Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ باب ١١ كتاب الطلاق ووَقعَ عند ابن ماجه (٢٠٤٦) في هذا الحديث الإغلاق بالألفِ، وتَرجَمَ عليه («طلاق المُكرَه)). فإن كانت الرِّواية بغير ألف هي الرَّاجحة، فهو غير الإغلاق. قال المطرِّيّ: قولهم: إيّاكَ والغَلقَ، أي: الضَّجَرَ والغَضَب. ورَدَّ الفارسيّ في ((تَجَمَع الغرائب)» على مَن قال: الإغلاق: الغضب، وغَلَّطَه في ذلك، وقال: إنَّ طلاق الناس غالباً إِنَّما هو في حال الغضب. وقال ابن المُرابِط: الإغلاق: حَرَج النَّفْس، وليس كلّ مَن وَقعَ له فارَقَ عقلَه، ولو جازَ عَدَمُ وقوع طلاق الغضبان لكان لكلِّ أحدٍ أن يقول فيما جَناه: كنت غَضباناً(١)، انتھی. وأراد بذلك الردّ على مَن ذهب إلى أنَّ الطَّلاق في الغضب لا يقع، وهو مَرويٌّ عن بعض مُتأخّري الحنابلة ولم يُوجَد عن أحد من مُتَقدِّميهم إلّا ما أشار إليه أبو داود(٢). وأمَّا قوله في ((المطالع)): الإغلاق: الإكراه، وهو من: أغلقت الباب. وقيل: الغَضَب، وإليه ذهب أهل العراق، فليس بمعروفٍ عن الحنفيَّة، وعُرِفَ بعِلّة الاختلاف المطلَق إطلاقُ أهل العراق على الحنفيَّة، وإذا أطلقَه الفقيه الشافعيُّ فمُراده مُقابل المَراوِزة(٣) منهم. ثمَّ قال: وقيل: معناه النَّهيُ عن إيقاع الطَّلاق البِدْعيّ مُطلَقاً، والمراد النَّهْيُ(٤) عن فِعله لا النَّفَيُ لحُكمِه، كأنَّه يقول: بل يُطلِّق للسُّنّة كما أمَرَه الله. وقول البخاريّ: ((والكُره)) هو في النُّسَخ بضمِّ الكاف وسكون الرَّاء، وفي عَطْفه على / ٣٩٠/٩ (١) هذا صحیح على لغة بني أسدٍ، لأنهم يؤنثون باب فعلان بإلحاق التاء في آخره، فیصرفون ما كان من باب فعلان. انظر ((شرح الكافية)) لابن مالك ٣/ ١٤٤١. (٢) لكن نقل ابن القيم في ((زاد المعاد)» ١٩٥/٥ أن أحمد فسر الإغلاق في هذا الحديث بالغضب، وأنه حكاه عنه الخلال وأبو بكر عبد العزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلال. (٣) نسبةً إلى مَرْو، من بلاد فارس، والنسبة إليها مَرْوَزيّ على غير قياس، ونُسب إلى هذا البلد جماعة من الأئمّة، منهم: الإمام أبو زيد المروزيّ محمد بن أحمد بن عبد الله، حافظ مذهب الشافعي، انظر ((تاج العروس)» (مرو). (٤) كذا في الأصلين على الصواب. وتحرَّف في (س) إلى: النفي. بالفاء. ١٠٢ باب ١١ فتح الباري بشرح البخاري الإغلاق نظرٌ، إلّا إن كان يذهب إلى أنَّ الإغلاقَ الغَضَبُ، ويحتمل أن يكون قبلَ الكاف مِيمٌ، لأنَّه عَطَفَ عليه السَّكران، فيكون التَّقدير: باب حُكم الطَّلاق في الإغلاق وحُكم المُكرَه والسَّكران والمجنون ... إلى آخره. وقد اختَلَفَ السَّلَف في طلاق المُكرَه، فروى ابن أبي شَيْبةَ (٤٩/٥-٥٠) وغيره عن إبراهيم النَّخَعيِّ: أنَّه يقع، قال: لأنَّه شيءٌ افتَدَى به نفسَه. وبه قال أهل الرَّأي. وعن إبراهيم النَّخَعيِّ تفصيل آخر: إنْ وَرَّى المكرَه لم يقع وإلّا وَقَعَ. وقال الشَّعبيّ: إن أَكرهَه اللُّصوص وَقَعَ، وإن أكرهه السُّلطان فلا، أخرجه ابن أبي شَيْة (٥٠/٥). ووَجْهُه بأنَّ اللُّصوص من شأنهم أن يَقتُلُوا مَن يُخالفهم غالباً بخلاف السُّلطان. وذهب الجمهور إلى عَدَم اعتبار ما يقع فيه، واحتَجَّ عطاءٌ بآية النَّحل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِآلْإِيمَانِ﴾ [١٠٦]. قال عطاء: الشِّرك أعظَمُ من الطَّلاق، أخرجه سعید بن منصور (١١٤٢) بسندٍ صحيح. وقَرَّرَه الشافعيّ بأنَّ الله لمَّا وضَعَ الكُفر عمَّن تَلَفَّظَ به حالَ الإكراه، وأسقَطَ عنه أحكام الكُفر، فكذلك يَسقُط عن المُكرَه ما دونَ الكُفر، لأنَّ الأعظَم إذا سَقَطَ سَقَطَ ما هو دونَه بطريق الأَوْلى. وإلى هذه النُّكتة أشارَ البخاريّ بعَطفِ الشّرك على الطَّلاق في التَّرجمة. وأمَّا قوله: ((والسَّكران)) فسيأتي ذِكْر حُكمه في الكلام على أثر عثمان في هذا الباب، وقد يأتي السَّكران في كلامه وفِعله بما لا يأتي به وهو صاحِ؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فإنَّ فيها دلالةً على أنَّ مَن علم ما يقول لا يكون سَكْراناً(١). وأمَّا المجنون فسيأتي في أثر عليٍّ معَ عمر. وقوله: ((وأَمرِهما)) فمعناه: هل حُكمُهما واحد أو يختلف؟ وقوله: ((والغَلَط والنِّسيان في الطَّلاق والشِّرك وغيره)) أي: إذا وَقَعَ من المكلّف ما يقتضي (١) قدمنا قريباً أن صرف هذا الباب صحيح على لغة بني أسد. ١٠٣ باب ١١ كتاب الطلاق الشِّركَ غَلَطاً أو نِسْياناً، هل يُحِكَم عليه به؟ وإذا كان لا يُحكَمُ عليه به، فليكنِ الطَّلاقُ كذلك. وقوله: ((وغيرِه)) أي: وغير الشِّرك ممّا هو دونَه، وذَكَر شيخُنا ابن الملقِّن أنَّه في بعض النُّسَخِ ((والشكّ)) بَدَل: الشِّرك، قال: وهو الصَّواب، وتَبعَه الَّرْكَشِيّ، لكن قال: وهو أليَق. وكأنَّ مُناسَبة لفظ ((الشِّرك)) خَفِيَت عليهما، ولم أرَه في شيءٍ من النُّسَخ التي وقَفت عليها بلفظ ((الشكّ))، فإن ثَبَتَت، فتكون معطوفة على النِّسيان لا على الطَّلاق. ثُمَّ رأيت سَلَف شيخِنا، وهو قول ابن بَطّالٍ: وَقَعَ في كثير من النُّسَخ ((والنِّسيان في الطَّلاق والشِّرك)) وهو خطأ، والصَّواب ((والشكّ)) مكان: الشِّرك. انتهى، ففَهمَ شيخُنا من قوله: في كثير من النُّسَخ، أنَّ في بعضها لفظَ «الشكّ)» فجَزَمَ بذلك. واختَلَفَ السَّلَف في طلاق الناسي، فكان الحسنُ يَراه كالعَمْدِ إلّا إن اشتَرَطَ فقال: إلّا أنْ أنسَى، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٢٠/٥). وأخرج ابن أبي شَيْبة أيضاً (٥/ ٢٢٠) عن عطاء: أنَّه كان لا يراه شيئاً، ويَحَتَجّ بالحديث المرفوع الآتي کما سأُقَرِّرُه بعدُ، وهو قول الجمهور. وكذلك اختُلِفَ في طلاق المخطِئ، فذهب الجمهور إلى أنَّه لا يقع. وعن الحنفيّة ممَّن أراد أن يقول لامرأته شيئاً، فسَبَقَه لسانُه فقال: أنتِ طالق، يَلْزَمه الطَّلاقُ. وأشارَ البخاريّ بقولِه: ((الغَلَط والنِّسيانَ)) إلى الحديث الوارد عن ابن عبّاس مرفوعاً: (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عن أمَّتي الخطأَ والنِّسيانَ، وما استُكرِهوا عليه))، فإنَّه سوَّى بين الثلاثة في التَّجاوز، فمَن حَلَ التَّجاوز على رفع الإثم خاصّةً دونَ الوقوع في الإكراه، لَزِمَ أن يقول مثل ذلك في النِّسیان، والحديث قد أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٢١٩). واختُلِفَ أيضاً في طلاق المشرك، فجاء عن الحسن وقَتَادة ورَبيعة: أنَّه لا يقع، ونُسِبَ إلى مالكٍ وداود. ١٠٤ باب ١١ فتح الباري بشرح البخاري وذهب الجمهور إلى أنَّه یقع کما يَصِحّ نِکاحُه وعتقُه وغیرُ ذلك من أحكامه. قوله: ((وتلا الشَّعْبِيُّ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾)) ورُوِّيناه موصولاً في ((فوائد هَنّاد بن السَّرِيّ الصَّغير)) من رواية سُليم مولى الشَّعبيِّ عنه بمعناه. قوله: ((وما لا يجوز من إقْرار المُوَسْوِسِ)) بمُهمَلَتَينِ، والواو الأُولى مفتوحة، والثّانية مكسورة. قوله: ((وقال النبيُّ ◌َ ﴿ للَّذِي أَقَرَّ على نفسه: أبكَ جنونٌ؟)) هو طَرَفٌ من حديث ذكره ٣٩١/٩ المصنّف في هذا الباب (٥٢٧٠) بلفظ: / ((هل بك جنون؟))، وأورَدَه في الحدود (٦٨١٤)، ويأتي شرحه هناك مُستَوفى إن شاء الله تعالى. ووقَعَ في بعض طُرقه ذِكْر السُّكْر. قوله: ((وقال عليٍّ: بَقَرَ حمزةُ خَوَاصِرَ شارِفَيَّ)) الحديث هو طَرَف من الحديث الطَّويل في قصَّة الشّارفَينِ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في غزوة بدر من كتاب المغازي (٤٠٠٣). و((بَقَرَ)) بفتح الموخَّدة وتخفيف القاف، أي: شَقَّ، والخَواصر، بمُعجَمة ثمَّ مُهمَلة: جمع خاصرة. وقوله في آخره: ((أَنَّه ثَمِلٌ))(١) بفتح المثلَّثة وكسر الميم بعدها لامٌ، أي: سَكران، وهو من أقوى أدلّةِ مَن لم يُؤاخذ السّكران بما يقع منه في حال سُكره من طلاق وغيره. واعتَرَضَ المهلَّب بأنَّ الخمر حينئذٍ كانت مُباحةً، قال: فبذلك سَقَطَ عنه حُكم ما نَطَقَ به في تلك الحال، قال: وبسبب هذه القصّة كان تحريم الخمر. انتهى، وفيما قاله نَظرٌ. أمَّا أوَّلاً: فإنَّ الاحتجاج من هذه القصَّة إنَّما هو بعَدَمِ مُؤاخذة السَّكران بما يَصدُر منه، ولا يَفتَرِق الحال بين أن يكون الشُّرب مُباحاً أو لا. وأمَّا ثانياً: فدَعواه أنَّ تحريم الخمر كان بسبب قصَّة الشّارفَينِ ليس بصحيحٍ، فإنّ قصَّة الشّارفَينِ كانت قبلَ أُحُد اتِّفاقاً، لأنَّ حمزة استُشهِدَ بأُحُدٍ، وكان ذلك بین بَدر وأُحُد عند تَزويج عليٍّ بفاطمةَ، وقد ثَبَتَ في ((الصَّحيح)) (٢٨١٥) أنَّ جماعة اصطَبَحوا (١) كذا وقعت الرواية للحافظ رحمه الله، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري: ((أنه قد ثَمِلَ)). ١٠٥ باب ١١ كتاب الطلاق الخمر يوم أُحُد واستُشهِدوا ذلك اليوم، فكان تحريم الخمر بعد أَحُد لهذا الحديث الصَّحیح. قوله: «وقال عُثْمان: ليس لمَجْنونٍ ولا لسَكْرَانَ طلاقٌ)) وَصلَه ابن أبي شَيْبة عن شَبابة (١)، ورُوِّيناه في الجزء الرَّابع من ((تاريخ أبي زُرْعة الدِّمَشقيّ)) (١٣٤٢) عن آدم بن أبي إياس، كلاهما عن ابن أبي ذِئْب، عن الزُّهْريِّ قال: قال رجلٌ لعمرَ بن عبد العزيز: طَلَّقت امرأتي وأنا سكرانُ، فكان رأيُ عمر بن عبد العزيز معَ رأينا أن يَجِده ويُفرِّق بينه وبين امرأته، حتَّى حدَّثه أبان بن عثمان بن عَفّانَ عن أبيه أنَّه قال: ليس على المجنون ولا على السَّكران طلاق، فقال عمر: تأمُرُونَني وهذا يُحدِّثني عن عثمان؟! فجَلَدَه، ورَدَّ إليه امرأتَه. وذكر البخاريّ أثر عثمان ثمَّ ابن عبّاس استظهاراً لمَا دَلَّ عليه حديث عليٍّ في قصَّة حمزة. وذهب إلى عَدَم وقوع طلاق السَّكران أيضاً أبو الشَّعثاء وعطاءٌ وطاووسٌ وعِكْرمة والقاسم وعمر بن عبد العزيز، ذكره ابن أبي شيبة عنهم (٣٧/٥-٣٨) بأسانيدَ صحيحةٍ. وبه قال رَبيعة واللَّيث وإسحاق والمُزَنيّ، واختارَه الطَّحاويُّ، واحتَجَّ بأنَّهم أجمعوا على أنَّ طلاق المَعْتُوه لا يقع، قال: والسَّكران مَعتوه بسُكره. وقال بوقوعِه طائفةٌ من التابعينَ كَسعيد بن المسيّب والحسن وإبراهيم والزُّهْريِّ والشَّعبيِّ، وبه قال الأوزاعيُّ والثَّوريُّ ومالك وأبو حنيفة، وعن الشافعيّ قولان: المصَحَّح منهما وُقوعُه، والخلافُ عند الحنابلة لكنَّ التَّرجیح بالعكس. وقال ابن المرابط: إذا تَيقَّا ذهاب عَقل السَّكران لم يَلزَمِه طلاقٌ، وإلّا لَزِمَه، وقد جَعَلَ الله حَدَّ السُّكر الذي تَبطُلُ به الصلاة أن لا يَعلمَ ما يقول، وهذا التّفصیل لا یأباه من يقول بعَدَم طلاقه، وإنَّما استَدَلَّ مَن قال بوقوعِه مُطلَقاً بأنَّه عاصٍ بفِعلِه لم يَزُل عنه الخِطاب بذلك ولا الإثمُ، لأنَّه يُؤمَر بقضاءِ الصَّلَوات وغيرها مَّ وجَبَ عليه قبلَ وقوعه في السُّكر أو فیه. (١) أخرجه ابن أبي شيبة في موضعين ٥/ ٣٠ و٣٩ عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبان عن عثمان، ولم نقف علیه من طريق شبابة. ١٠٦ باب ١١ فتح الباري بشرح البخاري وأجابَ الطَّحاويُّ بأنَّه لا تختلف أحكام فاقِد العقل بينَ أن یکون ذهابُ عقلِهِ بسبب من جِهَته أو من جهة غيره، إذ لا فرقَ بين من عَجَزَ عن القيام في الصلاة بسببٍ مِن قِبَل الله أو من قِبَل نفسه، كمَن كَسَرَ رِجل نفسِه، فإنَّه يَسقُط عنه فَرضُ القيام. وتُعقِّبَ بأنَّ القيام انْتَقَلَ إلى بَدَلٍ وهو القُعود فافتَرَقا. وأجابَ ابن المنذر عن الاحتجاج بقضاءِ الصَّلَوات: بأنَّ النائم يجب عليه قضاء الصلاة ولا يقع طلاقُه، فافتَرَقا. وقال ابن بَطّالٍ: الأصل في السَّكران العَقْلُ، والسُّكرُ شيءٌ طَرأ على عقله، فمهما وَقعَ منه من كلامٍ مفهومٍ، فهو محمولٌ على الأصل حتَّى يَئبُت ذهاب عقله. قوله: ((وقال ابن عبّاس: طلاق السَّكْران والمستَكْرَه ليس بجائزٍ)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٤٨/٥) وسعيد بن منصور (١١٤٣) جميعاً عن هُشَيم، عن عبد الله بن طلحة الخُزَاعِيّ، ٣٩٢/٩ عن أبي يزيد المَدَنيِّ(١) عن / عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: ليس لسكرانَ ولا لمُضطَهَدٍ طلاق. المضطَهَد: بضادٍ مُعجَمة ساكنة، ثمَّ طاءٍ مُهمَلة مفتوحة، ثمَّ هاءٍ ثمَّ مُهمَلةٍ: هو المغلوب المقهور. وقوله: ((ليس بجائز)) أي: بواقع، إذ لا عقلَ للسَّكران المغلوب على عقله، ولا اختيارَ للمُستَكرَه. قوله: ((وقال عُقبة بن عامر: لا يَجُوزُ طلاق المُوَسْوِس)) أي: لا يقع، لأنَّ الوَسوَسة حديث النَّفس، ولا مُؤاخذة بما يقع في النَّس كما سيأتي. قوله: ((وقال عطاء: إذا بَدَأ بالطَّلَاق فله شَرْطُه)) تقدَّم مشروحاً في ((باب الشُّروط في الطَّلاق)» (٢٧٢٧)، وتقدَّم عن عطاء وسعيد بن المسيّب والحسن، وبيَّنْت مَن وَصلَه عنهم ومَن خالَفَ في ذلك. قوله: ((وقال نافعٌّ: طَلَّقَ رجل امرأته البَنَّةَ إن خَرَجَت، فقال ابن عمر: إن خَرَجَت فقد بُثَّتْ (١) تحرَّف في (س) إلى: المزني، بالزاي. ١٠٧ باب ١١ كتاب الطلاق منه، وإن لم تَخْرُج فليس بشيءٍ)) أمَّا قوله: ((البَتَّةَ)) فإنَّه بالنَّصب على المصدَر. قال الكِرْمانيُّ هنا: قال النَّحاة: قطع همزة ((البَّة)) بمَعزِلٍ عن القياس. انتهى، وفي دَعوَى أَّهَا تُقال بالقطع نظرٌ، فإنَّ أَلِفِ ((البَتَّة) ألِفُ وصلٍ قَطْعاً، والذي قاله أهل اللُّغة: البَّة: القَطْعُ، وهو تفسيرها بمُرادِفِها، لا أنَّ المراد أنَّها تُقال بالقَطْعِ (١). وأمَّا قوله: ((بُثَّت)) فبضمِّ الموحّدة وتشديد المثنّاة المفتوحة على البناء للمجهول. ومُناسَبة ذِكْر هذا هنا - وإن كانت المسائل المتعلّقة بالبَّة تقدَّمَت - موافقةُ ابن عمر للجمهورِ في أن لا فَرْقَ في الشَّرط بين أن يَتقدَّم أو يَتأخّر، وبهذا تظهر مُناسبة أثر عطاء، وكذا ما بعدَ هذا. وقد أخرج سعيد بن منصور (١٦٧٩) من وجهٍ صحيح عن ابن عمر: أنَّه قال في الخَلَيَّة والبَّة: ثلاثٌ ثلاثٌ. قوله: ((وقال الزُّهْريُّ فيمَن قال: إن لم أَفعَل كذا وكذا، فامرأتي طالقٌ ثلاثاً: يُسأل عمّا قال وعَقَدَ عليه قَلبَه حين حَلَفَ بتلكَ اليمين، فإن سَمَّى أجَلاً أرادَه وعَقَدَ عليه قَلبَه حين حَلَفَ جُعِلَ ذلك في دِينه وأمانَته)) أي: يَدينُ فيما بينه وبينَ الله تعالى، أخرجه عبد الرَّزّاق (١١٢٦٤) عن مَعمَر، عن الزُّهْريّ مختصراً، ولفظه: في الرجلينِ يَحِلِفان بالطَّلاق والعَتاقة على أمر يختلفان فيه، ولم يَقُم على واحدٍ منهما بَيِّةٌ على قوله، قال: يَدينان ويَحِمِلان من ذلك ما تَحَمَّلا. وعن مَعمَر (١١٢٦٥) عمَّن سمعَ الحسن، مِثْلَه. قوله: ((وقال إبراهيم: إن قال: لا حاجةَ لي فِيك: نيَّتُه)) أي: إن قَصَدَ طلاقاً طَلُقَت وإلّا فلا، قال ابن أبي شَيْبة (٤٢/٥): حدَّثنا حقْص - هو ابن غياث - عن إسماعيل، عن إبراهيم: في رجلٍ قال لامرأته: لا حاجة لي فيك، قال: نيَّتُه. وعن وكيع (٤٢/٥) عن شُعْبة: سألت الحَكَم وحَمَّاداً، قالا: إِن نَوَى طلاقاً فواحدةٌ، وهو أحقُّ بها. قوله: ((وطلاقُ كلِّ قوم بلِسانهم)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٠٦/٥) قال: حدثنا ابن إدريس (١) قال العيني مُتعقّباً كلامَ الحافظ: النحاةُ لم يقولوا: البتة: القطع، فحسب، وإنما قالوا: قطع همزة البتّة، بتصريح نسبة القطع إلى الهمزة. قلنا: المسألة فيها خلاف بين أئمة النحو، والراجح أنها بالألف واللام للتعريف وليس بالقطع، وانظر ((شرح القاموس)) للزبيدي مادة (بتت). ١٠٨ باب ١١ فتح الباري بشرح البخاري وجَرِير: فالأوَّل عن مُطَرِّفٍ، والثّاني عن المغيرة، كلاهما عن إبراهيم(١)، قال: طلاق العَجميِّ بلسانه جائز. ومن طريق سعيد بن جُبَير (١٠٦/٥) قال: إذا طَلَّقَ الرجل بالفارسيَّة يَلْزَمُه. قوله: «وقال قتادةُ: إذا قال: إذا حَمَلْتِ فأنتِ طالقٌ ثلاثاً: يَغْشاها عند كلّ طُهْرِ مرَّةً، فإن اسْتَبَانَ حَمْلُها فقد بانَت منه)) وَصلَه ابن أبي شَيْبة (١٠٤/٥) عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوبةً(٢) عن قَتَادة مِثله، لكن قال: عند كلّ طُهر مرَّةً، ثمّ يُمسِكُ حتَّى تَطْهُر. وذَكر بَقِيَّتَه نحوَه. ومن طريق أشعَث عن الحسن (١٠٤/٥): يَغْشاها إذا طَهُرَت من الحيض، ثمَّ يُمسِك عنها إلى مِثل ذلك. وقال ابن سِيرِين (١٠٤/٥): يَغشاها حتَّى تَحمِلَ. وبهذا قال الجمهور. واختَلَفَت الرِّواية عن مالكٍ، ففي رواية ابن القاسم: إن وَطِئَها مرَّةً بعد التَّعليق: طَلْقَت، سواءٌ اسْتَبَانَ بها حَمْلٌ أم لا، وإن وَطِتَها في الطُّهر الذي قال لها ذلك بعد الوَطء: طَلُقَت مكانَها. وتَعَقَّبَهَ الطَّحاويُّ بالاتّفاق على أنَّ مِثل ذلك إذا وَقعَ في تعليق العِتق: لا يقع إلّا إذا وُجِدَ الشَّرط، قال: فكذلك الطَّلاقُ فليكن. قوله: ((وقال الحسن: إذا قال: الحَقي بأهلِك: نِيَّتُه)) وَصلَه عبد الرَّزّاق (١١٢١٨) بلفظ: هو ما نَوَى. وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٥/ ٤٢) من وجه آخر عن الحسن، في رجل قال لامرأته: اخرُجي، استَبِرِئي، اذهَبِي، لا حاجة لي فيك: هي تطليقةٌ إن نَوَى الطَّلاق. ٣٩٣/٩ قوله: (وقال ابن عبّاس: الطَّلَاق عن وَطَرِ، والعَنَاق ما أُريدَ به وَجهُ/ الله)) أي: أنَّه لا ينبغي للرجلِ أن يُطلِّق امرأته إلّا عند الحاجة كالنُّشوز، بخلاف العِتق فإنَّه مطلوب دائماً. والوَطَر بفتحَتَينِ: الحاجة، قال أهل اللُّغة: ولا يُبنَى منها فِعلٌ. قوله: ((وقال الزُّهْريُّ: إن قال: ما أنتِ بامرأتي: نيَّتُه، وإن نَوَى طلاقاً فهو ما نَوَى)) وَصلَه ابن أبي شَيْبة (٩٨/٥) عن عبد الأعلى، عن مَعمَر، عن الزُّهْريِّ: في رجل قال لامرأتِه: لستِ لي (١) كذا قال