Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ باب ٢٣ / ح ٥٠٣٢ كتاب فضائل القرآن من الإقرار له بالعُبوديَّة والاستسلام لقُدرَتِهِ، وذلك أَولى من نسبة الأفعال إلى مُكتَسبِها معَ أنَّ نِسبتَها إلى مُكتَسِبها جائز بدليل الكتاب والسُّنّة. ثمَّ ذكر الحديث الآتي في ((باب نِسْيان القرآن)» (٥٠٣٧)، قال: وقد أضافَ موسى عليه السلام النِّسيانَ مرَّة إلى نفسه ومرَّة إلى الشَّيطان فقال: ﴿فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ولِكلِّ إضافة منها معنَّى صحيح، فالإضافة إلى الله بمعنى أنَّه خالقُ الأفعال كلِّها، وإلى النَّفْس لأنَّ الإنسان هو المكتَسِبُ لها، وإلى الشَّيطان بمعنى الوَسوَسة. انتهى، ووَقَعَ له ذُهول فيما نَسَبَه لموسى، وإنَّما هو كلام فتاهُ. وقال القُرطُبِيّ: ثَبَتَ أنَّ النبيّ وَّ نَسَبَ النِّسيان إلى نفسه؛ يعني كما سيأتي في ((باب نِسْيان القرآن))، وكذا نَسَبَه يُوشَعُ إلى نفسه، حيثُ قال: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾، وموسى إلى نفسه حيثُ قال: / ﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]، وقد سَبَقَ قولُ الصَّحابة: ﴿رَبَّنَا لَا ٨١/٩ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] مَسَاقَ المدح، وقال تعالى لنبيِّهِ وَّ: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَ ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧]، فالذي يظهر أنَّ ذلك ليس مُتَعلَّق الذَّمّ. وجَنَحَ إلى اختيار الوجه الثّاني: وهو كالأوَّل، لكنَّ سبب الذَّمّ ما فيه من الإشعار بعَدَمِ الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النِّسيانُ إلّا بتَركِ التَّعاهُد وكَثْرة الغَفْلة، فلو تَعاهَدَه بتِلاوَتِه والقيام به في الصلاة لَدامَ حِفظُه وتَذَكُّره، فإذا قال الإنسان: نسيتُ الآية الفلانيَّة، فكأنَّه شَهِدَ على نفسه بالتَّفريطِ، فيكون مُتَعلَّق الذَّمّ تركَ الاستذكار والتَّعاهُد، لأنَّه الذي يُورِث النِّسیان. الوجه الثّالث: قال الإسماعيليّ: يحتمل أن يكون كَرِهَ له أن يقول: نَسِيتُ، بمعنى: تَرَكتُ، لا بمعنى السَّهو العارض، كما قال تعالى: ﴿فَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وهذا اختیار أبي عُبيد وطائفة. الوجه الرّابع: قال الإسماعيليّ أيضاً: يحتمل أن يكون فاعلُ ((نَسِيت)) النبيَّ وَّهِ، كأنَّه قال: لا يَقُل أحد عنِّي: إنّي نَسِيتُ آية كذا، فإنَّ الله هو الذي نَسّاني ذلك لحِكمة نَسخِه ١٦٢ باب ٢٣ / ح ٥٠٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ورفع تلاوته، وليس لي في ذلك صُنعٌ بل الله هو الذي يُنسِيني لمَا تُنْسَخ تِلاوَتُه، وهو كقوله تعالى: ﴿سَنُفْرِتُكَ فَلاَ تَفْسَ ٥) إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ فإنَّ المراد بالمستثنى(١) ما يُنسَخ تِلاوَته، فُنسِي الله نبيَّه ما یرید نَسخَ تِلاوَته. الوجه الخامس: قال الخطَّبيُّ: يحتمل أن يكون ذلك خاصّاً بزَمَنِ النبيّ ◌ََّ، وكان من ضُروب النَّسخ نِسْيانُ الشَّيء الذي يَنِزِل ثمَّ يُنسَخ منه بعد نزوله الشَّيءُ، فيذهب رَسْمُه وتُرفَع تِلاوتُه ويَسقُطْ حِفظُه عن حَلَتِهِ، فيقول القائل: نَسِيت آية كذا، فنُهوا عن ذلك لئلا يُتُوهَّم على مُحكَمِ القرآن الضَّياع، وأشارَ لهم إلى أنَّ الذي يقع من ذلك إنَّما هو بإذنِ الله لمَا رآه من الحكمة والمصلَحة. الوجه السادس: قال الإسماعيليّ: وفيه وجه آخر، وهو أنَّ النِّسیان الذي هو خِلاف الذُّكْر إضافته إلى صاحبه مجاز، لأَنَّه عارض له لا عن قصدٍ منه، لأنَّه لو قَصَدَ نِسْيان الشَّيء لكان ذاكِراً له في حال قصدِه، فهو كما قال: ما ماتَ فلانٌ ولكن أُمِيتَ. قلت: وهو قريب من الوجه الأوَّل، وأرجَحُ الأوجُه الوجه الثّاني، ويُؤْيِّده عَطفُ الأمر باستذكار القرآن عليه، وقال عِيَاض: أَولى ما يُتْأوَّل عليه ذَمُّ الحال لا ذَمُّ القول، أي: بئسَ الحالُ حالُ مَن حَفِظَه ثمَّ غَفَلَ عنه حتَّى نَسِيَه. وقال النَّوَويّ: الكراهة فيه للشَّزيه. قوله: ((واستَذْكِروا القرآن)) أي: واظِبُوا على تِلاوَته واطلبوا من أنفُسكم المذاكرةَ به، قال الطِّبيُّ: وهو عَطفٌ من حيثُ المعنى على قوله: ((بئسَ ما لأحدِكُم)) أي: لا تُقَصِّروا في معاهدته واستذکِروه. وزاد ابن أبي داود من طريق عاصم عن أبي وائل في هذا الموضع: ((فإنَّ هذا القرآن وَحْشِيٌّ))، وكذا أخرجها من طريق المسيَّب بن رافع عن ابن مسعود. قوله: ((فإنَّه أشَدُّ تَفَصّياً) بفتح الفاء وكسر الصّاد المهمَلة الثَّقيلة بعدها تحتانيَّة خفيفة، أي: تَفَلُّتاً وتَخُلُّصاً، تقول: تَفَصَّيتُ كذا، أي: أحَطتُ بتفاصيلِه، والاسم: الفَصْية. ووَقَعَ في (١) هكذا في الأصلين، وفي (س): بالمنسيِّ، وكلاهما صحيح. ١٦٣ باب ٢٣ / ح ٥٠٣٢ كتاب فضائل القرآن حديث عُقْبة بن عامر بلفظ: ((تَفَلُّتَا)(١)، وكذا وَقَعَت عند مسلم (٧٩١) في حديث أبي موسى ثالث أحاديث الباب، ونُصِبَ على التَّمییز. وفي هذا الحديث زيادةٌ على حديث ابن عمر، لأنَّ في حديث ابن عمر تشبيه أحد الأمرَينِ بالآخرِ، وفي هذا أنَّ هذا أبلَغُ في النُّفُور من الإبل، ولِذا أفصَحَ به في الحديث الثّالث حيثُ قال: ((لَو أشدُّ تَفَصّياً من الإبل في عُقُلها)) لأنَّ من شأن الإبل تَطلُّبَ التَّفَلُّت ما أمكنَها، فمَتَى لم يَتَعَاهَدْها بِرِباطِها تَفَلَّتَت، فكذلك حافظُ القرآن إن لم يتعاهَدْه تَفَلَّتَ، بل هو أشدُّ في ذلك. وقال ابن بَطّال: هذا الحديث يوافق الآيتَينِ: قولَه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلًا نَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ [القمر: ١٧]، فمَن أقبَلَ عليه بالمحافظة والتَّعاهُد يُسَِّ له، ومَن أعرَضَ عنه تَفَلَّتَ منه. قوله: «حدّثنا