Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح الخبزُ: إذا فَسَدَ، تريد أنها تُحسِن مراعاة الطعام، وتتعاهدُه بأن تُطعِمَ منه أولاً طريّاً، ولا تُغْفِلُه فيَفسُد. وقال القرطبي: فَسَّرَه الخطَّابي: بأنها لا تفسدُ الطعامَ المخبوز، بل تتعهده بأن تُطعمَهم منه أولاً فأولاً، وتَبعَه المازَرِي، وهذا إنما يتمَشَّى على الرواية التي وقعت للخطّابي(١)، وأما على رواية ((الصحيح)): ((ولا تَمَلأ)) فلا يستقيم، وإنما معناه: أنها تَتَعَّدُه بالتنظيف. والحاصل: أن الرّواية في الأولى كما في الأصل: ((ولا تُنْقِّثُ ميرَتَنَا تَنْقِيثاً)، وعند الخطَّبي: ((ولا تُفسدُ ميرتنا تغشيشاً)) بالغين المعجمة (٢)، واتفقتا في الثانية على: ((ولا تملأُ بيتنا تعشيشاً)) وهي بالعين المهملة، وعلى رواية الخطّابي هي أقعَدُ بالسَّجْع، أعني ((تغشيشا)) من ((تنقيثا))، والله أعلم. قوله: ((ولا تَملأُ بيتَنا تعشيشاً)) بالمهملة، ثم معجمتين، أي: أنها مُصلِحةٌ للبيت، مهتمَّة بتنظيفه، وإلقاء كُناسَته، وإبعادها منه، وأنها لا تكتفي بقَمِّ كُناسَته، وتركها في جوانبه كأنها الأعشاش. وفي رواية للطبراني (١٦٦/٢٣): ((ولا تعُشُّ)) بدل: ((ولا تَملأ)). ووقع في رواية سعيد بن سَلَمة التي عَلَّقها البخاري بعدُ: بالغين المعجمة بدل المهملة، وهو من الِغِشِّ ضدُّ الخالص، أي: لا تَلؤُه بالخيانة، بل هي ملازمةٌ للنصيحة فيما هي فيه. وقال بعضُهم: هو كنايةٌ عن عفَّة فَرْجها، والمراد أنها لا تَمَلأُ البيتَ وسخاً بأطفالها من الزّنى، وقال بعضُهم: كناية عن وصفها بأنها لا تأتيهم بشرِّ ولا تُهْمة. وقال الزَّمَشري في ((تعشيشا) بالعين المهملة: يحتمل أن يكون من عشَّشَت النَّخلةُ: إذا قَلَّ سَعَفُها، أي: لا تَلؤُه اختزالاً وتقليلاً لما فيه. (١) لم يقل ذلك القرطبي، وإنما قال في ((المفهم)) ٣٤٧/٦: وهذا إنما يتمشى على رواية من رواه: ((ولا تفسد ميرتنا تعشيشاً). قلنا: ولا يعني هذا أنَّ هذه هي رواية الخطابي، والله أعلم. (٢) رواية الغين المعجمة فسرها القرطبي في ((المفهم)) بأنها من الغش والخيانة، أي: لا تخوننا في شيء من ذلك، ولا تترك النصيحة في صنعه. ٥٤٢ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري ووقع في رواية الهيثم(١): ((ولا تُنجِّثُ أخبارَنا تنجيثاً) بنون وجيم ومثلثة، أي: تستخرجُها، وأصلُ النَّجِيثة: ما يُخرجُ من البئر من تراب، ويقال أيضاً بالموحّدة بدل الجيم. زاد الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن جعفر الوَرْكاني عن عيسى بن يونس: ((قالت عائشة: حتى ذكَرَت كلبَ أبي زَرْع))، وكذا ذكره الإسماعيلي عن البغوي عن الوَرْكاني، وزاد الهيثم بن عَديٍّ في روايته: ((ضَيفُ أبي زَرْعٍ، فما ضيفُ أبي زَرْع؟ في شِبَع ورِيٍّ ورَتْع. طُهاةٌ أبي زَرْعٍ، فما طُهاةُ أبي زَرْع؟ لا تَفْتُر ولا تُعدِّي، تقدَحُ قِدْراً وتنصب أخرى، فتُلحِقُ الآخرةَ بالأولى. مالُ أبي زَرْعٍ، فما مالُ أبي زَرْع؟ على الجُمَم معكوسٌ، وعلى العُفاة محبوسٌ)). وقوله: ((رِيِّ ورَتْع)) بفتح الراء وبالمثناة، أي: تنعُّم ومسَرَّة، و((الطّهاة)) بضم المهملة: ٢٧٣/٩ الطَّاخون، وقوله: ((لا تفتُّر)) بالفاء الساكنة، ثم المثناة المضمومة، أي:/ لا تَسكُن، ولا تَضعُفُ، وقوله: ((ولا تُعدِّي)) بمهملة، أي: تُصرِّفُ، و((تَقدَح)) بالقاف والحاء المهملة، أي: تَغْرِف(٢)، و(تَنصِب)) أي: ترفع على النار، و((الْجُمَم)) بالجيم: جمع جُمَّة، هم القوم يسألون في الدِّية، و((معكوسٌ)) أي: مردودٌ، و((العُفاة)): السائلون، و((محبوسٌ)) أي: موقوفٌ علیھم. قوله: ((قالت: خرج أبو زَرْع)) في رواية النسائي (ك٩٠٩٠): ((خرج من عندي))، وفي رواية الحارث بن أبي أسامةَ: ((ثم خرج من عندي). قوله: ((والأوطابُ تُخَض)) الأوطاب: جمعُ وَطْب بفتح أوّله: وهو وعاءُ اللَّبَن. وذكر أبو سعيد: أن جمعَه على أوْطاب على خلاف قياس العربية، لأنَّ فَعْلاً لا يُجمَع على أفْعال، بل على فِعال، وتُعقّبَ بأنه قال الخليل: جمعُ الوَطْب: وِطابٌ وأوْطاب. وقد جُمع فردٌ على أفراد، فبَطَلَى الحصرُ الذي ادَّعاه، نَعَم القياسُ في فَعْل: أفْعُل في القِلَّة، وفِعال أو فُعُول في (١) عند الدار قطني في ((الأفراد)) كما سلف. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: تفرق. ٠ ٥٤٣ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح الكثرة. قال عِياضٌ: ورأيتُ في رواية حمزة(١) عن النسائي: ((والآطاب)) بغير واو، فإن كان مضبوطاً فهو على إبدال الواو همزةً، كما قالوا: إكاف ووِكاف. قال يعقوب بن السِّكِّيت: أرادت أنه يُبكِّر بخروجه من منزلها غُدوةً وقتَ قيام الخَدَم والعبيد لأشغالهم، وانطَوَى في خبرها كثرةُ خير دارِّه، وغُزْر لَبنه، وأن عندهم ما يكفيهم ويفَضُلُ حتى يَمخُضوه، ويستخرجوا زُبْدَه، ويحتمل أن يكونَ أنها أرادت أن الوقت الذي خرج فيه، كان في زمن الخِصْب وطِيب الرَّبيع. قلت: وكأن سببَ ذكر ذلك توطئةٌ للباعث على رُؤية أبي زَرْع للمرأة على الحالة التي رآها عليها، أي: أنها من تَض اللَّن تَعَبَت، فاستلقت تستريحُ، فرآها أبو زرع على ذلك. قوله: ((فَلَقيَ امرأةً معها ولدان لها كالفَهْدين)» في رواية الطبراني (٢٦٥/٢٣): «فأبصر امرأةً لها ابنان كالفَهْدين))، وفي رواية لابن الأنباري: ((كالصَّقْرِين)»، وفي رواية الكاذِي: ((كالشِّبْلين))، ووقع في رواية إسماعيل بن أبي أوَيس: ((سارَّين حَسَنينِ نَفِيسَين)). وفائدةٌ وصفها لهما: التنبيهُ على أسباب تزويج أبي زَرع لها، لأنهم كانوا يرغبون في أن تكون أولادُهم من النساء المُنجِبات، فلذلك حَرَص أبو زَرع عليها لما رآها. وفي رواية للنسائي: ((فإذا