Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ٣٦ / ح ٥٣١٦
كتاب الطلاق
وأجابَ بعض مَن قال: يُحدّ من المالكيَّة والحنفيَّة: بأنَّ المقذوف لم يَطلُب، وهو حَقُّه،
فلذلك لم يُنقَل أنَّ القاذِف حُدَّ، لا أنَّ(١) الحدَّ سَقَطَ من أَصْله باللِّعان. وذكر عياض أنَّ
بعض أصحابهم اعتَذَرَ عن ذلك بأنَّ شَرِيكاً كان يهوديّاً، وقد بيّنت ما فيه في ((باب يَبدَأ
الرجل بالتَّلامُنِ» (٥٣٠٧).
وفيه أنَّه ليس على الإمام أن يُعلِمِ المقذوفَ بما وَقَعَ/ من قاذِفه. وفيه أنَّ الحامِلَ تُلاعَن ٤٦٣/٩
قبلَ الوَضع لقولِه في الحديث: ((انظُرُوا فإن جاءت به ... )) إلى آخره، كما تقدَّم في حديث
سهل (٤٧٤٥) وفي حديث ابنِ عبَّاس (٤٧٤٧)، وعند مسلم من حديث ابنِ مسعود
(١٠/١٤٩٥): فجاء - يعني الرجل - هو وامرأته فتَلاعَنا، فقال النبيُّ وَلّ: (لعلَّها أن تَجِيءَ
به أسود جَعْداً)) فجاءت به أسوَد جَعْداً، وبه قال الجمهور خلافاً لمن أبى ذلك من أهل
الرَّأي مُعتَلًا بأنَّ الحَمْل لا يُعلَم لأنَّه قد يكون نَفْخةً، وحُجّة الجمهور أنَّ اللِّعان شُرِعَ
لدَفْع حَدِّ القَذف عن الرجل ودَفْع حَدِّ الرَّجم عن المرأة، فلا فَرْقَ بين أن تكون حاملاً أو
حائلاً، ولذلك يُشرَع اللِّعان معَ الآيِسَة.
وقد اختُلِفَ في الصَّغيرة: فالجمهور على أنَّ الرجل إذا قَذَفَها، فَلَه أن يَلْتَعِن لدَفْع حَدِّ
القَذف عنه دونها.
واستُدِلَّ به على أن لا كفَّارة في اليمين الغَمُوس، لأنَّها لو وَجَبَت لَبُيِّت في هذه القصّة،
وتُعقِّبَ بأنَّه لم يَتَعَيَّن الحانِثُ، وأُجيبَ بأنَّه لو كان واجباً لَبيَّنْه مُجمَلاً بأن يقول مثلاً: فليُكفِّرِ
الحانثُ منكما عن يمينه، كما أرشَدَ أحدَهما إلى الثَّوبة. وفي قوله عليه السلام: «البَيِّئَةَ وإلّا
حَدٌّ في ظَهرك)) دلالة على أنَّ القاذِف لو عَجَزَ عن البَيِّنَة فِطَلَبَ تحليف المقذوف لا يُجاب،
لأنَّ الحصر المذكور لم يَتغيَّر منه إلّا زيادة مشروعيَّة اللِّعان.
وفيه جواز ذِكْر الأوصاف المذمومة عند الضَّرورة الدّاعية إلى ذلك ولا يكون ذلك من
الغِيبة المحرَّمة.
(١) تحرَّف في (س) إلى: لأنَّ، بدل قوله: لا أن.

٢٦٢
باب ٣٦ / ح ٥٣١٦
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به على أنَّ اللِّعان لا يُشرَع إلّا لمن ليست له بَيِّنة، وفيه نظرٌ، لأنَّه لو استَطاعَ
إقامة البيِّنة على زِناها ساغَ له أن يُلاعِنها لِنِفْي الولد، لأنَّه لا يَنحَصِر في الزِّنى، وبه قال
مالٌ والشافعيُّ ومَن تَبعَهما.
وفيه أنَّ الحُكم يَتَعلَّق بالظّاهِرِ وأَمرُ السَّرائر مَوْكولٌ إلى الله تعالى، قال ابن التّين:
وبه احتَجَّ الشافعيّ على قَبُول توبة الزِّنديق، وفيه نظرٌ، لأنَّ الحُكم يَتَعلَّق بالظّاهِرِ فيما
لا يَتَعلَّق فيه حُكمٌ للباطِن، والزِّنديق قد عُلمَ باطِنُه بما تقدَّم فلا يُقبَل منه ظاهر ما
يُبْدِيه بعد ذلك. كذا قال، وحُجّة الشافعيّ ظاهرة لأنَّه ◌َلِّ قد تَحقَّقَ أنَّ أحدَهما کاذِبٌ
وكان قادراً على الاطّلاع على عَين الكاذِب، لكن أَخبر أنَّ الحُكم بظاهرِ الشَّرع يقتضي
أنَّه لا يُنَقَّب عن البَواطِن، وقد لاحَتِ القَرائنُ بتعيينِ الكاذِب في المتلاعِنَينِ، ومع ذلك
فَأَجراهما على حُكم الظّاهر ولم يُعاقبِ المرأةَ.
ويُستَفاد منه أنَّ الحاكم لا يَكتَفي بالمَظِنّة والإشارة في الحدود إذا خالَفَت الحُكمَ
الظّاهرَ، كَيمين المدَّعَى عليه إذا أنكَرَ ولا بَيِّنَةَ، واستَدَلَّ به الشافعيّ على إبطال الاستحسان
لقوله: ((لولا الأَيمان لكان لي ولها شأنٌ)).
وفيه أنَّ الحاكم إذا بَذَلَ وُسْعَه واستَوفَى الشَّرائط لا يُنقَض حُكمه إلّا إن ظَهَرَ عليه إخلالُ
شرطٍ أو تفريطٌ في سَببٍ.
وفيه أنَّ اللِّعان يُشرَع في كلّ امرأة دُخِلَ بها أو لم يُدخَل، ونَقَلَ فيه ابنُ المنذِر الإجماعَ.
وفي صَداق غير المدخول بها خلافٌ للحنابلة تقدَّمَت الإشارة إليه في بابه، فلو نَكَحَ فاسداً
أو طَلَّقَ بائناً فَوَلَدَت فأراد نَفْيَ الولد فله الملاعَنَةُ، وقال أبو حنيفة: يَلحَقْه الولدُ ولا نَفْيَ ولا
لعانَ، لأنَّها أجنبيّة. وكذا لو قَذَفَها ثمَّ أباتَها بثلاثٍ فله اللِّعان، وقال أبو حنيفة: لا، وقد أخرج
ابنُ أبي شَيْبة (١٠/ ١٠٠-١٠١) عن هُشَيم عن مُغيرة قال الشَّعبيّ: إذا طَلَّقَها ثلاثاً فَوَضَعَت
فانتَفَى منه، فله أن يُلاعِن، فقال له الحارث: إنَّ الله يقول: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦]
أَفَتَراها له زوجة؟ فقال الشَّعبيّ: إنّي لَأَسْتَحبي من الله إذا رأيت الحقّ أن لا أرجِعَ إليه.

٢٦٣
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
كتاب الطلاق
فلو التَعنَ ثلاث مرَّات فقط فالتَعَنَت المرأة مِثله ففَرَّقَ الحاكم بينهما، لم تقع الفُرقةُ عند
الجمهور، لأنَّ ظاهرَ القرآن أنَّ الحدّ وجَبَ عليهما، وأَنَّه لا يَندَفِع إلّا بما ذُكِرَ، فَيَتَعَيَّ الإتيانُ
بجَميعِه. وقال أبو حنيفة: أخطأ السُّنّةَ وتَحصُل الفُرقة لأنَّه أَتى بالأكثرِ، فَتَعلَّقَ به الحُكم.
واستُدِلَّ به على أنَّ الالتِعان يَنتَفي به الحَمْلُ خلافاً لأبي حنيفة ورواية عن أحمد، لقولِه:
((انظُرُوا فإن جاءت به)) ... إلى آخره، فإنَّ الحديث ظاهرٌ في أنَّها كانت حاملاً وقد ألحَقَ الولدَ
معَ ذلك بأُمُّه.
وفيه جواز الحَلِف على ما يَغْلِب على الظَّنّ ويكون المستَنَد التَّمَسُّك / بالأصل أو قوّة الرَّجاء ٤٦٤/٩
من الله عند تَحقُّق الصِّدق، لقولِ مَن سألَه هلال: ((وَالله لَيَجِدَنَّك))(١) ولقولِ هلال: والله
لا يَضِرِبني وقد عَلَمَ أنّ رأيت حتَّى استَقَنتُ(٢).
وفيه أنَّ اليمين التي يُعتَدّ بها في الحُكم ما يقع بعدَ إذنِ الحاكم، لأنَّ هلالاً قال: والله
إنّ لَصادِقٌ، ثمَّ لم يَحَتَسِب بها من كلمات اللِّعان الخمس.
وتَمسَّكَ به مَن قال بإلغاءِ حُكم القافَةِ(٣)، وتُعقِّبَ بأنَّ إلغاء حُكم الشَّبَه هنا إنَّمَا وَقَعَ
حيثُ عارَضَه حُكم الظّاهر بالشَّرع، وإنَّما يُعتَبَرَ حُكم القافَة حيثُ لا يُوجَد ظاهرٌ يُتَمسَّك
به، ويقع الاشتباه فيُرجَعُ حينئذٍ إلى القافَةِ، والله أعلم.
٣٧- باب إذا طلَّقها ثلاثاً ثمّ تزوّجت بعدَ العِدّة زوجاً غَيرَه فلم يَمَسَّها
٥٣١٧ - حدَّثَنِي عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثني أَبي، عن عائشةَ،
عن النبيِّ ێو(ح)
حدَّثَنِ عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا عَبْدُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها:
(١) جاء هذا في روايةٍ لابن عباس عند أحمد (٢٤٦٨)، والحاكم ٢٠٢/٢.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: استفتيت.
(٣) القافة: جمع قائف: وهو الذي يتبَّع الآثار ويعرفها ويعرف شَبَه الرجل بأبيه وأخيه. ((النهاية في غريب
الحديث والأثر)) ٢٤/٤.

