Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
باب ١٧ / ح ٥٢٨٤
كتاب الطلاق
الحاجة، فإنَّ الواقعة واحدةٌ وقد رُوِيَت بألفاظٍ مُختَلِفة، وزاد بعض الرُّواة ما لم يَذكُر الآخر،
ولم يَقدَح ذلك في صِخَّته عند أحدٍ مِنَ العلماء.
وفيه أنَّ العِدّة بالنِّساءِ لمَا تقدَّم من حديث ابنِ عبَّاس(١): أنَّهَا أُمِرَت أن تَعتَدّ عِدّة الحُرّة.
ولو كان بالرِّجال لَأُمِرَت أن تَعْتَدّ عدَّةَ الإماء. وفيه أنَّ عِدّة الأَمَة إذا عَتَقَت تحت عبدٍ فاختارَت
نفسَها ثلاثةُ قُروء، وأمَّا ما وَقَعَ في بعض طُرقه: تَعتَدّ بحيضةٍ(٢)، فهو مَرجُوح، ويحتمل أن أصله:
تَعتَدّ بحِيَضٍ. فيكون المراد جِنس ما تَستَرِئ به رَحِمِها لا الوحدة.
وفيه تَسمية الأحكام سُنَناً وإن كان بعضها واجباً، وأنَّ تَسمية ما دون الواجب سُنّةً
اصطِلاحٌ حادثٌ.
وفيه جواز جَبْرِ السَّيِّد أَمَته على تَزويج مَن لا تَختاره إمّا لسُوءِ خُلُقه أو خَلْقه وهي بالضِّدِّ
من ذلك، فقد قيل: إنَّ بَريرة كانت جميلة غير سوداء بخلاف زوجها، وقد زوِّجَت منه وظَھَرَ
عَدَم اختيارها لذلك بعد عتقها.
وفيه أنَّ أحد الَّوجَينِ قد يُبغِض الآخر ولا يُظهِر له ذلك، ويحتمل أن تكونَ بَريرة معَ
بُغضها مُغيثاً كانت تَصبر على حُكم الله عليها في ذلك ولا تُعامله بما يَقْتِضِيه البُغض إلى أن
فَرَّجَ الله عنها.
وفيه تَنبيهُ صاحبِ الحقِّ على ما وجَبَ له إذا جَهِلَه، واستقلال المكاتَب بتَعجيزِ نفسِه،
وإطلاقُ الأهل على السادة، وإطلاقُ العَبيد على الأرِقّاء، وجواز تَسمية العَبد مُغيثاً، وأنَّ مالَ
الكتابة لا حَدَّ لأكثره، وأنَّ للمُعتِقِ أن يقبل الهديَّة من مُعتِقه، ولا يَقدَح ذلك في ثواب العِتق،
وجواز الهديَّة لأهلِ الرجل بغير استئذانه، وقَبُول المرأة ذلك حيثُ لا رِيبةً.
وفيه سؤال الرجل عَّ لم يَعهَده في بيته، ولا يَرِدُ على هذا ما تقدَّم في قصَّة أمّ زَرْع
(٥١٨٩) حيثُ وَقَعَ في سياق المدح: ((ولا يَسأل عمَّا عَهِد)) لأنَّ معناه كما تقدَّم، ولا يَسأل
(١) سلف تخريجه والتعليق عليه قبل بابين أثناء شرح الحديث (٥٢٨٠).
(٢) سلف تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٥٢٧٦).

١٦٢
باب ١٨ / ح ٥٢٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
عن شيء عَهِدَه وفاتَ، فلا يقول لأهلِه: أين ذهبَ؟ وهُنا سألَهَم النبيُّ ◌ٍَّ عن شيء رآه
وعاينَه، ثمَّ أُحضِر له غيرُه، فسألَ عن سبب ذلك لأنَّه يعلم أنَّهم لا يَترُكونَ إحضاره له
شُحّاً عليه بل لتَوهُّمِ تحريمه، فأراد أن يُبيِّنَ لهم الجواز.
وقال ابن دقيق العيد: فيه دلالة على تَبسُّطِ الإنسان في السُّؤال عن أحوال مَنِزِله وما عَهِدَه
فيه قبلُ.
والأوَّل أظهَر، وعندي أنَّه مَبنيٌّ على خلاف ما انبَنَى عليه الأوَّلُ، لأنَّ الأوَّل بُنيَ على
أَنَّه عَلِمَ حقيقة الأمر في اللَّحم، وأنَّه ممَّا تُصُدِّقَ به على بَريرة، والثّاني بُنيَ على أنَّه لم يَتَحقَّق
من أين هو، فجائزٌ أن يكونَ ممّا أُهديَ لأهلٍ بيته من بعض أَلزامها كأقاربها مثلاً ولم يَتَعيَّن
الأوَّل.
وفيه أنَّه لا يجب السُّؤال عن أصل المال الواصل إليه إذا لم يُظنّ تحريمُه أو تظهر فيه
شُبهة، إذ لم يسأل ◌ِ لهعمَّن تَصَدَّقَ على بَريرة ولا عن حاله، كذا قيلَ، وقد تقدَّم أنَّه ◌َ ل هو
الذي أرسَلَ إلى بَريرة بالصَّدَقة فلم يَتِمَّ هذا.
١٨ - باب قول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]
٥٢٨٥- حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع: أنَّ ابنَ عمرَ كان إذا سُئلَ عن نِكاح
النَّصْرانيَّةِ واليهوديَّةِ قال: إنَّ اللهَ حَرَّمَ المشرِ كاتِ على المؤمنينَ، ولا أَعلمُ منَ الإِشْرَاكِ شيئاً أكثَرَ
من أن تقولَ المرأةُ: رَبُّها عيسى، وهو عبدٌ من عِبادِ الله.
قوله: ((باب قول الله سُبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ ﴾)) كذا للأكثر، وساقَ في رواية
كَرِيمة إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. ولم يَبْتَّ البخاريُّ حُكم المسألة لقيام الاحتمال
٤١٧/٩ عنده في تأويلها، فالأكثر أنَّها على العُموم وأنَّهَا خُصَّت بآية / المائدة، وعن بعض السَّلَف أنَّ المراد
بالمشركات هنا: عَبَدَةُ الأوثان والمَجُوس، حكاه ابن المنذر وغيره.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف فيه قول ابن عمرَ في نِكاح النَّصرانيَّة.
وقوله: ((لا أعلم من الإشراك شيئاً أكثرَ من أن تقولَ المرأةُ: رَبُّها عيسى)) وهذا مَصيرٌ منه إلى

١٦٣
باب ١٨ / ح ٥٢٨٥
كتاب الطلاق
استمرار حُكم عُموم آية البقرة، فكأنَّه يرى أنَّ آية المائدة منسوخة، وبه جَزَمَ إِبراهيم الحَرْبيّ،
ورَدَّه النَّحّاس فحَمَلَه على التَّوَرُّع كما سيأتي.
وذهب الجمهور إلى أنَّ عُموم آية البقرة خُصَّ بآية المائدة وهي قوله: ﴿وَالْعُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥]، فبَقِيَ سائرُ المشركات على أصل التَّحريم.
وعن الشافعيّ قولٌ آخَر: أنَّ عُموم آية البقرة أُريدَ به خُصوص آية المائدة، وأطلقَ ابن
عبَّاس أنَّ آية البقرة منسوخة بآية المائدة(١).
وقد قيل: إنَّ ابن عمر شَذَّ بذلك، فقال ابن المنذر: لا يُحِفَظ عن أحد من الأوائل أنَّه
حَرَّمَ ذلك. انتهى، لكن أخرج ابن أبي شَيْبة (٤ / ١٥٨) بسَندٍ حسن: أنَّ عطاء كَرِهَ نِكاح
اليهوديّات والنَّصرانيّات وقال: كان ذلك والمسلماتُ قليلٌ، وهذا ظاهرٌ في أنَّه خَصَّ
الإباحة بحالٍ دون حال.
وقال أبو عبيد: المسلمونَ اليوم على الرُّخصة. ورويَ عن عمر: أنَّه كان يأمر بالتنُّه عنهُنَّ
من غير أن يُحرِّمَهُنَّ(٢).
وزَعَمَ ابن المرابط تَبَعاً للنَّحّاس وغيرِهِ: أنَّ هذا مُراد ابن عمر أيضاً لكنَّه خلاف ظاهر
السِّياق، لكنَّ الذي احتَجَّ به ابن عمر يقتضي تخصيص المنع بمَن تُشِرِك من أهل الكتاب لا من
تُوحِّدُ، وله أن يَحمِل آية الحِلّ على مَن لم يُبدِّل دِينَه منهم.
وقد فضَّلَ كثير من العلماء كالشافعيَّة بين مَن دَخَلَ آبَاؤُها في ذلك الدِّين قبل التَّحريف
أو النَّسخ أو بعد ذلك، وهو من جِنس مذهب ابن عمر، بل يُمكِن أن يُحمَل عليه، وتقدّم
(١) هذا الإطلاق من ابن عباس يشمل عنده ما نُسخ حكمُه بالجملة وما خُصِّص، وكان هذا شائعاً في
عباراتهم. قال أبو بكر الجصاص في ((أحكام القرآن)) عند بيان قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ
يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوٍَّ﴾: وكثيراً ما يُوجد عن ابن عباس وغيره من أهل التفسير إطلاق لفظ
النسخ ومرادهم التخصيص. قلنا: قد أخرجه عن ابن عباس محمد بن نصر المروزي في ((السنة))
(٣٢٧) و(٣٢٨).
(٢) أخرجه عنه ابن أبي شيبة ١٥٨/٤ بإسناده صحيح.