الحافظ! وهو وهمٌّ منه رحمه الله، لأن رواية مطرف إنما هي عند الشعبي، ولفظه عنه: في الرجل يقول لامرأته: بِشْتَم، قال: تطليقة. وبهشتم قال صاحب ((المطلع)) ص٤٠٨: معناه عندهم: خلَّتك. (٢) تحرَّف في (س) إلى: عروة. ١٠٩ باب ١١ كتاب الطلاق بامرأة، قال: هو ما نَوَى. ومن طريق قَتَادة (٩٨/٥): إذا واجَهَها به وأراد الطَّلاق، فهي واحدة. وعن إبراهيم: إن كَرَّرَ ذلك مِراراً ما أراه أراد إلّ الطَّلاق. وعن قَتَادة: إن أراد طلاقاً طَلُقَت. وتَوَقَّفَ سعيد بن المسيّب، وقال اللَّيث: هيَ كِذْبة. وقال أبو يوسف ومحمّد: لا يقع بذلك طلاقٌ. قوله: ((وقال عليٌّ: أَلَمْ تَعلمْ أنَّ القَلم رُفِعَ عن ثلاثة: عن المجنون حتَّى يُفِيقَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يُذْرِكَ، وعن النائم حتَّى يَسْتَقِظَ)) وَصَلَه البَغَويُّ في ((الْجَعْديّات)) (٧٦٣) عن عليّ بن الجَعْد، عن شُعْبة، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابن عبّاس: أنَّ عمر أُتيَ بمجنونةٍ قد زَنَت وهي حُبلَى، فأراد أن يَرجُمَها فقال له عليٌّ: أمَا بَلَغَك أنَّ القلم قد وُضِعَ عن ثلاثة، فَذَكَره. وتابَعَه ابن نُمَير ووَكيع وغير واحد عن الأعمَش، ورواه جَرِير بن حازِمٍ عن الأعمَش فصَرَّحَ فيه بالرَّفع، أخرجه أبو داود (٤٤٠١) وابن حِبّان (١٤٣) من طريقه(١)، وأخرجه النَّسائيُّ(٢) من وجهَينٍ آخرَينٍ عن أبي ظَبْيانَ مرفوعاً وموقوفاً لكن لم يَذكُر فيهما ابنَ عبَّاس، جَعَله عن أبي ظَبْيانَ عن عليٍّ، وَرَجَّعَ الموقوف على المرفوع(٣). وأخَذَ بمُقتَضَى هذا الحديث الجمهورُ، لكن اختلفوا في إيقاع طلاق الصبيِّ، فعن ابن المسيّب والحسن: يَلْزَمه إذا عَقَلَ وميَّزَ، وحَدُّه عند أحمدَ: أن يُطيق الصيامَ ويُحصيَ الصلاةَ، وعند عطاء: إذا بَلَغَ اثنتَي عشرةَ سنةً، وعن مالكٍ رواية: إذا ناهَزَ الاحتلامَ. قوله: ((وقال عليٍّ: وكلُّ طلاق جائزٌ إلّا طلاقَ المَعتُوه)) وَصلَه الْبَغَويُّ في ((الجَعْدِيّات)) (٧٦٤) عن عليّ بن الجَعْد، عن شُعبة، عن الأعمَش، عن إبراهيم النَّخَعيِّ، عن عابس بن رَبيعة: أنَّ عليّاً قال: كلُّ طلاقِ جائزٌ إلّا طلاقَ المعتُوهِ. وهكذا أخرجه سعيد بن منصور (١) وكذلك أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٧٣٠٣). (٢) في ((الكبرى)) برقم (٧٣٠٤) و(٧٣٠٥)، وأخرج قبلهما حديث ابن عباس برقم (٧٣٠٣) من الوجه المذكور عند أبي داود (٤٣٩٩) وابن حبان. (٣) لكن رُوي الحديث مرفوعاً من حديث عائشة عند أبي داود (٤٣٩٨)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والنسائي (٣٤٣٢)، وإسناده صحيح، ولم يُختَلف في رفعه. ١١٠ باب ١١ / ح ٥٢٦٩ فتح الباري بشرح البخاري (١١١٣ و١١١٥ و١١١٦) عن جماعة من أصحاب الأعمَش عنه، صَرَّحَ في بعضها بسماع عابس بن ربيعة من عليّ. وقد وَرَدَ فيه حديث مرفوع أخرجه التِّرمِذيّ (١١٩١) من حديث أبي هريرة مِثْلَ قول عليٍّ، وزاد في آخره: ((المغلوب على عَقْله))، وهو من رواية عطاء بن عَجْلان، وهو ضعيف جدّاً. والمراد بالمَعْتُوه، وهو بفتح الميم وسكون المهمَلة وضمّ المثنّة وسُكون الواو بعدها هاءٌ: الناقص العقل، فيَدخُل فيه الطّفل والمجنون والسَّكران. والجمهور على عَدَم اعتبار ما يَصدُر منه، وفيه خلاف قديم، ذَكَر ابن أبي شَيْبة (٣١/٥) من طريق نافع: أنَّ المُجَبَّ (١) ابن عبد الرَّحمن طَلَّقَ امرأته وكان مَعْتُوهاً، فأمَرَها ابنُ عمر بالعِدّة، فقيلَ له: إنَّه مَعتُوه، فقال: إنّي لم أسمَعِ اللهَ استَثْنَى للمَعْتوه طلاقاً ولا غيرَه. وذكر ابن أبي شَيْبة (٣٢/٥) عن الشَّعبيِّ وإبراهيمَ وغير واحدٍ مِثلَ قول عليٍّ. قوله: ((وقال قَتَادَةُ: إذا طَلَّقَ في نفسِه فليس بشيءٍ)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١١٤٣١) عن مَعمَر، عن قَتَادة والحسن قالا: مَن طَلَّقَ سِرّاً في نفسه فليس طلاقُه ذلك بشيءٍ، وهذا قولُ الجمهور، وخالَفَهُم ابنُ سِيرِينَ وابنُ شِهابٍ فقالا: تَطلُق، وهي روايةٌ عن مالكٍ. تنبيه: وَقَعَ هذا الأثَرُ عن قَتَادة في رواية النَّسَفيّ عَقِبَ حديثِ قَتَادَةَ المرفوعِ المذكورِ هنا بعدُ، فلمَّا ساقَه من طريق قَتَادةَ، عن زُرَارةَ، عن أبي هريرة، فذكر الحديث المرفوع، قال بعده: ((قال قَتَادُ) فذَكَره. ثمَّ ذَكَر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: ٥٢٦٩ - حدَّثنا مسلمٌ، حذَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن زرارةَ بنِ أوْفَى، عن أبي هريرةَ عَُّ، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عن أَمَّتي ما حدَّثت به أنفُسَها، ما لم تَعمَلْ أو تَتكلَّمْ)). (١) وقع في (ب) و(ع) و(س): ((المحبر)) بالحاء المهملة، والمثبت على الصواب بالجيم من (أ)، كما ضبطه الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) ٢٠١٣/٤، وابن ماكولا في ((الإكمال)) ٧/ ١٦١. ١١١ باب ١١ / ح ٥٢٦٩-٥٢٧٢ كتاب الطلاق ٥٢٧٠- حدَّثنا أصبَغُ، أخبرني ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبد الرحمنِ، عن جابٍ: أنَّ رجلاً من أسلَمَ أتى النبيَّ ◌َّه وهو في المسجدِ فقال: إِنَّه قد زَنَى، فأعرَضَ عنه فَتَتَخَّى لِشِقِّه الذي أعرَضَ، فشَهِدَ على نفسِه أربعَ شهاداتٍ، فَعاه فقال: ((هل بكَ جنونٌ؟ هل أُحْصِنْتَ؟)) قال: نعم، فأمُرَ به أن يُرجَمَ بالمصَلَّى، فلمَّا أذْلَقَتُهُ الحجارةُ جَمَزَ حتَّى أُدْرِكَ بِالحَرَّةِ فَقُتِلَ. [أطرافه في: ٥٢٧٢، ٦٨١٤، ٦٨١٦، ٦٨٢٠، ٦٨٢٦، ٧١٦٨] ٥٢٧١- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وسعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: أتى رجلٌ من أسلَمَ رسولَ الله ◌َّ وهو في المسجدِ فناداهُ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ الأَخِرَ قد زَنَی - يعني نفسَه - فأعرَضَ عنه، فتَنَخَّى لِشِقٌّ وجهِهِ الذي أعرَضَ قِبَلَه فقال: يا رسولَ الله، إنَّ الأَخِرَ قد زَنَى، فأعرَضَ عنه، فتَنَخَّى لِشِقٌّ وَجْهِهِ الذي أعرَضَ قِبَلَه، فقال له ذلك، فأعرَضَ عنه، فَتَنَخَّى له الرَّابعةَ، فلمَّا شَهِدَ على نَفْسِه أربعَ شهاداتٍ دَعاه فقال: ((هل بكَ جنونٌ؟)) قال: لا، فقال النبيُّ نَّهِ: ((اذهبُوا به فارُجُوهُ))، وكان قد أُخْصِنَ. [أطرافه في: ٦٨١٥، ٧١٦٧،٦٨٢٥] ٥٢٧٢- وعن الزُّهْريِّ، قال: فأخبَرَني مَن سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله الأنصاريَّ قال: كنتُ فيمَن رَجَمَه، فَرَجَمْناه بالمصَلَّى بالمدينةِ، فلمَّا أَذْلَقَتْه الحجارةُ جَمَزَ، حتَّى أدْرَكْناه بالحَرَّةِ، فَرَبَمْناه حتَّى ماتَ. الحديث الأوَّل: قوله: ((حدّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، وهشام: هو الدَّستُوائيّ. قوله: ((عن زُرَارة)) تقدَّم القول فيه في أوائل العتق (٢٥٢٨)، وذکرتُ فيه بعض فوائده، ويأتي بَقِيَّتها في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٦٦٤). وقوله: ((ما حدَّثَت به أنفُسَها)) بالفتح على المفعوليَّة، وذكر المطرِّزيّ عن أهل اللُّغة أنَّهم ١١٢ باب ١١ / ح ٥٢٦٩- ٥٢٧٢ فتح الباري بشرح البخاري يقولونه بالضَّمِّ، يريدونَ: بغير اختيارها، وقد أسندَ الإسماعيليّ عن عبد الرَّحمن بن مَهديّ قال: ليس عند قَتَادة حديثٌ أحسنُ من هذا، وهذا الحديث حُجّة في أنَّ الموَسوِسَ لا يقع طلاقُه، والمعتوه والمجنون أَولى منه بذلك. واحتَجَّ الطَّحاويُّ بهذا الحديث للجُمهورِ فيمَن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ، ونَوَى في نفسه ثلاثاً: أنَّه لا يقع إلّا واحدة، خلافاً للشّافعيِّ ومَن وافَقَه، قال: لأنَّ الخبر دَلَّ على أنَّه لا يجوز وقوع الطَّلاق بنيَّةٍ لا لفظَ معها. وتُعقِّبَ بأنَّه لَفَظَ بالطَّلاق ونَوَى الفُرْقةَ التامّة، فهي نيَّ صَحِبَها لفظٌ. واحتُجَّ به أيضاً لمن قال فيمَن قال لامرأتِه: يا فلانةُ، ونَوَى بذلك طلاقَها: أنَّها لا ٣٩٤/٩ تَطلُق، خلافاً لمالكِ وغيره، لأنَّ الطَّلاق لا يقع بالنِّيَّةِ دون اللَّفظ ولم يأتِ / بصيغةٍ لا صريحة ولا کِناية. واستُدِلَّ به على أنَّ مَن كَتَبَ الطَّلاق طَلُقَت امرأته لأنَّه عَزَمَ بقلبه وعَمَل بكتابته، وهو قول الجمهور، وشرطَ مالكٌ فيه الإشهادَ على ذلك. واحتَجَّ مَن قال: إذا طَلَّقَ في نفسه طَلُقَت - وهو مَرويٌّ عن ابن سِيرِين والزُّهْرِيِّ، وعن مالكٍ روايةٌ ذَكَرها أشهَب عنه وقَوّاها ابن العربيّ -: بأنَّ مَن اعتَقَدَ الكُفر بقلبه کَفرَ، ومَن أصَرَّ على المعصية أَثِمَ، وكذلك مَن راءَى بعَمَلِهِ وأُعجِبَ، وكذا مَن قَذَفَ مسلماً بقلبه، وكلُّ ذلك من أعمال القلب دون اللِّسان. وأُجيب بأنَّ العَفْو عن حديث النَّفْس من فضائل هذه الأُمّة، والمُصِرُّ على الكفر ليس منهم، وبأنَّ المُصِرَّ على المعصية الآثمَ مَن تقدَّم له عَمَلُ المعصية لا مَن لم يعمل معصيةً قَطُّ، وأمَّ الرِّياء والعُجب وغير ذلك فكلُّه مُتعلِّق بالأعمال. واحتَجَّ الخطَّبيُّ بالإجماع على أنَّ مَن عَزَمَ على الظِّهَار لا يصير مُظاهراً، قال: وكذلك الطَّلاق، وكذا لو حدَّث نفسه بالقَذْفِ لم يكن قاذِفاً، ولو كان حديث النَّفْس يُؤَثِّر لَأَ بطَلَ الصَّلاةَ، وقد دَلَّ الحديث الصَّحيح على أنَّ تركَ الحديثِ مندوبٌ، فلو وَقَعَ لم تَبطُل، وتقدَّم ١١٣ باب ١٢ كتاب الطلاق البحث في الصلاة في ذلك في قول عمر: إنّ لَأُجَهِّزُ جيشي وأنا في الصلاة (١). الحديث الثّاني: حديث جابر في قصَّة الذي أقَرَّ بالزِّنى فرُجِمَ، ذَكَرها من طريق يونس عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمةَ عن جابر، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب الحدود (٦٨١٤). والمراد منه ما أشارَ إليه في التَّرجمة من قوله: «هل بكَ جنونٌ؟)»، فإنَّ مُقتَضاه أنَّه لو كان مجنوناً لم يَعمَل بإقراره، ومعنى الاستفهام: هل كان بك جنون؟ أو: هل تُجَنّ تارةً وتُقيق تارةً؟ وذلك أنَّه كان حين المخاطَبة مُفِيقاً، ويحتمل أن يكون وجَّهَ له الخِطاب، والمرادُ استفهامُ مَن حَضَرَ مَمَّن يَعرِف حالَه، وسيأتي بسطُ ذلك إن شاء الله تعالى. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة في القصَّة المذكورة، أورَدَها من طريق شُعَيب عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ وسعيد بن المسيّب جميعاً عن أبي هريرة، وسيأتي شرحُها أيضاً في الحدود (٦٨١٥). وقوله في هذه الرِّواية: ((إنَّ الأَخِرَ قد زَنَى)) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة، أي: المتأخّر عن السَّعادة، وقيل: معناه الأَرْذَل. قوله: ((وعن الزُّهْريِّ قال: فأخبَرَني مَن سمعَ جابر بن عبد الله)) هو معطوف على قوله: ((شُعَيب عن الزُّهْريِّ ... )) إلى آخره، وقد تقدَّم من رواية يونس عن الزُّهْريّ عن أبي سَلَمَةَ، فيحتمل أن يكون أبهَمَه لمَّا حدَّث به شُعَيباً، ويحتمل أن يكون هذا القَدْر عنده عن غير أبي سَلَمةَ فأُدرج في روایة یونس عنه. وقوله في هذه الزّيادة: ((أذلَقَته)) بذالٍ مُعجَمة وقاف، أي: أصابَتْه بحَدِّها. وقوله: ((جَمَّزَ)) بفتح الجيم والميم ويزايٍ، أي: أسرَعَ هارباً. ١٢ - باب الخُلْع وكيف الطَّلاق فیه وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. (١) علَّقه المصنف تحت باب تَفكِّرُ الرجُلِ الشيءَ في الصلاة، من كتاب العمل في الصلاة بين يدي ح (١٢٢١). ١١٤ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣-٥٢٧٦ فتح الباري بشرح البخاري وأجازَ عمرُ الخُلْعَ دونَ السُّلْطانِ. وأجازَ عُثْمَانُ الخُلْعَ دونَ عِقَاصِ رأسِها. وقال طاووسِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فيما افتَرَضَ لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه في العِشْرةِ والصُّحْبةِ، ولم يَقُل قولَ السُّفَهاءِ: لا يَحِلُّ حتَّى تقولَ: لا أغتَسِلُ لكَ من جنابةٍ. ٥٢٧٣ - حدَّثْنِي أَزْهَرُ بنُ جَمِيلٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حذَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أَنَّ امرأةً ثابتِ بنِ قيسٍ أنْتِ النبيَّ ◌َِّفقالت: يا رسولَ الله، ثابتُ بنُ قيسٍ ما أَعِنُبُ عليه في خُلُقٍ ولا دِينٍ ولكنّي أكرَه الكُفْرَ في الإسلام، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أَتْرُدِّينَ عليه حَدِيقتَه؟)) قالت: نعم، قال رسولُ الله ◌ِّ: ((اقبَلِ الحديقةَ وطَلِّقْها تَطْلِيقةً)). قال أبو عبدِ الله: لا يُتَابَعُ فيه عن ابنِ عبَّاسٍ. [أطرافه: ٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧] ٥٢٧٤ - حذَّثني إسحاقُ الواسِطِيُّ، حدَّثنا خالدٌ، عن خالدِ الحَذَّاءِ، عن عِكْرمةَ: أنَّ أُحْتَ عبدِ الله بنِ أُبيِّ ... بهذا، وقال: ((تَرُدِّينَ حَدِيقتَه؟)) قالت: نعم، فَرَدَّتْها، وأمَرَه، فَطَلَّقَها (١). ٥٢٧٥- وقال إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ: عن خالدٍ، عن عِكْرمةً، عن النبيِّ وَِّ: ((وطَلِّقْها)). وعن(٣) أَيُّوبَ بنِ أبي تَمِيمةَ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّه قال: جاءتِ امرأةٌ ثابتِ بنِ قيسِ إلى رسولِ اللهِ وَّه فقالت: يا رسولَ الله، إنّ لا أعتُبُ على ثابتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ ولكنّي لا أُطِيقُه، فقال رسولُ الله ◌َِّ((فَتَرُدِّينَ عليه حَدِيقتَه؟)) قالت: نعم. ٥٢٧٦ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ المبارَكِ المُخَرِّميُّ، حدَّثنا قُراد أبو نوح، حدَّثْنَا جَرِيرُ ابنُ حازِمٍ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: جاءتِ امرأةٌ ثابتِ بنِ قيسٍ بِنِ شَّاسٍ إلى رسولِ اللهِوَ له فقالت: يا رسولَ الله، ما أَنْقِمُ على ثابتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ إلّا (١) كذا وقع في الأصول الثلاثة وفي (س) - كما جاء عند شرح الحافظ لقوله: ((اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)) -: فطَلَّقها، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري: يُطلِّقها، بالمضارع، وكذلك وقع في الأصل الخطي الذي عندنا برواية أبي ذر الهرويّ، وعليها شرح القسطلاني. (٢) يعني: قال إبراهيم بن طهمان: وعن أيوب ... كما بيّه الحافظ أثناء الشرح، فالتعليق لإبراهيم بن طهمان أيضاً. ١١٥ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣-٥٢٧٧ كتاب الطلاق أنّي أخافُ الكُفرَ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((تَرُدِّينَ عليه حَدِيقَتَه؟)) فقالت: نَعَمْ، فَرَدَّت عليه، وأمَرَه، ففارَقَها. ٥٢٧٧- حدَّثنا سليمانُ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةَ: أنَّ جَميلةَ ... فَذَكَر الحديثَ. قوله: ((باب الخُلْعِ)) بضمِّ المعجَمة وسكون اللّام، وهو في اللُّغة: فِراقُ الزَّوجة على مالٍ، مأخوذٌ من خَلْعِ الثَّوب، لأنَّ المرأة لباسُ الرجلِ معنًى، وضُمَّ مَصدَرُه تَفرِقةً بين الحِسِِّيِّ والمعنَويِّ. وذكر أبو بكر بن دُرَيدِ في ((أماليه)): أنَّ أوَّلَ خُلْع كان في الدُّنيا أنَّ عامر بن الظَّرِب - بفتح المعجَمة وكسر الرَّاء ثمَّ موحّدة - زَوَّجَ ابنتَه من ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظَّرِب، فلمَّا دَخَلَت عليه نَفَرَت منه، فشَكَا إلى أبيها فقال: لا أَجْمَعُ عليكَ فِراقَ أهلِكَ ومالِكَ، وقد خَلَعتُها منك بما أعطيتَها، قال: فَزَعَمَ العلماء أنَّ هذا كان أوَّل خُلْع في العرب، انتهى. وأمَّا أوَّل خُلْع في الإسلام فسيأتي ذِكْرِه بعد قليل، ويُسمَّى أيضاً فِدْيةً وافتِداءً. وأجَمَعَ العلماءُ على مشروعيَّتَه إلّا بكر بن عبد الله المُزَنيَّ التابعيّ المشهور، فإِنَّه قال: لا يَحِلُّ للرجلِ أن يأخُذ من امرأته في مُقابل فِراقها شيئاً لقولِه تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، فأورَدوا عليه ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاذَّعَى نَسْخَها بآية النِّساء (١). أخرجه ابن أبي شَيْبة وغيره عنه (٢)، وتُعقّبَ معَ شُذوذه بقوله تعالى في النِّساء أيضاً: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُ﴾ [النساء: ٤]، وبقولِه فيها: ﴿فَلاَ جُنَاحَ/ عَلَيْهِمَا أَن ٣٩٦/٩ يَصّالَحَا (٣)﴾ الآية [النساء: ١٢٨]، وبالحديثِ، وكأنَّه لم يَثْبُت عنده أو لم يَبلُغه. وانعَقَدَ الإجماعُ بعده على اعتباره، وأنَّ آية النِّساء مخصوصةٌ بآية البقرة وبآيتَي النِّساء (١) أي: بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]. (٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنف ابن أبي شيبة))، وأخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٢/ ٤٧٢ من طريق عن عقبة بن أبي الصَّهباء قال: سألت بكراً عن المختلعة ... فذكره. (٣) هذه قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر، وقرأ الباقون: ﴿يُصْلِحَا﴾ بضم الياء وسكون الصاد وكسر اللام. انظر ((حجة القراءات)) لابن زنجلة ص ٢١٣ و٢١٤. ١١٦ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري الأُخْرِيَين، وضابطُه شَرعاً: فِراقُ الرجلِ زوجتَه بَبَذْلٍ قابلٍ للعِوَضِ يَحِصُلُ لجهة الزَّوج، وهو مكروهٌ إلّا في حال تَخَافة أن لا يُقيما - أو واحدٌ منهما - ما أُمِرَ به، وقد يَنشَأُ ذلك عن كَراهة العِشرة إمّا لسُوءٍ خَلْقٍ أو خُلُقٍ، وكذا تُرفَع الكراهة إذا احتاجا إليه خَشْيَةَ حِنثٍ يَؤُولُ إلى البَينُونة الكُبرَى. قوله: ((وكيف الطَّلاق فيه)) أي: هل يقع