Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح ابن حُنَين: ((فقلت لها: وما تكلُّفك في أمر أُريده؟ فقالت لي: عَجَباً لك يا ابن الخطّاب، ما تريد أن تُراجَع؟ وسيأتي في اللِّباس (٥٨٤٣) من هذا الوجه بلفظ: فلمَّا جاء الإسلام، وذَكَرهنَّ الله، رأينَ لهنَّ بذلكَ حَقّاً علينا، من غير أن نُدخِلهُنَّ في شيء من أُمورنا، وكان بيني وبين امرأتي كلام، فأغلَظَتْ لي، وفي رواية يزيد بن رُومان: فقُمتُ إليها بقَضيبٍ فضَرَبتُها به، فقالت: يا عَجَباً لك يا ابن الخطّاب. قوله: ((ولم)) بکسر اللام وفتح الميم. قوله: ((تُنْكِرُ أن أُراجِعَك، فوالله إنَّ أَزْواج النبيّ ◌َِّ لِيُراجِعْنَه، وإنَّ إحداهُنَّ لتَهْجُرُه اليومَ حتَّى اللَّيل)) في رواية عُبيد بن حُنَين (٤٩١٣): وإنَّ ابنَتك لتُراجِع رسول الله وََّ حتَّى يَظَلّ يومه غَضْبانَ، ووَقَعَ في المظالم بلفظ: ((غَضبانا)(١) وفيه نظر، وفي روايته التي في اللِّباس (٥٨٤٣): قالت: تقولُ لي هذا وابنَتَك تُؤْذي رسول الله وَلَّ، وفي رواية الطَّيالسيِّ: فقلتُ: متى كنتٍ تَدخُلينَ في أُمورنا؟ فقالت: يا ابن الخطّاب، ما يستطيع أحدٌ أن يُكلِّمَك وابنتُك تُكلِّم رسول الله ◌َّ حتّى يَظَلَّ غضبانَ. قوله: ((لَتَهْجُرُه اليومَ حتَّى اللَّيل)) بالنَّصب فيهما، وبالجرِّ في اللَّيل أيضاً، أي: من أوَّل النَّهار إلى أن يَدخُلِ اللَّيل، ويحتمل أن يكون المراد: حتَّى إِنَّهَا لَتَهجُره اللَّيل مضافاً إلى اليوم. قوله: ((فقلت لها: قد خابَ)) كذا للأكثرِ: ((خابَ)) بخاءٍ مُعجَمة ثمَّ موحّدة، وفي رواية عُقَيلِ: فقلت: قد جاءت مَن فَعَلَت ذلك منهنَّ بعظيمٍ؛ بالجيم ثمَّ مُثنّاة، فِعلٌ ماضٍ من المجيء، وهذا هو الصَّواب في هذه الرِّواية التي فيها ((بعظيم))، وأمَّا سائر الرِّوايات ففيها: ((خابَتْ وخَسِرَت))، فخابَت بالخاءِ المعجَّمة لعَطفِ ((وخَسِرَت)) عليها، وقد أغفَلَ مَن جَزَمَ أنَّ الصَّواب بالجيم والمثنّاة مُطلَقاً. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم يرد هذا الحرف أصلاً في المظالم، فالرواية هناك (٢٤٦٨): ((وإن إحداهنَّ لتهجره الیوم حتى الليل)) ليس فيها لفظة ((غضبان)). ٥٦٢ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((مَن فعل ذلكَ)) وفي رواية أُخرى(١): ((مَن فَعَلَت))، فالتَّذكير بالنَّظَرِ إلى اللَّفظ، والتَّأنيث بالنَّظَرِ إلى المعنى. قوله: ((ثُمَّ جَمَعتُ عليَّ ثيابي)) أي: لَبِسْتُها جميعَها، إشارة(٢) إلى أنَّ العادة أنَّ الشَّخص يَضَع في البيت بعضَ ثيابه، فإذا خَرَجَ إلَى الناس لَبِسَها. قوله: ((فَدَخَلْتُ على حفصة)) يعني: ابنته، وبَدَأ بها لمَنْزِلَتِها منه. قوله: ((قالت: نعم)) في رواية عُبيد بن حُنَين: إنّا لنُراجِعُه، وفي رواية حمّاد بن سَلَمة(٣). فقلت: ألا تَتَّقِينَ الله؟ قوله: ((أفْتَأْمَنينَ أن يَغْضَبَ اللهُ لَغَضَب رسول الله ◌ِّهِ فَتَهْلِكي؟)) كذا هو بالنَّصب للأكثر، ووَقَعَ في رواية عُقَيل: ((فَتَهلِكينَ))، وهو على تقدير محذوف، وتقدَّم في ((باب الغُرْفة (٤)) من كتاب المظالم (٢٤٦٨): أفَتَأْمَنُ أن يَغضَب اللهُ لغضب رسوله فتَهلِكِينَ؟ قال أبو عليّ الصَّدَفيّ: الصَّواب: ((أَفَتَأْمَنينَ))، وفي آخره: ((فَتَهلِكي)) كذا قال، وليس بخطأٍ لإمكان توجيهه، وفي رواية عُبيد بن حُنَين: ((فَتَهلِكْنَ)) بسكونِ الكاف على خطاب جماعة النِّساء، وعنده: فقلت: تَعلَّمِينَ - وهو بتشديد اللّام - أنِّي أُحَذِّرُك عُقوبةَ الله وغَضَبَ رسوله. قوله: «لا تَسْتگثري النبيّ پڼ)» أي: لا تطلبي منه الکثیر، وفي روایة یزید بن رُومان: لا تُكلِّمي رسول الله وَلٍّ ولا تسأليه(٥)، فإنَّ رسول الله ليس عنده دنانير ولا دراهم، فما كان لكِ من حاجة حتَّى دُهنةٍ فسَليني. قوله: ((ولا تُراجِعيه في شيء)) أي: لا تُرادِديه في الكلام، ولا تَرُدّي عليه قولَه. (١) عند الترمذي (٣٣١٨). (٢) في (س): ((فيه إيماء)) بدل ((إشارة)). (٣) عند الطيالسي (٢٣). (٤) تحرَّفت في الأصلين و(س) إلى: المعرفة. (٥) قوله: ((ولا تسأليه)) سقط من (س). ٥٦٣ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح قوله: ((ولا تَهْجُريهِ)) أي: ولو هَجَرَك. قوله: ((ما بَدَالكِ)) أي: ظَهَرَ لكِ. قوله: ((ولا يَغُرِنّك أَنْ)) بفتح الألف وبكسرها أيضاً. قوله: «جارتك»/ أي: ضَرَّتك، أو هو على حقيقته، لأنّها كانت مُجاورة لها، والأولى أن ٢٨٣/٩ يُحمَلِ اللَّفظ هنا على مَعنَبيه لصلاحيَّتِه لكلٍّ منهما، والعرب تُطلِقٍ على الضَّرّة جارة، لتَجاورهما المعنَويّ لكونهما عند شخص واحد، وإن لم يكن حِسّيّاً، وقد تقدَّم شيء من هذا في أواخر شرح حديث أمّ زَرِع(١)، ووَقَعَ في حديث ◌َلَ بن مالك: كنتُ بين جارتَينِ، يعني: ضَرَّتَينِ(٢)، فإنَّه فَشَّرَه في الرِّواية الأُخرى فقال: امرأتينِ. وكان ابن سِيرِين يَكرَه تسميَّتَهَا ضَرّة، ويقول: ((إنَّها لا تَضُرّ ولا تَنفَع، ولا تذهب من رِزْق الأُخرى بشيءٍ، وإنَّما هي جارة))، والعرب تُسمّي صاحب الرجل وخَليطَه جاراً، وتُسمّي الزَّوجة أيضاً جارة لمخالَطَتِها الرجل. وقال القُرطُبيّ: اختارَ عمر تسميتها جارة أدَباً منه أن يُضاف لفظ الضَّرَر إلى أحد من أمَّهات المؤمنينَ. قوله: ((أَوْضَأ)) من الوَضاءة، ووَقَعَ في رواية مَعمَر: ((أَوْسَم))(٣) بالمهمَلة، من الوَسامة وهي العلامة، والمراد: أجمَل، كأنَّ الجَمال وسَمَه، أي: أعلمَه بعلامةٍ. قوله: ((وأحَبَّ إلى النبيّ ◌َّ) المعنى: لا تَغتَرّي بكَونِ عائشة تَفْعَل ما نَهَيتُك عنه، فلا يُؤَاخِذُها بذلكَ، فإنَّهَا تُدِلّ بجَمالها وَحَبّة النبيّ وَُّ فيها، فلا تَغتَرّي أنتِ بذلكَ، لاحتمال أن لا تكوني عندَه في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مِثل