١٦٤
باب ١٩ / ح ٥٢٨٦-٥٢٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
بحثٌ في ذلك في الكلام على حديث هِرَقل في كتاب الإيمان (٧)، فذهب الجمهور إلى
تحريم النِّساء المجوسيّات، وجاء عن حُذيفة: أنَّه تَسَرَّى بمَجوسيَّةٍ، أخرجه ابن أبي شَيْبة(١)
وأورَدَه أيضاً (١٧٨/٤) عن سعيد بن المسيّب وطائفة، وبه قال أبو ثَور.
وقال ابن بَطّالٍ: هو مَحَجوج بالجماعة والتَّزيل. وأُجيبَ بأنَّه لا إجماع معَ ثُبُوت الخلاف
عن بعض الصَّحابة والتابعينَ، وأمَّا التَّنزيل فظاهرُه أنَّ المَجُوس ليسوا أهل كتاب لقولِه تعالى:
﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنْزِلَ الْكِتَبُ عَ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، لكن لمَّا أَخَذَ النبيُّ ◌َل
الجِزية من المَجُوس(٢) دَلَّ على أنَّهم أهل كتاب، فكان القياس أن يَجريَ عليهم بقَيَّة أحكام
الكتابِّينَ، لكن أُجيب عن أخذ الجِزية من المجوس أنَّهم اتَّبَعوا فيهم الخبرَ، ولم يَرِدِ مِثْلُ ذلك في
النِّكاح والذَّبائح، وسيأتي تَعرُّضٌ لذلك في كتاب الذَّبائح (٥٤٩٦) إن شاءَ الله تعالى.
١٩ - باب نكاح مَن أَسلَمَ مِنَ المُشركاتِ وعِذَّتِنَّ
٥٢٨٦ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَيج، وقال عطاءٌ: عن ابنِ
عبَّاسٍ: كان المشركونَ على مَنْزِلِتَيْنِ مِنَ النبيِّ وَلِ﴿ والمؤمنينَ، كانوا مُشْرِكي أهلِ حَرْبٍ يُقاتلُهم
ويُقاتلونَه، ومُشْرِكي أهلِ عَهْدٍ لا يقاتلُهم ولا يقاتلونَه، فكان إذا هاجَرَتِ امرأةٌ من أهلِ الحَرْبِ
لم تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وتَطْهُرَ، فإذا طَهُرَت حَلَّ لها النِّكاحُ، فإن هاجَرَ زوجُها قبلَ أن تَنكِحَ رُدَّت
إليه، وإن هاجَرَ عبدٌ منهم أو أَمَةٌ فهما حُرّانِ وَمَا ما لِلْمُهاجِرِينَ.
ثُمَّ ذَكَر من أهلِ العَهْدِ مِثلَ حديثٍ مجاهدٍ. وإن هاجَرَ عبدٌ أو أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أهلِ العَهْدِ لم
يُرَدُّوا ورُدَّت اثْمَانُهم.
٥٢٨٧ - قال: وقال عطاءً، عن ابنِ عبَّاسٍ: كانت قُرَيبةُ ابنَهُ أبي أُميَّةَ عندَ عمرَ بنِ الخطّاب
فطَلَّقَها، فتزوَّجَها مُعاوِيةُ بنُ أبي سفيانَ. وكانت أمُّ الحَكَم بنتُ أبي سفيانَ تحتَ عِياض بنِ
(١) لم نقف عليه عند ابن أبي شيبة، وهو عند الخلال في ((أحكام أهل الملل)) (٤٥٧)، وابن المنذر في ((الأوسط))
(٧٣٤١)، وابن حزم في «المحلى» ٤٤٩/٩، والبيهقي ١٧٣/٧، ونقل الخلال عن الإمام أحمد تضعيفه لهذا
الخبر (٤٥١)، وضعفه أيضاً النحاس والبيهقي وابن عبد البر.
(٢) تقدم برقم (٣١٥٧).

١٦٥
باب ١٩ / ح ٥٢٨٦-٥٢٨٧
كتاب الطلاق
غَنْمِ الفِهْرِيِّ فطَلَّقَها، فتزوَّجَها عبدُ الله بنُ عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ.
قوله: ((باب نِكاح مَن أسلَمَ من المشركات وعِدَّتِهِنَّ) أي: قَدْرها، والجمهور على أنَّها تَعتَدُّ ٤١٨/٩
عِدَّة الحُرّة، وعن أبي حنيفة: يكفي أن تُستَبرأ بحيضةٍ.
قوله: ((أخبرنا هشام)) هو ابن يوسف الصَّنعانيّ.
قوله: ((وقال عطاء)) هو معطوف على شيءٍ محذوفٍ، كأنَّه كان في جُملة أحاديثَ حدَّث
بها ابن جُرَيج عن عطاء ثمَّ قال: وقال عطاء، كما قال بعد فراغه من الحديث: قال: وقال
عطاء، فذَكَر الحديث الثّاني بعد سياقه ما أشار إليه من أنَّه مِثلُ حديث مجاهد.
وفي هذا الحديث بهذا الإسناد عِلّةٌ كالتي تقدَّمَت في تفسير سورة نوح (٤٩٢٠)، وقد
قَدَّمت الجواب عنها، وحاصلُها أنَّ أبا مسعود الدِّمَشقيَّ ومَن تَبَعَه جَزَموا بأنَّ عطاءً المذكور:
هو الخُراسانيّ، وأنَّ ابن جُرَيج(١) لم يسمع منه النَّسير وإنَّما أخَذَه عن ابنه(٢) عثمان عنه، وعثمان
ضعيف، وعطاء الخُّراسانيّ لم يسمع من ابن عبّاس.
وحاصلُ الجواب جوازُ أن يكون الحديث عند ابن جُرَيج بالإسنادَين، لأنَّ مِثل ذلك لا
يخفى على البخاريّ معَ تَشَدُّده في شرط الاتِّصال، معَ كَون الذي نَبَّهَ على العِلّة المذكورة هو
عليُّ بن المَدِينيّ شيخ البخاريِّ المشهورُ به، وعليه يُعوِّل غالباً في هذا الفَنّ خُصوصاً عِلَلَ
الحديث. وقد ضاقَ تَخَرَج هذا الحديث على الإسماعيليّ ثمَّ على أبي نُعَيم فلم يُخِرِجاه إلّا من
طريق البخاريِّ نفسِه.
قوله: ((لم تُخُطَب)) بضمِّ أوَّله ((حتَّى تَحِيضَ وتَطْهُرَ)) تَسَّكَ بظاهره الحنفيَّةُ، وأجابَ
الجمهور بأنَّ المراد تحيضُ ثلاثَ حِيَض، لأنَّها صارت بإسلامها وهِجرَتها من الحرائر
بخلاف ما لو سُبِیَت.
(١) تحرَّف في (ب) و(س) إلى: جریر.
(٢) تصحفت في (أ) و(س) إلى: أبيه، وفي (ع) إلى: أبي. وجاء على الصواب في (ب). وعثمان بن عطاء الخراساني
ضعیف الحدیث.

