Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
باب ١٠ / ح ٥٠٨٠
كتاب النكاح
ثمَّ ذكر المصنّف حديث جابر في قصَّة بعيره، وقد تقدَّم شرحه في الشُّروط (٢٧١٨)
فيما يَتَعلَّق بذلك.
قوله: ((ما يُعْجِلُك؟)) بضمِّ أوَّله، أي: ما سببُ إسراعك؟
قوله: ((كنت حديثَ عَهْد بعُرسٍ)) أي: قريب عهد بالدُّخولِ على الزَّوجة، وفي رواية
عطاء عن جابر في الوكالة: (٢٣٠٩): فلمَّا دَنَونا من المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة
والسَّلام والتَّحيَّة والإكرام - أخذتُ أرتَحِل، قال: ((أين تريد؟)) قلت: تزوَّجتُ، وفي رواية أبي
عَقِيل عن أبي المتوكّل عن جابر: ((مَن أحَبّ أن يَتَعَجَّل إلى أهلِهِ فليَتَعَجَّل)) أخرجه مسلم(١).
قوله: ((قال: أَبِكْراً أم ثيّاً؟ قلتُ: ثَيًِّا)) هو منصوب بفِعلِ محذوف تقديره: أتزَوَّجتَ،
وتزوَّجتُ، وكذا وَقَعَ في ثاني حديثَي الباب: ((فقلت: تزوَّجتُ ثَيًِّا))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ
في الوكالة (٢٠٩٧) من طريق وَهْب بن كَيْسانَ عن جابر: ((قال: أتَزَوَّجتَ؟ قلت: نعم،
قال: بكراً أم نثَيِّاً؟ قلت: ثيّا))، وفي المغازي (٤٠٥٢) عن قُتَيبة عن سفيان عن عَمْرو بن
دينار عن جابر بلفظ: ((هل نَكَحتَ يا جابر؟ قلتُ: نعم، قال: ماذا؟ أبكراً أم نَيِّباً؟ قلت:
لا، بل ثَيِّياً))، ووَقَعَ عند أحمد عن سفيان في هذا الحديث: ((قلت: نَيِّب))(٢)، وهو خبرُ مُبْتَدَأ
محذوف تقديره: التي تزوَّجتها ثيِّبٌ، وكذا وَقَعَ لمسلمٍ (٥٤/١٤٦٦) من طريق عطاء عن
جابر.
قوله: ((فَهَلَّا جاريةً؟)) في رواية وَهْب بن كَيْسانَ (٢٠٩٧): «أَفَلا جاريةً؟)) وهما بالنَّصب،
أي: فَهَلا تزوَّجت؟ وفي رواية يعقوب الدَّورَقيّ عن هُشَيم(٣) بإسنادٍ حديث الباب: ((هَلّا
بكراً؟)) وسيأتي قُبيل أبواب الطَّلاق (٥٢٤٧)، وكذا لمسلم من طريق عطاء عن جابر، وهو معنى
(١) ذَهَلَ الحافظ رحمه الله في عزو هذا اللفظ إلى مسلم صاحب ((الصحيح)) فيما يظهر، والصواب أنَّ هذا اللفظ
سلف عند البخاري نفسه برقم (٢٨٦١) من روايته عن مسلم - وهو ابن إبراهيم الأزدي - عن ابن عقيل.
(٢) إنما وقع عند أحمد (١٤٣٠٦) عن سفيان: ((قلت: ثيّا)) منصوباً على المفعولية، والمرفوع إنما هو عند
الحميدي في «مسنده)) (١٢٢٧) عن سفيان.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: هشام.

٢٤٢
باب ١٠ / ح ٥٠٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
رواية مُحارِب المذكورة في الباب بلفظ: ((العَذارَى)) وهو جمع عَذْراء بالمدِّ.
قوله: ((تُلاعِبُها وتُلاعِبك)) زاد في رواية النَّفَقات (٥٣٦٧): ((وتُضاحكُها وتُضاحكك»
وهو ممَّا يُؤيِّد أنَّه من اللَّعِب، ووَقَعَ عند الطبرانيِّ (٣٢٨/١٩) من حديث كعب بن عُجْرة:
((أنَّ النبيّ وَّهِ قال لرجلٍ)) فذكر نحو حديث جابر وقال فيه: ((وتَعَضُّها وتَعَضّك))، ووَقَعَ
في رواية لأبي عُبيد(١): ((تُذاعِبُها وتُذاعِبُك)) بالذّال المعجَمةِ بَدَل اللّام.
وأمَّا ما وَقَعَ في رواية محارِب بن دِثار عن جابر ثاني حديثي الباب بلفظ: «ما لكَ
ولِلعَذارَى ولِعابِها)) فقد ضُبِطَ للأكثر بكسرِ اللّام، وهو مصدرٌ من الملاعبة أيضاً، يقال:
لاعَبَ لِعاباً ومُلاعَبة، مثل: قاتَلَ قتالاً ومُقاتلة، ووَقَعَ في رواية المُستَمْلي بضمِّ اللّام
والمراد به الرِّيق، وفيه إشارة إلى مَصّ لسانها ورَشْف شَفَتَيها، وذلك يقع عند الملاعبة
والتَّقبيل، وليس هو ببعيدٍ كما قال القُرطُبيّ، ويُؤيِّد أنَّه بمعنى آخرَ غير المعنى الأوَّل قولُ
شُعْبةٍ في الباب: أنَّه عَرَضَ ذلك على عَمْرو بن دينار، فقال اللَّفظَ الموافق للجماعة، وفي
رواية مسلم (١٤٦٦/ ٥٥) التَّلويحُ بإنكار عَمْرو روايةَ مُحارِب بهذا اللَّفظ، ولفظه: ((إنَّما
قال جابر: تُلاعِبها وتُلاعِيك))، فلو كانت الرِّوايتان مُتَّحِدتَينِ في المعنى لمَا أنكَرَ عَمْرو
ذلك، لأنَّه كان مَمَّن يُجيز الرِّواية بالمعنى.
ووَقَعَ في روايةٍ وَهْب بن كَيْسانَ (٢٠٩٧) من الزّيادة: قلت: كُنَّلِي أَخَوَات، فأحبَبتُ
أن أتَزَوَّج امرأة تَجمَعُهنَّ وتَشُطُهنَّ وتقوم عليهنَّ؛ أي: في غير ذلك من مصالحهنَّ، وهو
من العامِّ بعد الخاصّ. وفي رواية عَمْرو عن جابر الآتية في النَّفَقات (٥٣٦٧): هَلكَ أبي
وتَرَكَ سبعَ بنات - أو تسعَ بنات - فتزوَّجتُّ ثَيِّاً، كرهتُ أن أجيتَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فقال: ((بارَكَ الله
لك)) أو قال خيراً. وفي رواية سفيان عن عَمْرو في المغازي (٤٠٥٢): وتَرَكَ تِسعَ بنات كُنَّ
لي تسع أخَوات، فكرهتُ أن أجمَعَ إليهنَّ جاريةً خَرْقاء مِثلَهنَّ، ولكن امرأة تقوم عليهنَّ
وتَشُطُهُنَّ، قال: ((أصبتَ)). وفي رواية ابن جُرَيج عن عطاء وغيره عن جابر (٢٣٠٩): فأردتُ
(١) في (س): عبيدة، وهو خطأ، والتصويب من الأصلين. وأبو عبيد القاسم بن سلّم ذكر هذا الحديث في
كتابه («غريب الحديث)) ١/ ٣٣٣، لكن وقع في المطبوع منه بالدال المهملة!

٢٤٣
باب ١٠ / ح ٥٠٨٠
كتاب النكاح
أن أنكِحَ امرأة قد جَرَّبَت خَلَا منها، قال: ((فذلكَ)).
وقد تقدَّم التَّوفيق بين مُخْتَلَف الرِّوايات في عَدَد أخَوات جابر في المغازي، ولم أقِفْ على
تسميتهنَّ، وأمَّا امرأة جابر المذكورة فاسمها سَهْلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصاريَّة
الأَوْسيّة، ذكره ابن سعد.
قوله: ((فلمَّا ذهبْنا لنَدْخُل قال: أَمهِلوا حتَّى تَدْخُلوا ليلاً، أي: عِشاءً)) كذا هنا، ويعارضه
الحديث الآخر الآتي قبل / أبواب الطَّلاق: ((لا يَطُرُق أحدُكم أهلَه ليلاً)) وهو من طريق ١٢٣/٩
الشَّعْبيّ عن جابر أيضاً (٥٢٤٤)، ويُجمَع بينهما أنَّ الذي في الباب لمن عُلِمَ خبرُ مَجَيئِه والعلم
بوصوله، والآتي لمن قَدِمَ بَغْتة، ويُؤيِّده قوله في الطَّريق الأُخرى(١): ((يَتَخَوْمُهم بذلك))، وسيأتي
مزید بحثٍ فيه هناك.
وفي الحديث الحثّ على نكاح البِكْر، وقد وَرَدَ بأصرَحَ من ذلك عند ابن ماجَهْ
(١٨٦١) من طريق عبد الرّحمن بن سالم بن عُتبةَ بن عُوَيم بن ساعِدة عن أبيه عن جَدّه
بلفظ: ((عليكم بالأبكار، فإنَّهُنَّ أعذَبُ أفواهاً وأنتَقُ أرحامً) أي: أكثر حركةً، والنَّْق بنونٍ
ومُثنّة: الحركة، ويقال أيضاً للَّمْي، فلعلَّه يريد أنَّها كثيرة الأولاد، وأخرج الطبرانيُّ
(١٠٢٤٤) من حديث ابن مسعود نحوه، وزاد: ((وأرضَى باليسيرِ))، ولا يعارضه الحديث
السابق: ((عليكم بالوَلودِ))(٢) من جهة أنَّ كونَها بكراً لا يُعرَف به كَونُها كثيرةَ الولادة، فإنَّ
الجواب عن ذلك: أنَّ البكر مَظِّة فيكون المراد بالوَلودِ مَن هي كثيرة الولادة بالتَّجرِبة أو
بالمظِنّة، وأمَّا مَن جُرِّبَت فِظَهَرَت عَقيماً وكذا الآيِسة، فالخبران مُتَّفِقان على مَرجُوحيّتِهما.
وفيه فضيلة لجابر لشَفَقَتِه على أخواته وإيثاره مَصلَحتَهنَّ على حَظّ نفسه، ويُؤخَذ منه
أنَّه إذا تَزَاحَمَت مَصلَحَتان قُدِّمَ أهمّهما، لأَنَّ النّبِيّ وَّهِ صَوَّبَ فعلَ جابر ودَعا له لأجلِ
ذلك، ويُؤخَذ منه الدُّعاء لمن فعل خيراً وإن لم يَتَعلَّق بالدَّاعي.
(١) أي: عند مسلم في ((صحیحه)) (١٩٢٨) (١٨٤).
(٢) ذكره الحافظ في أواخر شرحه للحديث (٥٠٦٥)، وهو عند أحمد (١٢٦١٣) و(١٣٥٦٩)، وابن حبان
(٤١٦٢) من حديث أنس.

٢٤٤
باب ١١ / ح ٥٠٨١
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه سؤال الإمام أصحابَه عن أُمورهم، وتَفَقِّده أحوالهم، وإرشاده إلى مصالحهم،
وتنبيههم على وجه المصلحة ولو کان في باب النكاح وفيما يُستَحیا من ذِكْره.
وفيه مشروعيّة خِدْمة المرأة زوجَها ومَن كان منه بسبيلٍ من ولد وأخ وعائلة، وأنَّه لا
حَرَجَ على الرجل في قصده ذلك من امرأته وإن كان ذلك لا يجبُ عليها، لكن يُؤخَذ منه
أنَّ العادة جاريةٌ بذلك، فلذلك لم يُنكِرِه النبيُّ وَّهِ.
وقوله في الرِّواية المتقدِّمة (١): ((خَرْقاء)) بفتح الخاء المعجَمة وسكون الرّاء بعدها قاف:
هي التي لا تَعمَل بيدِها شيئاً، وهي تأنيث الأخرَق، وهو الجاهل بمَصلَحة نفسه وغيره.
قوله: (تَتَشِطِ الشَّعِثة)) بفتح المعجَمة وكسر العين المهمَلة ثمَّ مُثلَّثة، أطلق عليها ذلك
لأنَّ التي يغيب زوجها في مَظِنّة عَدَم التّزيين.
قوله: ((تَسْتَحِدٌ)) بحاءٍ مُهمَلة، أي: تَستَعمِل الحديدة، وهي الموسَى. والمُغِيبة، بضمِّ
الميم وكسر المعجَمة بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ موحّدة مفتوحة، أي: التي غابَ عنها زوجُها،
والمراد: إزالةُ الشَّعر عنها، وعَبَّرَ بالاستحدادِ لأَنَّه الغالب استعمالُه في إزالة الشَّعر، وليس
في ذلك منعُ إزالته بغير الموسَى، والله أعلم.
قوله في الرواية الثانية: ((تزوَّجتُ، فقال لي رسول الله وَّ: ما تزوَّجتَ؟)) هذا ظاهره أنَّ
السُّؤال وَقَعَ عَقِبَ تزوُّجه، وليس كذلك، لمَا دَلَّ عليه سياق الحديث الذي قبله، وقد
تقدَّم في الكلام على حديث جملٍ جابر في كتاب الشُّروط (٢٧١٨) في آخره: أنَّ بين تزوُّجه
والسُّؤال الذي دار بينه وبين النبيّ وََّ في ذلك مُدّةً طويلة.
١١ - باب تزويج الصِّغار من الكبار
٥٠٨١- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ، عن عِرَاكِ، عن عُرْوةَ: أنَّ
النبيَّ ◌ََّ خَطَبَ عائشةَ إلى أبي بكرٍ، فقال له أبو بكرٍ: إنَّما أنا أخوكَ، فقال: ((أنتَ أَخي في دِینِ الله
وكتابِهِ، وهي لي حَلَالٌ».
(١) وهي في المغازي برقم (٢٣٠٩).

٢٤٥
باب ١١ / ح ٥٠٨١
كتاب النكاح
قوله: ((باب تَزْويج الصِّغار من الكِبار)) أي: في السِّنّ.
قوله: ((عن يزيد)) هو ابن أبي حَبيب، وعِرَاك بكسرِ المهمَلة وتخفيف الرّاء ثمَّ كاف: هو
ابن مالك تابعيٌّ شَهِير، وعُرْوة: هو ابن الزُّبَيرِ.
قوله: ((أنَّ النبيّ ◌ِّهِ خَطَبَ/ عائشةَ)) قال الإسماعيليّ: ليس في الرِّواية ما تَرجَمَ به الباب، ١٢٤/٩
وصِغَر عائشة عن كِبَرَ رسول الله وَّ معلوم من غير هذا الخبر، ثمَّ الخبر الذي أورَدَه
مُرسَل، فإن كان يدخل مِثل هذا في ((الصَّحيح)) فيَلزَمُه في غيره من المراسيل.
قلت: الجواب عن الأوَّل يُمكِن أن يُؤْخَذ من قول أبي بكر: ((إنَّما أنا أخوك)) فإنَّ
الغالب في بنت الأخ أن تكون أصغرَ من عَمّها، وأيضاً فيكفي ما ذُكِرَ في مُطابقة
الحديث للتَّرجمة ولو كان معلوماً من خارج. وعن الثّاني: أنَّه وإن كان صورة سياقه
الإرسال، فهو من رواية عُرْوة في قصَّة وَقَعَت لخالتِهِ عائشة وجَدِّه لأُمِّه أبي بكر،
فالظّاهر أنَّه حَمَلَ ذلك عن خالته عائشة أو عن أمّه أسماء بنت أبي بكر، وقد قال ابن
عبد البَرّ: إذا عُلمَ لقاءُ الراوي لمن أَخبر عنه ولم يكن مُدَلِّساً، حُلَ ذلك على سماعه ممَّن
أَخبر عنه، ولو لم يأتِ بصيغةٍ تَدُلّ على ذلك، ومن أمثلة ذلك روايةُ مالك عن ابن
شِهاب عن عُرْوة في قصَّة سالم مولى أبي حُذَيفة، قال ابن عبد البَرّ: هذا يَدخُل في
المسنَد لِلِقاءِ عُرْوة عائشةَ وغيرها من نساء النبيّ وَِّ، وللقائه سَهْلَةَ زوج أبي حُذَيفة
أيضاً.
وأمَّا الإلزامُ فالجواب عنه أنَّ القصَّة المذكورة لا تَشتَمِل على حُكْم مُتأصِّل، فَوَقَعَ فيها
التَّساهُلُ في صريح الاتِّصال، فلا يَلزَم من ذلك إيرادُ جميع المراسيل في الكتاب الصَّحيح.
نَعَم الجمهورُ على أنَّ السّياق المذكور مُرسَل، وقد صَرَّحَ بذلك الدَّارَقُطنيُّ وأبو مسعود
وأبو نعيم والحميديّ.
وقال ابن بَطّال: يجوز تزويجُ الصَّغيرة بالكبير إجماعاً، ولو كانت في المهد، لكن لا
يُمَكَّن منها حتَّى تَصلُحَ للوَطءِ، فَرَمَزَ بهذا إلى أن لا فائدةَ للتَّرجمة، لأنَّه أمرٌ مُجمَع عليه.