٢٦٤
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّ رِفاعةَ القُرَظِيَّ تزوَّجَ امرأةً ثمَّ طَلَّقَها فتزوَّجَت آخَرَ، فَأَنَتِ النبيَّ ◌َلِّ فِذَكَرَت له أنَّه لا يأْتِيها
وأَنَّه ليس معه إلّا مِثلُ هُذْبَةٍ، فقال: ((لا حتَّى تَذُوقِي عُسَيَتَه ويَذُوقَ عُسَيلَتَكِ)).
قوله: ((باب إذا طَلَّقَها ثلاثاً ثُمَّ تزوَّجَت بَعْد العِدّة زوجاً غيره فلم يَمَسّها)) أي: هل تَحِلّ
للأوَّل إن طَلَّقَها الثّاني بغير مَسيسٍ؟
تنبيه: لم يُفرِد كتاب العِدّة عن كتاب اللِّعان فيما وقَفتُ عليه من النُّسَخِ. ووَقَعَ في شرح
ابن بَطّالٍ قبل الباب الذي يَلي هذا وهو ((باب ﴿وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾)): ((كتابُ العِدّة»
ولبعضِهم: ((أبواب العِدّة)) والأَولى إثبات ذلك هنا، فإنَّ هذا الباب لا تَعلُّق له باللِّعان،
لأنَّ المُلاعَنة لا تعود للَّذي لاعَنَ منها ولو تزوَّجَت غيره، سواءٌ جامَعَها أم لم يُجامع.
قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، ((وهشام)) هو ابن عُرْوة.
وقوله: ((حدَّثْني عُثْمان بن أبي شَيْبة ... )) إلى آخره، ساقَه على لفظ عَبْدة(١)، وإنَّما احتاج إلى
رواية يحيى لتصريحِ هشام في روايته بقولِه: حدَّثني أبي .
قوله: ((أنَّ رِفاعة القُرَظيَّ)) هو رِفاعة القُرَظِيُّ بن سَمَوأَل، بفتح المهمَلة والميم وسُكون
الواو بعدَها همزةٌ ثمَّ لامُّ، والقُرَظيّ بالقاف والظّاء المعجَمة، وقد تقدَّم ضبط قُرَيظة والنَّضير في
أوائل المغازي (٤٠٢٨).
قوله: ((تزوَّجَ امرأةً) في رواية عَمْرو بن عليّ عند الإسماعيليّ: امرأة من بني قُرَيظة(٢)
وسَمّاها مالكٌ من حديث عبد الرَّحمن بن الزَّبِيرِ نفسِه(٣)، كما أخرجه ابن وَهْب(٤)
(١) ولفظ يحيى القطان عند أحمد (٢٥٦٠٥).
(٢) وهي رواية أحمد (٢٥٦٠٥) عن يحيى القطان.
(٣) یعني الرجل الآخر الذي تزوَّجَتْه بعد رفاعة، كما سيأتي.
(٤) في ((جامعه)) (٢٦٦)، ومن طريقه أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٦٨٢) وغيره. وذكر الدار قطني في
((الإلزامات)) ص ١٠٤ أنه تابع ابنَ وهب على وصله إبراهيمُ بن طهمان وأبو علي الحنفي. قلنا: رواية ابن
طهمان وصلها أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٢٧٣١)، ورواية أبي على الحنفي وصلها الروياني في
((مسنده) (١٤٦٦).

٢٦٥
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
كتاب الطلاق
والطبرانيُّ(١) والدّارَ قُطنيّ في ((الغرائب)) موصولاً، وهو في ((الموطَّأ)) مُرسَل (٥٣١/٢):
تميمةَ بنت وَهب، وهي بمُثّةٍ، واختُلِفَ هل هي بفتحها أو بالتَّصغير؟ والثّاني أرجَحُ، ووَقَعَ
مجزوماً به في ((النِّكاح)) لسعيد بن أبي عَرُوبة من روايته عن قَتَادة(٢).
وقيل: اسمها سُهَيمة، بسينٍ مُهمَلٍ مُصغَّر، أخرجه أبو نُعَيم(٣)، وكأنَّه تصحيف، وعند
ابن مَندَهْ: أُمَيمة، بألِفٍ، أخرجها من طريق أبي صالح عن ابن عبّاس وسَمّى أباها: الحارثَ،
وهي واحدة، اختُلِفَ في التلفُّظ باسمِها، والرَّاجحُ الأوَّلُ.
قوله: ((ثُمَّ طَلَّقَها فتزوَّجَت آخَر)) سَمّه مالكٌ في روايته: عبدَ الرَّحمن بن الَّبِير، وأبوه
بفتح الزّاي، واتَّفَقَت الرِّوايات كلُّها عن هشام بن عُرْوة أنَّ الزَّوج الأوَّل رِفاعةُ والثّاني
عبدُ الرَّحمن، وكذا قال عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عَرُوبة في كتاب ((النِّكاح))
له عن قَتَادة: أنَّ تميمة بنت أبي عُبيد القُرَظيّة كانت تحت رِفاعة فطَلَّقَها فخَلَفَ عليها
عبد الرَّحمن بن الزَّبير، وتَسميتُه لأبيها لا تُنافي رواية مالكٍ، فلعلَّ اسمَه وَهْبٌ وكُنْتَه
أبو عُبيد، إلّا ما وَقَعَ عند ابن إسحاق في ((المغازي)) من رواية سَلَمَةَ بن الفضل(٤) عنه
- وتفرَّد به عنه - عن هشام، عن أبيه قال: كانت امرأة من قُرَيظة يقال/ لها: تميمة، تحت ٤٦٥/٩
عبد الرَّحمن بن الزَّبير فطَلَّقَها، فتزوَّجَها رِفاعةُ ثمَّ فارَقَها، فأرادت أن تَرجِع إلى عبد الرَّحمن
بن الزَّبير. وهو معَ إرساله مقلوب، والمحفوظ ما اتَّفَقَ عليه الجماعة عن هشام.
(١) ثبت إسناده في المطبوع من ((المعجم الكبير)) برقم (٤٥٦٥) دون متنه، فهو في عداد القسم الساقط من
((المعجم))، وأخرجه البزار كما في ((كشف الأستار)) برقم (١٥٠٤)، وإليهما عزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٣٤٠/٤
وقال: رجالهما ثقات، وقد رواه مالك في ((الموطأ)) مرسلاً وهو هنا متصل، قلنا: وليس عندهما اسم المرأة كما
يُوهم كلام الحافظ.
(٢) وكذلك سماها محمد بن إسحاق في روايته عن هشام بن عروة عند الطبراني في ((الأوسط)) (٧٤٦٩).
(٣) كذا قال الحافظ! مع أن الذي في ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم (٧٥١٩): أميمة بنت الحارث، كرواية ابن
منده.
(٤) وأخرجه من طريقه أبو نُعيم في ((معرفة الصحابة)) (٧٥٤٧)، ووصله من طريقه بذكر عائشة الطبرانيّ في
(«الأوسط)» (٧٤٦٩).