١٦٦
باب ١٩ / ح ٥٢٨٦-٥٢٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فإن هاجَرَ زوجُها (١)) يأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده.
قوله: ((وإن هاجَرَ عبدٌ منهم)) أي: من أهل الحرب.
قوله: ((ثُمَّ ذَكر من أهل العَهْدِ مِثْلَ حديث مجاهد)» يحتمل أن يعني بحديثٍ مجاهد الذي
وصَفَه بالمِثليَّة الكلامَ المذكورَ بعد هذا وهو قوله: وإن هاجَرَ عَبدٌ أو أَمَةٌ للمُشِرِكِينَ ... إلى
آخره، ويحتمل أن يريد به كلاماً آخر يَتَعلَّق بنساءِ أهل العهد وهو أولى، لأَنَّه قَسَمَ المشرِكينَ إلى
قسمَينٍ: أهل حَرب، وأهل عهد. وذكر حُكم نساء أهل الحرب ثمَّ حُكم أرِقّائهم، فكأنَّه أحالَ
بحُكمِ نساء أهل العهد على حديث مجاهدٍ، ثمَّ عَقَّبَه بذكر حُكم أرِقّائهم.
وحديثُ مجاهد في ذلك وَصَلَه عبدُ بنُ حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عنه في قوله: ﴿ وَإِن
فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَبِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١]، أي: إن أصَبْتُم مَعنَماً من قُرَيش فَأَعطُوا
الذينَ ذهَبَت أزواجُهم مِثْلَ ما أنفَقوا عِوَضاً، وسيأتي بسطُ هذا في الباب الذي يليه.
قوله: ((وقال عطاءٌ، عن ابن عبّاس)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور أوَّلاً عن ابن جُرَيج
كما بيَّنته قبلُ.
قوله: ((كانت قُرَيبة)) بالقاف والموحّدة مُصفَّرة في أكثر النُّسَخ، وضَبَطَها الدِّمياطيّ
بفتح القاف وتَبِعَه الذَّهَبِيُّ، وكذلك هو في نُسخة مُعتمَدة من ((طبقات ابن سعد))، وكذا
للكُشْمِيهنيّ في حديث عائشة الماضي في الشُّروط (٢٧٣٣)، وللأكثرِ بالتَّصغير كالذي
هنا، وحكى ابن التِّين في هذا الاسم الوجهَين، وقال شيخنا في ((القاموس)) بالتَّصغير وقد
تُفتَح(٢).
قوله: ((ابنة أبي أُميَّة)) أي: ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي أُخت أمّ سَلَمَةَ
زوج النبيِّ وَّةِ، وهذا ظاهرٌ في أنَّها لم تكن أسلَمَت في هذا الوقت، وهو ما بين عُمرة الحُدَيبية
(١) زاد في الأصول و(س) بعدها لفظة ((معها))، وليست في شيء من روايات البخاري حسب ما في اليونينية،
وسيذكر الحافظ هذا الحرف من الحديث في آخر شرحه لترجمة الباب التالي بدون ذكر هذه اللفظة، فعلمنا بذلك
أنها مقحمة، فلذلك حذفناها.
(٢) لكن ذكر ابن ناصر الدين في ((التوضيح)) أن الجمهور على الفتح.

١٦٧
باب ١٩ / ح ٥٢٨٦-٥٢٨٧
كتاب الطلاق
وفتح مَكّة، وفيه نظرٌ، لأنَّ ثَبَتَ في النَّسائيِّ (ك٨٨٧٧) بسندٍ صحيح من طريق أبي بكر بن
عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام عن أمّ سَلَمةَ في قصَّة تَزويج النبيِّ وَّ بها، ففيه: وكانت
أُ سَلَمَةَ تُرضِع زينبَ بنتَها، فجاء عمَّارٌ فأخَذَها، فجاء النبيُّ ◌َّه فقال: / (أين زُنابُ؟)) ٤١٩/٩
فقالت قُرَيبة بنت أبي أُميَّة صادَفَها عندها: أخَذَها عمّار، الحديثَ. فهذا يقتضي أنََّا هاجَرَت
قديماً، لأنَّ تَزويج النبيِّ نَّهِ بِأُمِّ سَلَمَةَ كان بعد أُحُد وقبلَ الحُدَيبية بثلاثِ سنين أو أكثر،
لكن يحتمل أن تكون جاءت إلى المدينة زائرةً لأُختِها قبل أن تُسلم، أو كانت مُقيمةً عند
زوجها عمرَ على دِيْنِها قبل أن تَنزِل الآية، وليس في مُرَّد گَونها كانت حاضرةً عند تَزويج
أُختها أن تكون حينئذٍ مسلمةً.
لكن يَرُدّه ما روى(١) عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ لمَّا نزلت: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمٍ
اُلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فذَكر القصَّةَ وفيها: فطَلَّقَ عمر امرأتينٍ كانتا له بمَّة. فهذا يَرُدّ أنَّها
كانت مُقيمةً، ولا يَرُدّ أنَّها جاءت زائرةً، ويحتمل أن يكون لأُمُّ سَلَمَةَ أُختان كلٌّ منهما تُسمَّى
قُرَيبة، تقدَّم إسلامُ إحداهما وهي التي كانت حاضرةً عند تَزويج أمّ سَلَمةَ، وتأخّرَ إسلامُ
الأُخرى وهي المذكورة هنا، ويُؤْيِّد هذا الثّاني أنَّ ابن سعد قال في ((الطَّقات)) (٢٦٢/٨):
قُرَيبة الصُّغْرَى بنت أبي أُميَّةً أُخت أُمِّ سَلَمَةَ، تزوَّجَها عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدّيق،
فوَلَدَت له عبدَ الله وحَفْصةَ وأُمَّ حَكيم، وساقَ بسَندٍ صحيحٍ: أَنَّ قُرَيبة قالت لعبد الرَّحمن،
وكان في خُلُقه شِدّةٌ: لقد حَذَّروني مِنك، قال: فَأَمْرُك بَيَدِك، قالت: لا أختار على ابن الصِّدّيق
أحداً. فأقامَ عليها، وتقدَّم في الشُّروط (٢٧٣٣) من وجه آخَر في هذه القصّة في آخِرِ حديث
الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن مروانَ والِسِوَرِ، فَذَكر الحديثَ، ثمَّ قال: وبَلَغنا أنَّ عمر طَلَّقَ امرأتينِ
كانتا له في الشِّرك: قُرَيبةَ وابنةَ أبي جَرْوَل، فتزوَّج قُرَيبةَ معاويةُ، وتزوَّجَ الأُخرى أبو جَهْم بن
حُذَيفة، وهو مُطابق لمَا هنا وزائدٌ عليه، وتقدَّم من وجه آخر مِثْلُه (٢٧٣١) لكن قال: وتزوَّجَ
الأُخرى صفوان بن أُميَّة. فيُمكِن الجمع بأن يكون أحدهما تزوَّجَ قبل الآخر.
(١) وقع في الأصول و(س): لكن يردُّه أنَّ عبد الرزاق عن معمر ... إلى آخره، والمثبت من ((إرشاد الساري)
للقسطلاني ٨/ ١٥٨ حيث نقل عبارة الحافظ هذه.

١٦٨
باب ١٩ / ح ٥٢٨٦-٥٢٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا بنت أبي جَرْوَل فَوَقَعَ في ((المغازي الكُبرَى)) لابنِ إسحاق: حدَّثني الزُّهْرِيُّ عن
عُرْوة أنَّهَا أُّ كُلثوم بنت عَمْرو بن جَرْوَل. فكأنَّ أباها كُنِيَ باسم والده، وجَرْوَل بفتح
الجيم. وقد بيَّنت في آخر الحديث الطَّيل في الشُّروط (٢٧٣١) أنَّ القائل: ((وبَلَغنا)) هو
الزُّهْرِيُّ، وبيَّنت هناك مَن وَصَلَه عنه من الرّواة.
وأخرج ابن أبي حاتم بسندٍ حسنٍ من رواية بني طلحة مُسَلسَلاً بهم عن موسى بن طلحة
عن أبيه قال: لمَّ نزلت هذه الآية ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾ طَلَّقت امرأتي أروى بنتَ رَبيعة
ابن الحارث بن عبد المطَّلِّب وطَلَّقَ عمر قُرَيبة وأُمَّ كُلثوم بنت جَرْوَل.
وقد روى الطَّبَريُّ (٧٢/٢٨) من طريق سَلَمةَ بن الفضل عن محمَّد بن إسحاق قال:
قال الزُّهْرُّ: لمَّ نزلت هذه الآية طَلَّقَ عمر قُرَيبة وأُمَّ كُلثوم، وطَلَّقَ طلحةُ أروى بنت
رَبيعة، فَرَّقَ بينهما الإسلامُ حين(١) نزلت: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾، ثمَّ تزوَّجَها بعد أن
أسلَمَت خالد بن سعيد بن العاصي.
واختُلِفَ في تَرْكُ رَدِّ النِّساء إلى أهل مَكّة معَ وقوع الصُّلح بينهم وبين المسلمينَ في الْحُدَيبية:
على أنَّ مَن جاء منهم إلى المسلمينَ رَدُّوه، ومَن جاء من المسلمينَ إليهم لم يَرُدُّوه، هل نُسِخَ
حُكم النِّساء من ذلك، فمُنِعَ المسلمونَ من رَدِّهنَّ، أو لم يَدخُلنَ في أصل الصُّلح، أو هو
عامّ أُريدَ به الخُصوص وتَبيَّن ذلك عند نزول الآية؟ وقد تَسَّكَ مَن قال بالثّاني بما وَقَعَ في
بعض طُرقه (٢٧٣١ -٢٧٣٢) على أن لا يأتيك مِنّا رجل إلّا رَدَدَتَه. فمَفهومُه أنَّ النِّساء لم
يَدخُلنَ.
وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق مُقاتل بن حَيّان: أنَّ المشرِكينَ قالوا للنبيِّ وَّهِ: رُدَّ
علينا مَن هاجَرَ من نسائنا، فإنَّ شَرْطَنا: أنَّ مَن أتاك مِنّا أن تَرُدَّه علينا. فقال: ((كان الشَّرط
في الرِّجال ولم يكن في النِّساء)». وهذا لو ثَبَتَ كان قاطِعاً للنِّزاع، لكن يُؤْيِّد الأوَّلَ والثّالثَ
ما تقدَّم في أوَّل الشُّروط (٢): أنَّ أمّ كُلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيطٍ لمَّا هاجَرَت جاء أهلها يسألونَ
(١) تحرَّف في (س) إلى: حتى.
(٢) بلاغاً من قول الزهري برقم (٢٧٣٣).

