Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ باب ١٥ / ح ٥٠٨٨ كتاب النكاح تقصيرٌ بالمرأة والأولياء، فإذا رَضُوا صَحَّ، ويكون حَقّاً لهم تَرَكوه، فلو رَضُوا إلّا واحداً فله فسخُه؛ وذكر / أنَّ المعنى في اشتراط الولاية في النِّكاح كيْ لا تُضَيِّعَ المرأة نفسها في غير ١٣٣/٩ گُفء. انتھی. ولم يَتْبُت في اعتبار الكفاءة بالنَّسَب حديث، وأمَّا ما أخرجه البزَّار (٢٦٧٧) من حديث معاذ رَفَعَه: ((العربُ بعضهم أكْفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض)) فإسناده ضعيف(١)، واحتجَّ البيهقيُّ (٧/ ١٣٤) بحديثٍ واثِلةَ مرفوعاً: ((إنَّ الله اصطَفَى بني كِنانةَ من بني إسماعيل)) الحديث، وهو صحيح أخرجه مسلم (٢٢٧٦)، لكن في الاحتجاج به لذلك نظرٌ، لكن ضَمَّ بعضهم إليه حديث: ((قَدِّموا قُرَيشاً ولا تَقَدَّموها)»(٢)، ونَقَلَ ابن المنذِر عن البُوَيطيّ أنَّ الشافعيّ قال: الكَفاءة في الدِّين، وهو كذلك في ((مختصر البَوَيطيّ))، قال الرّافعيّ: وهو خِلَافٌ مشهور. ونَقَلَ الأَبْرِيُّ(٣) عن الرَّبيع: أنَّ رجلاً سألَ الشافعيّ عنه فقال: أنا عربيّ لا تسألني عن هذا. ثمَّ ذكر المصنّف في الباب أربعة أحاديث: الحديث الأوَّل: حديث عائشة. قوله: ((أنَّ أبا حُذَيفة)) اسمه مُهَشِّم على المشهور، وقيل: هاشم، وقيل غير ذلك، وهو خالُ معاوية بن أبي سفيان. قوله: (تَبنَى)) بفتح المثنّاة والموخَّدة وتشديد النُّون بعدها ألف، أي: اتَّخَذَه ولداً، وسالم: هو ابن مَعِل مولى أبي حُذَيفة، ولم يكن مولاه وإنَّما كان يُلازِمه، بل كان من حُلَفائه كما (١) وروي مثله عن ابن عمر وعائشة عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) ١٣٤/٧ و١٣٥، وهما ضعيفان بمرَّة. (٢) روي عن غير واحد بأسانيد ضعيفة، وأصلحُ شيء في الباب مرسل الزهري عند الشافعي في ((الأم)» ١٨٨/١، ورجاله ثقات. وسيأتي تخريج الحديث للحافظ عند شرح الحديث (٧١٤٠). (٣) تصحف في (س) إلى: الابزي. والآبُري: هو محدِّث سِجِستان أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري، نسبة إلى آبر: قرية من قرى سِجِستان، صنّف كتاب ((مناقب الشافعي))، توفي سنة ٣٦٣هـ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٢٩٩/١٦ - ٣٠٠. ٢٦٢ باب ١٥ / ح ٥٠٨٨ فتح الباري بشرح البخاري وَقَعَ في رواية لمسلم (٢٦/١٤٥٣)، وكان استشهاد أبي حُذَيفة وسالم جميعاً يوم اليمامة في خلافة أبي بكر. قوله: ((وأنكَحَه)) أي: زَوَّجَهُ ((هِنْداً)) كذا في هذه الرِّواية، ووَقَعَ عند مالك (٦٠٥/٢ -٦٠٦): فاطمة، فلعلَّ لها اسمَينٍ، والوليد بن عُتْبةَ أحد مَن قُتِلَ ببدرٍ كافراً. وقوله: ((بنت أَخِيه)) بفتح الهمزة وكسر المعجَمة ثمَّ تحتانيَّة، هو الصَّحیح، وحكى ابن الِّين أنَّ في بعض الرّوايات بضمِ الهمزة وسكون الخاء ثمَّ مُثنّاة، وهو غَلَط. قوله: ((وهو مولى امرأة من الأنصار)) تقدَّم بيان اسمها في غزوة بدر (٤٠٠٠). قوله: ((كما تَبِنَّى النبيّ وَّ﴿ زيداً)) أي: ابن حارثة، وقد تقدَّم خبرُه بذلك في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٨٤). قوله: ((فمَن لم يُعلَم له أب)) بضمٍّ أوَّل ((يُعلَم)) وفتح اللّام على البناء للمجهولِ. قوله: ((كان مَوْلَّى وأخاً في الدِّين)) لعلَّ في هذا إشارة إلى قولهم: مولى أبي حُذَيفة، وأنَّ سالماً لمَّا نزلت ﴿ آدْعُوهُمْ لَبَآيِهِمْ﴾ كان مَّن لا يُعلَم له أبٌّ فقيلَ له: مولى أبي حُذَيفة. قوله: ((إنّ كنَّا نَرَى)) بفتح النُّون، أي: نَعتَقِد. قوله: ((سالماً ولداً) زاد البَرْقانيّ من طريق أبي اليَمَان شيخ البخاريّ فيه، وأبو داود (٢٠٦١) من رواية يونس عن الزُّهْريِّ: فكان يأوي معي ومع أبي حُذَيفة في بيت واحد، فيَراني فُضُلاً؛ وفُضُلاً بضمِّ الفاء والمعجَمة، أي: مُتَبذِّلة في ثياب المهنة، يقال: تَفَضَّلَت المرأةُ: إذا فَعَلَت ذلك، هذا قول الخطَّابيّ وتَبِعَه ابن الأثير، وزاد: ((وكانت في ثوب واحد))، وقال ابن عبد البَرّ: قال الخليل: رجلٌ فُضُل: مُتَوَشِّح في ثوب واحد يُخَالِف بين طَرَّفَيه، قال: فعلى هذا فمعنى الحديث: أنَّه كان يَدخُل عليها وهي مُنكَشِفُ بعضُها، وعن ابن وَهْب: فُضُلٌ: مكشوفة الرَّأس والصَّدر، وقيل: الفُضُل: الذي عليه ثوب واحد ولا إزار تحته. وقال صاحب ((الصِّحاح)): تَفَضَّلَت المرأةُ في بيتها: إذا كانت في ثوب واحد كقميصٍ لا کُمَّینِ له. ٢٦٣ باب ١٥ / ح ٥٠٨٨ كتاب النكاح قوله: ((وقد أنزَلَ الله فيه ما قد علمتَ)) أي: الآية التي ساقها قبلُ وهي: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآِبِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. قوله: ((فذكر الحديثَ)) ساقَ بَقِيَّتَه البَرْقانيُّ وأبو داود (٢٠٦١): «فكيفَ تَرَى؟ فقال رسول الله وَلٍ: أَرضِعيهِ، فأرضَعَته خمسَ رَضَعات فكان بمَنزِلة ولدها من الرَّضاعة، فبذلك كانت عائشة تأمُر بناتِ إخوَتها وبناتِ أخواتها أن يُرضِعنَ مَن أحَبَّت عائشةُ أن يراها ويَدْخُلَ عليها وإن كان كبيراً خمس رَضَعات ثمَّ يَدخُل عليها، وأبَتْ أمّ سَلَمةَ وسائر أزواج النبيّ ﴿ أن يُدخِلنَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعة أحداً من الناس حتَّى يَرَضَعَ في المهد، وقُلنَ لعائشة: والله ما ندري لعلَّها رُخْصةٌ من رسول الله ◌ِ ﴿ لسالم دون الناس». ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من طريق فيّاض بن زُهَير عن أبي اليَمَان فيه معَ عُرْوة أبو عائذ الله ابنُ رَبيعة، ومع عائشةَ أمُّ سَلَمَةَ، وقال في آخره: لم يَذكُرهما البخاريّ في إسناده. قلت: وقد أخرجه النَّسائيُّ/ (٣٢٢٣) عن عمرانَ بن بَكّارٍ عن أبي اليَمَان مختصراً ١٣٤/٩ كرواية البخاريّ، وأخرجه البخاريّ في غزوة بدر (٤٠٠٠) من طريق عُقَيل عن الزّهْرِيّ كذلك واختَصَرَ المتنَ أيضاً، وأخرجه النَّسائيُّ (٣٢٢٤) من طريق يحيى بن سعيد عن الزّهْريِّ فقال: عن عُرْوة وابن عبد الله بن أبي ربيعة كلاهما عن عائشة وأُمّ سَلَمَةَ. وأخرجه أبو داود (٢٠٦١) من طريق يونس كما تَرَى، وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٣٨٨٥) عن مَعمَر، والنَّسائيُّ (ك٥٤٢٦) من طريق جعفر بن ربيعة، والذَّهْلِيّ من طريق ابن أخي الزُّهْرِيِّ، كلُّهم عن الزُّهْريِّ كما قال عُقَيل، وكذا أخرجه مالك (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦) وابن إسحاق عن الزُّهْريِّ، لكنَّه عند أكثر الرُّواة عن مالكٍ مُرسَل. وخالَفَ الجميعَ عبدُ الرَّحمن بن خالد بن مُسافِرٍ عن الزُّهْرِيِّ فقال: عن عُرْوة وعَمْرة كلاهما عن عائشة، أخرجه الطبرانيّ (٢٤/ ٧٤١). قال الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات)): هذه الرِّوايات كلُّها عندنا محفوظة إلّا رواية ابن مُسافِرٍ فإنَّها غير محفوظة، أي: ذِكرُ عَمْرة في إسناده، قال: والرجل المذكور معَ عُرْوة لا أعرِفُه إلّا أنَّني أتوهَّم أنَّه إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن أبي رَبيعة، ٢٦٤ باب ١٥ / ح ٥٠٨٨ فتح الباري بشرح البخاري فإنَّ أمّه أمُّ كُلثوم بنت أبي بكر، فهو ابن أُخت عائشة، كما أنَّ عُرْوة ابن أُختها، وقد روى عنه الزُّهْريُّ حديثَينِ غير هذا، قال: وهو برواية يحيى بن سعيد أشبَهُ، حيثُ قال: ((ابن عبد الله بن أبي ربيعة)) فنَسَبَه لجدِّه، وأمَّا قول شُعَيب: ((أبو عائذ الله)) فهو مجهول. قلت: لعلَّها كُنْية إبراهيم المذكور، وقد نَقَلَ المِّيُّ في ((الَّهذيب)) قولَ الذُّهْلِيِّ هذا وأقَرَّه، وخالَفَ في ((الأطراف)) فقال: أظنّه الحارثَ بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ يعني: عَمَّ إبراهيم المذكور، والذي أظنُّ أنَّ قول الذُّهْلِيِّ أشبَهُ بالصَّواب، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه أبو عبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، فإنَّ هذا الحديث بعينِه عند مسلم (١٤٥٤) من طريقه من وجه آخر، فهذا هو المعتمد، وكأنَّ ما عَدَاه تصحيف، والله أعلم. وقد أخرج مسلم (٢٦/١٤٥٣ و٢٧ و ٢٨) هذا الحديث من طريق القاسم بن محمَّد عن عائشة، ومن طريق زينب بنت أمّ سَلَمةَ عن أمّ سَلَمةَ (٢٩/١٤٥٣)، فله أصلٌ من حديثهما، ففي روايةٍ للقاسم عنده (٢٦/١٤٥٣): جاءت سَهْلة بنت سُهَيل بن عَمْرو فقالت: يا رسول الله، إني أَرى(١) في وجه أبي حُذَيفة من دخول سالم وهو حَلِيفه، فقال: ((أرضِعيه)) فقالت: وكيف أُرضِعُه وهو رجل كبير؟ فَتَبَسَّمَ رسول الله وَّه وقال: ((قد علمتُ أنَّه رجل كبير))، وفي لفظ: فقالت: إنَّ سالماً قد بَلَغَ ما يَبلُغ الرِّجال، وإنَّه يَدخُل علينا، وإنّ أظنّ أنَّ في نفس أبي حُذَيفة شيئاً من ذلك، فقال: ((أرضِعِيه ◌َحرُمي عليه)) فَرَجَعَت إليه فقالت: إنّي قد أرضَعتُه فذهب الذي في نفس أبي حُذَيفة، وفي بعض طرق حديث زينب: قالت أمّ سَلَمةَ لعائشة: إنَّه يَدخُل عليكِ الغلامُ الذي ما أُحِبّ أن يَدخُل عليَّ، فقالت: أمَا لكِ في رسول الله وَّةٍ أُسوة، إنَّ امرأة أبي حُذَيفة ... فذكرت الحديث مختصراً، وفي رواية: الغلامُ الذي قد استَغنى عن الرَّضاعة، وفيها: فقال: ((أرضيعه)) قالت: إنَّه ذو لحية، فقال: ((أرضِعيه يذهبْ ما في وجه أبي حُذَيفة)) قالت: فوالله ما عَرَفتُه في وجه أبي حُذَيفة، وفي لفظ عن أمّ سَلَمةَ (١٤٥٤): أبَى سائرُ أزواج النبيّ وَِّ أن يُدخِلنَ عليهنَّ (١) كذا في (ع) على الصواب. وهو الموافق للمطبوع من ((الصحيح))، ووقع في (أ) و(س): يا رسول الله إن في وجه أبي حذيفة. ٢٦٥ باب ١٥ / ح ٥٠٨٩ كتاب النكاح أحداً بتلك الرَّضاعة، وقُلنَ لعائشة: والله ما نَرَى هذا إلّا رُخصةً لسالم، فما هو بداخلٍ علینا أحدٌ بهذه الرَّضاعة ولا رائینا. قلت: وهذا العمومُ مخصوص بغير حفصة كما سيأتي في أبواب الرَّضاع (٥١٠٢)، ونذكر هناك حُكمَ هذه المسألة، أعني إرضاع الكبير إن شاءً الله تعالى. ٥٠٨٩- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: دَخَلَ رسولُ اللهِوَِّ على ضُبَاعَةَ بنتِ الزُّبَيرِ فقال لها: (لعلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ)) قالت: والله لا أَجِدُني إلّا وَجِعةً، فقال لها: ((حُجِّي واشتَرِطي، قولي: اللهمَّ ◌َحِّي حيثُ حَبَسْتَي))، وكانت تحتَ الِقْدادِ بنِ الأسوَدِ. الحديث الثاني: حديث عائشة في قصَّة ضُباعة بنت الزُّبَير بن عبد المطَّلِب الهاشميَّة بنت عَمّ النبيّ وََّ في الاشتراط في الحجّ، وقد تقدَّم البحث فيه في أبواب المحصَر من كتاب الحجّ (١٨١٠). وقوله في هذا الحديث: ((ما أجِدُني)) أي: ما أجِدُ نفسي، واتّحادُ الفاعل والمفعول مع گونِهِما ضميرَينٍ لشيءٍ واحدٍ من خصائص أفعال القلوب. وفي الحديث جوازُ اليمين في دَرْج الكلام بغير قصد. وفيه أنَّ المرأة لا يجبُ عليها أن تَستأمِرَ زوجها في حَجّ الفَرْض، كذا قيلَ، ولا يَلزَم من كونِه لا يجوز له مَنعُها أن يَسقُطَ عنها استئذانُه. قوله في آخره: / ((وكانت تحت المِقْداد بن الأسود)) ظاهر سياقه أنَّه من كلام عائشة، ١٣٥/٩ ويحتمل أنَّه من كلام عُرْوة، وهذا القَدْر هو المقصود من هذا الحديث في هذا الباب، فإنَّ المقداد - وهو ابن عَمْرو الكِنْدِيّ - نُسِبَ إلى الأسوَد بن عبد يَغُوث الزُّهْرِيِّ لكَونِهِ تَبنّاه، فكان من حُلَفاء قُرَيش، وتزوَّجَ ضُبَاعَةَ وهي هاشميَّة، فلولا أنَّ الكفاءة لا تُعتَبر بالنَّسَب، لمَا جازَ له أن يَتزوَّجها لأنَّها فوقه في النَّسَب، ولِلَّذِي يَعتَبِ الكَفاءَةَ في النَّسَب أن يُجِيب بأنَّهَا رَضِيَت