٢٦٦
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقد وَقَعَ لامرأةٌ أُخرى قريبٌ من قِصَّتها، فأخرج النَّسائيُّ (ك٥٥٧٦) من طريق
سليمان بن يسار عن عُبيد الله بن العبَّاس، أي: ابن عبد المطَّلِب: أنَّ الغُمَيصاء - أو
الرُّمَيصاء - أَتْتِ النبيَّ وَّرَ تَشكُو من زوجها أنَّه لا يَصِل إليها، فلم يَلْبَث أن جاء فقال:
إنَّها كاذِبة، ولكنَّها تريد أن تَرجِع إلى زوجها الأوَّل، فقال: ((ليس ذلك لها حتَّى تَذُوق
عُسَيلَتَه)) ورجاله ثقات، لكن اختُلِفَ فيه على سليمان بن يسار. ووَقَعَ عند شيخنا في
((شرح التُّرمِذيّ)): ((عَبد الله بن عبَّاس)) مُكَبَّرَ وتُعقّبَ على ابن عساكر والمِّيّ أنَّهما لم يَذكُرا
هذا الحديث في ((الأطراف))، ولا تَعقُّبَ عليهما فإنَّهما ذَكَراه في مُسنَد عُبيد الله بالتَّصغير
وهو الصَّواب(١)، وقد اختُلِفَ في سماعه من النبيِّ وَِّ إلّا أنَّه وُلِدَ في عَصرِهِ، فِذُكِرَ لذلك
في الصَّحابة.
واسمُ زوج الغُمَيصاء هذه عَمْرو بن حَزْم، أخرجه الطبرانيُّ وأبو مسلم الكَجِّيّ وأبو نُعَيم
في ((الصَّحابة)(٢) من طريق حمّاد بن سَلَمَةَ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة: أنَّ عَمْرو
ابن حَزْمِ طَلَّقَ الغُمَيصاء، فتزوَّجَها رجلٌ قبلَ أن يَمَسَّها، فأرادت أن تَرجِع إلى زوجها الأوَّل،
الحديث، ولم أعرِف اسمَ زوجها الثّاني.
ووَقَعَت الثالثةٍ قصَّة أُخرى معَ رِفاعة - رجل آخر غير الأوَّل - والزّوج الثّاني عبد الرَّحمن
ابن الزَّبير أيضاً، أخرجه مُقاتل بن حَيّان في ((تفسيره)) ومن طريقه ابن شاهينَ في ((الصَّحابة))
ثمَّ أبو موسى قوله تعالى: ﴿فَلَ تَجِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾[البقرة: ٢٣٠] قال: نزلت
(١) كذا جزم الحافظ هنا بأن الصواب عبيد الله، مع أنه جزم بعكس ذلك في ((النكت الظراف)) (٥٦٧٠)
حيث استدركه في مسند عبد الله بن عباس على ابن عساكر والمزي، ونسبه للنسائي من رواية ابن السُّنِّي
عنه. قلنا: اعتمد في ذلك على ما جاء في نسخته من ((المجتبى))، إذ جاء الاسم فيها (٣٤١٣) مكبَّراً، لكنه
في («الكبرى» مصفَّراً، وهو يوافق رواية أحمد، حيث أخرجه (١٨٣٧) في مسند عُبيد الله بن عباس،
مصغراً، فالاعتماد على ما في ((الکبری)).
(٢) الطبراني في ((الكبير)) ٢٤/ (٨٦٩)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) برقم (٧٧٨٠) كلاهما من طريق أبي
مسلم الكجي عن أبي عمر الضرير بالإسناد المذكور، واللفظ لأبي نعيم، ورواية الطبراني مختصرة بلفظ:
أنه ◌َ له قال للغميصاء: «لا حتى يذوق من عسيلتك وتذوقي من عسیلته)».

٢٦٧
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
كتاب الطلاق
في عائشة بنت عبد الرَّحمن بن عَتِيك(١) النَّصْرِيَّة كانت تحت رِفاعة بن وَهْب بن عَتِيك،
وهو ابن عمِّها، فطَلَّقَها طلاقاً بائناً فتزوَّجَت بعدَه عبدَ الرَّحمن بن الزَّبير، ثمَّ طَلَّقَها فَأَتْتِ
النبيَّ وَلَّه فقالت: إنَّه طَلَّقَني قبل أن يَمَسَّني، أَفَأَرجِع إلى ابن عمّي زوجي الأوَّلِ؟ قال:
((لا))، الحديثَ. وهذا الحديث إن كان محفوظاً فالواضح من سياقه أنَّها قصَّة أُخرى، وأنَّ
كلَّ من رِفاعة القُرَظِيِّ ورِفاعة النَّضْرِيِّ وَقَعَ له معَ زوجةٍ له طلاقٌ، فتزوَّجَ كلَّا منهما
عبدُ الرَّحمن بن الزَّبير فطَلَّقَها قبل أن يَمَسَّها، فالحُكم في قِصَّتهما مُتَّحِدٌ معَ تَغايُر الأشخاص،
وبهذا يَتَبَيَّن خطأً مَن وَخَّدَ بينهما ظناً منه أنَّ رِفاعة بن سَمَوأل هو رِفاعة بن وَهْب، فقال: اختُلِفَ
في امرأة رِفاعة على خمسة أقوال، فذكر الاختلاف في النُّطْق بتَمِيمَةَ وضمَّ إليها عائشةَ، والتَّحقيقُ
ما تقدَّمَ. ووَقَعَت لأبي رُكانة قصَّة أُخرى سأذكرها آخِرَ هذا الباب.
قوله: ((فأتت النبيَّ ◌ََّ)) في الكلام حذفٌ تقديرُه يظهر من الرِّوايات الأُخرَى، فعند
المصنّف (٥٢٦٥) من طريق أبي معاوية عن هشام: فتزوَّ جَت زوجاً غيره فلم يَصِل منها إلى
شيءٍ يُريده. وعند أبي عَوَانة (٤٣٢٧) من طريق الدَّراوَرديِّ عن هشام: فنَكَحَها عبد الرَّحمن بن
الَّبير فاعتُرِضَ عنها. وكذا في رواية مالك من حديث(٢) عبد الرَّحمن بن الزَّبير نفسِه، وزادَ: فلم
يَستَطِعِ أن يَمَسَّها.
وقوله: ((فاعتُرِضَ)) بضمِّ المثنّاة وآخره ضاد مُعجَمة، أي: حَصَلَ له عارضٌ حالَ بينه
وبين إتيانها، إمّا من الجِنّ وإمّا من المرض.
قوله: ((فَذَكَرَت له أنَّه لا يأتيها)) وَقَعَ في رواية أبي معاوية عن هشام: فلم يَقرَبني إلّا هَنَةً
واحدةً، ولم يَصِل مِنِّي إلى شيءٍ. والهَنَةُ، بفتح الهاء وتخفيف النُّون: المّة الواحدة الحقيرة.
قوله: ((وأَنَّه ليس معه إلّا مِثْل هُدْبة)) بضمِّ الهاء وسكون المهمَلة بعدها موحّدة مفتوحة:
هو طَرَف الثَّوب الذي لم يُنسَج، مأخوذ: من هُذْب العَين: وهو شعر الجَفْن، وأرادت أنَّ ذَكَره
(١) تحرف في (س) إلى: عقيل.
(٢) وقع في (أ) و(ب) و(س): في رواية مالك بن عبد الرحمن. وهو خطأ، والمثبت على الصواب من (ع).

