Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ باب ٤ / ح ٥٢٥٨ كتاب الطلاق حديث محمود، فليس فيه بيان أنَّه هل أمضَى عليه الثلاث معَ إنكاره عليه إيقاعَها مجموعةً أو لا؟ فأقلُّ أحواله أن يدلّ على تحريم ذلك وإن لَزِمَ، وقد تقدَّم في الكلام على حدیث ابن عمر في طلاق الحائض(١): أنَّه قال لمن طَلَّقَ ثلاثاً مجموعةً: عَصَيتَ رَبَّك، وبانَت منك امرأتُك. وله ألفاظ أُخرى نحو هذه عند عبد الرَّزّاق (١١٣٤٤) وغيره. وأخرج أبو داود (٢١٩٧) بسندٍ صحيح من طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عبّاس، فجاءه رجل فقال: إنَّه طَلَّقَ امرأته ثلاثاً، فسَكَتَ حتَّى ظَنَت أنَّه سَيَرُدُّها إليه، فقال: يَنطَلِّقُ أحدُكمْ فِيَرَكَبُ الأُحموقةَ ثمَّ يقول: يا ابنَ عبَّاس، يا ابن عبّاس! وإنَّاللهَ قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرَهًا﴾ [الطلاق: ٢]، وإِنَّك لم تَتَّقِ اللهَ، فلا أجِدُ لك ◌َخَرَجاً، عَصَيتَ رَبَّك وبانَت مِنك امرأتُك. وأخرج أبو داود له مُتابَعات عن ابن عبّاس بنحوِه. ومن القائلينَ بالتَّحريمِ واللُّزوم مَن قال: إذا طَلَّقَ ثلاثاً مجموعةً وقَعَت واحدةً، وهو قول محمَّد بن إسحاق صاحب ((المغازي))، واحتَجَّ بما رواه عن داود بن الحُصَين، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قال: طَلَّقَ رُكانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثاً في مَجلِس واحد، فحَزِنَ عليها حزناً شديداً، فسألَه النبيّ وَّةِ: ((كيف طَلَّقتها؟)) قال: ثلاثاً في مَجلِس واحد فقال النبيُّ ◌َلّ: ((إِنَّمَا تلكَ واحدة، فارَجِعها إن شِئت)) فارتَجَعَها، وأخرجه أحمد (٢٣٨٧) وأبو يَعْلى (٢٥٠٠) وصحَّحه(٢) من طريق محمَّد بن إسحاق. وهذا الحديث نَصِّ في المسألة لا يقبل التَّویل الذي في غيره من الرِّوايات الآتي ذكرها. وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء: (١) في شرح الباب الثاني من هذا الكتاب، وعزاه هناك للدار قطني، وهو عند مسلم برقم (١٤٧١) (٣) من طريق أخرى عن نافع. (٢) وقع في (أ) بعد قوله: وصححه، بياضٌ، لئلا يُتوهّم عود الضمير على أبي يعلى، وكأن الحافظ أراد أن يذكر من صححه، ثم أخَّره، فنسي، أو لم يحضره من صححه وقت كتابته فبيّض له، وممن صححه الضياء في «مختارته)) (٣٧٣)، وابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ٣١١/٣٢-٣١٢، وابن القيم في ((زاد المعاد)» ٢٤١/٥. قلنا: على أن إسناده ضعيف، لأن داود بن الحصين منكر الحديث في روايته عن عكرمة خاصة، قال ابن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر الحديث. وانظر تمام الكلام عليه في ((مسند أحمد)) بتحقيقنا. ٤٢ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري أحدُها: أنَّ محمَّد بن إسحاق وشيخَه مُخْتَلَفٌ فيهما. وأُجيب بأنَّهم احتَجُّوا في عِدّة من الأحكام بمِثلِ هذا الإسناد كحديثِ: أنَّ النبيّ وََّ رَدّ على أبي العاص بن الرَّبيع زينبَ ابنَه بالنِّكاح الأوَّل(١)، وليس كلُّ مُخْتَلَفٍ فيه مردوداً. والثّاني: مُعارَضَتُه بفَتَوَى ابن عبّاس بوقوع الثلاث كما تقدَّم من رواية مجاهد وغيره، فلا ٣٦٣/٩ يُظْنُّ بابنِ عبَّاس / أنَّه كان عنده هذا الحُكُمُ عن النبيِّلَّهِثُمَّ يُفْتي بخلافه إلّا بِمُرَجِّحٍ ظَهَرَ له، وراوي الخبر أخبَرُ من غيره بما روى. وأُجيب بأنَّ الاعتبار برواية الراوي لا برأيِه لمَا يَطْرُقُ رأيه من احتمال النِّسيان وغير ذلك، وأمَّا كَونه تَسَّكَ بمُرَجِّح فلم يَنحَصِر في المرفوع، لاحتمال التَّمَسُّكُ بتخصيصٍ أو تقييدٍ أو تأويلٍ، وليس قولُ مُجْتَهِدٍ حُجّةً على مُتَهِدٍ آخر. الثّالث: أنَّ أبا داود رَجَّحَ أنَّ رُكانة إنَّما طَلَّقَ امرأته البَّةَ كما أخرجه هو (٢٢٠٨) من طريق آل بيت رُكانة، وهو تعليل قويٌّ لجوازِ أن يكون بعض رُواته حَمَلَ البَّةَ على الثلاث، فقال: طَلَّقَها ثلاثاً. فبهذه النُّكتة يَقِف الاستدلال بحديثِ ابنِ إسحاق(٣). الرّابع: أَنَّه مذهب شاذٌّ فلا يُعمَل به. وأُجيبَ بأَنَّه نُقِلَ عن عليّ وابنٍ مسعود وعبد الرَّحمن ابن عَوْف والزُّبَيرِ مِثلُه، نَقَلَ ذلك ابن مُغيث(٣) في ((كتاب الوَثائق)) له، وعزاه لمحمَّدٍ بن وضّاح، ونَقَلَ الغَنَويّ ذلك عن جماعة من مشايخ قُرطُبة كَمحمَّدٍ بن بَقِيٍّ بن مَخْلَد ومحمَّد ابن عبد السَّلام الْخُشَنِيِّ وغيرهما. ونَقَلَه ابنُ المنذِر عن أصحاب ابنِ عبَّاس کَعطاءٍ وطاووسٍ وعَمْرو بن دینار. ويُتَعَجَّب من ابنِ التّين حيثُ جَزمَ بأنَّ لُزوم الثلاث لا اختلافَ فيه وإنَّما الاختلاف في التَّحريم، معَ ثُبُوت الاختلاف كما تَرَی. (١) أخرجه أحمد برقم (١٨٧٦)، وأبو داود برقم (٢٢٤٠)، والترمذي برقم (١١٤٣)، وابن ماجه برقم (٢٠٠٩). (٢) وقع في أصل خطي عندنا بخط ابن البلباني من ((فتح الباري))، وسنشير إليه بالرمز (ب): بحديث ابن عباس، بدل: بحديث ابن إسحاق، وهو الذي في (س)، وهو صحيح أيضاً لأن رواية ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، فصحت النسبتان، وإن كانت النسبة لابن إسحاق أدقّ. (٣) هو أحمد بن مغيث بن أحمد الصَّدَفي، ترجم له ابن بشكوال في ((الصلة)) ص٦٣. ٤٣ باب ٤ كتاب الطلاق ويُقوِّي حديثَ ابنِ إسحاق المذكور ما أخرجه مسلم (١٥/١٤٧٢) من طريق عبد الرَّزّاق عن مَعمَر، عن عبد الله بن طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاس قال: كان الطَّلاق على عهد رسول الله وَّ﴿ وأبي بكر وسنتَينِ من خلافة عمر طلاقُ الثلاثِ واحدةً، فقال عمر بن الخطّاب: إنَّ الناس قد استَعجَلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أَناةٌ، فلو أمضَيناه عليهم، فأمضاهُ عليهم. و(١٧/١٤٧٢) من طريق عبد الرَّزاق عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه: أَنَّ أبا الصَّهباء قال لابنِ عبَّاس: أتعلَمُ أنَّما كانت الثلاث تُجعَل واحدةً على عهد رسول الله وَيه وأبي بكر، وثلاثاً من إمارة عمر؟ قال ابن عبّاس: نعم. و(١٤٧٢/ ١٧) من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن إبراهيم بن مَيَسَرة، عن طاووسِ: أنَّ أبا الصَّهباء قال لابنِ عبَّاس: ألَمْ يكن طلاقُ الثلاث على عهد رسول الله وَلَه [ و أبي بَكْرٍ](١) واحدةً؟ قال: قد كان ذلك، فلمَّا كان في عهد عمرَ تَتَابَعَ(٢) الناسُ في الطَّلاق فأجازَه عليهم. وهذه الطَّريق الأخيرة أخرجها أبو داود (٢١٩٩)، لكن لم يُسمِّ إبراهيمَ بنَ مَيَسَرة وقال بَدَله: عن غير واحد. ولفظُ المتن: أمَا عَلِمتَ أنَّ الرّجلَ كان إذا طَلَّقَ امرأته ثلاثاً قبلَ أن يَدخُل بها جَعَلوها واحدةً، الحديث، فتَمسَّك بهذا السِّياق مَن أعَلَّ الحديث وقال: إنّما قال ابن عبّاس ذلك في غير المَدْخول بها، وهذا أحدُ الأجوبة عن هذا الحديث، وهي متعدِّدة، وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة. وبه جَزمَ زكريّا الساجيُّ من الشافعيَّة، ووَجَّهوه بأنَّ غيرَ المَدْخول بها تَبِينُ إذا قال لها زوجُها: أنتِ طالق، فإذا قال: ثلاثاً، لَغا العَدَد لوقوعِه بعد البَيِّئُونِةِ. وتَعقَّبَه القُرطُبِيُّ بأنَّ قولَه: أنتِ طالق ثلاثاً، كلام مُتَّصِل غير مُنفَصِل، فكيف يَصِحّ جَعلُه كَلمَتَینِ وتُعطَی کلُّ کلمةٍ حُكماً؟! (١) ما بين المعقوفين أثبتناه من ((صحيح مسلم))، وسقط عند الجميع. (٢) كذا ضبطت في (أ) و(ب) و(س) بمثناتين بعدهما ألف وبعدها موحّدة، ولم تظهر في (ع)، والذي في مطبوع ((صحيح مسلم)): تتابع، بتحتانية بدل الموحدة، وهو كذلك في ((جامع الأصول)) لابن الأثير (٥٧٥٧)، وقال النووي في ((شرحه على مسلم)) ٧٢/١٠: هو بياء مثنّة من تحت بين الألف والعين، وهذه رواية الجمهور، وضبطه بعضهم بالموحّدة، وهما بمعنى، ومعناه: أکثروا منه وأسرعوا إليه، لكن بالمثنّاة إنما يستعمل في الشر، وبالموحَّدة يستعمل في الخير والشر، فالمثنّة هنا أجود. ٤٤ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال النَّوَويّ: أنتِ طالق، معناه: أنتِ ذاتُ الطَّلاقِ، وهذا اللَّفظ يَصِحُّ تفسيرُه بالواحدة وبالثلاثٍ وغير ذلك. الجواب الثّاني: دَعوَى شُذوذ رواية طاووسٍ، وهي طريقة البيهقيِّ، فإِنَّه ساقَ الرِّوايات عن ابنِ عبَّاس بلُزومِ الثلاث، ثمَّ نَقَلَ عن ابنِ المنذِر: أنَّه لا يُظنُّ بابنِ عبَّاس أنَّه يحفظ عن النبيِّ وَّهِ شيئاً ويُفتي بخلافه، فيَتَعَّن المصير إلى التَّرجيح، والأخذُ بقولِ الأكثر أوْلى من الأخْذِ بقولِ الواحد إذا خالَفَهم. وقال ابن العربيِّ: هذا حديث مُتَلَف في صِحَّته، فكيف يُقدَّم على الإجماع؟ قال: ويُعارضُه حديثُ محمود بن ◌َبيد - يعني الذي تقدَّم أنَّ النَّسائيَّ أخرجه (٣٤٠١) - فإنَّ فيه التَّصريحَ بأنَّ الرجل طَلَّقَ ثلاثاً مجموعةً ولم يَرُدَّه النبيُّ ◌َّ بل أمضاهُ. كذا قال، وليس في سِياق الخبر تَعرُّضُ لإمضاءِ ذلك ولا لرَدِّه. الجواب الثّالث: دَعَوَى النَّسْخِ، فَتَقلَ البيهقيُّ(١) عن الشافعيِّ أنَّه قال: يُشبه أن يكون ابن عبّاس عَلِمَ شيئاً نَسَخَ ذلك. ٣٦٤/٩ قال البيهقيُّ: ويُقوِّيه ما أخرجه/ أبو داود (٢١٩٥) من طريق يزيد النَّحويِّ، عن عكرمة، عن ابنِ عبّاس قال: كان الرَّجل إذا طَلَّقَ امرأته فهو أحقُّ بَرَجْعَتِها، وإن طَلَّقَها ثلاثاً، فنُسِخَ ذلك. وقد أنكَرَ المازَريّ ادِّعاءَ النَّسْخ فقال: زَعَمَ بعضُهم أنَّ هذا الحُكم مَنسوخٌ، وهو غَلَط، فإنَّ عمرَ لا يَنسَخ، ولو نَسَخَ - وحاشاهُ - لَبادَرَ الصَّحابة إلى إنكاره، وإن أراد القائل أَنَّه نُسِخَ في زمن النبيِّ وَّهِ فلا يَمْتَنِعِ لكن يَخْرُج عن ظاهرِ الحديث، لأنَّه لو كان كذلك لم يَجُزْ للَّاوي أن يُبر ببقاءِ الحُكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر. فإن قيل: فقد يُجمِع الصَّحابة ويُقبَل منهم ذلك، قلنا: إنَّما يُقبَل ذلك لأنَّه يُستَدَلّ بإجماعِهم على ناسخ، وأمَّا أنَّهم يَنسَخونَ من تِلقاء أنفُسِهِم فمَعاذَ الله، لأنَّه إجماٌ على (١) في ((السنن الكبرى)) ٣٣٨/٧. ٤٥ باب ٤ كتاب الطلاق الخطأ وهم معصومونَ عن ذلك. فإن قيل: فلعلَّ النَّسخ إِنَّمَا ظَهَرَ في زمن عمر، قلنا: هذا أيضاً غَلَط، لأَنَّه يكون قد حَصَلَ الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر، وليس انقراض العصر شرطاً في صِحّة الإجماع على الرَّاجح. قلت: نَقَلَ النَّوَويُّ هذا الفَصل في ((شرح مسلم)) (٧٢/١٠) وأقَرَّه، وهو مُتَعَقَّب في مواضع: أحدها: أنَّ الذي اذَّعَى نَسْخَ الحُكم لم يَقُل: إنَّ عمرَ هو الذي نَسَخَ حتَّى يَلزَم منه ما ذُكِرَ، وإنَّما قال ما تقدَّم؛ يُشبه أن يكون عَلِمَ شيئاً من ذلك نَسَخَ، أي: الطَّلَعَ على ناسخ للحُكمِ الذي رواه مرفوعاً، ولذلك أفتَى بخلافه. وقد سَلَّمَ المازَريّ في أثناء كلامه أنَّ إجماعهم يدلّ على ناسخ، وهذا هو مُراد مَن اذَّعَى النَّسخ. الثّاني: إنكارُه الخروجَ عن الظّاهر عجيبٌ، فإنَّ الذي يُحاوِل الجمع بالتَّأويلِ يَرتَكِب خلافَ الظّاهر حَتماً. الثّالث: أنَّ تغليطَه مَن قال: المراد ظُهور النَّسخ عَجيبٌ أيضاً، لأنَّ المراد بظُهوره انتشارُهُ، وكلام ابنِ عبَّاس أنَّه كان يُفعَل في زمن أبي بكر محمولٌ على أنَّ الذي كان يفعله مَن لم يَبلُغه النَّسخُ، فلا يَلْزَم ما ذَكَرَ من إجماعهم على الخطأ، وما أشارَ إليه من مسألة انقراض العصر لا يجيءُ هنا، لأنَّ عَصر الصّحابة لم يَنقَرِض في زمن أبي بكر بل ولا عمر، فإنَّ المراد بالعصرِ الطَّقةُ من المجتَهِدينَ وهم في زمن أبي بكر وعمر، بل وبعدهما طبقة واحدة. الجواب الرَّابع: دَعوَى