الذي لها. ووَقَعَ في رواية عُبيد بن حُنَين (٤٩١٣) أبيَن من هذا، ولفظه: ولا يَغُرَّنَّكِ هذه التي أعجَبَها حُسنُها حُبُّ رسول الله وَلَّ إيّاها، ووَقَعَ في رواية سليمان بن بلال عند مسلم (٣١/١٤٧٩): (١) باب (٨٢): حسن المعاشرة مع الأهل. (٢) أخرجه بهذا اللفظ الدار قطني (٣٢٠٩)، والبيهقي ١١٤/٨. وأخرجه أبو داود (٤٥٧٢) و(٤٥٧٣)، وابن ماجه (٢٦٤١)، والنسائي (٤٧٣٩ و٤٨١٦). وانظره في ((المسند)) - بتحقيقنا - (٣٤٣٩). (٣) عند مسلم (١٤٧٩) (٣٤). ٥٦٤ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري أعجَبَها حُسنُها وحُبُّ رسول الله وَّه بواو العطف، وهي أبيَن، وفي رواية الطَّيالسيِّ (٢٣): لا تَغْتَرّي بحُسنِ عائشة، وحُبّ رسول الله إيّاها، وعند ابن سعد (١٩٠/٨) في رواية أُخرى: ((إنَّه ليس لك مِثل حُظْوة عائشة ولا حُسْن زينب)) يعني: بنت جَحْش. والذي وَقَعَ في رواية سليمان بن بلال والطَّيالسِّ يُؤْيِّد ما حكَاه السُّهَيلِيُّ عن بعض المشايخ: أنَّه جعله من باب حذف حرف العطف، واستَحسَنَه مَن سمعَه وكَتَبوه حاشيةً، قال السُّهَيلِيُّ: وليس كما قال، بل هو مرفوع على البَدَل من الفاعل الذي في أوَّل الكلام وهو ((هذه)) من قوله: ((لا يَغُرَّنَّكِ هذه))، فـ((هذه)) فاعل و((التي)) نَعْت و((حُبُّ)) بَدَل اشتمال، كما تقول: أعجبني یومُ الجُمُعة صومٌ فيه، وسَرَّنی زیدٌ حُبُّ الناس له. انتهى، وثبوت الواو يرد على رَدِّ، وقد قال عياض: يجوز في ((حُبّ)) الرَّفع على أنَّه عَطْف بيان أو بَدَل اشتمال، أو على حذف حرف العطف، قال: وضَبَطَه بعضهم بالنَّصب على نَزْع الخافض. وقال ابن التِّين: ((حُبُّ)) فاعل و((حُسْنَهَا)) بالنَّصب مفعول من أجلِهِ، والتَّقدير: أعجَبَها حُبُّ رسولِ الله إيّاها مِن أجلِ حُسنها، قال: والضَّمير الذي يَلي ((أعجَبَها)) منصوب، فلا يَصِحّ بَدَل الحُسن منه، ولا الحُبّ. وزاد عُبيد (٤٩١٣) في هذه الرِّواية: (ثُمَّ خَرَجتُ حتَّى دَخَلتُ على أمّ سَلَمَةَ لقَرابَتي منها) يعني: لأنَّ أمّ عمر كانت تَخَزوميّة مِثْلَ أمّ سَلَمَةَ، وهي أمُّ سَلَمَةَ بنت أبي أُميَّة بن المغيرة، ووالدةُ عمر: حَنتَمة بنت هاشم بن المغيرة، فهي بنت عَمّ أمّه، وفي رواية یزید بن رومان: ودَخَلتُ على أمّ سَلَمَةَ، وكانت خالَتي، وكأنَّه أطلقَ عليها خالة لكونها في درجة أمّه، وهي بنت عَمّها، ويحتمل أن تكون ارتَضَعَت معها، أو أُختها من أمّها. قوله: ((دَخَلْتَ في كلّ شيء))(١) يعني: من أُمور الناس، وأرادت الغالبَ، بدليلٍ قولها: ((حتَّى تَبْتَغي أن تَدخُل بين رسول الله وَ ليهِ وأزواجه)) فإنَّ ذلك قد دَخَلَ في عُمُوم قولها: ((كلّ شيء)) لكنَّها لم تُرِدْه. (١) كل هذه الأحرف إنما هي من رواية عُبيد بن حُنين السالفة برقم (٤٩١٣). ٥٦٥ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح قوله: ((فأخَذَتْني والله أخذاً) (١) أي: مَنَعَتني من الذي كنت أُريده، تقول: أخَذَ فلان على يد فلان، أي: مَنَعَه عمَّا يريد أن يَفعَله. قوله: ((كَسَرَتْني عن بعض ما كنت أجِد))(١) أي: أخَذَتني بلسانها أخْذاً دفعتني عن مَقصِدي وكلامي، وفي رواية لابن سعد (١٨٩/٨): فقالت أمّ سَلَمةَ: إي والله، إنّا لنُكَلِّمه، فإن تَحمَّل ذلك فهو أولى به، وإِن نَهانا عنه كان أطوَعَ عندنا مِنك، قال عمر: فَدِمتُ على كلامي لهنَّ. وفي رواية يزيد بن رُومان(١): ما يَمنَعُنا أن نَغارَ على رسول الله وأزواجُكُمْ يَغَزْنَ عليكم. وكان الحاملَ لعمر على ما وَقَعَ منه شِدّةُ شَفَقَته وعِظَمُ نَصيحَته، فكان/ يَسُط على النبيّ ◌َلآ ٢٨٤/٩ فيقول له: افعَل كذا ولا تَفعَل كذا، كقوله: احجُب نساءَك، وقوله: لا تُصَلِّ على عبد الله ابن أُبيّ، وغير ذلك، وكان النبيّ وَّه يَحتمِل ذلك لعِلمِه بصِحّة نَصيحَته، وقُوَّته في الإسلام. وقد أخرج المصنِّف في تفسير سورة البقرة (٤٤٨٣) من حديث أنس عن عمر قال: وافَقتُ الله في ثلاث ... الحديث، وفيه: وبَلَغَنِي مُعاتَبةُ النبيّ ◌َّ بعضَ نسائه، فدَخَلتُ عليهنَّ فقلت: لَئِنِ انتَهَيتُنَّ، أو لَيُدِّلَنّ اللهُ رسولَه خيراً مِنكُنَّ، حتَّى أتيتُ إحدَى نسائه فقالت: يا عمر، أما في رسول الله ما يَعِظ نساءَه حتَّى تَعِظَهُنَّ أنتَ؟ وهذه المرأة هي زينب بنت جَحْش، كما أخرج الخطيب في ((المبهَات))(٢)، وجَوَّزَ بعضهم أنَّهَا أمّ سَلَمةَ لكلامها المذكور في رواية ابن عبّاس عن عمر هنا، لكنَّ التَّعَدُّد أولى، فإنَّ في بعض طرق هذا الحديث عند أحمد (١٦٠) وابن مَرْدويه: وبَلَغَني شيءٌ كان من أمَّهات المؤمنينَ، فاستقرَيتُهنَّ أقول: لَتَكُفِّنّ ... الحديث، ويُؤيِّد التَّعَدُّد اختلاف الألفاظ في جوابي أمّ سَلَمةَ وزينب، والله أعلم. قوله: ((وكنّا قد تَحَدَّثْنَا أنَّ غَسّان تَنْعَل الخيل)) في المظالم (٢٤٦٨) بلفظ: («تَنعَل النِّعال)» أي: تَستَعمِل النِّعال وهي نِعال الخيل، ويحتمل أن يكون بالموخَّدة ثمَّ المعجَمة، ويُؤيِّده (١) عند الطبراني في «الأوسط)) (٧٨٦٤). (٢) صفحة ٩٦ -٩٧. ٥٦٦ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري لفظ ((الخيل)) في هذه الرِّواية، و((تَنعَل)) في الموضعينِ بفتح أوَّله، وأنكَرَ الجَوْهريّ ذلك في الدَّابّة فقال: أنعَلتُ الدَّابّة، ولا تَقُل: نَعَلت، فيكون على هذا بضمِّ أوَّله، وحكى عياض في (تنعل الخيل)) الوجهَينِ، وغَفَلَ بعض المتأخّرِينَ فَرَدَّ عليه وقال: الموجود في البخاريّ: ((تنعلُ النِّعال)) فاعتَمَدَ على الرّواية التي في المظالم، ولم يَستَحِضِر التي هنا، وهي التي تَكلَّمَ عليها عياض. قوله: ((لِتَغْزونا)) وَقَعَ في رواية عُبيد بن حُنَين: ونحنُ نَتَخَوَّف مَلِكاً من ملوك غَسّان ذُكِرَ لنا أنَّه يريد أن يسير إلينا، فقد امتَلَأت صُدورُنا منه، وفي روايته التي في اللِّباس (٥٨٤٣): وكان مَن حولَ رسول الله وَّه قد استَقَامَ له، فلم يَبَقَ إلَّا مَلِكُ غَسّانَ بالشّام، كنَّا نَخاف أن يأتيَنا، وفي رواية الطَّيالسيِّ: ولم يكن أحدٌ أخوَفَ عندنا من أن يَغْزُوَنا مَلِكٌ من ملوك غَسّان. قوله: ((فنزلَ صاحبي الأنصاريّ يوم نَوْبَته، فرَجَعَ إلينا عِشاءً، فضَرَبَ بابِي ضَرْباً شديداً وقال: أَثَمَّ هو؟))