Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
باب ١٥ / ح ٥٤٩٨
كتاب الذبائح والصيد
وفي رواية أبي الأحوَص (٥٥٤٣): ((فما فعل منها هذا فافعَلوا مِثلَ هذا»، زاد عمر بن سعيد
ابن مسروق عن أبيه: «فاصنعوا به ذلك وكُلوه)) أخرجه الطبرانيُّ (٤٣٩١)، وفيه جواز
أكل ما رُمَيَ بالسَّهمِ فجُرِحَ في أيّ موضع كان من جسده، بشرطِ أن يكون وَحْشّاً أو
مُتوَحِّشاً، وسيأتي البحث فيه بعد ثمانية أبواب (٥٥٠٩).
قوله: ((وقال جَدّي)) زاد عبد الرَّزّاق (٨٤٨١) عن الثَّوْريّ في روايته: يا رسول الله،
وهذا صورته مُرسَل، فإنَّ عَبَاية / بن رِفاعة لم يُدرِك زمان القول، وظاهر سائر الرِّوايات أنَّ ٦٢٨/٩
عَباية نَقَلَ ذلك عن جَدّه، ففي رواية شُعْبة (٥٥٠٣): عن جَدّه أنَّه قال: يا رسول الله، وفي
رواية عمر بن عُبيد الآتية أيضاً (٥٥٤٤): قال: قلت: يا رسول الله، وفي رواية أبي الأحوَص
(٥٥٤٣): قلت: يا رسول الله.
قوله: ((إنّا لَنَرْجُو أو نَخافُ)) هو شَكٌّ من الراوي، وفي التَّعبير بالرَّجاءِ إشارةٌ إلى
حِرصِهم على لقاء العدوّ لمَا يرجونَه من فضل الشَّهادة أو الغنيمة، وبالخوفِ إشارةٌ إلى
أنَّهم لا يُحِبّونَ أن يَهجُم عليهم العدوُّ بَغْتَةً، ووَقَعَ في رواية أبي الأحوص: ((إنّا نَلقَى العدوّ
غَداً)) بالجَزْمِ، ولعلَّه عَرَفَ ذلك بخَبَرِ مَن صَدَّقَه أو بالقرائن، وفي رواية يزيد بن هارون
عن الثَّوْريّ عند أبي نُعَيم في (المستخرَج على مسلم)): إنّا نَلقَى العدوَّ غَداً وإنّا نرجو؛ كذا بحذفٍ
مُتَعلَّق الرّجاء، ولعلَّ مُرادَه الغنيمة.
قوله: ((وليست مَعَنا مُدّى)) بضمٌ أوَّله مُفَّف مقصور: جمع مُدْية، بسكونِ الدّال بعدها
تحتانيَّة: وهي السِّكّين، سُمّيَت بذلك لأنَّهَا تَقطَع مَدَى الحيوان، أي: عُمُره، والرَّابط بين
قوله: ((نَلقَى العدوَّ) و((ليست مَعَنا مُدَى)) يحتمل أن يكون مُرادُه أنَّهم إذا لَقُوا العدوّ
صاروا بصَدَدِ أن يَغْنَموا منهم ما يَذْبَحونَه، ويحتمل أن يكون مُراده أنَّهم يحتاجونَ إلى ذَبح
ما يأكلونَه ليَتَقَوَّوا به على العدوّ إذا لَقُوه، ويُؤيِّده ما تقدَّم من قسمة الغنم والإبل بينهم
فكان معهم ما يَذْبَحونَه، وكَرِهوا أن يَذْبَحوا بسُيوفِهِم لئلّا يَضُرَّ ذلك بحَدِّها والحاجةُ ماسّةٌ له،
فسألَ عن الذي يُحِزِئ في النَّبح غير السِّكّين والسَّيف، وهذا وجه الحَصْر في المُدْية والقَصَب
ونحوه مع إمكان ما في معنى المُدْية وهو السَّيف، وقد وَقَعَ في حديثٍ غير هذا: ((إِنَّكم لاقو

٦٢
باب ١٥ / ح ٥٤٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
العدوِّ غَداً والفِطْرُ أقوى لكم))(١) فنَدَبَهم إلى الفِطْرِ لَيَتَقَوَّوا.
قوله: ((أفتَذْبَح بالقَصَب؟)) يأتي البحثُ فيه بعد بابَينِ (٥٥٠١).
قوله: ((ما أنهَرَ الدَّمَ)) أي: أسالَه وصَبَّه بكَثْرة، شُبِّهَ بجَرْي الماء في النَّهر، قال عِيَاض:
هذا هو المشهور في الرِّوايات بالرَّاء، وذكره أبو ذَرِّ الُشَنيُّ بالزّاي وقال: النَّهز بمعنى الرَّفْع،
وهو غريب، و((ما)) موصولة في موضع رفع بالابتداءِ وخبرُها ((فكُلُوا)) والتَّقدير: ما أنهَرَ الدَّمَ
فهو حلال فكُلوا، ويحتمل أن تكون شرطيَّة، ووَقَعَ في رواية أبي إسحاق عن الثَّوْريّ: ((كلُّ
ما أنهَرَ الدَّمَ ذَكاة))(٢) و ((ما)) في هذا موصوفة.
قوله: ((وذُكِرَ اسمُ الله)) هكذا وَقَعَ هنا، وكذا هو عند مسلم (١٩٨٦) بحذفٍ قوله:
((عليه))، وثَبَتَت هذه اللَّفظة في هذا الحديث عند المصنّف في الشَّرِكة (٢٤٨٨)(٣)، وكلام
النَّوَويّ في ((شرح مسلم) يُوهِم أنَّها ليست في البخاريّ إذ قال: هكذا هو في النُّسَخ كلّها
- يعني من مسلم - وفيه محذوف، أي: وذُكِرَ اسم الله علیه أو معه، ووقع في رواية أبي داود
(٢٨٢١) وغيره: ((وذكِرَ اسم الله عليه)) انتهى، فكأنَّه لمَّا لم يَرَها في الذَّبائح من البخاريّ
أيضاً عَزَاها لأبي داود، إذ لو استَحضَرَها من البخاريّ ما عَدَلَ عن التَّصريح بِذِكْرِها فيه
اشتراطَ التَّسمية، لأنَّه عَلَّقَ الإذن بمجموع الأمرَينِ وهما الإنهار والتَّسمية، والمعلَّق على
شيئينٍ لا يُكتَفَى فيه إلّا باجتماعِهما ويَنتَفي بانتفاءِ أحدهما، وقد تقدَّم البحث في اشتراط
التَّسمية أوَّلَ الباب، ويأتي أيضاً قريباً (٥٥٠٠).
قوله: ((ليس السِّنَّ والظَّفُرَ)) بالنَّصب على الاستثناء بليسَ، ويجوز الرَّفع، أي: ليس
السّنُّ والظُّفُرُ مُباحاً أو مُجُزِئاً. ووَقَعَ في رواية أبي الأحوَص (٥٥٤٣): ((ما لم يكن ◌ِنٌّ
أو ظُفر))(٤)، وفي رواية عمر بن عُبيد (٥٥٤٤): ((غيرَ السِّنّ والظّفُر))، وفي رواية داود
(١) أخرجه مسلم (١١١٨)، وأبو داود (٢٤٠٦) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) عند أبي عوانة (٧٥٦٢)، والطبراني (٤٣٨١).
(٣) وكذا ثبتت هنا في هذا الموضع في النسخة اليونينية، وليس عليها فيها أيُّ خلاف بين الروايات!
(٤) الرواية هناك: ((ما لم يكن ◌ِنٌّ ولا ظُفرٌ))، وليس كما قال.