٢٤٦
باب ١١ / ح ٥٠٨١
فتح الباري بشرح البخاري
قال: ويُؤخَذ من الحديث أنَّ الأب يُزوِّج البِكر الصَّغيرة بغير استئذانها. قلت: كأنَّه أخَذَ
ذلك من عَدَمِ ذِكْره، وليس بواضحِ الدّلالة، بل يحتمل أن يكون ذلك قبل وُرود الأمر
باستئذان البكر، وهو الظّاهر، فإنَّ القصَّة وَقَعَت بمكَّة قبل الهجرة.
وقول أبي بكر: ((إنَّما أنا أخوك)) حَصرٌ مخصوص بالنِّسبة إلى تحريم نكاح بنت الأخ.
وقوله وَله في الجواب: ((أنتَ أخي في دينِ الله وكتابِه)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠] ونحو ذلك.
وقوله: ((وهيَ لي حلالٌ)) معناه: وهي معَ كَونها بنت أخي يَحِلّ لِي نِكاحُها، لأنَّ الأُخوّة
المانعة من ذلك أُخوّة النَّسَب والرَّضاع لا أُخوّة الدِّين.
وقال مُغَلْطاي: في صِحّة هذا الحديث نظرٌ، لأنَّ الْخُلّة لأبي بكر إنَّما كانت بالمدينة،
وخِطْبة عائشة كانت بمكَّة، فكيف يَلَئِم قوله: ((إنَّما أنا أخوك))؟ وأيضاً فالنبيُّ وَّهِ ما باشَرَ
الخِطبة بنفسِه كما أخرجه ابن أبي عاصم(١) من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطِب عن
عائشة: أنَّ النبيّ ◌َّهِ أَرسَلَ خَوْلة بنت حكيم إلى أبي بكر يَخِطُب عائشة، فقال لها أبو بكر:
وهل تَصلُح له؟ إنَّما هي بنتُ أخيه، فَرَجَعَت فذكرت ذلك للنبيِّ وَّر، فقال لها: ((ارجِعي
فقولي له: أنتَ أخي في الإسلام، وابنتُك تَصلُح لي)) فأتيتُ أبا بكر فذكرت ذلك له فقال:
ادعي رسول الله ێ، فجاء فأنگَحَه.
قلت: اعتراضه الثّاني يَرُدّ الاعتراضَ الأوَّل من وجهَينِ: أنَّ المذكور في الحديث
الأُخوّة وهي أُخوّة الدِّين، والذي اعتَرَضَ به الخُلّة وهي أخصُّ من الأُخوّة، ثمَّ الذي
وَقَعَ بالمدينة إنَّما هو قوله وََّ: ((لو كنت مُتَّخِذاً خليلاً)) الحديث الماضي في المناقب (٣٦٥٤)
من رواية أبي سعيد، فليس فيه إثبات الخُلّة إلّا بالقوّة لا بالفعل، الوجه الثّاني: أنَّ في
الثّاني إثباتَ ما نَفاه في الأوَّل، والجواب عن اعتراضه بالمباشَرة إمكانُ الجمع بأنَّه خاطَبَه
بذلك بعد أن راسَلَه.
(١) في ((الآحاد والمثاني)) (٣٠٠٦)، وسنده حسن.

٢٤٧
باب ١٢ / ح ٥٠٨٢
كتاب النكاح
١٢ - بابٌ إلى مَن يَنكِحِ، وأيُّ النّساء خيرٌ؟
وما يُستَحَبُّ أن يَتَخيَّرَ لِنُطَفِه من غیر إيجابٍ
1
٥٠٨٢- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ «﴾،
عن النبيِّ وَِّ قال: خيرُ نساءٍ رَكِينَ الإبلَ صالحُ نساءٍ قُريشٍ، أحْناهُ على وَلَدِه في صِغَرِه،
وأرعاهُ على زوجٍ في ذاتِ يدِه.
قوله: ((بابٌّ إلى مَن يَنْكِح، وأيُّ النِّساء خير؟ وما يُسْتَحَبّ أن يَتَخَّر لنُطَفِه من غير إيجاب)) ١٢٥/٩
اشْتَمَلَت التَرجمة على ثلاثة أحكام، وتَناوُل الأوَّل والثّاني من حديث الباب واضح، وأنَّ
الذي يريد التَّزويج ينبغي أن يَنكِحَ إلى قُرَيش، لأنَّ نساءَهُنَّ خيرُ النِّساء وهو الحكم الثّاني،
وأمَّا الثّالث فيُؤخَذ منه بطريق اللُّزوم، لأنَّ مَن ثَبَتَ أنَّهُنَّ خير من غيرهنَّ استُحِبَّ تَخِيُّرُهنَّ
للأولاد، وقد وَرَدَ في الحكم الثّالث حديثٌ صريح أخرجه ابن ماجه (١٩٦٨) وصَحَّحَه الحاكم
(١٦٣/٢) من حديث عائشة مرفوعاً: ((تَخَيَّروا لنُطَفِكُم، وأنكِحوا الأكْفاءَ))، وأخرجه
أبو نُعَيم (١) من حديث عمر أيضاً وفي إسناده مَقَّال، ويَقوَى أحد الإسنادَینِ بالآخرِ.
قوله: ((خيرُ نساءٍ رَكِيْنَ الإبلَ)) تقدَّم في أواخر أحاديث الأنبياء في ذِكْر مريم عليها
السَّلام (٣٤٣٤) قولُ أبي هريرة في آخره: ((ولم تَركَبْ مريم بنت عمران بعيراً قَطُّ) فكأنَّه
أراد إخراج مريم من هذا التَّفضيل لأنَّها لم تَركَب بعيراً قَطّ، فلا يكون فيه تفضيلُ نساء
قُرَيش عليها، ولا يُشَكُّ أنَّ لمريم فَضْلاً وأنَّها أفضل من جميع نساء قُرَيش إن ثَبَتَ أنَّهَا نبيَّة
أو من أكثرهنَّ إن لم تكن نبيَّة، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في المناقب (٣٨١٥) في حديث: ((خيرُ
نسائها مريم، وخيرُ نسائها خديجة)) وأنَّ معناها: أنَّ كلّ واحدة منهما خير نساء الأرض في
عَصْرها، ويحتمل أن لا يُحتاجَ في إخراج مريم من هذا التَّفضيل إلى الاستنباط من قوله:
((رَكِينَ الإبل))، لأنَّ تفضيل الجملة لا يَستَلِزِمِ ثُبُوتَ كلّ فردٍ فردٍ منها، فإنَّ قوله: ((رَكِينَ
الإبل)) إشارة إلى العرب، لأنَّهم الذينَ يَكثُر منهم ركوبُ الإبل، وقد عُرِفَ أنَّ العرب خير
(١) في ((أخبار أصبهان)) له ٢/ ١١٥.