هي وأولياؤُها، فسَقَطَ حَقّهم من الكفاءة، وهو جواب صحيح إِن ثَبَتَ أصل اعتبار الكفاءة في النَّسَب. ٢٦٦ باب ١٥ / ح ٥٠٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٥٠٩٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ عَُّ، عن النبيِّ وَّهِ قال: «تُنكَحُ المرأةُ لأربع: لمالِها ولِحَسَبِها وجَمالِها ولِدِينِها، فاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَداكَ)). الحديث الثّالث: حديث أبي هريرة. قوله: ((تُنكَح المرأة لأربعٍ)) أي: لأجلِ أربع. قوله: ((لمالها ولحَسَبِها)) بفتح المهمَلتَينِ ثمَّ موخَّدة، أي: شَرَفها، والحَسَب في الأصل: الشَّرَف بالآباءِ وبالأقارب، مأخوذ من الحِسَاب، لأنَّهم كانوا إذا تَفاخَروا عَدُّوا مناقبهم ومَآئِرِ آبائهم وقومهم وحَسَبُوها، فيُحكَم لمن زاد عددُه على غيره، وقيل: المراد بالحَسَب هنا: الفِعال الحسنة، وقيل: المال، وهو مردود لِذِكْر المال قبله وذكره معطوفاً عليه. وقد وَقَعَ في مُرسَل يحيى بن جَعْدة عند سعيد بن منصور (٥٠٢): ((على دينِها ومالها وعلى حَسَبِها ونَسَبِها»، وذِكرُ النَّسَب على هذا تأكید. ويُؤخَذ منه: أنَّ الشَّريف النَّسيب يُستَحَبّ له أن يَتزوَّجِ نَسِيبةً، إلّا إن تَعارَضَ نسيبةٌ غير ديِّنة وغير نَسِيبة ديِّنة فتُقَدَّم ذات الدّين، وهكذا في كلّ الصِّفات. وأمَّا قول بعض الشافعيّة: يُستَحَبّ أن لا تكون المرأة ذات قَرابةٍ قريبة، فإن كان مُستَنِداً إلى الخبر فلا أصلَ له (١)، أو إلى التَّجرِبة وهو أنَّ الغالب أنَّ الولد بينَ القريبَينِ يكون أحمقَ، فهو مُتَّجِه. (١) يشير إلى الخبر ((اغتربوا لا تُضْوُوا)) يعني: اغتربوا في النكاح، وقد ذُكر في بعض كتب الغريب والفقه على أنه حديث، وليس كذلك، وذكره ابن الملقِّن في ((البدر المنير)» ٧/ ٥٠٠ وقال: لم أرَ في الباب في کتاب حديثيّ ما يُستَأنس به إلا ما وجدتُ في ((غريب الحديث)) لإبراهيم الحربي من حديث عبد الله بن المؤمَّل عن ابن أبي مليكة قال: قال عمر لآل السائب: قد أضويتم، فانكحوا في النزائع؛ قال الحربي: المعنى: تزوَّجوا الغرائب. انتهى، قلنا: ومعنى قوله: ((أضويتم)) أي: هزلتهم ونحفتم، وقد أخرجه أيضاً عن عمر بهذا الإسناد أبو بكر الدِّينَوري في ((المجالسة)) (١٤٣٧)، وعبد الله بن المؤمَّل ضعيف، وابن أبي مليكة لم يدرك عمر فهو منقطع. ٢٦٧ باب ١٥ / ح ٥٠٩٠ كتاب النكاح وأمَّا ما أخرجه أحمد (٢٢٩٩٠) والنَّسائيُّ (٣٢٢٥) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٠٠) والحاكم (٢/ ١٦٣) من حديث بُرَيدة رَفَعَه: ((إنَّ أحساب أهل الدُّنيا الذي يذهبونَ إليه المالُ))، فيحتمل أن يكون المراد أنَّه حَسَبُ مَن لا حَسَبَ له، فيقوم النَّسَب الشَّريف لصاحبه مقامَ المال لمن لا نَسَب له، ومنه حديث سَمُرة رَفَعَه: «الْحَسَبُ المالُ، والكَرَم التَّقْوَى)) أخرجه أحمد (٢٠١٠٢) والتِّرمِذيّ (٣٢٧١) وصَخَّحَه هو والحاكم (١٦٣/٢ و٣٢٥/٤). وبهذا الحديث تَمَسَّكَ مَن اعتَبَرَ الكَفاءَةَ بالمال، وسيأتي في الباب الذي بعده، أو أنَّ مِن شأن أهل الدُّنيا رِفعةَ مَن كان كثير المال ولو كان وَضِيعاً، وضَعَة مَن كان مُقِلَّ ولو كان رفيعَ النَّسَب، كما هو موجودٌ مُشاهَد، فعلى الاحتمال الأوَّل يُمكِن أن يُؤْخَذ من الحديث اعتبارُ الكفاءة بالمال كما سيأتي البحث فيه، لا على الثّاني لكَونِه سِيقَ في الإنكار على مَن يفعل ذلك. وقد أخرج مسلم (٥٤/١٤٦٦) الحديثَ من طريق عطاء عن جابر، وليس فيه ذِكرُ الحَسَب، اقتَصَرَ على الدِّين والمال والجمال. قوله: ((وَمالها)) يُؤخَذ منه استحباب تزوُّج الجميلة، إلّا إن تعارضَ الجميلةُ الغيرُ ديٍِّ والغيرُ جميلةِ الدَّيِّنَةُ، نعم لو تَساوَتا في الدِّين فالجميلة أولى، ويَلتَحِقِ بالحسنة الذّاتِ الحسنةُ الصِّفات، ومن ذلك أن تكون خفيفة الصَّدَاق. قوله: ((فاظفَر بذات الدِّين)) في حديث جابر: ((فعليك بذات الدِّين)) والمعنى: أنَّ اللّائق بذي الدّين والمروءة أن يكون الدّينُ مَطمَحَ نظره في كلّ شيء، لا سيّما فيما تَطُول صُحْبتُه، فَأَمَرَه النبيّ ◌َّ بتحصيل صاحبة الدّين الذي هو غاية البُغْية، وقد وَقَعَ في حديث عبد الله ابن عَمْرو عند ابن ماجه (١٨٥٩) رَفَعَه: ((لا تَزوَّجوا النِّساءَ لحُسنِهِنَّ، فعَسَى حُسنُهنَّ أن يُردَيَنَّ - أي: يُهلِكَهُنَّ - ولا تَزوَّجوهُنَّ لأموالهِنَّ، فعَسَى أموالهُنَّ أن تُطغيَهنَّ، ولكن تَزوَّ جوهُنَّ على الدّين، ولَأَمَةٌ سوداء ذات دين أفضلُ»(١). (١) وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف. ٢٦٨ باب ١٥ / ح ٥٠٩٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (تَرِبَت يَدَاكَ)) أي: لَصِقَت بالتُّراب، وهي كِناية عن الفقر وهو خبرٌ بمعنى الدُّعاء، لكن لا يُراد به حقيقتُهُ، وبهذا جَزَمَ صاحب ((العُمدة))، زاد غيره: أنَّ صدور ذلك من النبيّ وَّهِ فِي حَقّ مسلم لا يُستَجابُ لشرطِه ذلك على رَبّه، وحكى ابن العربيّ: أنَّ معناه: اسْتَغْنَت، ورُدَّ بأنَّ المعروف: أترَبَ: إذا استَغنى، وتَرِبَ: إذا افتَقَرَ، ووُجِّهَ بأنَّ الغِنَى الناشئ عن المال تراب، لأنَّ جميع ما في الدُّنيا تراب، ولا يخفى بُعْده، وقيل: معناه: ضَعُفَ ١٣٦/٩ عقلك، وقيل: افتَقَرَت من العلم، وقيل: فيه تقدير شرطٍ، أي: وَقَعَ لك ذلك إن/ لم تفعل، ورَجَّحَه ابن العربيّ، وقيل: معنى افتَقَرَت: خابَت، وصَحَّفَه بعضهم فقاله بالثّاءِ المثلَّثة، ووَجَّهَه: بأنَّ معنى ثَرِبَت: تَفرَّقَت، وهو مِثل حديث: ((نَهَى عن الصلاة إذا صارت الشمسُ كالأثارِب))(١) وهو جمع تُروب وأثرُب، مثل: فُلوس وأفلُس، وهي جمع ثَرْب، بفتح أوَّله وسكون الرّاء: وهو الشَّحم الرَّقيق المتفرِّق الذي يَغشَى الكَرِشَ، وسيأتي مزيدٌ لذلك في کتاب الأدب (٦١٥٦). قال القُرطُبيّ: معنى الحديث: أنَّ هذه الخِصال الأربع هي التي يُرغَب في نكاح المرأة لأجلِها، فهو خبرٌ عمّا في الوجود من ذلك، لا أنَّه وَقَعَ الأمرُ بذلك، بل ظاهره إباحة النِّكاح لقصدِ كلٍّ من ذلك لكنَّ قصدَ الدِّين أولى، قال: ولا يُظَنّ من هذا الحديث أنَّ هذه الأربع تُؤخَذ منها الكفاءة، أي: تَنحَصِر فيها، فإنَّ ذلك لم يَقُل به أحد فيما علمتُ، وإن كانوا اختَلَفوا في الكفاءة ما هي؟ وقال المهلَّب: في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ للَّوج الاستمتاع بمال الَّوجة، فإن طابَت نفسها بذلك حَلَّ له، وإلّا فله من ذلك قَدْرُ ما بَذَلَ لها من الصَّداق. وتُعقّبَ بأنَّ هذا التَّفصيل ليس في الحديث، ولم يَنحَصِر قصدُ نكاح المرأة لأجلِ مالها في استمتاع الَّوج، بل قد يَقصِد تزويجَ ذات الغِنَى لمَا عَسَاه يَحَصُّل له منها من ولد، فيعود (١) ذُكر هذا في بعض كتب غريب الحديث غير مُسنَدٍ، ولم نقف عليه مسنداً فيما بين أيدينا من المصادر، لكن أخرج الدارقطني (٩٩٣)، والحاكم ١/ ١٩٥ من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله وَلين: ((ألا أُخبركم بصلاة المنافق؟ أن يؤخّر العصر حتى إذا كانت كثَرْبِ البقرة صلّاها))، وإسناده حسن. ٢٦٩ باب ١٥ / ح ٥٠٩١ كتاب النكاح إليه ذلك المال بطريق الإرث إن وَقَعَ، أو لكونها تستغني بمالها عن كَثْرة مُطالَبته بما يحتاج إليه النساءُ ونحو ذلك. وأعجَبُ منه استدلالُ بعض المالكيَّة به على أنَّ للرجلِ أن يَحِجُر على امرأته في مالها، قال: لأنَّه إنَّما تزوَّجَ لأجلِ المال، فليس لها تَفويتُه عليه، ولا يخفى وجهُ الردّ عليه، والله أعلم. ٥٠٩١- حذَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ، عن أبيه، عن سَهْلٍ قال: مَّ رجلٌ على رسولِ اللهِ وَّ﴿ فقال: ((ما تقولونَ في هذا؟» قالوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أن يُنكَحَ، وإن شَفَعَ أن يُشَفَّعَ، وإن قال أن يُستَمَعَ، قال: ثمَّ سَكَتَ، فمرَّ رجلٌ من فُقَراءِ المسلمينَ، فقال: ((ما تقولونَ في هذا؟» قالوا: حَرِيٌّ إِن خَطَبَ أن لا يُنْكَحَ، وإن شَفَعَ أن لا يُشَفَّعَ، وإن قال أن لا يُستَمَعَ، فقال رسولُ الله ◌َّةٍ: «هذا خيرٌ مِن مِلْءِ الأرضِ مِثلَ هذا». [طرفه في: ٦٤٤٧] الحديث الرابع: حديث سَهْل: وهو ابن سعد. قوله: «ابن أبي حازم)» هو عبد العزيز. قوله: ((مرَّ رجل)) لم أقِفْ على اسمه. قوله: ((حَرِيّ)) بفتح المهمَلة وكسر الرّاء وتشديد التَّحتانيَّة، أي: حَقيق وجَدِیر. قوله: ((يُشَفَّع)) بضمِّ أوَّله وتشديد الفاء المفتوحة، أي: تُقبَل شفاعتُه. قوله: ((فمرَّ رجل من فُقَراء المسلمينَ)) لم أقِفْ على اسمه، وفي ((مُسنَد الرُّويَانيّ)) و((فُتوح مِصر)) لابنِ عبد الحَكَم (١)، و((مُسنَد الصَّحابة الذينَ دخلوا مصر)) من طريق أبي سالم الجَيْشانيّ عن أبي ذرٍّ: أنَّه جُعَيل بن سُرَاقة. قوله: ((فمرَّ رجل)) في رواية الرِّقاق (٦٤٤٧): قال: فسَكَتَ النبيّ ◌َّةِ، ثمَّ مَرَّ رجل. (١) «فتوح مصر)) ص٢٨٥. ٢٧٠ باب ١٦ / ح ٥٠٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقالوا)) وَقَعَ في طريق أُخرى تأتي في الرِّقاق بلفظ: فقال لرجلٍ عنده جالس: ((ما رأيك في هذا؟)) وكأنَّه جَمَعَ هنا باعتبار أنَّ الجالسِينَ عندَه كانوا جماعة لكن المجيب واحد، وقد سُمِّي من المجيبين أبو ذرٍّ فيما أخرجه ابن حِبّان (٦٨٥) من طريق عبد الرّحمن بن جُبَير ابن نُغیر عن أبيه عنه. قوله: ((أن لا يُسمَعَ)) زاد في رواية الرِّقاق: أن لا يُسمَع لقولِه. قوله: ((هذا)) أي: الفقير ((خيرٌ من مِلْء الأرض مِثْلَ هذا)) أي: الغني، و«مِلْء)) بالهمز، ويجوز في ((مِثْل)) النَّصب والجرّ. قال الكِرْمانيُّ: إن كان الأوَّل كافراً فوجهه ظاهر، وإلّا فيكون ذلك معلوماً لرسولِ الله وَله بالوحي. قلت: يُعرَف المراد من الطَّريق الأُخرى التي ستأتي في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٧) بلفظ: ((قال رجل من أشراف الناس: هذا والله حَرِيّ ... )) إلى آخره، فحاصل الجواب: أنَّه أطلقَ تفضيلَ الفقير المذكور على الغني المذكور، ولا يَلزَمُ من ذلك تفضيلُ كلّ فقير على كلّ غني(١)، وقد تَرجَمَ عليه المصنِّف في كتاب الرِّقاق: ((فضل الفقر))، ويأتي البحث في هذه المسألة هناك إن شاء الله تعالى. ١٦ - باب الأكْفاء في المال وتزويج المُقِلِّ المُثِرِيَةَ ٥٠٩٢- حدَّثني يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبَرني عُرْوةُ: أنَّه سألَ عائشةَ رضي الله عنها: ﴿ وَإِنّ خِفْتُمْ أَلَّا نُفْسِطُواْ فِ الْيَ﴾ [النساء: ٣] قالت: يا ابْنَ أُخْتي، هذه اليَتِيمةُ تكونُ في حَجْرٍ وَلِيِّها، فيَرغَبُ في جمالها ومالها، ويُرِيدُ أن يَنْتَقِصَ ١٣٧/٩ صَدَاقَها، فنُهُوا عن نِكاحِهِنَّ إلّا أن يُقْسِطُوا في إْمالِ الصَّدَاق، / وأُمِروا بنِكاح مَن سِواهُنَّ، قالت: واستَفْتَى الناسُ رسولَ الله ◌ِّه بعدَ ذلك، فأنزلَ الله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ اُلْنِسَاءِ﴾ إِلى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، فأنزلَ الله لهم: أنَّ اليتيمةَ إذا كانت ذاتَ جَمالٍ ومالٍ رَغِبوا في نِكاحِها ونَسَبِها في إكْمالِ الصَّدَاق، وإذا كانت مَرْغوبةً عنها في قِلّةِ المالِ والجَمالِ (١) في الأصلين و(س): ((تفضيل كل غني على كل فقير)) وهو مقلوب، والصواب ما أثبتناه. ٢٧١ باب ١٧ / ح ٥٠٩٣ - ٥٠٩٤ كتاب النكاح تَرَكوها، وأخَذوا غيرَها منَ النِّساءِ، قالت: فكما يَترُكونَها حينَ يَرْغَبونَ عنها، فليس لهم أن يَنْكِحِوها إذا رَغِبوا فيها، إلّا أن يُقسِطُوا لها ويُعْطُوها حَقَّها الأَوْنَى