٦٣
باب ١٥ / ح ٥٤٩٨
كتاب الذبائح والصيد
ابن عيسى(١): ((إلّا سِنّاً أو ظُفراً».
قوله: ((وسأُحدِّثُكم عن ذلك)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((وسأُخبرُكم)) وسيأتي البحث فيه
وهل هو من جملة المرفوع أو مُدَرَج في ((باب إذا أصاب قومٌ غَنيمة)) (٥٥٤٣) قُبَيل كتاب
الأضاحيّ.
قوله: ((أمَّا السِّنُّ فعَظْم)) قال البَيْضاويّ: هو قياس حُذِفَت منه المقدِّمة الثّانية لشُهرَتِها
عندهم، والتَّقدير: أمَّا السِّنّ فعَظْم، وكلُّ عَظم لا يَحِلّ الذَّبِحُ به، وطَوَى النَّتيجةَ لدلالة
الاستثناء عليها. وقال ابن الصَّلاح في ((مُشكِل / الوسيط)): هذا يدلُّ على أنَّه عليه الصلاة ٦٢٩/٩
والسَّلام كان قد قَرَّرَ كَونَ الذَّكاة لا تَحصُل بالعَظْم فلذلك اقتَصَرَ على قوله: ((فَعَظِمٌ)»،
قال: ولم أرَ بعد البحث من نقلَ للمَنْعِ من الذَّبح بالعَظمِ معنّى يُعقَل، وكذا وَقَعَ في كلام
ابن عبد السَّلام.
وقال النَّوَويّ: معنى الحديث: لا تَذْبَحوا بالعِظام فإنَّهَا تَنجُس بالدَّم، وقد نَهيتُكم عن
تنجيسها لأنَّها زاد إخوانكم من الجِنّ. انتهى، وهو مُتَمل، ولا يقال: كان يُمكِن تطهيرُها
بعد الذَّبح بها لأنَّ الاستنجاء بها كذلك، وقد تَقرَّرَ أنَّه لا يُجْزِئ.
وقال ابن الجَوْزيّ في ((المشكِل)): هذا يدلُّ على أنَّ الذَّبح بالعَظم كان معهوداً عندهم
أنَّه لا يُجْزِئ، وقَرَّرَهم الشّارعُ على ذلك وأشارَ إليه هنا. قلت: وسأذكر بعد بابينٍ من
حديث حُذَيفة ما يَصلُح أن يكون مُستنَداً لذلك إِن ثَبَتَ.
قوله: ((وأمَّا الظُّفُر فمُدَى الحَبَشة)) أي: وهم كفَّار وقد نُهيتُم عن التَّشَبُّه بهم، قاله ابن
الصَّلاحِ وتَبِعَه النَّوَويّ. وقيل: نَهَى عنهما لأنَّ الذَّبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقع به غالباً
إلّا الخنق الذي ليس هو على صورة الذَّبح، وقد قالوا: إنَّ الحَبَشة تُدْمي مَذابح الشّاة
بالظُّفُرِ حتَّى تَزْهَق نفسُها خَنقاً.
واعتُرِضَ على التَّعليل الأوَّل بأنَّه لو كان كذلك لامتَنَعَ الذَّبحُ بالسِّكِّينِ وسائر ما يَذبح
(١) عند الطبراني في «المعجم الكبير)) (٤٣٨٦).

٦٤
باب ١٥ / ح ٥٤٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
به الكفَّار، وأُجيبَ بأنَّ الذَّبح بالسِّكّينِ هو الأصل، وأمَّا ما يَلْتَحِق بها فهو الذي يُعتبَر فيه
التَّشبيه لضعفِها، ومن ثَمَّ كانوا يسألونَ عن جواز الذَّبح بغير السِّكّين وشِبْهها كما سيأتي
واضحاً، ثمَّ وَجَدتُ في ((المعرفة)) للبيهقيّ (١٨٨١٥) من رواية حَرمَلة عن الشافعيّ: أنَّه
حَلَ الظُّفر في هذا الحديث على النَّوع الذي يَدخُل في البَخُور، فقال: معقول في الحديث أنَّ
السّنّ إنَّما يُذَّى بها إذا كانت مُنَزَعة، فأمَّا وهي ثابتة فلو ذُبحَ بها لكانت مُنخَيِقة، يعني:
فدَلَّ على أنَّ المراد بالسِّنِّ السِّنُّ المنتَزَعة، وهذا بخِلَاف ما نُقِلَ عن الحنفيَّة من جوازه
بالسِّنِّ المنفَصِلة، قال: وأمَّا الظُّفُر فلو كان المراد به ظُفرَ الإنسان لَقال فيه ما قال في السِّنّ،
لكن الظاهر أنَّه أراد به الظُّفُر الذي هو طِبٌ من بلاد الحبشة، وهو لا يفرِي فیکون في معنی
الخنق.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: تحريمُ التَّصَرُّف في الأموال المشتَرَكة من غير
إذن ولو قَلَّت ولو وَقَعَ الاحتياج إليها، وفيه انقياد الصَّحابة لأمرِ النبيّ وََّ حتَّى في تَّرْك ما
بهم إليه الحاجةُ الشَّديدة. وفيه أنَّ للإمام عقوبة الرَّعيَّة بما فيه إتلاف مَنفَعة ونحوها إذا
غَلَبَت المصلحةُ الشَّرعيَّة، وأنَّ قسمة الغنيمة يجوز فيها التَّعديل والتَّقويم، ولا يُشتَرَط
قسمة كلِّ شيء منها على حِدَة، وأنَّ ما تَوَخَّش من المستأنِس يُعطَى حكمَ المتوَخِّش وبالعكس،
وجواز الذَّبح بما يُحِصِّل المقصود سواء كان حديداً أم لا، وجواز عَقْر الحيوان النادِّ لمن عَجَزَ عن
ذَبحِه، كالصَّيدِ البَرِّيّ والمتوَخِّش من الإنسيّ، ويكون جميع أجزائه مَذْبَحاً فإذا أُصيبَ فماتَ من
الإصابة حَلَّ، أمَّا المقدور عليه فلا يُباح إلّا بالذَّبح أو النَّحر إجماعاً.
وفيه التَّنبيه على أنَّ تحريم الميتة لبقاءِ دمها فيها.
وفيه مَنعُ الذَّبح بالسِّنِّ والظَّفْر مُتَّصِلاً كان أو مُنفَصِلاً، طاهراً كان أو مُتَنَجِّساً، وفَرَّقَ
الحنفيَّ بين السِّنّ والظّفُرِ المتَّصِلَيْنِ فخَصُّوا المنعَ بهما وأجازوه بالمنفَصِلَين، وفَرَّقوا بأنَّ المتَّصِل
يصير في معنى الخنق، والمنفَصِل في معنى الحَجَر.
وجَزَمَ ابن دَقِيق العيد بحَملِ الحديث على المتَّصِلَيْنِ ثمَّ قال: واستَدَلَّ به قوم على منع الذَّبح

٦٥
باب ١٦ / ح ٥٤٩٩
كتاب الذبائح والصيد
بالعَظِمِ مُطلَقاً لقولِهِ: ((أمَّا السِّنّ فعَظمٌ)) فَعَلَّلَ منعَ الذَّبح به لكَونِهِ عَظماً، والحُكم يَعُمّ بِعُمومٍ
عِلَّته، وقد جاء عن مالك في هذه المسألة أربع روايات، ثالثها: يجوز بالعَظم دون السِّنّ مُطلَقاً،
رابعها: يجوز بهما مُطلَقاً، حكاها ابن المنذر.
وحكى الطَّحاويُّ الجواز مُطلَقاً عن قوم، واحتَجُّوا بقولِه في حديث عَديّ بن حاتم:
(أَمِرَّ الدَّمَ بما شئت)) أخرجه أبو داود (٢٨٢٤)، لكن عُمومه مخصوص بالنَّهي الوارد
صحيحاً في حديث رافع عَمَلاً بالحديثين، وسَلَكَ الطَّحاويُّ طريقاً آخر فاحتَجَّ لمذهبه
بُعُمومٍ حديث عَديّ، قال: والاستثناء في حديث رافع يقتضي تخصيصَ هذا العموم، لكنَّه
في المنزوعَينِ غير مُحُقَّق وفي غير المنزوعَينِ / محقَّق من حيثُ النَّظَر، وأيضاً فالذَّبح بالمَّصِلَين ٦٣٠/٩
يُشبِه الخنق وبالمنزوعَين يُشبِه الآلة المستَقِلّة من حجر وخشب، والله أعلم.
١٦ - باب ما ذُبح على النُّصُب والأصنام
٥٤٩٩- حدَّثْنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ - يعني ابنَ المختار-، أخبرنا موسى بنُ
عُقْبةَ، قال: أخبرني سالمٌ: أَنَّه سمعَ عبدَ الله يُحدِّثُ عن رسولِ الله وََّ: أَنَّه لَقِيَ زيدَ بنَ عَمْرِو
ابنِ نُقَيَلٍ بأسفَلِ بَلْدَحٍ، وذاكَ قبلَ أن يُنزَلَ على رسولِ اللهِوَ الوَحْيُّ، فَقَدَّمَ إليه رسولُ اله ◌َيه
سُفْرةَ لحمٍ، فأبى أن يأكلَ منها، ثمَّ قال: إنّي لا آكُلُ مِمّ تَذْبَحونَ على أنصابِكم، ولا آكُلُ إلّا ممّاً
ذُكِرَ اسمُ الله علیه.
قوله: ((باب ما ذُبحَ على النُّصُب والأصنام)) النُّصُب بضمٍّ أوَّله وبفتحه: واحد الأنصاب:
وهي حجارة كانت تُنصَب حول البيت يُذبَح عليها باسم الأصنام، وقيل: النُّصُب: ما
يُعبَد من دون الله، فعلى هذا فعَطفُ الأصنام عطفٌ تفسيريّ، والأوَّل هو المشهور وهو
اللائق بحدیث الباب.
ذكر فيه حديث ابن عمر في قصّة زيد بن عَمْرو بن نُفَيل، ووَقَعَ فيه من الاختلاف
نَظيرُ ما وَقَعَ في الرِّواية التي في أواخر المناقب (٣٨٢٦)، وهو أنَّه وَقَعَ للأكثرِ: «فقَدَّمَ إليه
رسول الله ◌َّ سُفرةً))، وللكُشْمِيهنيّ: ((فَقُدِّم إلى رسول الله ◌َّ سُفرةُ))، وجَمَعَ ابن المنیِّر بین