الاضطراب، قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): وَقِعَ فيه معَ الاختلاف على ابنِ عبَّاس الاضطراب في لفظه، وظاهرُ سياقه يقتضى النَّقل عن جميعهم أنَّ مُعظَمهم كانوا يَرَونَ ذلك، والعادة في مِثل هذا أن يَفشُوَ الحُكم ويَنتَشِر، فکیف یَفَرِد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقّفَ عن العَمَل بظاهره إن لم يَقتَضِ القطعَ بُطْلانه. ٤٦ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري الجواب الخامس: دَعوَى أنَّه وَرَدَ في صورة خاصّة، فقال ابن سُرَيج وغيرُه: يُشبه أن يكون وَرَدَ في تَكرير اللَّفظ كأن يقول: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، وكانوا أوَّلاً على سَلامة صُدورهم يُقبَل منهم أنَّهم أرادوا التَّأكيدَ، فلمَّا كَثُرَ الناس في زمن عمر وكَثُرَ فيهم الخِداع ونحوُهُ مَّا يَمنَع قَبُول مَن اذَّعَى التَّأكيد، حَمَلَ عمر اللَّفظ على ظاهرِ التَّكرار فأمضاه عليهم. وهذا الجواب ارتَضاه القُرطُبيّ وقَوّاه بقولِ عمر: إنَّ الناس استَعجَلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أَنَاةٌ(١)، وكذا قال النَّوَويّ: إنَّ هذا أصحّ الأجوبة. الجواب السادس: تأويل قوله: ((واحدةً)) وهو أنَّ معنى قوله: كانَ الثلاث واحدة: أنَّ الناس في زمن النبيّ ◌َّهِ كانوا يُطلِّقُونَ واحدة، فلمَّا كان زمنُ عمرَ كانوا يُطلِّقونَ ثلاثاً، ومُحصَّلُه أنَّ المعنى: أنَّ الطَّلاق الموقَع في عهد عمر ثلاثاً كان يوقَع قبلَ ذلك واحدةً، لأنَّهم كانوا لا يَستَعمِلونَ الثلاث أصلاً، أو كانوا يَستَعمِلونَها نادراً، وأمَّا في عصر عمر فكَثُرَ استعمالهم لها، ومعنى قوله: فأمضاه عليهم وأجازَه، وغير ذلك: أنَّه صَنَعَ فيه من الحُكم بإيقاع الطَّلاق ما كان يُصنع قبلَه. وَرَجَّحَ هذا التّأويل ابن العربيّ ونَسَبَه إلى أبي زُرْعة الرَّازيّ، وكذا أورَدَه البيهقيُّ(٢) بإسنادِه الصَّحيح إلى أبي زُرْعة أنَّه قال: معنى هذا الحديث عندي: أنَّ ما تُطلِّقونَ أنتم ثلاثاً، كانوا يُطلِّقونَ واحدةً. قال النَّوويُّ: وعلى هذا فيكون الخبر وَقعَ عن اختلاف عادة الناس خاصّةً لا عن تَغَيِّر الحُكم في الواحدة، فالله أعلم. ٣٦٥/٩ الجواب السابع: دَعوَى / وَقْفِه، فقال بعضُهم: ليس في هذا السِّياق أنَّ ذلك كان يَبلُغ النبيَّ ◌ََّ فِيُقِرُّه، والحُجّة إنَّما هي في تقريره. وتُعقِّبَ بأنَّ قول الصَّحابيّ: كَّا نفعل كذا في عهد رسول الله وَّةِ، في حُكم الرَّفع على الرَّاجح، حَمَلاً على أنَّه الطَّلَعَ على ذلك فأقَرَّه لَتَوفُّرِ دواعيهم على السُّؤال عن جَليل الأحكام وحَقيرها. (١) وقع قول عمر هذا في سياق حديث أخرجه مسلم (١٤٧٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) في ((السنن الكبرى)) ٣٣٨/٧. ٤٧ باب ٤ كتاب الطلاق الجواب الثّامن: حَملُ قولِه: ((ثلاثاً) على أنَّ المراد بها لفظُ البَنّة كما تقدَّم في حديث رُكانة سواءً. وهو من رواية ابنِ عبَّاس أيضاً، وهو قويٌّ(١)، ويُؤيِّده إدخال البخاريِّ في هذا الباب الآثارَ التي فيها البَّةُ والأحاديثَ التي فيها التَّصريح بالثلاثِ، كأنَّه يشير إلى عَدَم الفَرق بينهما، وأنَّ البَّة إذا أُطلِقَت ◌ُمِلَ على الثلاث إلّا إن أراد المطلِّق واحدةً فيُقْبَل، فكأنَّ بعضَ رُواتِه خَلَ لفظ البَّة على الثلاث لاشتِهار التَّسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث وإنَّما المراد لفظُ البَّة، وكانوا في العصر الأوَّل يقبلونَ ممَّن قال: أردت بالبَّة الواحدةَ، فلمَّا كان عهد عمرَ أمضَى الثلاثَ في ظاهرِ الحُكم. قال القُرطُبيّ: وحُجّة الجمهور في اللُّزوم من حيثُ النَّظَرُ ظاهرة جدّاً، وهو أنَّ المطلّقة ثلاثاً لا تَحِلّ للمُطلِّقِ حتَّى تَنكِحِ زوجاً غيرَه، ولا فَرقَ بين مجموعها ومُفرَّقِها لُغةً وشَرعاً، وما يُتَخَيَّل من الفَرق صُوريٌّ ألغاه الشَّرع اتِّفاقاً في النِّكاح والعِتق والأقارير، فلو قال الوَليُّ: أنكَحتُك هؤلاءِ الثلاث، في كلمةٍ واحدةٍ انعَقَدَ كما لو قال: أنكَحتُك هذه وهذه وهذه، وكذا في العِتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام. واحتَجَّ مَن قال: إنَّ الثلاثَ إذا وقَعَت مجموعةً حُلَت على الواحدة، بأنَّ مَن قال: أحلِفُ بالله ثلاثاً، لا يُعَدّ حَلِفُه إلّا يميناً واحدةً، فليكن المطلِّق مِثلَه. وتُعقِّبَ باختلاف الصِّيغَتَينِ، فإنَّ المطلِّق يُنشِئ طلاق امرأته وقد جُعِلَ أمَدُ طلاقها ثلاثاً، فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، فكأنَّه قال: أنتِ طالقٌ جميعَ الطَّلاق، وأمَّا الحالِفُ فلا أمَدَ لعَدَدِ أيمانه فافتَرَقا. وفي الجملة فالذي وقعَ في هذه المسألة نَظيرُ ما وَقعَ في مسألة المتعة سواءً، أعني: قولَ جابرٍ: إنّها كانت تُفعَل في عهد النبيِّ ێ وأبي بكر وصَدرٍ من خلافة عمر، قال: ثمَّ نَهانا عمر عنها فانتَهَينا(٢). (١) أي هو جوابٌ قويٌّ. (٢) أخرجه مسلم (١٤٠٥)، وأحمد (١٥٠٧٣). ٤٨ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري فالرَّاجح في الموضعينِ تحريمُ المتعة وإيقاعُ الثلاث للإجماع الذي انعَقَدَ في عهد عمرَ على ذلك، ولا يُحِفَظ أنَّ أحداً في عهد عمرَ خالَفَه في واحدة منهما، وقد دلَّ إجماعُهم على وُجود ناسخٍ وإن كان خَفِيَ عن بعضهم قبلَ ذلك حتَّى ظَهَرَ لجميعِهم في عهد عمر، فالمخالفُ بعدَ هذا الإجماع مُنابذٌ له، والجمهور على عَدَم اعتبار مَن أحدَثَ الاختلاف بعد الاتّفاق، والله أعلم. وقد أطَلت في هذا الموضع لالتِماس مَنِ التَمَسَ ذلك منِّي، والله المستعان. قوله: ((لقولِ الله تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَرَّقَانٍّ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَتْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾)) قد استُشكِلَ وَجهُ استدلال المصنِّ بهذه الآية على ما تَرجَمَ به من تَجويز الطَّلاق الثلاث، والذي يظهر لي أنَّه إن(١) كان أراد بالتَّرجمة مُطلَق وجود الثلاثِ، مُفرَّقةً كانت أو مجموعةً، فالآية واردة على المانع، لأنَّها دَلَّت على مشروعيّة ذلك من غير نَكير، وإن كان أراد تجويز الثلاث مجموعةً وهو الأظهَر، فأشارَ بالآية إلى أنَّها مَّ احتَجَّ به المخالف للمَنع من الوقوع، لأنَّ ظاهرها أنَّ الطَّلاق المشروعَ لا يكون بالثلاثِ دفعةً، بل على التَّرتيب المذكور، فأشار إلى أنَّ الاستدلال بذلك على مَنع جمع (٢) الثلاث غيرُ مُتَّجِهٍ، إذ ليس في السّياق المنعُ من غير الكيفيَّة المذكورة، بل انعَقدَ الإجماع على أنَّ إيقاع المرّتَيْنِ ليس شرطاً ولا راجحاً، بل انَّفَقوا على أنَّ إيقاع الواحدة أرجَحُ من إيقاع الثُّتَينِ كما تقدَّم تقريرُه في الكلام على حديث ابن عمر(٣). فالحاصل أنَّ مُراده دَفْعُ دليلِ المخالِفِ بالآية، لا الاحتجاجُ بها لتجويزِ الثلاث، هذا الذي ترجّحَ عندي. وقال الكِرْمانيُّ: وجه استدلاله بالآية أنَّه تعالى قال: ﴿ الطّلَقُّ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فدَلَّ على جواز جمع الثِّتَينِ، وإذا جازَ جمعُ الشِّتَيْنِ دُفعةً جازَ جمعُ الثلاث دُفعةً، كذا قال! وهو قياسٌّ معَ وُضوح الفارِقِ، لأنَّ جمعَ الِّتَينِ لا يَستَلِزِم البينونةَ الكُبرَى، بل تَبقَى له الرَّجعةُ إن (١) لفظة ((إن)) سقطت من (س). (٢) تحرف في (س) إلى: جميع. (٣) تقدم برقم (٥٢٥١). ٤٩ باب ٤ كتاب الطلاق ٣٦٦/٩ كانت رَجْعيَّة، وتجديدُ العَقد بغير انتظار / عِدّةٍ إن كانت بائناً، بخلاف جَمْع الثلاث. ثمّ قال الكِرْمانيُّ: أو التَّسريح بإحسانٍ عامٍّ يَتَنَاوَل إيقاعَ الثلاث دُفعةً. قلت: وهذا لا بأس به، لكنَّ التَّسريح في سياق الآية إنَّما هو فيما بعدَ إيقاع الثِّتَينِ، فلا يَتَنَاوَل إيقاع الطَّلقات الثلاث، فإنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ الطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فيما ذكر أهل العلم بالتَّفسير، أي: أكثر الطَّلاق الذي يكون بعدَه الإمساكُ أو التَّسریحُ مَرَّتانِ، ثمَّ حينئذٍ إمّا أن يختار استمرارَ العِصْمة فيُمسِك الزَّوجةَ، أو المفارَقَةَ فِيُسَرِّحها بالطَّقة الثّالثة. وهذا التَّويل نَقْلَه الطََّرِيُّ وغيرُه عن الجمهور، ونَقَلوا عن السُّدِّيّ والضَّحّاك أنَّ المراد بالتَّسريحِ في الآية: تَرِكُ الرَّجعة حتَّى تَنقَضِيَ العِذَّةُ، فَتَحصُلِ البَيْنونةُ. ويُرجِّح الأوَّل ما أخرجه الطَّبَرِيُّ (٤٥٨/٢) وغيرُه من طريق إسماعيل بن سُميع عن أبي رَزين قال: قال رجل: يا رسول الله، الطَّلاق مرَّتان، فأين الثّالثةُ؟ قال: ((إمساكٌ بمعروفٍ أو تَسريحٌ بإحسانٍ)) وسندُه حَسنٌ، لكنَّه مُرسَل، لأنَّ أبا رَزين لا صُحْبة له. وقد وَصلَه الدّارَ قُطنيُّ (٣٨٨٩) من وجه آخَر عن إسماعيلَ فقال: عن أنس، لكنَّه شاذٌّ، والأوَّل هو المحفوظ. وقد رَجَّحَ الكيا الهَرَّاسِيّ(١) من الشافعيَّة في كتاب ((أحكام القرآن)» له قولَ السُّدِّيّ، ودَفَعَ الخبر لكَونِهِ مُرسَلاً، وأطالَ في تقرير ذلك بما حاصلُه: أنَّ فيه زيادةَ فائدةٍ، وهي بيان حال المطلَّقة، وأنَّها تَبِينُ إذا انقَضَتِ عِدَّتها، قال: وتُؤْخَذ الطَّلقة الثّالثة من قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، انتهى. والأخذُ بالحديث أَوْلى فإنَّه مُرسَلٌ حسنٌ يَعتَضِد بما أخرجه الطَّبَرِيُّ (٤٥٧/٢) من حديث ابن عبّاس بسندٍ صحيح قال: إذا طَلَّقَ الرجل امرأته تطليقَتَينِ فليَثَقِ اللهَ في الثّالثة، فإمّا أن يُمسِكَها فيُحسِن صُحبتها، أو يُسرِّحَها فلا يَظلمها من حَقّها شيئاً. وقال القُرطُبيّ في «تفسيره): تَرجَمَ البخاريّ على هذه الآية مَن أجازَ الطَّلاق الثلاث لقولِه (١) هو أبو الحسن عليّ بن محمد بن عليّ الطبري، الهرَّاسي، انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٣٥٠/١٩. ٥٠ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذه إشارةٌ منه إلى أنَّ هذا العَدَد إنَّما هو بطريق الفُسْحة لهم، فمَن ضَيَّقَ على نفسه لَزِمَه. كذا قال، ولم يظهر لي وَجهُ اللَّزوم المذكورِ، والله المستعان. قوله: ((وقال ابن الزُّبَير: لا أرَى أن تَرِثَ مَبتوتةً)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((مَبتوتَتُه)) بزيادة ضَميٍ، وهو للرجل، وكأنَّه حُذِفَ للعِلمِ به. وهذا التَّعليق عن عبد الله بن الزُّبَيرِ وَصلَه الشافعيُّ (٢٧١/٥) وعبد الرَّزّاق (١٢١٩٢) من طريق ابن أبي مُلَيكة قال: سألت عبد الله بن الزُّبَير عن الرجل يُطلِّق امرأته فيَيْثُها، ثمَّ يموت وهي في عِدَّتها، قال: أمَّا عثمان فوَرَّثَها، وأمَّا أنا فلا أرى أن أوَرِّثَها لبينونَتِه إيّاها. قوله: ((وقال الشَّعْبيّ: تَرِثُه)) وَصلَه سعيد بن منصور (١٩٦٤) عن أبي عَوَانة عن مُغيرة عن إبراهيم والشَّعبيِّ في رجل طَلَّقَ ثلاثاً في مرضه قالا(١): تَعتَّ عِدّة المتوَلَى عنها زوجُها، وتَرِثُه ما كانت في العِدّة. قوله: ((وقال ابن شُبْرُمة)) هو عبد الله قاضي الكوفة. قوله: (تَزوَّجُ)) بفتح أوَّله وضمّ آخِرِه، وهو استفهامٌ محذوفُ الأداةِ. قوله: ((إذا انقَضَت العِدّة؟ قال: نعم)) هذا ظاهره أنَّ الخِطاب دار بين الشَّعبيِّ وابنٍ شُبْرُمة، لكن الذي رأيت في ((سُنَن سعيد بن منصور)) (١٩٦٣): أنَّه كان معَ غيره، فقال سعيد: حدَّثنا حماد بن زيد عن أبي هاشم في الرجل يُطلِّق امرأته وهو مريضٌ، إن ماتَ في مرضه ذلك وَرِثَنْه؟ فقال له ابن شُبْرُمة: أرأيتَ إن انقَضَت العِدَّةُ؟ قوله: ((قال: أَرأيتَ إن ماتَ الزَّوْجُ الآخَرُ؟ فَرَجَعَ عن ذلك)) هكذا وَقعَ عند البخاريِّ مختصراً، والذي في رواية سعيد بن منصور المذكورة: فقال ابن شُبْرُمة: أَتْتَزوَّجُ؟ قال: نعم. قال: فإن ماتَ هذا وماتَ الأوَّل، أَتِرِثُ زوجَينٍ؟ قال: لا، فَرَجَعَ إلى العِدّة، فقال: تَرِثُه ما كانت في العِدّة. ولعلَّه سَقطَ ذِكْرِ الشَّعبيِّ من الرِّواية. (١) تحرَّف في (س) إلى: قال. ٥١ باب ٤ / ح ٥٢٥٩ كتاب الطلاق وأبو هاشم المذكور: هو الرُّمّانُّ، بضمِّ الرَّاء وتشديد الميم، اسمه يحيى، وهو واسطيُّ، كان يَتَرَدَّد إلى الكوفة، وهو ثقة. ومحلّ المسألة المذكورة كتاب الفرائض، وإنَّما ذُكِرَت هنا استطراداً. والمبتوتة، بموخَّدةٍ ومُثنّاتَينِ: مَن قيل لها: أنتِ طالقُ البَّةَ، وتُطلَقُ على مَن أُبينَت بالثلاث. ثُمَّ أورَدَ المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: الحديثُ الأوَّلُ: حديثُ / سَهل بن سعد في قصَّة المتلاعِنَينِ. ٣٦٧/٩ ٥٢٥٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ سَهْلَ بنَ سعدٍ الساعدِيَّ، أخبَرَهُ: أنَّ عوَيمِراً العَجْلانَّ جاء إلى عاصمِ بنِ عَدِيِّ الأنصاريِّ فقال له: يا عاصمُ، أَرَأَيْتَ رجلاً وجَدَ معَ امرأتِه رَجلاً، أيُقُلُه فتَقْتُلُونَه؟ أم كيفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لي يا عاصمُ عن ذلك رسولَ الله ◌ٍَّ. فسألَ عاصمٌ عن ذلك رسولَ الله وَّةِ، فَكَرِهَ رسولُ الله ◌َِّ المسائلَ وعابَهَا حَتَّى كَبُرَ على عاصمٍ ما سمعَ من رسولِ الله وَّةِ، فلمَّا رَجَعَ عاصمٌ إلى أهلِه جاء عُوَیمِرٌ فقال: يا عاصمٌ، ماذا قال لكَ رسولُ الله ◌َ لاَ؟ فقال عاصمٌ: لمْ تَأْتِي بخيرٍ، قد كَرِهَ رسولُ الله وَّةِ المَسْألَةَ التي سألتُه عنها. قال عُوَيمِرٌ: والله لا أنتَهي حتَّى أسألَه عنها، فأقبَلَ عُوَيمِرٌ حتَّى أتى رسولَ الله وَّه وَسْطَ الناسِ فقال: يا رسولَ الله، أَرأيتَ رجلاً وجَدَ معَ امرأتِه رجلاً، أَيَقْتُلُه فَتَقْتُلُونَه؟ أم كيفَ يَفْعَلُ؟ فقال رسولُ الله ◌َِّ: «قد أُنزِلَ فيكَ وفِي صاحبَتِكَ، فاذهبْ فأُتِ بها)). قال سَهْلٌ: فتَلاعَنا وأنا معَ الناسِ عندَ رسولِ الله ◌ِّهِ، فلمَّا فَرَغا قال عُوَيمِرٌ: كَذَبتُ عليها يا رسولَ الله إن أمسَكْتُها. فطَلَّقَها ثلاثاً قبلَ أن يأمرَه رسولُ اللهِ وَلَد. قال ابنُ شِهابٍ: فكانت تلكَ سُنّةَ المتلاعنَينِ. وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب اللِّعان (٥٣٠٨). والغرض منه هنا قوله في آخر الحديث: فطَلَّقَها ثلاثاً قبلَ أن يأمرَه رسولُ اللهِّهه الحديث، وقد تُعقّبَ بأنَّ المفارَقة في الملاعَنة وقَعَت بنفسِ اللِّعان، فَلَم يُصادِف تطليقُه إيّاها ثلاثاً مَوقِعاً. ٥٢ باب ٤ / ح ٥٢٦٠ - ٥٢٦١ فتح الباري بشرح البخاري وأُجيب بأنَّ الاحتجاج به من كَونِ النبيِّ وَلَه لم يُنكِرِ عليه إيقاعَ الثلاث مجموعةً، فلو كان ممنوعاً لَأنكَرَه، ولو وقَعَت الفُرقة بنفسِ اللِّعان. الحديث الثّاني: حديث عائشة في قصَّة رِفاعة القُرَطيِّ وامرأتِه. ٥٢٦٠ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني عُقَيِلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبَرَني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ أخبَرَتْهُ: أنَّ امرأةَ رِفاعةَ القُرَظيِّ جاءت إلى رسولِ الله ﴿﴿ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِي فِبَتَّ طلاقي، وإنّ نَكَحْتُ بعدَه عبدَ الَّحمنِ بنَ الزَّبِيِ القُرَظيَّ، وإِنَّا معه مِثلُ الهُدْبةِ! قال رسولُ اللهِهِ: ((لعلَّكِ تُرِيدِينَ أن تَرْجِعي إلى رِفاعةً؟ لا حتَّى يَذُوقَ عُسَيلَتَكِ وتَذُوقِي عُسَيَتَه)). سيأتي شرحُه مُستَوفَّى في ((باب إذا طَلَّقَها ثلاثاً ثمَّ تزوَّجَت بعد العِدّة زوجاً غيرَه فلم يَمَسَّها)»(١). وشاهد التَّرجمة منه قوله: ((فَبَثَّ طلاقي)) فإنَّه ظاهر في أنَّه قال لها: أنتِ طالق البَّةَ، ويَحتمل أن يكون المراد أنَّه طَلَّقَها طلاقاً حَصَلَ به قَطْعُ عِصمَتها منه، وهو أعَمّ من أن يكون طَلَّقَها ثلاثاً مجموعةً أو مُفرَّقَةً، ويُؤْيِّد الثّاني أنَّه سيأتي في كتاب الأدب (٦٠٨٤) من وجه آخر أنَّها قالت: طَلَّقَني آخِرِ ثلاث تطليقات. وهذا يُرجِّحُ أنَّ المراد بالتَّرجمة بيان مَن أجازَ الطَّلاق الثلاث ولم یکرهه، ويحتمل أن یکون مُراد الترجمة أعمّ من ذلك، وكلُّ حدیث یدلّ على حُكْم فَردٍ من ذلك. الحديث الثالث: ٥٢٦١- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني القاسمُ بنُ محمَّدٍ، عن عائشةَ: أنَّ رجلاً طَلَّقَ امرأتَه ثلاثاً، فتزوَّجَت، فطَلَّقَ، فسُئلَ النبيُّ ◌َّهِ: أَنَحِلُّ لِلأوَّلِ؟ قال: ((لا، حتَّى يَذُوقَ عُسَيلَتَها كما ذاقَ الأوَّلُ)). حديث عائشة أيضاً: أنَّ رجلاً طَلَّقَ امرأته ثلاثاً، فسُئلَ النبيُّ وَيهِ: أَتَحِلُّ للأوَّلِ؟ قال: ((لا)) الحديث. (١) عند الحديث رقم (٥٣١٧). ٥٣ باب ٥ / ح ٥٢٦٢- ٥٢٦٣ كتاب الطلاق وهو وإن کان مختصراً من قصّة ڕِفاعة، فقد ذكرتُ تَوچیه المراد به، وإن كان في قصّة أُخرى فالنَّمَسُّك بظاهرٍ قوله: ((طَلَّقَها ثلاثاً) فإنَّه ظاهر في كَونها مجموعةً، وسيأتي في شرح قصَّة رِفاعة (٥٣١٧): أنَّ غيرَه وَقَعَ له معَ امرأته(١) نَظِيرُ ما وَقَعَ لِرِفاعةً، فليس التعدُّد في ذلك ببعيدٍ. ٥- باب مَن خيَّرَ أزواجَه وقول الله تعالى: ﴿قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ [الأحزاب: ٢٨]. ٥٢٦٢- حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّنا مسلمٌ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: خَيَّرَنا رسولُ اللهِ وَ لِّ فاختَرْنا اللهَ ورسولَه، فلم يَعُدَّ ذلك علينا شيئاً. [طرفه في: ٥٢٦٣] ٥٢٦٣ - حدَّثنَا مُسَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، حدَّثنا عامرٌ، عن مسروقٍ، قال: سألتُ عائشةَ عن الخِيَرةِ، فقالت: خَيَّرَنا النبيُّ ◌َِّ، أَفكانَ طَلاقاً؟! قال مسروقٌ: لا أُبالي أخَيَّرْتُها واحدةً أو مئةً بعدَ أن تَخْتَارَني. قوله: ((باب مَن خَيَّرَ أزواجَه، وقول الله تعالى: ﴿قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُثُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ اُلُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾)) تقدَّم في تفسير الأحزاب (٤٧٨٥) بيانُ سبب التَّخيير المذكور، وفي ماذا وَقَعَ الثَّخيير، ومتى كان التَّخيير؟ وأذكُر هنا بيان حُكم مَن خَيَّرَ امرأته معَ بَقِيَّة شرح حدیث الباب. ووَقَعَ هنا في نُسخة الصَّغَانيّ قبلَ حديث مسروق عن عائشة حديثُ أبي سَلَمَةَ عنها في المعنى، قال فيه: حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيب عن الزُّهْريّ (ح) وقال اللَّيث: حدَّثنا يونس عن ابن شِهاب، أخبرني أبو سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن، أنَّ عائشة قالت: لمَّا أُمِرَ رسولُ اللهِ وَ له بتخيير أزواجه، الحديث، وساقَه على لفظ يونسَ، وقد تقدَّم الطَّريقان في (١) تحرف في (س) إلى: امرأة. ٥٤ باب ٥ / ح ٥٢٦٢ - ٥٢٦٣ فتح الباري بشرح البخاري تفسير سورة الأحزاب، وساقَ رواية شُعَيب (٤٧٨٥)، وأوَّلها: أنَّ عائشة أخبَرَته أنَّ رسول الله وَاله جاء لها حين أمَرَه الله بتَخيير أزواجه، الحديث. ثمَّ ساقَ رواية اللَّيث (٤٧٨٦) مُعلَّقةً أيضاً في ترجمة أُخرَى. قوله: «حدَّثنا عمرُ بنُ حَفص» أي: ابن غِیات الکوفيّ. ٣٦٨/٩ وقوله: ((مسلمٌ)) هو ابن صُبَيح بالتَّصغير، أبو الضُّحَى، مشهور بكُنْتِه أكثرَ من اسمه، وفي طَبَقَته مسلمٌ البَطِین وهو من رجال البخاريّ، لكنَّه وإن روى عنه الأعمش، لا يروي عن مسروق، وفي طَبَقَتهما مسلم بن كَيْسانَ الأعوَر، وليس هو من رجال الصَّحيح ولا له رواية عن مسروق. قوله: ((خَيََّنا رسولُ الله ◌َِّ)) في رواية الشَّعبيِّ عن مسروق: خَيَّرَ نساءَه. أخرجه مسلم (٢٦/١٤٧٧). قوله: ((فاختَرْنا اللهَ ورسولَه، فلم يَعُدَّ)) بتشديد الدّال وضمّ العين من العَدَد. وفي رواية: ((فلم يَعدُد)) بفَكِّ الإدغام، وفي أُخرى: ((فلم يَعتَدّ))، بسكونِ العين وفتح المثنّة وتشديد الدّال، من الاعتداد. وقوله: ((فلم يُعَدَّ ذلك علينا شيئاً)) في رواية مسلم (١٤٧٧ / ٢٧): فلم يَعُدَّه طلاقاً . قوله: «إسماعيل» هو ابنُ أبي خالدٍ. قوله: ((سألت عائشة عن الخِيَرة)) بكسر المعجَمة وفتح التَّحتانيّة، بمعنى الخيار. قوله: ((أفكان طلاقاً؟)) هو استفهامُ إنكارٍ، ولأحمد (٢٥٧٠٣) عن وكيع عن إسماعيل: ((فھَل كان طلاقاً؟)) وكذا للنَّسائيِّ (٣٤٤١) من رواية يحيى القَطّان عن إسماعيل. قوله: ((قال مسروق: لا أَبالي أخَيَّرتُها واحدةً أو مئةً بَعد أن تَخْتَارَني)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور، وقد أخرجه مسلم (٢٥/١٤٧٧) من رواية عليّ بن مُسهِر عن إسماعيل، فقَدَّمَ كلام مسروق المذكور، ولفظُه: عن مسروق، قال: ما أُبالي. فذَكَر مِثْلَه وزاد: أو ألفاً، ولقد سألت عائشةَ، فذكر حديثها. ٥٥ باب ٥ / ح ٥٢٦٢ - ٥٢٦٣ كتاب الطلاق وبقولِ عائشةَ المذكور يقول ◌ُمهور الصَّحابة والتابعينَ وفقهاء الأمصار، وهو أنَّ مَن خَيَّرَ زوجته فاختارَته لا يقع عليه بذلك طلاقٌ، لكن اختَلَفوا فيما إذا اختارَت نفسَها هل يقع طَلقةً واحدةً رَجعيَّةٌ، أو بائناً، أو يقع ثلاثاً؟ وحكى التِّرمِذيّ (١) عن عليٍّ: إن اختارَت نفسَها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارَت زوجَها فواحدةٌ رَجعيَّةٌ، وعن زيد بن ثابت: إن اختارت نفسَها فثلاثٌ، وإن اختارَت زوجَها فواحدةٌ بائنةٌ، وعن عمر وابن مسعود: إن اختارَت نفسَها فواحدةٌ بائنةٌ(٢)، وعنهما: رَجعيَّةٌ، وإن اختارت زوجها فلا شيءَ. ويُؤيِّد قولَ الجمهور من حيثُ المعنى أنَّ التَّخيير تَردیدٌ بينَ شیئینٍ، فلو كان اختيارها لزوجِها طلاقاً لاتَّحَدا، فدَلَّ على أنَّ اختيارَها لنفسِها بمعنى الفِراق، واختيارَها لزوجِها بمعنى البَقَاء في العِصْمة، وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٥٩/٥-٦٠) من طريق زاذانَ قال: كثَّا جُلوساً عند عليٍّ فسُئلَ عن الخيار فقال: سألَني عنه عمرُ فقلت: إن اختارَت نفسَها فواحدةٌ بائنٌ، وإن اختارَت زوجها فواحدةٌ رَجعيَّةٌ، قال: ليس كما قلت، [إنِ اختارَتْ نفسَها فواحدةٌ، وهو أحق بها](٣) إن اختارَت زوجَها فلا شيءَ، قال: فلم أجِد بُدّاً من مُتَابَعَته، فلمَّا وُلّيت رجعتُ إلى ما كنتُ أعرِف، قال عليّ: وأرسَلَ عمر إلى زيد بن ثابت فقال، فذكر مِثل ما حكاه عنه التِّرمِذيّ. وأخرج ابن أبي شَيْبة من طرق عن عليٍّ نَظيرَ ما حكاه عنه زاذانُ من اختياره(٤). وأخَذَ مالكٌ بقولِ زيد بن ثابت، واحتَجَّ بعض أتباعه لگونها إذا اختارت نفسها يقع ثلاثاً، (١) بإثر الحدیث (١١٧٩) من (جامعه)). (٢) لم نقف عليه من قول عمر كذلك، بل حكاه ابن المنذر في ((الأوسط)) قبل (٧٧٠٤) عن عليٍّ وحده، وأما عن ابن مسعود فلا يصحّ، كما بيّنه البيهقي في روايته ٧/ ٣٤٦، وإنما الصحيح عن عمر وابن مسعود أنها إن اختارت نفسها فواحدة رجعية، رُويَ عنهما ذلك من طرق. انظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥/ ٥٥ ٥٨. (٣) ما بين المعقوفين سقط من الأصول و(س)، وأثبتناه من ((المصنف))، ولا بدَّ منه، لأن حذفه يُوهِم موافقة عمر لعليٍّ في الحالة الأولى ومخالفته في الحالة الثانية، وإنما خالف عمرُ عليّاً في الحالتين كلتيهما، كما هو ظاهر. وقوله: وهو أحقّ بها، يعني أنها طلقة رجعية. (٤) انظر فيه ٥٨/٥-٦١، عن عليٍّ وغيره. ٥٦ باب ٥ / ح ٥٢٦٢ - ٥٢٦٣ فتح الباري بشرح البخاري بأنَّ معنى الخيار بَتُّ أحد الأمرَينِ: إمّا الأخذُ، وإمّا التَّرْكُ، فلو قلنا: إذا اختارَت نفسَها تكون طَلِقةً رَجعيَّة، لم يُعمَل بمُقتَضَى اللَّفظ، لأنَّها تكون بعدُ في أسْر الَّوج، وتكون کمَن خُيِّرَ بین شيئينٍ فاختارَ غيرَهما. وأخَذَ أبو حنيفة بقولِ عمرَ وابنٍ مسعود فيما إذا اختارَت نفسَها، فواحدةٌ بائنةٌ، ولا يَرِدُ عليه الإيرادُ السابق. وقال الشافعيّ: التَّخيير كِناية، فإذا خَيَّرَ الَّوج امرأته وأراد بذلك تَخيرَها بينَ أن تَطلُق منه، وبين أن تَستَمِرٌ في عِصمته، فاختارَت نفسَها وأرادت بذلك الطَّلاق طَلُقَت، فلو قالت: لم أُرِد باختيار نفسي الطَّلَاقَ صُدِّقَت. ويُؤخَذ من هذا أنَّه لو وَقعَ التَّصريح في التَّخيير بالتطليق أنَّ الطَّلاق يقع جَزماً، نَبَّهَ على ذلك شيخُنا حافظُ الوقتِ أبو الفضل العراقيُّ في ((شرح التِّرمِذيّ))، ونَبَّهَ صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة على اشتراط ذِكْر النّفس في التَّخيير، فلو قال مثلاً: اختاري، فقالت: اختَرت، لم يكن ٣٦٩/٩ تخييراً بين الطَّلاق وعَدمه وهو ظاهر، لكنَّ مَلَّ/ الإطلاقُ، فلو قَصَدَ ذلك بهذا اللَّفظ ساغَ. وقال صاحب ((الهداية)) أيضاً: إن قال: اختاري، يَنوي به الطَّلَاقَ، فلَها أن تُطلِّق نفسَها ويقع بائناً، فلو لم يَنِ فهو باطل، وكذا لو قال: اختاري، فقالت: اختَرت، فلو نَوَى فقالت: اختَرت نفسي، وقَعَت طَلقةً رَجعيَّةً. وقال الخطّابيُّ: يُؤخَذ من قول عائشة: فاختَرناه، فلم يكن ذلك طلاقاً، أنَّها لو اختارَت نفسَها لكان ذلك طلاقاً، ووافَقَه القُرطُبيّ في ((المفهم)) فقال: في الحديث أنَّ المخَيَّرة إذا اختارَت نفسَها أنَّ نفس ذلك الاختيار يكون طلاقاً من غير احتياج إلى نُطقٍ بلفظٍ يدلُّ على الطَّلاق، قال: وهو مُقْتَبَسٌ من مفهوم قول عائشة المذكور. قلت: لكنَّ ظاهر الآية أنَّ ذلك بمُجرَّدِه لا يكون طلاقاً، بل لا بدَّ من إنشاء الزَّوج الطَّلاقَ، لأنَّ فيها ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، أي: بعد الاختيار، ودلالةُ المنطوق مُقدَّمةٌ على دلالة المفهوم. ٥٧ باب ٦ كتاب الطلاق واختَلَفوا في التَّخيير، هل بمعنى الثَّمليك، أو بمعنى التَّوكيل؟ ولِلشّافعيِّ فيه قولان، المصَخَّح عند أصحابه أنَّه تَليكٌ، وهو قول المالكيَّة، بشرطِ مُبادَرَتها له، حتَّى لو أخَّرَت بقَدرِ ما يَنقَطِعِ القَبُول عن الإيجاب في العَقْد، ثمَّ طَلَّقَت لم يقع، وفي وجهٍ: لا يَضُرُّ التَّأْخيرُ ما داما في المجلس، وبه جَزَمَ ابن القاصّ(١)، وهو الذي رَجَّحَه المالكيَّة والحنفيّة، وهو قول الثَّوريّ واللَّيث والأوزاعيِّ. وقال ابن المنذر: الرَّاجح أنَّه لا يَتَقَيَّد ولا يُشتَرَط فيه الفَوْرُ، بل متى طَلَّقَت نَفَذَ، وهو قول الحسن والزُّهْريّ، وبه قال أبو عُبيد ومحمّد بن نصر من الشافعيَّةِ والطَّحاويّ من الحنفيَّةُ، وتَسَّكوا بحديثِ الباب حيثُ وَقعَ فيه: ((إنّي ذاكِرٌ لكِ أمراً فلا تَعجَلي حتَّى تَستأمِرِي أَبَوَيك)) الحديث(٢)، فإِنَّه ظاهرٌ في أنَّه فَسَحَ لها، إذ أخبَرَها أن لا تَختار شيئاً حتَّى تَستأذِن أبَوَيها، ثمَّ تَفْعَل ما يشيران به عليها، وذلك يقتضي عَدَم اشتراط الفَوْر في جواب التَّخيير. قلت: ويُمكِنُ أن يقال: يُشتَرَطِ الفَوْرُ، أو ما داما في المجلس عند الإطلاق، فأمَّا لو صَرَّحَ الَّوج بالفُسْحة في تأخيره بسببٍ يقتضي ذلك فيَتَراخَى، وهذا هو (٣) الذي وقعَ في قصَّة عائشة، ولا يَلْزَم من ذلك أن يكون كلَّ خِيارٍ كذلك، والله أعلم. ٦ - باب إذا قال: فارقتُكِ أو: سرَّ حتُّكِ، أو: التَرِيَّة، أو: الخَلِيَّة، أو ما عُنيَ به الطّلاقُ، فهو على نِيَّتَه وقولُ الله تعالى: ﴿وَسَرِّجُوهُنَّ سَرَاحَاجَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَأُسَمِّحْكُنَّ سَرَاءًا جَمِيلاً ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وقال: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. وقالت عائشةُ: قد عَلِمَ النبيُّ ◌َلِّ أَنَّ أَبَوَيَّ لم يَكونا يأمُراني بفِراقِه. (١) هو أحمد بن أبي أحمد الطبري، ثم البغدادي، الشافعي، أبو العباس. له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) ٣٧١/١٥. (٢) سلف برقم (٢٤٦٨). (٣) لفظ ((هو)) سقط من (س). ٥٨ باب ٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب إذا قال: فارَقْتُك، أو سَرَّحْتُك، أو البَريَّة، أو الخَليَّة،، أو ما عُنِيَ به الطَّلاق، فهو على نيَّتَه)) هكذا بَتَّ المصنِّ الحُكم في هذه المسألة، فاقتَضَى أن لا صَرِيحَ عنده إلّا لفظ الطَّلاق أو ما تَصرَّفَ منه، وهو قول الشافعيِّ في القديم، ونَصَّ في الجَديد على أنَّ الصَّريح لفظُ الطَّلاق والفِراق والسَّراح، لوُرودِ ذلك في القرآن بمعنى الطَّلاق. وحُجّة القديم أنَّه وَرَدَ في القرآن لفظ الفِراق والسَّراح، لغير الطَّلاق بخلاف الطَّلاق، فإنَّه لم یَرِد إلّا للطَّلاَقَ، وقد رَجَّحَ جماعةٌ القديمَ، كالطََّرَيِّ(١) في ((العُدّة)) والمَحَامليّ وغيرهما، وهو قول الحنفيّة، واختارَه القاضي عبد الوهّاب من المالكيَّة، وحكى الدَّارِميُّ عن ابن خَيْران(٢): أنَّ مَن لم يَعرِف إلّ الطَّلاق فهو صريح في حَقّه فقط، وهو تفصيلٌ قويٌّ، ونحوه للزُّويانيِّ فإنَّه قال: لو قال عَرَبِيٌّ (٣): فارَقتُك، ولم يَعرِف أنَّهَا صريحةٌ لا يكون صريحاً في حَقّه. ٣٧٠/٩ واتَّفقوا على أنَّ لفظ الطلاق/ وما تَصَّفَ منه صريحٌ، لکن أخرج أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٣٧٩/٣) من طريق عبد الله بن شِهاب الحَولانيٌّ عن عمر (٤): أنَّه رُفِعَ إليه رجلٌ قالت له امرأتُه: شَبِّهْني، فقال: كأنَّك ظَبْيَةٌ، قالت: لا، قال: كأنَّك حَمامة، قالت: لا أرضَى حتَّى تقولَ: أنتِ خَلِيَّةٌ طالقٌ، فقالها، فقال له عمر: خُذ بَيَدِها فهي امرأتك. قال أبو عُبيد: قوله: خَليَّةٌ طالقٌ، أي: ناقةٌ كانت مَعْقولةً ثمَّ أُطْلِقَت من عِقالها وخُلِيَ عنها، فتُسمَّى خَلِيَّةً لأنَّهَا خُلِّيَت عن العِقال، وطالقٌ لأنَّهَا طَلُقَت منه، فأرادَ الرجل أنَّهَا تُشْبه الناقةَ ولم يَقْصِد الطَّلاَقَ بمعنى الفِراق أصلاً، فأسقَطَ عنه عمرُ الطَّلَاقَ. (١) هو الحسين بن علي الطبري، وكتابه شرح لكتاب ((الإبانة)) للفُوراني، له ترجمة في ((طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي ٣٤٩/٤. (٢) تحرف في (س) إلى: ابن خير. وابن خَيْران: هو أبو علي الحسين بن صالح البغدادي، له ترجمة في ((سیر أعلام النبلاء)) ٥٨/١٥. (٣) تحرف في (ع) إلى: اغربي، وكذلك وقع في مطبوع ((عمدة القاري)) للعيني ٢٣٨/٢٠ وجاء على الصواب في (أ) و(ب) و(س) موافقاً لما نقله الشيخ زكريا الأنصاري في ((أسنى المطالب)) ٢٦٩/٣. (٤) لكن في الإسناد إليه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ. ٥٩ باب ٦ كتاب الطلاق قال أبو عُبيد: وهذا أصلٌ لكلِّ مَن تَكلَّمَ بشيءٍ من ألفاظ الطَّلاق(١)، ولم يُرِدِ الفِراق بل أرادَ غيره، فالقول قوله فيه فيما بينه وبين الله تعالى. انتهى. وإلى هذا ذهب الجمهور، لكنَّ المُشْكِل من قصَّة عمر گوْنه رُفِعَ إلیه وهو حاكم، فإن كان أجْراه مُجَرَى الفُتْيا، ولم يكن هناك حُكْم فيوافَق، وإلّا فهو من النَّوادِر. وقد نَقَلَ الخطَّبيُّ الإجماع على خلافه، لكن أثبَتَ غيرُه الخلافَ وعزاه لداودَ. وفي البُوَيطيّ ما يَقْتَضيه، وحكاه الرُّويانيّ، ولكن أوَّلَه الجمهور وشَرَطوا قَصْدَ لَفْظ الطَّلاق بمعنى الطَّلاق، ليَخرُجَ العَجميُّ مثلاً إذا لُقِّنَ كلمة الطَّلاق فقالها وهو لا يَعرِف مَعْناها، أو العربيّ بالعَكْسِ، وشَرَطوا معَ النُّطْقِ بَلَفْظِ الطَّلاق تَعَمُّدَ ذلك، احترازاً عمَّا يَسْبق به اللِّسانُ والاختيارُ ليَخرُجَ المُكرَه، لكن إن أُكرِهَ فقالها معَ القَصْد إلى الطَّلاق وَقعَ في الأصحّ. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿وَسَرِّجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩])) كأنَّه يشير إلى أنَّ في هذه الآية لفظَ التَّسريح بمعنى الإرسال لا بمعنى الطَّلاق، لأنَّه أمَرَ مَن طَلَّقَ قبل الدُّخول أن يُمَتِّعَ ثمَّ يُسَرِّحَ، وليس المراد من الآية تطليقَها بعد التَّطليق قَطعاً. قوله: «وقال تعالى: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨])) يعني: قوله تعالى: ﴿ يَكَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَعَالَيْنَ أُمَتِعَكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحَا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٢٨]. والشَّريحُ في هذه الآية مُحْتَمِلٌ للتطليق والإرسال، وإذا كانت صالحةً للأمرَينِ انتَفَى أن تكون صريحةً في الطَّلاق، وذلك راجِعٌ إلى الاختلاف فيما خَيَّرَ به النبيُّ ◌َّ نساءَه: هل كان في الطَّلاق والإقامة، فإذا اختارت نفسَها طَلُقَت، وإن اختارَت الإقامةَ لم تَطلُق كما تقدَّم تقريرُه في الباب قبلَه، أو كان في التَّخيير بين الدُّنيا والآخِرة، فمَن اختارَت الدُّنيا طَلَّقَها ثمَّ مَتَّعَها ثمَّ سَرَّحَها، ومَن اختارَت الآخِرة أقَرَّها في عِصمته؟ (١) لفظه في ((غريب الحديث)) ٣/ ٣٨٠: لكلٍّ من تكلم بشيء يُشبه لفظ الطلاق والعتاق. ٦٠ باب ٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩])) تقدَّم في الباب قبلَه بيانُ الاختلاف في المراد بالتَّسريح هنا، وأنَّ الرَّاجح أنَّ المراد به التَّطليقُ. قوله: «وقال: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢])) يريد أنَّ هذه الآية ورَدَت بلفظ الفِراق في موضع وُرودها في البقرة بلفظ السَّراح، والحُكم فيهما واحد، لأَنَّه وَردَ في الموضعينِ بعدَ وُقوع الطَّلاق، فليس المراد به الطَّلاقَ بل الإرسال. وقد اختَلَفَ السَّلَف قديماً وحديثاً في هذه المسألة: فجاء عن عليٍّ بأسانيدَ يَعضُد بعضُها بعضاً، وأخرجها ابن أبي شَيْبة (٦٦/٥ و٦٩) والبيهقيُّ (٧/ ٣٤٤) وغيرهما قال: البَريَّةُ والخَليَّةُ والبائنُ والحرامُ والبَتُّ ثلاثٌ ثلاثٌ. وبه قال مالكٌ وابن أبي ليلى والأوزاعيّ، لكن قال في الحَليّة: إنَّها واحدة رَجعيَّةٌ، ونَقَلَه عن الزُّهْريِّ، وعن زيد بن ثابت في البَرِيَّة والبّة والحرام ثلاث ثلاث، وعن ابن عمر في الخَليَّة والبَريَّة ثلاث. وبه قال قَتَادة، ومثله عن الزُّهْريِّ في البَريَّة فقط(١). واحتَجَّ بعض المالكيَّةِ بأنَّ قول الرجل لامرأته: أنتِ بائنٌ، وبَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وخَليَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، يَتَضَمَّنُ إِيقاعَ الطَّلاق، لأنَّ معناه: أنتِ طالقٌ مِنِّي طلاقاً تَبينينَ به مِنِّي، أو يَبِتُّ، أي: يَقطَعُ، عِصمَتَك مِنِّي، والبَتلةُ بمعناه، أو: تَّخِلِينَ به من زوجيّتي، أو: تبرئين منها. قال: وهذا لا يكون في المدخول بها إلّا ثلاثاً إذا لم يكن هناك خُلعٌ. وتُعقِّبَ بأنَّ الحَمل على ذلك ليس صريحاً، والعِصْمةُ الثّابتة لا تُرفَع بالاحتمال، وبأنَّ مَن يقول: إنَّ مَن قال لزوجته: أنتِ طالق طَلقةً بائنةً، إذا لم يكن هناك خُلعٌ، أنَّها تَفَعُ رَجعيَّةً معَ ٣٧١/٩ التَّصريح، كيف لا يقول: يَلْغو معَ التَّقَدير وبأنَّ/ كلّ لَفَظَة من المذكورات إذا قُصِدَ بها الطَّلاق ووَقِعَ وانقَضَت العِدّة أنَّه يَتِمّ المعنى المذكور، فلم يَنحَصِر الأمر فيما ذَكَروا وإنَّما النَّظَر عند الإطلاق. فالذي يَتَرَجَّح أنَّ الألفاظ المذكورات وما في معناها كِنايات لا يقع الطَّلاق بها إلّا معَ (١) انظر ((الموطأ)) ٢/ ٥٥٣-٥٥٤.