٢٦٨
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
يُشبه الهُدْبةَ في الاسترخاء وعَدَم الانتشار.
واستُدِلَّ به على أنَّ وَطْءَ الَّوجِ الثّاني لا يكون مُحَلِّلاً ارتجاعَ الزَّوج الأوَّلِ للمرأة إلّا إن كان
حالَ وَطْئِهِ مُنتَشِراً، فلو كان ذَكَره أشَلَّ أو كان هو عِنِيناً أو طفلاً لم يَكفِ على أصح قولي العلماء،
وهو الأصحّ عند الشافعيّة أيضاً.
قوله: ((فقال: لا)) هكذا وَقَعَ من هذا الوجه مختصراً، ووَقَعَ في رواية أبي معاوية عن
٤٦٦/٩ هشام بن عُرْوة كما تقدَّم/ قريباً (٥٢٦٥) في ((باب من قال لامرأتِه: أنتِ عليَّ حرام): ولم
يكن معه إلّ مِثل الهُدْبَةِ، فلم يَقرَبني إلّا هَنَةً واحدةً ولم يَصِل مِنِّي إلى شيء، أَفَأَحِلُّ لزوجي
الأوَّل؟ فقال رسول الله وَله: ((لا تَحِّنَ لزوجِك الأوَّل)) الحديث، وفي رواية الزُّهْريِّ عن عُرْوة
كما تقدَّم أيضاً في أوائل الطَّلاق (٥٢٦٠): وإنَّما معه مِثل الهُدْبة، فقال رسول الله وَّ:
((لعلَّكِ تُريدينَ أن تَرجِعي إلى رِفاعة، لا)) الحديثَ.
وسيأتي في اللباس (٥٨٢٥) من طريق أيوب عن عِكْرمة: أنَّ رِفاعة طَلَّقَ امرأته فتزوَّجَها
عبد الرَّحمن بن الزَّبير، قالت عائشة: فجاءت وعليها ◌ِمار أخضَرُ فشَكَت إليها - أي: إلى
عائشة - من زوجها وأَرَتْها خُضْرةً بجِلِدِها، فلمَّا جاء رسول الله وَّهِ والنِّساءِ يُبْصِرِنَ بعضَهنَّ
بعضاً، قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يَلقَى المؤمنات، لَجِلْدُها أشدُّ خُضْرةً من ثَوبها،
وسمعَ زوجُها فجاء ومعه ابنانِ له من غيرها، قالت: والله ما لي إليه من ذَنْب إلّا أنَّ ما معه
لیس بأغنى عنّي من هذه۔ وأخذَت مُدْبة من نَوبها ۔ فقال: گَذَبَت والله يا رسول الله، إنّ
لَأَنْفُضها نَفْضَ الأَديم، ولكنها ناشِرةٌ تريد رِفاعة. قال: ((فإن كان ذلك لم تَحِلِي له)) الحديث.
وكأنَّ هذه المراجَعة بينهما هي التي حَلَت خالدَ بن سعيد بن العاص على قوله الذي وَقَعَ
في رواية الزُّهْريِّ عن عُزوة، فإنَّ في آخِرِ الحدیث كما سيأتي في كتاب اللباس (٥٧٩٢) من
طريق شُعَيب عنه: قال: فسمعَ خالد بن سعيد قولها وهو بالباب فقال: يا أبا بكر، ألا تَنهى
هذه عَّا تَجَهَر به عند رسول الله وَ له؟ فوالله(١) ما يزيد رسول الله ◌َّ﴿ على التََّسُّم. وفيه ما كان
(١) كذا وقع في الأصول و(س)، مع أن لفظ الرواية هناك كما في اليونينية دون حكاية خلاف: فلا والله.

٢٦٩
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
كتاب الطلاق
الصَّحابة عليه من سُلُوكِ الأدب بحَضرة النبيِّ وَّه وإنكارهم على مَن خالَفَ ذلك بفِعلِه
أو قولِه، لقولٍ خالد بن سعيد لأبي بكر الصِّدّيق وهو جالس: ألا تَنهى هذه؟ وإنَّما قال
خالد ذلك، لأنَّه كان خارج الحُجْرة، فاحتَمَلَ عنده أن يكون هناك ما يَمنَعه من مُباشَرة
نَهيها بنفسِه، فأمَرَ به أبا بكر لكَونِه كان جالساً عند النبيِّي وَِّ مُشاهداً لصُورة الحال،
ولذلك لمَّا رأى أبو بكر النبيَّ ◌َهِ يَتَبَسَّم عند مَقالتها لم يَزِجُرها، وتَبَسُّمِهِ وَلِ كَان تَعَجُّباً
منها، إمّا لتصريحها بما يُستَحيا (١) من التَّصريح به غالباً، وإمّا لضعفِ عقل النِّساءِ لِكَونِ
الحامل لها على ذلك شِدّةُ بُغضها في الَّوج الثّاني ومَبَّتها في الرُّجوع إلى الَّوج الأوَّل، ويُستَفاد
منه جواز وقوع ذلك.
تنبيه: وَقَعَ في جميع الطّرق من قول خالد بن سعيد لأبي بكر: ألا تَنهى هذه عمَّا تَجَهَر به؟
أي: تَرفَع به صَوتَها، وذَكَرِه الدّاووديّ بلفظ: (تَهجُرُ)) بتقديم الهاءِ (٢) على الجيم. والهُجْرُ
بضمِّ الهاء: الفُحش من القول، والمعنى هنا عليه، لكنَّ الثّابت في الرِّوايات ما ذكرته، وذکر
عياض أنَّه وَقَعَ كذلك في غير «الصَّحيح)). وتقدَّم البحث في الشَّهادات (٢٦٣٩) معَ مَن استَدَلَّ
بكلام خالد هذا لجوازِ الشَّهادة على الصَّوت.
قوله: ((حتَّى تَذُوقِي عُسَيَتَه ويَذُوق عُسَيلَتَك)) كذا في الموضعَينِ بالتَّصغير، واختُلِفَ في
توجيهه، فقيل: هي تصغير العَسَل، لأنَّ العَسَل مؤنَّث، جَزَمَ به القَزّاز، ثمَّ قال: وأحسَب
التَّذكير لُغة.
وقال الأزهَريّ: يُذكَّرُ ويُؤنَّث، وقيل: لأنَّ العرب إذا حَقَّرَتِ الشَّيء أدخَلَت فيه هاءَ
التَّأنيث، ومن ذلك قولهم: دُرَهمات، فجَمَعوا الدِّرهَم جمعَ المؤنَّث عند إرادة التَّحقير، وقالوا
أيضاً في تصغير هِنْد: هُنَيدة.
وقيل: التَّأنيث باعتبار الوَطأة، إشارة إلى أنَّها تَكفي في المقصود من تحليلها للَّوجِ الأوَّل.
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ع) و(س) زيادة: يستحي النساء. وما في (أ) و(ب) أعمّ، وبهدي السلف أليق،
لاشتراك رجالهم ونسائهم في الحیاء من مثل هذه الأمور.
(٢) تحرف في (س) إلى: التاء.

٢٧٠
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: المراد قِطعة من العَسَل، والتَّصغير للتَّقليل إشارة إلى أنَّ القَدْر القليل كافٍ في تحصيل
الحِلّ.
قال الأزهَريّ: الصَّواب أنَّ معنى العُسَيلة: حَلاوةُ الجماع الذي يَحِصُل بتَغييب الحَشَفة في
الفَرج، وأنّثَ تشبيهاً بقطعةٍ من عَسَلِ. وقال الدّاووديّ: صُغِّرَت لِشِدّة شَبَهها بالعَسَلِ.
وقيل: معنى العُسَيلة: النُّطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصريّ.
وقال مُمهور العلماء: ذَوْق العُسَيلة كِناية عن المجامَعة: وهو تَغييب حَشَفة الرجل في
٤٦٧/٩ فَرْج المرأة، وزاد الحسن البصريّ: حُصول الإنزال. وهذا الشَّرط انفَرَدَ به عن / الجماعة، قاله
ابن المنذر وآخرونَ.
وقال ابن بَطّالٍ: شَذَّ الحسن في هذا، وخالَفَه سائر الفقهاء وقالوا: يكفي من ذلك ما يُوجِب
الحدَّ، ويُحصِنُ الشَّخص، ويُوجِب كمال الصَّداق، ويُفسِد الحجّ والصومَ.
قال أبو عُبيد: العُسَيلة لَذّةُ الجِماع، والعرب تُسمّ كلّ شيءٍ تَستَلِذّه عَسَلاً. وهو (١) في
التَّشديد يُقابل قول سعيد بن المسيّب في الرُّخصة.
ويَرُدّ قول الحسن أنَّ الإنزال لو كان شرطاً لكان كافياً، وليس كذلك لأنَّ كلَّ منهما إذا
كان بعيدَ العهد بالجِمَاعِ مثلاً أنزَلَ قبل تمام الإيلاج، وإذا أنزلَ كلٌّ منهما قبل تمام الإيلاج لم
يَذُق عُسَيلة صاحبه، لا إن فُسِّرَتِ العُسَيلة بالإمناءِ لا بلَذّة الجِمَاعِ.
قال ابن المنذر: أجمَعَ العلماء على اشتراط الجِماع لتَحِلَّ للأوَّل، إلّا سعيد بن المسيّب. ثمَّ
ساقَ بسنِدِه الصَّحيح عنه قال: يقول الناس: لا تَحِلّ للأوَّل حتَّى يُجامعها الثّاني، وأنا أقولُ:
إذا تزوَّجَها تَزويجاً صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها للأوَّل، فلا بأس أن يَتزوَّجها الأوَّل. وهكذا
أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٤/٥) وسعيد بن منصور (١٩٨٩). وفيه تَعقّبٌ على مَن استَبْعَدَ
صِحَّته عن سعيد، قال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحداً وافَقَه عليه إلّا طائفة من الخوارج،
ولعلَّه لم يَبلُغه الحديث، فأخَذَ بظاهرِ القرآن.
(١) يعني قول الحسن.
.