٦٦
باب ١٧ - ١٨ / ح ٥٥٠٠ - ٥٥٠١
فتح الباري بشرح البخاري
هذا الاختلاف بأنَّ القوم الذينَ كانوا هناك قَدَّموا السُّفرة للنبيِّ وَّهِ فَقَدَّمَها لزيدٍ، فقال زيد
مُخاطِباً لأولئكَ القوم ما قال.
وقوله: ((سُفرةَ لحم)) في رواية أبي ذرٍّ: ((سُفرةً فيها لحم))، وقد سَبَقَ شرح الحديث مُستَوفَّى
في أواخر المناقب.
١٧ - باب قول النبيّ ێ: ((فلیذبحْ على اسم الله))
٥٥٠٠- حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثنا أبو عَوَانة، عن الأسوَدِ بنِ قيسٍ، عن جُنْدُبٍ بنِ سفيانَ
البَجَلِيِّ، قال: ضَخَّينا معَ رسولِ الله ◌َّ أَضْحَاةً ذاتَ يومٍ، فإذا أُناسٌ قد ذَبَحوا ضَحَاياهم قبلَ
الصلاةِ، فلمَّا انصَرَفَ رآهم النبيُّ ◌َّهِ أَنَّهِم قد ذَبَحوا قبلَ الصلاةِ، فقال: ((مَن ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ
فلْيَذْبَحْ مكانَها أُخرى، ومَن كان لم يَذْبَحْ حتَّى صَلَّيْنا فلْيَذْبَحْ على اسمِ الله)).
قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: فليَذْبَخ على اسم الله)) ذكر فيه حديث جُندُب بن عبد الله في
ذَبْح الضَّحايا قبل صلاة العيد، وفيه اللَّفظ المذكور، وهو يحتمل أن يكون المراد به الإذنَ في
الذَّبيحة حينئذٍ، أو المراد به الأمر بالتَّسمية على الذَّبيحة، وسيأتي شرح الحديث مُستَوفّى في
كتاب الأضاحيّ (٥٥٦٢) إن شاءَ الله تعالى. وقد استَدَلَّ به ابن المنيِّر على اشتراط تسمية العامد
دون الناسي، ويأتي تقريره هناك إن شاء الله تعالى.
ووَقَعَ في هذه الرِّواية: ((ضَخَّينا مع رسول الله وَّرِ أَضحاة)) بفتح أوَّله بمعنى
الأُضحيَّة.
١٨ - باب ما أَنهرَ الدّمَ من القصب والمَرْوة والحديد
٥٥٠١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المقدَّميُّ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، سمعَ
ابنَ كَعْبٍ بنِ مالكٍ يُخِرُ ابنَ عمَ، أنَّ أباه أخبَرَهُ: أنَّ جاريةً لهم كانت تَرْعَى غَنَا بسَلْعٍ، فأبصَرَت
بشاةٍ من غَنَمِها مَوْتاً، فكَسَرَت حجراً فذَبَحَتْها، فقال لأهلِهِ: لا تأكُلُوا حَتَّى آتيَ النبيَّ ◌َّ فأسألَه،
أو حتَّى أُرسِلَ إليه مَن يَسْألُهُ. فَأَتَى النبيَّ نَّهِ أَوْ بَعَثَ إليه، فأمَرَ النّبِيُّ ◌َّ بَأْكلِها.

٦٧
باب ١٨ / ح ٥٥٠٢ - ٥٥٠٣
كتاب الذبائح والصيد
٥٥٠٢ - حدَّثنا موسى، حدَّثنا جُوَيِرِيَةُ، عن نافعٍ، عن رجلٍ من بني سَلِمَةَ أخبَرَ عبدَ الله:
أنَّ جاريةً لكَعْبٍ بنِ مالكٍ تَرْعَى غَنَماً له بالجُبَيلِ الذي بالسّوقِ، وهو بسَلْعٍ، فَأُصِيبَت شاءٌّ،
فِكَسَرَت حجراً فَذَبَحَتْها به، فَذَكَروا للنبيِّ وَّهِ فأمَرَهم بأكلِها.
٥٥٠٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ، قال: أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ، عن عَبَایةَ بنِ
رِفاعةَ، عن جَدِّه أَنَّه قال: يا رسولَ الله، ليس لنا مُدَّى، فقال: «ما أنهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله فكُلْ،
ليس الظُّفُرَ والسِّنَّ، أمَّ الظَّفُرُ فمُدَى الحَبَشةِ، وأمَّا السِّنُّ فعَظْمٌ)). ونَدَّ بعيرٌ فَبَسَه، فقال: ((إنَّ
لهذِهِ الإبلِ أَوابدَ كأَوابدِ الوَحْشِ، فما غَلَبَكم منها فاصْنَعوا به هكذا)).
قوله: ((باب ما أنهَرَ الدَّم من القَصَب والمَرْوةِ والحديد)» أنهَرَ، أي: أسالَ، والمروةُ: حجر ٦٣١/٩
أبيض، وقيل: هو الذي يُقدَح منه النار، وأشارَ المصنِّف بذِكْرِها إلى ما وَرَدَ في بعض طرق
حديث رافع، فإنَّ في رواية حبيب بن حبيب عن سعيد بن مسروق عند الطبرانيّ (٤٣٨٨):
أفنَذبَح بالقَصَب والمروة؟ وفي رواية ليث بن أبي سُلَيم عن عَباية (٤٣٩٥): أَنَذْبَحُ بالمروة
وشِقّة العصا؟ ووَقَعَ ذِكْر الذَّبح بالمروة في حديث أخرجه أحمد (١٥٨٧٠ و١٥٨٧١)
والنَّسائيّ (٤٣١٣) والِّرمِذيّ(١) وابن ماجَهْ (٣٢٤٤) من طريق الشَّعْبيّ عن محمّد بن
صفوان - وفي رواية عن محمَّد بن صَيْفِيّ(٢) - قال: ذَبَحتُ أرنَبِينٍ بمَرْوةٍ، فأمَرَفي النبيّ ◌َِه
بأكلِهما، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٨٨٧) والحاكم (٤/ ٢٣٥)، وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)»
(٧١٩٠) من حديث حُذَيفة رَفَعَه: ((اذبحوا بكلِّ شيء فَرَى الأوداجَ مَا خَلَا السِّنَّ والظَّفُر)»
وفي سنده عبد الله بن خِرَاش مُتَلَف فيه، وله شاهد من حديث أبي أمامةَ نحوه(٣)، والأشھَر
في رواية غير مَن ذكر: أفنَذْبَح بالقَصَب (٤)؟
(١) لم يخرجه الترمذي، ولعلَّ الحافظ أراد أن يكتب أبا داود فأخطأ وكتب الترمذي، والحديث في ((سنن أبي
داود)» برقم (٢٨٢٢).
(٢) عند ابن ماجه (٣١٧٥).
(٣) أخرجه الطبراني أيضاً في ((الكبير)) (٧٨٥١)، وسنده ضعيف بمرَّة.
(٤) وهو الذي وقع في حديث رافع بن خديج السالف عند المصنف برقم (٥٤٩٨).

٦٨
باب ١٨ / ح ٥٥٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا الحديد فمن قوله: ((وليست مَعَنا مُدَى)) فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّ الذَّبح بالحديدِ كان
مُقرَّراً عندهم جوازُه، والمراد بالسُّؤال عن النَّبح بالمروة جِنسُ الأحجار لا خصوص المروة،
ولذلك ذكر في الباب حديث كعب بن مالك، وفيه التَّصيص على الذَّبح بالحجرِ.
قوله: ((مُعتَمِر)) هو ابن سليمان التَّيْمِيّ، وعُبيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ.
قوله: ((عن نافع، سمعَ ابنَ كَعْب بن مالك)) جَزَمَ المِّيّ في ((الأطراف)) بأنَّه عبد الله بن
كعب، وقد سَبَقَ ما فيه في الوكالة (٢٣٠٤)، وأنَّ الذي يَتَرَجَّح أنَّه عبد الرَّحمن بن كعب،
وقد اختُلِفَ في هذا الحدیث على نافع کما سأُبِّنه في الباب الذي بعده.
قوله: ((أنَّ جاريةً لهم)) لم أقِفْ على اسمِها.
قوله: ((بسَلْع)) بفتح السّين المهمَلة وسكون اللّام وحُكيَ فتحُها وآخره مُهمَلة: جبل
معروف بالمدينة.
قوله: ((فأبصَرَت بشاةٍ» في رواية غير أبي ذرٍّ: فأُصيبَت شاة من غَنَمها.
قوله: ((مَوْتاً» في رواية السَّرَخْسِّ والمُستَمْلِي: موتَها.
قوله: ((فَذَبَحَتْها به)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: فذَگَّتها، وسَقَطَ لغير أبي ذرِ (به).
قوله: ((أو حتَّى أُرسِلَ إليه)» هو شٌَّ من الراوي.
قوله: ((عن سعيد بن مسروق)) هكذا جَزَمَ به عَبْدانُ عن أبيه عن شُعْبة، ووَقَعَ في رواية
٦٣٢/٩ غُندَر عن شُعْبة: وأكبر عِلْمي أنّي سمعته/ من سعيد بن مسروق، وحدَّثني به سفيان
- يعني الثَّوْريّ - عنه، أخرجه النَّسائيُّ (٤٣٩١)، وأخرجه أحمد (١٥٨١٣) عن غُندَر، فبيَّن
أنَّ القَدْر الذي كان يَشُكّ شُعْبةُ في سماعه له من سعيد بن مسروق هو قوله: وجَعَلَ عشراً
من الشّاءِ ببعيرٍ.
قلت: ولهذه التُّكتة اقتَصَرَ البخاريُّ من الحديث من رواية شُعْبة هذه على ما عَدَا قصَّة
تعديل العشر شياهٍ بالبعير، إذ هو المحقَّق من السَّماع، وقد تقدَّمَت مباحثُ الحديث قريباً
(٥٤٩٨).

٦٩
باب ١٩ / ح ٥٥٠٤ - ٥٥٠٥
كتاب الذبائح والصيد
قوله: ((عن عَبَاية بن رِفاعة)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((عن عَباية بن رافع)) ورافع جَدّ عَباية
وأبوه رِفاعة، فنُسِبَ في هذه الرّواية إلى جَدّه، ولو أُخِذَ بظاهرها لكان الحديث عن خَدِيج
والد رافع وليس كذلك.
وقوله في هذه الرّواية: ((ونَّ بعيرٌ فحَبَسَه)) فيه اختصار، وقد أخرجه الإسماعيليّ من
طريق معاذ عن شُعْبة بلفظ: ونَدَّ بعير منها فسَعَوْا له، فَرَمَاه رجل بسهمٍ فحَبَسَه.
١٩ - باب ذبيحة الأَمَة والمرأة
٥٥٠٤- حدَّثنا صَدَقَةُ، أخبرنا عَبْدةُ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ كَعْبٍ بنِ مالكٍ،
عن أبيه: أنَّ امرأةً ذَبَحَت شاةً بحجرٍ، فسُئلَ النبيُّ وَِّ عن ذلك، فأمَرَ بأكلِها.
وقال اللَّيثُ: حدَّثْنا نافعٌ: أنَّه سمعَ رجلاً من الأنصار يُخْبِرُ عبدَ الله، عن النبيِّ وَّهِ: أنَّ
جاریةً لگعْبٍ ... بهذا.
٥٥٠٥- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن رجلٍ منَ الأنصار، عن معاذِ
ابنِ سعدٍ - أو سَعْدِ بنِ معاذٍ - أخبَرَهُ: أنَّ جاريةً لكَعْبٍ بنِ مالكٍ كانت تَرْعَى غَماً بسَلْعٍ،
فَأُصِيبَت شاءٌ منها فأدْرَ كَتْها، فَذَبَحَتْها بحجٍ، فسُتْلَ النبيُّ وَّ فقال: ((كُلُوها)).
قوله: ((باب ذبيحة الأَمة والمرأة)) كأنَّه يشير إلى الردّ على مَن مَنَعَ ذلك، وقد نَقَلَ
محمَّد بن عبد الحَكَم عن مالك كَراهَتَه، وفي ((المدَوَّنة)) جوازُه، وفي وجه للشّافعيّة:
يُكرَه ذبحُ المرأة الأضحيَّة، وعند سعيد بن منصور بسندٍ صحيح عن إبراهيم النَّخَعيّ
أنَّه قال في ذبيحة المرأة والصبيّ: لا بأس إذا أطاقَ الذَّبيحةَ وحَفِظَ التَّسمية، وهو قول
الجمهور.
قوله: ((عَبْدة)) هو ابن سليمان الكِلَابِيّ الكوفيّ، وافَقَ مُعتَمِرَ بن سليمان التَّيْميَّ البصريّ
على روايته عن عُبيد الله بن عمر (١)، وذكر الدّارَ قُطنيُّ أنَّ غيرهما رواه عن عُبيد الله فقال:
عن نافع أنَّ رجلاً من الأنصار. قلت: وكذا تقدَّم في الباب الذي قبله من رواية جُوَيِرِيَةَ
(١) رواية معتمر سلفت في الباب السابق برقم (٥٥٠١).

٧٠
باب ١٩ / ح ٥٥٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
عن نافع، وكذا عَلَّقَه هنا من رواية اللَّيث عن نافع، ووَصَلَه الإسماعيليّ من رواية أحمد بن
يونس عن اللَّیث به(١).
قال الدّارَ قُطنيُّ: وكذا قال محمَّد بن إسحاق عن نافع؛ وهو أشبَهُ، وسَلَكَ الجادّةَ قوم
منهم يزيد بن هارون، فقال: عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر، وكذا قال مَرحُوم العَطّر
عن داود العَطّار عن نافع، وذكر الدّارَقُطنيُّ عن غيرهم أنَّهم رَوَوْه كذلك، قال: ومنهم مَن
أرسَلَه عن نافع وهو أشبه بالصَّواب، وأغفَلَ ما ذكره البخاريّ آخر الباب من رواية مالك عن
نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد، أو سعد بن معاذ: أنَّ جارية لكعبٍ.
وقد أورَدَه في ((الموطَّت)) له كذلك من حديث جماعة عن مالك، منهم محمّد بن
الحسن، وقال في روايته: عن رجل من الأنصار معاذٍ بن سعد أو سعد بن معاذ، وأشارَ إلى
تفرُّد محمَّد بذلك، وقال الباقونَ: عن رجل عن معاذٍ بن سعد أو سعد بن معاذ، ومنهم ابن
وَهْب، أخرجه من طريقه كالجماعة، قال: وأخرجه ابن وَهْب في غير ((الموطَّأ)) فقال: ((أخبرني
مالك وغيره من أهل العلم عن نافع عن رجل من الأنصار: أنَّ جاريةً لكعب بن مالك ...
فذكره، وقال: الصَّواب ما في ((الموطَّأ)» - يعني عن مالك - وأمَّا عن غيره فيحتمل أن يكون
٦٣٣/٩ ابن وَهْب أراد اللَّيثَ وحَمَلَ / رواية مالك على روايته.
وأغرَبَ ابن التِّين فقال: فيه رواية صحابيّ عن تابعيّ، لأنَّ ابن كعب تابعيّ وابن عمر
صحابيّ. قلت: لكن ليس في شيء من طرقه أنَّ ابن عمر رواه عنه، وإنَّما فيها أنَّ ابن كعب
حدَّث ابنَ عمر بذلك فحَمَلَه عنه نافع، وأمَّا الرِّواية التي فيها عن ابن عمر فقال راويها
فيها: عن النبيّ وَّةِ، ولم يَذكُر ابنَ كعب، وقد تقدَّم أنَّها شاذّة، والله أعلم.
وقال الكِرْمانيُّ: الشكُّ من الراوي في معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ لا يَقدَحُ، لأنَّ
الصَّحابة كلَّهم عُدول، وهو كما قال، لكن الراوي الذي لم يُسَمَّ يَقدَحُ في صِحّة الخبر، إلّا
أنَّه قد تَبيَّن بالطَّريق الأُخرى أنَّ له أصلاً.
(١) وساقه الحافظ ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٥١٣/٤ عن أبي بكر بن إبراهيم الإسماعيلي بإسناده ومتنه.

