Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ باب ٩٧ / ح ٥٢١١ كتاب النكاح قوله: ((وتقول: رَبِّ سَلِّط)) في رواية المُستَمْلِي: (يا رَبِّ سَلِّط)) بإثبات حرف النِّداء، وهي رواية مسلم (٢٤٤٥). قوله: (تَلْدَغُنِي)) بالغَيْنِ المعجَمة. قوله: ((ولا أستطيعُ أن أقول له شيئاً)) قال الكِرْمانيُّ: الظّاهر أنَّه كلام حفْصَة، ويحتمل أن يكون كلامَ عائشة، ولم يظهر لي هذا الظّاهر بل هو كلامُ عائشة، وقد وَقَعَ في رواية مسلم وفي جميع ما وقَفْتُ عليه من طُرُقه - إلّا ما سأذكره - بعد قوله: تَلدَغني: ((رسولُك، لا أستطيع أن أقول له شيئاً)) و((رسولك)) بالرَّفع على أنَّه خَبَر مُبتَدَأ محذوف تقديره: هو رسولك، ويجوز النَّصب على تقدير فِعل، وإنَّما لم تَتَعرَّض لحفصةَ لأنَّها هي التي أجابَتها طائعةً فعادت على نفسها باللّومِ، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من وجهَينِ عن أبي نُعَيم شيخ البخاريّ/ فيه بعد قوله: تَلدَغني: ((ورسولُ اللهَ وَّلَه يَنظُر ولا أستطيع أن أقول له شيئاً)) ٣١٢/٩ وعلى هذا فيُحتمل أن يكون المراد بالقولِ في قولها: أن أقول، أي: أحكي له الواقعة، لأنَّه ما كان يَعِذِرُني في ذلك، وظاهرُ رواية غيره تُفهِم أنَّ مُرادَها بالقولِ: أنَّها لا تَستَطيع أن تقول في حَقِّه شيئاً كما تقدَّمَ، قال الدَّاووديُّ: يحتمل أن تكون المسايَرَة في ليلة عائشة، ولذلكَ غَلَبت عليها الغَيْرةِ، فَدَعَت على نفسها بالموتِ، وتُعقّب بأنَّه يَلَزَم منه أنَّه يوجِب القَسْم في المسايَرَة، وليس كذلكَ، إذ لو كان لمَا كان يَخُصّ عائشة بالمسايَرَة دون حفصة حتَّى تحتاج حفصة تَتحيَّل على عائشة، ولا يتَّجِه القَسْم في حالة السَّير إلّا إذا كانت الخَلْوة لا تَحصُل إلّا فيه، بأن يَركَب معها في الهَودَج، وعند النُّزول يَجتَمِع الكلّ في الخيمة، فيكون حينئذٍ عِمَادَ القَسْمِ السَّير، أمَّ المسايَرَة فلا، وهذا كلُّه مَبنيّ على أنَّ القَسْم كان واجباً على النبيِّ ◌َّ﴾، وهو الذي يدلّ عليه مُعظَم الأخبار. ويُؤيِّد القول بالقُرْعة أنَهم اتَّفَقوا على أنَّ مُدّة السَّفَر لا تُحاسَب بها المقيمة، بل يَبْتَدِئ إذا رَجَعَ بالقَسْمِ فيما يَستَقبل، فلو سافَرَ بمَن شاءَ بغير قُرعة فقَدَّمَ بعضَهنَّ في القَسْمِ لَلَزِمَ منه إذا رَجَعَ أن يوَفّي مَن تخلَّفَتْ حَقّها، وقد نَقَلَ ابن المنذر الإجماع على أنَّ ذلك لا يَجِب، فظَهَرَ ٦٢٢ باب ٩٨ / ح ٥٢١٢ فتح الباري بشرح البخاري أنَّ للقُرْعة فائدة، وهي أن لا يُؤْثِر بعضَهنَّ بالتَّشَهّي، لمَا يَتَرتَّبُ على ذلك من تَركِ العَدْل بينَهنَّ، وقد قال الشافعيّ في القديم: لو كان المسافر يَقسِم لمن خَلَّفَ لمَا كان للقُرْعة معنّى، بل معناها أن تَصيرَ هذه الأيام لمن خَرَجَ سَهمُها خالصة. انتهى، ولا يخفى أنَّ مَحَلَّ الإطلاق في تَركِ القضاء في السَّفَر ما دامَ اسم السَّفَر موجوداً، فلو سافَرَ إلى بلدة فأقامَ بها زماناً طويلاً، ثمَّ سافَرَ راجِعاً فعليه قضاء مُدّة الإقامة، وفي مُدّة الرُّجوع خِلَافُ عند الشافعيَّة، والمعنى في سُقُوط القضاء أنَّ التي سافَرَت وفازَت بالصُّحبة لَقَها من تَعَب السَّفَر ومَشَقَّتِهِ ما يُقابل ذلك، والمقيمةُ عكسُها في الأمرَينِ معاً. ٩٨ - باب المرأةِ تَهَبُ يومها من زوجها لضَرَّتها، وكيفَ يَقْسِمُ ذلكَ ٥٢١٢- حدَّثْنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ سَوْدَةَ بنتَ زَمْعَةَ وهَبَتْ يومَها لعائشةَ، وكان النبيُّ نَّهِ يَقْسِمُ لعائشةَ بيومِها ويومٍ سَوْدةً. قوله: ((باب المرأة تَهَبُ يومَها مِن زَوْجها لضَرَّتِها)) ((مِن)) تتعلَّق بـ((يومَها)) لا بـ«تَهَبُ)) أي: يومها الذي تَخْتَصُّ بها. قوله: ((وكيف يَقْسِم ذلكَ)) قال العلماء: إذا وهَبَت يومها لضَرَّتِها قَسَمَ الَّوج لها يومَ ضَرَّتها، فإن كان تالياً ليومِها فذاكَ، وإلّا لم يُقدِّمه عن رُقبَته في القَسْم إلّا بِرِضا مَن بَقيَ، وقالوا: إذا وهَبَت المرأةُ يومَها لضَرَّتِها، فإن قبِلَ الزَّوج لم يكن للمَوهُوبة أن تَمَتَنِع، وإن لم يَقبَل لم يُكرَه على ذلك، وإذا وهَبَت يومها لزوجِها ولم تَتَعرَّض للضَّرّة فهل له أن يَخْصَّ واحدةً إن كان عنده أكثرُ من اثنتَينٍ، أو يوَزِّعه بين مَن بَقَيَ؟ ولِلواهبةِ في جميع الأحوال الرُّجوعُ عن ذلك متى أحَبَّت لكن فيما يُستَقْبَل لا فيما مَضَى، وأطلقَ ابن بَطّال أنَّه لم يكن السودة الرُّجوعُ في يومها الذي وهَبَته لعائشة. قوله: ((حدَّثنا مالك بن إسماعيل)) هو أبو غَسّان النَّهْديّ، وزُهَير: هو ابن معاوية. قوله: ((أنَّ سَوْدَةَ بنت زَمْعة)) هي زوج النبيّ وَّةِ، وكان تزوَّجَها وهو بمگَّة بعد موتٍ خديجة، ودَخَلَ عليها بها، وهاجَرَت معه، ووَفَعَ لمسلم (٤٨/١٤٦٣) من طريق شَرِيك عن ٦٢٣ باب ٩٨ / ح ٥٢١٢ كتاب النكاح هشام في آخر حديث الباب: قالت عائشة: وكانت أوَّلَ امرأةٍ تزوَّجَها بعدي، ومعناه: عَقَدَ عليها بعد أن عَقَدَ على عائشة، وأمَّا دخولُه عليها فكان قبلَ دخوله على عائشة بالاتّفاق، وقد نَبَّهَ على ذلك ابن الجوزيّ. قوله: ((وهَبَتْ يومَها لعائشة)) تقدَّم في الهِبة (٢٥٩٣) من طريق الزّهْريِّ عن عُرْوة بلفظ: يومَها وليلتَها، وزاد في آخره: تَبتَغي / بذلكَ رِضا رسولِ اللهِ وَّهِ. وَقَعَ في رواية مسلم ٣١٣/٩ (٤٨/١٤٦٣) من طريق عُقْبة بن خالد، عن هشام: لمَّا أن كَبِرَت سَوْدة وهَبَت، وله نحوه من روایة جَرِیر، عن هشام. وأخرج أبو داود (٢١٣٥) هذا الحديث، وزاد فيه بيانَ سببه أوضَحَ من رواية مسلم، فروى عن أحمد بن يونس، عن عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد، عن هشام بن عُرْوة بالسَّنَدِ المذكور: كان رسولُ اللهِ وَالَّ لا يُفَضِّل بعضَنا على بعض