وَّ نَهَى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّبَاعِ.
تابَعَه يونسُ ومَعمَرٌ وابنُ عُبَينَةَ والماجِشُونُ، عن الزُّهْريِّ.
قوله: ((باب أكل كلّ ذي نابٍ من السِّباع)) لم يَبْتَّ القولَ بالحُكمِ للاختلاف فيه أو للتَّصیلِ
کما سأُبِّنه.
٦٥٧/٩
قوله: ((من السِّباع)) يأتي في الطِّبّ (٥٧٨٠) بلفظ: ((من السَّبُع)) وليس المراد حقيقةً
الإفراد بل هو اسم چِنْس، وفي رواية ابن عُبَينَةَ في الطِّبّ أيضاً عن الزُّهْريِّ (٥٧٨٠): قال:
ولم أسمَعه حتَّى أتيتُ الشّام، ولمسلم (١٩٣٢/ ١٣) من رواية يونس عن الزُّهْريِّ: ((ولم
أسمَعْ ذلك من علمائنا بالحِجازِ حتَّى حدَّثني أبو إدريس وكان من فقهاء أهل الشّام؛ وكأنَّ
الزُّهْريَّ لم يَبلُغه حديثُ عَبِيدة بن سفيان - وهو مدنيّ - عن أبي هريرة، وهو صحيح
أخرجه مسلم (١٩٣٣) من طريقه، ولفظه: ((كلَّ ذي نابٍ من السِّباع فأكلُه حرام)»، ولمسلم
أيضاً (١٩٣٤) من طريق ميمون بن مهران عن ابن عبَّاس: نَهَى رسول الله وَ ل ◌ِ عن كلِّ ذي
نابٍ من السِّباع وكلٌّ ذي مِخلَب من الطَّر، والمِخلَب بكسر الميم وسكون المعجَمة وفتح
اللّم بعدها موحّدة: وهو للطّير كالظُّفْرِ لغيره لكنَّه أشدُّ منه وأغلَظُ وأحدٌّ، فهو له کالنابٍ
للسَّبُع، وأخرج التِّرمِذيّ (١٤٧٨) من حديث جابر بسندٍ لا بأس به قال: حَرَّمَ رسول الله وَّهُ

١١٩
باب ٢٩ / ح ٥٥٣٠
كتاب الذبائح والصيد
الحُمُرَ الإنسيَّة، ولحومَ البغال، وكلَّ ذي نابٍ من السِّباع، وكلَّ ذي مِخلَب من الطَّير، ومن
حدیث العِزْباض بن سارية مثله (١٤٧٤) وزاد: يوم خيبر.
قوله: ((تابَعَه يونسُ ومَعمَر وابن عُبَينَةَ والماحِشُون، عن الزُّهْرِيِّ)) تقدَّم بيانُ مَن وَصَلَ
أحاديثهم في الباب قبله، إلّا ابنَ عُيَينةَ فقد أشرت إليه في هذا الباب قريباً.
قال التِّرمِذيّ: العَمَل على هذا عند أكثر أهل العلم، وعن بعضهم: لا تَجِرُم، وحكى
ابن وهب وابن عبد الحَكَم عن مالك كالجمهور، وقال ابن العربيّ: المشهور عنه الكراهة،
وقال ابن عبد البَرِّ: اختُلِفَ فيه على ابن عبّاس وعائشة وجاءً (١) عن ابن عمر من وجه
ضعيف، وهو قول الشَّعْبيّ وسعيد بن جُبَير، واحتَجّوا بعُمومٍ ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]،
والجواب أنَّها مكّيَّة وحديث التَّحريم بعد الهجرة، ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّم من أنَّ نَصَّ الآية
عَدَمُ تحريم غير ما ذُكِرَ إذ ذاكَ، فليس فيها نفيُ ما سيأتي، وعن بعضهم: أنَّ آية الأنعام
خاصّةٌ بَهِيمة الأنعام، لأنَّ تقدَّم قبلها حكاية عن الجاهليّة أنَّهم كانوا يُحرِّمونَ أشياء من
الأزواج الثّانية بآرائهم، فنزلتِ الآية: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾، أي: من المذكورات
إلّا الميتة منها أو الدَّم المسفوح، ولا يَرِدُ كَون لحم الخنزير ذُكِرَ معها لأنَّهَا قُرِنَت به عِلّة
تحریمه وهو کُونُه رِجساً.