١٦٩
باب ٢٠
كتاب الطلاق
رَدّها فلم يَرُدّها لمَّا نزلت: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَاتٍ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]، والمراد
قوله فيها: ﴿فَلَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾.
وذكر ابن الطَّلَّاع في ((أحكامه)): أنَّ سُبيعة الأسلَميَّة هاجَرَت فأقبَلَ زوجها في طَلِها،
فنزلت الآية، فَرَدَّ على زوجها مَهرَها/ والذي أنفَقَ عليها ولم يَرُدَّها. واستُشكِلَ هذا بما في ٤٢٠/٩
((الصَّحيح)) (٣٩٩٠): أنَّ سُبيعة الأسلَميَّة ماتَ عنها سعد بن خَوْلة وهو ثَمّن شَهِدَ بدراً في
حَجّة الوَداع. فإِنَّه دالٌّ على أنَّها تقدَّمَت هِجرَتُها وهِجرةُ زوجها، ويُمكِن الجمع بأن يكون
سعد بن خَوْلة إنَّما تزوَّجَها بعد أن هاجَرَت، ويكون الَّوج الذي جاء في طَلَبها ولم تُرَدّ
عليه آخَرَ لم يُسلم يومَئذٍ (١). وقد ذكرت في أوَّل الشُّروط أسماء عِدّةً، مَمَّن هاجَرَ من نساء
الكفَّار في هذه القصّة.
٢٠ - باب إذا أسلَمتِ المُشركةُ أو النَّصرانيّة
تحت الذِّمِّيِّ أو الحَرْبيِّ
وقال عبدُ الوارثِ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: إذا أسلَمَتِ النَّصْرانيَّةُ قبلَ
زوجِها بساعةٍ حَرُمَت علیه.
وقال داودُ، عن إبراهيمَ الصّائعِ: سُئلَ عطاءٌ عن امرأةٍ من أهلِ العَهْدِ أَسلَمَت ثمَّ أسلَمَ
زوجُها في العِدّةِ: أَهِيَ امراتُه؟ قال: لا، إلّا أن تَشَاءَ هي بنكاحٍ جديدٍ وصَدَاقٍ.
وقال مجاهدٌ: إذا أسلَمَ في العِدَّةِ يَتَزوَّجُها.
وقال الله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وقال الحسنُ وقَتَادُ في مجوسِّينِ أسلَما: هُما علی نِكاحهما، فإذا سَبَقَ أحدُهما صاحبه وأَبَی
الآخَرُ فلا سبیلَ له علیھا.
(١) لكن نقل الحافظ في ((الإصابة)) ٧/ ٦٩٢ في ترجمة سبيعة الأسلمية ما يُشير إلى أنها غير سبيعة بنت الحارث زوج
سعد بن خولة التي جاء ذكرها في «الصحیح))، وقد جاء في ((أخبار مكة)) للفاکھي (٢٨٦٥) پاسناد فيه متروکون
ومجاهيل عن ابن عباس أن نزول آية الممتحنة كان في سبيعة بنت الحارث يوم الحديبية.

١٧٠
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابنُ جُرَيجٍ: قلتُ لِعطاءٍ: امرأةٌ منَ المشركينَ جاءت إلى المسلمينَ، أَيُعاوَضُ زوجُها
منها لقولِه تعالى: ﴿ وَءَاتُوهُمْ مَّا أَنْفَقُواْ﴾ [الممتحنة: ١٠]؟ قال: لا، إنَّما كان ذلك بينَ النبيِّ وَّه وبينَ
أهلِ العَهْدِ.
وقال مجاهدٌ: هذا كلُّه في صُلْحِ بينَ النبيِّ ◌َِّ وبينَ قُرَيشٍ.
قوله: ((باب إذا أسلَمَت المشركة أو النَّصْرانيَّة تحت الدِّمَيِّ أو الحرْبِّ)) كذا اقتَصَرَ على ذِكْر
النَّصرانيَّة وهو مِثالٌ، وإلّا فاليهوديّة كذلك، فلو عَبَّرَ بالكتابيَّ لكان أشمَلَ، وكأنَّه راعَى لفظ
الأثَر المنقول في ذلك ولم يَجِزِم بالحكم لإشكاله، بل أورَدَ التَّرجمة مَورِد السُّؤال فقط، وقد جَرَت
عادته أنَّ دليل الحُكم إذا كان مُحْتَمِلاً لا يَجِزِم بالحُكم.
والمراد بالتَّرجمة بيانُ حُكم إسلام المرأة قبلَ زوجها، هل تقع الفُرقة بينهما بمُجرَّدٍ
إسلامها، أو يَثْبُت لها الخِيارُ، أو يُوقَف في العِدّة، فإن أسلَمَ استَمرَّ النِّكاح وإلّا وقَعَت
الفُرقة بينهما؟ وفيه خلاف مشهور وتفاصيلُ يَطول شرحُها، ومَيْلُ البخاريِّ إلى أنَّ الفُرقة
تقع بمُجرَّدِ الإسلام كما سأُبِّنُه.
قوله: ((وقال عبد الوارث عن خالد)) هو / الخَذّاء ((عن عِكْرمة عن ابن عبّاس)) لم يقع لي
موصولاً عن عبد الوارث، لكن أخرج ابن أبي شَيْبة (٥/ ٩٠) عن عَبّاد بن العَوامّ عن خالدٍ
الحَذّاءِ نحوَه.
٤٢١/٩
قوله: ((إذا أسلَمَت النَّصْرانيَّة قبلَ زوجها بساعةٍ حَرُمَت علیه)) هو عامٌ في المَدْخول بها
وغيرها، ولكن قوله: ((حَرُمَت عليه)) ليس بصريحٍ في المراد. ووَقَعَ في رواية ابن أبي شَيْبة
(٩٠/٥): فهيَ أَملَكُ بنَفْسِها.
وأخرج الطَّحاويُّ(١) من طريق أيوبَ، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس في اليهوديّة أو النَّصرانيَّة
تكون تحت اليهوديّ أو النَّصرانيّ فتُسلم فقال: ((يُفرَّق بينهما، الإسلامُ يَعْلُو ولا يُعلَى علیه»
وسنده صحيح.
(١) في ((شرح معاني الآثار)) ٢٥٧/٣.