٧١
باب ١٩ / ح ٥٥٠٥
كتاب الذبائح والصيد
قوله: ((جارية)) وفي لفظ: (أَمَة)) لا يُنافي قولَه في الرِّواية الأُخرى: ((امرأة)) لأنَّها أعَمُّ، فَيُؤْخَذ
بقولِ مَن زاد في روايته صِفَة، وهي کُونُها أَمة.
قوله: «فذبحتها» في رواية الگُشْمِيهنيّ: فذَگَّتها، ووقع في روایة مَعْن بن عیسی عن
مالك في ((الموطَّا»: فأدرَكَت ذَکاتها بحجرٍ.
قوله: ((فُسُئلَ النبيُّ ◌َّهِ)) في رواية اللَّيث: ((فَكَسَرَت حجراً فذَبَحَتها به، فأتى النبيَّ ◌َّه
فأخبَرَه فقال: ((كُلوها))، فيُستَفاد من روايته تعيينُ الذي سألَ النبيَّ ◌َّ ر عن ذلك، وقد
سَبَقَ في الباب الذي قبله من رواية جُوَيِرِيَةَ عن نافع: فَذَكَروا للنبيِّ وََّ، وقد تقدَّم (٢٣٠٤)
من رواية عُبيد الله بن عمر فيه على الشكّ، والله أعلم.
وفي الحديث تصديقُ الأجير الأمين فيما اؤْتُمِنَ عليه حتَّى يظهرَ عليه دليل الخيانة. وفيه
جواز تَصَرُّف الأمين كالمودَع بغير إذن المالك بالمصلحة، وقد تقدَّمَت ترجمة المصنِّف بذلك
في كتاب الوكالة (٢٣٠٤)، وقال ابن القاسم: إذا ذَبَحَ الرَّاعي شاً بغير إذن المالك وقال:
خشيتُ عليها الموت، لم يَضمَنْ على ظاهر هذا الحديث، وتُعقّبَ بأنَّ الجارية كانت أَمةً
لصاحب الغنم فلا يُتصوَّر تضمينُها، وعلى تقدير أن تكون غيرَ مِلكِهِ فلم يُنقَل في الحديث
أنَّه أراد تضمينَها، وكذا لو أنزَى على الإناث فَحْلاً بغير إذن فهَلَكَت، قال ابن القاسم: لا
يَضمَن لأنَّه من صلاح المال، وقد أومأ البخاريّ في كتاب الوكالة إلى مُوافَقَته حيثُ قَدَّمَ
الجوازَ بقصدِ الإصلاح، وقد تقدَّم بيان ذلك.
وفيه جواز أكل ما ذُبحَ بغير إذن مالكه ولو ضُمِّنَ الذّابح، وخالَفَ في ذلك طاووس
وعِكْرمة كما سيأتي في أواخر كتاب الذَّبائح(١)، وهو قول إسحاق وأهل الظّاهر، وإليه
جَنَحَ البخاريّ، لأنَّه أورَدَ في الباب المذكور حديث رافع بن خَدِيج (٥٥٤٣) في الأمر
بإكفاءِ القُدور، وقد سَبَقَ ما فيه (٥٤٩٨)، وعُورِضَ بحديث الباب، وبما أخرجه أحمد
(٢٢٥١٠) وأبو داود (٣٣٣٢) بسندٍ قويّ من طريق عاصم بن كُلَيب عن أبيه في قصَّة الشّاة
(١) بين يدي الحديث (٥٥٤٣).

٧٢
باب ٢٠ / ح ٥٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
التي ذَبَحَتها المرأة بغير إذن صاحبها، فامتَنَعَ النبيّ وَل ◌َه من أكلها، لكنَّه قال: ((أطعِموها
الأُسارَى))، فلو لم تكن ذَكيَّة ما أمَرَ بإطعامها الأُسارَى.
وفيه جوازُ أكل ما تذبحه المرأة سواء كانت حُرّة أو أَمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو
كِتَابِيَّة، طاهراً أو غير طاهر، لأَنَّه وَّهِ أَمَرَ بأكلِ ما ذَبَحَته ولم يَستَفْصِل، نَصَّ على ذلك الشافعيّ،
وهو قول الجمهور، وقد تقدّم في صَدْر الباب.
٢٠ - بابٌ لا يذكَّى بالسِّنّ والعظم والظُّفْر
٥٥٠٦ - حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبيه، عن عَبَايَةَ بنِ رِفاعةَ، عن رافعٍ بِنِ خَدِيجٍ
قال: قال النبيُّ وَِّ: ((كُلْ - يعني - ما أنّهَرَ الدَّمَ إلّ السَّنَّ والظُّفُرَ)).
قوله: ((بابٌ لا يُذكَّى بالسِّنُّ والعَظْم والظّفْر)) قال الكِرْ مانيُّ: السِّنّ: عظم خاصٌّ وكذلك
الظُّفر ولكنَّهما في العُرْف ليسا بعَظمَين، وكذا عند الأطباء، وعلى الأوَّل فذِكْر العظم من
عطف العامٌّ على الخاصِّ ثمَّ الخاصِّ على العامّ.
ذکر فیه طَرفاً من حدیث رافع بن خَدِیج، وقد تقدَّمَت مباحثه (٥٤٩٨)، وسفيان: هو
الثَّوْريّ.
٦٣٤/٩ قال الكِرْمانيُّ: تَرجَمَ بالعظمِ/ ولم يَذكُره في الحديث، ولكنَّ حُكمَه يُعلَم منه. قلت:
والبخاريّ في هذا ماشٍ على عادته في الإشارة إلى ما يَتَضَمَّنه أصلُ الحديث، فإنَّ فيه: ((أمَّا السِّنّ
فعظمٌ))، وإن كانت هذه الجملة لم تُذكَر هنا لكنَّها ثابتة مشهورة في نفس الحديث(١).
قوله: ((قال النبيّ وَّهِ: كُلْ - يعني - ما أنهَرَ الدَّمَ إلّا السّنّ والظَّفْرَ)) كذا عند الجميع، ولم
أَرَه عند أحدٍ مَّن رواه عن الثَّوْريّ بهذا اللَّفظ، و((كُلْ)) فعلُ أمر بالأكل، ولفظ ((يعني))
تفسير، كأنَّ الراوي قال كلاماً هذا معناه، وقد أخرجه البيهقيُّ (٢٤٦/٩) من طريق
الباغَنْديّ عن قبيصة شيخ البخاريّ فيه بلفظ: كنّا مع النبيّ آ# بدي الخُلَیفة فأصاب الناس
إيلاً وغَنَماً، قال: وذكر الحديث بنحوِه وزاد في آخره: قال عَبايةٌ: ثمَّ إِنَّ ناضحاً تَرَدَّى بالمدينة
(١) سلفت غير مرة، انظر (٥٤٩٨).