٢٧١
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
كتاب الطلاق
قلت: سياق کلامه يُشعِر بذلك. وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك، وهو ما
أخرجه النَّسائيُّ (٣٤١٤) من رواية شُعْبة، عن عَلْقمة بن مَرَد، عن سالم بن رَزين، عن
سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيّب، عن ابنِ عمر رَفَعَه: في الرجل تكونُ له المرأة
فيُطلِّقُها ثمَّ يَتزوَّجُها آخر فيُطلِّقها قبل أن يَدخُل بها فَتَرجِع إلى الأوَّل، فقال: ((لا، حتَّى
تَذْوق العُسَيلة))، وقد أخرجه النَّسائيُّ أيضاً (٣٤١٥) من رواية سفيان الثَّوريّ عن عَلْقمة
ابن مَرَد، فقال: عن رَزين بن سليمان الأحمريّ، عن ابنِ عمر نحوَه، قال النَّسائيُّ: هذا أَولى
بالصَّواب، وإنَّما قال ذلك لأنَّ الثَّوريّ أتقَنُ وأحفظُ من شُعْبة، وروايته أَولى بالصَّواب من
وجهَینِ:
أحدهما: أنَّ شیخ علقمة شیخهما هو رَزین بن سليمان، کما قال الثّوريّ لا سالم بن رَزین کما
قال شُعْبة، فقد رواه جماعة عن عَلْقمة كذلك، منهم غَيْلان بن جامع أحد الثِّقات(١).
ثانيهما: أنَّ الحديث لو كان عند سعيد بن المسيّب عن ابنِ عمر مرفوعاً ما نَسَبَه إلى
مَقالة الناس الذينَ خالَفَهم.
ويُؤْخَذ من كلام ابنِ المنذِر أنَّ نقل أبي جعفر النَّحّاس في ((معاني القرآن)) (٢٠٦/١) وتَبَعَه
عبد الوهّاب المالكيّ في ((شرح الرِّسالة)) القول بذلك عن سعيد بن جُبَيْر وَهْمٌ.
وأعجَبُ منه أنَّ أبا حَيّانِ(٢) جَزَمَ به عن السَّعِيدَينِ: سعيد بن المسيّب وسعيدِ بن ◌ُبَير، ولا
يُعرَف له سندٌ عن سعيد بن جُبَير في شيء من المصنَّفَات، وكَفَى قولُ ابنِ المنذِر حُجّةً في ذلك.
وحكى ابن الجَوْزيّ عن داود أنَّه وافَ سعيد بن المسيّب على ذلك.
قال القُرطُبيّ: ويُستَفاد من الحديث على قول الجمهور: أنَّ الحُكم يَتَعلَّق بأقلّ ما يَنطَلِقِ
عليه الاسم، خلافاً لمن قال: لا بُدَّ من حصول جَميعِه.
(١) أخرجه من طريقه الضياء المقدسي في ((مختاراته)) ١٣/ (٢٨٢).
(٢) تصحف في (س) إلى: ((حبان)) بالباء، وأبو حَيّان المذكور: هو محمد بن يوسف الأندلسي، صاحب تفسير
((البحر المحيط))، والمنقول عنه ورد في «تفسيره)) ٢/ ٢٠٠.

٢٧٢
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وفي قوله: ((حتَّى تَذوقي عُسَيلَته ... )) إلى آخره، إشعارٌ بإمكان ذلك، لكن قولها: ليس معه إلّا
مثل هذه الهُدبة، ظاهرٌ في تَعذُّر الجِماعِ المشتَرَط، فأجابَ الكِرْ مانيُّ بأنَّ مُرادها بالهُدبة التَّشبيه بها
في الدِّقّة والرِّقّة لا في الرَّخاوة وعَدَم الحركة، واستُبعِدَ ما قال، وسياق الخبر يُعطي بأنَّهَا شَكّت
منه عَدَم الانتشار، ولا يَمنَع من ذلك قوله بَله: ((حتَّى تَذوقي)) لأَنَّه عَلّقَه على الإمكان، وهو
جائز الوقوع، فكأنَّه قال: اصبري حتَّى يَتَأَى منه ذلك، وإن تَفارَقا فلا بُدَّ لها من إرادة الرُّجوع
إلى رِفاعةَ من زوجٍ آخر يَحصُل لها منه ذلك.
واستُدِلَّ بإطلاق وجود الذَّوق منهما لإِشتراطِ عِلْمِ الزَّوجَينِ به حتَّى لو وَطِتَها نائمةً أو
مُغمّى عليها لم يَكفِ ولو أَنزَلَ هو. وبالَغَ ابنُ المنذِر فَتَقَلَه عن جميع الفقهاء. وتُعقّبَ.
وقال القُرطُبيّ: فيه حُجّة لأحدِ القولَينِ في أنَّه لو وَطِئَها نائمةً أو مُغمّى عليها لم تَحِلّ. وجَزَمَ
ابنُ القاسم بأنَّ وَطْءَ المجنون يُحُلِّل، وخالَفَه أشھَب.
٤٦٨/٩
واستُدِلَّ به على جواز رجوعها لزوجِها الأوَّل إذا حَصَلَ الجِماع من الثّاني، لكن شَرَطَ/
المالكيَّةُ، ونُقِلَ عن عثمان وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مُادَعةٌ من الَّوج الثّاني ولا
إرادةُ تَحليلها للأوَّلِ. وقال الأكثر: إن شَرَطَ ذلك في العَقد فسَدَ وإلا فلا.
واتَّفَقوا على أنَّه إذا كان في نِكاح فاسدٍ لم يُحَلِّل، وشَذَّ الْحَكَم فقال: يكفي. وأنَّ مَن تزوَّجَ
أَمَةً ثمَّ بَثَّ طلاقها ثمَّ مَلکها لم يحِلّ له أن يَطاها حتَّى تَنزوَّج غيره، وقال ابن عبّاس وبعض
أصحابه والحسن البصريّ: تَحِلّ له بمِلْكِ اليمين. واختَلَفوا فيما إذا وَطِتَها حائضاً أو بعد أن
طَهُرَت قبل أن تَطُر، أو أحدهما صائم أو مُرِم.
وقال ابنُ حَزم: أخَذَ الحنفيّة بالشَّرطِ الذي في هذا الحديث عن عائشة (١)، وهو زائدٌ
على ظاهرِ القرآن، ولم يأخُذوا بحديثِها في اشتراط خمس رَضَعات(٢) لأنَّه زائد على ما في
(١) يعني بالشرط قولَه وَ له في الحديث: ((لا، حتى تذوقي عُسَيلته ويذوق عُسيلتك))، الذي هو كناية عن الوطء
الحقيقي، وقد رواه غيرها كما قدَّم الحافظ أثناء الشرح.
(٢) يعني حديثها الذي أخرجه مسلم (١٤٥٢): كان فيما أُنزِل من القرآن: عشرُ رضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمنَ،
ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فَتُونِّ رسول الله ،َ ﴿ وهُنَّ فيما يُقرأ من القرآن.

٢٧٣
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
كتاب الطلاق
القرآن، فيَلزَمهم الأخذُ به أو تَرْك حديث الباب. وأجابوا بأنَّ النّكاح عندهم حقيقةٌ في
الوَطء، فالحديث موافق لظاهرِ القرآن.
واستُدِلَّ بقولِها: (بَتَّ طلاقي))(١) على أنَّ البَّة ثلاثُ تطليقات، وهو عَجَبٌّ مَمَّن استَدَلَّ
به، فإنَّ البَتَّ بمعنى القَطْع، والمراد به: قَطْعُ العِصْمة، وهو أعَمُّ من أن يكون بالثلاثِ
مجموعةً أو بوقوع الثّالثة التي هي آخر ثلاث تطليقات، وسيأتي في اللِّباس(٢) صريحاً: أنَّه
طَلَّقَها آخرَ ثلاث تطليقات، فبَطَلَ الاحتجاج به.
ونَقَّلَ ابنُ العربيّ عن بعضهم أنَّه أورَدَ على حديث الباب ما مُلخَّصه: أنَّه يَلزَم من القول به
إمّا الزّيادة بخَبَرِ الواحد على ما في القرآن، فيَسْتَلِزِمِ نَسخَ القرآن بالسُّنّة التي لم تَتَوَاتَر، أو حَمْل
اللَّفظ الواحد على مَعنَيَينِ مُختَلِفَينِ معَ ما فيه من الإلباس.
والجواب عن الأوَّل: أنَّ الشَّرط إذا كان من مُقتَضَيات اللَّفظ لم تكن إضافتُه نَسخاً ولا
زيادةً، وعن الثّاني: أنَّ النِّكاح في الآية أُضيف إليها وهي لا تَتَوَلَى العَقد بمُجرَّدِها، فَتَعِيَّنَ أنَّ
المراد به في حَقِّها الوَطءُ، ومن شَرْطِهِ اتِّفاقاً أن يكون وطئاً مُباحاً فيحتاج إلى سَبْقِ العَقد.
ويُمكِّن أن يقال: لمَّا كان اللَّفظ مُتَمِلاً للمَعنَيَينِ بِيَّنَتِ السُّنّة أنَّه لا بُدَّ من حصولهما،
فاستُدِلَّ به على أنَّ المرأة لا حَقَّ لها في الجِماع لأنَّ هذه المرأة شَكَت أنَّ زوجها لا يَطَؤُّها،
وأنَّ ذَكَره لا يَنْتَشِر، وأنَّه ليس معه ما يُغني عنها ولم يَفسَخ النبيُّ ◌َّ فِكاحها بذلك، ومن
ثَمَّ قال إبراهيم بن إسماعيل ابن عُليَّةَ وداود بن عليّ: لا يُفْسَخ بالعُنّة ولا يُضرَب للعِنِّينِ
أجَلٌ.
وقال ابنُ المنذِر: اختَلَفوا في المرأة تُطالب الرجل بالجِماع، فقال الأكثر: إن وطِئَها
بعد أن دَخَلَ بها مرَّةً واحدةً لم يُؤَجَّل أجَل العِنِّين، وهو قول الأوزاعيِّ والثَّوريِّ وأبي
حنيفة ومالك والشافعيِّ وإسحاق. وقال أبو ثَوْر: إن تَرَكَ جِماعها لعِلّةٍ أُجِّلَ لها سنة،
وإن كان لغير عِلّة فلا تأجیل.
(١) كذلك جاء في رواية ابن شهاب عن عُروة فيما تقدم برقم (٢٦٣٩) و(٥٢٦٠)، وسيأتي برقم (٥٧٩٢).
(٢) بل في الأدب (٦٠٨٤).

٢٧٤
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال عياض: اتَّفَقَ كافّة العلماء على أنَّ للمرأة حَقّاً في الجِماع، فيَئْبُت الخيارُ لها إذا
تزوَّجَت المجبوب والممسوح جاهلةً بهما، ويُضرَب للعِنِّينِ أجَلُ سنةٍ لاحتمال زَوال ما به.
وأمَّا استدلال داود ومَن يقول بقولِه بقصَّة امرأة رِفاعة فلا حُجّة فيها، لأنَّ في بعض
طرقه: أنَّ الَّوجِ الثّاني كان أيضاً طَلَّقَها كما وَقَعَ عند مسلم (١١٥/١٤٣٣) صريحاً من
طريق القاسم عن عائشة قالت: طَلَّقَ رجل امرأته ثلاثاً فتزوَّجَها رجلٌ آخَر، فطَلَّقَها قبل
أن يَدخُل بها، فأراد زوجُها الأوَّل أن يَتزوَّجها، فسُئلَ النبيُّ ◌َّهَ عن ذلك فقال: ((لا))
الحديث، وأصله عند البخاريِّ وقد تقدَّم في أوائل الطَّلاق (٥٢٦١).
ووَقَعَ في حديث الزُّهْريِّ عن عُرْوة كما سيأتي في اللِّباس (٥٧٩٢) في آخر الحديث بعد
قوله: ((لا، حتَّى تَذوقي عُسَيلَته ويَذُوق عُسَيلَتك)): قال: ففارَقَته بعدُ (١). زاد ابنُ جُرَيج
عن الزُّهْريِّ في هذا الحديث(٢): أنَّها جاءت بعد ذلك إلى النبيِّ وَّ فقالت: إنَّه - يعني
زوجها الثّاني - مَسَّها فمَنَعَها أن تَرجِعَ إلى زوجها الأوَّل، وصَرَّحَ مُقاتِل بن حَيّانَ في
((تفسيره) مُرسَلاً: أنَّها قالت: يا رسول الله، إنَّه كان مَسَّني، فقال: ((كَذَبتِ بقولِكِ الأوَّل
فَلَنْ أُصَدِّقَكِ في الآخِرِ))، وأنَّها أتت أبا بكر ثمَّ عمر فمَنَعاها، وكذا وَقَعَت هذه الزّيادة
الأخيرة في رواية ابنِ جُرَيج المذكورة، أخرجها عبد الرَّزّاق عنه (١١١٣٣)، ووَقَعَ عند
٤٦٩/٩ مالك في ((الموطَّأ)) (٥٣١/٢) عن المسور بن/ رِفاعة عن الزُّبَير بن عبد الرَّحمن بن الَّبير
- زاد خارج ((الموطّأ)) فيما رواه ابنُ وَهْب عنه وتابَعَه إبراهيم بن طَهْمَانَ(٣) عن مالك عند
(١) كذا ذكر الحافظ هذه الرواية هنا بلفظ: ففارقته بعدُ. وهو وهم منه رحمه الله فلم نقف على هذه الرواية
بهذا اللفظ عند البخاري ولا عند غيره ممن خرَّج الحديث، ولم يذكره أحدٌ من شراح الحديث، وإنما الذي
جاء في الرواية التي في اللباس: فصار سنةً بعدُ. والعجيب أن الحافظ هناك ذكر هذا الحرف على
الصواب مبيناً اختلاف شيوخ أبي ذر الهروي في لفظة ((بعدُ» فقط، وأن الحقُّويّ والمستملي قالا: ((بعده))
يعني بزيادة الضمير وحسب. فلعل هذا الحرف كان قد تحرف على الحافظ في بادئ الأمر لما كان بصدد
شرح الحديث هنا، ثم لما وصل إلى شرح الحديث هناك ضبطه، والله أعلم.
(٢) عند عبد الرزاق (١١١٣٣).
(٣) وكذلك أبو علي الحنفي، كما قدَّمنا في أول شرح هذا الحديث وخرّ جناه.

٢٧٥
باب ٣٧ / ح ٥٣١٧
كتاب الطلاق
الدّارَ قُطنيٍّ في ((الغرائب)): عن أبيه -: أنَّ رِفاعة طَلَّقَ امرأته تميمة بنت وَهْب ثلاثاً،
فَنَكَحَها عبد الرَّحمن، فاعتُرِضَ عنها فلم يَستَطِعِ أن يَمَسَّها ففارَقَها، فأراد رِفاعة أن
یتزوَّجها، الحدیث.
ووَقَعَ عند أبي داود (٢٣٠٩) من طريق الأسوَد عن عائشة: سُئلَ رسول الله وَ ل عن
رجل طَلَّقَ امرأته فتزوَّجَت غيرَه، فدَخَلَ بها وطَلَّقَها قبل أن يُواقِعَها، أَتَحِلُّ للأوَّلِ؟ قال:
((لا)) الحديثَ. وأخرج الطَّبَرِيُّ (٢/ ٤٧٧) وابنُ أبي شَيْبة (٢٢/٥) من حديث أبي هريرة
نحوَه، والطَّبَرِيُّ أيضاً (٤٧٧/٢) والبيهقيُّ (٣٧٥/٧- ٣٧٦) من حديث أنسٍ كذلك،
وكذا وَقَعَ في رواية حَمَّد بن سَلَمَةَ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة: أنَّ عَمْرو بن خَزْم
طَلَّقَ الْغُمَيصاءَ، فنكَحَها رجل فطَلَّقَها قبل أن يَمَسَّها، فسألَتِ النبيّ ◌َّ فقال: ((لا، حتَّى يَذُوقَ
الآخَرُ عُسَيلَتها وتَذُوق عُسَيلَته))، وأخرجه الطبرانيُّ (٨٦٩/٢٤) ورواته ثقات، فإن كان حمّاد
ابن سَلَمَةَ حَفِظَه فهو حديث آخر لعائشةَ في قصَّةٍ أُخرى غير قصَّة امرأة رِفاعة.
وله شاهدٌ من حديث عُبيد الله - بالتَّصغير - ابنِ عبَّاس عند النَّسائيِّ (ك٥٥٧٦) في
ذِكْرِه الغُمَيصاء، لكنَّ سياقه يُشبه سِياق قصَّة رِفاعة كما تقدَّم في أوَّل شرح هذا الحديث،
وقد قَدَّمت أنَّه وَقَعَ لكلّ من رِفاعة بن سَمَوْأَل ورِفاعة بن وَهْب، أنَّه طَلَّقَ امرأته وأنَّ كلَّا
منهما تزوَّجَها عبدُ الرَّحمن بن الزَّبير، وأنَّ كلَّ منهما شَكَت أنَّه ليس معه إلّا مِثل الهُدْبة،
فلعلَّ إحدَى المرأتينِ شَكَته قبل أن يُفارقها والأُخرى بعد أن فارَقَها، ويحتمل أن تكونَ
القصَّة واحدة ووَقَعَ الوَهم من بعض الرُّواة في التَّسمية أو في النِّسبة، وتكونُ المرأة شَكَت
مرَّتَيْنِ مِن قبلِ المفارقة ومِن بعدها، والله أعلم.
وأمَّا ما أخرجه أبو داود (٢١٩٦) من حديث ابنِ عبَّاس، قال: طَلَّقَ عبدُ يزيدَ أبو رُكَانة
أُمَّ رُكانة ونَكَحَ امرأةً من مُزَينة، فجاءت إلى النبيِّ وَّ فقالت: ما يُغني عنِّي إلّا كما تُغني
هذه الشَّعرة - لشعرةٍ أخَذَتها من رأسها - ففَرِّق بيني وبينَه، قال: فقال النبيُّ وَّ لعبد يزيدَ:
((طَلِّقها وراجِعْ أمَّ رُكانةَ)) ففَعَلَ. فليس فيه حُجّة لمسألة العِنِّين(١)، والله أعلم بالصَّواب.
(١) فضلاً عن ضعف إسناده، كما بيّاه مفصّلاً في ((سنن أبي داود)) بتحقیقنا.