٢٤٨
باب ١٢ / ح ٥٠٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
من غيرهم مُطلَقاً في الجملة، فيُستَفاد منه تفضيلُهنَّ مُطلَقاً على نساء غيرهنَّ مُطلَقاً، ويُمكِن
أن يقال أيضاً: إنَّ الظّاهر أنَّ الحديث سِيقَ في مَعرِض التَّرغيب في نِكاح القُرَشّات، فليس فيه
التَّعرُّض لمريم ولا لغيرها مَمَّن انقَضَى زمنُهنَّ.
قوله: ((صالحُ نساءٍ قُرَيش)) كذا للأكثرِ بالإفراد، وفي رواية غير الكُشْمِيهنيّ: ((صُلَّح))
بضمٍّ أوَّله وتشديد اللّام بصيغة الجمع، وسيأتي في أواخر النَّفَقات (٥٣٦٥) من وجه آخر
عن أبي هريرة بلفظ: ((نساءُ قُرَيش))، والمطلَق محمول على المقيَّد، فالمحكوم له بالخيريَّة
الصالحات من نساء قُرَيش لا على العُموم، والمراد بالصَّلاح هنا صلاح الدِّين، وحُسْن المخالطة
معَ الَّوج ونحو ذلك.
قوله: ((أَحْناه)) بسكونِ المهمَلة بعدها نون: أكثره شَفَقَةً، والحانية على ولدها هي التي
تقوم عليهم في حال يُتْمهم فلا تَتزوَّج، فإن تزوَّجَت فليست بحانيةٍ، قاله الهرويُّ، وجاء
الضَّمير مُذكَّراً وكان القياس: أحناهُنَّ، وكأنَّه ذُكِّرَ باعتبار اللَّفظ والجِنس أو الشّخص أو
الإنسان، وجاء نحوُ ذلك في حديث أنس(١): كان النبيُّ ◌َّل أحسنَ الناس وجهاً وأحسنَه
خَلْقاً، بالإفرادِ في الثّاني، وحديث ابن عبّاس في قول أبي سفيان: عندي أحسنُ العرب
وأجملُه، أمُّ حبيبة (٢)، بالإفرادِ في الثّاني أيضاً، قال أبو حاتم السِّجِستانيّ: لا يكادُونَ يتكلَّمونَ
به إلّا مُفرَداً.
قوله: ((على ولدِه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((على ولدٍ)) بلا ضمير، وهو أوجَهُ، ووَقَعَ في
رواية لمسلمٍ (٢٥٢٧): ((على يتيم))، وفي أُخرى: ((على طِفِل))، والنَّقييد باليُتُمِ والصِّغَر يحتمل
أن يكون مُعتبَراً من ذِكْر بعض أفراد العُموم، لأنَّ صِفَة الحُنوِّ على الولد ثابتة لها، لكن
ذُكِرَت الحالتان لكَونِما أظهَرَ في ذلك.
قوله: ((وأرعاهُ على زَوْج)) أي: أحفظُ وأصوَنُ لماله بالأمانة فيه والصِّيانة له وتَرْك التَّبذير في
الإنفاق.
(١) بل في حديث البراء بن عازب، وقد سلف عند البخاري برقم (٣٥٤٩).
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه)) (٢٥٠١).

٢٤٩
باب ١٣ / ح ٥٠٨٣
كتاب النكاح
قوله: «في ذات/ یَدِه)) أي: في ماله المضافِ إلیه، ومنه قولهم: فلانٌ قليلُ ذاتِ الید، أي: ١٢٦/٩
قليل المال.
وفي الحديث الحثُّ على نِكاح الأشراف خُصوصاً القُرَشيّات، ومُقتَضاه أنَّه كلَّما كان
نَسَبُها أعلى، تأكَّدَ الاستحباب.
ويُؤْخَذ منه اعتبارُ الكفاءة في النَّسَب، وأنَّ غير القُرَشيّات ليس كُفأَ لهنَّ، وفضل الحُنوّ
والشَّفَقة، وحُسْن التَّربية والقيام على الأولاد، وحِفْظ مال الَّوج وحُسْن التَّدبير فيه.
ويُؤخَذ منه مشروعيَّة إنفاق الزّوج على زوجته، وسيأتي في أواخر النَّفَقات (٥٣٦٥)
بیانُ سبب هذا الحديث.
١٣ - باب اتخاذ السّراريّ، ومن أعتق جاريته ثمّ تزوّجها
٥٠٨٣- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا صالحُ بنُ صالحِ
الهَمْدَانُّ، حدَّثنا الشَّعْبيُّ، قال: حدَّثني أبو بُرْدةَ، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: «أَيُّما رجلِ
كانت عندَه وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَها فأحسنَ تعليمَها، وأدََّهَا فأحسنَ تأديبَها، ثمَّ أعتَقَها وتَزوَّجَها، فلَه
أجْرانٍ، وأيُّما رجلٍ من أهلِ الكتابِ آمَنَ بنبيِّه وآمَنَ بي، فَلَه أجْراٍ، وأيُّما مملوكٍ أدَّى حَّ
مَوالِیهِ وحَقَّ رَبِّه، فَه أجْرانِ».
قال الشَّعْبِيُّ: خُذْها بغيرِ شيءٍ، قد كان الرجلُ يَرْحَلُ فيما دونَه إلى المدينةِ.
وقال أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّ: ((أعتَقَها ثمَّ أصدَقَها)).
قوله: ((باب النَّخاذ السَّرَارِيّ)) جمع سُرِّيَّة، بضمِّ السّين وكسر الرّاء الثَّقيلة ثمَّ تحتانيَّة ثقيلة،
وقد تُكسَر السِّين أيضاً، سُمّيَت بذلك لأنَّها مُشتَقّة من التَّسَرُّر، وأصله من السِّ: وهو من
أسماء الجِماع، ويقال له: الاستسرار أيضاً، أو أُطلِقَ عليها ذلك لأنَّها في الغالب يُكتَم أمرُها عن
الزَّوجة. والمراد بالاتّخاذِ: الاقتناء، وقد وَرَدَ الأمرُ بذلك صريحاً في حديث أبي الدَّرداء مرفوعاً:
((عليكم بالسَّرَاريِّ فإنَّهنَّ مُبارَكاتُ الأرحام)) أخرجه الطبرانيّ(١) وإسناده واهٍ،/ ولأحمد ١٢٧/٩
(١) في ((المعجم الأوسط)) (٨٣٥٣).

٢٥٠
باب ١٣ / ح ٥٠٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
(٦٥٩٨) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص مرفوعاً: ((انكِحُوا أمَّهاتِ الأولاد، فإنّي
أُباهي بكم يوم القيامة)) وإسناده أصلَحُ من الأوَّل، لكنَّه ليس بصريح في الشَّسَرّي.
قوله: ((ومَن أعتَقَ جاريةً ثمَّ تزوَّجَها)) عَطَفَ هذا الحكمَ على الاقتناء، لأنَّه قد يقع بعد
التَّسَرّي وقبله، وأوَّل أحاديث الباب مُنطَبق على هذا الشِّقّ الثّاني.
ثمَّ ذکر في الباب ثلاثة أحاديث:
الأوَّل: حديث أبي موسى، وقد تقدَّم شرحه في كتاب العِلم (٩٧).
وقوله في هذه الطَّريق: ((أيما رجلٍ كانت عنده وليدة)) أي: أَمَة، وأصلها ما وُلِدَ من الإماء
في مِلْكِ الرجل، ثمَّ أُطلِقَ ذلك على كلّ أَمَة.
قوله: ((فله أجرانٍ)) ذكر ثَمَّن يَحَصُل لهم تضعيف الأجر مرَّتَينِ ثلاثةَ أصناف: مُتزوِّج
الأَمَة بعد عِتقها، ومُؤمِن أهل الكتاب، وقد تقدَّم البحثُ فيه في كتاب العلم، والمملوك
الذي يُؤَدّي حَقَّ الله وحَقَّ مَواليهِ، وقد تقدَّم في العِتق (٢٥٤٧).
ووَقَعَ في حديث أبي أمامةَ رَفَعَه عند الطبرانيِّ (٧٨٥٦): ((أربعة يُؤْتَونَ أجرَهم مرَّتَيْنِ))
فذكر الثلاثة كالذي هنا وزاد: أزواج النبيّ وَلَّ(١)، وتقدَّم في التَّفسير (٤٩٣٧) حديث
الماهر بالقرآن والذي يقرأ وهو عليه شاقّ، وحديث زينب امرأة ابن مسعود في التي
تَتَصَدَّق على قريبها لها أَجران: أجر الصَّدَقة وأجر الصِّلة، وقد تقدَّم في الزكاة (١٤٦٢)،
وحديث عَمْرو بن العاص في الحاكم إذا أصاب له أجران، وسيأتي في الأحكام(٢)،
وحديث جَرِير: ((مَن سَنّ سُنّةً حَسَنة))، وحديث أبي هريرة: ((مَن دَعَا إلى هُدَى))،
وحديث أبي مسعود: ((مَن دَلَّ على خير))، والثلاثة بمعنّى وهُنَّ في ((الصحيحين))(٣)، ومن
ذلك حديث أبي سعيد في الذي تَيمَّمَ ثمَّ وَجَدَ الماء فأعادَ الصلاة، فقال له النبيّ ◌َّ: ((لك
(١) وإسناده ضعيف جدّاً.
(٢) بل في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة برقم (٧٣٥٢).
(٣) وهم الحافظ رحمه الله في عزوها إلى ((الصحيحين)، بل هي من أفراد مسلم، فالأول عنده برقم (١٠١٧)،
والثاني برقم (٢٦٧٤)، والثالث برقم (١٨٩٣).