الطَّلاق بمُجرَّدِه أو لا يقع حتَّى يَذكُرِ الطَّلَاقَ إمّا باللَّفْظِ وإمّا بالنيّة. ولِلعلماءِ فيما إذا وَقَعَ الْخُلْعِ مُجرَّداً عن الطَّلاق لفظاً ونيّة ثلاثةُ آراءٍ، وهي أقوال للشّافعيِّ: أحدُها: ما نَصَّ عليه في أكثر كُتُبه الجَديدة: أنَّ الخُلع طلاقٌ، وهو قول الجمهور، فإذا وَقَعَ بلفظ الخُلْع وما تَصَرَّفَ منه نَقَصَ العَدَدُ، وكذا إن وَقَعَ بغير لفظِهِ مَقروناً بنيَّتِهِ، وقد نَصَّ الشافعيّ في «الإملاء» على أنَّه من صَرائح الطَّلاق، وحُجّة الجمهور أنَّه لفظٌ لا يَملِكه إلّا الَّوج فكان طلاقاً، ولو كان فَسْخاً لمَا جازَ على غير الصَّداق كالإقالة، لكنَّ الجمهور على جوازه بما قَلَّ وكَثُرَ، فدَلَّ على أنَّه طلاقٌ. والثّاني: وهو قول الشافعيِّ في القديم، وذَكَرَهُ(١) في ((أحكام القرآن)) من الجَديد: أنَّه فسخٌ وليس بطلاقٍ، وصَحَّ ذلك عن ابن عبّاس أخرجه عبد الرَّزّاق (١١٧٦٧ - ١١٧٧١)، وعن ابن الُّبَيرِ (١١٧٧٢)، ورُويَ عن عثمانَ وعليٍّ(٢) وعِكْرمةَ وطاووسٍ، وهو مشهور مذهبِ أحمدَ، وسأذكُر في الكلام على شرح حديثِ الباب ما يُقوِّيه. وقد استَشكَلَه إسماعيل القاضي بالاتّفاق على أنَّ مَن جَعَلَ أمرَ المرأة بَيَدِها ونَوَى الطَّلاق فِطَلَّقَت نفسَها، طَلُقَت. (١) في (س): ذكره، بحذف الواو، وهو خطأ، لأنه يوهم أن الشافعي ذكر في كتابه المذكور مذهبَه القديم. (٢) كذا أورد الحافظ ذكرَ عثمان وعليٍّ هنا في جملة من يقول باعتداد الخلع فسخاً، وهو وهمٌ منه رحمه الله، لأن الرواية عنهما إنما هي باعتداد الخلع طلاقاً، وهو الذي استند إليه الشافعي في ((الأم)) ١٢٣/٥، حيث روى أثر عثمان وقال: وبقول عثمان نأخذ، وهي تطليقة. قلنا: وأما أثر علي فأشار إليه ابن المنذر في («الأوسط)» ٣٢٣/٩ وقال عنه: ليس بثابتٍ لأن الذي رواه الحارث. وضعف أحمدُ حدیث عثمان. ١١٧ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣-٥٢٧٧ كتاب الطلاق وتُعقّبَ بأنَّ مَحَلّ الخلاف ما إذا لم يقع لفظُ طلاقٍ ولا نيَّة، وإنَّما وَقَعَ لفظ الخُلع صريحاً أو ما قامَ مقامَه من الألفاظ معَ النَّة، فإنَّه لا يكون فَسخاً تقع به الفُرقة ولا يقع به طلاقٌ. واختَلَفَ الشافعيّة فيما إذا نَوَى بالخُلع الطَّلَاقَ، وفَرَّعنا على أنَّه فَسخٌ، هل يقع الطَّلاق أو لا؟ وَرَجَّحَ الإمام عَدَم الوقوع، واحتَجَّ بأنَّه صريحٌ في بابه وَجَدَ نَفاذاً في محلّه فلا يَنْصَرِف بالنّيَّة إلى غيره، وصَرَّحَ أبو حامد والأكثرُ بوقوع الطَّلاق، ونَقَلَه الخوارزميّ عن نَصّ القديم، قال: هو فَسخٌ لا يَنقُص عَدَد الطَّلاق إلّا أن يَنْوِيا به الطَّلاقَ. ويَخْدِش فيما اختارَه الإمام أنَّ الطَّحاويَّ نَقَلَ الإجماع على أنَّه إذا نَوَى بالخُلع الطَّلاق وَقَعَ الطَّلاق، وأنَّ مَحَلَّ الخلاف فيما إذا لم يُصرِّح بِالطَّلاق ولم يَنِهِ. والثّالث: إذا لم يَنْوِ الطَّلاق لا يقع به فُرقة أصلاً، وَنَصَّ عليه في ((الأُمّ)) وقَوّاه السُّبكيّ من المتأخّرينَ، وذكر محمَّد بنُ نصر المروزيُّ في كتاب ((اختلاف العلماء)) أنَّه آخِر قولَي الشافعيِّ. قوله: ((وقوله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾)) زاد غير أبي ذرِّ إلى قوله: ﴿الظَّالِبُونَ﴾، وعند النَّسَفيّ بعد قوله: ﴿يَخَافَآَ﴾: ((الآية))، وبذِكْر ذلك يَتَبِيَّنُ تمامُ المراد وهو بقولِه: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِ﴾، وتَسَّكَ بالشَرطِ من قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ مَن مَنَعَ الخُلع إلّا إذا حَصَلَ الشِّقاق من الَّوجَينِ معاً، وسأذكر في الكلام على أثر طاووسٍ بيانَ ذلك. قوله: ((وأجازَ عمرُ الخُلْع دون السُّلْطان)) أي: بغير إِذْنِهِ، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١١٦/٥) من طريق خَيْئمةَ بن عبد الرّحمن قال: أُتيَ بِشرُ بن مروان في خُلع كان بين رجل وامرأة فلم يُحِزْه، فقال له عبد الله بن شِهاب الخَولانيُّ: قد أُتيَ عمرُ في خُلع فأجازَه، وأشارَ المصنِّفُ إلى خلافٍ في ذلك أخرجه سعيد بن منصور (١٤١٤): حدَّثنا هُشَيم، أخبرنا يونس عن الحسن البصريّ قال: لا يجوز الخُلع دون السُّلطان، وقال حمّاد بن زيد عن يحيى بن عَتيق عن محمَّد بن سِيرِين: كانوا يقولون، فذكر مِثْلَه، واختارَه أبو عُبيدٍ، واستَدَلَّ بقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا ١١٨ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] قال: فجَعَلَ الخوفَ لغير الزَّوجَين، ولم يَقُل: فإن ٣٩٧/٩ خافا، وقَوَّى ذلك بقراءة حمزة في / آية الباب ((إلّا أن يُجافا)) بضمٌّ أوَّله على البناء للمجهولِ، قال: والمراد الولاة، وَرَدَّه النَّحّاسُ بأنَّه قولٌ لا يُساعِده الإعراب ولا اللَّفظ ولا المعنى، والطَّحاويُّ بأنَّه شاذٌّ مخالفٌ لمَا عليه الجَمُّ الغَفير، ومن حيثُ النَّظَرُ أنَّ الطَّلاق جائز دون الحاكم فكذلك الخُلع. ثمَّ الذي ذهب إليه مَبنيٌّ على أنَّ وجود الشِّقاق شرطٌ في الخُلع والجمهورُ على خلافه. وأجابُوا عن الآية بأنَّهَا جَرَت على حُكم الغالب، وقد أنكَرَ قَتَادُ هذا على الحسن، فأخرج سعيد بن أبي عَرُوبة في ((كتاب النِّكاح)) عن قَتَادة عن الحسن فذَكَرِه. قال قَتَادُ: ما أخَذَ الحسن هذا إلّا عن زيادٍ (١)، يعني: حيثُ كان أميرَ العراق لمعاويةً. قلت: وزيادٌ ليس أهلاً أن يُقتَدَی به. قوله: ((وأجازَ عُثْمان الخُلْع دون عِقاص رأسِها)) العِقاص بكسرِ المهمَلة وتخفيف القاف وآخِرُه صادٌ مُهمَلة، جمع عَقِيصَة(٢): وهو ما يُربَط به شعر الرَّأس بعد جَمعِه. وأَثرُ عثمان هذا رُوِّيناه موصولاً في ((أمالي أبي القاسم بن بِشْرانَ))(٣) من طريق شَرِيك عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: اختَلَعت من زوجي بما دونَ عِقَاص رأسي