عُثْمان)) هو ابن أبي شيبة، وجَرِیر: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو المذكور في الإسناد الذي قبله. وهذه الطَّريق عند الكُشْمِيهنيّ وحده، وثَبَتَت/ أيضاً في ٨٢/٩ رواية النَّسَفيّ. وقوله: ((مِثْلَه)) الضَّمير للحديثِ الذي قبله، وهو يُشعِرِ بأنَّ سياق جَرِير مُساوٍ لسياق شُعْبة، وقد أخرجه مسلم (٧٩٠/ ٢٢٨) عن عثمان بن أبي شَيْبة مقروناً بإسحاق بن راهويه وزُهَير بن حَرْب ثلاثتهم عن جَرِير، ولفظه مُسارٍ للفظ شُعْبة المذكور إلّا أنَّه قال: ((اسْتَذكِروا)) بغير واوٍ، وقال: ((فلهُوَ أشدُّ) بَدَل قوله: ((فإنَّه)) وزاد بعد قوله: ((من النَّعَم)»: ((عُقُلِها))، وقد أخرجه الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شَيْبة بإثبات الواو وقال في آخره: ((من عُقُله))، وهذه الزيادة ثابتة عنده في حديث شُعْبة أيضاً من رواية غُندَر عنه بلفظ: ((بئسَما لأحدِكم - أو لأحدِهم - أن يقول: إنَّ نَسِيت آيَة كَيْتَ وکَیْت))، قال رسول الله وَله: ((بل هو نُسّيَ، ويقول: استَذكِروا القرآن ... )) إلى آخره، وكذا ثَبَتَت عنده (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٧٣١٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٨٠). ١٦٤ باب ٢٣ / ح ٥٠٣٢ فتح الباري بشرح البخاري في رواية الأعمَش عن شَقِيق بن سَلَمةً عن ابن مسعود. قوله: ((تابَعَه بِشْر عن ابن المبارك عن شُعْبةٍ)) يريد أنَّ عبدَ الله بن المبارَكُ تابَعَ محمَّد بن عَرْعَرة في رواية هذا الحديث عن شُعْبة، وبِشر: هو ابن محمَّد المروزيُّ شيخ البخاريّ، قد أخرج عنه في بَدْء الوحي (٦) وغيره، ونِسْبة المتابعة إليه مَجازيَّة، وقد يُوهِم أنَّه تفرَّد بذلك عن ابن المبارك، وليس كذلك، فإنَّ الإسماعيليّ أخرج الحديث من طريق حِبّان بن موسى عن ابن المبارك، ويُوهِم أيضاً أنَّ ابن عَرعَرة وابن المبارك انفَرَدا بذلك عن شُعْبة، وليس كذلك لمَا ذُكِرَ فيه من رواية غُندَر، وقد أخرجها أحمد أيضاً عنه (٤١٧٦)، وأخرجه عن حَجّاج بن محمَّد (٤١٧٦) وأبي داود الطََّالسيِّ (٣٩٦٠) كلاهما عن شُعْبة، وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٢٩٤٢) من رواية الطَّيالسِّ. قوله: ((وتابَعَه ابن جُرَيج، عن عَبْدة، عن شَقِيق: سمعتُ عبدَ الله)) أمَّا عَبْدةُ فهو بسكونِ الموخَّدة: وهو ابن أبي لُبَابَة، بضمِّ اللّام وموحَّدتَينِ مُخُفَّفاً، وشَقِيق: هو أبو وائل، وعبد الله: هو ابن مسعود، وهذه المتابعة وَصَلَها مسلم (٧٩٠/ ٢٣٠) من طريق محمَّد بن بكر عن ابن جُرَيج قال: حدَّثني عَبْدة بن أبي لُبَابة عن شَقِيق بن سَلَمةَ: سمعتُ عبد الله بن مسعود؛ فذكر الحديث إلى قوله: ((بل هو نُسّيَ)) ولم يَذكُر ما بعده، وكذا أخرجه أحمد (٤٠٢٠) عن عبد الرَّزّاق، وكذا أخرجه أبو عَوَانة (٣٨٢٥) من طريق محمَّد بن جُحادة عن عبدة، وكأنَّ البخاريّ أراد بإيرادِ هذه المتابعة دفعَ تعليل مَن أعَلَّ الخبر برواية حَمَّاد بن زيد وأبي الأحوَص له عن منصور موقوفةً على ابن مسعود، قال الإسماعيليّ: روى حمّاد بن زيد عن منصور وعاصم الحديثَينِ معاً موقوفَينٍ، وكذا رواهما أبو الأحوص عن منصور، وأمَّا ابن عُبَينَةَ فأسنَدَ الأوَّلَ ووَقَفَ الثّاني، قال: ورَفَعَهما جميعاً إبراهيمُ بن طَهْمانَ وعَبِيدة بن حُميدٍ عن منصور، وهو ظاهر سياق سفيان الثَّوريّ. قلت: ورواية عَبيدة أخرجها ابنُ أبي داودَ، ورواية سفيان ستأتي عند المصنّف قريباً (٥٠٣٩) مرفوعاً لكن اقتَصَرَ على الحديث الأوَّل، وأخرج ابنُ أبي داود من طريق أبي بكر ١٦٥ باب ٢٣ / ح ٥٠٣٣ كتاب فضائل القرآن ابن عيَّاش عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعاً الحديثَينِ معاً، وفي رواية عَبْدة بن أبي لُبَابة تصريحُ ابن مسعود بقولِه: ((سمعتُ رسول الله،َّ)، وذلك يُقوِّي رواية مَن رَفَعَه عن منصور، والله أعلم. الحديث الثالث: ٥٠٣٣- حدَّثنا محمّدُ بنُ العلاءِ، حدّثنا أبو أسامةً، عن بُریدِ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((تَعَاهَدُوا القرآنَ، فوالذي نفسي بيده لهوَ أَشَدُّ تَفَصِّياً منَ الإبلِ فِي عُقُلِها». قوله: ((عن بُرَيد)) بالموخَّدة: هو ابن عبد الله بن أبي بُرْدة، وشيخه أبو بُرْدة: هو جَدُّه المذكور، وأبو موسى: هو الأشعريّ. قوله: ((في عُقُلها)) بضمَّتَينِ ويجوز سكون القاف: جمعُ عِقَال، بكسرٍ أوَّله: وهو الحبل، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((من عُقُلِها))، وذكر الكِرْمانيُّ أنَّه وَقَعَ في بعض النُّسَخِ: ((من عُلُلها)) بلامَينٍ، ولم أقِفْ على هذه الرِّواية، بل هي تصحيف، ووَفَعَ في رواية الإسماعيليّ: («بعُقُلِها». قال القُرطُبيّ: مَن رواه: ((من عُقُلها)) فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدّي من لفظ التَّقُلُّت، وأمَّا مَن رواه بالباءِ أو بالفاءِ(١) فيحتمل أن يكون بمعنى ((مِن)) أو للمُصاحبة أو الظَّرْفيَّة، والحاصل تشبيه مَن يَتَقَلَّت منه القرآن بالناقة التي انفلَتَتْ من عِقالها ويَقِيَت مُتعلِّقة به؛ كذا قال، والتَّحرير أنَّ التَّشبيه وَقَعَ بين ثلاثة/ بثلاثة: فحاملُ القرآن شُبِّهَ بصاحب الناقة، ٨٣/٩ والقرآنُ بالناقة، والحِفِظُ بالرَّبِ، قال الطِّييُّ: ليس بين القرآن والناقة مُناسَبة، لأنَّه قدیم وهي حادثة، لكن وَقَعَ التَّشبيهُ في المعنى. وفي هذه الأحاديث الحضُّر على محافظة القرآن بدوام دراستِه وتكرار تِلاوَته، وضربُ الأمثال لإيضاح المقاصد، وفي الأخير القَسَمُ عند الخبر المقطوع بصِدقِهِ مُبالَغةً في تثبيتِه في صُدور سامِعِیه. (١) يريد بحرف الجر ((في)). ١٦٦ باب ٢٤ -٢٥ / ح ٥٠٣٤ -٥٠٣٦ فتح الباري بشرح البخاري وحكى ابنُ التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ في حديث ابن مسعود حُجّةً لمن