في القَسْم ... الحديث، وفيه: ولقد قالت سَوْدة بنت زَمْعة حين أسَنَّت وخافَت أن يُفارقَها رسولُ الله وَّ: يا رسولَ الله يومي لعائشة، فقبِلَ ذلك منها، ففيها وأشباهها نزلت: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا فُشُوزًا ﴾ الآية [النساء: ١٢٨]، وتابَعَه ابن سعد (٥٣/٨) عن الواقديّ عن ابن أبي الزِّناد في وصلِه، ورواه سعيد بن منصور عن ابن أبي الزِّناد مُرسَلاً، لم يذكر فيه عن عائشة، وعند التِّرمِذيّ (٣٠٤٠) من حديث ابن عبّاس موصولاً نحوه، وكذا قال عبد الرَّزّاق (١٠٦٥٨) عن مَعمَر: بلغني(١) ذلك. فَتَوارَدَت هذه الرِّوايات على أنَّهَا خَشِيَتِ الطَّلاَقَ فوَهَبَت، وأخرج ابن سعد بسندٍ رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بَزّة مُرسَلاً (٥٤/٨): أنَّ النبيّ وَّةِ طَلَّقَها، فقَعَدَت له على طريقه فقالت: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما لي في الرِّجال حاجة، ولكن أُحِبُّ أن أُبعَث معَ نسائِك يوم القيامة، فأنشُدُك بالذي أنزَلَ عليك الكتاب هل طَلَّقتني لمَوْجِدةٍ وجَدتَها عليَّ؟ قال: ((لا)) قالت: فأنشُّدُك لمَا راجَعتَني، فراجَعَها، قالت: فإنّي قد جَعَلت يومي وليلتي لعائشة حِبَّةِ رسولِ الله ◌َّ. (١) تحرَّفت في (س) إلى: بمعنى. ٦٢٤ باب ٩٩ - ١٠٠ / ح ٥٢١٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكان النبيُّ نَّهِ يَقْسِمُ لعائشة بيومِها ويومٍ سَوْدة) في رواية جَرِيرٍ عن هشام عند مسلم: فكان يَقسِم لعائشة يومَينِ يومَها ويومَ سَوْدة، وقد بيَّنتُ كلامهم في كيفيَّة هذا القَسْم أوَّل الباب. ٩٩ - باب العذلِ بين النّساء ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِ لُواْبَيْنَ النِّسَآءِ - إلى قوله - وَسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩ -١٣٠] قوله: ((باب العدل بين النساء ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ ﴾)» أشارَ بذِكْر الآية إلى أنَّ المنفيَّ(١) فيها: العَدلُ بينَهنَّ من كلّ جهة، وبالحديث إلى أنَّ المراد بالعَدلِ: التَّسويةُ بينَهِنَّ بما يَلِيق بكلِّ منهنَّ، فإذا وفَّى لكلِّ واحدة منهنَّ كِسوَتها ونَفَقَتها والإيواء إليها لم يَضُرّه ما زاد على ذلك من مَيْل قلبٍ أو تَبَرُّع بتُحفةٍ. وقد روى الأربعة(٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٢٠٥) والحاكم (١٨٧/٢) من طريق حمّاد بن سَلَمةَ، عن أيوب، عن أبي قلابةَ، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة: أنَّ النبيَّ وَل كان يَقسِم بين نسائه فيَعِدِل ويقول: ((اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملِك، فلا تَلُمني فيما تَمَلِك ولا أملِك)) قال التِّرمِذيّ: يعني به الحُبّ والموَدّة، كذلكَ فَسَّرَه أهلُ العلم، قال التِّرمِذيّ: رواه غيرُ واحد عن حمّاد بن زيد عن أيوب عن أبي قِلابةَ مُرسَلاً، وهو أصحُّ من رواية حَمَّاد بن سَلَمَةَ. وقد أخرج البيهقيُّ (٢٩٨/٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ﴾ الآية، قال: في الحُبّ والجِماعِ، وعن عَبيدة بن عَمْرو السَّلْمانيّ مِثله. ١٠٠ - بابٌ إذا تَزوَّجَ الِكِرَ على الثَّيِّب ٥٢١٣- حذَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشْرٌ، حدَّثنا خالدٌ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ ظَّه، ولو شئتُ أن أقولَ: قال النبيُّ ◌َّه، ولكن قال: السُّنَّةُ إذا تزوَّجَ البِكْرَ أقامَ عندَها سبعاً، وإذا تزوَّجَ القَّيِّبَ أقامَ عندَها ثلاثاً. [طرفه في: ٥٢١٤] (١) تحرَّفت في (س) إلى المنتهى. (٢) أبو داود (٢١٣٤)، وابن ماجه (١٩٧١)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٣٩٤٣). ٦٢٥ باب ١٠١ / ح ٥٢١٤ كتاب النكاح ٣١٤/٩ قوله: (بِشْر)) هو ابن المفضَّل، وخالد: هو ابن مِهْرَانَ الحَذّاء. قوله: ((ولو شئتُ أن أقول: قال النبيُّ وَّه، ولكن قال: السُّنّة)) في رواية مسلم (٤٤/١٤٦١) وأبي داود (٢١٢٤) من طريق هُشَيم عن خالد في آخر الحديث: قال خالد: لو شِئتُ أن أقول: رَفَعَه، لَصَدَقتُ، ولكنَّه قال: السُّنّة فتبيَّن أنَّه قولُ خالد، وهو ابن مِهرانَ الحذّاء راويه عن أبي قِلابةَ، وقد اختُلِفَ على سفيان الثَّوْريّ في تعيين قائل ذلك هل هو خالدٌ أو شيخُه أبو قِلابةَ؟ ويأتي بيانُ ذلك في الباب الذي يليه معَ شرح الحديث. ١٠١ - بابٌ إذا تزوَّجَ القَّيِّبَ على البِكْرِ ٥٢١٤ - حدَّثنا يوسُفُ بنُ راشدٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، حدَّثنا أيوبُ وخالدٌ، عن أبي قِلابةَ، عن أنس قال: مِنَ السُّنّةِ إذا تزوَّجَ الرجلُ البِكْرَ على الثَّيِّبِ أقامَ عندَها سَبْعاً وقَسَمَ، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبَ على البِكْرِ أقامَ عندَها ثلاثاً ثمَّ قَسَمَ. قال أبو قِلابةَ: ولو شِئتُ لَقلتُ: إنَّ أنساً رَفَعَه إلى النبيِّ ◌َّ. وقال عبدُ الرَّزّاق: أخبرنا سفيانُ، عن أيوبَ وخالٍ، قال خالدٌّ: ولو شئتُ لقُلتُ: رَفَعَه إلى النبيِّ ێ. قوله: ((باب إذا تزوَّجَ الثَّيِّب على البكْر)) أي: أو عَكَسَ كيف يصنع؟ قوله: ((حدَّثنا يوسف بن راشد)) هو يوسف بن موسى بن راشد، نُسِبَ لجدِّه. قوله: ((حدّثنا أبو أسامة، عن سُفْيان))، في رواية أبي نُعَيم من طريق حمزة بن عَوْن، عن أبي أُسامة: حدّثنا سفيان. قوله: ((حدَّثنا أيوب)) هو السَّخْتِيانيّ، وخالد: هو الحذّاء. قوله: ((عن أبي قِلابةَ)) أي: أنَّهما جميعاً رَوَياه عن أبي قِلابةَ، لكنَّ الذي يظهر أنَّه ساقه على لفظ خالد. قوله: ((قال: من السُّنّة)) أي: سُنّة النبيّ وَِّ، هذا الذي يَتَبَادَر للفَهْمِ من قول الصَّحابيّ، ٦٢٦ باب ١٠١ / ح ٥٢١٤ فتح الباري بشرح البخاري وقد مَضَى في الحجّ (١٦٦٢) قول سالم بن عبد الله بن عمر لمَّا سألَه الزُّهْريّ عن قول ابن عمر للحَجّاجِ: ((إن كنت تريدُ السُّنّة)): هل تريد سُنّةَ النبيِّ وَلَ؟ فقال له سالم: وهل يَعْنونَ بذلكَ إلّا سُنَّته. قوله: ((إذا تزوَّجَ الرجل البِكْرَ على الثَّيِّب)) أي: يكون عنده امرأةٌ فيَتزوَّج معها بِكراً، كما سيأتي البحثُ فیه. قوله: ((أقامَ عندها سَبْعاً وقَسَمَ)) ثمَّ قال: ((أقامَ عندَها ثلاثاً ثمَّ قَسَمَ)) كذا في البخاريّ بالواو في الأولى، وبلفظ ((ثُمَّ) في الثّانية، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ وأبي نُعَيم من طريق حمزة ابن عَوْن، عن أبي أُسامة بلفظ: (ثُمَّ)) في الموضعينِ. قوله: ((قال أبو قِلابةَ: ولو شئتُ لَقلتُ: إنَّ أنساً رَفَعَه إلى النبيِّينِ) كأنَّه يُشيرُ إلى أنَّه لو صَرَّحَ برفعِه إلى النبيِّ وَِّ لكان صادِقاً، ويكون روى بالمعنى وهو جائز عنده، لكنَّه رأى أَنَّ المحافظة على اللَّفظ أولى. وقال ابن دقيق العيد: قول أبي قلابةَ يحتمل وجهَينِ: أحدهما: أن يكون ظنَّ أنَّه سمعَه من أنس مرفوعاً لفظاً فَتَحرَّزَ عنه تَوَرُّعاً، والثّاني: أن يكون رأى أنَّ قول أنس: ((من السُّنَّة)) في حُكْم المرفوع، فلو عَبَّرَ عنه بأنَّه مرفوعٌ على حَسَب اعتقاده لَصَحَّ، لأنَّه في حُكْم المرفوع، قال: والأَوَّل أقرَب، لأنَّ قوله: ((مِن السُّنّة)) يقتضي أن يكون مرفوعاً بطريقِ اجتهاديٍّ مُحْتَمَل، وقوله: ((إنَّه رَفَعَه)) نَصِّ في رفْعِه، وليس للرّاوي أن يَنْقُل ما هو ظاهرٌ مُحْتَمَل إلى ما هو نَصِّ غير مُتَمَل. انتهى، وهو بحث مُتَّجِه، ولم يُصِب مَن رَدَّه بأنَّ الأكثر على أنَّ قول الصَّحابيّ: ((من السُّنّة كذا)) في حُكْم المرفوع لاتِّجاه الفَرْق بين ما هو مرفوع، وما هو في حُكْم المرفوع، لكن باب الرّواية بالمعنى مُتَّسِع، وقد وافَقَ هذه الرِّواية ابن عُلِيَّة عن خالد في ٣١٥/٩ نِسْبة هذا القول إلى أبي قلابةَ، أخرجه الإسماعيليّ، ونَسَبَه بِشْر بن المفضَّل وهُشَيم إلى/ خالد، ولا مُنافاةً بینھما کما تقدَّم، لاحتمال أن یکون كلٌّ منهما قال ذلك. قوله: ((وقال عبد الرَّزّاق: أخبَرَنا سُفْيان، عن أيوب وخالد)) يعني بهذا الإسناد والمتن. قوله: ((قال خالد: ولو شئتُ لَقلتُ: رَفَعَه إلى النبيِّ وَلِّ)) كأنَّ البخاريّ أراد أن يُبيِّن أنَّ ٦٢٧ باب ١٠١ / ح ٥٢١٤ كتاب النكاح الرّواية عن سفيان الثَّوْريّ اختَلَفَت في نِسْبة هذا القول، هل هو قولُ أبي قلابةً أو قول خالد؟ ويظهرُ لي أنَّ هذه الزّيادة في رواية خالد عن أبي قلابةَ دون رواية أيوب، ويُؤيِّده أنَّه أخرجه في الباب الذي قبله من وجهٍ آخر عن خالد، وذكر الزّيادة في صَدْر الحديث، وقد وصَلَ طريق عبد الرَّزّاق المذكورة مسلم (١٤٦١/ ٤٥) فقال: حدَّثني محمَّد بن رافع حدَّثنا عبد الرَّزّاق، ولفظه: من السُّنّة أن يُقيمَ عند البِكْر سبعاً، قال خالد ... إلى آخره، وقد رواه أبو داود الحَفَريّ والقاسم بن يزيد الجَرميّ عن الثَّوْريّ عنهما، أخرجه الإسماعيليّ، ورواه عبد الله بن الوليد العَدنيّ عن سفيان كذلك، أخرجه البيهقيُّ (٧/ ٣٠١)، وشَذَّ أبو قِلابةَ الرَّقاشيّ، فرواه عن أبي عاصم عن سفيان عن خالد وأيوب جميعاً، وقال فيه: قال النبيُّ وَّل، أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٤٣١١) عنه، وقال: حدَّثَناه الصَّغَانيُّ عن أبي قِلابةَ، وقال: هو غریب لا أعلم من قاله غير أبي قلابةَ، انتهى. وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق أيوب - من رواية عبد الوهّاب الثّقَفيّ عنه - عن أبي قِلابةَ عن أنس قال: قال رسول الله وََّ، فصَرَّحَ برفعِه، وهو يُؤيِّد ما ذكرتُه أنَّ السّياق في رواية سفيان لخالدٍ، وروايةٌ أيوب هذه إن كانت محفوظةً احتَمَلَ أن يكون أبو قِلابةَ لمَّا حدَّث به أيوب جَزَمَ برفْعِه إلى النبيّ وََّ، وقد أخرجه ابن خُزَيمةَ في ((صحيحه)) وأخرجه ابن حِبّان أيضاً (٤٢٠٨) عنه عن عبد الجَّار بن العلاء عن سفيان بن عُيَينةَ عن أيوب، وصَرَّحَ برفْعِهِ، وأخرجه الدَّارِمِيُّ (٢٢٠٩) والدَّارَ قُطنيّ (٣٧٣٠) من طريق محمَّد بن إسحاق عن أيوب مِثله، فثَبَتَ(١) أنَّ رواية خالد هي التي قال فيها: ((من السُّنّة))، وأنَّ رواية أيوب قال فيها: «قال النبيّ وَلِّ)). واستُدِلَّ به على أنَّ هذا العَدْل يَخْتَصُ بمَن له زوجة قبل الجديدة، وقال ابن عبد البَرّ: ◌ُهورُ العلماء على أنَّ ذلك حَقّ للمرأة بسبب الزِّفاف، وسواء كان عنده زوجة أم لا، وحكى النَّوَويُّ أَنَّه يُستَحَبّ إذا لم يكن عنده غيرها وإلّا فيَجِب. وهذا يُوافُ كلامَ أكثر الأصحاب، (١) تحرَّفت في (س) إلى: فبيَّنْتُ. ٦٢٨ باب ١٠١ / ح ٥٢١٤ فتح الباري بشرح البخاري واختارَ النَّوَويّ أن لا فرق، وإطلاق الشافعيّ يَعْضُده، ولكن يَشْهَد للأوَّل قوله في حديث الباب: ((إذا تزوَّجَ البِكرَ على الثَّيِّب)) ويُمكِن أن يُتَمسَّك للآخَرِ بسياق بِشْر عن خالد الذي في الباب قبله فإنَّه قال: إذا تزوَّجَ البكرَ أقامَ عندَها سبعاً ... الحديث، ولم يُقيِّده بما إذا تزوَّجَها على غيرها، لكنَّ القاعِدة أنَّ المطلَق محمولٌ على المقَيَّد، بل ثَبَتَ في رواية خالد التَّقييد، فعند مسلم (١٤٦١/ ١٤٤) من طريق هُشَيم عن خالد: ((إذا تزوَّجَ البِكرَ على الثَّيِّب)) الحديث. ويُؤيِّده أيضاً قوله في حديث الباب: ((ثُمَّ قَسَمَ)) لأنَّ القَسْم إنَّما يكون لمن عنده زوجة أُخرَى. وفيه حُجّة على الكوفيّينَ في قولهم: إنَّ البكر والثَّيِّب سواءٌ في الثلاث، وعلى الأوزاعيِّ في قوله: للبكرِ ثلاث ولِلنَِّب يومان، وفيه حديثٌ مرفوع عن عائشة أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ (٣٧٣٥) بسندٍ ضعيف جدّاً، وخُصَّ من عُمُوم حديث الباب ما لو أرادت الثَّيِّب