في الصَّدَاق. قوله: «باب الأكفاء في المال، وتزوُّج المقِلِّ المثريةَ)) أمَّا اعتبار الكفاءة بالمال فمُختَلَف فيه عند مَن يَشتَرِط الكفاءة، والأشهرُ عند الشافعيَّةِ: أنَّه لا يُعتَبَرَ، ونَقَلَ صاحب ((الإفصاح)) عن الشافعيّ: أنَّه قال: الكفاءة في الدّين والمال والنَّسَب. وجَزَمَ باعتباره أبو الطيِّب والصَّيمَريّ وجماعة، واعتَبَرَه الماوَرْدِيُّ في أهل الأمصار، وخَصَّ الخِلاف بأهلِ البَوادي والقُرَى المتفاخرين بالنَّسَب دون المال. وأمَّا ((المُثْرِيَة)) فبضمِّ الميم وسكون المثلَّثة وكسر الرّاء وفتح التَّحتانيَّة: هي التي لها ثَراء، بفتح أوَّله والمدّ: وهو الغِنى. ويُؤخَذ ذلك من حديث عائشة الذي في الباب من عُموم التَّقسيم فيه، لاشتماله على المُثْرِي والمُقِلِّ من الرِّجال، والمُثْرِيَة والمُقِلّة من النِّساء، فدَلَّ على جواز ذلك، ولكنَّه لا يرد على مَن يَشتَرِطه لاحتمال إضمار رِضا المرأة ورِضا الأولياء، وقد تقدَّم شرح الحديث في تفسير سورة النِّساء (٤٦٠٠)، ومَضَى من وجه آخر في أوائل النِّكاح (٥٠٦٤). واستُدِلَّ به على أنَّ للوَلِيِّ أن يُزوِّج محجورتَه من نفسه، وسيأتي البحث فيه قريباً(١). وفيه أنَّ للوَلِيِّ حَقّاً في التَّزويج، لأنَّ الله خاطَبَ الأولياء بذلك، والله أعلم. ١٧ - باب ما يُتَّقَى من شؤم المرأة وقولِه تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّالَّكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] ٥٠٩٣- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن حمزةَ وسالٍ ابنَي عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهَوَ ◌َّ قال: ((الشُّؤْمُ في المرأةِ والدَّارِ والفرسِ». ٥٠٩٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مِنْهالٍ، حَدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا عمرُ بنُ محمَّدِ العَسْقَلايُّ، (١) في الباب رقم (٣٧): باب إذا كان الوليُّ هو الخاطب. ٢٧٢ باب ١٧ / ح ٥٠٩٥ -٥٠٩٦ فتح الباري بشرح البخاري عن أبيه، عن ابنِ عمرَ، قال: ذَكَروا الشُّؤْمَ عندَ النبيِّوََّ، فقال النبيُّ ◌َّ: «إن كان الشَّؤْمُ في شيءٍ ففي الدَّارِ والمرأةِ والفرسِ)). ٥٠٩٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي حازِمٍ، عن سَهْلٍ بن سعدٍ، أنَّ رسولَ الله وَّ قال: «إنْ كان في شيءٍ ففي الفرسِ والمرأةِ والمَسْكَنِ». ٥٠٩٦- حدَّثنا آدمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، عن سليمانَ التَّْميِّ، قال: سمعتُ أبا عُثْمانَ النَّهْدِيَّ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ قال: «ما تَرَكْتُ بَعْدي فِتْنَةً أضَرَّ على الرِّجالِ منَ النِّساءِ». قوله: ((باب ما يُتَّقَى من شُؤْم المرأة)» الشُّؤْمِ: بضمِّ المعجَمة بعدها واو ساكنة وقد تُهُمَز، وهو ضِدّ الْيُمْن، يقال: تشاءَمتُ بكذا وتَيمَّنتُ بكذا. قوله: ((وقولِه تعالى: ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾)) كأنَّه يشير إلى ١٣٨/٩ اختصاص الشُّؤْم / ببعضِ النِّساء دون بعض ممّا دَلَّت عليه الآية من التَّبعيض. وذكر في الباب حديث ابن عمر من وجهَينٍ، وحديث سَهْل من وجه آخر، وقد تقدَّم شرحهما مبسوطاً في کتاب الجهاد (٢٨٥٨ و٢٨٥٩). وقد جاء في بعض الأحاديث ما لعلَّه يُفسِّر ذلك، وهو ما أخرجه أحمد (١٤٤٥) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٠٣٢) والحاكم (٢/ ١٦٢) من حديث سعد مرفوعاً: ((من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأةُ الصالحة، والمسكَنُ الصالح، والمركَبُ الصالح، ومن شَقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السُّوء، والمسكن السُّوء، والمركَب السُّوء»، وفي رواية لابنِ حِبّان: ((المركَب الهَنيُ، والمسكن الواسع)»، وفي روايةٍ للحاكم: ((وثلاثة من الشَّقاء: المرأة تَراها فَتَسوؤُك، وتَحمِل لسائَها عليك، والدَّابّة تكون قَطوفاً، فإن ضربَتها أتعَبَتَك وإن تَرَكتها لم تَلحَق أصحابَك، والدَّار تكون ضَيِّقة قليلة المرافق)». وللطَّبَرانيّ (٢٤/ ٣٩٥) من حديث أسماء: ((إنَّ من شَقاء المرء في الدُّنيا سوءَ الدَّار والمرأة والدَّابّة))، وفيه: ((سوء الدَّار ضِيقُ ساحتِها وخُبْث جيرانها، وسوء الدَّابَة مَنعُها ظَهرَها وسوء ٢٧٣ باب ١٧ / ح ٥٠٩٦ كتاب النكاح طبعها، وسوء المرأة عُقم رَحِمِها وسوء خُلُقها)). قوله: ((عن أسامة بن زيد)) زاد مسلم (٢٧٤١) من طريق مُعتَمِر بن سليمان عن أبيه معَ أُسامة سعيدَ بن زيد، وقد قال التِّرمِذيّ (٢٧٨٠): لا نعلم أحداً قال فيه: ((عن سعيد بن زيد)» غیر مُعتَمِر بن سليمان. قوله: ((ما تَرَكْتُ بَعْدي فِتْنَةً أضَرّ على الرِّجال من النِّساء)) قال الشَّيخ تَقيّ الدّين السُّبْكيُّ: في إيراد البخاريّ هذا الحديثَ عَقِبَ حديثَي ابن عمر وسهل بعد ذِكْر الآية في التَّرجمة إشارة إلى تخصيص الشُّوم بمَن تَحصُل منها العَداوة والفتنة، لا كما يفهمه بعض الناس من التَّشاؤم بكَعْبها أو أنَّ لها تأثيراً في ذلك، وهو شيء لا يقول به أحد من العلماء، ومَن قال: إنَّها سبب في ذلك، فهو جاهل، وقد أطلقَ الشّارع على مَن يَنسُب المطر إلى النَّوْء الكفرَ، فكيف بمَن يَنسُب ما يقع من الشّ إلى المرأة ممَّا ليس لها فيه مَدخَل، وإنَّما يَتَّفِقِ مُوافَقة قضاءٍ وقَدَر فتَنْفِرِ النَّفْس من ذلك، فمَن وَقَعَ له ذلك فلا يَضُرّه أن يَترُكها من غير أن يَعتَقِد نسبةَ الفعل إليها. قلت: وقد تقدَّم تقريرُ ذلك في كتاب الجهاد. وفي الحديث أنَّ الفتنة بالنِّساءِ أشدُّ من الفتنة بغيرِهنَّ، ويشهد له قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] فجعلَهُنَّ من حُبّ الشَّهَوات، وبَدَأ بهنَّ قبل