١٧١
باب ٢٠
كتاب الطلاق
قوله: ((وقال داودُ)) هو ابن أبي الفُرات، واسم أبي الفُرات: عَمْرو بن الفُرات، وإبراهيمُ
الصّائغ: هو ابن مَیْمون.
قوله: ((سُئلَ عطاء)) هو ابن أبي رباح ((عن امرأة من أهل العَهْد أسلَمَت ثمَّ أسلَمَ زوجها
في العِدّة: أَهيَ امرأتُه؟ قال: لا، إلّا أن تشاءَ هي بنكاح جَديد وصَدَاق)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبةٍ(١)
من وجهٍ آخَر عن عطاءٍ بمعناه، وهو ظاهرٌ في أنَّ الفُرقة تقع بإسلام أحد الَّوجَينِ ولا تَنْتَظِر
انقضاء العِدّة.
قوله: ((وقال مجاهد: إذا أسلَمَ في العِدّة يَتَزوَّجُها)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عنه.
قوله: ((وقال الله ... )) إلى آخره، هذا ظاهر في اختياره القول الماضي، فإنَّه كلام البخاريِّ،
وهو استدلال منه لتَقوية قول عطاءِ المذكورِ في هذا الباب، وهو مُعارِض في الظّاهر
لروايتِهِ عن ابن عبّاس في الباب الذي قبلَه، وهي قوله: لم تُخُطَب حتَّى تَحِيضَ وتَطْهُرَ.
ويُمكِن الجمع بينهما، لأنَّه كما يحتمل أن يريد بقولِه: لم تُخُطَب حتَّى تَحيض وتَطهُر، انتظارَ
إسلام زوجِها ما دامَت في عِدَّتها، يحتمل أيضاً أنَّ تأخير الخِطبة إنَّما هو لكَونِ المعتَدّة لا
تُخُطَب ما دامَت في العِدّة، فعلى هذا الثّاني لا يَبقَى بين الخبرَينِ تَعارُضُ.
وبظاهرِ قول ابن عبّاس في هذا وعطاءٍ قال طاووسٌ والثَّوريُّ وفقهاء الكوفة، ووافَقَهم أبو
ثَور، واختارَه ابن المنذر، وإليه جَنَحَ البخاريُّ، وشَرَطَ أهل الكوفة ومَن وافَقَهم أن يُعرَض على
زوجها الإسلامُ في تلك المدّة فیمتَنِع إن كانا معاً في دار الإسلام.
وبقولِ مجاهدٍ قال فَتَادةُ ومالكٌ والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو عُبيد.
واحتَجَّ الشافعيُّ بقصَّة أبي سفيان لمَّا أسلَمَ عامَ الفتح بمَرِّ الظَّهْران في ليلة دخول
المسلمينَ مَكّة في الفتح كما تقدَّم في المغازي (٤٢٨٠)، فإنَّه لمَّا دَخَلَ مَكّة أخَذَت امرأته هندُ
بنت عُتْبةَ بِحَيتِه وأنكَرَت عليه إسلامه، فأشارَ عليها بالإِسلام فأسلَمَت بعدُ، ولم يُفرَّق
بينهما ولا ذُكِرِ تجديدُ عَقْدٍ، وكذا وَقَعَ لجماعةٍ من الصَّحابة أسلَمَت نِساؤُهم قبلَهم كحَكِيمٍ
(١) في ((المصنف)) ٥/ ٩٣ مختصراً بلفظ: إن أسلَمَ وهي في العدّة فهو أحقُّ بها.

١٧٢
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ابن حِزَام وعِكْرمة بن أبي جهل وغيرهما، ولم يُنقَل أنَّه جُدِّدَت عُقود أنكِحَتهم، وذلك
مشهور عند أهل المغازي لا اختلافَ بينهم في ذلك، إلّا أنَّه محمولٌ عند الأكثر على أنَّ إسلام
الرجل وَقَعَ قبل انقضاء عِدّة المرأة التي أسلَمَت قبلَه.
وأمَّا ما أخرج مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٥٤٤) عن الزّهْريِّ قال: لم يَبلُغنا أنَّ امرأةً
هاجَرَت وزوجُها مُقيمٌ بدار الحرب إلّا فَرَّقَتِ هِجَرَتُها بينَها وبين زوجِها. فهذا مُحْتَمِلٌ
للقولَينِ، لأنَّ الفُرقة يحتمل أن تكون قاطِعةً، ويحتمل أن تكون مَوقوفة، وأخرج حمّاد بن
سَلَمَةَ وعبد الرَّزّاق (١٠٠٨٣ و ١٢٦٦٠) في ((مُصنَّفيهما)) بإسنادٍ صحيح عن عبد الله بن
يزيد الخَطْميّ: أنَّ نصرانياً أسلَمَت امرأتُه فخَيَّرَها عمر، إن شاءَت فارَقَته، وإن شاءَت
أقامت علیه.
قوله: ((وقال الحسن وقَتَادة في ◌َجوسيَّينِ أسلَما: هُما على نِكاحهما، فإذا سَبَقَ أحدُهما
صاحبَه)) بالإسلام ((وأَبَى الآخَرُ(١) فلا سَبيل(٢) له عليها)) أمَّا أَثْر الحسن فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة
(١٠٤/٥-١٠٥) بسندٍ صحيح عنه بلفظ: فإن أسلَمَ أحدُهما قبل صاحبه فقد انقَطَعَ ما بينهما
من النِّكاح. ومن وجه آخر صحيح عنه بلفظ: فقد بانت منه.
وأمَّا أَثْر قَتَادَة فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٠٤/٥) أيضاً بسندٍ صحيح عنه بلفظ: فإذا سَبَقَ
أحدُهما صاحبَه بالإسلام، فلا سبيلَ له عليها إلّا بخِطبةٍ. وأخرج أيضاً عن عِكْرمةً وكتابٍ
عمر بن عبد العزيز، نحوَ ذلك.
٤٢٢/٩
قوله: ((وقال ابن جُرَيج: قلت لعطاءٍ: امرأةٌ من المشركينَ جاءت إلى/ المسلمينَ أَيُعاوَضُ
زوجُها مِنها؟)) وَقَعَ في رواية ابن عساكر(٣): ((أيُعاضُ)) بغير واو.
(١) قوله: ((وأبى الآخر)) سقط من (س).
(٢) كذا وقعت الرواية للحافظ رحمه الله، مع أن الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري:
وأبى الآخر بانَتْ لا سبيل ... وكذلك وقع في الأصل الخطي الذي بأيدينا برواية أبي ذر الهروي.
(٣) كذا نسبها الحافظ لابن عساكر وحده، مع أنها نُسِبت في اليونينية أيضاً لأبي ذَرِّ الهروي. وهو كذلك في
الأصل الخطِّي الذي عندنا بروايته.

١٧٣
باب ٢٠
كتاب الطلاق
وقوله: ((لقولِه تعالى: ﴿وَءَاتُوهُم مَّآ أَنْفَقُواْ﴾ [الممتحنة: ١٠] قال: لا، إنَّما كان ذلك بين النبيِّ لَّلـ
وبين أهل العهد)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٢٧٠٧) عن ابن جُرَيج قال: قلت لعطاءٍ: أَرأيتَ اليومَ
امرأةً من أهل الشِّرك، فذَكَره سَواءً، وعن مَعمَر (١٢٧٠٨) عن الزُّهْريِّ نحو قول مجاهد الآتي،
وزادَ: وقد انقَطَعَ ذلك يومَ الفتح، فلا يُعاوَض زوجُها منها بشيءٍ.
قوله: ((وقال مجاهد: هذا كلَّه في صُلْح بين النبيِّ ◌َلِ﴾ وبین قُرَیش)) وَصَلَه ابن أبي حاتم
من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلُواْ مَآَ أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُواْ مَآَ أَنْفَقُواْ﴾ قال:
مَن ذهب من أزواج المسلمينَ إلى الكفَّار فليُعطِهِم الكفَّارُ صَدُقاتِهِنَّ وليُمسِكوهُنَّ، ومَن
ذهب من أزواج الكفّار إلى أصحاب محمَّد ◌َّةِ، فكذلك. هذا كلَّه في صُلح كان بين النبيِّ وَّل
وبین قُریش.
وقد تقدَّم في أواخر الشُّروط (٢٧٣٣) من وجه آخر عن الزُّهْريِّ قال: بَلَغنا أنَّ الكفَّار
لمَّا أَبَوا أن يُقِرُّوا بما أَنفَقَ المسلمونَ على أزواجهم، أي: أَبَوا أن يَعملُوا بالحُكمِ المذكور في
الآية: وهو أنَّ المرأة إذا جاءت من المشركينَ إلى المسلمينَ مسلمةً لم يَرُدَّها المسلمونَ إلى
زوجها المشرِك، بل يُعطونَه ما أَنفقَ عليها من صَدَاق ونحوِه، وكذا بعَكسِه، فامتَثَلَ
المسلمونَ ذلك وأعطَوهم، وأَبَى المشرِكونَ أن يَمتَئِلوا ذلك، فحَبَسُوا مَن جاءت إليهم
مُشِرِكةً ولم يُعطُوا زوجها المسلمَ ما أنفَقَ عليها، فلهذا نزلت: ﴿وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ
إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقُّ﴾ [الممتحنة: ١١]. قال: والعَقْب: ما يُؤَدِّي المسلمون إلى مَن هاجَرَت امرأتُه
من الكفّار إلى الكفَّار. وأخرج هذا الأثر الطََّريُّ (٧٥/٢٨) من طريق يونس عن الزّهْرِيِّ
وفيه: فلو ذَهَبَت امرأةٌ من أزواج المؤمنينَ إلى المشرِكِينَ، رَدَّ المؤمنونَ إلى زوجها النَّفَقة التي
أَنفَقَ عليها من العَقْب الذي بأيديهم، الذي أُمِروا أن يَرُدُّوه على المشرِكينَ من نَفَقاتهم التي
أنفَقوا على أزواجهم اللّاتي آمَنَّ وهاجَرنَ، ثمَّ رَدُّوا إلى المشرِكينَ فَضْلاً إن كان بَقِيَ لهم.
ووَقَعَ في الأصل(١): فأمَرَ أن يُعطَى مَن ذَهبَ له زوج من المسلمينَ ما أنفَقَ من صَداق نساء
(١) أصل حديث الزهري السالف في الشروط برقم (٢٧٣٣).