أن يُكمِل لها السَّبع، فإنَّه إذا أجابَهَا سَقَطَ حَقُّها من الثلاث، وقَضَى السَّبع لغيرها، لِمَا أخرجه مسلم (١٤٦٠/ ٤١) من حديث أمّ سَلَمةَ: أنَّ النبيّ وَّله لمَّ تزوَّجَها أقامَ عندها ثلاثاً، وقال: ((إِنَّه ليس بك على أهلك هَوانٌ، إن شِئْتِ سَبَّعتُ لكِ، وإن سَبَّعتُ لكِ سَبَّعتُ لنسائي)) وفي رواية له (٤٢/١٤٦٠): ((إن شِئت ثَلَّئتُ ثمَّ دُرْتُ)) قالت: ثَلِّثْ. وحكى الشَّيخ أبو إسحاق في ((المهذَّب)) وجهَينٍ في أنَّه يقضي السَّبع أو الأربع المزيدة، والذي قَطَعَ به الأكثر: إن اختارَت السَّبع قَضاها كلّها، وإن أقامَها بغير اختيارها قَضَى الأربعَ المزيدة. تنبيه: يُكرَه أن يَتأخّر في السَّبع أو الثلاث عن صلاة الجماعة وسائر أعمال البِرّ التي كان يَفعَلُها، نَصَّ عليه الشافعيّ. وقال الرّافعيّ: هذا في النَّهار، وأمَّا في اللَّيل فلا، لأنَّ المندوب ٣١٦/٩ لا/ يُترَك له الواجب، وقد قال الأصحاب: يُسوّي بين الزّوجات في الخروج إلى الجماعة وفي سائر أعمال البِرّ، فَيَخرُج في لَيالي الكلّ أو لا يَخْرُج أصلاً، فإن خَصَّصَ حَرُمَ عليه، وعَدُّوا هذا من الأعذار في تَركِ الجماعة. وقال ابن دَقِيق العِيد: أفرَطَ بعضُ الفقهاء فجَعَلَ مُقَامَه عندها عُذْراً في إسقاط الجُمُعة، وبالَغَ في التَّشنيع. وأُجيب بأنَّه قياسُ قول من يقول بوجوب ٦٢٩ باب ١٠٢ / ح ٥٢١٥ كتاب النكاح المُقَام عندها وهو قول الشافعيَّة، ورواه ابن القاسم عن مالك، وعنه يُستَحَبّ، وهو وجه للشّافعيّة، فعلى الأصحّ يَتَعارَض عنده الواجبان، فیقدَّمُ حَقُّ الآدميّ، هذا توجیهه، فلیس بشَنِيعِ وإن كان مَرجُوحاً. وتجب الموالاة في السَّبع وفي الثلاث، فلو فرَّقَ لم يُحسَب على الرّاجح، لأنَّ الِحِشْمة لا تَزول به، ثمَّ لا فرقَ في ذلك بين الحُرّة والأَمة، وقيل: هي على النِّصف من الحُرّة، ويُجبِر الكسر. ١٠٢ - باب من طاف على نسائِه في غُسْلٍ واحدٍ ٥٢١٥- حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حَمَّادٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ حدَّثهم: أنَّ نبيَّ الله وَلِّ كان يَطوفُ على نسائِه في اللَّيلةِ الواحدةِ وله يومَئذٍ تسعُ نِشْوةٍ. قوله: ((باب مَن طافَ على نسائه في غُسْل واحد)) ذكر فيه حديث أنس في ذلك، وقد تقدَّم سنداً ومتناً في كتاب الغُسل (٢٨٤) معَ شرحه وفوائده(١)، والاختلافُ على قَتَادة في كَونهنَّ تِسعاً أو إحدى عشرة، وبيانُ الجمع بين الحديثَينِ. وتَعلَّقَ به مَن قال: إنَّ القَسْم لم يكن واجباً عليه، وتقدَّم أنَّ ابن العربيّ نَقَلَ: أنَّه كانت له ساعة من النَّهار لا يجبُ عليه فيها القَسْم، وهي بعد العصر، وقلت: إنّ لم أجِدْ لذلكَ دليلاً، ثمَّ وَجَدتُ حديث عائشة الذي في الباب بعد هذا بلفظ: كان إذا انصَرَفَ من العصرِ دَخَلَ على نسائه فيَدنُو من إحداهُنَّ ... الحديث، وليس فيه بَقيَّة ما ذَكَر من أنَّ تلك الساعة هي التي لم يكن القَسْم واجباً عليه فيها، وأنَّه نَزَّل(٢) إتيان نسائه كلِّهنَّ في ساعة واحدة على تلك الساعة، ويرد عليه قوله في حديث أنس: ((كان يَطُوف على نسائه في اللَّيلة الواحدة))، وقد تقدَّمَت له توجيهات غیر هذه هناك. (١) تقدم ذلك عند الحديث رقم (٢٦٨). (٢) تحرَّف في (س) إلى: ترك. ٦٣٠ باب ١٠٣-١٠٤ / ح ٥٢١٦-٥٢١٧ فتح الباري بشرح البخاري وذَكَر عياض في ((الشِّفا)) أنَّ الحكمة في طوافه عليهنَّ في اللَّيلة الواحدة كان لتحصينِهِنَّ، وكأنَّه أراد به عَدَمَ تَشَوُّفِهِنَّ للأزواج، إذ الإحصان له معانٍ منها الإسلام والحُرّيَّة والعِفّة، والذي يظهر أنَّ ذلك إنَّما كان لإرادة العَدْل بينهنَّ في ذلك وإن لم يكن واجباً، كما تقدَّم شيء من ذلك في ((باب كَثْرة النِّساء)) (٥٠٦٨). وفي التَّعليل الذي ذكره نظرٌ، لأنَّهُنَّ حُرِّمَ عليهنَّ التَّزويج بعده، وعاشَ بعضُهنَّ بعده خمسين سنةً فما دونها وزادت آخرهنَّ موتاً على ذلك. ١٠٣ - باب دُخول الرّجل على نسائه في اليوم ٥٢١٦- حدَّثْنَا فَرْوةُ، حدَّثنا عليُّ بنُ مُشْهِرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: كان رسولُ الله وَّهِ إذا انصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ على نسائِه فيَدْنو من إحداهُنَّ، فَدَخَلَ على حفصةً فاحتبس أكثر ما كان يَخْتَبِسُ. ٣١٧/٩ قوله: ((باب دخول الرجل على نسائه في اليوم)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث عائشة: كان رسولُ الله ◌َّهِ إذا انصَرَفَ من العصر دَخَلَ على نسائِهِ ... الحديث، وسيأتي بأتمَّ من هذا في (باب ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ الَهُ لَكَ﴾)) من كتاب الطَّلاق (٥٢٦٧). وقوله: ((فيَدنو من إحداهُنَّ) زاد فيه ابن أبي الزناد عن هشام بن عُرْوة: ((بغير وِقَاع)) وقد بيَّتُه في («باب القُرعة بين النِّساء)) (٥٢١١)، وهو ممّا يُؤَكِّد الردّ على ابن العربيّ فيما اذَّعاه(١). ١٠٤ - بابٌ إذا استأذَنَ الرجلُ نساءَه في أن يُمرَّضَ في بيت بعضِهنَّ فأَذِنَّ له ٥٢١٧- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني سليمانُ بنُ بلالٍ، قال هشامُ بنُ عُرْوةَ: أخبرني أبي، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله وَّرِ كان يَسْألُ في مرضِه الذي ماتَ فيه: «أينَ أنا غَداً؟ أينَ أنا غَداً؟)) يُرِيدُ يومَ عائشةَ، فأذِنَّ له أزْواجُه يكونُ حَيثُ شاءَ، فكان في بيتٍ عائشةَ حتَّى ماتَ عندَها، قالت عائشةُ: فماتَ في اليومِ الذي كان يدورُ عليَّ فيه في بيتي، فقَبَضَه الله وإنَّ رأسَه ◌َبَيْنَ نَحْرِي وسَحْري، وخالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. (١) انظر الباب السابق. ٦٣١ باب ١٠٥ -١٠٦ / ح ٥٢١٨-٥٢١٩ كتاب النكاح قوله: ((بابٌ إذا استأذَنَ الرجلُ نساءَه في أن يُمرَّض في بيت بعضِهنَّ فأذِنَّ له)) ذكر فيه حديثَ عائشة في ذلك، وقد تقدَّم شرحُه في الوفاة النبويَّة في آخر المغازي (٤٤٥٠)، والغرضُ منه هنا أنَّ القَسْم لهنَّ يَسقُط بإذنِنَّ في ذلك، فكأنَّهُنَّ وَهَبْنَ أيامَهنَّ تلك للَّتي هو في بيتها، وقد تقدَّم في بعض طرقه التَّصریحُ بذلكَ. ١٠٥ - باب حبِّ الرّجلِ بعضَ نسائه أفضلَ من بعضٍ ٥٢١٨- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سليمانُ، عن يحيى، عن عُبيدِ بنِ حُنَيٍ، سمِعَ ابنَ عبَّاسٍ، عن عمرَ رضي الله عنهمْ: دَخَلَ على حفصةَ فقال: يا بُنيَّةِ، لا يَغُرَّنَكِ هذه التي أعجَبَها حُسْنُها حُبُّ رسولِ الله وَ لَهَ إيّاها - يُرِيدُ عائشةَ - فقَصَصْتُ على رسولِ اللهِ وَل فتَبسَّمَ. قوله: ((باب حُبِّ الرجل بعضَ نسائه أفضلَ من بعضٍ)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث ابن عبَّاس عن عمر الذي تقدَّم في ((باب مَوعِظة الرجل ابنتَه)) (٥١٩١)، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ له، وقد تقدَّم شرحه هُناكَ. ١٠٦ - باب المتَشبِّع بما لم يَنَل، وما يُنهى من افتخار الضَّرّة ٥٢١٩- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّدُ بنُّ زيدٍ، عن هشام، عن فاطمةَ، عن أسماءَ، عن النبيِّ أَل﴾. وحدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحبى، عن هشام، حدَّثْني فاطمةُ، عن أسماءَ: أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إنَّ لي ضَرّةً، فهل عليَّ جُنَاحٌ إِن تَشَبَّعْتُ من زَوْجي غيرَ الذي يُعْطيني؟ فقال رسولُ الله ◌َّ: ((المتشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَ زُورٍ)). قوله: (باب المتشَبِّع بما لم يَثَل، وما يُنْهَى من افتخار الضَّرَّة)) أشارَ بهذا إلى ما ذكره أبو عُبيد(١) في تفسير الخبر قال: قوله: ((المتشَبِّع)) أي: المتزَيِّن بما ليس عنده يَتَكَثَّر بذلكَ، ويَتَزَيَّن بالباطِلِ، كالمرأة تكون عند الرجل ولها ضَرّة، فتَدَّعي / من الحَظْوة عند زوجها أكثر ممَّا عنده تُريد بذلكَ ٣١٨/٩ (١) في ((غريب الحديث)) ٢/ ٢٥٣. ٦٣٢ باب ١٠٦ / ح ٥٢١٩ فتح الباري بشرح البخاري غَيظَ ضَرّتها، وكذلكَ هذا في الرِّجال، قال: وأمَّا قوله: ((كَلابسِ ثوبيَ زُور)) فإنَّه الرجلُ يَلْبَس الثّياب المُشِهَةَ لثيابِ الزُّهَاد يُوهِم أنَّه منهم، ويُظهِر من التَّخَشُّعِ والنَّقْتُف أكثر مما في قلبه منه، قال: وفيه وجه آخر: أن يكون المرادُ بالثّياب الأنفُس، كقولهم: فلانٌ نَقيُّ الثَّوب: إذا كان بريئاً من اللَّنَس، وفلانٌ دَنِسُ الثَّوب: إذا كان مغموصاً عليه في دينه. وقال الخطَّبيُّ: الثَّوب مَثَلٌ، ومعناه: أنَّه صاحبُ زُورٍ وكَذِب، كما يقال لمن وُصِفَ بالبراءة من الأدناس: طاهر الثَّوب، والمراد به نَفْسُ الرجل، وقال أبو سعيد الضَّرير: المراد به أنَّ شاهد الزّور قد يستعير ثوبَينِ يَتَجَمَّل بهما ليوهمَ أنَّه مقبول الشَّهادة. انتهى، وهذا نَقَلَه الخطَّبيُّ عن نُعَيم بن حَمَّاد قال: كان يكون في الحميّ الرجلُ له هَيْئة وشارَة، فإذا احتیجَ إلى شهادة زور لَبِسَ ثوبَيه، وأقبَلَ فَشَهِدَ فقُبلَ لنُبلِ هيئته وحُسْن ثوبَيه، فيقال: أمضاها بثوبیه، یعنی الشَّهادة، فأُضیفَ الُّور إلیھما، فقيلَ: كلابس ثوبي زور. وأمَّا حُكْم الَّثنية في قوله: ((ثوبي زور)) فللإشارة إلى أنَّ كَذِب المتحلّ مثنَّى، لأنَّه كَذَبَ على نفسه بما لم يأخُذْ وعلى غيره بما لم يُعطِ، وكذلكَ شاهد الزّور يَظلِم نفسَه ويَظلِم المشهودَ عليه، وقال الدَّاووديُّ: في التَّنية إشارة إلى أنَّه كالذي قال الزّورَ مرَّتَينِ، مُبالَغة في التَّحذير من ذلك، وقيل: إنَّ بعضَهم كان يجعلُ في الكُمّ كُمّ آخر يُوهِم أنَّ الثَّوب ثوبانٍ، قاله ابن المنّيِّر. قلت: ونحوُ ذلك ما في زماننا هذا فيما يُعمَل في الأطواق، والمعنى الأوَّل أليَقُ. وقال ابن التِّين: هو أن يَلْبَس ثوبيَ وَديعةٍ أو عارِيَّة يَظُنّ الناس أنَّهما له، ولِياسُهما لا يدوم ويُفْتَضَح بكَذِبه. وأراد بذلكَ تنفيرَ المرأة عمَّا ذكرت خَوفاً من الفساد بين زوجها وضَرَّتها، ويُورِث بينهما البغضاءَ، فيصير كالسِّحرِ الذي يُفرِّق بين المرء وزوجه. وقال الزَّتَشَريّ في ((الفائق)): المتشَبِّع، أي: المتشَبِّه بالشَّبعان وليس به، واستُغيرَ للتَّحَلّ بفضيلةٍ لم يُرزَقْها، وشُبِّهَ بلابسٍ ثوبي زور، أي: ذي زُورٍ، وهو الذي يَتَزَيّا بزيِّ أهل الصَّلاح رياءً، وأضافَ الثَّوبينِ إليه لأنَّهما كالملبوسَينِ، وأراد بالنَّنية أنَّ المتحلّي بما ليس فيه کمَن لبس ثوبي ٦٣٣ باب ١٠٦ / ح ٥٢١٩ كتاب النكاح الزّور ارتَدَى بأحدِهما واتَّزَرَ بالآخرِ، كما قيلَ: إذا هو بالمجدِ ارتَدَى وتأزّرا فالإشارة بالإزار والرِّداء إلى أنَّه مُتَّصِفٌ بالزُّورِ من رأسه إلى قدمه، ويحتمل أن تكون الَّنية إشارةً إلى أنَّه حَصَلَ له بالتَّشَبُّع حالَتانِ مذمومَتان: فُقْدان ما يُتَشَبَّع به وإظهار الباطِلِ. وقال المطرِّزيّ: هو الذي يُرِي أَنَّه شَبعانُ وليس كذلكَ. قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير، ويحيى في الرِّواية الثّانية: هو ابن سعيد القَطّان، وأفادَ تصريحَ هشام بتحديث فاطمة وهي بنت المنذر بن الزُّبَير، وهي بنت عَمّه وزوجته، وأسماء: هي بنت أبي بكر الصِّدّيق جَدَّتهما معاً. وقد اتَّفَقَ الأكثر من أصحاب هشام على هذا الإسناد، وانفَرَدَ مَعمَر والمبارَك بن فَضَالة بروايتِه عن هشام بن عُرْوة فقالا: عن أبيه عن عائشة، وأخرجه النَّسائيُّ (ك٨٨٧١) من طريق مَعمَر وقال: إنَّه أخطأ والصَّواب حديث أسماء. وذكر الدَّارَ قُطنيُّ في ((التبُّع)) أنَّ مسلماً أخرجه من رواية عَبْدة بن سليمان ووَكيع كلاهما عن هشام بن عُرْوة مِثْلَ رواية مَعمَر، قال: وهذا لا يَصِحّ، وأحتاجُ أن أنظر في كتاب مسلم فإنّ وجَدتُه في رُقعة، والصَّواب عن عَبْدة ووكيع عن فاطمة عن أسماء، لا عن عُرْوة عن عائشة، و کذا قال سائرُ أصحاب هشام. قلت: هو ثابت في النُّسَخِ الصَّحيحة من مسلم في كتاب اللِّباس (٢١٢٩)، أورَدَه عن ابن نُمَير عن عَبْدة ووكيع عن هشام عن أبيه عن عائشة، ثمَّ أورَدَه (٢١٣٠) عن ابن نُمَير عن عبدة وحده عن هشام عن فاطمة عن أسماء، فاقتَضَى أنَّه عند عبدة على الوجهَينِ، وعند وكيع بطريق عائشة فقط، ثمَّ أورَدَه مسلم من طريق أبي معاوية ومن طريق أبي أُسامة كلاهما عن هشام عن فاطمة، وكذا أورَدَه النَّسائيُّ (٨٨٧٣) عن محمَّد بن آدم وأبو عَوَانة في ((صحيحه)) من طريق أبي / بكر بن أبي شَيْبة كلاهما عن عَبْدة عن هشام، وكذا ٣١٩/٩ هو في ((مُسنَد ابن أبي شَيْبة))، وأخرجه أبو عَوَانة أيضاً من طريق أبي ضَمْرة، ومن طريق عليّ ٦٣٤ باب ١٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ابن مُسهِر، وأخرجه ابن حِبّان (٥٧٣٩) من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن الطُّفاويّ، وأبو نُعَيم في (المستخرَج)) من طريق مُرَجَّى بن رَجاء، كلُّهم عن هشام عن فاطمة، فالظاهر أنَّ المحفوظ عن عَبْدة عن هشام عن فاطمة، وأمَّا وكيعٌ فقد أخرج روايته الجَوزَقيّ من طريق عبد الله بن هاشم الطَّوسيِّ عنه مِثلَ ما وَقَعَ عند مسلم، فليُضَمَّ إلى مَعمَر ومُبارَك بن فَضَالة ويُستَدرَك على الدَّارَ قُطنيِّ. قوله: ((إنَّ امرأة قالت)) لم أقِفْ على تعيين هذه المرأة ولا على تعيين زوجها. قوله: ((إنَّ لي ضَّةً)) في رواية الإسماعيليّ: ((إنَّ لي جارةً)) وهي الضَّرّة كما تقدَّمَ. قوله: ((إن تَشَبَّعْتُ من زَوْجي غيرَ الذي يُعْطيني)) في رواية مسلم: أن أتشبّع من مال زوجي بما لم يعطني، وله(١) (٢١٢٩) من حديث عائشة: إنَّ امرأة قالت: يا رسول الله، أقول: إنَّ زوجي أعطاني ما لم يُعطِني؟. قوله: ((المتشَبِّع بما لم يُعْطَ)) في رواية مَعمَر: ((بما لم يُعطَه)). ١٠٧ - باب الغَيْرة وقال وَرّادٌ، عن المغِيرةِ: قال سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ: لو رأيتُ رجلاً معَ امرأتي لَضَرَبتُهُ بالسَّيفِ غيرَ مُصْفِحٍ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: «أَتَعْجَبونَ من غَيْرةِ سعدٍ؟ لَأنا أغيَرُ منه، واللهُ أغيَرُ مِنِّي)). ٣٢٠/٩ قوله: ((باب الغَيْرة)) بفتح المعجمة وسكون التَّحتانيَّة بعدها راءٌ، قال عياض وغيره: هي مُشتَقّة من تَغُّر القلب وهَيَجان الغضب بسبب المشارَكة فيما به الاختصاص، وأشدُّ ما يكون ذلك بين الَّوجَينِ، هذا في حَقّ الآدَميّ، وأمَّا في حَقّ الله فقال الخطَّبيُّ: أحسنُ ما يُفَسَّر به ما فُسِّرَ به في حديث أبي هريرة، يعني الآتي في هذا الباب، وهو قوله: ((وغَيرةُ الله أن يأتيَ المؤمنُ ما حَرَّمَ الله علیه)). قال عياض: ويحتمل أن تكون الغَيْرة في حَقّ الله الإشارة إلى تغيير حال فاعل ذلك، (١) قوله: ((أن أتشبَّع من مَالِ زوجي بما لم يعطني، وله)) من (ع) وحدها، ولم يرد في (أ) و(س)، وهذه الرواية في ((مسلم)) برقم (٢١٣٠) من حديث أسماء رضي الله عنها. ٦٣٥ باب ١٠٧ كتاب النكاح وقيل: الغَيْرة في الأصل: الحَمِيَّة والأنفة، وهو تفسير بلازِم التغيُّر فيرجع إلى الغضب، وقد نَسَبَ سبحانه وتعالى إلى نفسِه في کتابه الغضب والرِّضا. وقال ابن العربيّ: التغيُّر مُحالٌ على الله بالدّلالة القطعيَّة، فيجب/ تأويله بلازمه، کالوعيد ٣٢١/٩ أو إيقاع العقوبة بالفاعلِ ونحو ذلك. انتهى، وقد تقدَّم في كتاب الكُسوف (١٠٤٤) شيء من هذا ينبغي استحضارُه هنا، ثمَّ قال: ومِن أشرَف وجوه غَيْرته تعالى اختصاصُه قوماً بِعِصْمَتِه، يعني: فَمَن اذَّعَى شيئاً من ذلك لنفسِه عاقَبَه، قال: وأشدّ الآدميّينَ غَيْرةً رسولُ الله ﴾، لأنّه كان يغارُ لله ولِدینِه، ولهذا كان لا ینتَقِم لنفسِه، انتھی. وأورَدَ المصنِّف في الباب تِسعة أحاديث: الحديث الأوَّل. قوله: ((وقال وَرّاد)) بفتح الواو وتشديد الرّاء: هو كاتب المغيرة بن شُعْبة ومولاه، وحديثه هذا المعلَّق عن المغيرة سيأتي موصولاً في كتاب الحدود (٦٨٤٦) من طريق عبد الملك بن عُمَير عنه بلفظه، لكن فيه: ((فَبَلَغَ ذلك النبيَّ وَّ) واختَصَرَها هنا، ويأتي أيضاً في كتاب التَّوحيد (٧٤١٦) من هذا الوجه أتمَّ سياقاً، وأغفَلَ المِّيُّ التَّنبية على هذا التَّعليق في النّكاح. قوله: ((قال سَعْد بن عُبَادةَ)) هو سيِّد الخَزْرَج وأحدُ نُقَبائهم. قوله: «لو رأيتُ رجلاً معَ امرأتي لَضَرَبتُه)) عند مسلم (١٥/١٤٩٨) من حديث أبي هريرة ولفظه: قال سعد: يا رسولَ الله، لو وجَدتُ معَ أهلي رجلاً أُمهِله حتَّى آتيَ بأربعة شُهَداء؟ قال: ((نعم))، وزاد في رواية من هذا الوجه (١٦/١٤٩٨): قال: كَلّ والذي بَعَثَك بالحقِّ، إن كنتُ لأُعاجلُه بالسَّيفِ قبل ذلكَ، وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد (٢١٣١) - واللَّفظ له - وأبي داود والحاكم(١): لمَّ نزلت هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ الآية [النور: ٤]، قال سعد بن عُبَادة: أهكذا أُنزِلَت؟ فلو وَجَدتُ لَكَاعٍ مُتَفَخِّذها رجلٌ لم يكن لي أن أُحرِّكه ولا أَهِيجَه حتَّى آتيَ بأربعة شُهَداء؟ فوالله لا آتي بأربعة شُهَداء حتَّى يقضيَ (١) قصة سعد بن عبادة لم ترد في حديث ابن عباس عند أبي داود (٢٢٥٤) و(٢٢٥٦) والحاكم ٢٠٢/٢، وهي بنحوها في حديث أبي هريرة عند مسلم (١٤٩٨) وكذا عند أبي داود (٤٥٣٢). ٦٣٦ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢٠ فتح الباري بشرح البخاري حاجته، فقال رسولُ اللهِ وَالَ: ((يا مَعشَر الأنصار، ألا تَسمَعونَ ما يقول سَيِّدِكُم؟» قالوا: يا رسولَ الله، لا تَلُمْه فإنَّه رجلٌ غَيُور، والله ما تزوَّجَ امرأةً قَطُّ إلَّا عَذراء، ولا طَلَّقَ امرأةً فاجتَرأ رجلٌ مِنّا أن يَتزوَّجها من شِدّة غَيْرته، فقال سعد: والله إنّي لَأعلمُ يا رسول الله أنَّها لَحَقٍّ وأنَّها من عند الله، ولكنّي عَجِبتُ. قوله: ((غير مُصْفِح)) قال عياض: هو بكسرِ الفاء وسكون الصّاد المهمَلة، قال: ورُوِّيناه أيضاً بفتح الفاء، فمَن فتح جعله وصفاً للسَّيفِ وحالاً منه، ومَن كَسَرَ جعله وصفاً للضّارب وحالاً منه. انتهى، وزَعَمَ ابن التِّين أنَّه وَقَعَ في سائر الأُمَّهات بتشديد الفاء. وهو من صَفْحِ السَّيف، أي: عُرْضُه وحَدُّه، ويقال له: غِرَار، بالغَينِ المعجَمة، وللسَّيف صَفْحَانِ وحَدّان، وأراد أنَّه يَضرِبِه بحَدِّه لا بعُرضِه، والذي يَضرِب بالحدِّ يَقصِدُ إلى القتل بِخِلَاف الذي يَضرِب بالصَّفْح، فإنَّه يَقصِد التَّأديب. ووَقَعَ عند مسلم (١٤٩٩) من رواية أبي عَوَانة: ((غير مُصِفِحٍ عنه)) وهذه يَتَرَجَّح فيها كسر الفاء، ويجوز الفتحُ أيضاً على البناء للمجهولِ، وقد أنكَرَها ابنُ الجَوْزيّ وقال: ظنَّ الراوي أنَّه من الصَّفْح الذي هو بمعنى العفو، وليس كذلكَ، إنَّما هو من صَفْح السَّيف. قلت: ويُمكِن توجيهها على المعنى الأوَّل، والصَّفْحِ والصَّفْحة بمعنّى، وقد أورَدَه مسلم من طريق زائدة عن عبد الملك بن عُمَير وبيَّن أنَّه ليس في روايته لفظة ((عنه))، وكذا سائر مَن رواه عن أبي عَوَانة في البخاريّ (٦٨٤٦ و٧٤١٦) وغيره لم يَذكُروها. قوله: ((أتعجَبونَ من غَيْرةِ سَعْد؟)» تَمَسَّكَ بهذا التَّقْرير مَن أجازَ فِعلَ ما قال سعد، وقال: إِن وَقَعَ ذلك ذهب دمُ المقتول هَذْراً، نُقِلَ ذلك عن ابن الموّاز من المالكيَّة، وسيأتي بَسطُ ذلك وبيانه في كتاب الحدود (٦٨٤٦) إن شاءَ الله تعالى. ٥٢٢٠- حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن عبدِ الله، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ما من أحدٍ أغيَرُ منَ الله، من أجْلِ ذلك حَرَّمَ الفواحشَ، وما أحدٌ أحَبَّ إليه المَدْعُ منَ الله)). ٦٣٧ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢١ - ٥٢٢٣ كتاب النكاح ٥٢٢١ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ رسولَ اللهَ وَّ قال: ((يا أُمَّةَ محمَّدٍ، ما أحدٌ أغيَرَ منَ الله أن يَزْنيَ عبدُه أو أَمَتُه تَزْني، یا أُمَّ محمَّدٍ لو تعلمون ما أعلمُ، لَضَحِكْتُمْ قليلاً ولَبَكَيْتُم كثيراً». ٥٢٢٢- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، أنَّ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ حدَّثه، عن أمِّه أسماءَ، أنَّها سمعَت رسولَ الله وَّل يقول: ((لا شيءَ أغيَرُ منَ الله)). ٥٢٢٣- وعن يحيى، أنَّ أبا سَلَمَةَ حدَّثه، أنَّ أبا هريرةَ حدَّثه، أنَّه سمعَ النبيَّ ◌َّ. حدَّثنا أبو نُعَيم، حذَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، أَنَّه سمعَ أبا هريرةَ عُه، عن النبيِّ وَّـ أَنَّه قال: «إنَّ اللهَ يَغارُ، وغَيْرةُ الله أن يأتيَ المؤمنُ ما حَرَّمَ اللهُ). الحديث الثاني: قوله: ((شَقِيق)) هو أبو وائل الأسَديُّ، وعبد الله: هو ابن مسعود. قوله: ((ما مِن أحد أغيّرُ مِن الله)) ((مِن)) زائدة بدلالة الحديث الذي بعده، ويجوز في ((أغيَرَ)) الرَّفع والنَّصب بناءً على اللُّغَتَيْنِ الحِجازيَّة والتَّميميَّة في ((ما))، ويجوز في النَّصب أن يكون ((أغيَرَ)) في موضع خفضٍ على النَّعت لأحدٍ، وفي الرَّفع أن يكون صِفَةً لأحدٍ، والخبر محذوف في الحالَينِ تقديره: موجودٌ ونحوه، والكلام على غَيْرة الله ذُكِرَ في الذي قبله، وبَقيَّة شرح الحديث يأتي في كتاب التَّوحيد (٧٤٠٣) إن شاءَ الله تعالى. تنبيه: وَقَعَ عند الإسماعيليّ/ قبل حديث ابن مسعود ترجمةٌ صورتها: ((في الغَيْرة والمدح))، ٣٢٢/٩ وما رأيتُ ذلك في شيء من نُسَخ البخاريّ. الحديث الثالث: حديث عائشة. قوله: ((يا أُمَّة محمَّد، ما أحدٌ أغيَرَ مِن الله أن يَزْنيَ عبدُه أو أمَتُه تَزْنِي)) كذا وَقَعَ عنده هنا عن عبد الله بن مَسْلَمة - وهو القَعْنبيّ - عن مالك، ووَقَعَ في سائر الرِّوايات عن مالك: ((أو تَزني أمَتُه)) على وِزان الذي قبله، وقد تقدَّم في كتاب الكُسوف (١٠٤٤) عن عبد الله بن مَسلَمَةَ هذا بهذا الإسناد كالجماعة، فيظهر أنَّه من سَبْقِ القلم هنا، ولعلَّ لفظة: ((تَزني)) سَقَطَت غَلَطاً من الأصل، ثمَّ أُلِقَت فأخّرَها الناسخ عن محلّها. وهذا القَدْر الذي أورَدَه المصنّف من ٦٣٨ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢٣ فتح الباري بشرح البخاري هذا الحديث هو طَرَفٌ من الخُطبة المذكورة في كتاب الكُسوف، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى هناك بحَمدِ الله تعالی. الحديث الرابع: قوله: ((عن یحیی)) هو ابن أبي كثير. قوله: ((عن أبي سَلَمةَ)) هو ابن عبد الرّحمن. قوله: «أنّ عُزوة» في روایة حجاج بن أبي عثمان عن یحیی بن أبي کثیر عند مسلم (٢٧٦٢/ ٣٦): حدَّثني عُرْوة، ورواية أبي سَلَمةَ عن عُرْوة من رواية القَرِين عن القَرِين، لأنَّهما مُتَقاربان في السِّنّ واللِّقاء، وإن كان عُرْوة أسَنَّ من أبي سَلَمَةَ قليلاً. قوله: ((عن أمّه أسماء)» هي بنت أبي بكر، ووَقَعَ في رواية مسلم المذكورة: أنَّ أسماء بنت أبي بكر الصِّدّیق حدَّثته. قوله: ((لا شيءَ أغيّرُ من الله)) في رواية حَجّاج المذكورة: ((ليس شيء أغيَر من الله)) وهما بمعنّی. الحديث الخامس: قوله: ((وعن يحيى أنَّ أبا سَلَمَةَ حدَّثه أنَّ أبا هريرة حدَّثه» هكذا أورَدَه، وهو معطوف على السَّنَد الذي قبله فهو موصول، ولم يَسُق البخاريُّ المتن من رواية همَّام، بل تَحَوَّلَ إلى رواية شَيْبانَ فساقَه على روايته، والذي يظهر أنَّ لفظهما واحد، وقد