٧٣
باب ٢١ / ح ٥٥٠٧
كتاب الذبائح والصيد
فذُبحَ من قِبَل شاكِلَته(١)، فأخَذَ منه ابن عمر عَشيراً بدِرْهَمَينٍ. وسيأتي الحديث بعد قليل
من طريق يحيى القَطّان عن الثَّوْرِيّ مُطوَّلاً (٥٥٠٩).
٢١ - باب ذبيحة الأعراب ونحوِ هم
٥٥٠٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله، حدَّثنا أسامةُ بنُ حفصِ المدنيُّ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ،
عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ قوماً قالوا للنبيٍّ ◌ََّ: إِنَّ قوماً يأتوننا باللَّحْمِ لا نَذْرِي أُذُكِرَ
اسمُ الله عليه أم لا؟ فقال: ((سَمُّوا عليه أنتم وكُلُوه)) قالت: وكانوا حديثِي عَهْدِ بالكُفْرِ.
تابَعَه عليٌّ عن الدَّرَاوَرْدِيِّ، وتابَعَه أبو خالدٍ والطُّفَاوِيّ.
قوله: ((باب ذبيحة الأعراب ونحوهم)) كذا للأكثرِ بالواو، وللكُشْمِيهنيّ بالرَّاءِ بدلَ
الواو، وكذا هو عند النَّسَفيّ ولِكلِّ وجهٌ.
قوله: ((أُسامة بن حفص المدنيّ)) هو شيخ لم يَزِد البخاريُّ في ((التاریخ)) في تعريفه على ما
في هذا الإسناد، وذكر غيره أنَّه روى عنه أيضاً يحيى بن إبراهيم بن أبي قُتَيلة، بالقاف والمثنّة
مُصغّر، ولم يَحَتَجَّ البخاريّ بأسامة هذا، لأنَّه قد أخرج هذا الحديث من رواية الطُّفاويّ
وغيره كما سأُبيِّنه.
قوله: ((تابَعَه عليٌّ عن الدَّرَاوَرْديّ) هو عليّ بن عبد الله بن المَدِينِيّ شيخُ البخاريّ،
والدَّرَاوَرديّ: هو عبد العزيز بن محمَّد، وإنَّما يُرِّج له البخاريّ في المتابَعات، ومُراد البخاريّ
أنَّ الدَّراوَرديّ رواه عن هشام بن عُرْوة مرفوعاً كما رواه أُسامة بن حفص، وقد أخرجه
الإسماعيليّ من طريق يعقوب بن حُميدٍ عن الدَّرَاوَرديّ به.
قوله: ((وتابَعَه أبو خالد والطّفاويُّ) يعني عن هشام بن عُرْوة في رفعه أيضاً، فأمَّا
رواية أبي خالد - وهو سليمان بن حَيّان الأحمر - فقد وَصَلَها عنه المصنِّف في كتاب
التَّوحيد (٧٣٨٩) وقال عَقِبه: وتابَعَه محمَّد بن عبد الرَّحمن والدَّراوَرديّ وأسامة بن
حفص.
(١) أي: من جهة خاصرته.

٧٤
باب ٢١ / ح ٥٥٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا رواية الطَّفاويّ - وهو محمّد بن عبد الرَّحمن - فقد وَصَلَها عنه المصنِّف في كتاب
البيوع (٢٠٥٧)، وخالَفَهم مالك فرواه عن هشام عن أبيه مُرسَلاً ليس فيه عائشة، قال
الدّارَ قُطْنُّ في ((العِلَل)): رواه عبد الرحيم بن سليمان ومُحاضِر بن الموَرِّع والنَّضر بن ◌ُمَيلٍ
وآخرونَ عن هشام موصولاً، ورواه مالك مُرسَلاً عن هشام، ووافَقَ مالكاً على إرساله
الحَّادانِ وابن عُيَينةَ والقَطّان عن هشام، وهو أشبهُ بالصَّواب، وذكر أيضاً أنَّ يحيى بن أبي
طالب رواه عن عبد الوهّاب بن عطاء عن مالك موصولاً.
قلت: رواية عبد الرحيم عند ابن ماجه (٣١٧٤)، ورواية النَّضر عند النَّسائيِّ (٤٤٣٦)،
ورواية محاضِر عند أبي داود (٢٨٢٩)، وقد أخرجه البيهقيُّ (٢٣٩/٩) من رواية جعفر بن
عَوْن عن هشام مُرسَلاً.
ويُستَفاد من صنيع البخاريّ: أنَّ الحديث إذا اختُلِفَ في وصله وإرساله، حُكِمَ للواصلِ
بشرطَينِ: أحدهما: أن يزيد عَدَدُ مَن وَصَلَه على مَن أرسَلَه، والآخر: أن يَحَتَفّ بقَرِينةٍ تُقَوّي
٦٣٥/٩ الرِّواية/ الموصولة، لأنَّ عُرْوة معروف بالرِّواية عن عائشة مشهور بالأخذِ عنها، ففي ذلك
إشعار بحِفْظ مَن وَصَلَه عن هشام دون مَن أرسَلَه.
ويُؤخَذ من صنيعه أيضاً: أنَّه وإن اشتَرَطَ في ((الصَّحيح)) أن يكون راويه من أهل الضَّبط
والإتقان، أنَّه إن كان في الراوي قُصور عن ذلك ووافَقَه على رواية ذلك الخبر مَن هو مِثْلُه،
انجَبَرَ ذلك القصورُ بذلك وصَحَّ الحديث على شرطه.
قوله: ((إنَّ قوماً قالوا للنبيِّ وَّ)) لم أقِفْ على تعيينهم، ووَقَعَ في رواية مالك (٤٨٨/٢):
سُئلَ رسول الله وَ له.
قوله: ((إنَّ قوماً يأتونَنا بلحم)) في رواية أبي خالد(١): يأتونا بلُحْمان، وفي رواية النَّضر بن شُمَيلِ
عن هشام عند النَّسائيِّ (٤٤٣٦): إنَّ ناساً من الأعراب، وفي رواية مالك: من البادية.
قوله: ((لا نَذْري أُذُكِرَ اسمُ الله عليه)) كذا هنا بضمِّ الذّال على البناء للمجهول، وفي رواية
(١) عند البخاري برقم (٧٣٩٨).

٧٥
باب ٢١ / ح ٥٥٠٧
كتاب الذبائح والصيد
الطُّفاويّ الماضية في البيوع (٢٠٥٧): أَذَكَروا، وفي رواية أبي خالد: لا نَدري یَذكُرُونَ، زاد
أبو داود في روايته (٢٨٢٩): أم لم يَذْكُروا، أفنأكُل منها؟
قوله: ((سَمُّوا عليه أنتم وكُلوا)) في رواية الطَّفاويّ: ((سَمُّوا الله))، وفي رواية النَّضر وأبي
خالد: ((اذكُرُوا اسمَ الله)) زاد أبو خالد: ((أنتم)).
قوله: ((قالت: وكانوا حديثي عَهْدٍ بالكُفْرِ)) وفي لفظ: حديثٌ عَهْدُهم(١)، وهي جملة اسميّة
قُدِّمَ خبرُها ووَقَعَت صِفَة لقولِه: ((أقواماً)، ويحتمل أن يكون خَبَراً ثانياً بعد الخبر الأوَّل،
وهو قوله: يأتونَنا بلحمٍ.
قوله: ((بالكُفْرِ)» وفي لفظ: بكفرٍ، وفي رواية أبي خالد: بشِركٍ، وفي رواية أبي داود:
بجاهليَّةٍ، زاد مالك في آخره: ((وذلك في أوَّل الإسلام)) وقد تَعلَّقَ بهذه الزّيادة قوم فَزَعَموا
أنَّ هذا الجواب كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَّ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
[الأنعام: ١٢١]، قال ابن عبد البَرّ: وهو تَعلَّق ضعيف، وفي الحديث نفسه ما يَرُدّه، لأنَّه
أمَرَهم فيه بالتَّسمية عند الأكل، فدَلَّ على أنَّ الآية كانت نزلت بالأمرِ بالتَّسمية عند الأكل،
وأيضاً فقد اتَّفَقوا على أنَّ الأنعام مكّيَّة وأنَّ هذه القصّة جَرَتْ بالمدينة، وأنَّ الأعراب المشار
إليهم في الحديث هم بادية أهل المدينة.
وزاد ابن عُيَينةَ في روايته: ((اجتَهِدوا أيمانهم وكُلو))(٢) أي: حَلِّفوهم على أنَّهم سَمَّوْا
حين ذَبَحوا، وهذه الزّيادة غريبة في هذا الحديث، وابن عُيَينةَ ثقة لكن روايته هذه مُرسَلة،
نعم أخرج الطبرانيُّ (٣) من حديث أبي سعيد نحوه لكن قال: ((اجْهَدُوا أيمانَهم أنَهم ذَبَحوها))
ورجاله ثقات(٤)، وللطَّحاويّ في ((المشكِل)) (٧٥٤): سألَ ناس من الصَّحابة رسولَ الله وَهل
(١) هو في رواية أبي خالد الأحمر الآتية عند البخاري برقم (٧٣٩٨).
(٢) ذكرها ابن حزم في ((المحلّ)) ٧/ ٤٥٨.
(٣) في ((الأوسط)) (٢٣٤٦).
(٤) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو ذهولٌ شديد منه، ففي إسناد الطبرانيِّ أبوهارون العبدي - واسمه عمارة
ابن جُوَين - قال فيه الحافظ نفسه في ((التقريب)): متروك ومنهم من كذَّبه!