١٧٤
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
الكفَّار اللّتي هاجَرنَ. ومعناه أنَّ العَقْب المذكور في قوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾، أي: أصَبتُم من
صَدُقات المشرِكات عِوَض ما فاتَ من صَدُقات المسلمات: وهذا تفسير الزُّهْريِّ، وقال
مجاهدٌ: أي: أصَبتُم غنيمة فأعطُوا منها، وبه صَرَّحَ جماعة من التابعينَ، كما أخرجه الطَّبَرِيُّ
(٧٦/٢٨)، لكن حَمَلَه على ما إذا لم يَحَصُل من الجهة الأُولى شيءٌ، وهو خْلٌ حَسَنٌ.
وقوله في آخر الخبر المذكور(١): وما نَعلَمُ أنَّ أحداً من المهاجرات ارتَدَّت بعد إيمانِها. وهذا
النَّفَيُ لا يَرُدّه ظاهر ما دَلَّت عليه الآية والقصَّة، لأنَّ مَضمون القصّة أنَّ بعض أزواج المسلمينَ
ذهبت إلى زوجها الكافر فأبَى أن يُعطيَ زوجَها المسلمَ ما أنْفَقَ عليها، فعلى تقدير أن تكونَ
مسلمة فالنَّفيُّ مخصوصٌ بالمهاجِرات، فيحتمل كَون مَن وَقَعَ منها ذلك من غير المهاجِرات
كالأعرابيّات مثلاً، أو الحصر على عُمومه فتكون نزلت في المرأة المشركة إذا كانت تحت مسلم
مثلاً فهَرَبَت منه إلى الكفّار، ويُؤيِّده رواية يونس الماضية(٢).
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعَث عن الحسن في قوله تعالى: ﴿ وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ
أَزْوَبِكُمْ﴾ قال: نزلت في أُمِّ الْحَكَم بنت أبي سفيان ارتَدَّت فتزوَّجَها رجل ثَقَفيّ، ولم تَرتَدَّ
امرأةٌ من قُرَيش غيرها، ثمَّ أسلَمَت معَ ثَقيف حين أسلموا، فإن ثَبَتَ هذا استُثنيَ من
الحَصر المذكور في حديث الزُّهْريِّ، لأنَّ أمّ الحَكَم هي أُخت أمِّ حَبيبة زوج النبيِّ ◌َّهِ، وقد
تقدَّم في حديث ابن عبّاس (٥٢٨٧) أنَّها كانت تحت عِيَاض بن غَنْم، وظاهر سياقه أنَّها كانت
عند نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ مُشِرِكَةً، وأنَّ عِياض بن غَنْمِ فَارَقَها لذلك
فتزوَّجَها عبد الله بن عثمان الثَّقفيّ، فهذا أصُ من رواية الحسن.
تنبيه: استَطرَدَ البخاريّ من أصل ترجمة الباب إلى شيء ممّا يَتَعلَّق بشرح آية الامتحان،
٤٢٣/٩ فذَكَر أثرَ عطاءٍ فيما يَتَعلَّق بالمعاوَضة المشار إليها في الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِن فَاتَكُ شَىْءٌ مِّنْ/
أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَّبْتُمْ﴾ ثمَّ ذكر أثرَ مجاهدِ المُقَوّي لدَعوَى عطاءٍ أنَّ ذلك كان خاصّاً
بذلك العهد الذي وَقَعَ بين المسلمينَ وبين قُرَيش، وأنَّ ذلك انقَطَعَ يوم الفتح، وكأنَّه أشارَ
(١) يعني أثر الزهري الذي في الشروط.
(٢) يعني التي عزاها قريباً للطبري في ((تفسيره)) ٧٥/٢٨.

١٧٥
باب ٢٠
كتاب الطلاق
بذلك إلى أنَّ الذي وَقَعَ في ذلك الوقت من تقرير المسلمة تحت المشرك لانتظار إسلامه ما دامَت
في العِدّة منسوخ، لمَا دَلَّت عليه هذه الآثار من اختصاص ذلك بأولئكَ، وأنَّ الحُكم بعد ذلك
فيمَن أسلَمَت أن لا تَقَرَّ تحت زوجها المشرِك أصلاً ولو أسلَمَ وهي في العِدّة، وقد وَرَدَ في أصل
المسألة حدیثان مُتَعارضان:
أحدهما: أخرجه أحمد (٢٣٦٦) من طريق محمَّد بن إسحاق قال: حدَّثني داودُ بن
الحُصَين عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّ رسول الله وَّهِ رَدَّ ابنته زينبَ على أبي العاص وكان
إسلامُها قبلَ إسلامه بستٌّ سنين على النِّكاح الأوَّل ولم يُحدِث شيئاً. وأخرجه أصحاب
السُّنَن إلّا النَّسائيَّ(١)، وقال التِّرمِذيّ: لا بأس بإسنادِهِ، وصَحَّحَه الحاكم (٢) (٦٣٨/٣ -
٦٣٩)، ووَقَعَ في رواية بعضهم(٣): بعد سنتَينٍ، وفي أُخرى(٤): بعد ثلاث(٥). وهو اختلافٌ
◌ُمعَ بينه على أنَّ المراد بالسِّتِّ ما بين هِجرة زينب وإسلامِه وهو بيِّنٌّ في المغازي، فإنَّه أُسِرَ
ببدرٍ فأرسَلَت زينب من مَكّة في فدائه فأُطلِقَ لها بغير فداء، وشَرَطَ النبيُّ نَّه عليه أن يُرسِل
له زينبَ، فَوَفَ له بذلك(٦)، وإليه الإشارة في الحديث الصَّحيح بقولِه ◌ِوََّ فِي حَقّه: ((حدَّثني
فصَدَقَني، ووَعَدَني فوَفَى لي))(٧). والمراد بالسَّنتَينِ أو الثلاث: ما بين نُزول قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ
حِلٌّلَمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقُدومِه مسلماً، فإنَّ بينهما سنتَينِ وأشهُراً.
الحديث الثّاني: أخرجه التِّرمِذيّ (١١٤٢) وابن ماجَهْ (٢٠١٠) من رواية حَجّاج بن
أَرطاةَ عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدّه: أنَّ النبيَّ ◌ََّ رَدَّ ابنتَه زينبَ على أبي
العاص بن الرَّبيع بمَهرِ جديد ونِكاح جديد. قال التِّرمِذيّ: وفي إسناده مَقَال.
(١) أبو داود برقم (٢٢٤٠)، وابن ماجه برقم (٢٠٠٩)، والترمذي برقم (١١٤٣).
(٢) وصححه أيضاً الإمام أحمد في ((مسنده)) بإثر الحديث (٦٩٣٨).
(٣) کما عند ابن ماجه برقم (٢٠٠٩) ورواية عند أبي داود.
(٤) كما عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٥٦/٣.
(٥) وفي رواية أخرجه ابن منده في ((معرفة الصحابة)) ٩٢٦/١-٩٢٧: بعد أربع سنين.
(٦) كما ثبت ذلك في حديث عائشة عند أبي داود (٢٦٩٢)، والطبراني ٢٢/ (١٠٥٠)، والحاكم ٢٣/٣.
(٧) سلف عند المصنف برقم (٣١١٠) من حديث المسور بن مخرمة ﴾.