فأجازَ ذلك عثمان. وأخرجه البيهقيُّ (٣١٥/٧) من طريق رَوْح بن القاسم عن ابن عَقيل مُطوَّلاً وقال في آخره: فدَفَعت إليه كلّ شيء حتَّى أَجَفتُ البابَ بيني وبينَه، وهذا يدلُّ على أنَّ معنى (دُون)): سوى، أي: أجازَ للرجلِ أن يأخُذ من المرأة في الخُلع ما سوى عِقَاص رأسِها. (١) هو المشهور بزياد ابن أبيه، انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ١/ ٤٩٤. (٢) كذا في (ب) و(ع)، وفي (أ) و(س): عِقْصة، وكلاهما صحيح. (٣) وهو أيضاً عند أبي القاسم البغوي في ((الجعديات)) (٢٥٠٦)، لكن تحرف في المطبوع من (الجعديات)) قولها: «اختلعت)) إلی: «اختلفت)). ١١٩ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣-٥٢٧٧ كتاب الطلاق وقال سعيد بن منصور (١٤٢٤): حدَّثنا هُشَيم(١) عن مُغيرة عن إبراهيم: كان يقال: الخُلع ما دون عِقَاص رأسِها، وعن سفيان عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد (١٤٢٥): يأخُذ من المختَلِعة حتَّى عِقاصها، ومن طريق قَبيصة بن ذُؤَيب (١٤٢٧): إذا خَلَعَها جازَ أن يأخذ منها أكثر مَّا أعطاها، ثمَّ تَلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْنَدَتْ بِهِ ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وسنده صحيحٌ. ووَجَدتُ أثرَ عثمان بلفظٍ آخر أخرجه ابن سعد (٤٤٧/٨-٤٤٨) في ترجمة الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ من طَبَقات النِّساء قال: أخبرنا يحيى بن عَبّاد، حدَّثنا فُلَيح بن سليمان، حدَّثني عبد الله بن محمّد بن عَقيل، عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: كان بيني وبينَ ابن عمِّ كلامٌ - وكان زوجَها - قالت: فقلت له: لك كلَّ شيءٍ وفارِقْني. قال: قد فعَلتُ. فأخَذَ والله كلَّ شيءٍ حتَّى فِراشي، فجِئت عثمان وهو محصور فقال: الشَّرْط أَمْلَكُ، خُذ كلَّ شيءٍ حَتَّى عِقاص رأسِها. قال ابن بَطّالٍ: ذهب الجمهور إلى أنَّه يجوز للرجل أن يأخُذ في الخُلع أكثر ممّ أعطاها، وقال مالكٌ: لم أرَ أحداً مَّن يُقْتَدَى به يَمنَع ذلك، لكنَّه ليس من مكارم الأخلاق. وسيأتي ذِكرُ حُجّة القائلينَ بعَدَمِ الزّيادة في الكلام على حديث الباب. قوله: ((وقال طاووسِ: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فيما افتَرَضَ لكلِّ واحد منهما على صاحبه في العِشْرة والصُّحْبة، ولم يَقُل قولَ السُّفَهاء: لا يَحِلُّ حتَّى تقولَ: لا أغتَسِلُ لك من جَنابةٍ)) هذا التَّعليق اختَصَرَه البخاريّ من أثرٍ وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١١٨١٨) قال: أخبرنا ابن جُرَيج، أخبرني ابن طاووسٍ وقلت له: ما كان أبوك يقول في الفِداء؟(٢) قال: كان يقول ما قال الله تعالى: ﴿إِلَّاَ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ولم يكن يقول قول السُّفَهاء: لا يَحِلَّ حتَّى تقولَ: لا أغتَسِلُ لك من جنابة، ولكنَّه يقول: ﴿إِلََّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فيما افْتَرَضَ لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبه في العِشْرة والصُّحبة. (١) تحرف في (س) إلى: ((هشام))، وهشيم: هو ابن بشير بن القاسم السلمي. (٢) سقط من مطبوع ((مصنف عبد الرزاق)) من قوله: أخبرني طاووس، إلى هنا، فأوهم أن الكلام المذكور لابن جريج. وجاء على الصواب كما هنا في ((المحلى)) لابن حزم ١٠/ ٢٤٣، وفي ((التغليق)) ٤٦٢/٤. ١٢٠ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن التِّين: ظاهر سياق البخاريِّ أنَّ قوله: ((ولم يَقُل ... )) إلى آخره، من كلامه، ولكن قد نُقِلَ الكلامُ المذكورُ عن ابن جُرَيج، قال: ولا يَبِعُدُ أن يكون ظَهَرَ له ما ظَهَرَ لابنِ جُرَيج. قلت: وكأنَّه لم يَقِف على الأثر موصولاً فتَكلَّفَ ما قال، والذي قال: ((ولم يَقُل)) هو ابن طاووسٍ، والمحكيُّ عنه النَّفْيُ هو أبوه طاووسٌ، وأشارَ ابن طاووسٍ بذلك إلى ما جاء عن غير طاووسٍ، وأنَّ الفِداء لا يجوز حتَّى تَعصيَ المرأةُ الرجلَ فيما يَرُومه منها حتَّى تقول: لا أغتَسِلُ لك من جنابة، وهو منقولٌ عن الشَّعبيِّ وغيره، أخرج سعيد بن منصور (١٤١٧) عن هُشَيم أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشَّعبيّ، أنَّ امرأة قالت لزوجِها: لا ٣٩٨/٩ أُطيع لك أمراً ولا أَبَرُّ لك قَسَماً ولا أغتَسِلُ/ لك من جنابة، قال: إذا كَرهَتْهُ فليأخذ منها ولْيُخلِّ عنها. وأخرج ابن أبي شَيْبة (١٠٨/٥) عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن في قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ﴾ قال: ذلك في الخُلع إذا قالت: لا أغتَسِل لك من جنابة، ومن طريق حُميد بن عبد الرَّحمن (١٠٧/٥) قال: يَطيب الخُلع إذا قالت: لا أغتَسِل لك من جنابة، نحوَه. ومن طريق عليٍّ نحوَه ولكن بسندٍ واهٍ، والظّاهر أنَّ المنقول في ذلك عن الحسن وغيره ما هو إلّا على سبيل المثال ولا يَتَعيَّن شرطاً في جواز الخُلع، والله أعلم. وقد جاء عن غير طاووسٍ نحوُ قولِه، فروى ابن أبي شَيْبة (١٠٩/٥) من طريق القاسم: أنَّه سُئلَ عن قوله تعالى: ﴿إِلََّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ قال: فيما افتَرَضَ عليهما في العِشرة والصُّحبة. ومن طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه (١٠٨/٥) أنَّه كان يقول: لا يَحِلّ له الفِداء حتَّى يكون الفساد من قِبَلها، ولم يكن يقول: لا تَحِلّ له حتَّى تقولَ: لا أَبَرُّ لك قَسَماً ولا أغتَسِلُ لك من جنابة. قوله: ((حدَّثَنِي أَزْهَر بن جميل)) هو بَصْرِيٌّ يُكْنى أبا محمَّد، ماتَ سنة إحدى وخمسين ومئتين، ولم يُخرِّج عنه البخاريُّ في (الجامع) غير هذا الموضع، وقد أخرجه النَّسائيُّ (٣٤٦٣) أيضاً عنه، وذكر البخاريّ أنَّه لم يُتَابَع على ذِكْر ابن عبّاس فيه كما سيأتي، لكن جاء الحديث موصولاً