هو بأمّ غلامين))، ووصفُها لهما بذلك للإشارة إلى صِغَر سنِّهما، واشتداد خَلْقهما. وتوارَدَتِ الرواياتُ على أنهما ابناها، إلّا ما رواه أبو معاوية عن هشام، فإنه قال: فمرَّ على جارية معها أخواها. قال عِياضٌ: يُتَأوَّلُ بأن المرادَ أنهما ولداها، ولكنَّهما جُعلا أخوَيها في حُسْنِ الصُّورة، وكمال الخِلقة، فإن ◌ُمِل على ظاهره، كان أدلَّ على صِغَر سنِّها، ويُؤْيِّدُه قولُه في رواية غُندَر: ((فَمَّر بجارية شابَّةٍ)). كذا قال، وليس لغُندَر في هذا الحديث روايةٌ، وإنما هذه روايةُ الحارث ابن أبي أسامةَ عن محمد بن جعفر - وهو الوَرْكاني - ولم يُدرِك الحارثُ محمد بن جعفر (١) هو حمزة بن محمد الكناني الحافظ، يروي عن النسائي وأبي يعلى الموصلي، ويروي عنه الدار قطني وابن منده وغيرهم، وهو أحد رواة ((السنن الكبرى)) للنسائي. وانظر «سير أعلام النبلاء)) ١٧٩/١٦. ٥٤٤ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري غُندَراً، ويُؤيِّدُ أنه الوَرْكاني: أن غُندَراً ما له روايةٌ عن عيسى بن يونس، وقد أخرجه الإسماعيلي عن البغوي عن محمد بن جعفر الوَزْكاني، ولكن لم يَسُق لفظَه. ثم إن كونَهما أخوَيها يدلُّ على صِغَر سنِّها، فيه نظرٌ، لاحتمال أن يكونا من أبيها، ووُلِدا له بعد أن طَعَنَ في السِّنِّ، وهي بِكرُ أولاده، فلا تكون شابَّةً. ويمكن الجمعُ بين كونِهما أخوَيها وولديها: بأن تكون لمَّا وضَعَت ولديها كانت أمُّها تُرضِع، فأرضَعَتهما. قوله: ((يلعبان من تحت خَصْرِها برُمّانتَين)) في رواية الحارث: من تحت دِرْعها، وفي رواية الهيثم: من تحت صَدْرها. قال أبو عبيد (٢/ ٣٠٨): يريد أنها ذاتُ كَفَل عظيم، فإذا استلقَتْ، ارتفع كَفَلُها بها من الأرض حتى يصيرَ تحتها فَجوةٌ تجري فيها الرُّمّانة، قال: وذهب بعضُ الناس إلى الثَّدْيينِ، وليس هذا موضعَه. انتهى، وأشار بذلك إلى ما جزم به إسماعيل بن أبي أوَيس، ويُؤيِّدُ قولَ أبي عُبيد ما وقع في رواية أبي معاوية(١): ((وهي مُستلقيةٌ على قَفاها، ومعهما رُمّانةٌ يَرمِيان بها من تحتها، فتخرج من الجانب الآخر من عِظَم ألْيَتَيها»، لكن رجَّحَ عِياضٌ تأويلَ الرُّمّانتينِ بالنَّهدينِ من جهة أن سِياقَ أبي معاوية هذا لا يُشبِهُ كلامَ أمِّ زَرْع، قال: فلعله من ٢٧٤/٩ كلام بعض رواته أورده على سبيل / التفسير الذي ظنَّه فأُدرِجَ في الخبر، وإلا لم تَجِرِ العادةُ بَلَعِب الصِّبيان، ورَميهم الرُّمّان تحت أصلاب أمَّهاتهم، وما الحاملُ لها على الاستلقاء حتى يَصْنعان ذلك، ويرى الرجالُ منها ذلك؟ بل الأشبهُ أن يكونَ قولها: ((يلعبان من تحت خَصِرِها)) أو ((صَدرِها)) أي: أن ذلك مكانُ الولدين منها، وأنهما كانا في حِضْنَيَها أو جَنْبيها، وفي تشبيه النَّهدَين بالرُّمّانتَينِ إشارةٌ إلى صِغَر ◌ِنِّها، وأنها لم تَترهَّل حتى تنكسرَ ثدياها وتتدَلَّى، انتھی. وما رَدَّه ليس ببعيد، أما نفيُ العادة فمسلَّمٌ، لكن من أين له أن ذلك لم يقع اتفاقاً؟ بأن (١) سلف تخريج رواية أبي معاوية في أول شرح هذا الحديث. ٥٤٥ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح تكونَ لمَّا استَلقَت وولداها معها شغَلَتهما عنها بالرُّمّانة يلعبان بها ليترُكاها تستريح، فاتَّفق أنهما لَعِبا بالهيئة التي حُكِيَت. وأما الحاملُ لها على الاستلقاء، فقد قدمتُ احتمالَ أن يكون من التَّعَب الذي حصل لها من المَخْض، وقد يقعُ ذلك للشخص فيَستَلْقي في غير موضع الاستلقاء، والأصل عدمُ الإدراج الذي تَخيَّلَه، وإن كان ما اختاره من أن المرادَ بالزُّمّانة ثَدْيُها أوْلى، لأنه أدخَلُ في وصف المرأة بصِغَر سنِّها، والله أعلم. قوله: ((فطَلَّقني ونكَحَها)) في رواية الحارث: فأعجَبتَه فطَلَّقني، وفي رواية أبي معاوية: ((فخَطَبها أبو زَرْع، فَتَزوَّجَها، فلم تَزَل به حتى طلَّقَ أمَّ زَرْع))، فأفاد السببَ في رغبة أبي زَرْع فیھا، ثم في تطلیقه أُم زَرْع. قوله: ((فنكحتُ بعده رجلاً)) في رواية للنسائي (ك٩٠٩٣): ((فاستبدلتُ، وكلُّ بَدَلٍ أعور))، وهو مَثَلٌ معناه: أن البدلَ من الشيء غالباً لا يقوم مقامَ المُبدَل منه، بل هو دونه وأنزلُ منه، والمراد بالأعور: المعيب، قال ثَعلَب: الأعور: الرَّديءُ من كلِّ شيء، كما يقال: كلمةٌ عوراء، أي: قبيحةٌ، وهذا إنما هو على الغالب وبالنِّسبة، فأخَبَرت أمُّ زَرْعٍ أن الزوج الثاني لم يَسُدَّ مَسَدَّ أَبِي زَرْعٍ. قوله: ((سَريّاً)) بمهملة ثم راء ثم تحتانية ثقيلة، أي: من سَراة الناس، وهم كُبَراؤهم في حُسْنِ الصُّورة والهيئة، والسَّريُّ من كلِّ شيء: خِيارُه، وفَسَّره الحربي بالسَّخِيِّ، ووقع في رواية الزُّبير: شابّاً سَرِيّاً. قوله: ((رَكِبَ شَرِيّاً)) بمعجمة ثم راء ثم تحتانية ثقيلة، قال ابن السِّكِّيت: تعني: فَرَساً خياراً فائقاً. وفي رواية الحارث: رَكِب فَرَساً عربياً، وفي رواية الزُّبير: ((أعوَجِيًّا)) وهو منسوبٌ إلى أعوَجَ، فرسٍ مشهورٍ تَنسُبُ إليه العربُ جِيادَ الخيل، كان لبني كِندة ثم لبني سُلَیم ثم لبني هلال، وقيل: لبني غَنِيٍّ، وقيل: لبني كِلاب، وكلَّ هذه القبائل بعد كِندة من قيس. قال ابن خالويه: كان لبعض ملوك كِندة، فغزا قوماً من قَيْس فقتلوه، وأخذوا فرسَه، وقيل: إنه رُكِّب صغيراً رَطْباً قبل أن يشتَدَّ، فاعوَجَّ وكَبِرَ على ذلك. ٥٤٦ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري والشَّري: الذي يستشري في سَيْره، أي: يَمِضِي فيه بلا فُتور، وشَرِيَ الرجلُ في الأمر: إذا لَجَّ فيه وتمادى، وشَرِيَ البَرَقُّ: إذا كثُرَ لَمَعانُه. قوله: ((وأخذ خَطَّا)) بفتح الخاء المعجمة وكسر الطاء المهملة، نسبةً إلى الخَطِّ: صفةٌ موصوفٍ، وهو الرُّمح، ووقع في