١٧٦
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ أخرج(١) عن يزيد بن هارون أنَّه حدَّث بالحديثَينِ عن ابن إسحاق وعن حَجّاج بن
أَرطاةَ، ثمَّ قال يزيدُ: حديث ابن عبّاس أقوى إسناداً، والعَمَل على حديث عَمْرو بن
◌ُعَيب، يريد: عَمَلَ أهل العراق. وقال الثِّمِذيُّ في حديث ابن عبّاس: لا يُعرَفُ وجهُه.
وأشارَ بذلك إلى أنَّ رَدَّها إليه بعد ستٍّ سنين أو بعد سنتينٍ أو ثلاث مُشكِّلٌ لاستبعادٍ أن تَبقَى
في العِدّة هذه المدّة.
ولم يذهب أحدٌ إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرِك إذا تأخّرَ إسلامُه عن إسلامها
حتَّى انقَضَت عِدَّتها، ومَمَّن نَقَلَ الإجماع في ذلك ابن عبد البَرّ، وأشار إلى أنَّ بعض أهل
الظّاهر قال بجوازِهِ ورَدَّه بالإجماع المذكور. وتُعقِّبَ بِثُبُوتِ الخلاف فيه قديماً، وهو منقولٌ
عن عليٍّ وعن إبراهيم النَّخَعيِّ، أخرجه ابن أبي شَيْبة عنهما بطرقٍ قويَّة، وبه أفتَى حَّادٌ شيخٌ
أبي حنيفة. وأجابَ الخطَّبيُّ عن الإشكال بأنَّ بَقاء العِدّة في تلكَ المدّة مُمكِنٌ وإن لم تَجِرِ
العادة غالباً به، ولا سيَّما إذا كانت المدّة إنَّما هي سَنَتَان وأشهُر، فإنَّ الخَيضَ قد يُبطِئُ عن
ذَوات الأقراء لعارِضِ عِلَّةٍ أحياناً. وبحاصلِ هذا أجابَ البيهقيُّ، وهو أَولى ما يُعتَمَد في
ذلك.
وحكى الثِّرمِذيُّ في ((العِلَل المفرَد» عن البخاريِّ: أنَّ حدیث ابن عبّاس أصُّ من حديث
عَمْرو بن شُعَيب. وعِلَّه تَدليس حَجّاج بن أَرْطاةَ، وله عِلّة أشدُّ من ذلك وهي ما ذكره أبو عُبيد
في كتاب ((النِّكاح)) عن يحيى القَطّان: أنَّ حَجّاجاً لم يسمعه من عَمْرو بن شُعَيب وإنَّما حَمَلَه عن
العَرْزَميِّ، والعَرْزَمِيُّ ضعيف جدّاً، وكذا قال أحمد عَقِبَ تخريجه (٦٩٣٨)، قال: والعَرزَميّ
لا يُساوي حديثه شيئاً، قال: والصَّحيح أنَّهما أُفِرًا على النِّكاح الأوَّل.
وجَنَحَ ابن عبد البَرّ إلى ترجيح ما دَلَّ(٢) عليه حديث عَمْرو بن شُعَيب، وأنَّ حديث
ابن عبّاس لا يُخالفه، قال: والجمع بين الحديثَينِ أَولى من إلغاء أحدهما، فحَمَلَ قوله في حديث
ابن عبّاس: بالنِّكاح الأوَّل، أي: بشروطِه، وأنَّ معنى قوله: لم يُحدِث شيئاً، أي: لم يَزِد على
(١) بإثر الحديث (١١٤٤) من ((جامعه)).
(٢) وقع في (س): إلى ترجيح حديث ما دلَّ. بزيادة لفظة: ((حديث))، وهي مقحمة.

١٧٧
باب ٢٠
كتاب الطلاق
ذلك شيئاً، قال: وحديث عَمْرو بن شُعَيب تَعْضُدُه الأُصول، وقد صَرَّحَ فيه بوقوع عَقدٍ
جَديد ومَهرٍ جَديد، والأخذ بالصَّريح أولى من الأخذ بالمحتَمِل، ويُؤيِّده مذهب ابن عبّاس
المَحكِيُّ عنه/ في أوَّل الباب، فإنَّه موافق لمَا دَلَّ عليه حديث عَمْرو بن شُعَيب، فإن ٤٢٤/٩
كانت الرِّواية المخرَّجة عنه في السُّنَن ثابتةً، فلعلَّه كان يرى تَخصيص ما وَقَعَ في قِصَّة أبي
العاص بذلك العهد كما جاء ذلك عن أتباعه كَعطاءٍ ومجاهدٍ، ولهذا أفتَى بخلاف ظاهر ما
جاء عنه في ذلك الحديث.
على أنَّ الخطَّبيَّ قال في إسناد حديث ابن عبّاس: هذه نُسخة ضَعَّفَها عليُّ بنُ المدينيّ وغيرُه
من عُلماء الحديث، يشير إلى أنّه من رواية داود بن الحصين عن عكرمة قال: وفي حديث عَمْرو
ابن شُعَيب زيادةٌ ليست في حديث ابن عبّاس، والمثبِتُ مُقدَّم على النافي، غير أنَّ الأئمّة رَجَّحوا
إسناد حديث ابن عباس. انتهى، والمعتمد ترجیح إسناد حديث ابن عبّاس على حديث عَمْرو
ابن شُعَیب لما تقدَّمَ، ولإمکان حمل حديث ابن عبّاس على وجهِ مُمكِن.
وادَّعَى الطَّحاويُّ أنَّ حديث ابن عبّاس منسوخ، وأنَّ النبيَّ وَّهِ رَدّ ابَتَه على أبي
العاص بعد رجوعه من بَدرٍ لمَّا أُسِرَ فيها ثمَّ افتُدِىَ وأُطلِقَ، وأسنَدَ ذلك عن الزُّهْرِيِّ(١)
وفيه نظرٌّ، فإن ثَبَتَ عنه فهو مُؤَوَّل، لأنَّها كانت مُستَقِرّةً عنده بمَكّة، وهي التي أرسَلَت في
افتِدائه كما هو مشهور في المغازي، فيكون معنى قوله: رَدَّها: أقَرَّها، وكان ذلك قبل
التَّحريم. والثّابت أنَّه لمَّا أُطلِقَ اشْتَرَطَ عليه أن يُرسِلها ففَعَلَ كما تقدَّمَ، وإنَّما رَدَّها عليه
حقيقةً بعد إسلامه.
ثمَّ حكى الطَّحاويُّ عن بعض أصحابهم أنَّه جَمَعَ بين الحديثَينِ بطريقٍ أُخرَى، وهي أنَّ
عبد الله بن عَمْرو كان قد اطَّلَعَ على تحريم نكاح الكفّار بعد أن كان جائزاً فلذلك قال: رَدَّها
عليه بنكاحِ جَديد، ولم يَطَّلِع ابنُ عبَّاس على ذلك فلذلك قال: رَدَّها بالنِّكاح الأوَّل.
وتُعقِّبَ بأَنَّه لا يُظَنّ بالصَّحابة أن يَجِزِموا بحُكمٍ بناءً على أنَّ البناء على شيء(٣) قد يكون
(١) في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦٠/٣.
(٢) تحرف في (ب) و(س) إلى: البناء بشيء.

١٧٨
باب ٢٠ / ح ٥٢٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
الأمر بخلافه، وكيف يُظنّ بابنِ عبَّاس أن يَشتَبه عليه نزول آية الممتَحَنة والمنقول من طرقٍ
كثيرة عنه يقتضي اطّلاعَه على الحُكم المذكور، وهو تَحريمُ استقرار المسلمة تحتَ الكافر، فلو
قُدِّرَ اشتباهُه عليه في زمن النبيِّ وَّه لم يَجُز استمرارُ الاشتِباه عليه بعده حتَّى يُحدِّث به بعد
دَهر طويل، وهو يوم حدَّث به يَكادُ يكون أعلمَ أهل عصره.
وأحسن المسالك في هذَينِ الحديثَينِ ترجيحُ حديث ابن عبّاس كما رَجَّحَه الأئمّة، وحَمْلُه
على تَطاوُل العِدّة فيما بين نزول آية التَّحريم وإسلام أبي العاص، ولا مانعَ من ذلك من حيثُ
العادةُ فَضْلاً عن مُطلَق الجواز.
وأغرَبَ ابن حَزْم فقال ما مُلخَّصه: إنَّ قوله: رَدَّها إليه بعدَ كذا، مُراده جَمَعَ بينهما، وإلّا
فإسلامُ أبي العاص كان قبلَ الحُدَيبية، وذلك قبلَ أن يَنزِل تحريمُ المسلمة على المشرِك.
هكذا زَعَمَ، وهو مخالف لمَا أطبَقَ عليه أهل المغازي أنَّ إسلامه كان في الهُدنة بعد نزول آية
التَّحریم.
وقد سَلكَ بعض المتأخّرينَ فيه مَسلكاً آخَرَ، فقرأت في السِّيرة النبويَّة للعِمادِ ابن كثير
بعد ذِكْر بعض ما تقدَّم، قال: وقال آخرونَ: بل الظّاهر انقضاء عِدَّتها، وضَعْفُ رواية مَن قال:
جَدَّدَ عَقدها، وإنَّما يُستَفاد منه أنَّ المرأة إذا أسلَمَت وتأخّرَ إسلام زوجها أنَّ نِكاحها لا
يَنفَسِخ بمُجرَّدٍ ذلك، بل تَتَخَيَّر بين أن تَتزوَّج غيرَه أو تَتَرَبَّص إلى أن يُسلمَ فَيَستَمِرَّ عَهْدُه
عليها، وحاصله أنَّها زوجته ما لم تَتزوَّج، ودليل ذلك ما وَقَعَ في حديث الباب (٥٢٨٦) في
عُموم قوله: فإن هاجَرَ زوجُها قبل أن تَنكِحِ رُدَّت إليه، والله أعلم.
ثمَّ ذكر البخارُّ حديث عائشة في شأن الامتحان وبيانِه لِشِدّة تَعلُّقه بأصلِ المسألة.
٥٢٨٨- حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّیثُ، عن عُقَیل، عن ابنِ شِھابٍ (ح).
وقال إبراهيمُ بنُ المنْذِرِ: حدّثنا ابنُ وَهْبٍ، حذَّثني يونسُ، قال ابنُ شِهابٍ: أخبرني عُرْوةُ
ابنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّوَ لَه قالت: كان المؤمناتُ إذا هاجَرْنَ إلى النبيِّ نَل
يَمْتَحِنُهُنَّ بقولِ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا جَّةَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى آخِرِ

١٧٩
باب ٢٠ / ح ٥٢٨٨
كتاب الطلاق
الآيةِ [الممتحنة: ١٠]. قالت عائشةُ: فمَن أقَرَّ بهذا الشَّرْطِ منَ المؤمناتِ فقد أقَرَّ بالمِحْنةِ، فكان
رسولُ اله ◌َّه إذا أقرَرْنَ بذلك من قولهِنَّ قال لهنَّ رسولُ اللهِ وَّ: ((انطَلِفْنَ فقد بايَعتُكُنَّ))، لا والله
ما مَسَّتِ يَدُ رسولِ اللهِ وَِّ يَدَ امرأةٍ قَطُّ، غيرَ أنَّه بايعَهُنَّ بالكلام، والله ما أخَذَ رسولُ الله ◌ِّ
على النِّساءِ إلّا بما أمَرَه اللهُ، يقول لهنَّ إذا أخَذَ عليهنَّ: ((قد بايَعتُكُنَّ) كلاماً.
قوله: ((وقال إبراهيم بن المنذر: حدّثنا ابن وَهْب)) ذكر أبو مسعود أنَّه وَصَلَه عن إبراهيم
ابن المنذر، وقد وَصَلَه أيضاً الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْريّات)) عن إبراهيم بن المنذر. وسياقُ(١) اللَّفظ
في البخاريِّ لِروايةٍ يونسَ، فإنَّ مسلماً (٨٨/١٨٦٦) أخرجه عن أبي الطاهر بن السَّرْح عن
ابن وَهْب كذلك، وأمَّا لفظ رواية عُقِيل فتقدَّمَت في أوَّل الشُّروط (٢٧١٣)، وأشارَ الإسماعيليّ
إلى أنَّ رواية عُقيل المذكورة في الباب لا تُخالفها.
قوله: ((كان المؤمناتُ إذا هاجَرْنَ)) أي: من مَكّة / إلى المدينة قبلَ عام الفتح.
٤٢٥/٩
قوله: ((يَمْتَحِنُهُنَّ بقولِ الله تَعالى)) أي: يَخْتَبِ هُنَّ فيما يَتَعلَّق بالإيمان فيما يَرجِع إلى ظاهر
الحال، دونَ الاطّلاع على ما في القلوب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِهِنَّ﴾
[الممتحنة: ١٠].
قوله: ((مُهاجِرات)) جمع مُهاجِرة، والمهاجَرةُ، بفتح الجيم: المُغاضبة، قال الأزهَريّ:
أصل الهِجْرة: خروج البَدَويِّ من البادية إلى القَرية وإقامَته بها، والمراد بها هاهنا: خُروج
النِّسوة من مَكّة إلى المدينة مُسلماتٍ.
قوله: ((إلى آخر الآية)) يحتمل الآية بعَينِها، وآخرُها: ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ويحتمل أن يريد
بالآية القصَّة، وآخِرُها ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢] وهذا هو المعتمد، فقد تقدَّم في أوائل
الشُّروط من طريق عُقيل وحدَه عن ابن شِهاب عَقِبَ حديثِه عن عُرْوة عن المِسوَر ومروان،
قال عُرْوة: فأخبَرَتني عائشة: أنَّ رسول الله وَّه كان يَمْتَحِنهُنَّ بهذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾ إلى ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠ - ١٢] وكذا وَقَعَ في
(١) تحرَّف في (أ) و(ع) إلى: وساق، وفي (ب) و(س) إلى: وسيأتي.

١٨٠
باب ٢٠ / ح ٥٢٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
رواية ابن أخي الزُّهْريِّ عن الزُّهْريِّ في تفسير الممتَحَنة (٤٨٩١).
قوله: ((قالت عائشة)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور.
قوله: ((فمَن أقَرَّ بهذا الشَّرْط من المؤمنات فقد أقَرَّ بالِحْنةِ)) يشير إلى شرط الإيمان، وأوضَح
من هذا ما أخرجه الطَّبَريُّ (٦٨/٢٨) من طريق العَوْفيّ عن ابن عبّاس قال: كان امتحانهنَّ أن
يَشْهَدنَ أن لا إله إلّ الله وأنَّ محمَّداً رسول الله.
وأمَّا ما أخرجه الطَّبَرِيُّ أيضاً (٢٨/ ٦٧) والبزَّار (١) من طريق أبي نصر عن ابن عبّاس: كان
يَمْتَحِنُهُنَّ: والله ما خَرَجَت من بُغض زوج، والله ما خَرَجَت رَغبةً عن أرضٍ، إلى أرضٍ، والله
ما خَرَجَت التِماس دُنيا، والله ما خَرَجَت إلّا حُبّاً لله ولرسوله. ومن طريق ابن أبي نَجِيح
عن مجاهد نحوَ هذا، ولفظه: ((فاسألوهُنَّ عَّا جاء بهنَّ، فإن كان من غَضَبٍ على أزواجِهنَّ
أو سَخْطَةٍ أو غيره ولم يُؤمِنَّ فارجِعوهُنَّ إلى أزواجِهِنَّ)(٢)، ومن طريق قَتَادة: كانت مِنَتَهنَّ أن
يُستَحلَفنَ بالله ما أَخرَ جَكُنَّ نُشوز، وما أخرَ جَكُنَّ إلّا حُبُّ الإسلام وأهلِهِ، فإذا قُلنَ ذلك
قُبِلَ مِنهنَّ(٣)، فكلّ ذلك لا يُنافي رواية العَوْفيّ لاشتمالها على زيادةٍ لم یذكرها.
قوله: (انطَلِفْنَ فقد بايَعتُكُنَّ) بَيَّنَتْهُ بعدَ ذلك بقولِها في آخِرِ الحديث: ((فقد بايَعتُكُنَّ،
كلاماً)) أي: كلاماً يقوله. ووَقَعَ في رواية عُقيل المذكورة: كلاماً يُكلِّمها به، ولا يُبابِع
بضَرْب اليد على اليد، كما كان يُبابِع الرِّجال، وقد أوضَحَت ذلك بقولها: ما مَسَّتِ يَدُ
رسول الله وَ ل﴿ يَدَ امرأةٍ قَطُّ، زاد في رواية عُقيل(٤) في المبايعة: غير أنَّه بايعَهُنَّ بالكلام.
وقد تقدَّم في تفسير الممتَحنة (٤٨٩٥) وفي غير موضع(٥) حديثُ ابن عبّاس وفيه: حتّى أتى
النِّساءَ فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية كلَّها، ثمَّ قال حين فَرَغَ: ((آنْتُنَّ على
(١) كما في ((كشف الأستار)) برقم (٢٢٧٢).
(٢) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٦٨/٢٨.
(٣) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٦٨/٢٨.
(٤) بل في رواية يونس في هذا الباب.
(٥) برقم (٩٧٩)، وبين يدي الحديث (٧٢١٣).