، أي: في البيت، وذلكَ لبُطءِ إجابتهم له، فظنَّ أنَّه خَرَجَ من البيت، وفي رواية عُقَيل (٢٤٦٨): ((أنائم هو؟)) وهي أولى. قوله: ((ففَزِعْتُ)) أي: خِفتُ من شِدّة ضربِ الباب بخِلَاف العادة. قوله: ((فخَرَجْتُ إليه فقال: قد حَدَث اليوم أمرٌ عظيم، قلت: ما هو؟ أجاء غَسّان؟)) في رواية مَعمَر: أجاءت؟(١)، وفي رواية عُبيد بن حُنَين: أجاء الغَسّانيّ؟ وقد تقدَّمَت تسميَتُه في كتاب العلم (٨٩). قوله: «لا، بل أعظَمُ من ذلك وأهوَلُ)» هو بالنّسبة إلى عمر، لكَونِ حفصة بنتَه منهنَّ. قوله: ((طَلَّقَ رسول الله وَلِّ نساءَه)) كذا وَقَعَ في جميع الطَّرق (٢٤٦٨ و ٥١٩١) عن عُبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَور: ((طَلَّقَ))(٢) بالجزمِ، ووَقَعَ في رواية عَمْرة عن عائشة عند (١) عند مسلم (١٤٧٩) (٣٤). (٢) وهو عند مسلم أيضاً (١٤٧٩) (٣٤)، والترمذي (٣٣١٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١١٢). وانظره في «المسند» (٢٢٢). ٥٦٧ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح ابن سعد (١٨٨/٨ - ١٨٩): فقال الأنصاريّ: أمرٌ عظيمٌ، فقال عمر: لعلَّ الحارثَ بنَ أبي شَمِر سارَ إلينا، فقال الأنصاريُّ: أعظَمُ من ذلك، قال: ما هو؟ قال: ما أُرَى رسولَ الله وَلَهَ إلّا قد طَلَّقَ نساءَه، وأخرج نحوه (٨/ ١٩٠) من رواية الزّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة، وسَمَّى الأنصاريَّ: أوسَ بن خَوْلِيّ كما تقدَّمَ، ووَقَعَ قوله: ((طَلَّقَ)) مقروناً بالظَّنِّ. قوله: ((وقال عُبيد بن حُنَين سمعَ ابن عبّاس، عن عمر)) يعني بهذا الحديث ((فقال)) يعني الأنصاريّ: ((اعتَزَلَ النبيُّ ◌َه أزواجَه)) لم يَذْكُر البخاريّ هنا من رواية عُبيد بن حُنَين إلّا هذا القَدْر، وأمَّا ما بعده وهو قوله: ((فقلت: خابَت حفصة وخَسِرَت))، فهو بقيّة رواية ابن أبي ثَور (٢٤٦٨)، لأنَّ هذا التَّعليق قد وَصَلَه المؤلِّف في تفسير سورة التَّحريم (٤٩١٣) بلفظ: فقلت: جاء الغَسّانيّ؟ فقال: بل أشدُّ من ذلك، اعتَزَلَ النبيّ وَّهِ أزواجَه، فقلت: رَغِمَ أنفُ حفصةَ وعائشة. وظنَّ بعض الناس أنَّ مِن قوله: ((اعتَزَلَ)) إلى آخر الحديث من سياق الطَّريق المعلَّق، وليس كذلكَ لمَا بَيَّتُه، والموقع في ذلك إيراد/ البخاريّ بهذه اللَّفظة ٢٨٥/٩ المعلّقة عن عُبيد بن حُنَين في أثناء المَتْن المُسَاق من رواية ابن أبي ثَوْر، فصارَ الظّاهرُ أنَّه تَحَوَّلَ إلى سياق عُبيد بن حُنَين، وقد سَلِمَ من هذا الإشكال النَّسَفيُّ، فلم يَسُق المتن ولا القَدر المعلَّق، بل قال: ((فذكر الحديث)) واجتَزَأْ بما وَقَعَ من طريق ابن أبي ثَور في المظالم ومن طريق مُبيد بن حُنَين في تفسير التَّحريم. ووَقَعَ في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم)) ذِكرُ القَدر المعلَّق عن عُبيد بن حُنَين في آخر الحديث، ولا إشكال فيه، وكأنَّ البخاريّ أراد أن يُبيِّن أنَّ هذا اللَّفظ - وهو «طَلَّقَ نساءَه)) - لم تَتَّفِق الرِّوايات عليه، فلعلَّ بعضهم رواها بالمعنى، نعم وَقَعَ عند مسلم من طريق سِمَاك أبي(١) زُمَيل عن ابن عبّاس (٣٠/١٤٧٩) أنَّ عمر قال: فدَخَلتُ المسجد فإذا الناس يقولون: طَلَّقَ رسول الله وَ لَّ نساءَه، وعند ابن مَرْدويه من طريق سَلَمَةَ بن كُهَيل عن ابن عبّاس أنَّ عمر قال: لَقِيَني عبدُ الله بن عمر ببعضٍ طرق المدينة، فقال: إنَّ النبيّ نَّهِ طَلَّقَ نساءَه. وهذا إن كان محفوظاً حُمِلَ على أنَّ ابن عمر لاقَى أباه وهو جاءٍ من مَنِزِله، فأخبَرَه بمِثلِ ما أخبَرَه (١) في الأصلين و(س): ((بن)) بدل ((أبي))، وهو خطأ. ٥٦٨ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري به الأنصاريّ، ولعلَّ الجزم وَقَعَ من إشاعة بعضِ أهلِ النِّفاق فتَنَاقَلَه الناس، وأصله ما وَقَعَ من اعتزال النبيّ وَّ﴿ نساءَه، ولم تَجِرِ عادته بذلكَ، فظنّوا أنَّه طَلَّقَهُنَّ، ولذلكَ لم يُعاتِب عمرُ الأنصاريَّ على ما جَزَمَ له به من وقوع ذلك. وقد وَقَعَ في حديث سِماك بن الوليد(١) عند مسلم في آخره: ونزلَتْ هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ،﴾ - إلى قوله : - ﴿يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] قال: فكنت أنا استَنْبطتُ ذلك الأمر. والمعنى: لو رَدّؤُه إلى النبيِّ نَّهِ حَتَّى يكون هو المُخبِرِ به، أو إلى أولي الأمر كأكابر الصَّحابة لَعَلِموه، لفَهمِ المراد منه باستخراجِهم بالفَهمِ والتَّلَطُّف ما يَخْفى عن غيرهم، وعلى هذا فالمراد بالإذاعة: قولهم وإشاعَتُهم أنَّه طَلَّقَ نساءَه بغير تَحَقُّق ولا تَثْبُّت، حتَّى سعى(٢) عمر في الاطّلاع على حقيقة ذلك. وفي المراد بالمذاعِ في (٣) الآية أقوالٌ أُخرى ليس هذا موضعَ بَسطِها. قوله: ((خابت حفصةُ وخَسِرَت» إنَّما خَصَّها بالذِّكرِ لمكانتها منه لگونها بنته، ولِگونِه كان قريبَ العهد بتَحْذيرها من وقوع ذلك. ووَقَعَ في رواية عُبيد بن حُنين: فقلت: رَغِمَ أنْفُ حفصةَ وعائشة، وكانَّ خَصَّهما بالذّكرِ لگونهما كانتا السَّبب في ذلك كما سيأتي بيانه. قوله: ((قد كنتُ أظُنُّ هذا يُوشِكُ أن يكون)) بكسرِ الشّين من ((يُوشِك)) أي: يَقُب، وذلكَ لمَا كان تقدَّم له من أنَّ مُراجَعَتهنَّ قد تُفضي إلى الغضب المفضي إلى الفُرْقة. قوله: ((فصَلَّيتُ صلاةَ الفَجْرِ معَ النبيِّ ◌َّ) في رواية سِماك: دَخَلتُ المسجدَ، فإذا الناس يَنْكُتون الحَصى ويقولون: طَلَّقَ رسولُ الله ◌َلاَ نساءَه، وذلكَ قبل أن يُؤمَرْنَ بالحِجاب. كذا في هذه الرِّواية، وهو غَلَط بَيِّنٌ، فإنَّ نزول الحجاب كان في أوَّل زَواج النبيِّ وَلِزينبَ بنتَ جَحْشٍ، كما تقدَّم بيانه واضحاً في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩١)، وهذه القصّة كانت سبب نزول آية التَّخيير، وكانت زينب بنت جَحْش فيمَن خُيِّرَ، وقد تقدَّم ذِكرُ عمر لها في (١) هو سماك أبو زميل المتقدّم ذِكرُه قبل قليل. (٢) تحرَّفت في (أ) و(س) إلى: شفی. (٣) في (س): ((وفي))، وهو خطأ. ٥٦٩ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح قوله: ((ولا حُسنُ زينبَ بنت جَحْش))(١)، وسيأتي بعد ثمانية أبواب (٥٢٠٣) من طريق أبي الضُّحَى عن ابن عبّاس (٥٢٠٣) قال: أصبَحْنا يوماً ونساءُ النبيّ ◌َّ يبكينَ، فخَرَجتُ إلى المسجد فجاء عمر فصَعِدَ إلى النبيّ وَّهِ وهو في غُرفةٍ له، فذكر هذه القصَّة مختصراً، فحُضُور ابن عبّاس ومُشاهَدَتُه لذلكَ يقتضى تأخّر هذه القصّة عن الحجاب، فإنَّ بين الحِجاب وانتقال ابن عبّاس إلى المدينة معَ أبويه نحوَ أربع سنين، لأنَّهم قَدِموا بعد فتح مكَّة، فآية التَّخيير على هذا نزلت سنة تِسْع، لأنَّ الفتح كان سنة ثمان، والحجاب كان سنة أربع أو خمس، وهذا من رواية عِكْرمة بن عمَّار بالإسناد الذي أخرج به مسلم أيضاً (٢٥٠١) قول أبي سفيان: عندي أجمَلُ العرب أمُّ حبيبة، أُزَوِّجُكَها؟ قال: ((نعم)) وأنكَرَه الأئمّة، وبالَغَ ابن حَزْم في إنكاره، وأجابوا بتأويلاتٍ بعيدة، ولم يَتعرَّض لهذا الموضع، وهو نَظير ذلك الموضع، والله الموفِّق. وأحسنُ مَحَامِلِهِ عندي: أن يكون/ الراوي لمَّا رأى قول عمر: إنَّه دَخَلَ على عائشة، ٢٨٦/٩ ظنَّ أنَّ ذلك كان قبل الحِجاب، فجَزَمَ به، لكنَّ جوابه: أنَّه لا يَلزَم من الدُّخول رفع الحِجاب، فقد يدخل من الباب وتُخاطِبه(٢) من وراء حِجَاب، كما لا يَلَزَم من وهْمِ الراوي في لفظة من الحديث أن يُطرَح حديثُه كلّه. وقد وَقَعَ في هذه الرِّواية(٣) موضع آخر مُشكِل، وهو قوله في آخر الحديث بعد قوله: فَضَحِكَ النبيّ ◌َ ◌ّهِ: فنزلَ رسولُ الله ونزلتُ أتشَبَّتُ بالجِذْع، ونزلَ رسولُ اللهِ وَ كأنّما يَمْشِي على الأرض ما يَمَسُّهُ بَيَدِه، فقلت: يا رسولَ الله، إنَّما كنتَ في الغُرفة تِسعاً وعشرينَ. فإنَّ ظاهره أنَّ النبيَّ ◌َ نزِلَ عَقِبَ ما خاطَبَه عمر، فيَلزَم منه أن يكون عمر تأخّرَ كلامُه معه تِسعاً وعشرينَ يوماً، وسياق غيره ظاهرٌ في أنَّه تَكلَّمَ معه في ذلك اليوم، وكيف يُمهِل عمر تِسعاً وعشرينَ يوماً لا يتكلّم في ذلك، وهو مُصرِّح بأنَّه لم يَصبِرِ ساعةً في المسجد (١) عند ابن سعد في ((الطبقات)) كما تقدم قبل صفحات في شرح هذا الحدیث نفسه. (٢) في (ع) ويخاطبها. (٣) يعني رواية مسلم (١٤٧٩) (٣٠) المشار إليها. ٥٧٠ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري حتَّى يقوم ويَرجِع إلى الغُرفة ويَستأذِن؟ ولكنَّ تأويل هذا سَهلٌ، وهو أن يَحمِل قوله: ((فنزلَ)) أي: بعد أن مَضَت المدّة. ويُستَفاد منه: أنَّه كان يَتَرَدَّد إلى النبيِّ نَ ◌ّه في تلك المدّة التي حَلَفَ عليها، فاتَّفَقَ أنَّه كان عنده عند إرادَته النُّزول فنزلَ معه، ثمَّ خَشِيَ أن يكون نَسِيَ، فذَكَّرَه کما ذَكَّرَتْه عائشة کما سيأتي. وعمّا يُؤْيِّد تأخّر قصَّة التَّخيير: ما تقدَّم من قول عمر في رواية عُبيد بن حُنَينٍ التي قَدَّمتُ الإشارة إليها من المظالم: ((وكان مَن حَولَ رسولِ اللهِوَّه قد استَقَامَ له إلّ مَلِك غَسّانَ بالشّام)»، فإِنَّ الاستقامة التي أشار إليها إِنَّا وَقَعَت بعد فَتْح مكَّة، وقد مَضَى في غزوة الفتح (٤٣٠٢) من حديث عَمْرو بن سَلَمةَ الجَرميّ: وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح، فيقولون: اترُكوه وقومَه، فإن ظَهَرَ عليهم فهو نبيّ، فلمَّا كانت وقْعَة الفتح بادَرَ كلّ قومٍ بإسلامهم. انتهى، والفتحُ كان في رمضان سنة ثمان، ورُجوعُ النبيِّ وَلّ إلى المدينة في أواخر ذي القَعْدة منها، فلهذا كانت سنة تسع تُسمَّى سنة الوفود، لكَثْرة مَن وفَدَ علیه من العرب، فظَهَرَ أنَّ استقامة مَن حولَه ◌َلّهِ إِنَّما كانت بعد الفتح، فاقتَضَى ذلك أنَّ التَّخيير كان في أوَّل سنة تسع، كما قَدَّمته. ومَمَّن جَزَمَ بأنَّ آيَة التَّخيير كانت سنة تِسْع: الدِّمياطيّ وأتباعُه، وهو المعتمَد، والله أعلم. قوله: ((ودَخَلْتُ على خَفْصة فإذا هي تَبكي)) في رواية سِماك(١): أنَّ دَخَلَ أوَّلاً على عائشة فقال: يا بنتَ أبي بكر، أقد بَلَغَ من شأنك أن تُؤْذِي رسولَ الله وَّ؟ فقالت: ما لي ولكَ يا ابنَ الخطَّب؟ عليك بعَيْبَتِكَ وهي بعينٍ مُهمَلة مفتوحة وتحتانيَّة ساكنة بعدها موخَّدة ثمَّ مُثنّاة، أي: عليك بخاصَّتِك وموضع سِرّك، وأصل العَيْبة: الوِعاء الذي تُجُعَل فيه الثّياب ونَفِيسُ المَتاع، فأطلقَتْ عائشة على حفصة أنَّهَا عَيْبة عُمر بطريق التَّشبيه، ومُرادُها: عليك بوَعظِ ابنتِك. (١) عند مسلم (١٤٧٩) (٣٠). ٥٧١ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح قوله: ((ألم أكُن حَذَّرْتُك؟)) زاد في رواية سِماك: ((لقد علمتُ أنَّ رسول الله وَوَ لا يُحِبُّك، ولولا أنا لَطَلَّقَكِ، فَبَكَت أشدّ البُكاء)) لمَا اجتَمَعَ عندها من الحزن على فِراقٍ رسولِ الله وَلّه ولما تَتَوَقَّعُه من شِدّة غَضَب أبيها عليها، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مَرْدويهِ: والله إن كان طَلَّقَك لا أُكلِّمك أبداً (١)، وأخرج ابن سعد (٨٤/٨)، والدَّارِميُّ (٢٢٦٤)، والحاكم (١٩٧/٢): أنَّ النبيّ وَُّ طَلَّقَ حفصة، ثمَّ راجَعَها (٢)، ولابنِ سعد (٨/ ٨٤) مِثلُه من حديث ابن عبّاس عن عمر، وإسناده حسن، ومن طریق قيس بن زيد مِثْلُه، وزادَ: فقال النبيّ وَّهِ: ((إنَّ جِبْرِيلَ أتاني فقال لي: راجِعْ حفصة، فإنَّهَا صَوّامة قَوّامة، وهي زوجتك في الجنَّة)) وقيس مُخْتَلَف في صُحبته، ونحوه عنده (٨٥/٨) من مُرُسَل محمَّد ابن سِیرین. قوله: ((ها هو ذا مُعتَزِل في المَشْرُبة)) في رواية سِماك: فقلت لها: أين رسولُ الله قالت: هو في خِزانَته في المَشرُبة، وقد تقدَّم ضبط ((المَشرُبة)) وتفسيرها في كتاب المظالم، وأنَّها بضمِّ الرّاء ويفتحها، وجمعها: مَشارِب ومَشْرُبات. قوله: ((فخَرَجْتُ فِئْت إلى المِنْبَرَ، فإذا حَوْله رَهْطِ يَبْكي بعضُهم)) لم أقِفْ على تسميتهم، وفي رواية ◌ِماك بن الوليد: دَخَلتُ المسجد، فإذا الناس يَنكُتُون بالحصى؛ أي: يَضِرِبونَ به الأرض كفعلِ المهموم المفكّر. قوله: ((ثُمَّ غَلَبني ما / أجِدُ)) أي: من شُغُلِ قلبه بما بَلَغَه من اعتزال النبيِّ وَلَ نساءَه، وأنَّ ٢٨٧/٩ ذلك لا يكون إلّا عن غَضَب منه، ولاحتمال صِحّة ما أُشيعَ من تَطليق نسائه ومن جُلَتهنَّ حفصة بنت عمر، فتنقَطِعِ الوَصْلة بينهما، وفي ذلك من المشَقّة عليه ما لا يَخْفَى. قوله: ((فقلت لغلام له أسوَد)) في رواية عُبيد بن حُنَينٍ: فإذا رسولُ الله وَِّ فِي مَشْرُبة (١) وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣٠٥١)، وأبو يعلى (١٧٢)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٣/ (٣٠٥)، والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (٢٢١) من حديث ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي ... فذكره. (٢) وأخرجه أبوداود (٢٢٨٣)، وابن ماجه (٢٠١٦)، والنسائي (٣٥٦٠) وهو عند ابن حبان (٤٢٧٥). ٥٧٢ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري يَرقَى عليها بعَجَلةٍ، وغلامٌ لرسولِ اللهِ وَّرَ أْسوَدُ على رأس العَجَلة. واسم هذا الغلام: رَباح، بفتح الرّاء وتخفيف الموحّدة، سَمّه سِماك في روايته، ولفظه: فدَخَلت، فإذا أنا برَباحِ غلامٍ رسول الله وَ لاَ قاعِدٌ على أُسكُفّة المشرُبة، مُدَلِّ رِجليه على نَقير من خَشَب، وهو جِذْع يَرَقَى عليه رسول اللهِ وَّهُ ويَنحَدِر. وعُرِفَ بهذا تفسيرُ العَجَلة المذكورة في رواية غيره، وسيأتي في حديث أبي الضُّحَى الذي أشرت إليه بحثٌ في ذلك. والأُسكُفَّة في روايته، بضمِّ الهمزة والكاف بينهما مُهمَلة ثمَّ فاء مُشَدَّدة: هي عَتَبة الباب السُّفَلَى. وقوله: ((على نَقير)) بنونِ، ثمَّ قاف بوزنِ عَظِيم، أي: منقور، ووَقَعَ في بعض روايات مسلم بفاءٍ بَدَل النُّون، وهو الذي جُعِلَ فيه ◌ِفِقَرٌ كالدَّرَجِ. قوله: ((استأذِن لعمر)) في رواية عُبيد بن حُنَينٍ: فقلت له: قُلْ: هذا عمر بن الخطّاب. قوله: ((فصَمَتَ)) بفتح الميم، أي: سَكَتَ، وفي رواية سِماك: فَنَظَرَ رَباح إلى الغُرفة ثمَّ نظر إليّ، فلم يَقُل شيئاً. واتَّفَقَت الرّوايتان على أنَّه أعادَ الذَّهاب والمجيء ثلاث مرَّات، لكن ليس ذلك صريحاً في رواية سِماك، بل ظاهر روايته أنَّه أعادَ الاستئذان فقط، ولم يقع شيء من ذلك في رواية عُبيد بن حُنَينٍ، ومَن حَفِظَ حُجّة على مَن لم يحفظْ. ويحتمل أن يكون النبيُّ وَُّ فِي الْمَرَّتَيْنِ الأُولَيَينِ كان نائماً، أو ظنَّ أنَّ عمر جاء يَستَعطِفُه على أزواجه، لكَونِ حفصة ابنَتِهِ منهنَّ. قوله: ((فنكَسْتُ مُنْصَرِفا)(١) أي: رَجَعتُ إلى ورائي ((فإذا الغلامِ يَدْعوني)) وفي رواية مَعمَر: فَوَلَّيتُ مُدْبراً، وفي رواية سِماك: ثُمَّ رَفَعتُ صوتي فقلت: يا رَباحُ، استأذِن لي، فإنّ أظنّ أنَّ رسول الله وَّهِ ظنَّ أنّي جِئتُ مِن أَجْلِ حفصة، والله لَئِن أمَرَني بضرب عُنُقُها لَأَضِرِبَنّ عُنُقُها؛ وهذا يُقوِّي الاحتمال الثّاني، لأنَّه لمَّا صَرَّحَ في حَقّ ابنَتَه بما قال، كان أبعَد أن يَستَعطِفه لضَرائِرِها. (١) كذا وقع للحافظ ابن حجر رحمه الله، ولفظه في اليونينية بلا خلاف: ((فلما ولَّيتُ منصرفاً)، وهذا اللفظ الذي وقع للحافظ لم نقع عليه في أيٍّ من مصادر التخريج. ٥٧٣ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح قوله: ((فإذا هو مُضْطَجِعٌ على رِمال)) بكسرِ الرّاء وقد تُضَمّ، وفي رواية مَعمَر: ((على رَمْل)) بسكونِ الميم، والمراد به النَّسج، تقول: رَمَلتُ الحَصير وأرمَلْته: إذا نَسَجْتَه، وحَصِیر مَرمُول، أي: منسوج، والمراد هنا أنَّ سريره كان مَرمُولاً بما يُرمَل به الحصير، ووَفَعَ في رواية أُخرى: ((على رِمال سَرِير))(١) وَقَعَ في رواية سِماك: على حَصِير، وقد أثَّرَ الحصيرُ في جنبه؛ وكأنَّه أطلق عليه حَصيراً تغليياً، وقال الخطَّبيُّ: رِمالُ الحصير: ضُلوعُه المتداخِلة بمَنزِلة الخيوط في الثَّوب، فكأنَّه عنده اسم جمع. وقوله: ((ليس بينَه وبينَه فِراش، قد أثَّرَ الرِّمال بجنبه)) يُؤْيِّد ما قَدَّمته أنَّه أَطَلَقَ على نَسْجِ السَّرير حَصِيراً. قوله: ((فقلت وأنا قائم: أَطَلَّقْتَ نساءَك؟ فَرَفَعَ إليَّ بَصَرَه فقال: لا، فقلت: الله أكبر)) قال الكِرْمانيُّ: لمَّا ظنَّ الأنصاريُّ أنَّ الاعتزال طلاق، أو ناشئٌ عن طلاق، أخبر عمرَ بوقوع الطَّلاق جازِماً به، فلمَّا استَفسَرَ عمرُ عن ذلك فلم يَجِد له حقيقة كَبَّرَ تَعَجُّباً من ذلك. انتهى، ويحتمل أن يكون كَبَّرَ الله حامداً له على ما أنعَمَ به عليه من عَدَم وقوع الطَّلاق. وفي حديث أمّ سَلَمةَ عند ابن سعد: فكَبَّرَ عمرُ تكبيرةً سمعناها ونحنُ في بيوتنا، فعَلِمْنا أنَّ عمر سألَهُ: أطَلَّقتَ نساءَك؟ فقال: لا، فَكَبَّرَ، حتَّى جاءَنا الخبرُ بعدُ، ووَقَعَ في رواية سِماك: فقلت: يا رسول الله، أطَلَّقْتَهنَّ؟ قال: ((لا)) قلت: إنّ دَخَلتُ المسجد والمسلمونَ يَنْكُتُون الحصى، يقولون: طَلَّقَ رسول الله وَّةِ نساءَه، أَفأنزِلُ فأُخبرُهم أنَّك لم تُطلِّقْهُنَّ؟ قال: ((نعم إن شِئْت)) وفيه: فقُمتُ على باب المسجد، فنادَيتُ بأعلى صوتي: لم يُطلِّق نساءَه. قوله: (ثُمَّ قلت وأنا قائم أستأنِس: يا رسول الله لو رأيتني)) يحتمل أن يكون قولُه استفهاماً بطريق الاستئذان، ويحتمل/ أن يكون حالاً من القول المذکور بعده، وهو ظاهر سياق هذه ٢٨٨/٩ الرِّواية، وجَزَمَ القُرطُبيّ بأنَّه للاستفهام، فيكون أصله بهمزَتَينِ تُسَهَّل إحداهما وقد تُحذَف (١) أخرجها البخاري (٣٠٩٤) من حديث مالك بن أوس بن الحدثان، وفيه قال مالك بن أوس: فانطلقت حتى أدخل على عمر فإذا هو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبينه فراش. ٥٧٤ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري تخفيفاً، ومعناه: انبَسَطَ في الحديث، واستأذَنَ في ذلك لقَرِينة الحال التي كان فيها، لعِلمِه بأنَّ بنتَه كانت السَّبَب في ذلك، فخَشِيَ أن يَلحَقَه هو شيءٌ من المعْتَبة، فبقيَ كالمُنْقَبِضِ عن الابتداء بالحديث حتَّى استأذَنَ فیه. قوله: ((يا رسول الله، لو رأيتَني وكَّا مَعْشَر قُرَيش نَغْلِبُ النِّساء)» فَساقَ ما تقدَّمَ، وكذا في رواية عُقَيل، ووَقَعَ في رواية مَعمَر أنَّ قوله: ((أستأنِسُ)) بعد سياق القصَّة، ولفظه: فقلت: الله أكبر، لو رأيتَنا يا رسولَ الله وكنّا مَعشَر قُرَيش - فساقَ القصَّة - فقلت: أستأنِسُ يا رسول الله؟ قال: ((نعم)) وهذا يُعيِّن الاحتمال الأوَّل، وهو أنَّه استأذَنَ في الاستئناس، فلمَّا أُذِنَ له فیه جَلَسَ. قوله: ((ثُمَّ قلت: يا رسولَ الله لو رأيتَني ودَخَلْتُ على حفصة - إلى قوله -: فَسَّمَ تَبسُّمةً أُخرَى)» الجملة حاليّة، أي: حال دخولي عليها، وفي رواية عُبيد بن حُنَينٍ: فذكرتُ له الذي قلتُ لخَفصةَ وأُمُّ سَلَمَةَ، والذي ردَّتْ عليَّ أُمُّ سَلَمة (١)، فضَحِكَ، وفي رواية سِماك: فلم أزَلْ أُحدِّثه حتَّى تَحَسَّرَ الغضبُ عن وجهه، وحتَّى كَشَرَ فضَحِكَ، وكان من أحسن الناس ثَغْراً مَ﴿ وقوله: ((تَحَسَّرَ)) بمُهمَلَتَيْنِ، أي: تَكَشَّفَ وزناً ومعنّى، وقوله: ((گَشَرَ) بفتح الكاف والمعجَمة، أي: أبدَى أسنانَه ضاحكاً، قال ابن السِّكِّيت: كَشَرَ وتَبسَّمَ وابْتَسَمَ وافتَرَّ بمعنَّى، فإذا زاد: قيل قَهْقَهَ وكَركَرَ، وقد جاء في صِفَتِه ◌ِنَِّ: كان ضَحِكُه تَبُّماً. قوله: ((فَتَبَسَّمَ النبيّ ◌َِلاَ تَبَسُّمة)) بتشديد السّين، ولِلكُشْمِيهنيّ: («تَبسِيمةً)). قوله: «فَرَفَعتُ بَصَري في بيته)» أي: نظرتُ فيه. قوله: ((غير أهَبَةٍ ثلاثة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ثلاث))، الأَهبة بفتح الهمزة والهاء ويضمِّها أيضاً: بمعنى الأُمُب، والهاء فيه للمُبالَغة، وهو جمع إهاب علی غیر قیاس، وهو الجِلد قبل الدِّباغ، وقيل: هو الجِلد مُطلَقاً، دُبغَ أو لم يُدبَغ، والذي يظهر أنَّ المراد به هنا: جِلدٌ شُرِعَ في دَبْغه ولم يُكمَّل، لقولِه في رواية سماك بن الوليد: ((فإذا أَفِيقٌ مُعلَّق)) والأَفِيق (١) عبارة ((والذي ردت عليَّ أم سلمة)) سقطت من (س). ٥٧٥ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح بوَزنٍ عظيمٍ: الجِلد الذي لم يَتِمَّ دِباغُه، يقال: أدَمٌّ وأديم، وأفَقٌّ وأفيق، وإهابٌ وأهَب، وعِمَادٌ وعَمُود وعَمَد، ولم يجْ فَعِيل وفَعُول على فَعَلٍ - بفتحَتَينِ - في الجمع إلّا هذه الأحرُف، والأكثر أن يَجِيء فُعُل بضمَّتَينٍ، وزاد في رواية عُبيد بن حُنَينٍ: ((وإنَّ عند رِجلَيه قَرَظاً - بقافٍ وظاء مُعجَمة - مَصبُوباً)) بموحَّدتَينٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((مَصبُوراً)) براءٍ، قال النَّوَويّ: ووَقَعَ في بعض الأُصول: ((مضبوراً» بضادٍ مُعجَمة وهي لُغةُ فيها، والمراد بالمصبورِ - بالمهمَلة والمعجَمة -: المجموع، ولا يُنافي كَونَه مصبوباً، بل المراد أنَّه غير مُنْتَثِرِ، وإن كان في غير وِعاء بل هو مَصبُوب مُجْتَمِع، وفي رواية سِماك: فَنَظَرتُ في خِزانة رسول الله ◌َ ﴿ فإذا أنا بقَبْضةٍ من شَعير نحوِ الصّاعِ، ومثلِها قَرَظاً في ناحية الغُرْفة. قوله: ((ادْعُ اللهَ فلْيوسِّع على أَمَّتِك)) في رواية عُبيد بن حُنَينٍ: فَبَكَيتُ، فقال: ((وما يُیکیك؟)) فقلت: يا رسول الله، إنَّ كسرى وقيصرَ فیما هما فیه، وأنتَ رسول الله، وفي رواية سِماك: فابتَدَرتْ عينايَ، فقال: ((ما يُبكِيكَ يا ابنَ الخطّاب؟)) فقلتُ: وما لي لا أبكي وهذا الحَصيرُ قد أثَّرَ في جَنْبك، وهذه خِزانَتُك لا أرَى فيها إلّا ما أرَى، وذاكَ قَيْصَرُ وكِسرَى في الأنهار والثِّمار، وأنتَ رسولُ الله وصَفْوتُه. قوله: ((فَلَسَ النبيّ وَّهِ وكان مُتَكِئاً فقال: أوَفي هذا أنتَ يا ابن الخطّاب؟» في رواية مَعمَر عند مسلم: ((أوَفي شَكُّ أنتَ يا ابن الخطّاب؟)) وكذا في رواية عُقَيل الماضية في كتاب المظالم، والمعنى: أأنتَ في شَكّ في أنَّ التوسّع في الآخِرة خيرٌ من التوسُّع في الدُّنيا؟ وهذا يُشعِرِ بأنَّه ◌ِِّ ظنَّ أنَّه بَكَى من جهة الأمر الذي كان فيه، وهو غَضَبُ النبيّ ◌َّ على نسائه حَتَّى اعتَزَلهُنَّ، فلمَّا ذَكَر له أمر الدُّنيا أجابَه بما أجابَه. قوله: ((إنَّ أولئكَ قومٌ عُجِّلوا طيِّياتهم في الحياة الدُّنْيا)) وفي رواية عُبيد بن حُنَينٍ: ((ألا تَرضَى أن تكونَ/ لهم الدُّنيا ولنا الآخرة؟» وفي رواية له: ((لهم)) بالنَّئنية على إرادة کِسرَى ٢٨٩/٩ وقيصر لتخصیصِھما بالذِّکرِ، والأُخری بإرادتهما ومن تبعهما أو كان على مِثلِ حالهما، زاد في رواية سماك: «فقلت: بَلَى)). ٥٧٦ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقلت: يا رسول الله استَغْفِر لي)) أي: عن جَراءَتي بهذا القول بحَضرَتِك، أو عن اعتقادي أنَّ التَّجَمُّلات الدُّنْيَويَّة مرغوب فيها، أو عن إرادَتي ما فيه مُشابهة الكفَّار في مَلابِسهِم ومَعایشهم. قوله: «فاعْتَزَلَ النبيُّ ◌َ لِّ نساءَه من أجْلِ ذلك الحديث الذي (١) أفشَتْه حفصةُ إلى عائشة)) كذا في هذه الطَّريق لم يُفسَّر الحديث المذكور الذي أفشَتْه حفصة، وفيه أيضاً: وكان قال: ((ما أنا بداخلِ عليهنَّ شهراً) من شِدّة مَوجِدَته عليهنَّ حين عاتَبَه الله، وهذا أيضاً مُبهَم، ولم أَرَه مُفَسَّراً، وكان اعتزاله في المشْرُبة كما في حديث ابن عبّاس عن عمر، فأفادَ محمَّد بن الحسن المخزوميّ في كتابه ((أخبار المدينة)) بسندٍ له مُرسَل: أنَّه ◌ِوَ﴿ كان يبيتُ في المَشرُبة ويَقِيل عند أراكَةٍ على خَلْوة بئر كانت هُناكَ، وليس في شيء من الطُّرق عن الزُّهْريِّ بإسنادٍ حديث الباب إلّا ما رواه ابن إسحاق كما أشرت إليه في تفسير سورة التَّحريم، والمراد بالمعاتبة قولُه تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكَ﴾ الآيات [التحريم: ١ -٥]. وقد اختُلِفَ في الذي حَرَّمَ على نفسه، وعُوتِبَ على تحريمه، كما اختُلِفَ في سبب حَلِفه على أن لا يَدخُل على نسائه على أقوال، فالذي في ((الصحيحين)): أنَّه العَسَل، كما مَضَى في سورة التَّحريم مختصراً من طريق عُبيد بن عُمَير عن عائشة (٤٩١٢)، وسيأتي بأبسط منه في كتاب الطَّلاق (٥٢٦٨). وذكرتُ في التَّفسير(٢) قولاً آخر أنَّه في تحريم جاريَتِه مارِية، وذكرتُ هناك كثيراً من طرقه. ووَقَعَ في رواية يزيد بن رُومان عن عائشة عند ابن مَرْدويه (٣) ما يجمع القولَينِ، وفيه: أنَّ حفصة أُهديَت لها عُكّةٌ فيها عَسَل، وكان رسول الله وَّةٍ إذا دَخَلَ عليها حَبَسَتْه حتَّى تُلعِقَه أو تَسقِيَه منها، فقالت عائشة لجاريةِ عندها حَبَشيَّةٍ يقال لها خَضْراء: إذا دَخَلَ على حفصة فانظُري ما يصنع، فأخبَرَتها الجارية بشأنِ العَسَل، فأرسَلَتْ إلى صَوَاحِبها فقالت: (١) كذا وقعت هذه اللفظة هنا ((الذي)) وفي اليونينية بلا خلاف: ((حين)) بدل ((الذي)). (٢) باب ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ بين يدي الحديث (٥٢٦٦). (٣) وعند الطبراني في ((الأوسط)) أيضاً برقم (٨٧٦٤). ٥٧٧ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح إذا دَخَلَ عليكُنَّ فقُلنَ: إنّا نَجِد مِنكَ ريحَ مَغافِير، فقال: ((هو عَسَل، والله لا أطعَمُه أبداً)) فلمَّا كان يومُ حفصة استأذَنْه أن تأتيَ أباها، فأذِنَ لها فذهبَت، فأرسَلَ إلى جاريته ماريةً فأدخَلَها بيتَ حفصة، قالت حفصة: فرجعتُ، فَوَجَدت الباب مُغلَقاً، فخَرَجَ ووجهه يَقطُر، وحفصةُ تَبكي، فعاتَبَته، فقال: ((أُشهِدُك أنَّها عليَّ حرام، انظُري لا تُخبري بهذا امرأة، وهي عندَك أمانة)» فلمَّا خَرَجَ قَرَعَت حفصةُ الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أُبَشِّرُك؟ إنَّ رسول الله وَّرِ قد حَرَّمَ أمَتَه، فنزلت. وعند ابن سعد (١٨٥/٨ -١٨٦) من طريق شُعْبة مولى ابن عبّاس عنه: خَرَجَت حفصةُ من بيتها يومَ عائشة، فدَخَلَ رسول الله بجاريَتِه القِبطيَّة بيت حفصة، فجاءت فرَقَبَتْه حتَّى خَرَجَت الجارية، فقالت له: أما إنّي قد رأيتُ ما صَنَعتَ، قال: ((فاكتُمي عليَّ وهي حرام)) فانطَلَقَت حفصةُ إلى عائشة فأخبَرَتها، فقالت له عائشة: أمَّا يومي فتُعرِّسُ فيه بالقِبطيَّة، ويَسلَم لنسائك سائرُ أيامهنَّ، فنزلت الآية. وجاء في ذلك ذِكْر قولٍ ثالث أخرجه ابن مَرْدويه(١) من طريق الضَّحّاك عن ابن عَبَّاس قال: دَخَلَت حفصةُ على النبيّ ◌َّهِ بِيتَها، فَوَجَدَت معه ماريةَ، فقال: ((لا تُخْبِرِي عائشة حتَّى أُبِشِّرَكِ ببشارةٍ، إنَّ أباكِ يَلي هذا الأمرَ بعد أبي بكر إذا أنا مِتُّ)) فذهبت إلى عائشة فأخبَرَتْها، فقالت له عائشة ذلك، والتَمَسَت منه أن يُحرِّم مارية فحَرَّمَها، ثمَّ جاء إلى حفصة فقال: ((أمَرتُك ألّا تُخْبِرِي عائشة فأخبَرتها)) فعاتَبَها على ذلك، ولم يُعاتبْها على أمر الخِلَافة، فلهذا قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ، وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]، وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٢٣١٦)، وفي ((عِشرة النِّساء)) عن أبي هريرة نحوه بتمامه، وفي كلّ منهما ضعف. (١) وأخرجه كذلك الطبراني في ((الكبير)) (١٢٦٤٠)، وفي إسناده إسماعيل بن عمرو البَجَلي، ضعفه أبو حاتم والدارقطني كما في ((ميزان الاعتدال)) للذهبي ٢٣٩/١، وقال ابن عدي: حدَّث بأحاديث لا يُتابع عليها. قلنا: ثم إنَّ فيه انقطاعاً، فالضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس، كما قال الهيثمي في «المجمع» ١٧٨/٥. الا ٥٧٨ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري وجاء في سبب غَضَبه منهنَّ وحَلِفِه أن لا يَدخُل عليهنَّ شهراً قصَّة/ أُخرَى، فأخرج ٢٩٠/٩ ابن سعد (١٨٨/٨-١٨٩) من طريق عَمْرة عن عائشة قالت: أُهدِيَت لرسولِ الله ◌ِوَلِّ هَديَّة، فأرسَلَ إلى كلّ امرأة من نسائه نَصيبَها، فلم تَرضَ زينبُ بنت جَحْش بنَصيبها، فزادَها مَرَّة أُخرَى، فلم تَرضَ، فقالت عائشة: لقد أقمَأَتْ(١) وجهَك، تَرُدّ عليك الهديَّة، فقال: ((لَأَنْتُنَّ أهوَن على الله من أن تُقمِئْتَني، لا أدخُل عليكُنَّ شهراً)) الحديث. ومن طريق الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة نحوه (٨/ ١٩٠) وفيه: ذَبَحَ ذِبِحاً فقَسَمَه بين أزواجه، فأرسَلَ إلى زينب بنَصيبها فَرَدَّته، فقال: ((زيدوها ثلاثاً)) كلّ ذلك تَرُدّه .. فذكر نحوه. وفيه قول آخر أخرجه مسلم (١٤٧٨) من حديث جابر قال: جاء أبو بكر والناسُ جُلوسٌ بباب النبيِّ وَ﴿ لم يُؤْذَنْ لأحدٍ منهم، فأُذِنَ لأبي بكر فدَخَلَ، ثمَّ جاء عمر فاستأذَنَ، فَأُذِنَ له، فَوَجَدَ النبيَّ ◌َِّ جالساً وحوله نِساؤُه .. فذكر الحديث، وفيه: ((هُنَّ حوْلِي كما تَرَى يسألْنَنِي النَّفَقة)) فقامَ أبو بكر إلى عائشة، وقامَ عمر إلى حفصة، ثمَّ اعتَزَهُنَّ شهراً، فذكر نزول آية التَّخییر. ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سبباً لاعتزالهِنَّ. وهذا هو اللّائق بمكارم أخلاقه وَّهُ وسَعَةِ صَدْره وكَثْرة صَفْحه، وأنَّ ذلك لم يقع منه حتَّى تَكرَّرَ مُوجِبُه منهنَّ ◌َل ورَضِيَ عنهُنَّ. وقَصَّرَ ابن الجَوْزيّ فَنَسَبَ قصَّة الذَّبح لابنٍ حبيب بغير إسناد، وهي مُسنَدة عند ابن سعد، وأبهَمَ قصَّة النَّفَقة، وهي في ((صحيح مسلم))، والرّاجح من الأقوال كلّها قصَّةٌ مارية، لاختصاص عائشة وحفصة بها، بخِلَاف العَسَل فإنَّه اجتَمَعَ فيه جماعة منهنَّ كما سيأتي، ويحتمل أن تكون الأسبابُ جميعها اجتَمَعَت، فأُشيرَ إلى أهمّها، ويُؤْيِّده شُمولُ الخَلِفِ للجميع، ولو كان مثلاً في قصَّة مارية فقط، لاختصَّ بحفصةً وعائشة. (١) في الأصلين: ((أقْمَتْ))، والمثبت من (س) و ((طبقات ابن سعد))، يقال: أقماتُه، بمعنى: صغَّرتُه وذلَّلته. ٥٧٩ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح ومن اللَّطائف: أنَّ الحكمة في الشَّهر مع أنَّ مشروعيّة الهَجْر ثلاثة أيام: أنَّ عِدَّتَهَنَّ كانت تسعة، فإذا ضُرِبَت في ثلاثة كانت سبعة وعشرينَ، واليومان لمارية لكونها كانت أمةً فَنَقَصَت عن الحرائر، والله أعلم. قوله: «فاعتَزَلَ نساءَه من أجْلِ ذلك الحديث الذي أفشَتْه حفصة إلى عائشة تسعاً وعِشْرينَ ليلة)) العَدَد مُتعلِّق بقولِه: فاعتَزَلَ نساءَه(١). قوله: ((وكان قال: ما أنا بداخلِ عليهنَّ شَهْراً)) في رواية حمّاد بن سَلَمَةَ عند مسلم (٣٢/١٤٧٩) من طريق عُبيد بن حُنَين: ((وكان آلَى منهنَّ شهراً) أي: حَلَفَ أو أقسَمَ، وليس المراد به الإيلاء الذي في عُرْفِ الفقهاء اتِّفاقاً، وسيأتي بعد سبعة أبوابٍ (٥٢٠١) من حديث أنس قال: آلى رسولُ الله وَ له من نسائه شهراً، وهذا موافق للفظ رواية حَمَّاد بن سَلَمَةَ هنا، وإن كان أكثرُ الرُّواة في حديث عمر لم يُعبِروا بلفظ الإيلاء. قوله: ((من شِدّة مَوْجِدَته عليهنَّ)) أي: غَضَبه. قوله: ((دَخَلَ على عائشة)) فيه أنَّ مَن غابَ عن أزواجه ثمَّ حَضَرَ يَبدَأ بمَن شاءَ منهنَّ، ولا يَلزَمه أن يَبدَأ من حيثُ بَلَغَ، ولا أن يُقرِع، كذا قيلَ، ويحتمل أن تكون البداءة بعائشة لِكَونِه اتَّفَقَ أنَّه کان یومها. قوله: ((فقالت له عائشة: يا رسول الله، إنَّك (٢) كنت قد أقسَمْت أن لا تَدْخُلَ علينا شَهْراً)) تقدَّم أنَّ في رواية سِماك بن الوليد: أنَّ عمر ذكَّرِه ◌ِوَ له بذلكَ، ولا مُنافاة بينهما، لأنَّ في سياق حديث عمر أنَّه ذكَّره بذلكَ عند نزوله من الغُرفة، وعائشة ذكَّرته بذلكَ حين دَخَلَ عليها، فكأنَّهما تَوارَدا على ذلك، وقد أخرج مسلم (٢٣/١٠٨٤) من حديث جابر في هذه القصّة قال: ((فقُلنا))، فظاهر هذا السّياق يوهم أنَّه من تَتِمّة حديث عمر، فيكون عمر حَضَرَ ذلك من عائشة، وهو مُتَمَل، لكن يَقوَى عندي أن يكون هذا من تعاليق الزُّهْريِّ في هذه الطَّريق، (١) وقع اضطراب في الأصلين في ترتيب الفقرات من هنا إلى آخر فقرات الحديث، وأثبتنا ترتیب (س) وهو بنفس تسلسل فقرات الحديث في النسخة اليونينية بلا خلاف فيها . - (٢) في الأصلين: ((فقالت عائشة: إنك)) والمثبت من (س). ٥٨٠ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري فإنَّ هذا القَدْر عنده عن عُرْوة عن عائشة أخرجه مسلم (١٠٨٣) من رواية مَعمَر عنه: أنَّ النبيّ وَّ﴿ أَقسَمَ أنَّه لا يَدخُل على نسائه شهراً، قال الزُّهْرِيُّ: فأخبَرَني عُرْوة عن عائشة قالت ... فذكره. قوله: ((وإِنَّا(١) أصبَحْتَ من تسعٍ وعِشْرينَ ليلة)) في رواية عُقَيل: ((لِتِسعِ))(٢) باللّام، وفي رواية السَّرَخْسِيّ فيها: ((بتسعٍ)) بالموخَّدة وهي مُتَقاربة، قال الإسماعيليّ: من هنا إلى آخر ٢٩١/٩ الحديث وَقَعَ مُدرَجاً في رواية شُعَيب/ عن الزّهْرِيِّ، ووَقَعَ مُفَصَّلاً في رواية مَعمَر: قال الزّهْريِّ: فأخبرني عُرْوة عن عائشة قالت: لمَّا مَضَت تسع وعشرونَ ليلة دَخَلَ عليّ رسول الله ورسله .. الحديث. قلت: ونسبة الإدراج إلى شُعَيب فيه نظر، فقد تقدَّم في المظالم (٢٤٦٨) من رواية عُقَيل، عن الزُّهْريِّ كذلكَ، وأخرج مسلم طريقَ مَعمَر (٣٥/١٤٧٩) كما قال الإسماعيليّ مُفَصَّلة، والله أعلم. وقد تقدَّم في تفسير الأحزاب (٤٧٨٥ و٤٧٨٦): أنَّ البخاريّ حكى الاختلاف على الزُّهْريِّ في قصَّة التَّخيير: هل هي عن عُرْوة عن عائشة، أو عن أبي سَلَمةَ عن عائشة؟ قوله: ((فقال: الشَّهْر تسعٌ وعِشْرونَ ليلة، وكان ذلك الشَّهْر تسعاً وعِشْرِينَ ليلةً)) في هذا إشارة إلى تأويل الكلام الذي قبله، وأنَّه لا يُرادُ به الحَصر، أو أنَّ اللّام في قوله: ((الشَّهر)) للعهْدِ من الشَّهر المحلوف عليه، ولا يَلزَم من ذلك أن تكون الشُّهور كلّها كذلكَ، وقد أنكَرتْ عائشة على ابن عمر روايته المطلقة: أنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرونَ، فأخرج أحمد (٤٨٦٦) من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن عن ابن عمر رَفَعَه: ((الشَّهر تسع وعشرونَ)) قال: فَذَكَروا ذلك لعائشة، فقالت: يرحمُ الله أبا عبد الرَّحمن، إنَّما قال: الشَّهرُ قد يكون تِسعاً (١) في الأصلين: ((فلما))، والمثبت من (س)، ولعله قد وقع هنا في أصل النسخ سبق نظر نتج عنه سقط، بدليل أنَّ هذه الفقرة وقعت في الأصلين بعد فقرة: «فاعتزل نساءه من أجل ذلك .. ))، وكلاهما بعد قوله: ((وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهراً))، فلعله أراد أن يشرح هنا على قوله: ((فلما مضت تسع وعشرون ليلة))، والله أعلم. (٢) والتي سلفت في المظالم (٢٤٦٨).