قال فيمَن اذُّعِيَ عليه بمالٍ فأنكَرَ وحَلَفَ ثمَّ قامَت عليه البيَِّةُ فقال: كنت نَسِيت، أو اذَّعَى بَيِّنة أو إبراءً، أو التَمَسَ يمين المدَّعي: أنَّ ذلك يكون له، ويُعذَر في ذلك؛ كذا قالَ. ٢٤ - باب القراءة على الدَّابّة ٥٠٣٤- حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني أبو إیاسٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ مُغفَّلٍ، قال: رأيتُ رسولَ الله ◌َِله يومَ فَتَحِ مَكََّ وهو يَقْرَأُ على راحلَتِهِ سورةَ الفَتْحِ. قوله: (باب القراءة على الدَّابَة)) أي: لراكبِها، وكأنَّه أشارَ إلى الرَّدِّ على مَن كَرِهَ ذلك، وقد نَقَّلَه ابنُ أبي داود عن بعض السَّلَف، وتقدَّم البحث في كتاب الطَّهارة في قراءة القرآن في الحمّام وغيرها(١). وقال ابن بَطّال: إنَّما أراد بهذه التَّرجمة أنَّ في القراءة على الدَّابّة سُنّةً موجودة، وأصل هذه السُّنّة قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ الآية [الزخرف: ١٣]. ثمَّ ذكر المصنّف حديثَ عبد الله بن مُغفَّل مختصراً، وقد تقدَّم بتمامه في تفسير سورة الفتح (٤٨٣٥)، ويأتي بعد أبواب (٥٠٤٧). ٢٥ - باب تعليم الصِّبيانِ القرآنَ ٥٠٣٥- حدَّثني موسى بنُ إسماعيلَ، حذَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرِ، قال: إنَّ الذي تَدْعُونَه المفصَّلَ، هو المُحْكَمُ. قال: وقال ابنُ عبَّاسٍ: تُوفِّيَ رسولُ اللهِوَلِّ وأنا ابنُ عَشْرِ سنينَ، وقد قرأتُ المُحْكَمَ. [طرفه في: ٥٠٣٦] ٥٠٣٦- حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا مُشَيمٌّ، أخبرنا أبو بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ مُبَيرٍ، (١) انظرج١/ ٥٩٢، كتاب الوضوء: ٣٦ - باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره. ١٦٧ باب ٢٥ / ح ٥٠٣٦ كتاب فضائل القرآن عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: جَمَعْتُ المُحْكَمَ في عَهْدِ رسولِ اللهِ وَّةِ، فقلتُ له: وما المُحْكَمُ؟ قال: المفصَّلُ. قوله: ((باب تعليم الصِّبْيان القرآن)) كأنَّه أشارَ إلى الردّ على مَن كَرِهَ ذلك، وقد جاءت كراهيةُ ذلك عن سعيد بن جُبَير وإبراهيم النَّخَعيِّ وأسنَدَه ابنُ أبي داود عنهما، ولفظ إبراهيم: كانوا يَكرَهونَ أن يُعلِّموا الغلامَ القرآنَ حتَّى يَعْقِل، وكلام سعيد بن جُبَير يدلّ على أنَّ كراهة ذلك من جهة حصول المَلَال له، ولفظه عند ابن أبي داود أيضاً: كانوا يُحبّونَ أن يكون يقرأُ الصبيُّ بعد حينٍ، وأخرج بإسنادٍ صحيح عن الأشعث بن قيس: أنَّه قَدَّمَ غلاماً صغيراً، فعابُوا عليه، فقال: ما قَدَّمتُه ولكن قدَّمتُ(١) القرآن. وحُجّة مَن أجازَ ذلك: أنَّه أدعَى إلى ثُبُوتِهِ ورُسوخه عنده، كما يقال: التَّعلُّم في الصِّغَر كالنَّقْشِ في الحَجَر، وكلام سعيد بن جُبَير يدلُّ على أنَّه يُستَحَبّ أن يُترَك الصبيُّ أوَّلاً مُرَفَّهاً، ثمَّ يُؤخَذ/ بالجِدِّ ٨٤/٩ على التَّدريج، والحقُّ أنَّ ذلك يختلف بالأشخاص، والله أعلم. قوله: ((عن سعيد بن جُبَير قال: إنَّ الذي تَدْعونَه المفصَّل هو المُحْكَم، قال: وقال ابن عَبَّاس: تُوُلِّ رسول الله وَّهِ وأنا ابنُ عَشْرِ سِنينَ وقد قرأتُ المُحْكَم)) كذا فيه تفسير المفصّل بالمحكَمِ من كلام سعيد بن جُبير، وهو دالٌّ على أنَّ الضَّمير في قوله في الرِّواية الأُخرَى: ((فقلتُ له: وما المحكَم؟)) لسعيد بن جُبَير، وفاعل ((قلتُ)) هو أبو بِشر، بخِلَاف ما يَتَبَادَر أنَّ الضَّمير لابنِ عبَّاس وفاعل ((قلت)) سعيد بن جُبَير، ويحتمل أن يكون كلٍّ منهما سألَ شيخه عن ذلك، والمراد بالمحكَمِ الذي ليس فيه منسوخ، ويُطلَق المحكم على ضِدّ المتشابِهِ، وهو اصطِلاحُ أهل الأصول، والمراد بالمفضَّلِ السّوَر التي كَثُرَت فُصولها وهي من الحُجُرات إلى آخر القرآن على الصَّحيح، ولعلَّ المصنّف أشارَ في التَرجمة إلى قول ابن عبَّاس: سَلُوني عن التَّفسير فإنّي حَفِظتُ القرآن وأنا صغير، أخرجه ابن سعد وغيره بإسنادٍ صحيح عنه. (١) في (س): قدَّمه. ١٦٨ باب ٢٥ / ح ٥٠٣٦ فتح الباري بشرح البخاري وقد استَشكَلَ عِيَاض قولَ ابن عبّاس: ((تُؤُقِّ رسول الله وَ ﴿ وأنا ابنُ عشر سنين)) بما تقدَّم في الصلاة من وجه آخر عن ابن عبّاس (٤٩٣): أنَّه كان في حَجّة الوداع ناهَزَ الاحتلام، وسيأتي في الاستئذان (٦٢٩٩ و٦٣٠٠) من وجه آخر: أنَّ النبيّ ◌َِّ ماتَ وأنا خَتِين، وكانوا لا يَخْتِنونَ الرجل حتَّى يُدرِكَ، وعنه أيضاً: أنَّه كان عند موت النبيّ وَّ ابن خمسَ عشرةَ سنة. وسَبَقَ إلى استشكال ذلك الإسماعيليُّ فقال: حديث الزُّهْريِّ عن عُبيد الله عن ابن عبّاس - يعني الذي مَضَى في الصلاة - يُخَالِفِ هذا. وبالَغَ الدَّاوُودِيُّ فقال: حديث أبي بشر - يعني الذي في هذا الباب- وهمٌ. وأجابَ عِيَاض بأنَّه يحتمل أن يكون قوله: ((وأنا ابن عشر سنين)) راجعٌ إلى حِفْظِ القرآن لا إلى وفاة النبيّ ◌ََّ، ويكون تقدير الكلام: تُوُفِّ النبيّ وَّ وقد جمعتُ المحكَم وأنا ابن عشر سنين، ففيه تقديم وتأخير، وقد قال عَمْرو بن عليّ الفَلّاس: الصَّحيح عندنا أنَّ ابن عبّاس كان له عند وفاة النبيّ ◌َّ ثلاثَ عشرةَ سنة قد استَكمَلَها. ونحوه لأبي عُبيد، وأسنَدَ البيهقيُّ(١) عن مُصعَب الزُّبَيريّ: أنَّه كان ابنَ أربعَ عشرةَ، وبه جَزَمَ الشافعيّ في ((الأُمّ)، ثمَّ حكى أنَّه قيل: ستّ عشرة، وحكى قولَ: ثلاث عشرة، وهو المشهور، وأورَدَ البيهقيُّ عن أبي العاليَة عن ابن عبّاس: قرأتُ المحكَم على عهدٍ رسول الله وَّه وأنا ابن ثِنتَي عشرة؛ فهذه ستّة أقوال، ولو وَرَدَ إحدَى عشرةَ، لكانت سبعةً لأنَّها من عشر إلى ستّ عشرة. قلت: والأصل فيه قول الزُّبَير بن بَكّارٍ وغيره من أهل النَّسَب: أنَّ ولادةَ ابن عبّاس كانت قبل الهجرة بثلاث سنين وبنو هاشم في الشِّعْب، وذلك قبل وفاة أبي طالب. ويُمكِن الجمعُ بين مُخْتَلِفِ الرِّوايات إلّا ستَّ عشرةَ وثِنتَي عشرة، فإنَّ كلَّ منهما لم يَثْبُت سندُه، والأشهَر بأن يكون ناهَزَ الاحتلامَ لمَّا قارَبَ ثلاثَ عشرةَ ثمَّ بَلَغَ لمَّا استَكمَلَها ودَخَلَ في التي بعدها، فإطلاق خمسَ عشرةَ بالنَّظَرِ إلى جَبْرِ الكسرَينِ، وإطلاق العشر والثلاث عشرة بالنَّظَرِ إلى إلغاء الكسر، وإطلاق أربع عشرة بجَيْرِ أحدهما، وسيأتي شيءٌ من هذا في ((باب الخِتان بعد الكِبَر)) من كتاب الاستئذان (٦٢٩٧) إن شاءَ الله تعالی. (١) في ((معرفة السنن والآثار)) برقم (١٣٠٩)، ورواية أبي العالية فيه برقم (١٣١١). ١٦٩ باب ٢٦ / ح ٥٠٣٧ -٥٠٣٨ كتاب فضائل القرآن واختُلِفَ في أوَّل المفصَّل، معَ الاتِّفاق على أنَّه آخر جُزء من القرآن على عشرة أقوال ذكرتُها في ((باب الجهر بالقراءة في المغرب)) (٧٦٥)، وذكرتُ قولاً شاذاً أنَّه جميع القرآن. ٢٦ - باب نِسْيان القرآن وهل يقول: نَسِيتُ آيَةَ كذا وكذا؟ وقولِ الله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنْسَ ) إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧] ٥٠٣٧ - حدَّثنا رَبِيعُ بنُ يحيى، حدَّثْنا زائدةُ، حدَّثنا هشامٌ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: / سمعَ النبيُّ ◌َّه رجلاً يَقْراً في المسجدِ، فقال: ((يَرحمه الله، لقد أذْكَرني كذا وكذا ٨٥/٩ آيَةً مِن سورةِ کذا». ٥٠٣٧م- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ بنِ ميمونٍ، حدَّثنا عيسى، عن هشامٍ، وقال: «أسقَطْتُهنَّ مِن سورة کذا». تابَعَه عليّ بنُ مُسْهِرٍ وعَبْدةُ، عن هشامٍ. ٥٠٣٨- حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: سمعَ رسولُ اللهِ وَّه رجلاً يَقْراً في سورةٍ باللَّيلِ، فقال: ((يَرِحُه الله، لقد أذْكَرَني كذا وكذا آيةً كنتُ أُنسِيتُها من سورةِ كذا وكذا». قوله: (باب نِسْيان القرآن، وهل يقول: نَسِيتُ آية كذا وكذا؟)» كأنَّه يريد أنَّ النَّهي عن قول: نَسِيتُ آية كذا وكذا، ليس للزَّجْرِ عن هذا اللَّفظ، بل للزَّجرِ عن تعاطي أسباب النِّسيان المقتضية لقولِ هذا اللَّفظ، ويحتمل أن يُنَزَّلَ المنعُ والإباحة على حالتَينِ: فمَن نَشَأْ نِسْيانُه عن اشتغاله بأمرٍ دِينيّ كالجهاد، لم يَمْتَنِعِ عليه قولُ ذلك، لأنَّ النِّسيان لم يَنشَأُ عن إهمال دينيّ، وعلى ذلك يُحِمَل ما وَرَدَ من ذلك عن النبيّ وَّهِ من نسبة النِّسيان إلى نفسه، ومَن نَشَأْ نِسْيانُه عن اشتغاله بأمرٍ دُنْيَويّ - ولا سيّما إن كان محظوراً - امتَنَعَ عليه، لتعاطيه أسبابَ النِّسيان. قوله: ((وقولِ الله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَ تَنْسَىَّ ا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ ﴾)) هو مَصيرٌ منه إلى اختيار ما عليه الأكثر أنَّ (لا)) في قوله: ﴿فَلَ تَنْسَ﴾ نافية، وأنَّ الله أخبَرَه أنَّه لا يَنسَى ما أقرأه إيّاه، وقد قيل: إنَّ((لا)) ناهية، وإِنَّا وَقَعَ الإشباعُ في السِّين لتُناسب رؤوس الآي، والأوَّل أكثر. ١٧٠ باب ٢٦ / ح ٥٠٣٨ فتح الباري بشرح البخاري واختُلِفَ في الاستثناء فقال الفَرّاء: هو للتَّبُّكِ وليس هناك شيء استُثنيَ، وعن الحسن وقَتَادة: ﴿إِلَّا مَاشَآءَ اللّهُ﴾ أي: قَضَى أن تُرفَع تِلاوَتُه، وعن ابن عبّاس: إلّا ما أراد الله أن يُنسِيَكَه لتَسُنَّ(١)، وقيل: لمَا جُبِلتَ عليه من الطِّباع البشريّة، لكن ستذكرُه بعدُ، وقيل: المعنى: ﴿فَلَا تَنسَى﴾ أي: لا تَترُك العملَ به إلّ ما أراد الله أن يَنسَخَه فتَترُك العمل به. قوله: ((سمعَ النبيُّ ◌َ لَرجلاً)) أي: صوتَ رجل، وقد تقدَّم بيان اسمه في كتاب الشَّهادات (٢٦٥٥). قوله: ((لقد أذْكَرَني كذا وكذا آيةً من سورة كذا)) لم أقِفْ على تعيين الآيات المذكورة، وأغرَبَ مَن زَعَمَ أنَّ المراد بذلك إحدَى وعشرونَ آية، لأنَّ ابن عبد الحَكَم قال فيمَن أقَرَّ أنَّ عليه كذا وكذا دِرْهماً: أنَّه يَلزَمُه أحدٌ وعِشرونَ دِرْهماً، وقال الدَّاوُودُّ: يكون مُقِرّاً بدِرْهمَينِ، لأنَّه أقلّ ما يقع عليه ذلك، قال: فإن قال: له عليَّ كذا دِرْهماً، كان مُقِرّاً بدِرْهمٍ واحد. قوله في الطَّريق الثّانية: ((حدّثنا عیسی)) هو ابن يونس بن أبي إسحاق. قوله: ((عن هشام، وقال: أسقَطَّتُهنَّ)) يعني: عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة بالمتنِ المذكور، وزاد فيه هذه اللَّفظة: وهي ((أسقَطْتُهنَّ)، وقد تقدَّم في الشَّهادات (٢٦٥٥) من هذا الوجه بلفظ: ((فقال: رَحِمَه الله، لقد أذكَرَني كذا وكذا آية أسقَطْتُهنَّ من سورة كذا وكذا)). قوله: ((تابَعَه عليٌّ بن مُسْهِر وعَبْدة عن هشام)) كذا للأکثرِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهنيّ: ((تابَعَه عليّ بن مُسهِر عن عَبْدة)) وهو غلطٌّ، فإنَّ عبدة رفيقُ عليّ بن مُسهِر لا شيخه. وقد ٨٦/٩ أخرج المصنّف / طريق عليّ بن مُسهِر في آخر الباب الذي يَلي هذا (٥٠٤٢) بلفظ: ((أسقَطتُها))، وأخرج طريق عبدة - وهو ابن سليمان - في الدَّعَوات (٦٣٣٥) ولفظه مِثلُ لفظ عليّ بن مُسهِر سواء. (١) هكذا في (س): لتسنَّ، وهو موافق لما في ((تفسير ابن عطية)) و((البحر المحيط)) لأبي حيان عند تفسير الآية (٧) من سورة الأعلى، وفي (أ) و(ع): لتنسى. ١٧١ باب ٢٦ / ح ٥٠٣٨ كتاب فضائل القرآن قوله في الرّواية الثّالثة: ((كنت أُنْسِيتُها)) هي مُفسِّرة لقولِه: ((أسقَطتُها)) فكأنَّه قال أسقَطتُها نسياناً لا عمداً، وفي رواية مَعمَر عن هشام عند الإسماعيليّ: ((كنتُ نَسِيتها)) بفتح النُّون ليس قبلها همزة، قال الإسماعيليّ: النِّسيان من النبيّ وَّ﴿ لشيءٍ من القرآن يكون على قِسمَينِ: أحدهما: نِسْيانه الذي يَتَذَكَّره عن قُربٍ، وذلك قائم بالطِّباع البشريَّة، وعليه يدلُّ قولُهُ وَّه في حديث ابن