٢٧٦
باب ٣٨-٣٩ / ح ٥٣١٨ - ٥٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
٣٨ - باب ﴿ وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمُ﴾ [الطلاق: ٤]
قال مجاهدٌ: إن لم تَعْلَمُوا تَحِضْنَ أو لا يَحِضْنَ، واللّائي قَعَدْنَ عن المَحِيضِ، واللائي لم
يَحِضْنَ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ.
٣٩ - باب(١) ﴿ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
٥٣١٨- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةً، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ
هُرْمُزَ الأعرج، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أَنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ أخبَرَتْه، عن أمِّها
أمِّ سَلَمَةَ زوجِ النبيِّ وَّهِ: أنَّ امرأةً من أَسلَمَ يُقال لها: سُبَيعةُ، كانت تحتَ زوجِها تُوفِّيَ عنها
وهي حُبْلَى، فخَطَبَها أبو السَّنابلِ بنُ بَعْكَكِ، فَأَبَتْ أنْ تَنكِحَه، فقالت: وَالله ما يَصْلُحُ أن تَنكِحِيه
حتَّى تَعْتَدّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ، فَمَكُفَت قَريباً من عَشْرٍ لَيالٍ، ثمّ جاءتِ النبيَّ ◌َيّ فقال: ((انکِچِي)).
٥٣١٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، عن اللَّيثِ، عن يزيدَ، أنَّ ابنَ شِهابٍ كَتَبَ إليه، أنَّ
عُبيدَ الله بنَ عبدِ الله أخبَرَه، عن أبيه: أنَّه كَتَبَ إلى ابنِ الأرقَم أن يَسْألَ سُبيعةَ الأسلَمِيَّةَ: كيفَ
أَفتاها النبيُّ ◌َِّ؟ فقالت: أَفتاني إذا وضَعْتُ أن أَنكِحَ.
٥٣٢٠- حدَّثني يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن المِسْوَرِ
ابنِ مَرَمةَ: أنَّ سُبَيعةَ الأسلَمِيَّةَ نُفِسَت بعدَ وَفاةِ زوجِها بلَيالٍ، فجاءتِ النبيَّ ◌َ ◌ِّ فَاسْتَأْذَنَته أن
تَنكِحَ، فَأَذِنَ لها فنكَحَتْ.
٤٧٠/٩
قوله: ((باب ﴿ وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ﴾)) سَقَطَ لفظ ((باب)) لأبي
ذرِّ وكَرِيمةَ وثَبَتَ للباقينَ، ووَقَعَ عند ابن بَطّالٍ ((كتاب العِدّة. باب قول الله ... )) إلى آخره،
والعِدَّةُ: اسمٌ لمدَّةٍ تَتَرَبَّص بها المرأة عن التَّزويج بعدَ وفاة زوجها أو فِراقه لها، إمّا بالولادة
أو بالأقراءِ أو الأشهُر.
(١) لفظة ((باب)) ثبتت لغير أبي ذرِّ الهرويّ، وسقطت له، فصارت عنده هذه الترجمة متصلة بالتي قبلها، وعلى
ذلك اعتمد الحافظ فلم يُفردها بالذكر، والصواب إفرادها لئلا يُتَوهَّم أنها من تمام كلام مجاهد، لأنَّ
كلام مجاهد انتهى عند ذكر اللائي قعدنَ عن المحيض واللائي لم يحضن، وأنَّ عدة كلٌّ ثلاثة أشهر،
وكذلك أخرجه الطبري ٢٨/ ١٤٠ من طريقين عن ابن أبي نجيح عنه.

٢٧٧
باب ٣٩ / خ ٥٣٢٠
كتاب الطلاق
قوله: ((قال مجاهد: إن لم تَعلَموا يَحِضْنَ أو لا يَحِضْنَ))، أي: فَسَّرَ قوله تعالى: ﴿إِنِ أَرْتَبْتُ﴾،
أي: لم تَعلَموا.
وقوله: ((واللّائِي فَعَدْنَ عن المَحِيضِ)) أي: حُكمهنَّ حُكم اللّئي يَئِسنَ.
وقوله: (واللائي لم يَحِضْنَ، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهُر))، أي: أنَّ حُكم اللّائي لم يَحِضنَ أصلاً ورأساً
حُكُمُهنَّ في العِدّة حُكم اللّئي يَئِسنَ، فكان تقدير الآية: ﴿وَاَلَِّى لَمْ يَحِضْنَ﴾ كذلك، لأنَّها
وقَعَت بعد قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ﴾، وأَثْرُ مجاهدٍ هذا وَصَلَه الفِرْيابيّ، وتَقدَّمَ بيانه
في تفسير سورة الطَّلاق (٤٩٠٩).
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق يونس عن الزُّهْريِّ قال: الارتيابُ - والله أعلم - في المرأة
التي يُشَكُّ في قُعودها عن الولد وفي حَيْضها، أَتحيضُ أو لا، ويُشَكُّ في انقطاع حيضها بعد أن
كانت تَحِيض، ويُشَكُّ في صِغَرها، هل بَلَغَت المَحِيضَ أو لا؟ ويُشَكُّ في حَملها، أبلَغَت أن
تَحمِل أو لا؟ فما ارتَبْتُم فيه من ذلك فالعِدّة فيه ثلاثةُ أشهُر.
وهذا الذي جَزَمَ به الزُّهْرِيُّ مُخْتَلَف فيه فيمَن انقَطَعَ حَيضُها بعد أن كانت تَحِيض، فذهب
أكثر فقهاء الأمصار إلى أنَّها تَنْتَظِرِ الحيض إلى أن تَدخُل في السِّنّ الذي لا يَحِيض فيه مِثْلُها،
فَتَعتَدّ حينئذٍ تسعة أشهُر(١).
وعن مالكِ والأوزاعيِّ: تَرَبَّص تِسعةَ أشهُر، فإن حاضَت وإلّ اعتَدَّت ثلاثة. وعن
الأوزاعيِّ: إن كانت شابّة فسَنةً.
وحُجّة الشافعيّ والجمهور ظاهِرُ القرآن، فإنَّه صريح في الحُكم للآيِسة والصَّغيرة، وأمَّا
التي تَحِيض ويَتأخّر حَيصُها فليست آيِسةً، لكن لمالكِ في قوله سَلَفٌ وهو عمرُ، فقد صَحَّ عنه
ذلك(٢). وذهب الجمهور إلى أنَّ المعنى في قوله: ﴿إِنِ آرتبتُ ﴾، أي: في الحُكم لا في اليأس.
(١) وعلة ذلك أن التسعةَ أشهُرِ هي أمَدُ الحمْلِ المُعتاد، كما قال الباجيُّ في ((المنتقى)) ١٠٨/٤.
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٥٨٢، وعبد الرزاق في ((المصنف)) برقم (١١٠٩٥) من رواية ابن المسيِّب
عنه.