بَقيَّة الأنواع إشارةً إلى أنَّهُنَّ الأصل في ذلك، ويقع في المشاهَدة حُبُّ الرجل ولدَه من امرأته التي هي عنده أكثر من حُبّه ولدَه من غيرها، ومن أمثلة ذلك قصَّة النُّعمان بن بشير في الهبة (٢٥٨٧). وقد قال بعض الحكماء: النِّساء شَرّ كلُّهنَّ، وأشَرُّ ما فيهنَّ عَدَم الاستغناء عنهُنَّ، ومع أنَّها ناقصة العقل والدِّين تَحمِل الرجلَ على تعاطي ما فيه نقصُ العقل والدّين، كشَغْلِه عن طلب أُمور الدِّين وحَملِه على التَّهالُك على طلب الدُّنيا، وذلك أشدّ الفساد، وقد أخرج مسلم (٢٧٤٢) من حديث أبي سعيد في أثناء حديث: ((واتَّقوا النِّساء، فإنَّ أوَّل فتنة بني إسرائيل كانت في النِّساء)). ٢٧٤ باب ١٨ - ١٩ / ح ٥٠٩٧ -٥٠٩٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٨ - باب الحرّة تحت العبد ٥٠٩٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن رَبِيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن القاسم بن محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان في بَرِيرةَ ثلاثُ سُنَنِ: عَتَقَت فخُيِّرَتْ، وقال رسولُ اللهِ وََّ: ((الولاءُ لمن أعتَقَ))، ودَخَلَ رسولُ اللهِ وَّهِ وبُرْمةٌ على النار، فقُرِّبَ إليه خُبْزٌ وَأَدْمٌ من أُدْم البيتِ، فقال: ((ألم أرَ البُرْمَةَ؟)) فِقِيلَ: لحمٌ تُصُدِّقَ على بَرِيرةَ، وأنتَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قال: ((هو عليها صَدَقةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). ١٣٩/٩ قوله: ((باب الحُرّة تحت العبد)) أي: جواز تزويج العبدِ الحُرّةَ إذا رَضِيَت به، وأورَدَ فيه طَرَفاً من قصَّة بَرِيرة حيثُ خُيِّرَت حين عَتَقَت، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب الطَّلاق (٥٢٧٩)، وهو مَصِيرٌ من المصنّف إلى أنَّ زوج بَريرة حين عَتَقَت كان عبداً، وسيأتي البحث فيه هناك إن شاءَ الله تعالى. ١٩ - بابٌ لا يتزوج أكثر من أربعٍ لقوله تعالى: ﴿مَثْنَ وَتُلَثَ وَرُبَعَ﴾ [النساء: ٣] وقال عليٌّ بنُ الحسينِ عليهما السَّلام: يعني: مَثْنَى أو ثُلاثَ أو رُباعَ. وقولُهُ جلَّ ذِكرُه: ﴿أُوْلِ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَتُلَثَ وَرُبَعَ﴾ [فاطر: ١] يعني: مَثْنَى أو ثُلاثَ أو رُباعَ. ٥٠٩٨ - حدَّثْنا محمَّدٌ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِي الْيَى﴾ [النساء: ٣] قال: اليتيمةُ تكونُ عندَ الرجلِ وهو وَلِيُّها، فيَزوَّجُها على مالِها ويُسِيءُ صُحْبتَها، ولا يَعْدِلُ في مالِها، فلْيَتَزوَّجْ ما طابَ له منَ النِّساءِ سِواها مَثْنَى وَثُلاثَ ورُبَاعَ. قوله: ((بابٌ لا يَتزوَّج أكثر من أربع لقوله تعالى: ﴿مَثْنَ وَتُلَثَ وَرُبَعَ﴾)) أمَّا حكمُ التَرجمة فبالإجماعِ، إلّ قول مَن لا يُعتَدّ بخِلَافه من رافضيّ ونحوه، وأمَّا انتزاعه من الآية فلأنَّ الظّاهر منها التَّخيير بين الأعداد المذكورة، بدليلٍ قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ خِفْتُ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَحِدَةً ﴾، ولأنَّ مَن قال: جاء القومُ مَثنَى وَثُلاثَ ورُباعَ، أراد أنَّهم جاؤوا اثنَيْنِ اثْنَينِ، وثلاثةً ثلاثةً، وأربعةً أربعةً، فالمراد تبيين حقيقة مَجَيئهم وأَّهم لم يَحِيتُوا جُملةً ولا فُرادَى، ٢٧٥ باب ٢٠ / ح ٥٠٩٩ كتاب النكاح وعلى هذا فمعنى الآية: انكِحُوا اثنتَينِ اثنتَينِ وثلاثةً ثلاثةً وأربعةً أربعةً، فالمراد الجمعُ(١) لا المجموع، ولو أُريدَ مجموع العدد المذكور لكان قوله مثلاً: تِسعاً، أرشَقَ وأبلغ، وأيضاً فإنَّ لفظ: ((مَثنَى)) معدول عن اثنَينِ اثنَينٍ، كما تقدَّم تقريره في تفسير سورة النِّساء (٤٥٧٣)، فدَلَّ إيراده أنَّ المراد التَّخيير بين الأعداد المذكورة، واحتجاجهم بأنَّ الواو للجمع لا يفيدُ معَ وجود القَرِينة الدَّالَّة على عَدَم الجمع، وبكَونِهِ وَِّ جَمَعَ بين تسعِ مُعارض بأمره ◌َلِّ مَن أسلَمَ على أكثر من أربع بمُفارَقة مَن زاد على الأربع، وقد وَقَعَ ذلك لغَيْلان بن سَلَمةَ وغيره كما خُرِّجَ في كتب السُّنَن(٢)، فدَلَّ على خَصُوصَيَّتَه ◌َِّبذلك. وقوله: ((﴿أُوْلٌ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾)) تقدَّم الكلام عليه في تفسير فاطِرٍ، وهو ظاهرٌ في أنَّ المراد به تنويع الأعداد، لا أنَّ لكلِّ واحد من الملائكة مجموعَ العدد المذكور. قوله: ((وقال عليّ بن الحسين)) أي: ابن عليّ بن أبي طالب ((يعني: مَثْنَى أو ثُلاثَ أو رُباعَ)) أراد أنَّ ((الواو)) بمعنى ((أو))، فهي للتنويع، أو هي عاطفةٌ على العامل، والنَّقدير: فانكِحوا ما طابَ لكم من النِّساء مَثنَى، وانكِحوا ما طاب لكم من النِّساء ثُلاثَ ... إلى آخره، وهذا من أحسن الأدلّة في الردّ على الرّافضة لكَونِه من تفسير زَينِ العابدينَ، وهو من أئمَّتهم الذينَ يَرجِعونَ إلى قولهم، ويَعتَقِدونَ عِصمَتهم. ثمَّ ساقَ المصنِّف طَرَفاً من حديث عائشة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الْيَ﴾، وقد سَبَقَ قبل هذا ببابٍ (٥٠٩٢) أتمَّ سياقاً من الذي هنا، وبالله التَّوفيق. ٢٠ - بابٌ ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ويَحُمُ منَ الرَّضاع ما يَجِرُمُ منَ النَّسَبِ ٥٠٩٩- حَدَثَنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ بنت عبدِ الرَّحْمنِ، أنَّ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ وَّهِ أَخَبَتْها: أنَّ رسولَ الله وَِّ كان عندَها، وأنَّا سمعَت (١) في (س): الجميع، وهو خطأ. (٢) أخرجه ابن ماجه (١٩٥٣)، والترمذي (١١٢٨). وانظره في ((مسند أحمد)) برقم (٤٦٠٩). ٢٧٦ باب ٢٠ / ح ٥٠٩٩ فتح الباري بشرح البخاري ١٤٠/٩ صوتَ رجلٍ يَستَأذِنُ في بيتِ حفصةَ،/ قالت: فقلتُ: يا رسولَ الله، هذا رجلٌ يَستَأذِنُ في بيتِكَ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أَرَاهُ فلاناً) لِعَمِّ حفصةَ منَ الرَّضاعةِ، قالت عائشةُ: لو كان فلانٌ حَيّاً - لَعَمِّها منَ الرَّضاعةِ - دَخَلَ عليَّ؟ فقال: ((نَعَم، الرَّضَاعَةُ تُحرِّمُ ما تُحُرِّمُ الولادةُ)). قوله: ((بابٌّ ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَّكُمْ﴾، ويَحُم من الرَّضاع ما يَجِرُم من النَّسَب)) هذه التَّرجمة وثلاث تَراجِم بعدها تتعلَّق بأحكام الرَّضاعة، ووَقَعَ هنا في بعض الشُّروح: ((كتاب الرَّضاع)) ولم أرَه في شيء من الأُصول. وأشارَ بقولِه: ((ويَحِرُم .. )) إلى آخره، إلى أنَّ الذي في الآية بيانُ بعض مَن يَحَرُم بِالرَّضاعة، وقد بَيَّنَت ذلك السُّنّةُ. ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وَرُم من الرَّضاعة)). ثمَّ ذکر في الباب ثلاثة أحادیث: الأول: حديث عائشة. قوله: ((عن عبد الله بن أبي بكر)) أي: ابن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم الأنصاريّ، وقد رواه هشام بن عُرْوة عنه وهو من أقرانه، لكنَّه اختَصَرَه فاقتَصَرَ على المتن دون القصَّة، أخرجه مسلم (٢/١٤٤٤). قوله: ((وأنَّها سمعت صوت رجل يَستَأذِن في بيت حفصة)) أي: بنت عمر أمّ المؤمنينَ، ولم أقِفْ على اسم هذا الرجل. قوله: ((أُراه) أي: أظنُّه. قوله: ((فلاناً، لعَمِّ حفصة)) اللّام بمعنى ((عن))، أي: قال ذلك عن عَمّ حفصة. ولم أقِفْ على اسمه أيضاً. قوله: ((قالت عائشة)) فيه الْتِفات، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: ((قلتُ)). قوله: ((لو كان فلان حَيّاً)) لم أقِفْ على اسمه أيضاً، ووَهِمَ مَن فَسَّرَه بأفلَحَ أخي أبي القُعَيس، لأنَّ أبا القُعَيس والد عائشة من الرَّضاعة، وأمَّا أفلَح فهو أخوه وهو عمُّها من ١٤١/٩ الرَّضاعة كما سيأتي (٥١٠٣) أنَّه / عاشَ حتَّى جاء يَستأذِن على عائشة فأمَرَها النبيُّ وََِّّ أن ٢٧٧ باب ٢٠ / ح ٥٠٩٩ كتاب النكاح تأذَنَ له بعد أن امتَنَعَت، وقولها هنا: (لو كان حَيّا)) يدلّ على أنَّه كان ماتَ، فيحتمل أن يكون أخاً لهما آخرَ، ويحتمل أن تكون ظنَّت أنَّه ماتَ لبُعدِ عَهْدها به ثمَّ قَدِمَ بعد ذلك فاستأذَنَ، وقال ابن التِّين: سُئلَ الشَّيخ أبو الحسن عن قول عائشة: ((لو كان فلان حَيّا)) أين هو من الحديث الآخر الذي فيه: ((فأَبِيتُ أن آذَن له))، فالأوَّل ذكرت أنَّه ميِّت، والثّاني ذكرت أنَّه حَيّ؟ فقال: هما عمّانِ من الرَّضاعة: أحدهما رَضَعَ معَ أبي بكر الصِّدّيق، وهو الذي قالت فيه: ((لو كان حَيّا))، والآخر أخو أبيها من الرَّضاعة. قلت: الثّاني ظاهر من الحديث، والأوَّل حسنٌ مُحْتَمَل، وقد ارتَضاه عِيَاض، إلّا أنَّه يحتاج إلى نقل لگَونِهِ جَزَمَ به. قال: وقال ابن أبي حازِمٍ: أَرَى أنَّ المرأة التي أرضَعَت عائشةَ امرأةٌ أخي الذي استأذَنَ عليها. قلت: وهذا بَيِّن في الحديث الثّاني لا يحتاج إلى ظنٍّ ولا هو مُشكِل، إنَّما المشكِل كونُها سألَت عن الأوَّل، ثمَّ تَوَقَّفَت في الثّاني، وقد أجابَ عنه القُرطُبيّ قال: هما سؤالان وَقَعا مرَّتَيْنِ فِي زَمَنَينِ عن رجْلَيْنِ، وتَكرَّرَ منها ذلك: إمّا لأنَّهَا نَسِيَت القصَّة الأولى، وإمّا لأنَّها جَوَّزَت تَغُّر الحكم فأعادت السُّؤال. انتهى، وتمامه أن يقال: السُّؤال الأوَّل كان قبل الوقوع، والثّاني بعد الوقوع، فلا استبعادَ في تجويز ما ذُكِرَ من نِسْيانٍ أو تجويز النَّسخ. ويُؤخَذ من كلام عِيَاض جوابٌ آخر: وهو أنَّ أحد العَمَّينِ كان أعلى والآخر أدنَى، أو أحدهما كان شَقِيقاً والآخر لأبٍ فقط أو لأُمِّ فقط، أو أرضَعَتها زوجةُ أخيه بعد موته والآخر في حیاته. وقال ابن المرابط: حديث عَمّ حفصة قبل حديث عَمّ عائشة، وهما مُتَعارِضان في الظّاهر لا في المعنى، لأنَّ عمَّ حفصة أرضَعَته المرأة معَ عمر، فالرَّضاعة فيهما من قِبَل المرأة، وعمّ عائشة إنَّما هو من قِبَل الفَحْل، كانت امرأة أبي القُعَيس أرضَعَتها، فجاء أخوه يَستأذِن عليها فأبت، فأخبَرَها الشّارع أنَّ لَبَن الفَحْل يُحرِّم كما يُحُرِّم من قِبَل المرأة. انتهى، فكأنَّه ٢٧٨ باب ٢٠ / ح ٥٠٩٩ فتح الباري بشرح البخاري جَوَّزَ أن يكون عَمُّ عائشة الذي سألت عنه في قصَّة عَمِّ حفصة كان نَظِير عَمّ حفصة في ذلك، فلذلك سألت ثانياً في قصَّة أبي القُعَيس، وهذا إن كان وَجَدَه منقولاً فلا مَحِيدَ عنه، وإلّا فهو ◌َلٌ حسن، والله أعلم. قوله: ((الزَّضاعة تُحرِّم ما تُحرِّم الولادة)) أي: وتُبيح ما تُبيح، وهو بالإجماع فيما يَتَعلَّق بتحريمِ النِّكاح وتوابعِه، وانتشار الخُرْمة بين الرَّضيع وأولاد المرضِعة، وتنزيلهم مَنزِلة الأقارب في جواز النَّظَر والخَلْوة والمسافَرة، ولكن لا يَتَرتَّب عليه باقي أحكام الأُمومة: من التَّوَارُث، ووجوب الإنفاق، والعِثْق بالمِلكِ، والشَّهادة، والعَقْل وإسقاط القِصاص. قال القُرطُبيّ: وَوَقَعَ في رواية ((ما تُحُرِّم الولادة))، وفي رواية: ((ما يَحُرُم من النَّسَب))(١)، وهو دالٌّ على جواز نقلِ الرِّواية بالمعنى، قال: ويحتمل أن يكون ◌َّهِ قال اللَّفْظَينِ في وقتَينِ. قلت: الثّاني هو المعتمَد، فإنَّ الحديثَينِ مُخْتَلِفان في القصَّة والسَّبَب والراوي، وإنَّما يأتي ما قال إذا اَّحَدَ ذلك، وقد وَقَعَ عند أحمد (٢٤٧١٢) من وجهٍ آخر عن عائشة: ((يَحُرُم من الرَّضاع ما يَحَرُم من النَّسَب من خالٍ أو عَمّ أو [ابن](٢) أخ)). قال القُرطُبيّ: في الحديث دلالة على أنَّ الرَّضاع يَنشُر الحُرْمة بين الرَّضيع والمرضِعة وزوجها، يعني الذي وَقَعَ الإرضاعُ بلبن ولده منها أو السَّيِّد، فَتَحرُم على الصبيّ، لأنَّها تصير أمَّه، وأُمُّها