Indexed OCR Text
Pages 1-20
فَتَخُ النَّطري بشرّح صِيح البُخَارِيّ تأليفٌ الِإِقَامِ الْحَافِظِ شَكَابِ الِّينِ أُحَمَ بِنْ عَلِّ بْنِ حَرِ السِّقَلَافِيّ ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ أشرفَ على تحقيقِ الكِتَابُ ورَاجَعه شُعَيْتُ الأَوُوَطْ عَادكٌ مِّشْد شارك في تخريج نصوصه حقّق هذا الجزء وضّصَهُ وعَلّ عَلَيْ وعيةٌ التحية عادل موفّ محمّ كَائِل قرهْ بِلَكِيّ الجزءُ السَّابِع عَشرُ الرسالة العالمية . -3 فَُّ النَّطَرِي بشرح صحيح البخاريّ ١٧ ◌َِّهِ الرَّحِْالرَّحِيمِ جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَةٌ لِلنَّاخِرْ الطّبْعَة الأولىُ ١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل الموني والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من: شركة الرسالة العالمية م.م. Publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحي 2625 (963)11-2212773 (963)11-2234305 الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalahonline.com http://www.resalahonline.com فرع بيروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112- 319039- 818615 P.O. BOX:117460 ٥ باب ١ كتاب الذبائح والصيد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الذبائح والصّيد قوله: ((كتاب الذَّبائح والصَّيد» کذا لگرِیمة والأُصِیليّ ورواية عن أبي ذرٍّ، وفي أُخرى له ولأبي الوَقْت: ((باب)) وسَقَطَ للَّسَفِيّ، وَثَبَتَت له البسملة لاحقة، ولأبي الوَقْت سابقة. ١ - باب التَّسمية على الصَّيد وقولِ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَلَا تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣]. وقولِ الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة :٩٤]. وقال ابنُ عبّاسٍ: العقودُ: العُهودُ ما أُحِلَّ وحُرِّمَ. ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: الخِنْزِيُ. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: تَحْمِلَنَّكُم. ﴿ شَنَّثَانُ﴾: عَدَاوةٌ. ﴿ وَالْمُنْخَيِّقَةُ ﴾: تُخْتَقُ فتموت. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: تُضرَبُ بالخشبِ يُوقِذُها فتموتُ. ﴿وَاُلْمُتَرَدِّيَّةُ﴾: تَتَرَدَى منَ الجبلِ. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: تُنْطَعُ الشّاةُ، فما أَدْرَكْتَهِ يَتَحَرَّكُ بِذَنَبِهِ أو بعينِهِ فاذْبَحْ وكُلْ. قوله: ((باب التَّسْمية على الصَّيد)) سَقَطَ ((باب)) لكَرِيمة والأَصِيلِيّ وأبي ذرٍّ، وثَبَتَ للباقينَ. والصَّيد في الأصل مصدر: صادَ يَصِيد صيداً، وعُومِلَ مُعامَلة الأسماء فأُوقِع على الحيوان المُصَاد. قوله: ((وقولِ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ ﴾، ٥٩٩/٩ ٦ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري وقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وقَدَّمَ وأَخَّرَ في رواية كَرِيمة والأَصِيليّ، وزاد بعد قوله: ((الصَّيد)): ﴿تَنَالُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وعند النَّسَفيِّ من قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ الآيَتَين، وكذا لأبي الوَقْت لكن قال: إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾، وفَرَّقَهما في رواية كَرِيمة والأَصِیليّ. قوله: ((قال ابن عبّاس: العقود: العُهود، ما أُحِلَّ وحُرِّمَ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم أتمَّ منه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١]: يعني العُهود: ما أحَلَّ الله وما حَرَّمَ، وما فَرَضَ وما حَدَّ في القرآن، ولا تَغدِروا ولا تَنكُثُوا. وأخرجه الطَّبَرِيُّ (٤٧/٦ و٤٨) من هذا الوجه مُفرَّقاً، ونَقَلَ مِثلَه عن مجاهد والسُّدِّيِّ وجماعة، ونَقَلَ عن قَتَادة: المراد ما كان في الجاهليّة من الحِلْف، ونَقَلَ عن غيره: هي العقود التي يَتَعاقَدها الناس، قال: والأوَّل أَولى، لأنَّ اللهَ أنْبَعَ ذلك البيانَ عَّ أحَلَّ وحَرَّمَ، قال: والعقود جمع عَقْد، وأصلُ عَقْد الشيء بغيره وصلُه به، كما يُعقَد الحبل بالحبلِ. قوله: (﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: الخنزير)) وَصَلَه أيضاً ابن أبي حاتم عنه من هذا الوجه بلفظ: ﴿إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني الميتةَ والدَّمَ ولحمَ الخنزير. قوله: (﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: يَحمِلَنَّكُمْ)) يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] أي: لا يَحِمِلَنَّكم بُغضُ قوم على العُدوان، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً من الوجه المذكور إلى ابن عبّاس، وحكى الطَّبَرِيُّ (٦٤/٦ و٦٥) عن غيره غيرَ ذلك لكنَّه راجِعٌ إلی معناه. قوله: ((المنخَّتِقة ... )) إلى آخره، وَصَلَه البيهقيُّ (٢٤٩/٩) بتمامه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وقال في آخره: فما أدرَكتَه من هذا يَتَحرَّك له ذَنَب أو تَطْرُف له عین، فاذبَحْ واذكُر اسم الله عليه فهو حلال، وأخرجه الطَّبَرِيُّ (٦٨/٦ -٧٣) من هذا الوجه بلفظ: المنخَيِقة: التي تُخْتَق فتموت، والموقوذة: التي تُضرَب بالخشب حتَّى يُوقِذَها فتموت، والمترَدِّية: ٧ باب ١ / ح ٥٤٧٥ كتاب الذبائح والصيد التي تَتَرَدَّى من الجبل، والنَّطيحة: الشّاة تَنْطَحِ الشّاة، وما أكَلَ السَّبُع: ما أخذ السَّبُع، إلّا ما ذَكَّيْتُم: إلّا ما أدرَكتُم ذَكاتَه من هذا كلِّه يَتَحَّك له ذَنَب أو تَطُرُف له عین، فاذبح واذكُر اسم الله عليه فهو حلال. ومن وجه آخر عن ابن عبّاس أنَّه قرأ: ((وأَكِيل السَّبُع))(١)، ومن طريق قَتَادة: ((كلّ ما ذُكِرَ غيرَ الخِنزير، إذا أدرَكتَ منه عيناً تَطُرُف أو ذنباً يَتَحرَّك أو قائمة تَرتَكِض، فذَكَّيْتَه فقد أُحِلّ لك، ومن طريق عليّ (٧٢/٦) نحو قول ابن عبّاس، ومن طريق قَتَادة: كان أهل الجاهليَّة يَضرِبونَ الشّاة بالعصا حتَّى إذا ماتت أكَلوها، قال:/ والمترَدّية: ٦٠٠/٩ التي تَتَرَدَّی في البثر. ٥٤٧٥- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زكريًّا، عن عامٍ، عن عَدِيِّ بنِ حاتم ﴾، قال: سألتُ النبيَّ وَّهَ عن صيدِ المِعْراض، قال: ((ما أصابَ بحَدِّه فكُلْه، وما أصابَ بعَرْضِه فهو وَقِيذٌ)) وسألتُه عن صيدِ الكلبِ، فقال: ((ما أمسَكَ عليكَ فَكُلْ، فإنَّ أخذَ الكلبِ ذَكَاةٌ، وإن وَجَدْتَ معَ كلِكَ - أو كِلابِكَ - كلباً غيرَه فخَشِيتَ أن يكونَ أخَذَه معه وقد قَتَلَه، فلا تأْكُلْ، فإنَّما ذَگرْتَ اسم الله علی کلیكَ ولم تَذْكُرْه على غيره)). قوله: ((حذَّثنا زكريًّا)) هو ابن أبي زائدة، وعامر: هو الشَّعْبيّ، وهذا السَّنَد كوفيّونَ. قوله: «عن عديّ بن حاتم)) هو الطائيّ، في رواية الإسماعيليّ من طريق عيسى بن يونس عن زكريّ: حدَّثنا عامر حدَّثنا عَدِيّ، قال الإسماعيليّ: ذكرته لقوله(٢): ((حدَّثنا عامر حدَّثنا عَديّ))؛ يشير إلى أنَّ زکریًّا مُدلِّس، وقد عَنعَنَه. م. قلت: وسيأتي (٥٤٧٦) في رواية عبد الله بن أبي السَّفَر عن الشَّعْبِيّ: سمعت عَديّ بن حاتم، وفي رواية سعيد بن مسروق: حدَّثني الشَّعْبيّ سمعتُ عَديّ بن حاتم، وكان لنا جاراً ودَخيلاً ورَبِيطاً(٣) بالنَّهرَينِ، أخرجه مسلم (١٩٢٩/ ٥)، وأبوه حاتم هو المشهور بالجُود، (١) وهي من القراءات الشاذّة، ذكرها ابن جنِّي في ((المحتسب في تبيين وجوه شواذٌ القراءات)) ١/ ٢٠٧. (٢) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: بقوله. (٣) قال النووي: قال أهل اللغة: الدخيل: الذي يداخل الإنسان ويخالطه في أموره، والرَّبيط هنا بمعنى المرابط: وهو الملازم، قالوا: والمراد هنا ربطُ نفسه على العبادة وعن الدنيا. ٨ باب ١ / ح ٥٤٧٥ فتح الباري بشرح البخاري وكان هو أيضاً جَوَاداً، وكان إسلامه سنة الفتح، وثَبَتَ هو وقومُه على الإسلام، وشَهِدَ الفُتوحَ بالعراق، ثمَّ كان مع عليّ وعاشَ إلى سنة ثمان وستّينَ. قوله: ((المِعْراض)) بكسر الميم وسكون المهمَلة وآخره مُعجَمة، قال الخليل وتَبِعَه جماعة: سهمٌ لا ريشَ له ولا نَصْل. وقال ابن دُرَيدٍ وتَبِعَه ابن سِيدَهْ: سهم طويل له أربع قُذَذِ رِقاق، فإذا رَمَی به اعتَرَضَ. وقال الخطّابِيُّ: المِعراض: نصلٌ عريض له ثِقَل ورَزَانة، وقيل: عود رقيق الطََّّفَيْنِ غليظ الوَسَط وهو المسمَّى بالْخُذَافة، وقيل: خشبة ثقيلة آخرها عصاً مُحدَّد رأسها وقد لا يُحدَّد، وقَوَّى هذا الأخير النَّوَويّ تَبَعاً لعياضٍ، وقال القُرطُبيّ: إنَّه المشهور، وقال ابن التِّين: المِعراض: عَصاً في طَرَفها حديدة يرمي الصّائِدُ بها الصَّيد، فما أصاب بحَدِّه فهو ذَكيّ فيُؤگل، وما أصاب بغیر حَدّه فهو وَقِیذ. قوله: ((وما أصاب بعَرْضِه فهو وَقِيذ)) في رواية ابن أبي السَّفَر عن الشَّعْبيّ في الباب الذي يليه (٥٤٧٦): ((بعَرضِه فقَتل فإنَّه وَقيذ، فلا تأكل)»، ووقِيذ، بالقاف وآخره ذال مُعجَمة وزن عَظيم، فَعِيلَ بمعنى مفعول: وهو ما قُتِلَ بعَصاً أو حجر أو ما لا حَدَّ له، والموقوذة تقدَّم تفسيرها، وأنَّها التي تُضرَب بالخشبة حتَّى تموت، ووَقَعَ في رواية هَمَّام بن الحارث عن عَديّ الآتية (٥٤٧٧) بعد بابٍ: قلت: إنّا نَرمي بالمِعراض، قال: ((كلْ ما خَزَقَ)) وهو بفتح الخاء المعجَمة والزّاي