٧٦
باب ٢١ / ح ٥٥٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
فقالوا: أعاريبُ يأتونَنا بلُحمانٍ وجُبن وسَمْن ما ندري ما كُنْه إسلامهم، قال: «انظُروا ما
حَرَّمَ الله عليكم فأمسِكوا عنه، وما سَكَتَ عنه فقد عَفَا لكم عنه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾
[مريم:٦٤]، اذكروا اسم الله عليه))(١).
قال المهلَّب: هذا الحديث أصلٌّ في أنَّ التَّسمية على الذَّبيحة لا تجبُ، إذ لو كانت واجبة
لاشتُرِطَت على كلّ حال، وقد أجمعوا على أنَّ النَّسمية على الأكل ليست فرضاً، فلمَّا نابَتْ
عن التَّسمية على الذَّبح دلَّ على أنَّهَا سُنّة، لأنَّ السُّنّة لا تَنُوب عن الفرض، ودَلَّ هذا على
أنَّ الأمر في حديث عَديّ وأبي ثَعْلبة محمول على التَّنزيه من أجل أنَّهما كانا يصيدانٍ على
مذهب الجاهليَّة، فعَلَّمهما النبيُّنَّهِ أمرَ الصَّيد والذَّبح، فرضَه ومندوبَه، لئلا يُواقِعًا شُبهة
من ذلك، وليأخُذا بأكمَل الأُمور فيما يَستَقبلان، وأمَّ الذينَ سألوا عن هذه الذَّبائح فإنَّم
سألوا عن أمر قد وَقَعَ ويقعُ لغيرهم ليس فيه قُدْرة على الأخذ بالأكمَل، فعَرَّفَهم بأصلِ
الحِلِّ فيه.
وقال ابن التِّين: يحتمل أن يُرادَ بالتَّسمية هنا عند الأكل، وبذلك جَزَمَ النَّوَويّ، قال
ابن التِّين: وأمَّا التَّسمية على ذَبْح تَوَلّاه غيرهم من غير عِلمهم، فلا تكليف عليهم فيه،
وإنَّما يُحِمَل على غير الصِّحّة إذا تَبيَّن خِلَافها، ويحتمل أن يريد أنَّ تسميتكم الآن
تستبيحونَ بها أكلَ ما لم تَعلَموا أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا إذا كان الذّابح ممَّن تَصِحُّ ذبيحتُه
إذا سَمّی.
ويُستَفاد منه أنَّ كلَّ ما يُوجَد في أسواق المسلمينَ محمول على الصِّحّة، وكذا ما ذَبَحَه
٦٣٦/٩ أعراب المسلمين، لأنَّ الغالب أنَّهم عَرَفوا التَّسمية، وبهذا/ الأخير جَزَمَ ابن عبد البَرّ فقال:
فيه أنَّ ما ذَبَحَه المسلم يُؤْكَل ويُحمَل على أنَّ سَمّى، لأنَّ المسلم لا يُظنّ به في كلّ شيء إلّا
الخيرُ حتَّى يَتَبَّ خِلَافُ ذلك، وعَكَسَ هذا الخطَّبيُّ فقال: فيه دليل على أنَّ التَّسمية غير
شرط على الذَّبيحة، لأنَّها لو كانت شرطاً لم تُستَبَح الذَّبيحة بالأمرِ المشكوك فيه، كما لو
(١) وإسناده ضعيف.

٧٧
باب ٢١ / ح ٥٥٠٧
كتاب الذبائح والصيد
عَرَضَ الشكّ في نفس الذَّبح فلم يعلم هل وَقَعَت الذَّكاة المعتبرة أو لا، وهذا هو المتبادَر من
سياق الحديث حيثُ وَقَعَ الجواب فيه: ((فسَمُّوا أنتم وكُلوا)) كأنَّه قيل لهم: لا تَهتَمّوا بذلك،
بل الذي يُهُمّكم أنتم أن تَذكروا اسم الله وتأكُلوا، وهذا من أُسلوب الحكيم كما نَبَّهَ عليه
الطِّيبِيّ. ومما يدلّ على عَدَم الاشتراط قولُه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾
[المائدة: ٥] فأباحَ الأكلَ من ذبائحهم مع وجود الشكّ في أنَّهم سَمَّوا أم لا.
تكملة: قال الغَزاليّ في ((الإحياء)) في مراتب الشُّبُهات: المرتبة الأولى: ما يَتَأَّد الاستحبابُ
في التَّوَرُّع عنه، وهو ما يُقْوَى فيه دليل المخالف، فمنه التَّورُّع عن أكل متروك التَّسمية، فإِنَّ
الآية ظاهرة في الإيجاب، والأخبار مُتَواترة بالأمرِ بها، ولكن لمَّا صَحَّ قوله وَليهِ: ((المؤمن
يَذْبَحُ على اسم الله سَمَّى أو لم يُسمِّ)) احتَمَلَ أن يكون عامّاً مُوجِباً لصَرفِ الآية والأخبار
عن ظاهر الأمر، واحتَمَلَ أن يُخصَّصَ بالناسي ويَبقَى مَن عَدَاه على الظّاهر، وهذا الاحتمال
الثّاني أَولى، والله أعلم.
قلت: الحديث الذي اعتَمَدَ عليه وحَكَمَ بصِحَّتِه بالَغَ النَّوَويُّ في إنكاره فقال: هو
مُجُمَع على ضعفه، قال: وقد أخرجه البيهقيُّ (٩/ ٢٤٠) من حديث أبي هريرة وقال: مُنكَر
لا يُحتَجّ به، وأخرج أبو داود في ((المراسيل)) (٣٧٨) عن الصَّلْت أنَّ النبيّ ◌َِّ قال: «ذَبيحةُ
المسلم حلالٌ، ذكر اسمَ الله أو لم يَذكُر)). قلت: الصَّلت يقال له: السَّدُوسيّ، وذكره ابن
حِبّان في ((الثِّقات))، وهو مُرسَل جيِّد(١)، وحديث أبي هريرة فيه مروان بن سالم وهو
متروك، ولكن ثَبَتَ ذلك عن ابن عبّاس كما تقدَّم في أوَّل ((باب التَّسمية على الذَّبيحة)) (٢)
واختُلِفَ في رفعه ووَقْفه، فإذا انضَمَّ إلى المرسَل المذكور قَوِيَ، أمَّا كَونُه يَبلُغ درجة الصِّحّة
فلا، والله أعلم.
(١) الصَّلْت السدوسي ليَّنه الحافظ نفسه في ((التقريب))، وقال ابن القطّان فيما نقله عنه الَّيْلَعي في ((نصب الراية)»
١٨٣/٤: وفيه مع الإرسال أن الصَّلْت السدوسي لا يعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير
ثور بن یزید.
(٢) ورقم الباب (١٥).