رواية الحارث: ((وأخذ رُمِحاً خَطّا)). والخَطُّ: موضعٌ بنواحي البَحْرَين، تُجَلَبُ منه الرِّماح، ويقال: أصلُها من الهند، تُحمَل في البحر إلى الخَطِّ، المكان المذكور، وقيل: إن سفينةً في أول الزمان كانت مملوءةً رماحاً قَذَفها البحرُ إلى الخَطِّ، فخرجت رماحُها فيها، فنُسبَت إليها، وقيل: إن الرِّماح إذا كانت على جانب البحر تصيرُ كالخطِّ بين البَرَ والبحر، فقيل لها: الخَطِّةُ، لذلك، وقيل: الخَطُّ مَنْبَت الرِّماح، قال عِياض: ولا يَصحّ. وقيل: الخَطُّ: الساحلُ، وكلُّ ساحل خَطٌّ . قوله: ((وأراح)) بمهملتين، من الرَّواح، ومعناه: أتى بها إلى المراح، وهو موضعُ مَبيت الماشية، قال ابنُ أبي أوَيس: معناه: أنه غزا فغَنِمَ، فأتى بالنَّعَم الكثيرة. قوله: ((عليَّ)) بالتشديد، وفي رواية الطبراني (٢٦٥/٢٣): وأراح على بيتي. قوله: ((نَعَم)) بفتحتين، وهو جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، وهو الإبلُ خاصَّةً، ويطلقُ على جميع المواشي إذا كان فيها إبلِّ، وفي رواية حكاها عياض: ((نِعَما)) بكسر أوله، جمعُ نِعمة، والأشهرُ الأول. قوله: (ثَرِيّاً)) بمثلثة، أي: كثيرة، والثَّريُّ: المالُ الكثير من الإبل وغيرها، يقال: ثَرَی ٢٧٥/٩ فلانٌ فلاناً: إذا كَثَره، فكان في / شيءٍ من الأشياء أكثرَ منه، وذكَّر ((ثَريّا)) وإن كان وُصِفَ مُؤَنَّث لمراعاة السَّجع، ولأن كلَّ ما ليس تأنيثُه حقيقيّاً يجوز فيه التذكيرُ والتأنيث. قوله: ((وأعطاني من كلِّ رائحةٍ)) براء وتحتانية ومهملة. في رواية لمسلم (٢٤٤٨): ((ذابحة)) بمعجمة ثم موحّدة ثم مهملة، أي: مذبوحة، مثل: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، أي: مرضيّة، فالمعنى: أعطاني من كلِّ شيء يُذبح زوجاً. وفي رواية الطبراني (٢٦٩/٢٣): ((من كلِّ سائمةٍ))، والسائمةُ: الراعية، والرائحةُ: الآتيةُ وقتَ الرَّواح، وهو آخرُ النهار. ٥٤٧ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح قوله: ((زوجاً)) أي: اثنين من كلِّ شيءٍ من الحيوان الذي يَرْعى، والزَّوج يُطلَق على الاثنين، وعلى الواحد أيضاً، وأرادت بذلك كثرةَ ما أعطاها، وأنه لم يقتصر على الفَرد من ذلك. قوله: ((وقال: كلي أمَّ زَرْعٍ، ومِيرِي أهلَكِ)) أي: صِلِيهم وأَوسِعي عليهم بالمِيرة - بكسر الميم - وهي الطعام، والحاصل: أنها وَصَفَته بالسُّؤدُد في ذاته والشجاعة والفضل والجُودِ بكونه أباح لها أن تأكلَ ما شاءت من ماله، وتُهدِيَ منه ما شاءت لأهلها، مبالغةً في إكرامها، ومع ذلك فكانت أحوالُه عندها مُحْتَقَرةً بالنّسبة لأبي زَرْع، وكأن سببَ ذلك: أن أبا زَرْع کان أولَ أزواجها فسگنت محبّتُه في قلبها، کما قیل: ما الحُبُّ إلا للحبيب الأوَّلِ(١) زاد أبو معاوية في روايته: فتَزوَّجها رجلٌ آخر، فأكرمها أيضاً، فكانت تقول: أكرَمَني، وفَعَل بي، وتقول في آخر ذلك: لو جَمَع ذلك كلّه. قوله: ((قالت: فلو جمعتُ)) في رواية الهيثم: فجمعتُ ذلك كلَّه، وفي رواية الطبراني (٢٦٩/٢٣ و٢٧٢): فقلت: لو كان هذا أجمع في أصغر. قوله: ((كلَّ شيء)) في رواية للنسائي (ك٩٠٩٠): كلّ الذي. قوله: ((أعطانيه)) في رواية مسلم (٩٢/٢٤٤٨): ((أعطاني)» بلا هاء. قوله: ((ما بلغ أصغرَ آنية أبي زَرْع)) في رواية ابن أبي أَوَيس: ما مَلأ إناءً من آنية أبي زَرْعٍ(٢)، وفي رواية للنسائي: ما بَلَغَت إناءً، وفي رواية الطبراني: ((فلو جمعتُ كلَّ شيء أصبتُه منه، فجعلتُه في أصغر وِعاءٍ من أوعيةِ أبي زَرْع، ما ملأَه))، لأن الإناءَ أو الوعاءَ لا يسعُ ما (١) البيت لأبي تمام، وصدره: نقِّلْ فؤادك حيث شئتَ من الهوى انظر ((شرح ديوان أبي تمام)) لشاهين عطية ص ٤٦٣. (٢) قوله: ((أبي زرع)) أثبتناها من (س)، ولم ترد في الأصلين. ٥٤٨ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري يسعُ ما ذكرَتْ أنه أعطاها من أصناف النَّعَم، ويظهرُ لي حمله على معنَى غير مستحيل، وهي أنها أرادت: أنَّ الذي أعطاها جُملةً أراد أنها توزِّعُه على المدَّة إلى أن يجيءَ أوانُ الغَزو، فلو وَزَّعته لكان حظُّ كلِّ يومٍ مثلاً لا يملأُ أصغر آنية أبي زَرْع التي كان يطبخُ فيها في كلَّ يومٍ على الدَّوام والاستمرار، بغير نقص ولا قطع. قوله: ((قالت عائشة: قال رسول الله (وَلّ) في رواية الترمذي(١): ((فقال لي رسولُ الله ◌ِوَ) زاد الکاذِي في روایته: «یا عائُ))، وفي رواية ابن أبي أويس: ((يا عائشة)). قوله: ((كنتُ لكِ)) في رواية للنسائي (ك٩٠٩٠): ((فكنت لك))، وفي رواية الزُّبير: («أنا لك)»، وهي تفسيرُ المراد برواية: ((كنت))، كما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: أنتم، ومنه: ﴿مَنْ كَانَ فِ الْمَهْدِ﴾ [مريم:٢٩]، أي: مَن هو في المهد، ويحتمل أن تكون كان هنا على بابها، والمرادُ بها الاتصال، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] إذ المرادُ بيانُ زمان ماضٍ في الجملة، أي: كنتُ لكِ في سابق عِلْم الله. قوله: ((كأبي زَرْع لأُمّ زَرْع)) زاد في رواية الهيثم بن عديٍّ: ((في الأُلفة والوَفاء، لا في الفُرقة والجَلاء))، وزاد الزُّبير في آخره: ((إلّا أنه طَلَّقها، وإني لا أُطلِّقُك))، ومثلُه في رواية للطبراني (٢٣/ ٢٧٠)، وزاد النسائيُّ في روايةٍ له (ك٩٠٩٣) والطبرانيُّ (٢٦٩/٢٣): قالت عائشة: يا رسول الله، بل أنت خيرٌ من أبي زَرع، وفي أول رواية الزُّبير: بأبي وأُمِّي، لأنت خيرٌ لي من أبي زَرع لأُمِّ زَرع، وكأنه ◌َّ قال ذلك تطييباً لها، وطُمأنينةً لقلبها، ودفعاً لإيهام عموم التشبيه بجُملة أحوالِ أبي زَرْع، إذ لم يكن فيه ما تَذُمُّه النساءُ سوى ذلك، وقد وقع الإفصاحُ بذلك، وأجابت هي عن ذلك جواب مثلها في فضلها وعِلْمها. تنبيه: وقع عند أبي يعلى (٤٧٠٣) عن سُوَيد بن سعيد، عن سفيان بن عُيَينةَ، عن داود ابن شابور، عن عمر بن عبد الله بن عُرْوة، عن جدِّه عُرْوة، عن عائشة أنها حدَّثَت عن رسول الله وَ ﴿ عن أبي زَرع وأُمِّ زَرع، وذكرت شِعْرَ أبي زَرع في أمِّ زَرع. كذا فيه، ولم يَسُق (١) في ((الشمائل)) (٢٥١). ٥٤٩ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح لفظَه ولم أقِفْ في شيء من طرقه/ على هذا الشِّعر، وأخرجه أبو عَوَانة من طريق عبد الله بن ٢٧٦/٩ عمران، والطبراني (٢٧٣/٢٣) من طريق ابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عُيَينةَ بإسناده، ولم يَسُق لفظَه أيضاً. قوله: ((قال سعيد بن سَلَمةَ)) هو ابن أبي الحُسام، وهو مدني صدوقٌ، ما له في البخاري إلّا هذا الموضع. قوله: ((قال هشام)) هو ابن عُرْوةَ، يعني بهذا الإسناد، وقد وصله مسلم (٢٤٤٨) عن الحسن ابن عليٍّ عن موسى بن إسماعيل عنه، ولم يَسُق لفظَه بتمامه، بل ذكَر أن عنده: عَياياءُ(١) ولم يَشُكَّ، وأنه قال: وصِفرُ رِدائها، وخيرُ نسائها، وعَقرُ جارتها، وقال: ولا تَنَقُثُ مِيرتَنا تنقيثاً، وقال: وأعطاني من كلِّ رائحة (٢). وقد بيَّنْتُ ذلك كلَّه، وهذا الذي نبّهَ عليه البخاري من قوله: ((ولا تُعِّشُ بيتَنا تعشيشاً)) اختلف في ضبطه، فقيل: بالغين المعجمة، وقيل: بالمهملة، وقد تقدم بیانُه، وقد وَصَلَه أبو عَوَانَةَ في ((صحيحه)، والطبراني (٢٣/ ٢٦٥) بطوله، وإسناده موافقٌ لعيسى بن يونس، وأشرتُ إلى ما في روايته من المخالفة فيما تقدم مُفصَّلاً. وذكر الجيّاني: أنه وقع عند أبي زيد المروَزي بلفظ: ((قال سعيد بن سَلَمَةَ، عن أبي سَلَمَةَ: وعشش بيتنا تعشيشاً)) وهو خطأ في السند والمتن، والصَّواب: ((ولا تُعِّش))، والصواب: وقال موسى: حدثنا سعید عن هشام. قوله: ((قال أبو عبد الله: وقال بعضُهم: فأنقمَّحُ بالميم، وهذا أصحّ)) أبو عبد الله المذكور: هو البخاري المصنف، وهو يُوُضِّح أن الذي وقع في أصل روايته: ((أتقنَّحُ)) بالنون، وقد رواه: ((أتقمَّح)) بالميم من طريق عيسى بن يونس أيضاً: النسائي (ك٩٠٨٩) وأبو يعلى (٤٧٠١) وابن حبان (٧١٠٤) والجَوزَقي، وغيرهم. وكذا وقع في رواية سعيد ابن سلمة المذكورة، وفي رواية أبي عُبيد أيضاً (٢٨٧/٢)، وقد تقدم بيانُ الاختلاف في ضبطها ومعناها. (١) تحرَّفت في (س) إلى: عياناً. (٢) كذا في الأصلين و(س): ((رائحة))، والذي في ((صحيح مسلم)): ((ذابحة)). ٥٥٠ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: حُسنُ عِشْرة المرءِ أهلَه بالتأنيس، والمحادثة بالأُمور المباحة ما لم يُفضِ ذلك إلى ما يُمنع. وفيه المزحُ أحياناً، وبَسطُ النَّفْس به، ومداعبةُ الرجل أهله، وإعلامُه بمحبَّتَه لها ما لم يُؤدِّ ذلك إلى مفسدة تَترتب على ذلك من تجنِیها علیه، وإعراضها عنه. وفيه منعُ الفخر بالمال، وبيانُ جواز ذِكْر الفضل بأُمور الدِّين، وإخبارُ الرجل أهلَه بصورة حاله معهم، وتذكيرُهم بذلك، لا سيما عند وجود ما طُبِعنَ عليه من كُفْر الإحسان. وفيه ذكرُ المرأة إحسانَ زوجها. وفيه إكرامُ الرجل بعضَ نسائه بحضور ضَرَائرها بما يَخُصُّها به من قول أو فعل، ومحلُّه عند السلامة من المَيل المفضِي إلى الجَوْر، وقد تقدم في أبواب الهبَة(١) جوازٌ تخصيص بعض الزَّوجات بالتُّحَف واللُّطَف إذا استوفى للأخرى حقّها. وفيه جواز تحدُّثِ الرجل مع زوجته في غير نَوبتِها. وفيه الحديثُ عن الأُمَم الخالية، وضرب الأمثال بهم اعتباراً، وجوازُ الانبساط بذكر طُرَف الأخبار، ومُستطابات النَّوادر، تنشيطاً للنُّفُوس. وفيه حضّ النساء على الوَفاء لبُعولتهنَّ، وقَصْرِ الطَّرْف عليهم، والشُّكرِ لجميلهم، ووصْفُ المرأة زوجَها بما تعرفُه من حُسْنٍ وسوءٍ، وجوازُ المبالغة في الأوصاف، ومحلُّه إذا لم يَصِرْ ذلك دَيدَناً، لأنه يُفضي إلى خَرْم المروءة. وفيه تفسيرُ ما يُجمِلُه المخبِرُ من الخبر، إما بالسؤال عنه، وإما ابتداءً من تلقاءِ نفسِه. وفيه أن ذِكرَ المرءِ بما فيه من العيب جائزٌ إذا قَصَدَ التنفيرَ عن ذلك الفعل، ولا يكون ذلك غِيبةً، أشار إلى ذلك الخطَّابي، وتَعقَّبه أبو عبد الله الثَّميمي شيخُ عِياض: بأن الاستدلالَ بذلك إنما يَتِمُّ أن لو كان النبيُّ ◌َّهِ سمِع المرأةَ تغتابُ زوجَها، فأقرَّها، وأما الحكايةُ عمَّن (١) تحت شرح حديث (٢٥٨١). ٥٥١ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح ليس بحاضر، فليس كذلك، وإنما هو نظيرُ من قال: في الناس شخصٌ يُسِيء، ولعل هذا هو الذي أراده الخطَّبي، فلا تعقُّبَ عليه. وقال المازري: قال بعضُهم: ذكَرَ بعضُ هؤلاء النِّسوة أزواجهنَّ بما يكرهون، ولم يكن ذلك غِيبةً، لكونهم لا يُعرَفون بأعيانهم وأسمائهم. قال المازري: وإنما يُحتاجُ إلى هذا الاعتذار لو كان من تُحدِّثَ عنده بهذا الحديث سمع كلامَهنَّ في اغتياب أزواجهنَّ، فأقرَّهن على ذلك، فأما والواقعُ خلافُ ذلك، وهو أن عائشة حگت قصةً عن نسوةٍ مجهولات غائبات، فلا، ولو أن امرأة/ وَصَفَت زوجها بما ٢٧٧/٩ يكرهُه، لكان غِيبةً محرّمةً علی من یقوله ویسمعُه، إلّا إن كانت في مقام الشَّکوی منه عند الحاكم، وهذا في حقِّ المعيّن، فأما المجهولُ الذي لا يُعرف، فلا حَرَجَ في سماع الكلام فيه، لأنه لا يَتَأَذَّى، إلا إذا عُرفَ أن من ذُكِر عنده يَعرِفُه، ثم إن هؤلاء الرجال مجهولون لا تُعرف أسماؤُهم، ولا أعيانُهم، فضلاً عن أسمائهم، ولم يَتْبُت للنِّسْوة إسلامٌ حتى تَجِي علیھنّ حکمُ الغِيبة، فبطَلَ الاستدلالُ به لمَا ذُكر. وفيه تقويةٌ لمن كرهَ نكاحَ من كان لها زوجٌ، لمَا ظَهَرَ من اعتراف أمِّ زَرع بإكرام زوجها الثاني لها بقَدْر طاقته، ومع ذلك فحقَّرَته وصفَّرته