٢٥١
باب ١٣ / ح ٥٠٨٣
كتاب النكاح
الأجر مرَّتَينِ)) أخرجه أبو داودَ (٣٣٨).
وقد يَحصُل بمزيدِ التَبُّع أكثرُ من ذلك، وكلَّ هذا دالَّ على أن لا مفهوم للعَدَدِ المذكور
في حديث أبي موسى.
وفيه دليل على مزيد فضلٍ مَن أعتَقَ أَمَتَه ثمَّ تزوَّجَها سواءٌ أعتَقَها ابتداءً لله أو لسببٍ.
وقد بالَغَ قوم فَكَرِهوه فكأنَّهم لم يَبلُغْهم الخبر، فمن ذلك ما وَقَعَ في رواية هُشَيم عن صالح
ابن صالح الراوي المذكور(١)، وفيه قال: رأيت رجلاً من أهل خُراسان سألَ الشَّعْبيَّ فقال:
إنَّ مَن قبلَنا من أهل خُراسان يقولون في الرجل: إذا أعتَقَ أمَتَه ثمَّ تزوَّجَها فهو كالرّاكبِ
بَدَنْتَه، فقال الشَّعْبيّ ... فذكر هذا الحديث، وأخرج الطبرانيُّ (٩٦٨١) بإسنادٍ رجاله ثقات
عن ابن مسعود أنَّه كان يقول ذلك، وأخرج سعيد بن منصور (٩١٥) عن ابن عمر مِثلَه،
وعند ابن أبي شَيْبة (٤/ ١٥٧) بإسنادٍ صحيح عن أنس: أنَّه سُئلَ عنه فقال: إذا أعتَقَ أمَتَه لله
فلا يعود فيها، ومن طريق سعيد بن المسيّب وإبراهيم النَّخَعيِّ: أَّهما كَرها ذلك، وأخرج
أيضاً من طريق عطاء والحسن: أنَّهما كانا لا يَرَيان بذلك بأساً.
قوله: ((وقال أبو بكر)) هو ابن عيَّاش، بتحتانيَّةٍ وآخره مُعجَمة، وأبو حَصِينٍ: هو
عثمان بن عاصم ((عن أبي بُرْدة)) هو ابن أبي موسى. وهذا الإسناد مُسَلسَل بالكوفيّينَ
وبالكُنَی.
قوله: ((عن أبيه، عن النبيّ ◌ََّ: أَعتَقَها ثمَّ أصدَقَها)) كأنَّه أشارَ بهذه الرِّواية إلى أنَّ المراد
بالتَّزويجِ في الرّواية الأُخرى أن يقعَ بمَهرِ جديد سوى العِتق، لا كما وَقَعَ في قصَّة صَفيَّة كما
سيأتي في الباب الذي بعده، فأفادَت هذه الطَّريق ثُبُوتَ الصَّدَاق، فإنَّه لم يقع التَّصريح به في
الطَّريق الأولى، بل ظاهرها أن يكون العِتقُ نفسَ المهر.
وقد وَصَلَ طريق أبي بكر بن عيَّاش هذه أبو داود الطَّيالسيُّ في ((مُسنَده)) (٥٠٣) عنه
فقال: ((حدَّثنا أبو بكر الخيّاط)) فذكره بإسنادِه بلفظ: ((إذا أعتَقَ الرجل أمَتَه ثمَّ أمهَرَها مَهراً
(١) وهذه الرواية عند مسلم (١٥٤).

٢٥٢
باب ١٣ / ح ٥٠٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
جَديداً كان له أجران))، وكأنَّ أبا بكر كان يَتَعانَى الخياطةَ في وقتٍ(١)، وهو أحد الحُفّاظ
المشهورينَ في الحديث، والقُرّاء المذكورينَ في القراءة، وأحد الزُّواة عن عاصم وله اختيارٌ.
وقد احتجّ به البخاريّ.
ووَصَلَه من طريقه أيضاً الحسن بن سفيان وأبو بكر البزَّار (٣١٥٦) في ((مُسنَدَيهِم))
١٢٨/٩ عنه، وأخرجه الإسماعيليّ عن الحسن ولفظه/ عنده: ((ثُمَّ تزوَّجَها لمَهرٍ جديد))، وكذا
أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِّانيّ في ((مُسنَده)) عن أبي بكر بهذا اللَّفظ، ولم يقع لابنِ
خَزْم إلّا من رواية الحِّانيّ، فضَعَّفَ هذه الزّيادة به ولم يُصِبْ. وذكر أبو نُعَيم أنَّ أبا بكر
تفرَّد بها عن أبي حَصِينٍ، وذكر الإسماعيليّ أنَّ فيه اضطراباً على أبي بكر بن عيَّاش، كأنَّه
عَنَى في سياق المتن لا في الإسناد، وليس ذلك الاختلاف اضطراباً، لأنَّه يَرجِع إلى معنّی
واحد وهو ذِكْر المهر، واستُدِلَّ به على أنَّ عِتَقَ الأَمة لا يكون نفسَ الصَّداق، ولا دلالةَ فيه،
بل هو شرط لمَا يَتَرتَّب عليه الأجرانِ المذكوران، وليس قَيداً في الجواز.
تنبيه: وَقَعَ في رواية أبي زيد المروزيِّ: عن أبي بُرْدة عن أبيه عن أبي موسى، والصَّواب
ما عند الجماعة: عن أبيه أبي موسى، بحذفٍ ((عن)) التي قبل أبي موسى.
الحديث الثاني:
٥٠٨٤ - حدَّثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، قال: أخبرني ابنُ وَهْب، قال: أخبَرَني جَرِيرُ بنُ حازِمٍ، عن
أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ قال: قال النبيُّ وَلِه.
حذَّثنا سليمانُ، عن حَمَّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ: لم يَكذِبْ إبراهيمُ
إلّا ثلاثَ كَذَباتٍ: بينَما إبراهيمُ مَرَّ بجَبّارٍ ومعه سارةُ ... فذكر الحديثَ، فأعطاها هاجَرَ،
قالت: كَفَّ اللهُ يدَ الكافرِ وأخدَمَني آخَرَ.
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله هنا، وقد خالف نفسه في ((تبصير المنتبه)) ٥١٦/٢ و((تقريب التهذيب)) فنسبه
حَنّاطاً، بالمهملة والنون، نسبةً إلى بيع الحنطة، وهو الصواب، وكذلك نسبه الذهبي في ((السير)) ٤٩٥/٨،
وابن الجزري في ((غاية النهاية)) ٣٢٥/١ فقالا: بالنون. أما في ((مسند الطيالسي)) فقد اختلفت نسخه
الخطية ففي بعضها: الخياط، وفي بعضها: الحناط، على الصواب.

٢٥٣
باب ١٣ / ح ٥٠٨٤
كتاب النكاح
قال أبو هريرةَ: فتلكَ أمُّكم يا بني ماءِ السماءِ.
قوله: ((حدَّثنا سعيد بن تَلِيد)) بفتح المثنّاة وكسر اللّام الخفيفة وسكون التَّحتانيَّة بعدها
مُهمَلة، مِصريّ مشهور، وكذا شيخه، وبَقيَّة الإسناد إلى أبي هريرة من أهل البصرة، ومحمَّد:
هو ابن ◌ِیرِینَ.
وقوله في الرِّواية الثّانية: ((عن أيوب عن محمَّد)) كذا للأكثرِ، ووَقَعَ لأبي ذرِّ بَدَلَه: ((عن
مجاهد)) وهو خطأ، وقد تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٨): ((عن محمَّد بن محبوب عن حمّاد
ابن زيد)» على الصَّواب، لكنَّه ساقه هناك موقوفاً، واختَلَفَ هنا الرُّواة: فَوَقَعَ في رواية
كَرِيمة والنَّسَفيِّ موقوفاً أيضاً، ولغيرهما مرفوعاً، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان
ابن حَرْب شيخِ البخاريّ فيه موقوفاً، وكذا ذكر أبو نُعَيم: أنَّه وَقَعَ هنا للبخاريّ موقوفاً،
وبذلك جَزَمَ الحُميديّ، وأظنّه الصَّوابَ في رواية حمّاد عن أيوب، وأنَّ ذلك هو السِّ في
إيراد رواية جَرِير بن حازم معَ کَونها نازِلَةً، ولكنَّ الحديث في الأصل ثابتُ الرَّفع، لكنَّ
ابن سِيرِين كان يَقِفُ كثيراً من حديثه تخفيفاً.
وأغْرَبَ الُِّّ فِعَزَا روايةَ حَمَّاد هذه هنا إلى رواية ابن رُمَيح عن الفِرَبْريّ، وغَفَلَ عن ثُبُوتها
في رواية أبي ذرِّ والأَصِيليّ وغيرهما من الرُّواة من طريق الفِرَبْريّ حتَّى في رواية أبي الوَقْت،
وهي ثابتة أيضاً في رواية النَّسَفيّ، فما أدري ما وجهُ تخصيص ذلك برواية ابن رُمَيح.
قوله: (لم يَكذِبْ إبراهيمُ إلّ ثلاث كَذَبات)) الحديث، ساقه مختصراً هنا، وقد تقدَّم
شرحه مُستَوقَى في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء (٣٣٥٧).
قال ابن المنيِّر: مُطابقة حديث هاجَرَ للتَّرجمة أنَّها كانت مملوكة، وقد صَحَّ أنَّ إبراهيم
أولدَها بعد أن مَلَكَها، فهي سُرّيَّة. قلت: إن أراد أنَّ ذلك وَقَعَ صريحاً في ((الصَّحیح)) فليس
بصحيحٍ، وإنَّما الذي في ((الصَّحيح)) أنَّ سارَةَ مَلَكَتها وأنَّ إبراهيم أولدَها إسماعيل، وكَونُه
ما كان بالذي يَستَولِد أَمَة امرأته إلّا بمِلكِ مأخوذٌ من خارج الحديث غيرٍ (١) الذي في
(١) ((غير)) صفة لخارج، وليس للحديث، وبذلك يستقيم المعنى.