بعدها قاف، أي: نَفَذَ، يقال: سهم خازِق، أي: نافذ، ويقال: بالسِّين المهمَلة بَدَل الزّاي، وقيل: الخَزْق - بالزّاي، وقيل: تُبدَل سِيناً -: الخَدْش ولا يَئُبُت فيه، فإن قيل بالرَّاءِ فهو أن يَتْقُبه. وحاصله: أنَّ السَّهم وما في معناه إذا أصاب الصَّيدَ بحَدِّه حَلَّ وكانت تلك ذَكاتَه، وإذا أصابه بعَرضِه لم يَحِلّ، لأنَّه في معنى الخشبة الثَّقيلة والحجر ونحو ذلك من المثَقَّل. وقوله: ((بعَرْضِه)) بفتح العين، أي: بغير طَرَفه المحدَّد، وهو حُجّة للجمهورِ في الَّفصيل المذکور، وعن الأوزاعيّ وغيره من فقهاء الشّام حلّ ذلك، وسيأتي في الباب الذي یلیه إن شاءً الله تعالى. ٩ باب ١ / ح ٥٤٧٥ كتاب الذبائح والصيد قوله: ((وسألتُه عن صيد الكلب، فقال: ما أمسَكَ عليك فَكُلْ، فإنَّ أخْذَ الكلب ذَكَاةٌ)) في رواية ابنِ أبي السَّفَر (٥٤٧٦): ((إذا أرسَلتَ كلبك فسَمَّيت فكُل))، وفي رواية بَيَان بن عَمْرو عن الشَّعْبيّ الآتية بعد أبواب (٥٤٨٣): ((إذا أرسَلتَ كِلابَك المعلَّمة وذكرتَ اسم الله فكُل ممّا أمسَكنَ عليك)) والمراد بالمعلَّمة التي إذا أغراها صاحبُها على الصَّيد طلبته، وإذا زَجَرَها انْزَجَرَت، وإذا أخَذَت الصَّيدَ حَبَسَته على صاحبها، وهذا الثّالث مُتَلَف في اشتراطه، واختُلِفَ متى يعلم ذلك منها، فقال البَغَويُّ في ((التَّهذيب)): أقلُّه ثلاث مرَّات، وعن أبي حنيفة وأحمد: يكفي مرَّتَين، وقال الرَّافعيّ: لم يُقدِّره المعظَم لاضطراب العُرْف واختلاف طِباع الجَوارح، فصارَ المرجِعُ إلى العُرف. ووَقَعَ في رواية مُجالد عن الشَّعْبيّ عن عَديّ في هذا الحديث عند أبي داود (٢٨٥١) والِّرمِذيّ (١٤٦٧) أمَّا التِّرمِذيّ فلفظه: سألتُ رسول الله ◌َّ عن صيد البازي، فقال: ((ما أمسَكَ عليك فكُلْ))، وأمَّا أبو داود فلفظه: ((ما عَلَّمتَ من كلب أو بازٍ ثمَّ أرسَلتَه وذكرتَ اسم الله فكُل ما أمسَكَ عليك)) قلت: وإن قَتَل؟ قال: ((إذا قَتَل ولم يأكل منه))، قال التِّرمِذيّ: والعَمَل على هذا عند أهل العلم لا يَرَونَ بصيدِ البُزَاة والصُّقور بأساً، انتهى. وفي معنى البازي الصَّقْرُ والعُقاب والباشَق والشّاهينُ، وقد فَسَّرَ مجاهدٌ الْجَوارحَ في الآية بالكلاب / والطّيور، وهو قول الجمهور إلّا ما روي عن ابنِ عمر وابنٍ عبَّاس من التَّفْرِقة ٦٠١/٩ بين صيد الكلب والطّیر. قوله: ((إذا أرسَلْتَ كِلابَك المعلّمة، فإن وَجَدْتَ معَ کلبك كلباً غيره)» في روایة بیان (٥٤٨٣): ((وإن خالَطَها كِلاب من غيرها، فلا تأكُل))، وزاد في روايته بعد قوله: ((ممّا أَمسَكنَ عليك)): ((وإن قتلنَ، إلّا أن يأكل الكلبُ، فإنّي أخافُ أن يكونَ إنَّما أمسَكَ على نفسه))، وفي رواية ابنِ أبي السَّفَر (٥٤٧٦): قلت: فإن أكَلَ؟ قال: «فلا تأكُلْ، فإنَّه لم يُمسِك عليك إنَّما أمسَكَ على نفسه))، وسيأتي بعد أبواب (٥٤٨٤) زيادة في رواية عاصم عن الشَّعْبيّ في رَمْي الصَّيد إذا غاب عنه ووَ جَدَه بعد يوم أو أكثر. ١٠ باب ١ / ح ٥٤٧٥ فتح الباري بشرح البخاري وفي الحديث اشتراطُ التَّسمية عند الصَّيد، وقد وَقَعَ في حديث أبي ثَعْلبة كما سيأتي بعد أبواب (٥٤٨٨): ((وما صِدتَ بكلبك المعلّم فذكرتَ اسم الله فكُل))، وقد أجمعوا على مشروعيَّتها إلّا أنَّهم اختلفوا في كونها شرطاً في حِلّ الأكل، فذهب الشافعيّ وطائفة - وهو رواية عن مالك وأحمد -: أنَّهَا سُنّة، فمَن تَرَكَها عَمداً أو سَهواً لم يَقدَحْ في حِلّ الأكل، وذهب أحمد في الرَّاجح عنه وأبو ثَوْر وطائفة إلى أنَّها واجبة لجَعلِها شرطاً في حديث عَديٍّ، ولإيقاف الإذن في الأكل عليها في حديث أبي ثَعْلبة، والمعلَّقُ بالوصفِ يَنتَفي عند انتفائه عند مَن يقول بالمفهوم، والشَّرط أقوى من الوصف، ويَتأكَّد القولُ بالوجوب بأنَّ الأصل تحريمُ الميتة، وما أُذِنَ فيه منها تُراعَى صِفَتُه، فالمسَمَّى عليها وافَقَ الوصفَ، وغيرُ المسَمَّى باقٍ على أصل التَّحریم. وذهب أبو حنيفة ومالك والثّوْريُّ وجماهيرُ العلماء إلى الجواز لمن تَرَكَها ساهياً لا عَمداً، لكن اختُلِفَ عن المالكيَّةِ: هل تَحُرُم أو تُكرَه؟ وعند الحنفيَّة: تَّحُرُم، وعند الشافعيَّ في العَمْد ثلاثة أوجُهٍ: أصخُّها: يُكرَه الأكل، وقيل: خِلَاف الأَولى، وقيل: يَأْثَم بالتَّركِ ولا يَحُرُم الأكل، والمشهور عن أحمد التَّفْرِقَةُ بين الصَّيد والذَّبيحة، فذهب في الذَّبيحة إلى هذا القول الثّالث، وسيأتي حُجّة مَن لم يَشتَرِطه فيها في الذَّبائح مُفَصَّلة. وفيه إباحة الاصطياد بالكِلاب المعلَّمة، واستَثْنَى أحمدُ وإسحاق الكلبَ الأسوَد وقالا: لا يَحِلّ الصَّيد به، لأنَّه شيطان، ونُقِلَ عن الحسن وإبراهيم وقَتَادة نحوُ ذلك. وفيه جواز أكلِ ما أمسَكَه الكلب بالشُّروطِ المتقدِّمة ولو لم يُذبَحْ لقولِه: ((إنَّ أخْذَ الكلب ذَكاةً)) فلو قتل الصَّيد بظُفره أو نابِهِ حَلَّ، وكذا بثِقَلِه على أحدِ القولَينِ للشّافعيِّ وهو الرَّاجح عندهم، وكذا لو لم يَقتُله الكلب لكن تَرَكَه وبه رَمَقَ ولم يَبقَ زمنٌ يُمكِن صاحبه فيه لَحَاقَه وذَبَحَه فماتَ حَلَّ، لعموم قوله: ((فإنَّ أخذَ الكلب ذَكاة)) وهذا في المعلّم، فلو وَجَدَه حَيّاً حياةً مُستَقِرّة وأدرَكَ ذكاتَه لم يَحِلّ إلّ بالتَّذكية، فلو لم يَذْبَحه مع الإمكان خَرُمَ، سواء كان عَدَمُ الذَّبح اختياراً أو اضطراراً كعَدَم حضور آلة الذَّبح، فإن كان الكلب ١١ باب ١ / ح ٥٤٧٥ كتاب الذبائح والصيد غير مُعلَّم اشتُرِطَ إدراكُ تذكيَتِه، فلو أدرَكَه ميِّئاً لم يَحِلّ. وفيه أنَّه لا يَحِلّ أكلُ ما شارَكَه فيه كلبٌ آخر في اصطياده، ومحلَّه ما إذا استَرسَلَ بنفسِه أو أرسَلَه مَن ليس من أهل الذَّكاة، فإن تَحقَّقَ أنَّه أرسَلَه مَن هو من أهل الذَّكاة حَلَّ، ثمَّ يَنظُر، فإن أرسَلاهما معاً فهو لهما وإلّا فللأوَّل، ويُؤخَذ ذلك من التَّعليل في قوله: ((فإنَّمَا سَمَّتَ على كلبك ولم تُسمِّ على غيره)) فإنَّه يُفهَم منه أنَّ المرسِل لو سَمَّى على الكلب لَحَلَّ. ووَقَعَ في رواية بيانٍ عن الشَّعْبِيّ (٥٤٨٣): ((وإن خالَطَها كِلابٌ من غيرها فلا تأكُل)) فيُؤْخَذ منه أنَّه لو وَجَدَه حَيّاً وفيه حياة مُستَقِرّة فذَكّاه حَلَّ، لأنَّ الاعتماد في الإباحة على التَّذكية لا على إمساك الكلب. وفيه تحريم أكلِ الصَّيد الذي أكَلَ الكلب منه ولو كان الكلب مُعلَّماً، وقد عُلِّلَ في الحديث بالخوفِ من أنَّه: ((إنَّما أمسَكَ على نفسه))، وهذا قول الجمهور، وهو الرَّاجح من قولَي الشافعيّ، وقال في القديم - وهو قول مالك ونُقِلَ عن بعض الصَّحابة -: يَحِلّ، واحتَجُّوا بما وَرَدَ في حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه: أنَّ أعرابيّاً يقال له: أبو ثَعْلبة، قال: يا رسول الله، إنَّ لي كِلاباً مُكلَّبة، فأفتِني في صيدها، قال: (كُلْ ممَّا أمسَكنَ/ ٦٠٢/٩ عليك)) قال: وإن أكَلَ منه؟ قال: ((وإن أكَلَ منه)) أخرجه أبو داود (٢٨٥٧)، ولا بأس بسنده(١). وسَلَكَ الناسُ في الجمع بين الحديثَينِ طرقاً: منها: للقائلينَ بالتَّحریم حَملُ حديث أبي ثَعْلبة على ما إذا قتله وخَلَّه ثمَّ عادَ فأكَلَ منه، ومنها: التَّرجيحُ، فرواية عَديٍّ في ((الصحيحين)) (١) لكن وقع فيه خلاف على عمرو بن شعيب في سنده ومتنه، فقد ذكر البيهقي في ((السنن)) ٩/ ٢٣٨ أنَّ شعبة رواه عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن رجل من هذيل: أنه سأل النبي وَلّ عن الكلب يصطاد فقال: ((كل، أكل أو لم يأكل))، وأعلَّه به، وأخرجه النسائي (٤٢٩٦) من طريق أبي مالك عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقال فيه مکان قوله (وإن کان أكل منه)): ((وإن قَتَلْنَ))، وهذا أصُّ لموافقته حديث عديٍّ في الرواية الآتية برقم (٥٤٧٧)، فصار حديث عمرو بن شعیب باللفظ الذي ذكره الشارح معًا. ١٢ باب ١ / ح ٥٤٧٥ فتح الباري بشرح البخاري مُتَّفَق على صِحَّتها، ورواية أبي ثَعْلبة المذكورة في غير ((الصحيحين)) مُتَلَف في تضعيفها، وأيضاً فرواية عَديِّ صريحةٌ مقرونة بالتَّعليلِ المناسب للتَّحريم، وهو خوفُ الإمساك على نفسه مُتأيِّدة بأنَّ الأصل في الميتة التَّحريم، فإذا شَكَكْنا في السَّبَب المبيح رَجَعنا إلى الأصل، وبظاهرِ القرآن أيضاً وهو قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، فإنَّ مُقتَضاها أنَّ الذي يُمسِكه من غير إرسال لا يُباح، ويَتَقَوَّى أيضاً بالشواهدِ من حديث ابنِ عبَّاس عند أحمد (٢٠٤٩): ((إذا أرسَلتَ الكلب فأكَلَ الصَّيد فلا تأكُل، فإنَّما أمسَكَ على نفسه، وإذا أرسلتَه فقَتَلَ ولم يأكل فكُلْ، فإنَّما أمسَكَ على صاحبه))، وأخرجه البزَّار (٥٠٦٩) من وجه آخر عن ابنِ عبَّاس، وابنُ أبي شَيْبة (٣٥٧/٥) من حديث أبي رافعٍ بمعناه، ولو كان مُجرَّد الإمساك كافياً لمَا احتيجَ إلى زيادة ﴿عَلَيْكُمْ﴾، ومنها للقائلينَ بالإباحة حَملُ حديث عديٍّ علی کراهة التَّزیه، وحديث أبي ثعلبة على بيان الجواز. قال بعضهم: ومُناسَبة ذلك أنَّ عَدّاً كان مُوسِراً فاختيرَ له الحَملُ على الأَولى، بخِلَاف أبِي ثَعْلبة فإنَّه كان بعكسِه. ولا يخفى ضعفُ هذا التَّمَسُّك مع التَّصريح بالتَّعليلِ في الحديث بخوفِ الإمساك علی نفسه. وقال ابنُ التّين: قال بعض أصحابنا: هو عامٌ فيُحمَل على الذي أدرَكَه ميِّاً من شِدّة العَدْو أو من الصَّدمة فأكَلَ منه، لأنَّه صارَ على صِفَة لا يَتَعلَّق بها الإرسال ولا الإمساك على صاحبه، قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((فإن أكَلَ فلا تأكُلْ)) أن: لا يُوجَدَ منه غیر ◌ُجرَّد الأكل دون إرسال الصّائد له، وتكونُ هذه الجملة مقطوعة عمَّا قبلها، ولا يخفى تَعشُّفُ هذا وبُعدُه. وقال ابن القَصّار: مُجرَّد إرسالنا الكلبَ إمساكٌ علينا، لأنَّ الكلب لا نيَّة له ولا يَصِحّ منه مَيزُها، وإِنَّمَا يَتَصَيَّ بالتَّعليم، فإذا كان الاعتبار بأن يُمسِكَ علينا أو على نفسه واختَلَفَ الحُكْم في ذلك، وَجَبَ أن يَتَميَّز ذلك بنيّة مَن له نيَّة وهو مُرسِلُه، فإذا أرسَلَه فقد أمسَكَ عليه، وإذا لم يُرسِلْه لم يُمسِكْ عليه. كذا قال، ولا يخفى بُعدُه أيضاً ومُصادَمتُه لسياق الحديث، ١٣ باب ١ / ح ٥٤٧٥ كتاب الذبائح والصيد وقد قال الجمهور: إنَّ معنى قوله: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ صِدْنَ لكم، وقد جَعَلَ الشّارع أكلَه منه علامةً على أنَّه أمسَكَ لنفسِه لا لصاحبه، فلا يُعدَل عن ذلك، وقد وَقَعَ في رواية لابنِ أبي شَيْبة (٥/ ٣٦٥): إنْ شَرِبَ من دَمِه فلا تأكل فإنَّه لم يُعلَّم ما عَلَّمْتَه، وفي هذا إشارة إلى أنَّه إذا شَرَعَ في أكله دلَّ على أنَّه ليس بمُعلَّم التَّعليمَ المشتَرَطَ. وسَلَكَ بعض المالكيَّة التَّرجيحَ فقال: هذه اللَّفظة (١) ذكرها الشَّعْبيّ ولم يَذكُرها هَّام، وعارَضَها حديث أبي ثَعْلبة، وهذا ترجيح مردود لما تقدَّمَ. وَسَّك بعضهم بالإجماع على جواز أكله إذا أخَذَه الكلبُ فِيهِ وهَمَّ بأكلِه فأُدرِك قبل أن يأكل، قال: فلو كان أكلُه منه دالاً على أنَّه أمسَكَ على نفسه لكان تَناوُلُه بفيه وشُروعه في أكله كذلك، ولكن يُشتَرَط أن يَقِفَ الصّائد حتَّى يَنظُر هل يأكل أو لا، والله أعلم. وفيه إباحة الاصطياد للانتفاع بالصَّيدِ للأكلِ والبيع، وكذا اللَّهو بشرطِ قَصْدِ التَّذكية والانتفاع، وكَرِهَه مالك، وخالَفَه الجمهور، قال اللَّيث: لا أعلمُ حَقّاً أشبَهَ بباطلٍ منه، فلو لم يَقصِد الانتفاع به حَرُمَ، لأنَّه من الفساد في الأرض بإتلاف نفسٍ عَبَئاً، ويَنْقَدِحُ أن يقال: يُباح، فإنْ لازَمَه وأكثرَ منه كُرِهَ، لأنَّه قد يَشغَلُه عن بعض الواجبات وكثير من المندوبات. وأخرج التِّرمِذيّ (٢٢٥٦) من حديث ابنِ عبَّاس رَفَعَه: ((مَن سَكَنَ البادية جَفَا، ومَن اَّبَعَ الصَّيد غَفَلَ))(٢)، وله شاهد عن أبي هريرة عند التِّمِذيّ أيضاً(٣)، وآخر عند الدّارَ قُطنيُّ في (الأفراد)) من حديث البراء بن عازِب وقال: تفرَّد به شَرِيك(٤). وفيه جواز اقتناء الكلب المعلّم للصَّيد، وسيأتي البحث فيه في حديث (٥٤٨٠): ((مَن اقتَنَی کلباً». (١) يعني قوله: ((فإن أكل فلا تأكل))، انظر رواية الشعبي الآتية برقم (٥٤٧٦)، ورواية همام بن الحارث الآتية برقم (٥٤٧٧). (٢) وأخرجه أحمد أيضاً في ((المسند)) (٣٣٦٢)، وانظر تتمة تخريجه والكلام عليه فيه. (٣) لم نقف عليه عند الترمذي، وهو عند أبي داود (٢٨٦٠). (٤) وهذا الحديث ضعيف على ما بينَّاه في تعليقنا على حديث أبي هريرة في ((مسند أحمد)) برقم (٨٨٣٦). ١٤ باب ١ / ح ٥٤٧٥ فتح الباري بشرح البخاري ٦٠٣/٩ واستُدِلَّ به على جواز بيع كلب الصَّيد للإضافة في قوله: ((كلبك))، وأجابَ مَن مَنَعَ بأنها إضافة اختصاص. واستُدِلَّ به على طهارة سُؤْر كلب الصَّيد دونَ غيره من الكلاب للإذنِ في الأکل من الموضع الذي أكَلَ منه، ولم يَذكُر الغَسْل، ولو كان واجباً لَبيَّنه لأنَّه وقت الحاجة إلى البيان. وقال بعض العلماء: يُعفَى عن مَعَضّ الكلب ولو كان نَجساً لهذا الحديث، وأجابَ مَن قال بنَجاسَتِهِ بأنَّ وجوب الغَسْل كان قد اشتَهَرَ عندهم وعُلمَ فاستَغنى عن ذِكْره، وفيه نظرٌ، وقد يَتَقَوَّى القولُ بالعفو، لأنَّه بشِدّة الجَرْي يَجِفُّ رِيقُه فيُؤْمَنُ معه ما يُحْشَى من إصابة لُعابِه موضعَ العَضّ. واستُدِلَّ بقولِه: ((كُل ما أمسَكَ عليك)) بأنَّه لو أرسَلَ كلبه على صيد فاصطادَ غيرَه خَلَّ، للعُمومِ الذي في قوله: ((ما أمسَكَ))، وهذا قول الجمهور، وقال مالك: لا يَحِلّ، وهو رواية البُوَيطيّ عن الشافعيّ. تنبيه: قال ابن المنيِّرِ: ليس في جميع ما ذُكِرَ من الآي والأحاديث تَعرُّض للتَّسمية المترجَم عليها إلّ آخر حديث عَديّ، فكأنَّه عَدَّه بياناً لمَا أجمَلَته الأدلّة من التَّسمية، وعند الأُصولِيّينَ خِلَافٌ في المجمَل إذا اقتَرَنَت به قَرِينة لفظيّة مُبيِّنة: هل يكون ذلك الدَّليل المجمَل معها أو إيّاها خاصّة؟ انتهى. وقوله: ((الأحاديث)) يوهم أنَّ في الباب عِدّة أحاديث، وليس كذلك لأنَّه لم يَذكُر فيه إلّا حديثَ عَديٌّ، نعم ذكر فيه تفاسير ابن عبّاس فكأنَّه عَدَّها أحاديث، وبحثُه في التَّسمية المذكورة في آخر حديث عَديٍّ مردود، وليس ذلك مُرادَ البخاريّ، وإنَّما جَرَى على عادته في الإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث الذي يُورِده، وقد أورَدَه البخاريُّ بعده بقليلٍ من طريق ابن أبي السَّفَر عن الشَّعبي (٥٤٧٦): ((إذا أرسَلتَ كلبك وسَمَّيتَ فَكُل))، ومن رواية بيان عن الشَّعْبيّ (٥٤٨٣): ((إذا أرسَلْت كِلابَك المعلَّمة وذكرتَ اسم الله فكُل))، فلمَّا كان الأخذ بقَيدِ ((المعلَّم)) مُتَّفَقاً عليه وإن لم يُذكَر في الطَّريق الأولى، كانت التَّسمية كذلك، والله أعلم. ١٥ باب ٢ / ح ٥٤٧٦ كتاب الذبائح والصيد ٢ - باب صيد المِعراض وقال ابنُ عمرَ في المقتولةِ بالبُنْدُقِةِ: تلك المَوْقونةُ. وكَرِهَه سالمٌ والقاسمُ ومجاهدٌ وإبراهيمُ وعطاءٌ والحسنُ. وكَرِهَ الحسنُ رَمْيَ البُنْدُقِةِ في القُرَى والأمصارِ ولا يَرَى به بأساً فيما سواهُ. ٥٤٧٦ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الله بنِ أبي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: سمعتُ عَدِيَّ بنَ حاتم ﴾ قال: سألتُ رسولَ اللهِ وَّهِ عن المِعْراض، فقال: ((إذا أَصَبْتَ بِحَدِّه فكُلْ، فإذا أصاب بعَرْضِه فقَلَ فإِنَّه وَقِيذٌ، فلا تأكُلْ)) فقلتُ: أُرسِلُ كلبي، قال: ((إذا أرسَلْتَ كلبَكَ وسَمَّيْتَ فَكُلْ)) قلتُ: فإن أكَلَ؟ قال: ((فلا تَأْكُلْ، فإنَّه لم يُمْسِكْ عليكَ، إنَّما أمسَكَ على نفسِه)) قلتُ: أُرسِلُ كلبي فأجِدُ معه كلباً آخَرَ، قال: ((لا تأكُلْ، فإنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ على كلِكَ ولم تُسمِّ على آخَرَ)). قوله: ((باب صيد المِعْراض)» تقدَّم تفسیرُه في الذي قبله. قوله: ((وقال ابن عمر في المقتولة بالبُنْدُقةِ (١): تلك المَوْقوذة، وكَرِهَه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن)) أمَّا أثر ابن عمر فوَصَلَه البيهقيُّ (٢٤٩/٩) من طريق أبي عامر العَقَديّ عن زُهَير - هو ابن محمَّد - عن زيد بن أسلَمَ عن ابن عمر أنَّه كان يقول: المقتولة بالبُندُقة تلك الموقوذة، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٣٧٨/٥) من طريق نافع عن ابن عمر: أنَّه كان لا يأكل ما أصابت البُندُقة، ولمالكٍ في ((الموطَّأ)) (٢/ ٤٩١) عن نافع: / رَمَيتُ طائرَينِ ٦٠٤/٩ بحجرٍ فأصبتُهما، فأمّا أحدهما فماتَ فطَرحَه ابن عمر. وأمَّا سالم: وهو ابن عبد الله بن عمر، والقاسم: وهو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدّيق، فأخرج ابن أبي شَيْبة (٥/ ٣٧٨) عن الثَّقفيّ عن عبيد الله بن عمر عنهما: أنَّهما كانا يكرهان البُندُقَةَ إلّا ما أُدركت ذَكاتُه، ولمالكِ في «الموطَّأ)» (٢/ ٤٩١): أنَّه بَلَغَه أنَّ القاسم بن محمَّد كان يكره ما قُتِلَ بالمِعراض والبُندُقة. (١) البُندقة: كرة صغيرة من الطين المتحجِّر يُرقى بها الصيد وغيره، وسيأتي شرح الحافظ لها قريباً في الباب رقم (٥). ١٦ باب ٣ / ح ٥٤٧٧ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا مجاهد، فأخرج ابن أبي شَيْبة (٥/ ٣٧٨) من وجهَينِ: أنَّه كَرِهَه، زاد في أحدهما: لا تأكُل إلّا أن يُذكَّى. وأمَّا إبراهيم - وهو النَّخَعيُّ - فأخرج ابن أبي شَيْبة (٣٧٨/٥) من رواية الأعمَش عنه: لا تأكُل ما أصبتَ بالبُندُقة إلّا أن يُذَّى. وأمَّا عطاء، فقال عبد الرَّزّاق (٨٥٢٧) عن ابن جُرَيج: قال عطاء: إن رَمَيتَ صيداً ببُندُقةٍ فأدرَكتَ ذکاتَه فكُلْه، وإلّا فلا تأكُله. وأمَّا الحسن - وهو البصريّ - فقال ابن أبي شيبة (٣٧٩/٥): حذَّثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن: إذا رَمَى الرجلُ الصَّيدَ بالْجُلَّاهِقة فلا تأكل، إلّا أن تُدرِكَ ذَكاتَه. والجُلَّاهِقة بضمِّ الجيم وتشديد اللّام وكسر الهاء بعدها قاف: هي البُندُقة بالفارسيَّة، والجمع: جُلّاهِقِ. قوله: «وكَرِهَ الحسنُ رميَ البُنْدُقة في القُرَى والأمصار، ولا يَرَى به بأساً فيما سواه)) وَصَلَه ... (١). ثمَّ ذكر حديث عَديّ بن حاتم من طريق عبد الله بن أبي السَّفَر عن الشَّعْبيّ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في الباب الذي قبله. ٣- باب ما أصاب المِعِراضُ بعَرْضِه ٥٤٧٧- حدَّثنا قَبِيصةُ، حذَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن هَّامِ بنِ الحارثِ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتم ◌َّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنّا نُرسِلُ الكِلابَ المعلَّمَةَ، قال: ((كُلْ ما أمسَكْنَ عليكَ)) قلتُ: وإن قَتَلْنَ؟ قال: ((وإن قَتَلْنَ)) قلتُ: وإنّا نَرْمي بالمِعْراض، قال: «كُلْ ما خَزَقَ، وما أصابَ بعَرْضِه فلا تأکُلْ)). قوله: ((باب ما أصاب المِعْراض بعَرْضِه)) ذكر فيه حديث عَديٍّ بن حاتم من طريق همَّام ابن الحارث عنه مختصراً، وقد بيَّنتُ ما فيه في الباب الأوَّل (٥٤٧٦). (١) وقع هنا في أصول ((الفتح)) بياض، ولم نقف على أثر الحسن هذا بالألفاظ المذكورة. ١٧ باب ٤ كتاب الذبائح والصيد ٦٠٥/٩ ٤- باب صید القَوْس وقال الحسنُ وإبراهيمُ: إذا ضَرَبَ صيداً فبانَ منه يدٌ أو رِجِلٌ، لا تأكُلِ الذي بانَ وكُلْ سائره. وقال إبراهيمُ: إذا ضَرَبْتَ عُنُقَه أو وَسَطَه فكُلْه. وقال الأعمَشُ، عن زيدٍ: استَعْصَى على رجلٍ من آلِ عبدِ الله حِمَارٌ، فأمَرَهم أن يَضْرِبوه حيثُ تَيسَّر، دَعُوا ما سَقَطَ منه وكُلوه. قوله: ((باب صيد القَوْس)) القَوْس معروفة، وهي مُركَّبة وغير مُركَّبة، ويُطلَق لفظ القَوس أيضاً على التمر الذي يَبقَى في أسفل النَّخلة، وليس مُراداً هنا. قوله: ((وقال الحسن وإبراهيم: إذا ضَرَبَ صيداً فبانَ منه يدٌ أو رِجْل لا تأكُل الذي بانَ وكُلْ سائرَه)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: وتأكل سائره. أمَّا أثر الحسن، فوَصَلَه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٧٤) بسندٍ صحیح عن الحسن قال في رجل ضَرَبَ صيداً فأبانَ منه يداً أو رِجلاً وهو حَيّ ثمَّ ماتَ، قال: يأكلُهُ(١) ولا يأكُل ما بانَ منه إلّا أن يضرِبَه فيقطَعَه فيموت من ساعته، فإذا كان كذلك فليأكله. وقوله في الأصل: «سائره)) يعني: باقِیَه. وأمَّا أثر إبراهيم، فُرُوِّيناه من روايته لا من رأيه، لكنَّه لم يَتَعقَّبه فكأنَّه رَضِيَه، وقال ابن أبي شَيْبة (٣٧٣/٥-٣٧٤): حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاش عن الأعمَش عن إبراهيم عن عَلْقمة قال: إذا ضَرَبَ الرجلُ الصَّيدَ فبانَ منه عضو، تَرَكَ ما سَقَطَ وأكَلَ ما يَقِيَ. قال ابن المنذر: اختَلَفوا في هذه المسألة، فقال ابن عبّاس وعطاء: لا تأكُل العُضْو منه، وذَكِّ الصَّيد وكُلْه، وقال عِكْرمة: إنْ عَدَا حَيّاً بعد سقوط العُضو منه فلا تأكُل العضو وذَكِّ الصَّيد وكُلْه، وإن ماتَ حين ضَرَبَه فكُلْه كلَّه، وبه قال الشافعيّ وقال: لا فرقَ أن يَنْقَطِعِ قِطعَتَيْنِ أو أقلّ إذا ماتَ من تلك الضَّربة، وعن الثَّوْرِيّ وأبي حنيفة: إن قَطَعَه نصفَينٍ أُكِلا جميعاً، (١) في (س): لا تأكله، وهو خطأ. ١٨ باب ٤ / ح ٥٤٧٨ فتح الباري بشرح البخاري وإن قطع الثُّلث ممّا يلي الرَّأْسَ فكذلك، وممّا يلي العَجُزْ أَكَلِ الثَّلاثَينِ ممّا يلي الرَّأس ولا يأكل الثُّلث الذي يلي العَجُز. قوله: ((وقال إبراهيم)) هو النَّخَعَيّ ((إذا ضَرَبْت عُنقَه أو وَسَطَه)) هو بفتح المهمَلة، وأمَّا الوَسْط بالسُّكون فهو المكان. قوله: ((وقال الأعمَش، عن زيد: استَعْصَى على رجل من آل عبد الله حمارٌ ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٧٣/٥) عن عيسى بن يونس عن الأعمش عن زيد بن وَهْب قال: سُئل ابنُ مسعود عن رجل ضَرَبَ رِجَلَ حِمارٍ وَحْشِيّ فقَطَعَها، فقال: دَعُوا ما سَقَطَ وذَكُّوا ما بَقِيَ وكُلوه. فيُستَفاد منه نسبة زيد وأنَّه ابن وَهْب التابعيّ الكبير، وأنَّ عبد الله: هو ابن مسعود، وأنَّ الحمار كان حِمارَ وحشٍ، وأمَّا الرجل الذي من آل ابن مسعود فلم أعرِف اسمه. وقد رَدَّدَ ابنُ التِّين في شرحه النَّظَرِ: هل هو حمارٌ وحشيٍّ أو أهلِيٌّ؟ وشَرَعَ في حكاية الخِلاف عن المالكيَّة في الحمار الأهليّ، ومُطابقة هذه الآثار لحديثِ الباب من جهة اشتراط الذَّكاة في قوله: ((فأدرَكتَ ذَكاتَه فَكُلْ)) فإنَّ مفهومه أنَّ الصَّيد إذا ماتَ بالصَّدمة من قبل أن تُدرَك ذکاتُه لا يُؤگل. قال ابن بَطّالٍ: أجمعوا على أنَّ السَّهم إذا أصاب الصَّيد فجَرَحَه جازَ أكله، ولو لم يَدرِ هل ماتَ بالجَرحِ أو من سقوطه في الهواء أو من وقوعه على الأرض، وأجمعوا على أنَّه لو وَقَعَ على جبل مثلاً فتَرَدَّى منه فماتَ لا يُؤْكَل، وأنَّ السَّهم إذا لم يُنِذ مَقاتلَه لا يُؤكَل إلّا إذا أُدرِكَت ذَكاتُه. وقال ابن التِّين: إذا قُطِعَ من الصَّيد ما لا يُتوهّم حياتُه بعده، فكأنَّه أنفَذَه بتلك الضَّربة فقامَت مقامَ التَّذكية، وهذا مشهور مذهب مالك وغيره. ٥٤٧٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، حدَّثنا حَيْوةُ، قال: أخبرني رَبِيعةُ بنُ يزيدَ الدِّمَشقيُّ، عن أبي إدريسَ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشَنيِّ، قال: قلتُ: يا نبيَّ الله، إنّا بأرضِ قومٍ من أهلِ الكتابِ أفتأكُلُ في آنْبَيِهم؟ وبِأرضٍ صيدٍ أَصِيدُ بِقَوْسي وبكلبي الذي ليس بمُعلَّمٍ، وبكلبي المعلّمِ، فما ١٩ باب ٤ / ح ٥٤٧٨ كتاب الذبائح والصيد يَصْلُحُ لي؟ قال: ((أمَّا ما ذَكَرْتَ من أهلِ الكتابِ، فإنْ وَجَدْتُم غيرَها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تَجِدوا فاغسِلُوها وكُلوا فيها، وما صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسمَ الله فكُلْ، وما صِدْتَ بكلِكَ المعلَّمِ فَذَكَرْتَ اسمَ الله فكُلْ، وما صِدْتَ بكلِكَ غيرَ مُعلَّمْ فأدْرَكْتَ ذَكاتَه فكُلْ)). [طرفاه في: ٥٤٨٨، ٥٤٩٦] قوله: ((حدَّثنا عبدُ الله بن يزيد)) هو المُقرِئ، وحَيْوة: هو ابن شُرَيحٍ. قوله: ((عن أبي ثَعْلبة الخُشَنيِّ) بضمِّ الخاء وفتح الشّين المعجَمتَينِ ثمَّ نون: نسبة إلى بني ◌ُخُشَين بطنٍ من النَّمِر بن وَبَرة بن تَغْلِبَ - بفتح المثنّاة وسكون المعجَمة وكسر اللّام بعدها موحّدة - بن حُلْوان بن عِمران بن الحافِ بن قُضَاعة. قوله: ((قلت: يا نبيَّ الله، إنّا بأرضِ قومٍ أهل كتاب))/ يعني بالشّام، وكان جماعة من ٦٠٦/٩ قبائل العرب قد سَكَنوا الشّام وتَنَصَّروا منهم آل غسَّان وتَنُوخِ وبَهْز وبطونٌ من قُضاعة منهم بنو خُشَين آل أبي ثَعْلبة، واختُلِفَ في اسم أبي ثَعْلبة، فقيل: جُرِثُوم، وهو قول الأكثر، وقيل: جُرهُم، وقيل: ناشِب، وقيل: جُرثُم وهو كالأوَّل لكن بغير إشباع، وقيل: جُرثومة، وهو كالأوَّل لكن بزيادة هاء، وقيل: غُرُنُوق، وقيل: ناشر، وقيل: لاشر، وقيل: لاش، وقيل: لاشن، وقيل: لاشومة، واختُلفَ في اسم أبيه، فقيل: عَمْرو، وقيل: ناشب، وقيل: ناسم(١) بمُهمَلةٍ، وقيل: بمُعجَمةٍ، وقيل: ناشِر، وقيل: لاشِر، وقيل: لاش، وقيل: لاشِن(٣)، وقيل: لاسِم، وقيل: جُلُهُم، وقيل: حِمْيَر، وقيل: جُرهُم، وقيل: جُرثوم، ويجتمع من اسمه واسم أبيه بالتَّركيب أقوال كثيرة جدّاً، وكان إسلامه قبل خَيْبر وشَهِدَ بيعة الرِّضوان، وتَوَجَّهَ إلى قومه فأسلموا، وله أخ يقال له: عَمْرو، أسلَمَ أيضاً. قوله: ((في آنْبَيِهم)) جمع إناء والأواني جمع آنية، وقد وَقَعَ الجواب عنه: ((فإن وَجَدتُم غيرها فلا تأكُلُوا فيها، وإن لم تَجِدوا فاغسِلوها وكُلوا فيها)) فتمسّك بهذا الأمر مَن رأى أنَّ (١) تحرَّف في (س) إلى: ناسب. (٢) زاد في (س): وقيل: لاشم. ٢٠ باب ٤ / ح ٥٤٧٨ فتح الباري بشرح البخاري استعمال آنية أهل الكتاب تتوقّف على الغَسْل لكَثْرة استعمالهم النَّجاسة، ومنهم مَن يَتَدیَّن بمُلاَبَسَتِها، قال ابن دَقِيق العيد: وقد اختَلَفَ الفقهاء في ذلك بناءً على تَعارُض الأصل والغالب، واحتَجَّ مَن قال بما دَلَّ عليه هذا الحديث بأنَّ الظَّنّ المستفاد من الغالب راجح على الظَّنّ المستفاد من الأصل. وأجابَ مَن قال: بأنَّ الحُكم للأصلِ حَتَّى تَتَحقَّق النَّجاسة بجوابَينِ: أحدهما: أنَّ الأمر بالغَسلِ محمول على الاستحباب احتياطاً، جمعاً بينه وبين ما دَلَّ على التَّمَسُّك بالأصل، والثّاني: أنَّ المراد بحديث أبي ثَعْلبة حالُ مَن تتحقَّق النَّجاسة فيه، ويُؤْيِّده ذِكْر المجوس، لأنَّ أوانيَهم نَجِسة لكَونِم لا ◌َحِلّ ذبائحهم. وقال النَّوَويّ: المراد بالآنية في حديث أبي ثَعْلبة آنية مَن يَطْبُخ فيها لحم الخنزير ويشرب فيها الخمر، كما وَقَعَ التَّصريح به في رواية أبي داود (٣٨٣٩): إنّا نُجاوِرُ أهل الكتاب، وهم يَطْبُخونَ في قُدورهم الخنزيرَ ويشربونَ في آنْيَتَهم الخمرَ فقال ... فذكر الجواب. وأمَّا الفقهاء فمُرادُهم مُطلَق آنية الكفَّار التي ليست مُستَعمَلة في النَّجاسة، فإنَّه يجوز استعمالها ولو لم تُغسَل عندهم، وإن كان الأَولى الغَسْل للخروج من الخِلَاف لا لُبُوتٍ الكراهة في ذلك، ويحتمل أن يكون استعمالها بلا غَسْل مكروهاً بناء على الجواب الأوَّل، وهو الظّاهر من الحديث، وأنَّ استعمالها مع الغَسْلِ رُخْصة إذا وَجَدَ غيرها، فإن لم يَجِدْ جازَ بلا كراهة للنَّهي عن الأكل فيها مُطلَقاً، وتعليق الإذن على عَدَم غيرها مع غَسْلها، وتَسَّكَ بهذا بعض المالكيَّة لقولهم: إنَّه يَتَعيَّن كسر آنية الخمر على كلّ حال بناء على أنَّها لا تَطْهُر بالغَسْل، واسْتَدَلَّ بالتَّفصيل المذكور، لأنَّ الغسل لو كان مُطَهِّراً لها لمَا كان للتَّفصيلِ معنى، وتُعقِّبَ بأنَّه لم يَنحَصِرْ في كَون العين تصير نَجِسة بحيثُ لا تَطهُر أصلاً، بل يحتمل أن يكون التَّفصيل للأخذِ بالأَولى، فإنَّ الإناء الذي يُطبَخ فيه الِخِنزير يُستَقَذَر ولو غُسِلَ، كما يُكرَه الشُّرب في الِحِجَمة ولو غُسِلَت استقذاراً. ومَشَى ابنُ حَزْم على ظاهريَّته فقال: لا يجوز استعمال آنية أهل الكتاب إلّا بشرطَينِ: أحدهما: أن لا يَجِدَ غيرها، والثّاني: غَسْلها. وأُجيب بما تقدَّم من أنَّ أمره بالغَسْلِ عند فَقْد