٧٨
باب ٢٢ / ح ٥٥٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
٢٢ - باب ذبائح أهل الكتاب وشُحومِها، مِن أهل الحرب وغيرهم
وقولِه تعالى: ﴿أُحِلّ لَكُمُ الطَِّّبَتُ﴾ [المائدة: ٥].
وقال الزُّهْريُّ: لا بأسَ بذَبِيحةِ نصارَى العربِ، وإن سمعتَه يُسَمّي لغيرِ الله فلا تأكُلْ، وإن
لم تَسْمَعْه فقد أحَلَّه الله لكَ وعَلِمَ كُفْرَهم.
ويُذكرُ عن عليٌّ نحوه.
وقال الحسنُ وإبراهيمُ: لا بأسَ بذَبِيحةِ الأقلَفِ.
وقال ابنُ عيَّاسٍ : طعامُھم ذبائحُهم.
٥٥٠٨ - حذَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُميدٍ بنِ هلالٍ، عن عبدِ الله بنِ مُغفَّلٍ
عُوعية
قال: كنَّا مُحاصِرِينَ قَصْرَ خَيْرَ، فَرَمَى إنسانٌ بچِرابٍ فيه شَحْمٌ، فَتَزَوْتُ لآخُذَه فالتَّفَتُّ فإذا
النبيُّ ێے، فاستحييتُ منه.
قوله: ((باب ذبائح أهل الكتاب وشُحومها، من أهل الحرب وغيرهم)) أشارَ إلى جواز
ذلك، وهو قول الجمهور، وعن مالك وأحمد تحريمُ ما حَرَّمَ الله على أهل الكتاب
كالشُّحومِ، وقال ابن القاسم: لأنَّ الذي أباحَه الله طعامُهم، وليس الشُّحوم من طعامهم
ولا يَقصِدونَها عند الذَّكاة. وتُعقِّبَ بأنَّ ابن عبّاس فَشَرَ طعامهم بذبائحهم كما سيأتي آخر
٦٣٧/٩ الباب،/ وإذا أُبيحَت ذبائحُهم لم يُفتقَرْ إلى قصدهم أجزاء المذبوح، والتَّذكية لا تقعُ على
بعض أجزاء المذبوح دون بعض، وإن كانت التَّذكية شائعة في جميعها دَخَلَ الشَّحمُ لا
محالةَ، وأيضاً فإنَّ الله سبحانه وتعالى نَصَّ بأنَّه حَرَّمَ عليهم كلّ ذي ظُفُر، فكان يَلْزَم على
قول هذا القائل أنَّ اليهوديّ إذا ذَبَحَ ما له ظُفرٌ لا يَحِلُّ للمسلم أكلُه، وأهل الكتاب أيضاً
يُرِّمونَ أكل الإبل، فیقع الإلزام كذلك.
قوله: ((وقولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره إلى قوله: ﴿حِلٌّ
لُمْ﴾، وبهذه الزّيادة يَتَبَيَّن مرادُه من الاستدلال على الحِلّ، لأنَّه لم يَخُصَّ ذِمِّاً من حَربيّ ولا
خَصَّ لحماً من شَحْم، وكَوْن الشُّحوم مُرَّمةً على أهل الكتاب لا يَضُرّ، لأنَّها مُحُرَّمة عليهم

٧٩
باب ٢٢ / ح ٥٥٠٨
كتاب الذبائح والصيد
لا علينا، وغايته - بعد أن يَتَقَرَّر أنَّ ذبائحهم لنا حلال - أنَّ الذي حُرِّمَ عليهم منها مسكوت
في شَرْعنا عن تحريمه علينا، فيكون على أصل الإباحة.
قوله: ((وقال الزُّهْريُّ: لا بأس بذَبيحةِ نصارَى العرب، وإن سمعتَه يُهِلّ لغيرِ الله فلا
تأكُل، وإن لم تسمعه فقد أحَلَّه الله لك وعَلِمَ كُفْرَهم)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (٨٥٧١ و١٠١٩٠)
عن مَعمَر قال: سألت الزُّهْريَّ عن ذبائح نصارى العرب، فذكر نحوه وزاد في آخره قال:
وإهلاله أن يقول: باسم المسيح، وكذا قال الشافعيّ: إن كان لهم ذِبْح يُسَمّونَ عليه غيرَ
اسم الله، مثل اسم المسيح، لم يَحِلّ، وإن ذكر المسيح على معنى الصلاة عليه لم يجرُم، وحكى
البيهقيُّ عن الحَلِيميّ بحثاً: أنَّ أهل الكتاب إنَّما يَذْبَحونَ لله تعالى، وهم في أصل دینهم لا
يَقصِدونَ بعِبادَتِهِم إلّا الله، فإذا كان قصدهم في الأصل ذلك اعتُبرت ذبيحتهم، ولم يَضُرَّ
قولُ مَن قال منهم مثلاً: باسم المسيح، لأنَّه لا يريد بذلك إلّا الله، وإن كان قد كفرَ بذلك
الاعتقاد.
قوله: ((ويُذكَر عن عليّ نحوه)) لم أقِفْ على مَن وَصَلَه(١)، وكأنَّه لا يَصِحّ عنه، ولذلك ذكره
بصيغة التمريض، بل قد جاء عن عليّ من وجه آخر صحیح المنعُ من ذبائح بعض نصارى
العرب، أخرجه الشافعيّ (٢٥٤/٢) وعبد الرَّزّاق (٨٥٧٠) بأسانيد صحيحة عن محمّد بن
سِيرِين عن عَبيدة السَّلْمانيّ عن عليّ قال: لا تأكُلُوا ذبائح نصارى بني تَغْلِب، فإنَّهم لم يَتَمسَّكوا
من دينهم إلّا بِشُرب الخمر؛ ولا تَعارُضَ بين الرِّوايتَينِ عن عليّ، لأنَّ منعَه الذي مَنَعَ فيه
أخصُّ من الذي نُقِلَ فیه عنه الجواز.
قوله: ((وقال الحسن وإبراهيم: لا بأس بذَبيحةِ الأقلَف)) بالقاف ثمَّ الفاء: هو الذي لم يُخْتَن،
والقُلْفة بالقاف، ويقال: بالغَينِ المعجَمة: الغُرْلة، وهي الجِلدة التي تَستُّرُ الحَشَفة، وأثرُ الحسن
أخرجه عبد الرَّزّاق (٨٥٦٢) عن مَعمَر قال: كان الحسن يُرَخِّص في الرجل إذا أسلَمَ بعدَما
یکبر فخاف على نفسه إن اختتن أن لا يُختَتَن، و کان لا یری بأکلِ ذبيحته بأساً.
(١) كذا قال هنا، وذكر في ((تغليق التعليق)) ٥١٤/٤ أنَّ عبد الرزاق وصله، وهو في ((مصنفه)) برقم (١٠١٧٧)،
وشيخ عبد الرزاق فيه مُبهَم لم يُسمَّ.

٨٠
باب ٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا أثر إبراهيم، فأخرجه أبو بكر الخَلّال من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن مُغيرة عن
إبراهيم النَّخَعيِّ قال: لا بأس بذبيحة الأقلَف.
وقد وَرَدَ ما يخالفه، فأخرج ابن المنذر عن ابن عبَّاس: الأقلَفُ لا تُؤْكَل ذبيحته ولا تُقبَل
صلاته ولا شهادته. وقال ابن المنذر: قال مُهور أهل العلم: تجوز ذبيحته، لأنَّ الله سبحانه
أباحَ ذبائح أهل الكتاب، ومنهم مَن لا يَخْتَتِن.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: طعامُهم ذبائحهم)) كذا ثَبَتَ هذا التَّعليق هنا عند المُستَمْلِي،
وثَبَتَ عند السَّرَخْسيّ والحَمُّوِيّ في آخر الباب عَقِبَ الحديث المرفوع، وهو موصول عند
البيهقيِّ (٩/ ٢٨٢) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قال: ذبائحهم، وقائل هذا يَلزَمه أن يُجيز ذبيحة الأقلَف،
لأنَّ كثيراً من أهل الكتاب لا يَخْتَتِنُونَ، وقد خاطَبَ النبيُّ ◌َ هِرَقَلَ وقومَه بقولِه: ((يا أهلَ
الكتاب تَعالَوْا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينَكم))(١) وهِرَقُلُ وقومه ممَّن لا يَخْتِن، وقد سُمّوا أهلَ
الکتاب.
ثم ذكر المصنف حديث عبد الله بن مُغفَّل: ((كنَّا مُحاصِرِينَ قصر خَيْبرِ، فَرَمَى إنسانٌ
بجِرابٍ فيه شَحْم، فَنَزَوتُ)) بنونٍ وزاي، أي: وَثَبتُ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فَبَدَرتُ))
أي: سارَعت، وقد تقدَّمَت مباحثه في فرض الخُمُس (٣١٥٣).
وفيه حُجّة على مَن مَنَعَ ما حُرِّمَ عليهم كالشُّحوم،/ لأنَّ النبيّ وَّهِ أَقَرَّ ابنَ مُغفَّل على
الانتفاع بالجِراب المذكور، وفيه جواز أكل الشَّحم ممَّا ذَبَحَه أهل الكتاب ولو كانوا أهل حرب.
٦٣٨/٩
٢٣- باب ما ندّ من البهائم فهو بمنزلة الوحش
وأجازَه ابنُّ مسعودٍ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ما أعجَزَكَ من البَهائم ممَّ في يَدَيكَ فهو کالصَّیدِ، وفي بعیرٍ تَرَدَّی في بثْرِ
من حيثُ قَدَرْتَ علیه فذَكِّه.
(١) سلف في كتاب بدء الوحي برقم (٧).