٢٥٤
باب ١٣ / ح ٥٠٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
((الصَّحيح))، وقد ساقه أبو يَعْلى في «مُسنَده)) (٦٠٣٩) من طريق هشام بن حسَّان عن محمَّد
ابن سِيرِين عن أبي هريرة في هذا الحديث، قال في آخره: «فاستَوهَبَها إبراهيمُ من سارةَ،
فَوَهَبَتَها له))، ووَقَعَ في حديث حارثة بن مُضرِّب عن عليّ عند الفاكهيّ: أنَّ إِبراهيم
اسْتَوَهَبَ هاجَرَ من سارةَ فوَهَبَتها له وشَرَطَت عليه أن لا يَسُوءَها (١) فالتَزَمَ ذلك، ثمَّ
غارَتْ منها فكان ذلك السَّبَب في تحويلها معَ ابنها إلى مكَّة))، وقد تقدَّم شيء من ذلك في
أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤).
٥٠٨٥ - حدَّثنَا قُتَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾ قال: أقامَ النبيُّ ◌َله
بينَ خَيْبرَ والمدينةِ ثلاثاً يُبنَى عليه بصَفِيَّةَ بنتِ حُِيٍّ، فَدَعَوْتُ المسلمينَ إِلى وَلِیمَتِهِ، فما كان فيها
من ◌ُبْزٍ ولا لحمٍ أُمِرَ بالأنطاعِ فألقَى فيها منَ الثَّمْرِ والأَقِطِ والسَّمْنِ فكانت وَلِيمَتَه، فقال
المسلمونَ: إحدَى أَمَّهات المؤمنين، أو ممَّ مَلَكَت يَمِينُه؟ فقالوا: إنْ حَجَبَها فهي من أمَّهاتِ
المؤمنينَ، وإن لم يَخْجُبْها فهي ممَّ مَلَكَت يَمِينُهُ، فلمَّ ارتَحَلَ وَطَّى لها خَلْفَه ومَدَّ الِحِجابَ بينَها
وبينَ الناسِ.
الحديث الثالث: حديث أنس قال: ((أقام النبيّ پھ بین خَيْبر والمدینة - على ساكنها أفضل
الصلاة والسلام والتحية والإكرام - ثلاثاً)) الحديث، وفيه: ((فقال المسلمونَ: إحدَى أمَّهات
المؤمنينَ، أو ممّا مَلكَت يمينُه؟)) ووَقَعَ في رواية حمّاد بن سَلَمةً عن ثابت عن أنس عند مسلم
(١٣٦٥/ ٨٧): فقال الناس: لا ندري أتزَوَّجَها أم اتَّخَذَها أمّ ولد؟ وشاهدُ التَّرجمة منه تَرَدُّد
الصَّحابة في صَفيَّة: هل هي زوجة أو سُرّيَّة؟ فيطابق أحدَ رُكنَي التَرجمة، قال بعض
الشُّرَاحِ: دَلَّ تَرَدُّد الصَّحابة في صَفيَّة: هل هي زوجة أو سُرّيَّة؟ على أنَّ عِتْقَها لم يكن نفس
الصَّدَاق؛ كذا قال، وهو مُتَعقَّب بأنَّ التردُّد إنَّما كان في أوَّل الحال ثمَّ ظَهَرَ بعد ذلك أنَّهَا
زوجة، ولیس فيه دلالة لمَا ذَكَرَ.
واستُدِلَّ به على صِحّة النِّكاح بغير / شهود، لأنَّه لو حَضَرَ في تزويج صَفيَّة شهودٌ لمَا
١٢٩/٩
(١) تحرَّفت في (س) إلى: يسرها.

٢٥٥
باب ١٣م / ح ٥٠٨٦
كتاب النكاح
خَفِيَ عن الصَّحابة حتَّى يَتَرَدَّدوا، ولا دلالةَ فيه أيضاً لاحتمال أنَّ الذينَ حَضَروا التَّزويج
غيرُ الذين تَرَدَّدوا، وعلى تسليم أن يكون الجميع تَرَدَّدوا فذلك مذكور من خصائصه وَلّهِ أَنَّه
يَتَزوَّج بلا وليّ ولا شهود كما وَقَعَ في قصَّة زينب بنت جَحْش، وقد سَبَقَ شرحُ أوَّل الحديث في
غزوة خَيْبر من كتاب المغازي (٤٢١٢)، ويأتي ما يَتَعلَّق بالعِثْق في الذي بعده.
١٣ م- باب من جعل عتقَ الأَمة صداقَها
٥٠٨٦- حدّثنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن ثابتٍ وشُعَيبٍ بنِ الحَبْحاب، عن أنسِ
ابن مالكٍ: أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وجَعَلَ عِنْقَهَا صَدَاقَها.
قوله: ((باب مَن جَعَلَ عِثْقِ الأَمةِ صَدَاقها)) كذا أورَدَه غيرَ جازِمِ بالْحُكْمِ، وقد أخَذَ
بظاهره من القُدَماء: سعيدُ بن المسيّب وإبراهيم النَّخَعي وطاووس والزُّهْريّ، ومن فقهاء
الأمصار: الثَّوْريّ وأبو يوسف وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أعتَقَ أَمَتَه على أن يجعل عِتقَها
صَدَاقها، صَحَّ العَقدُ والعِتقُ والمهرُ على ظاهر الحديث.
وأجابَ الباقونَ عن ظاهر الحديث بأجوبةٍ، أقربُها إلى لفظ الحديث: أنَّه أعتَقَها بشرطِ
أَن يَتزوَّجها فوَجَبَت له عليها قيمتُها، وكانت معلومةً فتزوَّجَها بها، ويُؤيِّده قوله في رواية
عبد العزيز بن صُهَيب: سمعت أنساً قال: سَبَى النبيُّ وَّهِ صَفيَّة فأعتَقَها وتزوَّجَها، فقال
ثابت لأنسٍ: ما أصدَقَها؟ قال: نفسَها، فأعتَقَها، هكذا أخرجه المصنِّ في المغازي (٤٢٠١)،
وفي رواية حَمَّاد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس في حديثٍ (٤٢٠٠): قال: وصارت صَفيَّةٌ
لرسولِ اللهِ وَلَّ، ثمَّ تزوَّجَها وجَعَلَ عِتقَها صَدَاقَها، فقال عبد العزيز لثابتٍ: يا أبا محمَّد،
أنتَ سألت أنساً: ما أمهَرها، قال: أمهَرها نفسها؟ فتَبسَّمَ، فهو ظاهرٌ جدّاً في أنَّ المجعول
مَهراً هو نفسُ العِتق، فالتَّويل الأوَّل لا بأس به، فإنَّه لا مُنافاةَ بينه وبين القواعد حتَّى لو
كانت القيمة مجهولة، فإنَّ في صِحّة العَقْد بالشَرطِ المذكور وجهاً عند الشافعيَّة.
وقال آخرونَ: بل جَعَلَ نفسَ العِتق المهرَ، ولكنَّه من خصائصه، ومَمَّن جَزَمَ بذلك
الماورديّ.