بالنّسبة إلى الزوج الأول. وفيه أن الحُبَّ يستُرُ الإساءةَ، لأن أبا زَرْع مع إساءته لها بتطليقها، لم يمنَعها ذلك من المبالغة في وصفه إلى أن بلغت حدَّ الإفراط والغُلوِّ. وقد وقع في بعض طرقه إشارةٌ إلى أن أبا زَرْعِ نَدِم على طلاقها، وقال في ذلك شعراً، ففي رواية عمر بن عبد الله بن عُرْوةَ عن جدِّه عن عائشة أنها حدَّثَت عن النبيِّ وَّ عن أبي زَرِع وأُمِّ زَرِع، وذكرت شِعرَ أبي زَرْع على أمِّزَرْع (١). وفيه جوازُ وصف النِّساء ومحاسِنهنَّ للرجل، لكن محلَّه إذا كنَّ مجهولاتٍ، والذي يُمنَع من ذلك وصفُ المرأة المعيَّنة بحضرة الرجل، أو أن يُذكَر مِن وَصْفها ما لا يجوز للرجال تعمُّدُ النَّظَر إليه. (١) والتي أشار إليها الحافظ ابن حجر أنها عند أبي يعلى برقم (٤٧٠٣). ٥٥٢ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وفيه أن التَّشبيهَ لا يستلزم مُساواةَ المشبّه بالمشبّه به من كل جهة، لقوله بَّ: ((كنتُ لكِ كأبي زَرْع)»، والمرادُ ما بيَّنَه بقوله في رواية الهيثم: ((في الإِلفة)) إلى آخره، لا في جميع ما وُصِف به أبو زَرْع من الثَّروة الزائدة والابنِ والخادم وغيرِ ذلك، وما لم يُذكر من أُمور الدِّين كلِّها. وفيه أن كنايات الطلاق لا تُوقِعه إلّا مع مصاحَبة النِّيَّة، فإنه ◌َِّ تشبَّهَ بأبي زَرْع، وأبو زَرْع قد طلَّقَ، فلم يستلزم ذلك وُقوعَ الطلاق، لكونه لم يَقصِد إليه. وفيه جوازُ التأسِّي بأهل الفضل من كلِّ أُمة، لأن أمَّ زَرْعِ أَخَبَرَت عن أبي زَرْع بجميل عِشْرته، فامثله النبيُّ پێ کذا قال المھلَّب، واعترضه عیاض فأجاد، وهو أنه ليس في السِّیاق ما يقتضي أنه تأسی به، بل فيه أنه أخبر أنَّ حاله معها مثلُ حال أمِّ زَزع، نعم ما استنبطه صحيحٌ باعتبار أن الخبَر إذا سِيقَ، وظَهرَ من الشارع تقريرُه مع الاستحسان له، جاز التأسِّي به. ونحوٌ مما قاله المهلَّب قولُ آخر: إن فيه قَبُولَ خبرِ الواحد، لأن أمَّ زَرْع أخبرت بحال أبي زَرْعٍ، فامتثلَه النبيُّ وَّهَ، وتَعقَبه ◌ِياضٌ أيضاً فأجاد، نعم يُؤخَذ منه القَبُولُ بطريق أن النبيَّ ◌َّهِ أَقْرَّه، ولم ◌ُنكره. وفيه جوازُ قول: بأبي وأُمِّي، ومعناه: فداكَ أبي وأُمِّي، وسيأتي تَقريرُه في كتاب الأدب (٦١٨٤) إن شاء الله تعالى. وفيه مدحُ الرجل في وجهه إذا عُلمَ أن ذلك لا يُفسِدُه. وفيه جوازُ القول للمتزوِّج: بالرِّفاء والبنينَ، إن ثبتت اللَّفظةُ الزائدة أخيراً، وقد تقدم البحثُ فیه قبلُ بأبواب (٥١٥٥). وفيه أن من شأن النِّساء إذا تَحدَّثنَ أن لا يكونَ حديثُهنَّ غالباً إلّا في الرجال، وهذا بخلاف الرِّجال، فإن غالب حديثهم إنما هو فيما يتعلَّقُ بأُمور المعاش. وفيه جوازُ الكلام بالألفاظ الغريبة، واستعمال السَّجع في الكلام إذا لم يكن متكلَّفاً. قال عِياضٌ ما مُلخّصُه: في كلام هؤلاء النِّسوة من فصاحة الألفاظ، وبلاغة العِبارة، ٥٥٣ باب ٨٣ / ح ٥١٩٠-٥١٩١ كتاب النكاح والبَديع ما لا مَزيدَ عليه، ولا سيما كلامُ أمِّ زَرْع، فإنه مع كثرة فصوله، وقلّة فضوله، مختارُ الكلمات، واضحُ السِّمَات، بيِّنُ القَسَمَات(١)، قد قدَّرَت ألفاظَه قَدرَ معانيه، وقرَّرَت قواعدَه، وشيَّدَت مَبانيه، وفي كلامِهِنَّ ولا سيما الأولى والعاشرةُ أيضاً من فُنون التَّشبيه، والاستعارة، والكناية، والإشارة، والموازنة، والتَّرصيع، والمناسبة، والتَّوسيع، والمبالغة، والتَّسْجِيع، والتَّوليد، وضرب المثل، وأنواع المجانسة، وإلزام ما لا يَلزَمُ، والإيغال، والمقابلة، والمطابقة، والاحتراس، وحُسْن التفسير، والتَّرديد، وغرابة التَّقْسِيم، وغير ذلك أشياءُ ظاهرة لمن تأمَّلها، وقد أشرنا إلى بعضها فيما تقدم، وكَمَّل ذلك أنَّ غالب ذلك أُفرغَ في قالب الانسجام، وأتى به الخاطِرُ عفواً بغير تكلّف، وجاء لفظُه تابعاً لمعناه، منقاداً له، غيرَ مُستكرَه، ولا منافٍ، والله يَمُنُّ على من يشاءُ بما شاء، لا إلهَ إلَّا هو. ٥١٩٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: كان الحَبَشُ يَلْعَبُون بحِرَابهم، فسَتَرَني رسولُ اللهِوَّهِ وأنا أَنْظُرُّ، فما زِلْتُ أَنظُرُ حتَّى كنتُ أنا أنصَرِفُ، فاقدُروا قَدْرَ الجاريةِ الحديثةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللهْوَ. قوله: ((حدَّثنا هشام))/ هو ابن يوسف الصَّنعانيّ. ٢٧٨/٩ قوله: ((قَدْرَ الجارية الحديثة السِّنّ)) أي: القريبة العهد بالصِّغَرِ، وقد بيَّنت في شرح المتن في العيدَينِ (٩٥٠) أنَّها كانت يومئذٍ بنت خمس عشرة سنة أو أزيد، ووَقَعَ عند مسلم (١٧/٨٩٢) من رواية عَمْرو بن الحارث عن الزّهْريِّ: ((الجارية العَرِبة)) وهي بفتح المهمَلة وكسر الرّاء بعدها موخَّدة، وتقدَّم تفسيره في صِفَة الجنَّة من بَدْء الخلق(٢). ٨٣- باب مَوعِظةِ الرّجل ابنتَه حال زوجها ٥١٩١- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ أبي ثَوْرٍ، عن عبدِ الله بنِ عِيَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لم أزَل حَرِيصاً على أن أسألَ (١) تحرَّفت في (س) إلى: نيِّ النَّسَمَات. (٢) تحت باب (٨) ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. ٥٥٤ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري عمرَ بنَ الخطَّب عن المرأتينِ من أزواج النبيِّ وَّهِ اللَّتَينِ قال الله تعالى: ﴿إِن نَّنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] حتَّى حَجَّ وحَجَجْتُ معه، وعَدَلَ وعَدَلْتُ معه بإِدَاوَةٍ فتَبَرَّزَ ثمّ جاء، فسَكَبتُ على يَدَيه منها فَتَوضَّأ، فقلتُ له: يا أمِيرَ المؤمنينَ، مَنِ المرأتان من أزْواجِ النبيِّ ◌َيل اللَّان قال الله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ قال: واعَجَباً لكَ يا ابنَ عبَّاسٍ هما عائشةُ وحفصةٌ، ثمَّ اسْتَقبَلَ عمرُ الحديثَ يَسوقُه قال: كنتُ أنا وجارٌ لي منَ الأنصار في بني أُميَّةَ بنِ زيدٍ وهم من عَوَالي المدينةِ، وكَّا نَتَنَاوَبُ النُّزولَ على النبيِّ ◌َ، فَيَزِلُ يوماً وأنْزِلُ يوماً، فإذا نزلْتُ حِثْتُهُ بما حَدَثَ من ◌َخَرِ ذلك اليومِ منَ الوَحْرٍ أو غيرِهِ، وإذا نزلَ فعل مِثلَ ذلك، وكنَّا مَعْشَرَ قُرَيشٍ نَغْلِبُ النِّساءَ، فلمَّا قَدِمْنا على الأنصار إذا قومٌ تَغْلِيُهم نِساؤُهم، فِطَفِقَ نِساؤُنا يأْخُذْنَ من أدب نساءِ الأنصار، فسَخِبتُ على امرأتي فراجَعَتْني، فأنكَرْتُ أن تُراجِعَتي، قالت: ولمَ تُنُكِرُ أن أُراجِعَكَ؟ فوالله إنَّ أزْواجَ النبيِّ وَ لَيُراجِعْنَه، وإِنَّ إحداهُنَّ لَتَهْجُه اليومَ حتَّى اللَّيلِ. فأفزَعَني ذلك وقلتُ لها: قد خابَ مَن فعل ذلكِ منهنَّ. ثمَّ ◌َعْتُ عليَّ ثِيابي فنزلْتُ فَدَخَلْتُ على حفصةَ فقلتُ لها، أي: حفصةُ، أتُغاضبُ إحداكُنَّ النبيَّ ◌َهـ اليومَ حتَّى اللَّيلِ؟ قالت: نعم. فقلتُ: قد خِبْتٍ وخَسِرْتِ، أفَتَأْمَنِينَ أن يَغْضَبَ الله لِغَضَبٍ رسولِه ◌ِ وَ ﴿ فَتَهْلِكِي؟ لا تَسْتَكْثِرِي النبيَّ ◌َِّ ولا تُراجِعِيه في شيءٍ، ولا تَهْجُرِيه، وسَلِيني ما بَدا لكِ، ولا يَغُرَّنَّكِ أن كانت جارَتُكِ أَوْضَأْ مِنْكِ وأحَبَّ إلى النبيِّ وَّهِ يُرِيدُ عائشةَ -. قال عمرُ: وكنّا قد تَدَّثْنَا أنَّ غَسّانَ تَنْعَلُ الخيلَ لِتَغْزونا فنزلَ صاحبي الأنصاريُّ يومَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ إلينا عِشاءً، فضَرَبَ بابي ضَرْباً شديداً، وقال: أثَمَّ هو؟ ففَزِعْتُ فخَرَجْتُ إليه، فقال: قد حَدَثَ اليومَ أمرٌ عظيمٌ، قلتُ: ما هو؟ أجاء غَسّانُ؟ قال: لا، بل أعظَمُ من ذلك وأهوَلُ، طَلَّقَ رَسولُ اللهِ وَلِّ نساءَه - وقال عبيد بن حُنينٍ سمع ابنَ عباس، عن عمر، فقال: اعتزَلَ النبيُّ نَّهِ أزواجَه - فقلتُ: خابَت حفصةُ وخَسِرَت، قد كنتُ أظُنُّ هذا يوشِكُ أن يكونَ، فجَمَعْتُ عليَّ ثِيابي فصَلَّيتُ صلاةَ الفَجْرِ معَ النبيِّ وَّهِ فَدَخَلَ النبيُّ ◌َ مَشْرُبَةً له ٢٧٩/٩ فاعْتَزَّلَ فيها،/ ودَخَلْتُ على حفصةَ فإذا هي تَبْكي، فقلتُ: ما يُبْكِيكِ، ألم أكُن حَذَّرْتُكِ هذا، أَطَلَّقَكُنَّ النبيُّ ◌ََّ؟ قالت: لا أدري، ها هو ذا مُعتَزِلٌّ في المَشْرُبِةِ، فخَرَجْتُ فَجِئْتُ إلى المِنْيِ، ٥٥٥ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح فإذا حَوْلَه رَهْطٌ بَيْكي بعضُهم، فجَلَسْتُ معهم قَلِيلاً، ثمَّ غَلَبني ما أجِدُ، فِثْتُ المَشْرُبةَ التي فيها النبيُّ وَّل فقلتُ لِغلام له أسوَدَ: استأذِن لِعمرَ، فَدَخَلَ الغلامُ فَكَلَّمَ النبيَّ ◌َّهِ، ثمَّ رَجَعَ فقال: كَلَّمْتُ النبِّ وَّهِ وَذَكَرْتُكَ له فصَمَتَ، فانصَرَفْتُ حتَّى جَلَسْتُ معَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عندَ الِنِْ، ثمَّ غَلَبني ما أجِدُ فِثْتُ فقلتُ لِلغُلامِ: استأذِن لِعمرَ، فَدَخَلَ ثمَّ رَجَعَ، فقال: قد ذَكَرْتُكَ له فصَمَتَ، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عندَ الِثِْ، ثمَّ غَلَبني ما أجِدُ فجِئْتُ الغلامَ فقلتُ: استأذِنْ لِعمَرَ، فَدَخَلَ ثمَّ رَجَعَ إليَّ فقال: قد ذَكَرْتُكَ له فصَمَتَ، فلمَّا وَلَيْتُ مُنْصَرِفاً، قال: إذا الغلامُ يَدْعوني، فقال: قد أذِنَ لكَ النبيُّ نَّهِ. فَدَخَلْتُ على رسولِ الله وَيه فإذا هو مُضْطَجِعٌ على رِمال حَصِيرٍ ليس بينَه وبينَه فِراشٌ، قد أثَّرَ الرِّمالُ بجَنْبِهِ، مُتَّكِئاً على وِسادةٍ من أدَمِ حَشْوُها لِيفٌ، فسَلَّمْتُ عليه ثمّ قلتُ وأنا قائمٌ: يا رسولَ الله، أطَلَّقْتَ نساءَكَ؟ فَفَعَ إلَيَّ بَصَرَه فقال: ((لا)) فقلتُ: الله أكبرُ، ثمَّ قلتُ وأنا قائمٌ أستأنِسُ: يا رسولَ الله لو رأيتَني وكنَّا مَعْشَرَ قُرَيشٍ نَغْلِب النِّساءَ، فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ إذا قومٌ تَغْلِيُهم نِساؤُهم، فَتَبَسَّمَ النبيُّ ◌َِّ، ثُمَّ قلتُ: يا رسولَ الله لو رأيتَني ودَخَلْتُ على حفصةَ، فقلتُ لها: لا يَغُرَّنَّكِ أن كانت جارَتُكِ أَوْضَأْ مِنْكِ، وأحَبَّ إلى النبيِّ وَّهِ - يُرِيدُ عائشةَ - فَتَبَسَّمَ النبيُّ ◌َّهَ، تَبُّمَةً أُخرى، فجَلَسْتُ حينَ رأيتُهُ تَبَسَّمَ، فَرَفَعْتُ بَصَري في بيتِهِ فوالله ما رأيتُ في بيتِهِ شيئاً يَرُدُّ البَصَرَ غيرَ أَهَبَةٍ ثلاثةٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ فَلْيوسِّع على أمَّتِكَ، فإنَّ فارساً والرّومَ قد وُسِّعَ عليهم، وأُعْطوا الدُّنْيا وهم لا يَعْبُدُونَ اللهَ فجَلَسَ النبيُّ ◌َّهِ وكان مُتَّكِئاً فقال: ((أوَفي هذا أنتَ يا ابنَ الخطَّب؟! إنَّ أولئكَ قومٌ عُجِّلوا طيِّياتهم في الحياةِ الدُّنْيا)) فقلتُ: يا رسولَ الله، استَغْفِرْ لي. فاعْتَزَلَ النبيُّ ◌َّهِ نساءَه من أجْلِ ذلك الحديثِ حينَ أفشَتْه حفصةُ إلى عائشةَ تسعاً وعِشْرِينَ ليلةً، وكان قال: ((ما أنا بداخلٍ عليهنَّ شَهْراً)) من شِدّةِ مَوْجِدَتِهِ عليهنَّ حينَ عاَبَه الله، فلمَّا مَضَت تسعٌ وعِشْرونَ ليلةً دَخَلَ على عائشةَ فبَدَأ بها، فقالت له عائشةُ: يا رسولَ الله، إِنَّكَ كنتَ قد أقسَمْتَ أن لا تَدْخُلَ علينا شَهْراً، وإنَّما أصبَحْتَ من تسع وعِشْرِينَ ليلةً أَعُدُّها عَدّاً، فقال: (الشَّهْرُ تسعٌ وعِشْرونَ ليلةً)) وكان ذلك الشَّهْرُ تسعاً وعِشْرِين ليلةً، قالت عائشةُ: ثُمَّ أَنزَلَ الله تعالى آيَةَ التَّخَيُّ، فَبَدَأَ بي أوَّلَ امرأةٍ من نسائه، فاختَرْتُه، ثمَّ خَيََّ نساءَه كلَّهُنَّ، فقُلْنَ ٥٥٦ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري مِثْلَ ما قالت عائشة. قوله: ((باب مَوْعِظة الرجل ابنتَه لحال زَوْجها)» أي: لأجْلِ زوجها. قوله: ((عن ابن عبّاس قال: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر)) في رواية عُبيد بن حُنَين الماضية في تفسير التَّحريم (٤٩١٣) عن ابن عبّاس: مَكَثتُ سنةً أُريد أن أسأل عمر. قوله: ((عن المرأتينِ)»/ في رواية عُبيد: عن آية. ٢٨٠/٩ قوله: ((الَّتَيْنِ)) كذا في جميع النُّسَخ، ووَقَعَ عند ابن التِّين: ((التي)) بالإفرادِ وخَطَّأها فقال: الصَّواب ((اللَّتَيْنِ)) بالتَّنية. قلت: ولو كانت محفوظة لَأمكَنَ توجيهها. قوله: ((حتَّى حَجَّ وحَجَجْت معه)) في رواية عُبيد: فما أستطيع أن أسأله هَيبةً له، حتَّى خَرَجَ حاجّاً، وفي رواية يزيد بن رومان عند ابن مَرْدويه(١) عن ابن عبّاس: أردتُ أن أسأل عمر فكنت أهابُه، حتَّى حَجَجْنا معه، فلمَّا قَضَينا حَجَّنا قال: مَرحَباً بابنٍ عَمّ رسول الله ◌َِّ، ما حاجتك؟)). قوله: ((وعَدَلَ)) أي: عن الطَّريق الجادّة المسلوكة إلى طريق لا يُسلَك غالباً ليقضيَ حاجته، ووَقَعَ في رواية عُبيد: فخَرَجت معه، فلمَّا رَجَعنا وكنّا ببعضِ الطَّريق عَدَلَ إلى الأراك لحاجةٍ له. وبيَّن مسلم في رواية عُبيد بن حُنَين من طريق حَمَّاد بن سَلَمَةَ (٣٢/١٤٧٩) وابن عُيَينَةَ (٣٣/١٤٧٩) أنَّ المكان المذكور هو مَرُّ الظَّهران، وقد تقدَّم ضبطه في المغازي (٤٢٨٠). قوله: ((وعَدَلْت معه بإدَاوَةٍ، فَتَبَرَّزَ)) أي: قَضَى حاجته، وتقدَّم ضبط الإدَاوَة وتفسيرها في كتاب الطَّهارة (١٥٠)، وأصل تَبَرَّزَ من البَرَاز وهو الموضع الخالي البارز عن البيوت، ثمَّ أُطلِقَ على نفس الفِعل، وفي رواية حَمَّاد بن سَلَمَةَ المذكورة عند الطَّيالسِّ (٢٣): فدَخَلَ عمر الأراك يقضي حاجته، وقَعَدتُ له حتَّى خَرَجَ. فَيُؤخَذ منه: أنَّ المسافر إذا لم يَجِد الفَضاء لقضاءِ حاجته استَتَرَ بما يُمكِنِه السَّتر به من شَجَر البادية. قوله: ((فسَكَبْتُ على يَدَيه منها فتَوضَّأ)) في رواية عُقَيل عن الزّهْريِّ الماضية في المظالم (١) وأخرجها كذلك الطبراني في «الأوسط)) (٨٧٦٤). ٥٥٧ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح (٢٤٦٨): فسَكَبتُ من الإدَاوَة. قوله: ((فقلت له: يا أمير المؤمنينَ مَن المرأتان)) في رواية الطَّيالسيِّ: فقلت: يا أمير المؤمنينَ أُريدَ أن أسألك عن حديث مُنذُ سنة، فمَنَعتْنِي هَيْبْتُك أن أسألك. وتقدَّم في التَّفْسير من رواية عُبيد بن حُنَينِ: فَوَقَفْتُ له حتَّى فَرَغَ، ثمَّ سِرت معه فقلت: يا أمير المؤمنينَ مَن اللَّتان تَظاهَرَتا على النبيّ وَّ من أزواجه؟ قال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله إن كنتُ لَأُريد أن أسألك عن هذا مُنذُ سنة فما أستَطيع هَيبةً لك، قال: فلا تَفعَل، ما ظَنَتَ أنَّ عندي من عِلم فاسألني، فإن كان لي عِلمٌ خَبَّرتُك به، وفي رواية يزيد بن رومان المذكورة فقال: لا تسأل عنه أحداً أعلمَ بذلكَ منِّي. قوله: ((اللَّتان)) كذا في الأُصول، وحكى ابن التِّين: أنَّه وَقَعَ عنده: ((التي)) بالإفراد، قال: والصَّواب ((اللَّتان)) بالتَّنية. وقوله: ((قال الله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾)) أي: قال الله تعالى لهما: إن تَتوبا من التَّعاوُن على رسول الله وَّةِ، ويدلّ عليه قوله بعد: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾، أي: تَتَعاوَنا، كما تقدَّم تفسيره في تفسير السّورة (١)، ومعنى تَظاهُرهما: أنَّها تَعاوَنَتا حتَّى حَرَّمَ رسول الله ێۇ على نفسه ما حَرَّمَ، کما سيأتي بيانه. وقوله: ((قلوبكُما)) كَثُرَ استعمالهم في موضع الَّثنية بلفظ الجمع، كقولهم: وضَعا ڕِحالهما، أي: رَحْلي راحلتيهما. قوله: ((واعَجَباً لك يا ابن عبّاس)) تقدَّم شرحه في العلم (٨٩) وأنَّ عمر تَعَجَّبَ من ابن عبَّاس معَ شُهِرَته بعِلمِ التَّفسير، كيفَ خَفِيَ عليه هذا القَدْر معَ شُهرَته وعَظَمَته في نفس عمر، وتَقديمِه له في العلم على غيره، كما تقدَّم بيان ذلك واضحاً في تفسير سورة النَّصر (٤٩٧٠)، ومع ما كان ابن عبّاس مشهوراً به من الحرص على طلب العلم، ومُداخلة كِبار الصَّحابة وُمَّهات المؤمنينَ فيه، أو تَعَجَّبَ من حِرصِه على طلب فُنون التَّفسير حتَّى مَعرِفة (١) تحت باب قوله: ﴿إِن نَنُوبَآَ﴾ و﴿إِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ قبل الحديث رقم (٤٩١٥). ٥٥٨ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري المبهم، ووَقَعَ في ((الكَشّاف)): كأنَّه كَرِهَ ما سألَه عنه. قلت: وقد جَزَمَ بذلكَ الُّهْريُّ في هذه القصَّة بعَينِها، فيما أخرجه مسلم (٣٤/١٤٧٩) من طريق مَعمَر عنه قال بعد قوله: قال عمر: واعَجَباً لك يا ابن عبّاس! قال الزُّهْريّ: كَرِهَ والله ما سألَه عنه ولم يَكتُمه. واستبعد القُرطُبيُّ ما فهمَه الزُّهْرِيّ، ولا بُعدَ فيه. قلت: ويجوز في ((عَجَباً)) التَّنوين وعَدمُه، قال ابن مالك: ((و١)) في قوله: ((وا عَجَباً) إِن كان مُنَّناً فهو اسم فِعل بمعنى: أعجَبُ، ومثله: واهاً ووَيْ، وقوله بعده: ((عَجَباً) جيءَ بها تعجُّباً توكيداً، وإن كان بغير تنوين فالأصل فيه: واعَجَبي، فأُبدِلَت الكسرة فتحةً، ٢٨١/٩ فصارت الياءُ/ ألفاً، كقولهم: يا أسَفَا ويا حَسْرتَا، وفيه شاهد لجوازِ استعمال ((وا)) في مُنادَى غير مندوب، وهو مذهب المبرِّد، وهو مذهب صحيح. انتهى، ووَقَعَ في رواية مَعمَر: واعَجَبي لك(١). قوله: ((عائشة وحفصة)) كذا في أكثر الرِّوايات، ووَقَعَ في رواية حَّاد بن سَلَمَةَ وحده عنه: حفصة وأُمّ سَلَمَةَ، كذا حكاه عنه مسلم (٣٢/١٤٧٩)، وقد أخرجه الطَّيالسُّ في («مُسنَده)) (٢٣) عنه فقال: ((عائشة وحفصة)) مثل الجماعة. تنبيه: هذا هو المعتمَد أنَّ ابن عبّاس هو المبتَدِئ بسؤال عمر عن ذلك، ووَقَعَ عند ابن مَرْدويه من وجه آخر ضعيف عن عِمْران بن الحَكَم السُّلَميّ: حدَّثني ابن عبّاس قال: كنَّا نَسِيرٍ فَلَحِقَنا عمر ونحنُ نَتَحدَّث في شأن حفصة وعائشة، فسَكَتْنا حين لَحِقَنا، فعَزَمَ علينا أن نُخبرَه، فقلنا: تَذاكرنا شأن عائشة وحفصة وسوْدة، فذكر طَرَفاً من هذا الحديث وليس بتمامه، ويُمكِن الجمع: بأنَّ هذه القصّة كانت سابقة، ولم يتمگَّن ابن عبّاس من سؤال عمر عن شرح القصَّة على وجهها إلّا في الحال الثّاني. قوله: ((ثُمَّ استَقْبَلَ عمر الحديث يَسُوقُه)) أي: القصّة التي كانت سبب نزول الآية المسؤول عنها. (١) انظر ما سيأتي برقم (٢٤٦٨) لكن من طريق عُقيل عن ابن شهاب. ٥٥٩ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ كتاب النكاح قوله: ((كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار)) تقدَّم بيانه في العلم (٨٩)، ومَضَى في المظالم (٢٤٦٨) بلفظ: ((إنّي كنت وجارٌ لي)) بالرَّفع، ويجوز فيه النَّصب عطفاً على الضَّمير المنصوب في قوله: ((إنّي)). قوله: ((في بني أُميَّة بن زيد)» أي: ابن مالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف، من الأوس. قوله: ((وهم من عَوَالي المدينة)) أي: السُّكّان، ووَقَعَ في رواية عُقَيل: ((وهي)(١)، أي: القرية، والعَوَالي: جمع عالِيَة، وهي: قُرَى بقُرب المدينة ممَّا يَلي المشرق، وكانت منازِلَ الأوس، واسم الجار المذكور: أوس بن خَوليّ بن عبد الله بن الحارث الأنصاريّ، سماه ابن سعد من وجه آخر عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة، فذكر حديثاً (٨/ ١٩٠) وفيه: وكان عمر مُؤاخِياً أوس بن خَوليّ، لا يسمع شيئاً إلّا حدَّثه، ولا يسمع عمر شيئاً إلّا حدَّثه. فهذا هو المعتمد، وأمَّا ما تقدَّم في العلم (٨٩) عمَّن قال: إنَّه عِتْبان بن مالك، فهو من تركيب ابن بَشْكُوالٍ، فإنَّه جَوَّزَ أن يكون الجار المذكور عِثْبان، لأنَّ النبيّ وََّآخَى بينه وبين عمر، لكن لا يَلزَم من الإخاء أن يَتَجَاوَرا، والأخذ بالنَّصِّ مُقدَّم على الأخذ بالاستنباطِ، وقد صَرَّحَتِ الرِّواية المذكورة عن ابن سعد: أنَّ عمر كان مُؤاخِياً لأوسٍ هذا، فهذا بمعنى الصَّداقة لا بمعنى الإخاء الذي كانوا يَتَوارَثونَ به ثمَّ نُسِخَ، وقد صَرَّحَ ابن سعد (٥٤٢/٣) بأنَّ النبيّ ◌َِّ آخَى بين أوس بن خَوْلِيّ وشُجاع بن وَهْب، كما صَرَّحَ (٢٧٢/٣) بأنَّه آخَى بين عُمَر وعِتْبان بن مالك، فتَبيَّن أنَّ معنى قوله: ((كان مُؤاخياً) أي: مُصادِقاً، ويُؤيِّد ذلك أنَّ في رواية عُبيد بن حُنَين (٤٩١٣): وكان لي صاحبٌ من الأنصار. قوله: ((فإذا نزلْتُ)) الظّاهر أنَّ((إذا)) شرطيّة، ويجوز أن تكون ظَرفيَّة. قوله: ((جِئْه بما حَدَثَ من خَبَرَ ذلك اليوم من الوَحْي أو غيره» أي: من الحوادث الكائنة عن (٢) النبيّ وَِّ، وفي رواية ابن سعد المذكورة (١٩٠/٨): لا يسمع شيئاً إلّا حدَّثه به، ولا يسمع عمر شيئاً إلّا حدَّثه به، وسيأتي في خَبَرَ الواحد (٧٢٥٦) في رواية عُبيد بن حُنَين (١) سلف في المظالم برقم (٢٤٦٨). (٢) كذا في (ع)، وفي (أ) و(س): عند. ٥٦٠ باب ٨٣ / ح ٥١٩١ فتح الباري بشرح البخاري بلفظ: إذا غابَ وشَهِدتُ أتيتُه بما يكون من رسول الله وَّةِ، وفي رواية الطَّيالسيِّ: تَحَضُر رسولَ اللهِ لّه إذا غِيتُ، وأحضُرُه إذا غابَ، ويُخْبرني وأُخبره. قوله: ((وكنَّا مَعْشَرِ قُرَيش نَغْلِب النِّساء)) أي: نَحكُم عليهنَّ ولا يَحَكُمْنَ علينا، بخِلَاف الأنصار، فكانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رُومان: كنَّ ونحنُ بمگَّة لا يُكلِّم أحدٌ امرأته(١)، إذا كانت له حاجة قَضَى منها حاجته، وفي رواية عُبيد بن حُنَين (٤٩١٣): ما نَعُدّ للنِّساءِ أمراً، وفي رواية الطَّيالسيِّ: كنَّا لا نَعتَّ بالنِّساءِ، ولا نُدخِلُهُنَّ في ◌ُمورنا. قوله: ((فطَفِقَ)) بكسرِ الفاء وقد تُفْتَح، أي: جَعَلَ أو أخَذَ، والمعنى أنَّهُنَّ أخَذنَ في تَعلُّم ذلك. قوله: ((من أَدب نساء الأنصار)) أي: من سِيرَتهنَّ وطريقتهنَّ، وفي الرِّواية التي في المظالم (٢٤٦٨): ((من إرْب)) بالرّاءِ(٢) وهو العقل، وفي رواية مَعمَر عند مسلم (٣٤/١٤٧٩): ٢٨٢/٩ يَتَعلَّمنَ من نسائهم، وفي رواية/ يزيد بن رومان: فلمَّا قَدِمنا المدينة تزوَّجنا من نساء الأنصار، فجَعَلْنَ يُكلِّمنَنا ویُراجِعنَنا. قوله: ((فسَخِبْتُ)) بسينٍ مُهمَلة ثمَّ خاء مُعجَمة ثمَّ موخَّدة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: بالصّادِ المهمَلة بَدَل السّين، وهما بمعنَى، والصَّخَب والسَّخَب: الزَّجر من الغضب، ووَقَعَ في رواية عُقَيل عن الزُّهْريِّ الماضية في المظالم: ((فصِحْتُ)) بحاءٍ مُهمَلة من الصِّياح وهو رفعُ الصَّوت، ووَقَعَ في رواية عُبيد بن حُنَينِ: ((فبينما أنا في أمرٍ أتأمَّرُه)) أي: أتفَكَّر فيه وأُقَدِّره ((فقالت امرأتي: لو صَنَعتَ كذا وكذا)). قوله: ((فأنكَرْتُ أن تُراجِعَني)) أي: تُرادِدُني في القول وتُناظرُني فيه، ووَقَعَ في رواية عُبيد (١) زاد هنا في (س) لفظة: ((إلّا))، وهو خطأ. (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وليس ذلك في النسخ التي بين أيدينا، وإنما هي ((أدب)) بالدال، قال القسطلاني في «إرشاد الساري)) ٢٧١/٤ في تعليقه على هذا الموضع من المظالم: ((أدب نساء الأنصار)) بالدال المهملة، كذا وجدته في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة، وقال الحافظ ابن حجر: إنه بالراء، قال: وهو العقل.