مسعود في السَّهو(١): ((إنَّما أنا بشرٌ مِثْلُكُم أنسَى كما تَنْسَوْنَ))، والثّاني: أن يَرِفَعَه اللهُ عن قلبه على إرادة نسخ تِلاوَته، وهو المشار إليه بالاستثناءِ في قوله تعالى: ﴿سَنُفْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَ ) إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ قال: فأمَّا القسمُ الأوَّل فعارِضُ سريع الزَّوال لظاهرٍ قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُه ◌َفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وأمَّا الثّاني فداخلٌ في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] على قراءة مَن قرأَ بضمٍّ أوَّله من غير همزة. قلت: وقد تقدَّم توجيهُ هذه القراءة وبيان مَن قرأ بها في تفسير البقرة (٤٤٨١). وفي الحديث حُجّة لمن أجازَ النِّسيان على النبيّ ◌َّ فيما ليس طريقُه البَلاغ مُطلَقاً، وكذا فيما طريقه البلاغُ لكن بشرطَينِ: أحدهما: أنَّه بعدَما يقع منه تبليغُه، والآخر: أنَّه لا يَستَمِّ على نِسْيانه بل يَحَصُل له تَذكُّرُه إمّا بنفسِه وإمّا بغيره. وهل يُشتَرَط في هذا الفَوْر؟ قولان، فأمَّا قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النِّسيانُ أصلاً. وزَعَمَ بعض الأُصولِيّينَ وبعض الصّوفيَّة: أنَّه لا يقع منه نِسْيان أصلاً، وإنَّما يقع منه صورته ليَسُنَّ، قال عِيَاض: لم يَقُل به من الأُصولِيّينَ أحد إلّا أبا المظَفَّرِ الإسفراييني، وهو قولٌ ضعيف. وفي الحديث أيضاً جوازُ رفع الصَّوت بالقراءة في اللَّيل وفي المسجد والدُّعاءِ لمن حَصَلَ له من جِهَته خيرٌ، وإن لم يَقصِد المحصول منه ذلك. واختَلَفَ السَّلَف في نِسْيان القرآن، فمنهم مَن جَعَلَ ذلك من الكبائر، وأخرج أبو عُبيد(٢) من طريق الضَّحّاك بن مُزاحِم موقوفاً قال: ما من أحد تَعلَّمَ القرآن ثمَّ نَسِيَه إلّا بذَنبٍ (١) يريد حديث قصة سهوه وَله في الصلاة، وسلف في أوائل كتاب الصلاة برقم (٤٠١). (٢) في ((فضائل القرآن)» ص ٢٠٢. ١٧٢ باب ٢٦ / ح ٥٠٣٩ فتح الباري بشرح البخاري أحدَثَه، لأنَّ الله يقول: ﴿ وَمَآ أَصَبَككُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ونِسْيان القرآن من أعظم المصائب، واحتجُوا أيضاً بما أخرجه أبو داود (٤٦١) والتِّرمِذيّ (٢٩١٦) من حديث أنس مرفوعاً: ((عُرِضَت عليَّ ذُنُوبُ أمَّتي، فلم أرَ ذَنباً أعظَمَ من سورة من القرآن أُوتِيَها رجلٌ ثمَّ نَسِيَها)) في إسناده ضعف. وقد أخرج ابن أبي داود من وجهٍ آخرَ مُرسَلٍ نحوه ولفظه: ((أعظَم من حاملِ القرآن وتاركِه))، ومن طريق أبي العاليَة موقوفاً: كنّا نَعُدُّ من أعظَم الذُّنوب أن يَتَعلَّم الرجلُ القرآن ثمَّ ينام عنه حتَّى ينساهُ، وإسناده جيِّد، ومن طريق ابن سِيرِين بإسنادٍ صحيح في الذي يَنسَى القرآن: کانوا یَکرهونَه، ویقولون فیه قولاً شديداً، ولأبي داود (١٤٧٤) عن سعد بن عُبَادة مرفوعاً: ((مَن قرأ القرآن ثمَّ نَسِيَه لَقِيَ اللهَ وهو أجذَمُ)) وفي إسناده أيضاً مَقالٌ، وقد قال به من الشافعيَّة أبو المكارم الرُّويَانيّ(١)، واحتجَّ بأنَّ الإعراض عن التِّلاوة يَتَسبَّب عنه نِسْيانُ القرآن، ونِسْيانه يدلّ على عَدَم الاعتناء به والتَّهاوُن بأمره. وقال القُرطُبيّ: مَن حَفِظَ القرآنَ أو بعضَه فقد عَلَتْ رُتْبتُه بالنِّسبة إلى مَن لم يحفظه، فإذا أخَلَّ بهذه الرّتبة الدّينيَّة حتَّى تَزَحزَحَ عنها، ناسَبَ أن يُعاقَب على ذلك، فإنَّ تَرْكَ مُعاهَدة القرآن يُفضي إلى الرُّجوع إلى الجهل، والرُّجوُ إلى الجهل بعد العِلْم شديد، وقال إسحاق بن راهويه: يُكرَه للرجلِ أن يَمُرّ عليه أربعونَ يوماً لا يقرأُ فيها القرآن. ٥٠٣٩- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، قال: قال النبيُّ وَّ: ((بِشْسَ ما لأحدِهم يقول: نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وكَيْتَ، بل هو نُشِّيَ)). ثُمَّ ذكر حديث عبد الله، وهو ابنُ مسعود: «بئسَ ما لأحدِهم أن يقول: نَسِيت آیة كَيْتَ وكَيْت))، وقد تقدَّم شرحه قريباً (٥٠٣٢)، وسفيان في السَّنَد: هو الثَّوْريّ. (١) في (س): أبو المكارم والروياني، فصارا اثنين، وهو خطأ، وأبو المكارم هذا: هو عبد الله بن علي الرُّوياني، له كتاب في الفقه الشافعي اسمه ((العدَّة))، وكان الروياني هذا في العشرين الثانية بعد سنة ٥٠٠ هـ على ما ذكره ابن قاضي شهبة في ((طبقات الشافعية)) ٣٥٦/١، وانظر ((طبقات الشافعية)) لابن هداية الله ص٢٠٩. ١٧٣ باب ٢٧ / ح ٥٠٤٠ - ٥٠٤١ كتاب فضائل القرآن واختُلِفَ في معنى ((أجذَم)) فقيلَ: مقطوع اليد، وقيل: مقطوع الحُجّة، وقيل: مقطوع السَّبَب من الخير، وقيل: خالي اليد من الخير، وهي مُتَقاربة، وقيل: يُحِشَر مجذوماً حقيقةً، ويُؤيِّده أنَّ في رواية زائدة بن قُدامةَ عند عبد/ بن حُميدٍ (٣٠٧): ((أَتى الله يوم القيامة وهو ٨٧/٩ مجذومٌ)). وفيه جوازُ قول المرء: أسقَطتُّ آية كذا من سورة كذا، إذا وَقَعَ ذلك منه. وقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ قال: لا تَقُل: أسقَطتُ كذا، بل قل: أغفَلتُ. وهو أدبٌّ حسنٌ، وليس واجباً. ٢٧ - باب من لم يرَ بأساً أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا وكذا ٥٠٤٠- حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني إبراهيمُ، عن عَلْقمةَ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ يزيدَ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: «الآيتانِ من آخِرِ سورة البقرةِ، مَن قرأَ بهما في ليلةٍ كَفَتَاهُ». ٥٠٤١ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ، عن حديثٍ المِسْوَرِ بنِ تَرَمةَ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ القارِيِّ، أنَّمَا سَمِعا عمرَ بنَ الخطّاب يقول: سمعتُ هشامَ بنَ حَكِيمٍ بِنِ حِزَامٍ يَقْراً سورةَ الفُرْقانِ في حياةِ رسولِ الله وَّةِ، فاستَمَعْتُ لِقراءتِهِ، فإذا هو يَقْرَؤُها على حُروفٍ كثيرةٍ، لم يُقْرِ تْنِها رسولُ الله وَّةِ، فَكِدْتُ أُساوِرُه في الصلاةِ، فانْتَظَرْتُه حَتَّى سَلَّمَ، فَلَيَّتُه فقلتُ: مَن أقرَأَكَ هذه السّورةَ التي سمعتُكَ تَقرَأُ؟ قال: أَقْرَأَنِها رسولُ الله ◌ِِّ، فقلتُ له: كَذَبْتَ، فوالله إنَّ رسولَ الله وَِّ لهوَ أَقْرَأَني هذه السّورةَ التي سمعتُكَ، فانطَلَقْتُ به إلى رسولِ الله وَّرُ أقودُه، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ سمعتُ هذا يَقْرأُ سورةَ الفُرْقان على حُروفٍ لم تُقْرِتْنِها، وإِنَّكَ أَقَرَ أْتني سورةَ الفُرْقان، فقال: ((يا هشامُ، اقرَأْها)) فقرأَها القراءةَ التي سمعتُهُ، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((هكذا أُنزِلَت)) ثمَّ قال: ((اقرَأْ يا عمرُ)) فقرأتُها التي أقرَأَنِيها، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((هكذا أُنزِلَت))، ثمّ قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إنَّ القرآنَ أُنزِلَ على سبعةِ أحرُفٍ، فاقرؤُوا ما تَيسَّرَ منه)). ١٧٤ باب ٢٧ / ح ٥٠٤٢ فتح الباري بشرح البخاري ٥٠٤٢- حدَّثْنا بِشرُ بنُ آدَمَ، أخبرنا عليٌّ بنُ مُسْهِرٍ، أخبرنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها، قالت: سمعَ النبيُّ وََّ قارئاً يَقْرَأُ منَ اللَّيلِ في المسجدِ، فقال: ((يَرِحُه اللهُ، لقد أذْكَرَني كذا وكذا آيَةً أسقَطْتُها مِن سورةِ كذا وكذا)». قوله: ((باب مَن لم يَرَ بأساً أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا وكذا)) أشارَ بذلك إلى الردِّ على مَن كَرِهَ ذلك وقال: لا يقال إلّا السّورة التي يُذكَر فيها كذا، وقد تقدَّم في الحجّ (١٧٥٠) من طريق الأعمَش: أنَّه سمعَ الحجّاجَ بن يوسف على المِنبَرَ يقول: السّورة التي يُذكَر فيها كذا، وأنَّه رَدَّ عليه بحديثِ ابن(١) مسعود. قال عِيَاض: حديث ابن مسعود حُجّة في جواز قول: سورة البقرة ونحوها، وقد اختُلِفَ في هذا، فأجازَه بعضهم وكَرِهَه بعضهم وقال: تقول: السّورة التي تُذكَر فيها البقرة. قلت: وقد تقدَّم في أبواب الزَّمي من كتاب الحجّ (١٧٥٠): أنَّ إبراهيم النَّخَعيَّ أنكَرَ قولَ الحجّاج: لا تقولوا: سورة البقرة، وفي رواية مسلم (١٢٩٦ /٣٠٦): أنه سَبَّه، ٨٨/٩ وأورَدَ حديث ابن مسعود، وأقوَى من هذا في الحُجّة ما أورده المصنِّف / من لفظ النبيّ وَێ، وجاءت فيه أحاديثُ كثيرة صحيحة من لفظ النبيّ وَّ﴾، قال النَّوَويّ في ((الأذكار)): يجوز أن يقول: سورة البقرة - إلى أن قال: وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهة في ذلك، وقال بعض السَّلَف: يُكرَه ذلك، والصَّواب الأوَّل، وهو قول الجماهير، والأحاديث فيه عن رسول الله وَّل أكثرُ من أن تُحصَر، وكذلك عن الصَّحابة فمَن بعدهم. قلت: وقد جاء فيما يوافقُ ما ذهب إليه البعضُ المشار إليه حديث مرفوع عن أنس رَفَعَه: ((لا تقولوا: سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النِّساء، وكذلك القرآن كلّه)) أخرجه أبو الحسين بن قانع في ((فوائده) والطبرانيُّ في ((الأوسط» (٥٧٥٥)، وفي سنده عُبَيس بن ميمون العَطّار، وهو ضعيف، وأورَدَه ابن الجَوْزيّ في ((الموضوعات)) (٢٥٠/١-٢٥١) ونَقَلَ عن أحمد أنَّه قال: هو حديث مُنكَر. (١) تحرَّف لفظ ((ابن)) في (س) في هذا الموضع والموضعين الآتيين إلى: أبي. ١٧٥ باب ٢٨ / ح ٥٠٤٢ كتاب فضائل القرآن . قلت: وقد تقدَّم في ((باب تأليف القرآن)) (١) حديث يزيد الفارسيّ عن ابن عبّاس: أنَّ النبيّ وَّه كان يقول: ((ضَعُوها في السّورة التي يُذكَر فيها كذا))(٢)، قال ابن كثير في ((تفسيره): ولا شكَّ أنَّ ذلك أحوَطُ، ولكن استَقَرَّ الإجماعُ على الجواز في المصاحف والتَّفاسير. قلت: وقد تَمَسَّكَ بالاحتياطِ المذكور جماعةٌ من المفسِّرِينَ: منهم أبو محمَّد بن أبي حاتم، ومن المتقدِّمينَ: الكَلْبِيّ وعبد الرَّزّاق، ونَقَلَه القُرطُبيّ في «تفسيره) عن الحكيم التِّرمِذيّ: أنَّ من حُزْمة القرآن أن لا يقال: سورة كذا، كقولك: سورة البقرة وسورة النَّحل وسورة النِّساء، وإنّما يقال: السّورة التي يُذْكَر فيها كذا. وتَعقَّبَه القُرطُبيّ بأنَّ حديث أبي مسعود يعارضُه، ويُمكِن أن يقال: لا مُعارَضة معَ إمكان الجمع، فيكون حديث أبي مسعود ومَن وافَقَه دالًّا على الجواز، وحديث أنس - إن ثَبَتَ - محمول على أنَّه خِلَافُ الأَولى، والله أعلم. ثُمَّ ذكر المصنِّف في الباب ثلاثة أحاديث تَشْهَد لمَا تَرجَمَ له: أحدها: حديث أبي مسعود في الآيتَينِ من آخر سورة البقرة، وقد تقدَّم شرحه قريباً (٥٠٠٨ و٥٠٠٩). الثاني: حديث عمر: ((سمعتُ هشامَ بن حَكِيم بن حِزَام يقرأ سورة الفُرقان)»، وقد تقدَّم شرحه في («باب أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف» (٤٩٩٢). الثالث: حديث عائشة المذكور في الباب قبله، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه. ٢٨ - باب التَّرتيل في القراءة وقوله تعالى: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرِيلًا﴾ [المزمل: ٤] وقوله: ﴿وَقُرْءَانَا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وما يُكْرَه أن يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ. ﴿ فِيَهَا يُفْرَقُ﴾ [الدخان:٤]: يُفَصَّلُ. (١) في آخر شرح الحديث (٤٩٩٣). (٢) أخرجه أحمد (٣٩٩)، وأبو داود (٧٨٦) و(٧٨٧)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٥٣)، وفيه مقال، وانظر تمام الكلام عليه في التعليق على ((مسند أحمد)). ١٧٦ باب ٢٨ / ح ٥٠٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قال ابنُ عبَّاس: ﴿فَرَقْنَهُ﴾: فَصَّلْنَاهُ. ٥٠٤٣- حدَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثْنا مَهْدِيُّ بنُ ميمونٍ، حدَّثنا واصلٌ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله قال: غَدَوْنا على عبدِ الله، فقال رجلٌ: قرأتُ المفصَّلَ البارحةَ، فقال: هَذّاً كَهَذِّ الشِّعْرِ؟! إنّا قد سَمِعْنا القراءةَ، وإنّي لَأَحفَظُ القُرَناءَ التي كان يَقْرَأُ بِهِنَّ النبيُّ ◌َه ثمانيَ عَشْرَةَ سورةً منَ المفصَّلِ، وسورَتَینِ من آلِ ((حمّ)). ٨٩/٩ / قوله: ((باب الثَّرتيل في القراءة)) أي: تبيين حُروفِها والتَّنّي في أدائها، ليكونَ أدعَى إلى فَهْمِ معانيها. قوله: ((وقولِه تعالى: ﴿وَرَّلِ اَلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾)) كأنَّه يشير إلى ما وَرَدَ عن السَّلَّف في تفسيرها، فعند الطََّرِيِّ (١٢٦/٢٩) بسندٍ صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَرَتَّلِ الْقُرْءَانَ﴾ قال: بعضُه إثرَ بعض على تَؤُدَةٍ، وعن قَتَادة قال: بيِّنْه بياناً. والأمر بذلك إن لم يكن للوجوب فيكونُ مُستَحَبّاً. قوله: ((وقوله تعالى: ﴿وَقُرْءَنَا فَقْنَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَ مُكْثٍ ﴾)) سيأتي توجيهُه. قوله: ((وما يُكْرَه أن يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ)) كأَنَّه يشير إلى أنَّ استحباب الثَّرتيل لا يَستَلِمُ كراهةَ الإسراع، وإنَّما الذي يُكرَه الهَلُّ: وهو الإسراع المفرِطُ بحيثُ يخفى كثيرٌ من الحروف، أو لا تَخْرُج من تَخَارجِها. وقد ذكر في الباب إنكار ابن مسعود على مَن يَهُذّ القراءة كهَذِّ الشِّعر، ودليل جواز الإسراع ما تقدَّم في أحاديث الأنبياء من حديث أبي هريرة رَفَعَه (٣٤١٧): ((خُفِّفَ على داودَ القرآن، فكان يأمر بدَوابِّه فتُسرَج، فيَفرُغْ من القرآن قبلَ أن تُسرَج)». قوله: ((﴿فِيَهَا يُفْرَقُ﴾: يُفَصَّل)) هو تفسير أبي عُبيدة. قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿فَرَقْتَهُ﴾: فَصَّلْناه)) وَصَلَه ابن جُرَيج من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه (١)، وعند أبي عُبيد(٢) من طريق مجاهد: أنَّ رجلاً سألَه عن رجل قرأ البقرة وآل عمران (١) انظر ((تفسير الطبري)) ١٧٨/١٥. (٢) في ((فضائل القرآن)) له ص١٥٨. ١٧٧ باب ٢٨ / ح ٥٠٤٣ كتاب فضائل القرآن ورجل قرأ البقرة فقط، قيامُهما واحد وركوعُهما واحد وسجودُهما واحد، فقال: الذي قرأ البقرة فقط أفضل، ثمَّ تلا: ﴿ وَقُرْءَانًا فَقْتَهُ لِنَقْرَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، ومن طريق أبي ◌َمْرة: قلت لابنِ عبّاس: إنّ سريع القراءة، وإنّي لَأقرأُ القرآن في ثلاثٍ، فقال: لَأن أقرأَ البقرة فأُرتِّلَها فأتدبّرها خيرٌ من أن أقرأً كما تقول، وعند ابن أبي داود من طريق أُخرى عن أبي جمرة: قلت لابنِ عبَّاس: إنّ رجل سريع القراءة، إنّي لأقرأُ القرآن في ليلة، فقال ابن عبّاس: لَأن أقرأ سورةً أحَبُّ إليّ، إن كنتَ لا بدَّ فاعلاً فاقرأُ قراءة تُسمِعْها أُذُنيك وتُوعِها قلبك. والتَّحقيق أَنَّ لكلِّ من الإسراع والتَّرتيل جهةَ فضل، بشرطِ أن يكون المسرِعُ لا يُحِلّ بشيءٍ من الحروف والخَرَكات والسُّكون الواجبات، فلا يَمتَنِعُ أن يَفضُل أحدُهما الآخرَ وأن يَستَوِيا، فإنَّ مَن رَتَّلَ وتأمَّلَ كمَن تَصَدَّقَ بجوهرةٍ واحدة مُثْمِنة، ومَن أسرَعَ كمَن تَصَدَّقَ بعِدّة جواهر لكنْ قيمتُها قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأُخریات، وقد یکون بالعكس. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديثَينِ: أحدهما: حديث ابن مسعود. قوله: ((حدَّثنا واصلٌ)) هو ابن حَيّانَ - بمُهمَلةٍ وتحتانيَّة ثقيلة - الأحدَب الكوفيّ، ووَقَعَ صريحاً عند الإسماعيليّ، وزَعَمَ خَلَفٌ في ((الأطراف)) أنَّه واصل مولى أبي عُيَينةَ بن المهلَّب، وغَلَّطوه في ذلك، فإنَّ مولى أبي عُبَينَةَ بصرٌّ وروايته عن البصريّينَ، وليست له رواية عن الكوفيّينَ، وأبو وائل شیخُ واصل هنا کوفيّ. قوله: ((عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: غَدَوْنا على عبد الله)) أي: ابن مسعود ((فقال رجل: قرأتُ المفضَّل)) كذا أورَدَه مختصراً، وقد أخرجه مسلم (٢٧٨/٧٢٢) من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ فزاد في أوَّله: غَدَوْنا على عبد الله بن مسعود يوماً بعدَما صَلَّينا الغَدَاةَ، فسَلَّمْنا بالباب فأذِنَ لنا، فمَكَثْنا بالباب هُنَيَهة، فخرجت الجارية فقالت: ألا تَدخُلونَ؟ فدَخَلْنا، فإذا هو جالس يُسبِّح فقال: ما مَنَعَكم أن تَدخُلوا وقد أُذِنَ لكم؟ قلنا: ١٧٨ باب ٢٨ / ح ٥٠٤٣ فتح الباري بشرح البخاري ظنًّا أنَّ بعض أهل البيت نائم، قال: ظَنَنتُم بآلِ أمّ عبدٍ غَفْلة! فقال رجل من القوم: قرأتُ المفصَّل البارحةَ كلَّه، فقال عبد الله: هَذّاً كَهَذِّ الشِّعر؟! ولأحمد (٣٩٦٨) من طريق الأسوَد ٩٠/٩ ابن يزيد عن عبد الله بن مسعود: أنَّ رجلاً أتاه فقال: / قرأتُ المفصَّل في ركعة، فقال: بل هَذَذتَ كَهَذِّ الشِّعر وكنَثْرِ الدَّقَل؛ وهذا الرجل هو نَهِيك بن سِنان كما أخرجه مسلم (٢٧٩/٧٢٢) من طريق منصور عن أبي وائل في هذا الحديث. وقوله: ((هَذّا)) بفتح الهاء وبالذّال المعجَمة المنوَّنة، قال الخطَّبيُّ: معناه سُرْعة القراءة بغير تأمُّل كما يُنشَد الشِّعر، وأصل الهَذّ: سُرْعة الدَّفع. وعند سعيد بن منصور(١) من طريق سَيّار (٢) عن أبي وائل عن عبد الله أنَّه قال في هذه القصّة: إنَّما فُصِّلَ لتُفَصِّلوه. قوله: ((ثمانيَ عَشْرَةَ)) تقدَّم في ((باب تأليف القرآن)) (٤٩٩٦) من طريق الأعمش عن شَقِيقِ فقال فيه: ((عشرينَ سورة من أوَّل المفصَّل))، والجمع بينهما: أنَّ الثَّان عشرة غير سورة الدُّخان والتي معها، وإطلاق المفصَّل على الجميع تغليباً، وإلّا فالدُّخان ليست من المفصَّل على المرجَّح، لكن