٢٧٨
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنَّ زينب بنت أبي سَلَمةَ أخبَرَتْه)) أي: ابن عبد الأسَد المخزوميّ، وقد تقدَّم
الحديث في تفسير الطَّلاق (٤٩٠٩) من رواية أبي سَلَمةَ بن عبد الرّحمن، عن كُرَيب، عن
أُمّ سَلَمَةَ، وذلك لمَّا وقَعَت المراجَعة بينه وبين ابن عبّاس في ذلك، وتقدَّم بيان ذلك
مشروحاً هُناكَ. وقد رواه مالك (٥٨٩/٢) عن عبد رَبِّه بن سعيد عن أبي سَلَمةَ وفيه:
فدَخَلَ أبو سَلَمَةَ على أمّ سَلَمَةَ. وأورَدَهُ المصنِّف هنا مختصراً، وأورَدَ القصَّة من وجهَينٍ
آخرَينِ باختصارٍ أيضاً.
الطَّريق الأولى: طريق الأعرَجِ: أخبرني أبو سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن، أنَّ زينب بنت أبي
سَلَمَةَ أخبَرَته عن أمّها أمّ سَلَمَةَ)) كذا رواه الأعرَج عن أبي سَلَمةَ، ورواه يحيى بن أبي كثير
عن أبي سَلَمَةَ عنِ كُرَيب عن أمّ سَلَمَةَ، كما تقدَّم في تفسير سورة الطَّلاق (٤٩٠٩)، وفيه
قصَّة لأبي سَلَمَةَ معَ ابن عبّاس وأبي هريرة.
وأخرجه مسلم (١٤٨٥/ ٥٧) من طريق سليمان بن يسار: أنَّ ابن عبّاس وأبا سَلَمةَ
اجْتَمَعا عند أبي هريرة، فبَعَثُوا كُرَيباً إلى أمّ سَلَمَةَ يسألها عن ذلك، فذكرتِ القصَّة، وهو
شاهدٌ لرواية الأعرَج. وأخرجه مالك في ((الموطَّأ)) عن عبد رَبِّه بن سعيد، عن أبي سَلَمَةَ
قال: دَخَلت على أم سَلَمَةَ، وأخرجه النَّسائيُّ (٣٥١٧) من طريق داود بن أبي عاصم: ((أنَّ
أبا سَلَمَةَ أخبَرَه، فذكر قِصَّته معَ ابن عبّاس وأبي هريرة، قال: فأخبَرَني رجل من أصحاب
٤٧١/٩ النبيّ ◌َّهِ. وأخرجه أحمد (٢٧٤٣٨) من / طريق ابن إسحاق، حدَّثني محمَّد بن إبراهيم التَّيْميُّ،
عن أبي سَلَمَةَ قال: دَخَلتُ على سُبَيعة.
وهذا الاختلاف على أبي سَلَمَةَ لا يَقدَح في صِحّة الخبر، فإنَّ لأبي سَلَمَةَ اعتناءً بالقصَّة
من حين تَنَازَعَ هو وابن عبّاس فيها، فكأنَّه لمَّا بَلَغَه الخبرُ من كُرَيب عن أمّ سَلَمَةَ لم يَقْتَنِعِ
بذلك حتَّى دَخَلَ عليها، ثمَّ دَخَلَ على سُبَيعة صاحبةِ القصَّة نفسِها، ثمَّ تَحَمَّلَها عن رجل
من أصحاب النبيِّ وَّ، وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المِسوَر بن تَخَرَمةَ كما يأتي في
الطَّريق الثّالثة، ويحتمل أن يكون أبا هريرة، فإنَّ في آخر الحديث عند النَّسائيِّ (٣٥١٧):

٢٧٩
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
كتاب الطلاق
فقال أبو هريرة: أشهَد على ذلك. فيحتمل أن يكون أبو سَلَمَةَ أبَهَمَه أوَّلاً لمَّا قال: أخبرني
رجل من أصحاب النبيِّ وَّة.
وأمَّا ما أخرجه عبد بن حُميدٍ(١) من رواية صالح بن أبي حسَّان عن أبي سَلَمَةَ، فَذَكَر
قِصَّته معَ ابن عبّاس وأبي هريرة قال: فأرسَلُوا إلى عائشة، فذكرت حديث سُبَيعة. فهو
شاذٍّ، وصالح بن أبي حسَّان مُخْتَلَف فيه، ولعلَّ هذا هو سَببُ الوَهْم الذي حكاه الحُميديّ
عن أبي مسعود (٢) وذَكرتُه في تفسير الطَّلاق (٤٤٠٩).
ووَقَعَ في رواية أَبَانَ العَطّار عن يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث: أنَّ ابن عبّاس احتَجَّ
بقولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ [البقرة : ٢٣٤] وأنَّ أبا سَلَمةَ قال له: يا
ابنَ عبَّاس، أَقالَ اللهُ: آخِرَ الأجَلَيْنِ؟ أَرأيتَ لو مَضَت أربعة أشهر وعشرٌ ولم تَضَع، أَتتزوَّجُ؟
فقال لغلامه: اذهب إلى أمّ سَلَمةَ.
الطريق الثانية:
قوله: ((اللَّيث عن يزيد)) قال الدِّمياطيّ في حَوَاشيه: هو ابن عبد الله بن الهاد، ووَهِمَ في ذلك،
وإنَّما هو ابن أبي حَبيب، كذا أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أحمد بن إبراهيم بن
مِلْحان عن يحيى بن بُكَير شيخ البخاريّ فيه، وكذا أخرجه الطبرانيُّ (٧٤٨/٢٤) من طريق
عبد الله بن صالح عن اللَّيث.
قوله: ((أنَّ ابن شِهاب كَتَبَ إليه)) هو حُجّة في جواز الرِّواية بالمكاتَبة، وقد سَبَقَ في
غَزوة بدر من المغازي (٣٩٩١) مُعلَّقاً عن اللَّيث، عن يونس، عن ابن شِهاب أتمّ سياقاً
ممَّا هنا، ووَصَلَه مسلم (١٤٨٤) من طريق ابن وَهْب عن يونس كذلك، ووافَقَه الزُّبَيديّ
عن ابن شِهاب، أخرجه ابن حِبّان (٤٢٩٤)، وأخرجه الطبرانيُّ(٣) من طريق عُقيل عن
(١) وهو أيضاً عند أبي داود الطيالسي في ((مسنده)) (١٥٩١)، وابن راهويه في («مسنده)) (١٠٧٨).
(٢) تحرف في (س) إلى ((ابن مسعود))، وأبو مسعود هذا: هو إبراهيم بن محمد بن عبيد، أبو مسعود الدمشقي
الحافظ، مصنف كتاب ((أطراف الصحيحين))، ترجم له الذهبي في (السير)) ١٧/ ٢٢٧.
(٣) في ((الأوسط)) برقم (١٩١٨).

٢٨٠
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ابن شهاب، فخالَفَ في بعض رواته.
قوله: ((عن أبيه)) هو عبد الله بن عُتبةَ بن مسعود، وقد سَلَف في تفسير الطَّلاق (٤٥٣٢) أنَّ
ابن سِيرِين حدَّث به عن عبد الله بن عُتبةَ عن سُبيعة، فيحتمل أن يكون عبد الله بن عُتْبَةً
لَقِيَ سُبيعةَ بعد أن كان بَلَغَه عنها مَمَّن سَيُذكَرُ من الوسائط(١)، ويحتمل أن يكون أرسَلَه عنها
لابنِ سِيرِين، وأخرجه أحمد (٤٢٧٣) من طريق قَتَادة عن خِلَاسِ، عن عبد الله بن عُتْبَةَ بن
مسعود، عن عبد الله بن مسعود: أنَّ سُبيعة بنت الحارث، الحديثَ.
قوله: ((أنَّه كَتَبَ إلى ابن الأرقَم)» جَزَمَ جمعٌ من الشُّرَاحِ أنَّه عبد الله بن الأرقَم الزُّهْرِيُّ
الصَّحابيّ المشهور، ووَهِمُوا في ذلك، وإنَّما هو ولده عمر بن عبد الله، كذلك وَقَعَ واضحاً
مُفَسَراً في رواية يونس (٣٩٩١)، وليس لعمر المذكور في ((الصحيحين)) سوى هذا الحديث
الواحد.
ووَفَعَ في رواية عُقيل عن ابن شِهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبةَ: أنَّ أباه كَتَبَ
إليه أنِ الْقَ سُبيعة فسَلْها: كيف قَضَى لها، قال: فأخبرني زُفَر (٢) بن أوس بن الحَدَثان: أنَّ
سُبيعة أخبَرَته. والقائل: أخبرني زُفَر: هو عُبيد الله بن عبد الله، بيَّن ذلك النَّسائيُّ (٣٥١٩) في
روايته من طريق زيد بن أبي أُنيسَة، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن ابن شِهاب، ووَضَح بذلك
أنَّ لابنِ شِهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبةَ فيه طريقَينِ(٣).
الطَّريق الثّالثة: رواية هشام بن عُرْوة عن أبيه، عن المِسوَر بن مَخرَمةَ: أنَّ سُبيعة
الأسلَميَّة نُفِسَت. وهذا يحتمل أن يكون المِسوَر ◌َمَلَه أو أرسَلَه عن سُبَيعة أو حَضَرَ القصّة،
(١) ومما يقوي هذا الاحتمال ما رواه عبد الرزاق (١١٧٢٢)، وعنه إسحاق بن راهويه (٢٣١٧) وأحمد
(٢٧٤٣٥) عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن مروان بن الحكم أرسل عبد الله
ابن عُتبة إلى سبيعة يسألها عما أفتاها به رسول الله وَله، فأخبرته ... الحديث، وفيه تسمية زوجها سعد بن
خولة.
(٢) وقع في طبعتي ((المعجم الأوسط)) طبعة الطحان وطبعة طارق عوض الله: مالك بن أوس بن الحدثان،
وهو خطأ، لأن الرواية هنا لأخيه زفر، كما في رواية النسائي التي ذكرها الحافظ.
(٣) وإذا انضم لذلك طريق معمر التي ذكرناها صار له عنه ثلاث طرق.