لأنَّهَا جدَّته فصاعِداً، وأُختُها لأنَّهَا خالته، وبنتُها لأنَّهَا أُخته، وبنتُ بنتها فنازِلاً لأنَّها بنت أُخته، وبنتُ صاحب اللَّبَن، لأنَّها أُخته، وبنتُ بنته فنازلاً لأنَّها بنت أُخته، وأُمُّه فصاعِداً لأنَّهَا جَدَّته، وأُختُه لأنَّهَا عَمَّته، ولا يَتَعَدَّى التَّحريمُ إلى أحد من قَرابةِ الرَّضيع، فليست أُخته من الرَّضاعة أُختاً لأخيه ولا بنتاً لأبيه، إذ لا رَضاعَ بينهم، والحكمة في ذلك: أنَّ سبب التَّحريم ما يَنفَصِل من أجزاء المرأة وزوجها وهو اللَّبَن، فإذا اغتَذَى به ١٤٢/٩ الرَّضيع صارَ جُزءاً من أجزائهما، فانتَشَرَ التَّحريم بينهم، بخِلَاف قَرَابات الرَّضيع، لأنَّه/ (١) سلف هذا اللفظ من حديث ابن عباس (٢٦٤٥). (٢) لفظ ((ابن)) سقط من الأصلين و(س)، واستدركناه من ((مسند أحمد)). ٠ ٢٧٩ باب ٢٠ / ح ٥١٠٠ كتاب النكاح ليس بينهم وبين المرضِعة ولا زوجها نَسَبٌ ولا سبب، والله أعلم. ٥١٠٠- حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن قَتَادةَ، عن جابرِ بنِ زيدِ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قِيلَ لِلنبيِّ وَِّ: ألا تَزوَّجُ ابنَةَ حمزةَ؟ قال: ((إنَّا ابنةُ أَخي منَ الرَّضاعةِ)). وقال بِشرُ بنُ عمرَ: حَدَّثنا شُعْبةُ، سمعتُ قَتَادةَ، سمعتُ جابرَ بنَ زيدٍ، مِثْلَه. الحديث الثاني: حديث ابن عبّاس. قوله: ((عن جابر بن زید» هو أبو الشّعثاء البصريّ مشهور بگنیتِه، وأمّا جابر بن یزید الکوفيّ فأوَّل اسم أبيه تحتانيَّة، وليس له في ((الصَّحیح)) شيء. قوله: (قيلَ للنبيِّ ◌َّ) القائل له ذلك: هو عليّ بن أبي طالب كما أخرجه مسلم (١٤٤٦) من حديثه قال: قلت: يا رسول الله، ما لك تَنَوَّقُ في قُرَيش وتَدعُنا؟ قال: ((وعندَكم شيء؟)) قلت: نعم ابنةُ حمزة ... الحديث، وقوله: (تَنَوَّق)) ضُبطَ بفتح المثنّة والنُّون وتشديد الواو بعدها قاف، أي: تختار، مُشتَقّ من النِّيقة، بكسرِ النُّون وسكون التَّحتانيَّة بعدها قاف: وهي الخِيار من الشَّيء، يقال: تَنَوَّقَ تَنُوُّقاً، أي: بالَغَ في اختيار الشَّيء وانتقائه. وعند بعض رواة مسلم: (تَتُوق)) بمُثنّاة مضمومة بَدَل النُّون وسكون الواو من التَّوْق، أي: تَمِيل وتَشْتَهي، ووَفَعَ عند سعيد بن منصور (٩٤٨) من طريق سعيد بن المسيّب: قال عليّ: يا رسول الله، ألا تَتَزوَّج بنت عَمّك حمزة، فإنَّها من أحسن فتاةٍ في قُرَيش؛ وكأنَّ عليّاً لم يعلم بأنَّ حمزة رضيعُ النبيّ وَّةِ، أو جَوَّزَ الْخَصُوصيّة، أو كان ذلك قبل تقرير الحُكم، قال القُرطُبيّ: وبعيدٌ أن يقال عن عليّ: لم يعلم بتحریم ذلك. قوله: ((إنَّها ابنة أخي من الرَّضاعة)) زاد همَّام عن قَتَادة: ((ويَحُرُّم من الرَّضاعة ما يَحُرُم من النَّسَب))، وقد تقدَّم من طريقه في كتاب الشَّهادات (٢٦٤٥)، وكذا عند مسلم (١٣/١٤٤٧) من طريق سعيد عن قَتَادة، وهو المطابق للفظ التَّرجمة. قال العلماء: يُسْتَئِنَى من عُموم قوله: ((يَحُرُم من الرَّضاع ما يَحُرُم من النَّسَب)) أربع نِسوة يَحْرُ منَ في النَّسَب مُطلَقً وفي الرَّضاع قد لا يَحْرُ منَ: الأولى: أمّ الأخ في النَّسَب حرام، لأنَّها إمّا أمّ ٢٨٠ باب ٢٠ / ح ٥١٠١ فتح الباري بشرح البخاري وإمّا زوج أب، وفي الرَّضاع قد تكون أجنبيّة فتُرضِع الأخ فلا تَحُرُم على أخيه، الثّانية: أمّ الحفيد حرام في النَّسَب، لأنَّها إمّا بنت أو زوج ابن، وفي الرَّضاع قد تكون أجنبيّة فتُرضِع الحفيدَ فلا تَحُرُم على جَدّه، الثّالثة: جَدّة الولد في النَّسَب حرام، لأنَّها إمّا أمُّ أو أمُّ زوجة، وفي الرَّضاع قد تكون أجنبيّة أرضَعَت الولد، فيجوز لوالدِه أن يَتزوَّجها، الرّابعة: أُخت الولد حرام في النَّسَب لأنّها بنت أو رَبِیبة، وفي الرَّضاع قد تكون أجنبيّة فتُرضِع الولد فلا تَحُم على الوالد. وهذه الصُّوَر الأربع اقتَصَرَ عليها جماعة، ولم يَستَثَنِ الجمهور شيئاً من ذلك، وفي التَّحقيق لا يُستَثَنَى شيء من ذلك، لأنَّهُنَّ لم يَحرُمنَ من جهة النَّسَب، وإنَّما حَرُمنَ من جهة المصاهَرة، واستَدرَكَ بعضُ المتأخّرينَ أمَّ العَمّ وأُمّ العَمّة وأُمّ الخال وأُمّ الخالة، فإنَّهُنَّ ◌َحِرُ منَ في النَّسَب لا في الرَّضاع، وليس ذلك على عُمومه، والله أعلم. قال مُصعَب الزُّبَيريّ: كانت تُوَيبة - يعني الآتي ذِكْرها في الحديث الذي بعده - أرضَعَت النبيّ وََّ بعدَما أرضَعَت حمزةَ ثمَّ أرضَعَت أبا سَلَمَةَ. قلت: وبنت حمزة تقدَّم ذِكْرها وتسميتها في كتاب المغازي (٤٢٥١) في شرح حديث البراء بن عازِبٍ في قوله: ((فَتَبِعَتهم بنت حمزة تُنادي: يا عَمّ)) الحديث. وُجُملة ما تَحَصَّلَ لنا من الخِلاف في اسمها سبعةُ أقوال: أُمامةُ وعُمَارة وسَلْمَى وعائشة وفاطمة وأَمَة الله ويَعْلى، وحكى المِّيُّ في أسمائها أمّ الفضل، لكن صَرَّحَ ابن بَشكُوالٍ : بأنّها كُنیة. ٥١٠١- حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافع، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ زينبَ ابنةَ أبي سَلَمَةَ أخبَرَتْه، أنَّ أَّ حَبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ أخبَرَتْها، أنَّها قالت: يا رسولَ الله، انكِحْ أُخْتِي بنتَ أبي سفيانَ، فقال: ((أوَتُحِّنَ ذلكِ؟)) فقلتُ: نعم، لستُ لكَ بِمُخْلِيَةٍ، وأحَبُّ مَن شارَكَني في خيرٍ أُخْتِي، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إنَّ ذلكِ لا يَحِلُّ لي)) قلتُ: فإنّا نُحَدَّثُ أنَّكَ تريدُ أن تَنكِحَ بنتَ أبي سَلَمَةَ، قال: ((بنتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟!)) قلتُ: نعم، فقال: ((لو أنََّا لم تكن رَبِيبَتَي في حَجْري ما حَلَّت لي، إنَّها لَابنةُ أخي منَ الرَّضاعةِ، أرضَعَتْني وأبا سَلَمَةَ تُوَيبةٌ،