يحتمل أن يكون تأليفُ ابن مسعود على خِلَاف تأليف غيره، فإنَّ في آخر رواية الأعمَش: على تأليف ابن مسعود آخرهُنَّ حمّ الدُّخان وعَمَّ؛ فعلى هذا لا تغليبَ. قوله: ((من آل حمّ)) أي: السُّوَر التي أوَّلها ((حمّ))، وقيل: يريد ((حمّ)) نفسها كما في حديث أبي موسى (٥٠٤٨): ((أَنَّه أُوتِيَ مِزماراً من مزامير آل داود)) يعني داودَ نفسَه، قال الخطَّبيُّ: قوله: ((آل داود)» يريد به داودَ نفسَه، وهو كقوله تعالى: ﴿أَدِْلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وتَعقَّبَه ابنُ التِّين بأنَّ دليله يُخالِفِ تأويله، قال: وإنَّما يَتِمّ مُرادُه لو كان الذي يُدخَل أشدَّ العذاب فِرِعَونُ وحده. وقال الكِرْمانيُّ: لولا أنَّ هذا الحرف وَرَدَ في الكتابة مُنفَصِلاً - يعني ((آل)) وحدها و((حمّ)) وحدها - لَجازَ أن تكون الألف واللام التي (١) في ((سننه - قسم التفسير)) (١٥٦). (٢) تحرَّف في (س) إلى: يسار، بتقديم الياء، وسيّار هذا: هو سيار بن أبي سيار أبو الحكم الواسطي، ثقة من رجال الشیخین. ١٧٩ باب ٢٨ / ح ٥٠٤٤ كتاب فضائل القرآن لتعريفِ الجِنْس، والتَّقدير: وسورتَينِ من الحواميم. قلت: لكنَّ الرّواية أيضاً ليست فيها واو، نعم في رواية الأعمَش المذكورة: ((آخرهنَّ من الحواميم))، وهو يُؤيِّد الاحتمال المذكور، والله أعلم. وأغرَبَ الدَّاوُودِيُّ فقال: قوله: ((من آل حمّ)) من كلام أبي وائل، وإلّا فإنَّ أوَّل المفصّل عند ابن مسعود من أوَّل الجاثية. انتهى، وهذا إنَّما يَرِدُ لو كان ترتيب مُصحَف ابن مسعود كترتيب المصحَف العثمانيّ، والأمر بخِلَاف ذلك، فإنَّ ترتيب السّوَر في مُصحَف ابن مسعود يُغايِرِ التَّرتيب في المصحَف العثمانيّ، فلعلَّ هذا منها، ويكون أوَّل المفصَّل عنده أوَّل الجاثية، والدُّخان مُتأخِّرة في ترتيبه عن الجاثية، لا مانع من ذلك. وقد أجابَ النَّوَويّ على طريق التنزُّل بأنَّ المراد بقولِه: ((عشرينَ من أوَّل المفصَّل)) أي: مُعظَم العشرينَ. ٥٠٤٤ - حدَّثنا قُتَِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في قوله: ﴿لَا تُحرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ﴾ [القيامة: ١٦]، قال: كان رسولُ الله وَّهِ إِذا نَزَلَ جِبْرِيلُ بالوَحْي، وكان ممَّا يُحُرِّكُ به لِسانَه وشَفَتَيْهِ، فِيَشْتَدُّ عليه، وكان يُعرَفُ منه، فأنزَلَ اللهُ الآيةَ التي في ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَةِ﴾: ﴿لَا تُحُرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ ب٤ِ (٢) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ﴾ فإنَّ علينا أن نَجمَعَه في صَدرِك وقرآنَه ﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ فإذا أنزَلْناه فاستَمِعْ ﴿ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال: إنَّ علينا أن نُبِّتَه بلِسانِكَ، قال: وكان إذا أتاهُ چِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فإذا ذهبَ قرأَه كما وَعَدَه الله. الحديث الثاني: حديث ابن عبّاس في نزول قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بٍِ﴾، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَى في تفسير القيامة (٤٩٢٧)، وجَرِير المذكور في إسناده: هو ابن عبد الحميد، بخلاف الذي في الباب بعده. وقوله فيه: ((وكان ممّا يُحُرِّك به لسانَه وشَفَتَه)) كذا للأكثرِ، وتقدَّم توجيهُه في بَدْء الوحي (٥)، ووَقَعَ عند المُستَمْلِي هنا: ((وكان مَمَّن يُرِّك)) ويَتَعيَّن أن يكون ((مِن)) فيه للتَّبعیضِ و((مَن)) موصولة، والله أعلم. ١٨٠ باب ٢٩ / ح ٥٠٤٥ -٥٠٤٦ فتح الباري بشرح البخاري وشاهدُ التَّرجمة منه النَّهي عن التعجيل بالتِّلاوة، فإنَّه يقتضي استحباب التّآني فيه، وهو المناسب للتَّرتیلِ. وفي الباب حديث حفصةً أمِّ المؤمنينَ أخرجه مسلم (٧٣٣) في أثناء حديثٍ وفيه: كان النبيّ وَّ يُرتِّل السّورة حتَّى تكون أطولَ من أطولَ منها، وقد تقدَّم في أواخر المغازي (٤٣٩١) حديث عَلْقمة: أنَّه قرأ على ابن مسعود فقال: رَتِّل فِداكَ أبي وأُمّي فإنَّ زَيْن القرآن، وأنَّ هذه الزّيادة وَقَعَت عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج)) وأخرجها ابن أبي داود أيضاً(١)، والله أعلم. ٢٩ - باب مدِّ القراءة ٥٠٤٥- حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّنَا جَرِيرُ بنُ حازِمِ الأَزْدِيُّ، حدَّثنا قَتَادةُ، قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ عن قراءةِ النبيِّ وَّةِ، فقال: كان يَمُدُّ مَدّاً. [طرفه في: ٥٠٤٦] ٥٠٤٦- حدَّثنا عَمْرو بنُ عاصم، حدَّثنا همَّمٌ، عن قَتَادةَ، قال: سُئلَ أنسُ: كيفَ كانت قراءةُ النبيِّ وََّ؟ فقال: كانت مَدّاً؛ ثمَّ قرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ﴾، يَمُدُّ بِ﴿ِسْمِ اللّهِ﴾ ويَمُدُّ بـ﴿الرَّحْنِ﴾ وَيَمُدُّبِ ﴿ الرَّحِيمِ﴾. ٩١/٩ قوله: ((باب مَدّ القراءة» المدُّ عند القرّاء على ضربَينِ: أصليّ: وهو إشباع الحرف الذي بعده ألِفٍ أو واو أو ياء، وغير أصليّ: وهو ما إذا أعقَبَ الحرفَ الذي هذه صِفَته همزةٌ، وهو مُتَّصِل ومُنفَصِل، فالمَّصِل ما كان من نفس الكلمة، والمنفَصِل ما كان بكلمةٍ أُخرَى، فالأوَّل يُؤْتَی فیه بالألفِ والواو والياء مُمكَّناتٍ من غير زيادة، والثّاني يُزاد في تمكين الألف والواو والياء زيادةً على المدّالذي لا يُمكِن النُّطْق بها إلّا به من غير إسراف، والمذهبُ الأعدَل أن يَمُدَّ كلَّ حرف منها ضِعفَيْ ما كان يَمُدّه أوَّلاً وقد يُزاد على ذلك قليلاً، وما أفرَطَ فهو غير محمود، والمراد من التَّرجمة الضَّربُ الأوَّل. (١) وأخرجها أيضاً أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) ص١٥٧، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٢٥٥/٢، وغيرهما.