ونَقَلَ إمام الحرمَينِ عن الشافعيّ أنَّه يقول بخُصوصِ السَّبَب إذا ورَدَ في مِثل هذه
القصَّة، لأنَّه لم يجعل الآية حاصرةً لمَا يَحَرُم من المأكولات مع وُرُود صيغة العُموم فيها،
وذلك أنَّهَا وَرَدَت في الكفَّار الذينَ يُحِلّونَ الميتة والدَّم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به،
ويُرِّمونَ كثيراً ممَّا أباحَه الشَّرع، فكأنَّ الغرض من الآية إبانة حالهم وأنَّهم يُضادّونَ الحقَّ،
فكأنَّه قيل: لا حرامَ إلّا ما أَحللتُموه مُبالَغةً في الردّ عليهم، وحكى القُرطُبيّ عن قوم: أنَّ
آية الأنعام المذكورة نزلت في حجة الوداع فتکون ناسخة، ورُدَّ بأنّها مگیّة کما صرَّح به کثیر
من العلماء، ويُؤيِّده ما تقدَّم قبلها من الآيات من الردّ على مُشِرِكي العرب في تحريمهم ما حَرَّموه
(١) تحرَّف في (س) إلى: وجابر.

١٢٠
باب ٣٠ / ح ٥٥٣١
فتح الباري بشرح البخاري
من الأنعام، وتخصيصهم بعضَ ذلك بآلهتِهم إلى غير ذلك ممَّا سِيقَ للَّدِّ عليهم، وذلك كلّه
قبل الهجرة إلى المدينة.
واختَلَفَ القائلونَ بالتَّحريم في المراد بما له نابٌ، فقيل: إنَّه ما يَتَقَوَّى به ويَصُول على
غيره ويَصْطاد، ويَعدُو بطَبعِه غالباً كالأسَدِ والفَهْد والصَّقر والعُقاب، وأمَّا ما لا يَعدُو
٦٥٨/٩ كالضَّبُع والثَّعَلَب فلا، وإلى هذا ذهب الشافعيّ واللَّيث ومَن تَبِعَهما، وقد وَرَدَ في حِلّ
الضَّبُع أحاديث لا بأس بها(١)، وأمَّا الثَّعَلَب فوَرَدَ في تحريمه حديث خُزيمةَ بن جَزْء عند
التِّرمِذيّ (١٧٩٢) وابن ماجَهْ (٣٢٣٥)، ولكن سنده ضعيف(٢).
٣٠- باب جلود المَيْتة
٥٥٣١- حدَّثْنا زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أَبي، عن صالح، قال:
حدَّثني ابنُ شِهابٍ، أنَّ عُبيد الله بنَ عبدِ الله أخبَرَه، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما
أخبَرَهُ: أنَّ رسولَ الله وََّ مَرَّ بشاةٍ مِيَِّةٍ، فقال: ((هَلّ استَمْتَعْتُم بإهاِها؟)) قالوا: إنَّها ميَِّةٌ! قال:
((إنَّما حَرُمَ أكلُها)».
قوله: ((باب جُلود المَيْتة)) زاد في البيوع: ((قبل أن تُدَبَغ))(٣) فقَيَّدَه هناك بالدِّباغِ وأطلقَ
هنا، فيُحمَلِ مُطلَقه على مُقيّده.
قوله: ((عن صالح)) هو ابنُ کَیْسانَ.
قوله: ((مَرَّ بشاةٍ) كذا للأكثرِ عن الزُّهْريّ، وزاد في بعض الزُّواة عن الزُّهْريِّ: ((عن ابن
(١) لم يرد في الضبع - فيما نعلم - سوى حديث واحد، وهو حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه أحمد
(١٤٤٢٥)، وأبو داود (٣٨٠١)، والترمذي (٨٥١)، وابن ماجه (٣٢٣٦)، والنسائي (٢٨٣٦)
وغيرهم، ورويت فيه آثار عن بعض الصحابة موقوفة عليهم، انظر ((مصنف عبد الرزاق)) (٨٦٨٣) وما
بعده، و «مصنف ابن أبي شيبة)) ٨/ ٢٥٠-٢٥١.
(٢) ليس في رواية الترمذي ذِكْر الثعلب، ولفظه عنده: عن خزيمة بن جزء قال: سألتُ رسول الله عن أكل
الضبع فقال: ((أوَ يأكلُ الضبعَ أحد؟!)) وسألته عن الذئب فقال: ((أوَيأكل الذئبَ أحدٌ فيه خير؟!»، أما
رواية ابن ماجه فبنحوها لكن جعل بدل الضبع الثعلب.
(٣) ورقم الباب في كتاب البيوع (١٠١).