وَقَعَ في رواية حجاج بن أبي عثمان عند مسلم بتقدیم حديث أبي سَلَمةً عن عُزْوة على حديثه عن أبي هريرة (١)، عكس ما وَقَعَ في رواية همَّام عند البخاريّ، وأورَدَه مسلم أيضاً من رواية حرب بن شدَّاد عن يحيى بحديث أبي هريرة فقط مِثلَ ما أورَدَه البخاريّ من رواية شَيْبانَ عن يحيى، ثمَّ أورَدَه مسلم (٢٧٦٢/ ٣٧) من رواية هشام الدَّستُوائيّ عن يحيى بحديثٍ أسماء فقط، فكأنَّ يحيى كان يجمعهما تارةً ويُفرِد أُخرَى، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية الأوزاعيِّ عن يحيى بحديثٍ أسماء فقط، وزاد في أوَّله: على المِنْبَر. (١) كذا قال الحافظ، وهو سبقُ قلم منه، والصواب أن يقول: بتقديم حديث أبي سلمة عن أبي هريرة على حديثه عن عروة؛ وهو كذلك في مسلم (٢٧٦١). ٦٣٩ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢٤ كتاب النكاح قوله: ((إنَّ الله يَغارُ)) زاد في رواية حَجّاج عند مسلم: ((وإن المؤمن يَغارُ)). قوله: ((وغَيْرةُ الله أن يأتي المؤمنُ ما حَرَّمَ الله)) كذا للأكثر، وكذا هو عند مسلم لكن بلفظ: ((ما حَرَّمَ عليه)) على البناء للفاعلِ وزيادة ((عليه)) والضَّمير للمؤمنِ، ووَقَعَ في رواية أبي ذرّ: ((وغَيْرَةُ الله أن لا يأتي)) بزيادة ((لا))، وكذا رأيتُها ثابتةً في رواية النَّسَفيّ، وأفرَطَ الصَّغَانِيُّ فقال: كذا للجميع، والصَّواب حذف ((لا))، كذا قال وما أدري ما أراد بالجميعِ، بل أكثر رُوَاة البخاريّ على حذفها وِفاقاً لمن رواه غيرُ البخاريّ كمسلمٍ والتِّرمِذيّ (١١٦٨) وغيرهما (١)، وقد وَجَّهَها الكِرْمانيُّ وغيره بما حاصله: أنَّ غَيْرة الله ليست هي الإتيان ولا عَدَمه، فلا بُدَّ من تقدير مِثل: لئلا يأتي، أي: غَيْرةَ الله، على النَّهي عن الإتيان أو نحو ذلك، وقال الطِّييُّ: التَّقدير: غَيْرَةُ الله ثابتةٌ لأجلِ أن لا يأتي. قال الكِرْمانيُّ: وعلى تقدير ((أن لا)) يَستَقيم المعنى بإثبات ((لا)) فذلكَ دليل على زيادَتها، وقد عُهِدَت زيادَتُها في الكلام كثيراً مِثل قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿لِثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ [الحديد: ٢٩] وغير ذلك. الحديث السادس: ٥٢٢٤ - حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هشامٌ، قال: أخبرني أبي، عن أسماءَ بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت: تزوَّجَني الزُّبَيرُ وما له في الأرضِ من مالٍ ولا تَمْلُوكٍ ولا شيءٍ غيرَ ناضحِ وغيرَ فرسِه، فكنتُ أعلِفُ فرسَه، وأستَقي الماءَ، وأخرِزُ غَرْبَه وأعجِنُ، ولم أكُن أُخْسِنُ أَخِزُ، وكان يَخْبِزُ جاراتٌ لي مِنَ الأنصار، وكُنَّ نِسْوَ صِدْقٍ، وكنتُ أنْقُلُ النَّوَى من أرضِ الزُّبَيرِ التي أقطَعَه رسولُ الله ◌ِّهِ على رأسي، وهي مِنِّي على ثُلُثَي فَرسَخ، فحِثْتُ يوماً والنَّوَى على رأسي، فَلَقِيتُ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ ومعه نَفَرٌّ منَ الأنصار، فدَعَاني، ثمَّ قال: ((إِعْ إِخْ)) لَيَحْمِلَني خَلْفَه، فاسْتَحْيَيتُ أن أَسِيرَ معَ الرّجال، وذَكَرْتُ الزُّبَيرَ وغَيْرِتَه، وكان أغيّرَ الناسِ، فَعَرَفَ رسولُ الله ◌َِّ أنّ قد اسْتَحْبَيتُ، فَمَضَى، فجِئْتُ الزُّبَيرَ فقلتُ: لَقِيَني رسولُ الله وَله (١) كأحمد (٨٥١٩)، وابن حبان (٢٩٣). ٦٤٠ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢٤ فتح الباري بشرح البخاري وعلى رأسي النَّوَى ومعه نَفَرٌ من أصحابِهِ، فأناخَ لأركَبَ، فاستَحْيَيتُ منه وعَرَفْتُ غَيرِتَكَ، فقال: والله لَحَمْلُكِ النَّوَى كان أشَدَّ عليَّ من رُكوبِكِ معه. قالت: حتَّى أرسَلَ إليَّ أبو بكرٍ بعدَ ذلك بخادِمِ تَكْفِيني سِياسةَ الفرسِ، فكأنَّا أعتَقَني. قوله: ((حذَّثني محمود)) هو ابن غَيْلان المروزيّ. قوله: ((أخبَرَني أَبي، عن أسماء)) هي أمّه المقدَّم ذِكْرِها قبلُ. قوله: ((تزوَّجَني الزُّبَير)) أي: ابن العَوَّام ((وما له في الأرض من مالٍ ولا تَمْلُوكٍ ولا شيءٍ غيرَ ناضحٍ وغيرَ فرسِه)) أمَّا عَطفُ المملوك على المال فعلى أنَّ المراد بالمال الإبلُ أو الأراضي التي تُزرَع، وهو استعمال معروف للعرب يُطلِقونَ المال على كلٍّ من ذلك، والمراد بالمملوكِ ٣٢٣/٩ على هذا الرَّقيق من العَبيد والإماء،/ وقولها بعد ذلك: ((ولا شيء)) من عطف العامّ على الخاصّ يَشمَل كلَّ ما يُتَمَّلَّك أو يُتَمَوَّل، لكنَّ الظّاهر أنَّها لم تُرِدْ إدخال ما لا بدَّ له منه، من مَسكَن ومَلَبَس ومَطعَم ورأس مال تجارة، ودَلَّ سياقها على أنَّ الأرض التي يأتي ذِكْرِها لم تكن مملوكةً للُّبَير، وإنَّما كانت إقطاعاً، فهو يَملِك مَنفَعتَها لا رَقَبتَها، ولذلكَ لم تَستَئِها كما استَئِنَت الفرسَ والناضج، وفي استثنائها الناضحَ والفرسَ نظرٌ اسْتَشكَلَه الداودي، لأنَّ تزويجها كان بمكَّة قبل الهجرة، وهاجَرَت وهي حاملٌ بعبد الله بن الزُّبَير كما تقدَّم ذلك صريحاً في كتاب الهجرة (٣٩٠٩)، والناضح - وهو الجَمَل الذي يُستقَى عليه الماء - إنَّما حَصَلَ له بسبب الأرض التي أُقْطِعها، قال الدَّاووديّ: ولم يكن له بمكَّة فَرَسُ ولا ناضحٌ، والجواب مَنعُ هذا النَّفي، وأنَّه لا مانع أن يكون الفرسُ والجَمَل كانا له بمكّة قبل أن يُهَاجِر، فقد ثَبَتَ أنَّه كان في يوم بدرٍ على فرسٍ، ولم يكن قبل بدرٍ غزوةٌ حَصَلَت لهم منها غَنيمةٌ، والجَمَلُ يحتمل أن يكون كان له بمكَّة، ولمَّا قَدِمَ به المدينة وأُقْطِعَ الأرض المذكورة أعَدَّه لسَقِها، وكان يَنتَفِع به قبل ذلك في غير السّقي، فلا إشكال. قوله: (فكنت أعلِفُ فرسَه)) زاد مسلم (٣٤/٢١٨٢) عن أبي كُرَيبٍ عن أبي أُسامة: وأَكفيه مؤونته، وأسُوسُه، وأدُقّ النَّوَى لناضحِه وأعلِفُه، ولمسلم أيضاً من طريق ابن أبي مُلَيكة