٢٥٦
باب ١٣م / ح ٥٠٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال آخرونَ: قوله: ((أعتَقَها وتزوَّجَها)) معناه: أعتَقَها ثمَّ تزوَّجَها، فلمَّا لم يَعلَم أنَّه
ساقَ لها صَدَاقاً قال: أصدَقها نفسها، أي: لم يُصدِقها شيئاً فيما أعلم، ولم يَنفِ أصل
الصَّداق، ومن ثَمَّ قال أبو الطيِّب الطَّبَرُّ من الشافعيّة وابن المرابط من المالكيَّة ومَن
تَبِعَهما: إنَّه قول أنس، قاله ظنّاً من قِبَل نفسه ولم يَرفَعْه. ورُبَّما تأيَّدَ ذلك عندهم بما أخرجه
البيهقيُّ (١٢٨/٧ -١٢٩) من حديث أُمَيمة - ويقال: أَمَة الله(١) - بنت رَزِينة عن أمّها: أنَّ
النبيّ وََّ أَعتَقَ صَفيَّة وخَطَبَها وتزوَّجَها وأمهَرَها رَزِينَةَ، وكان أَتى بها مَسبيَّةٌ من قُرَيظة
والنَّضير؛ وهذا لا يقوم به حُجّة لضعفٍ إسناده، ويعارضُه ما أخرجه الطبرانيُّ (٢٤/ ١٩٤)
وأبو الشَّيخ من حديث صَفيَّة نفسها قالت: أعتَقَني النبيُّ وَّهُ وجَعَلَ عِتقي صَدَاقي، وهذا
موافق لحديثِ أنس، وفيه رَدٌّ على مَن قال: إنَّ أنساً قال ذلك بناءً على ما ظنَّه. وقد خالَفَ هذا
الحديثَ أيضاً ما عليه كافّةُ أهل السّيَرَ أنَّ صَفيَّةٌ من سَبِي خَيْبر.
ويحتمل أن يكون أعتَقَها بشرطِ أن يَنكِحَها بغيرِ مَهْر فلَزِمَها الوفاء بذلك، وهذا
خاصٌّ بالنبِّ وَ ◌ِّ دون غيره، وقيل: يحتمل أنَّه أعتَقَها بغير ◌ِوَض وتزوَّجَها بغير مهر في
الحال ولا في المآل.
قال ابن الصَّلاح: معناه: أنَّ العِتق حَلَّ محلّ الصَّدَاق وإن لم يكن صَداقاً، قال: وهذا
كقولهم: الجوع زادُ مَن لا زاد له، قال: وهذا الوجه أصحُّ الأوجُه وأقربها إلى لفظ الحديث،
وتَبِعَه النَّوَويّ في ((الرّوضة)).
ومن المستَغرَبات قول التِّرمِذيّ بعد أن أخرج الحديث (١١١٥): وهو قول الشافعيّ
١٣٠/٩ وأحمد وإسحاق، قال: / وكَرِهَ بعضُ أهل العلم أن يجعل عِتقَها صَدَاقَها حتَّى يجعل لها مَهراً
سوى العِتق، والقول الأوَّل أصحّ. وكذا نَقَلَ ابنُ حَزْم عن الشافعيّ، والمعروف عند
الشافعيَّة أنَّ ذلك لا يَصِحّ، لكن لعلَّ مراد مَن نَقَلَه عنه صورةُ الاحتمال الأوَّل، ولا سيَّما
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، على أنه خلاف في اسم راويه، وهو خطأ، فإنه عند البيهقي من رواية أميمة عن
أَمَة الله بنت رزينة، ثم إنَّ هذا الحديث قد رواه غير البيهقي فقالوا فيه: أمينة - بالنون - عن أَمة الله، انظر
((مسند أبي يعلى)) (٧١٦١)، و((المعجم الكبير)) للطبراني ٢٤/ (٧٠٥).

٢٥٧
باب ١٣م / ح ٥٠٨٦
كتاب النكاح
نَصُّ الشافعيّ على أنَّ مَن أعتَقَ أمَتَه على أن يَتزوَّجها فقَبِلَت، عَتَّقَت ولم يَلْزَمْها أن تَتزوَّج
به، لكن يَلزَمها له قيمتُها، لأنَّه لم يرضَ بعِتِها مجّاناً فصارَ كَسائرِ الشُّروط الفاسدة، فإن
رَضِيَت وتزوَّجَته على مَهرٍ يَتَّفِقان عليه، كان لها ذلك المسَمَّى وعليها له قيمتُها، فإِن اَّحَدا
تَقاصًّا.
وثمّن قال بقولِ أحمد من الشافعيَّة ابنُ حِبّان، صَرَّحَ بذلك في ((صحیحه)).
قال ابن دقيق العيد: الظّاهر معَ أحمد ومَن وافَقَه، والقياس معَ الآخرينَ، فَيَتَرَدَّد الحال
بين ظنِّ نَشَأَ عن قياس، وبين ظنِّ نَشَأَ عن ظاهر الخبر معَ ما تحتمله الواقعةُ من الخَصُوصيّة،
وهي وإن كانت على خِلاف الأصل، لكن يَتَقَوَّى ذلك بكَثْرة خصائص النبيّ لنَّ في
النّكاح، وخصوصاً خَصُوصيّته بتزويج الواهبة من قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]. ومَّن جَزَمَ بأنَّ ذلك كان من الخصائص يحيى بنُ أَكْثَمَ
فيما أخرجه البيهقيُّ قال: وكذا نَقَلَه المُزَنِيُّ عن الشافعيّ. قال: وموضع الخَصُوصيَّة: أنَّه
أعتَقَها مُطلَقاً وتزوَّجَها بغير مهرٍ ولا وليٍّ ولا شُهود، وهذا بخِلَاف غيره. وقد أخرج
عبد الرَّزّاق (١٣١١٤) جوازَ ذلك عن عليّ وجماعة من التابعينَ، ومن طريق إبراهيم
النَّخَعيِّ (١٣١١٥) قال: كانوا يَكرَهونَ أن يَعْتِقِ أمَتَه ثمَّ يَتزوَّجها، ولا يَرَونَ بأساً أن يجعل
عِتْقَها صَدَاقَها.
وقال القُرطُبيّ: مَنَعَ من ذلك مالك وأبو حنيفة لاستحالَتِهِ، وتَقرَّرَ استحالتُه بوجهَينِ:
أحدهما: أنَّ عَقْدها على نفسها إمّا أن يقع قبل عِتقها، وهو محال لتناقُضِ الحُكمَينِ: الحُرّيَّة
والرِّقّ، فإنَّ الْحُرّيَّة حكمُها الاستقلال، والرِّقْ ضِدّه، وإمَّا بعد العِتق فلِزَوال حُكم الجَبْر
عنها بالعِتق، فيجوز أن لا تَرضَى وحينئذٍ لا تُنكَحُ إلّا بِرِضاها. الوجه الثّاني: أنّا إذا جعلنا
العِتق صَداقاً فإمّا أن يَتَقَرَّر العِتْقُ حالةَ الرِّقٌّ، وهو محال لتَناقُضِهما، أو حالة الحُرّيَّة فيَلزَم
أسبقيَّته على العَقْد، فيَلزم وجودُ العِتق حالة فرض عدمِهِ، وهو محال، لأنَّ الصَّداق لا بدَّ
أن يَتقدَّم تَقُّرُه على الَّوجِ إِمّا نَصّاً وإمّا حُكماً حتَّى تَمَلِك الزَّوجة طلبَه. فإن اعتَلُّوا بنكاح

٢٥٨
باب ١٣م / ح ٥٠٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
التَّعويض، فقد تَحَرَّزنا عنه بقولِنا: حُكماً، فإنَّها وإن لم يَتَعيَّن لها حالةَ العقد شيء، لكنَّها
تَمَلِك المطالَبةِ، فَثَبَتَ أنَّه يَثْبُت لها حالةَ العَقد شيءٌ تطالب به الَّوجِ، ولا يَتَأَتَى مِثلُ ذلك في
العِتق فاستَحالَ أن يكون صَداقاً.
وتُعُقِّبَ ما ادَّعاه من الاستحالة بجوازٍ تعليق الصَّداق على شرطٍ إذا وُجِدَ استَحقَّته
المرأة، كأن يقول: تزوَّجتُك على ما سَيَستَحقّ لي عند فلان وهو كذا، فإذا حَلَّ المال الذي
وَقَعَ العَقدُ عليه استَحقَّته. وقد أخرج الطَّحَاويُّ(١) من طريق نافع عن ابن عمر في قصَّة
جُوَيرِيَة بنت الحارث: أنَّ النبيّ وَلِهِ جَعَلَ عِتقَها صَداقها، وهو ممَّا يَتْأَيَّد به حديثُ أنس،
لكن أخرج أبو داود (٣٩٣١) من طريق عُرْوة عن عائشة في قصَّة جُوَيِرِيَة: أنَّ النبيّ ◌َل
قال لها لمَّا جاءت تستعينُ به في كِتابتها: ((هل لكِ أن أقضيَ عنكِ كتابتَكِ وأتَزَوَّجكِ؟»
قالت: قد فعَلتُ؛ وقد استَشكَلَه ابن حَزْم بأنَّه يَلَزَم منه إن كان أدَّى عنها كتابتها أن يصير
ولاؤُها لمُكاتِبها.
وأُجيبَ بأنَّه ليس في الحديث التَّصريحُ بذلك، لأنَّ معنى قولها: ((قد فعلتُ)): رَضِيتُ،
فيحتمل أن يكون ﴿ ﴿ عَوَّضَ ثابت بن قيس عنها فصارت له فأعتَقَها وتزوَّجَها كما صَنَعَ
في قصَّة صَفيَّة، أو يكون ثابت لمَّا بَلَغَته رغبةُ النبيّ ◌َّهِ وَهَبَها له.
وفي الحديث: أنَّ للسَّيِّدِ تزويجَ أمَتِهِ إذا أعتَقَها من نفسه ولا يحتاج إلى وليٍّ ولا حاكم.
وفيه اختلاف يأتي في ((باب إذا كان الوَليّ هو الخاطِب)» بعد نيِّف وعشرينَ باباً(٢). قال ابن
الجَوْزيّ: فإن قيل: ثواب العِثْق عظيم، فكيف فوَّتَه حيثُ جعله مَهراً؟ وكان يُمكِن جَعلُ
١٣١/٩ المهرِ غيرَه، فالجواب أنَّ صَفيَّة بنتُ مَلِكِ، ومثلها لا يَقنَعُ إلّا بالمهرِ الكثير، ولم/ يكن عنده
وَلِ﴿ إذ ذاكَ ما يُرضيها به، ولم يَرَ أن يُقصِّر بها(٣)، فجَعَلَ صَداقَها نفسَها، وذلك عندها أشرَفُ
من المال الكثير.
(١) في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٠/٣.
(٢) رقم الباب هو (٣٧).
(٣) لفظ ((بها)) ليس في (أ) و(س)، وفي (س): أن يقتصر.

٢٥٩
باب ١٤ / ح ٥٠٨٧
كتاب النكاح
١٤ - باب تزويج المُعسِر
لقولِه تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءُ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِ﴾ [النور: ٣٢]
٥٠٨٧- حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازِمٍ، عن أبيه، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ
الساعدِيِّ قال: جاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ وََّ فقالت: يا رسولَ الله، جِئْتُ أهَبُ لكَ نفسي،
قال: فَنَظَرَ إليها رسولُ اللهِ وَّةِ، فصَعَّدَ النَّظَرَ فيها وصَوَّبَه ثمَّ طَأْطَأَ رسولُ اللهِ وَِّ رِأْسَه،
فلمَّا رَأتِ المرأةُ أَنَّه لم يَقْضِ فيها شيئاً جَلَسَت، فقامَ رجلٌ من أصحابِهِ فقال: يا رسولَ الله،
إن لم يكن لكَ بها حاجةٌ فزَوِّجْنِيها، فقال: ((وهل عندَكَ مِن شيءٍ؟)) قال: لا والله با
رسولَ الله، فقال: ((اذهَبْ إلى أهلِكَ فانظُرُ هل تَجِدُ شيئاً؟» فذهب ثمَّ رَجَعَ فقال: لا والله ما
وَجَدْتُ شيئاً، فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((انظُرْ ولو خاتَماً من حديدٍ)) فذهب ثمَّ رَجَعَ فقال: لا
والله يا رسولَ الله، ولا خاتماً من حديدٍ، ولكن هذا إزاري - قال سَهْلٌ: ما له رِداءٌ - فلها
نِصْفُه، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((ما تَصْنَعُ بإزارِكَ؟ إن لَبِسْتَه لم يكن عليها منه شيءٌ، وإن لَبِسَتْه لم
يكن عليكَ شيءٌ)) فجَلَسَ الرجلُ حتَّى إذا طالَ مَجْلِسُه قامَ، فرآه رسولُ اللهِ وَّهِ مُوَلِّيّاً فأمَرَ به
فِدُعِيَ، فلمَّا جاء قال: ((ماذا مَعَكَ منَ القرآنِ؟)) قال: معي سورةُ كذا وسورةُ كذا ـ عَذَّدَها .
فقال: ((تَقْرَؤُهُنَّ عن ظَهْرِ قَلْبِكَ؟)) قال: نعم، قال: ((اذهَبْ فقد مَلَّكْتُكَها بما مَعَكَ منَ
القرآنِ)).
قوله: ((باب تَزْويج المعسِر)) تقدَّم في أوائل كتاب النكاح (باب تزويج المعسر الذي معه
القرآن والإسلام))(١) وهذه التَّرجمة أخصُّ من تلكَ، وعَلَّقَ هناك حديثَ سَهْل الذي أورَدَه
في هذا الباب مبسوطاً، وسيأتي شرحه بعد ثلاثين باباً (٥١٤١ و٥١٤٩).
قوله: (لقولِه تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾)) هو تعليل لحُكمِ
التَّرجمة، ومُحصَّله: أنَّ الفقر في الحال لا يَمنَع التَّزويج، لاحتمال حصول المال في المآل،
والله أعلم.
(١) ورقم الباب (٦).

٢٦٠
باب ١٥ / ح ٥٠٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
١٥ - باب الأكفاء في الدِّین
وقولِه: ﴿ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ, نَسَبًا﴾ الآيةَ [الفرقان: ٥٤]
٥٠٨٨- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ،
عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ أبا حُذَيفةَ بنَ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعةً بنِ عبدِ شَمْسٍ - وكان ممَّن شَهِدَ
بَدْراً معَ النبيِّ وَّهِ - تَبَنَّى سالماً وأنكَحَه بنتَ أخِيِه هِنْداً بنتَ الوليدِ بنِ عُثْبَةَ بنِ رَبِيعةَ، وهو
مَوْلَّى لامرأةٍ منَ الأنصارِ، كما تَبَتَّى النبيُّ وَله زيداً، وكان مَن تَبنَّى رجلاً في الجاهليّةِ دَعَاه الناسُ
١٣٢/٩ إليه، ووَرِثَ من مِيراثِهِ، حتَّى أَنزَلَ الله ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَآِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَوَّلِيكُمْ﴾/
[الأحزاب: ٥] فُرُدُّوا إلى آبائِهم، فمَن لم يُعْلَمْ له أبٌّ كان مَوْلّى وأخاً في الدِّينِ، فجاءت سَهْلةُ
بنتُ سُهَيلٍ بنِ عَمْرٍو القُرَشِيِّ ثمَّ العامرِيِّ - وهي امرأةُ أبي حُذَيفةَ - النبيَّ ◌َّر فقالت: يا
رسولَ الله، إنّا كنَّا نَرَى سالماً ولداً، وقد أنزلَ اللهُ فيه ما قد عَلِمتَ ... فذكر الحديثَ.
قوله: ((باب الأكْفاء في الدِّين)) جمع كُفْء، بضمٌّ أوَّله وسكون الفاء بعدها همزة: المِثْل
والنَّظير. واعتبارُ الكفاءة في الدّين مُتَّفَق عليه، فلا تَحِلّ المسلمةُ لكافرٍ أصلاً.
قوله: ((﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ الآية)) قال الفَرّاء: النَّسَب:
مَن لا يَحِلّ نِكاحُه، والصِّهر: مَن يَحِلّ نِكاحُه. فكأنَّ المصنِّف لمَّا رأى الحَصْر وَقَعَ
بالقسمَينِ صَلَحَ التَّمَسُّكُ بالعُمومِ لوجودِ الصَّلاحِيَة إلّا ما دَلَّ الدّليل على اعتباره وهو
استثناء الكافر، وقد جَزَمَ بأنَّ اعتبار الكفاءة مُخْتَصّ بالدِّينِ مالكٌ، ونُقِلَ عن ابن عمر وابن
مسعود، ومن التابعينَ عن محمَّد بن سِيرِين وعمر بن عبد العزيز، واعتَبَرَ الكَفاءَ في
النَّسَب الجمهورُ، وقال أبو حنيفة: قُرَيش أكْفاء بعضهم بعضاً، والعرب كذلك، وليس
أحد من العرب كُفأً لقُرَيشٍ، كما ليس أحد من غير العرب كُفاً للعرب، وهو وجه
للشّافعيّة، والصَّحيح تقديمُ بني هاشم والمطَّلِب على غيرهم، ومَن عَدَا هؤلاءِ أكْفاء
بعضهم لبعضٍ، وقال الثَّوريّ: إذا نَكَحَ المولَى العربيَّةَ يُفسَخ النِّكاح، وبه قال أحمد في
رواية، وتَوَسَّطَ الشافعيّ فقال: ليس نِكاحُ غير الأكفاء حَراماً فأرُدَّ به النِّكاح، وإنَّما هو
٠
: