Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب ٦ / ح ٤٩٩٣
كتاب فضائل القرآن
مُصحَف عثمان، ولا شكَّ أنَّ تأليف المصحَف العثمانيّ أكثرُ مُناسَبةً من غيره، فلهذا أطلقَ
العراقيّ أنَّه غير مُؤَلَّف، وهذا كلُّه على أنَّ السُّؤال إِنَّمَا وَقَعَ عن ترتيب السّوَر، ويدلّ على
ذلك قولها له: ((وما يَضُرّك أَّه قرأتَ قبلُ))، ويحتمل أن يكون أراد تفصيل آيات كلِّ سورة
لقولِه في آخر الحديث: ((فأملَتْ عليه آيَ السّوَر)) أي: آياتِ كلِّ سورة، كأن تقول له:
سورة كذا مثلاً كذا كذا آيةً، الأُولى كذا، الثّانية كذا، إلى آخره، وهذا يَرجِعُ إلى اختلاف
عَدَد الآيات، وفيه اختلافٌ بين المدنيّ والشّاميّ والبصريّ، وقد اعتَنَى أئمَّة القُرّاء بجَمْع
ذلك وبيان الخِلاف فيه، والأوَّل أظهَر، ويحتمل أن يكون السُّؤال وَقَعَ عن الأمرَينِ،
والله أعلم.
قال ابن بَطّال: لا نعلم أحداً قال بوجوب ترتيب السّوَر في القراءة لا داخلَ الصلاة
ولا خارجَها، بل يجوز أن يقرأ الكهفَ قبل البقرة، والحجَّ قبل الكهف مثلاً، وأمَّا ما جاء
عن السَّلَف من النَّهي عن قراءة القرآن مَنكوساً، فالمراد به أن يقرأ من آخر السّورة إلى
أوَّلها، وكان جماعة يصنعونَ ذلك في القَصيدة من الشِّعر مُبالَغةً في حِفظها، وتذليلاً للسانِه
فِي سَرْدها، فمَنَعَ السَّلَف ذلك في القرآن فهو حَرامٌ فيه.
وقال القاضي عِيَاض في شرح حديث حُذَيفة: أنَّ النبيّ وَلِّ قرأ في صلاته في اللَّيل
بسورة النِّساء قبل آلَ عِمران(١): هو كذلك في مُصحَف أُبيِّ بن كعب، وفيه حُجّة لمن يقول:
إِنَّ ترتيب السُّوَر اجتهاد وليس بتوقيفٍ من النبيّ ◌َِّةِ، وهو قولُ جُهور العلماء واختارَه
القاضي الباقلانيّ، قال: وترتيب السّوَر ليس بواجبٍ في التِّلاوة ولا في الصلاة ولا في
الدّرس ولا في التَّعليم، فلذلك اختَلَفَت المصاحف، فلمَّا كُتِبَ مُصحَف عثمان رَتَّبوه على
ما هو عليه الآن، فلذلك اختَلَفَ ترتيبُ مصاحف الصَّحابة. ثمَّ ذكر نحو كلام ابن بَطّال،
ثمَّ قال: ولا خِلَافَ أنَّ ترتيب آيات كلّ سورة على ما هي عليه الآن في المصحَف توقيفٌ
من الله تعالى، وعلى ذلك نَقَلَتْه الأُمّة عن نبيّهَا وَلّ.
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه)) برقم (٧٧٢).

٨٢
باب ٦ / ح ٤٩٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إِنَّمَا نَزَلَ أوَّلَ ما نزل منه سورةٌ من المفصّل فيها ذِكْر الجنَّة والنار)) هذا ظاهره مُغاير
لمَا تقدَّم(١) أنَّ أَوَّل شيء نزل ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وليس فيها ذِكْر الجنَّة والنار، فلعلَّ
((مِن)) مُقدَّرة، أي: من أوَّل ما نزلَ، أو المراد سورة المدَّثِّر، فإنَّا أوَّل ما نزل بعد فَتْرة الوحي
وفي آخرها ذِكْر الجنَّة والنار، فلعلَّ آخرها نزل قبل نزول بَقيَّة سورة ((اقرأ))، فإنَّ الذي
نزل أوّلاً من ((اقرأ)) كما تقدَّم خمسُ آيات فقط.
قوله: ((حتَّى إذا ثابَ)) بالمثلَّثة ثمَّ الموخَّدة، أي: رَجَعَ.
قوله: ((نزل الحلال والحرام)) أشارت إلى الحكمة الإلهيَّة في ترتيب التَّزيل، وأنَّ أوَّل ما
نزل من القرآن الدُّعاء إلى التَّوحيد، والتَّبشير للمؤمنِ والمطيع بالجنَّة ولِلكافرِ والعاصي
بالنار، فلمَّ اطمأنَت النُّفُوسُ على ذلك أُنزِلَت الأحكام، ولهذا قالت: ((ولو نزل أوَّل شيءٍ:
لا تشربوا الخمر، لَقالوا: لا نَدَعُها)» وذلك لمَا طُبعَت عليه النُّفُوس من النَّفْرة عن تَرْك
المألوف، وسيأتي بيان المراد بالمفصَّلِ في الحديث الرّابع (٤٩٩٦).
قوله: ((لقد نزل بمكّة)) إلى آخره، أشارَت بذلك إلى تقوية ما ظَهَرَ لها من الحِكمة
المذكورة، وهو تقدُّم نزول سورة القمر - وليس فيها شيء من الأحكام - على نزول سورة
البقرة والنِّساء معَ كَثْرة ما اشتَمَلَنا عليه من الأحكام، وأشارَت بقولها: ((وأنا عنده)) أي:
بالمدينة، لأنَّ دخولَها عليه إنَّما كان بعد الهجرة اتِّفاقاً، وقد تقدَّم ذلك في مناقبها.
وفي الحديث رَدٌّ على النَّحّاس في زَعْمه أنَّ سورة النِّساء مكّيَّة مُستَنِداً إلى قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ اُلْأَمَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] نزلت بمكَّة اتِّفاقاً في قصَّة مِفتاح
٤١/٩ الكعبة، لكنَّها حُجّة واهية، فلا يلزمُ من نزول آية أو آيات من سورة طویلة بمگّة إذا/ نزل
مُعظَمُها بالمدينة أن تكون مكّيَّة، بل الأرجَحُ أنَّ جميع ما نزل بعد الهجرة معدود من المدنيّ،
وقد اعتَنَى بعضُ الأئمّة ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في السّوَر المكِيَّة.
وقد أخرج ابن الضُّرَيسِ في ((فضائل القرآن)» (١٧) من طريق عثمان بن عطاء الخُراسانيّ،
(١) في كتاب التفسير: سورة ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾.

٨٣
باب ٦ / ح ٤٩٩٣
كتاب فضائل القرآن
عن أبيه، عن ابن عبّاس: أنَّ الذي نزل بالمدينة البقرةُ ثمَّ الأنفال ثمَّ الأحزاب ثمَّ المائدة ثمَّ
المتَحِنة والنِّساء، ثمَّ ((إذا زُلِزِلَت) ثمَّ الحديد ثمَّ القتال ثمَّ الرَّعد ثمَّ الرَّحمن ثمَّ الإنسان ثمَّ
الطَّلاق ثمَّ ((إذا جاء نَصْر الله)) ثمَّ النُّور ثمَّ المنافقونَ ثمَّ المجادلة ثمَّ الحُجُرات ثمَّ التَّحريم
ثمَّ الجائيَة ثمَّ التَّغابُن ثمَّ الصَّفّ ثمَّ الفتح ثمَّ براءةُ.
وقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٤٠٠) من حديث أنس: أنَّ سورة الكَوثَر مَدَنَّة، فهو
المعتمَد، واختُلِفَ في الفاتحة والرَّحمن والمطَفِّفِينَ و((إذا زُلِلَت)) والعاديات والقَدْر
و((أرأيتَ)) والإخلاص والمعوِّذَتَينِ، وكذا اختُلِفَ مَّا تقدَّم في الصَّفّ والجمعة والتَّغَابُن.
وهذا بيانُ ما نزل بعد الهجرة من الآيات ممّاً في المكِّيّ: فمن ذلك الأعراف، نزل
بالمدينة منها: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ إلى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾
[الأعراف: ١٦٣ - ١٧٢].
يونس: نزل منها بالمدينة ﴿ فَإِن كُنتَ فِىِ شَكٍ﴾ آيتان [يونس: ٩٤ - ٩٥]، وقيل: ﴿وَمِنْهُم
مَّن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ آيَةٌ [يونس: ٤٠]، وقيل: من رأس أربعينَ إلى آخرها مَدَنيّ.
هود: ثلاث آيات: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ [هود: ١٢] ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، ﴾ [هود: ١٧]
وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤].
النَّحل: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ الآية [النحل: ١١٠] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾
إلى آخر السورة [النحل: ١٢٦ - ١٢٨].
الإسراء: ﴿وَ إِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦]، ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِ﴾ [الإسراء: ٨٠]،
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]،
﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ- أَوْلَا تُؤْمِنُواْ﴾ [الإسراء: ١٠٧].
الكهف: مكّيَّة إلّا أوَّلها إلى ﴿جُزًا﴾ [الكهف: ١-٨]، وآخرها من ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[الكهف: ١٠٧ - ١١٠].
مريم: آية السَّجدة.

٨٤
باب ٦ / ح ٤٩٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحجّ: من أوَّلها إلى ﴿شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢]، و﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ﴾ [الحج: ١٥]، و﴿ إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]، و﴿أَذِّنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩]،
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ﴾ [الحج: ٤٠]، و﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ [الحج: ٥٤]، و﴿ وَالَّذِينَ
هَاجَرُواْ﴾ [الحج: ٥٨] وما بعدها، وموضع السَّجدتَينِ، و﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩].
الفُرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إلى ﴿رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ -٧٠].
الشُّعَراء: آخرها من ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ -٢٢٧].
القَصَصِ: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ﴾ إلى ﴿اُلْجَهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ -٥٥]، و﴿إِنَّ الَّذِى
فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ [القصص: ٨٥].
العنكبوت: من أوَّلها إلى ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١-١١].
لُقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ ﴾ [لقمان:٢٧].
ألَّمّ تنزيل: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا﴾ [السجدة: ١٨]، وقيل: من ﴿نَتَجَاقَى﴾ [السجدة: ١٦].
سَبَأ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ [سبأ:٦].
الزُّمَر: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ﴾ إلى ﴿تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣-٥٥].
المؤمن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِيَّ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ والتي تَلِيها [غافر: ٥٦ - ٥٧].
الشُّورَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَى﴾ [الشورى: ٢٤]، و﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ﴾ إلى ﴿شَدِيدٌ﴾
[الشورى: ٢٥-٢٦].
الجاثية: ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الجاثية: ١٤].
الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اُللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وقوله: ﴿فَأَصْبِرْ﴾
[الأحقاف: ٣٥].
قَ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى ﴿لَّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
النَّجم: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَغِبُونَ﴾ إلى ﴿ اَتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢].

٨٥
باب ٦ / ح ٤٩٩٤ - ٤٩٩٦
كتاب فضائل القرآن
الرَّحمن: ﴿يَسْئَلُهُ, مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن:٢٩].
الواقعة: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢].
نّ: من ﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ﴾ إلى ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧ -٣٣]، ومن ﴿فَأَصْبِرْ ◌ِكْمِ رَبِّكَ﴾ إِلى
﴿الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٤٨ - ٥٠].
المرسَلات: ﴿ وَإِذَا قِلَ لَهُ أَرْكَعُواْ لَا يَرَّكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨].
فهذا ما نزل بالمدينة من آيات من سُوَر تقدَّم نزولها بمكَّة. وقد بيَّن ذلك حدیثُ ابن
عبَّاس عن عثمان قال: كان رسول الله وَّل كثيراً ما يَنزِل عليه الآياتُ فيقول: ((ضَعُوها في
السّورة التي يُذكَر فيها كذا))(١)، وأمَّا عكس ذلك، وهو نزولُ شيء من سورة بمَّة تأخّرَ
نزول تلك السّورة إلى المدينة، فلم أرَه إلّا نادِراً، فقد اتَّفَقوا على أنَّ الأنفال مَدَنيَّة، لكن
قيلَ: إنَّ قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية [الأنفال: ٣٠] نزلت بمكَّة ثمَّ نزلت
سورة الأنفال بالمدينة، وهذا غريب جدّاً. نعم، نزل من السّوَر المدنيَّة التي تقدَّم ذِكْرها
بمكّة (٢) بعد الهجرة في العمرة والفتح والحجّ ومواضع / متعدِّدة في الغَزَوات كَتَبُوك ٤٢/٩
وغيرِها أشياءُ كثيرة كلُّها تُسمَّى المدنيَّ اصطلاحاً، والله أعلم.
٤٩٩٤ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ يزيدَ،
سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقول في بني إسرائيلَ والكهفِ ومريمَ وطه والأنبياءِ: إِنَّهُنَّ منَ العِتَاق
الأُوَلِ، وهُنَّ من تِلادِي.
٤٩٩٥ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، أنبأنا أبو إسحاقَ، سمعَ البراءَ ﴾ه قال: تَعلَّمْتُ
﴿َبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ﴾ قبلَ أن يَقْدَمَ النبيُّ ◌َلَه.
٤٩٩٦- حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن شَقِيقٍ، قال: قال عبدُ الله: لقد
تَعَلَّمتُ النَّظائرَ التي كان النبيُّ وَ يَقْرَؤُهُنَّ اثنَيْنِ اثْنَينِ في كلِّ رَكْعةٍ؛ فقامَ عبدُ الله ودَخَلَ معه
(١) أخرجه أبو داود (٧٨٦) و(٧٨٧)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٥٣)، وأحمد
(٣٩٩) وغيرهم، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((مسند أحمد)).
(٢) وقع في (س) بعد هذا: ((ثم نزلت سورة الأنفال))، وهي زيادة مقحمة مكررة مما سبق.

٨٦
باب ٦ / ح ٤٩٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
عَلْقِمةُ، وخَرَجَ عَلْقمةُ، فسألْناه فقال: عِشْرونَ سورةً من أوَّلِ المفصَّلِ على تأليفِ ابنِ مسعودٍ،
آخِرُ هُنَّ الحوامِيمُ ﴿حمّ﴾ الدُّخان، و﴿عَمَّ يَتَسَآَلُونَ﴾.
الحديث الثاني: حديث ابن مسعود، تقدَّم شرحه في تفسير ((سبحان)) (٤٧٠٨) وفي
الأنبياء (٤٧٣٩)، والغرض منه هنا أنَّ هذه السُّوَر نزلنَ بمكَّة وأنَّها مُرتَّبَة في مُصحَف ابن
مسعود كما هي في مُصحَف عثمان، ومع تقديمهنَّ في النُّزول فَهُنَّ مُؤَخَّرات في ترتيب
المصاحف. والمراد بالعِتاق وهو بكسرِ المهمَلة: أنَّهُنَّ من قديم ما نزلَ.
الحديث الثالث: حديث البراء: ((تَعلَّمتُ سورة ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قبل أن يَقْدَمَ
النبيُّونَ)) هو طَرَف من حديث تقدَّم شرحه في أحاديث الهجرة (٣٩٢٥)، والغرض منه
أنَّ هذه السّورة مُتَقَدِّمة التُّزول، وهي في أواخر المصحَف معَ ذلك.
الحديث الرّابع: حديث ابن مسعود أيضاً.
قوله: ((عن شَقِيق)) هو ابن سَلَمةَ، وهو أبو وائل، مشهورٌ بگنْيته أكثر من اسمه، وفي رواية
أبي داود الطَّيالسيِّ عن شُعْبة عن الأعمَش: ((سمعتُ أبا وائل)) أخرجه التِّرمِذيّ (٦٠٢).
قوله: ((قال عبد الله)) سيأتي في ((باب التَّرتيل)) (٥٠٤٣) بلفظ: ((غَدَونا على عبد الله))
وهو ابن مسعود.
قوله: ((لقد تَعلَّمتُ النَّظائرَ)) تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في ((باب الجمع بين سورتَينِ في
الصلاة)) من أبواب صِفَة الصلاة (٧٧٥)، وفيه أسماء السّوَر المذكورة، وأنَّ فيه دلالة على
أنَّ تأليف مُصحَف ابن مسعود على غير التأليف العثمانيّ، وكان أوَّلُه الفاتحةَ ثمَّ البقرة ثمَّ
النِّساء ثمَّ آلَ عِمران، ولم يكن على ترتيب التُّزول، ويقال: إنَّ مُصحَف عليّ كان على
ترتيب التُّزول، أوَّله ((اقرأ)) ثمَّ المدَّثِّر ثمَّ (نَ والقَلم)) ثمَّ المَّمِّل ثمَّ («تَبَّتْ)) ثمَّ التَّكوير ثمَّ
((سَبِّح))، وهكذا إلى آخر المكِّيّ ثمَّ المدنيّ، والله أعلم.
وأمَّا ترتيب المصحَف على ما هو عليه الآن، فقال القاضي أبو بكر الباقلانيّ: يحتمل أن
يكون النبيُّ وَّهِ هو الذي أمَرَ بترتيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصَّحابة، واحتَجَّ

٨٧
باب ٦ / ح ٤٩٩٦
كتاب فضائل القرآن
للأوَّل بما سيأتي في الباب الذي بعد هذا: أنَّه كان النبيّ ◌َّهِ يُعارِض به جِبْرِيلَ في كلّ سنة؛
فالذي يظهر أنَّه عارَضَه به هكذا على هذا التَّرتيب، وبهذا جَزَمَ ابن الأنباريّ، وفيه نظرٌ، بل
الذي يظهر أنَّه كان يعارضه به على ترتيب التُّزول. نعم، ترتيب بعض السّوَر على بعض أو
مُعظَمها لا يَمْتَنِعِ أن يكون توقيفاً، وإن كان بعضه من اجتهاد الصَّحابة(١)، وقد أخرج
أحمد (٣٩٩) وأصحاب ((السُّنَن))(٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٣) والحاكم (٢٢١/٢ و٣٣٠)
من حديث ابن عبّاس قال: قلت لعثمان: ما حَمَلكم على أن عَمَدتُم إلى الأنفال وهي من
المثاني وإلى براءة وهي من المِئين فقَرَنتُم بينهما ولم تَكتُبوا بينهما سَطْر بسمِ الله الرَّحمن
الرحيم، ووَضَعتُموهما في السَّبعِ الطَّوَل؟ فقال عثمان: كان رسول الله وَّل كثيراً ما يَنِزِل
عليه السّورة ذات العدد، فإذا نزل عليه الشّيء - يعني: منها - دَعَا بعضَ مَن كان يَكتُب
فيقول: ((ضَعُوا هؤلاءِ الآياتِ في السّورة التي يُذكَر فيها كذا))، وكانت الأنفال من أوائل ما
نزل بالمدينة وبراءةُ من آخر القرآن، وكان قِصَّتها شبيهةً بها فظَنَنتُ أنَّها منها، فقُبِضَ رسول الله
وَّة ولم يُبيِّن لنا أنَّها منها، انتهى.
فهذا يدلُّ على أنَّ ترتيب الآيات في كلّ سورة كان توقيفاً، ولمَّا لم يُفصِح النبيُّ نَّ بِأمرِ
((براءةً) أضافَها عثمان إلى الأنفال اجتهاداً منه رضي الله تعالى عنه. ونَقَّلَ صاحب ((الإقناع))
أنَّ البسملة لبراءة ثابتة في مُصحَف ابن مسعود، قال: ولا يُؤخَذ بهذا.
وكان من علامة ابتداء السّورة نزول ((بسمِ الله الرَّحمن الرحيم)) أوَّلَ ما يَنزِل شيءٌ منها
كما أخرجه أبو داود (٧٨٨) وصَخَّحَه ابن حِبّان(٣) والحاكم (٢٣١/١ و٢٣١-٢٣٢
و٦١١/٢) من طريق عَمْرو بن دينار عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبَّاس قال: كان النبيّ وَّه
لا يعلم خَتْم السّورة حتَّى يَنزِل: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وفي رواية: فإذا نزلت: ((بسم الله
(١) في (س): بعض الصحابة.
(٢) أبو داود (٧٨٦) و(٧٨٧)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٥٣). وانظر الكلام عليه
في «مسند أحمد»، فهو ضعيف وفي متنه نكارة.
(٣) في كتاب الصلاة - وليس بمطبوع - كما في ((إتحاف المهرة)) ٧/ ٧٤.

٨٨
باب ٧ / ح ٤٩٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
الرَّحمن الرَّحيم)) علموا أنَّ السّورة قد انقَضَت. ومما يدلّ على أنَّ ترتيب المصحَف كان
توقيفاً ما أخرجه أحمد (١٦١٦٦) وأبو داود (١٣٩٣) وغيرهما(١) عن أوس بن أبي أوس
حُذَيفة الثَّقَفيّ قال: كنت في الوَفْد الذينَ أسلموا من ثَقِيف، فذكر الحديث، وفيه: فقال لنا
٤٣/٩ رسول ◌َّ: ((طَرَأَ عليَّ حِزْبي من القرآن فأردتُ أن/ لا أخرُجَ حتَّى أقضيه)) قال: فسألنا أصحابَ
رسول الله وَلجه قلنا: كيف تُحُزِّبونَ القرآن؟ قالوا: نُحَزِّبُه ثلاثَ سُوَر وخمسَ سُوَر وسبع سُوَر
وتسع ◌ُوَر وإحدى عشرةَ وثلاثَ عشرةَ، وحِزِب المفصَّل من (قَّ)) حَتَّى تَخْتِم.
قلت: فهذا يدلُّ على أنَّ ترتيب السُّوَر على ما هو في المصحَف الآن كان في عهد النبيّ وَّ،
ويحتمل أنَّ الذي كان مُرتَباً حينئذٍ حِزْب المفصَّل خاصّة، بخِلَاف ما عَدَاه فيحتمل أن
يكون كان فيه تقديم وتأخير كما ثَبَتَ من حديث حُذَيفة: أنَّه وَله قرأ النِّساء بعد البقرة قبل
آلَ عمران(٢).
ويُستَفاد من هذا الحديث - حديثٍ أوس - أنَّ الرّاجح في المفصَّل أنَّه من أوَّل سورة
((قَ)) إلى آخر القرآن، لكنَّه مَبنيٌّ على أنَّ الفاتحة لم تُعَدَّ في الثلاث الأُوَل، فإنَّه يَلزَم مِن عَدِّها
أن يكون أوَّل المفصَّل من الحُجُرات، وبه جَزَمَ جماعة من الأئمَّة، وقد نَقَلْنا الاختلاف في
تحديده في ((باب الجهر بالقراءة في المغرِب)) من أبواب صِفَة الصلاة (٧٦٥)، والله أعلم.
٧- بابٌ كان جِبْرِيلُ يَعرِضُ القرآنَ على النبيِّ وَل
وقال مسروقٌ، عن عائشةَ، عن فاطمةَ عليها السّلام: أسَرَّ إليَّ النبيُّ ◌َّ: ((أنَّ جِبْرِيلَ
يُعارِضُني بالقرآنِ كلَّ سَنةٍ، وإِنَّه عارَضَني العامَ مَرَّتَين، ولا أُراه إلّا حَضَرَ أجَلي)).
٤٩٩٧ - حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ
عبدِ الله، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّ نَّهِ أَجْوَدَ الناسِ بالخيرِ، وأجْوَدُ ما
يكونُ في شَهْرِ رمضانَ، لأنَّ جِبْرِيلَ كان يَلْقاه في كلِّ ليلةٍ فِي شَهْرِ رمضانَ حتَّى يَنْسَلِغَ، يَعرِضُ
عليه رسولُ الله ◌َِّ القرآنَ، فإذا لَقِيَه حِبْرِيلُ كان أجْوَدَ بالخيرِ منَ الرِّيحِ المرسَلَّةِ.
(١) وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٣٤٥)، وإسناد الخبر فيه ضعف. وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((مسند أحمد)).
(٢) أخرجه مسلم (٧٧٢).

٨٩
باب ٧ / ح ٤٩٩٧
كتاب فضائل القرآن
قوله: ((بابٌ كان جِبْرِيل يَعرِض القرآن على النبيّ وََّ)) بكسرِ الرّاء، من العَرْض، وهو
بفتح العين وسكون الرّاء، أي: يقرأ، والمراد: يَستَعرِضه ما أقرأه إيّاه.
قوله: ((وقال مسروق، عن عائشة، عن فاطمة قالت: أسَرَّ إليَّ النبيُّ وَّهِ أَنَّ جِبْرِيل كان
يُعارِضني بالقرآنِ)) هذا طَرَفٌ من حديث وَصَلَه بتمامه في علامات النَّبوّة (٣٦٢٣ و٣٦٢٤)،
وتقدَّم شرحه في ((باب الوفاة النبويَّة)) من آخر المغازي (٤٤٣٣ و ٤٤٣٤)، وتقدَّم بيان فائدة
المعارضة في الباب الذي قبله، والمعارضة: مُفاعلة من الجانبينِ؛ كأنَّ كلَّ منهما كان تارةً
يقرأ والآخر يَستَمِع.
قوله: ((وإنَّه عارَضَني)) في رواية السَّرَخْسِيّ: ((وإنّي عَارَضَني)).
قوله: ((إبراهيم بن سَعْد، عن الزُّهْريِّ)) تقدَّم في الصيام (١٩٠٢) من وجه آخر عن
إبراهيم بن سعد قال: أخبرنا الزُّهْريّ، وإِبراهيمُ بن سعد سمعَ من الزُّهْريِّ، وسمع من
صالح بن كَيْسانَ عن الزّهْرِيِّ، وروايته على الصِّفَتَيْنِ تَكرَّرَت في هذا الكتاب كثيراً، وقد
تقدَّمَت فوائدُ حديث ابن عبّاس هذا في بَدْء الوحي (٦) فنذكر هنا نُكَتاً ممّا لم يَتقدَّم.
قوله: ((كان النبيّ وَ﴿ أَجْوَدَ الناس))/ فيه احتراسٌ بليغ لئلا يُتَخيَّلَ من قوله: ((وأجوَدُ ما ٤٤/٩
يكون في رمضان)) أنَّ الأجوَديَّة خاصّة منه برمضان، فأثبَتَ له الأجوَديَّة المطلَقة أوَّلاً ثمَّ
عَطَفَ عليها زيادةً ذلك في رمضان.
قوله: ((وأجْوَدُ ما يكون في رمضان)» تقدَّم في بَدْء الوحي (٦) من وجه آخر عن الزُّهْريِّ
بلفظ: وكان أجوَدُ ما يكون في رمضان، وتقدَّم أنَّ المشهور في ضبط ((أجود) أنَّه بالرَّفع وأنَّ
النَّصب موجّه، وهذه الرِّواية ممّا يُؤَيِّد الزَّفع.
قوله: «لأنَّ جِبْريل كان يَلْقَاه)» فيه بيان سبب الأجوَديَّة المذكورة، وهي أبيَنُ من الرّواية
التي في بدء الوحي بلفظ: وكان أجود ما یکون في رمضان حين يلقاه چِبْریل.
قوله: ((في كلّ ليلة في شَهْر رمضان حتَّى يَنْسَلِخ)) أي: رمضان، وهذا ظاهر في أنَّه كان
يَلقاهُ كذلك في كلّ رمضان مُنذُ أُنزِلَ عليه القرآن ولا يَخْتَصُّ ذلك برمضانات الهجرة، وإن

٩٠
باب ٧ / ح ٤٩٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
كان صيامُ شهر رمضان إنَّمَا فُرِضَ بعد الهجرة؛ لأنَّه كان يُسَمَّى رمضان قبل أن يُفْرَضَ
صیامُه.
قوله: ((يَعرِض عليه رسولُ الله ◌َ﴿ القرآن)) هذا عكس ما وَقَعَ في التَرجمة، لأنَّ فيها أنَّ
جِبْرِيل كان يَعرِض على النبيّ وََّ، وفي هذا أنَّ النبيَّ وَّكان يَعرِض على جِبْيل، وتقدَّم
في بَدْء الوحي (٦) بلفظ: وكان يَلْقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيُدارِسه القرآن؛ فيُحمَل على
أنَّ كلّ منهما كان يَعرِض على الآخر، ويُؤيِّده ما وَقَعَ في رواية أبي هريرة آخر أحاديث
الباب کما سأُوضحُه.
وفي الحديث إطلاقُ القرآن على بعضه وعلى مُعظَمه، لأنَّ أوَّل رمضان من بعد البِعْثة
لم يكن نزل من القرآن إلّا بعضه، ثمَّ كذلك كلّ رمضان بعده، إلى رمضان الأخیر، فكان
قد نزل كلُّه إلّا ما تأخّرَ نزوله بعد رمضان المذكور، وكان في سنة عشر إلى أن ماتَ النبيُّ وَه
فِي رَبيع الأوَّل سنة إحدى عشرة، وممّا نزل في تلك المدّة قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإنَّها نزلت يومَ عَرَفة والنبيُّ ◌َله بها بالاتِّفاق، وقد تقدَّم في هذا الكتاب
(٤٥)، وكأنَّ الذي نزل في تلك الأيام لمَّا كان قليلاً بالنّسبة لما تقدَّم اغتُّفِرَ أمر مُعارَضَته،
فيُستَفاد من ذلك أنَّ القرآن يُطلَق على البعض مجازاً، ومن ثَمَّ لا يَحَنَثُ مَن حَلَفَ: لَيقر أنَّ
القرآن، فقرأَ بعضه، إلّا إن قَصَدَ الجميع.
واختُلِفَ في العَرْضة الأخيرة: هل كانت بجميع الأحرف المأذون في قراءتها، أو
بحرفٍ واحد منها؟ وعلى الثّاني فهل هو الحرف الذي جَمَعَ عليه عثمانُ الناسَ أو غيره؟ وقد
روى أحمد وابن أبي داود والطََّرِيُّ من طريق عَبِيدة بن عَمْرو السَّلْمانيِّ: أنَّ الذي جَمَعَ عليه
عثمانُ الناسَ يوافق العَرْضة الأخيرة(١)، ومن طريق محمَّد بن سِيرِين قال: كان چِبريل
يُعارِض النبيَّ ◌َّهَ بالقرآن، الحديث نحو حديث ابن عبَّاس، وزاد في آخره: فيَرَونَ أنَّ
(١) هذا الأثر لم نقف عليه عند أحدٍ من الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور))
إلى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥٦٠/١٠ والبيهقي في ((الدلائل)) ١٥٥/٧-١٥٦ وابن الأنباري في
((المصاحف)).

٩١
باب ٧ / ح ٤٩٩٧
كتاب فضائل القرآن
قراءتنا أحدَثُ القراءات عهداً بالعَرْضة الأخيرة(١)، وعند الحاكم (٢٣٠/٢) نحوه من
حديث سَمُرة، وإسناده حسن، وقد صَحَّحَه هو ولفظه: عُرِضَ القرآن على رسول الله وَه
عَرَضات، ويقولون: إنَّ قراءتنا هذه هي العَرْضة الأخيرة، ومن طريق مجاهد عن ابن
عبَّاس (٢٣٠/٢) قال: أيّ القراءتَينِ تَرَونَ كان آخِرَ القراءة؟ قالوا: قراءة زيد بن ثابت،
فقال: لا، إنَّ رسول الله وَّلِ كان يَعرِضُ القرآن كلَّ سنة على جِبْريل، فلمَّا كان في السَّنة
التي قُبِضَ فيها عَرَضَه عليه مرَّتَينٍ، وكانت قراءةُ ابن مسعود آخرَهما؛ وهذا يُغاير حديث
سَمُرة ومَن وافَقَه، وعند مُسدَّد في ((مُسنَده)) من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ: أنَّ ابن عبّاس
سمعَ رجلاً يقول: الحرف الأوَّل، فقال: ما الحرف الأوَّل؟ قال: إنَّ عمر بَعَثَ ابنَ مسعود
إلى الكوفة مُعلِّماً، فأخذوا بقراءتِهِ فغَيَّرَ عثمانُ القراءة، فهم يَدْعونَ قراءةَ ابن مسعود
الحرف الأوَّل، فقال ابن عبّاس: إنَّه لَآخِرُ حرف عَرَضَ به النبيُّ وَّل على جِبْرِيل.
وأخرج النَّسائيُّ (ك٧٩٤٠ و٨٢٠١) من طريق أبي ظَبْيانَ قال: قال لي ابن عبَّاس: أيّ
القراءتَينِ تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أمّ عبد - يعني عبدَ الله بن مسعود - قال: بل
هي الأخيرة، إنَّ رسول الله وَّه كان يَعرِضُ على جِبْرِيل ... / الحديث، وفي آخره: فحَضَرَ ٤٥/٩
ذلك ابنُ مسعود فعَلِمَ ما نُسِخَ من ذلك وما بُدِّلَ(٢)، وإسناده صحيح، ويُمكِن الجمع بين
القولَينِ بأن تكون العَرْضَتان الأخيرتان وَقَعَتا بالحرفَينِ المذكورَينِ، فَيَصِحّ إطلاق الآخِرِيَّة
على كلِّ منهما.
قوله: ((أجْوَدَ بالخيرِ من الرّيح المرسَلة)) فيه جواز المبالَغة في التَّشبيه، وجواز تشبيه
المعنَويّ بالمحسوسِ ليَقَرُبَ لفَهْمِ سامعه، وذلك أنَّه أثبَتَ له أوَّلاً وصف الأجوَديَّة، ثمَّ
أراد أن يَصِفَه بأزيَدَ من ذلك فشَبَّهَ جُودَه بالرّيحِ المرسَلة، بل جعله أبلَغَ في ذلك منها، لأنَّ
الرّیح قد تسگُن.
(١) أخرجه أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) ص٣٥٧، وابن أبي شيبة ٦ / ١٥٤.
(٢) هذا الحديث بهذا اللفظ لم يخرجه النسائي وإنما أخرجه مختصراً، وهو بنحو هذا اللفظ عند أحمد في «مسنده»
(٣٤٢٢) وغيره.

٩٢
باب ٧ / ح ٤٩٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه الاحتراسُ؛ لأنَّ الرّيح منها العَقيم الضّارَّة، ومنها المبشِّرة بالخير، فوَصَفَها بالمرسَلة
ليُعيِّن الثّانية، وأشارَ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧] ﴿ وَاللَّهُ
الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرَِّحَ﴾ [فاطر: ٩] ونحو ذلك، فالرِّيح المرسَلة تَستَمِّرّ مُدّة إرسالها، وكذا كان
عَمَلُهُ وَّهِ في رمضان دِيمةً لا يَنقَطِع، وفيه استعمال أفعَلَ التَّفضيل في الإسناد الحقيقيّ
والمجازيّ، لأنَّ الجود من النبيّ وَّهِ حقيقةٌ، ومن الرّيح مَجاز، فكأنَّه استَعارَ للرّيحِ جوداً
باعتبار مجيئِها بالخير فأنزَلهَا مَنزِلَةَ مَن جادَ، وفي تقديم معمول ((أجوَد)» على المفضَّل عليه
نُكْتة لطيفة: وهي أنَّه لو أخّرَه لَظُنَّ تَعلَّقُه بالمرسَلة، وهذا وإن كان لا يَتغيَّر به المعنى المراد
بالوصفِ بالأجوَديَّة، إلّا أنَّه تَفُوتُ فيه المبالَغة، لأنَّ المراد وصفه بزيادة الأجوَديَّة على
الرِّيح المرسَلة مُطلَقاً.
وفي الحديث من الفوائد غیرُ ما سَبَقَ: تعظیمُ شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول
القرآن فيه، ثمَّ مُعارَضَته ما نزل منه فيه، ويَلزَم من ذلك کَثْرةُ نزول جِبْریل فيه، وفي کَثْرة
نزوله من تَوارُد الخيرات والبَرَكات ما لا يَخْفَى(١).
ويُستَفاد منه أنَّ فضل الزّمان إنَّما يَحصُل بزيادة العبادة. وفيه أنَّ مُداوَمة التِّلاوة تُوجِب
زيادة الخير. وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العُمُر، ومُذاكَرة الفاضل بالخير والعلم
وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك لزيادة التَّذكِرة والاتِّعاظ.
وفيه أنَّ ليل رمضان أفضل من نهاره، وأنَّ المقصود من التِّلاوة الحضور والفَهْم، لأنَّ
الَّيلِ مَظِنّة ذلك لمَا في النَّهار من الشَّواغِلِ والعَوارض الدُّنيَويَّة والدِّينِيَّة، ويحتمل أنَّه وَهـ
كان يَقِمُ ما نزل من القرآن في كلّ سنة على ليالي رمضان أجزاءً فيقرأ كلَّ ليلة جُزءاً في
جُزء من اللَّيلة، والسَّبَب في ذلك ما كان يَشْتَغِل به في كلّ ليلة مِن سوى ذلك من تَهجُّد
بالصلاة ومن راحة بَدَن ومن تَعاهُد أهل، ولعلَّه كان يعيدُ ذلك الجزء مِراراً بحَسَب تعدُّد
الحروف المأذون في قراءتها، ولِتَستَوعِب بَرَكةُ القرآن جميعَ الشَّهر، ولولا التَّصريح بأنَّه
(١) في (س): ما لا يحصى.

٩٣
باب ٧ / ح ٤٩٩٨
كتاب فضائل القرآن
كان يَعِرِضه مرَّة واحدة، وفي السَّنة الأخيرة عَرَضَه مرَّتَينِ، جازَ أنَّه کان یَعرِض جميع ما
نزل عليه كلَّ ليلة ثمَّ يُعيده في بَقِيَّة اللَّالي.
وقد أخرج أبو عُبيد(١) من طريق داود بن أبي هند قال: قلت للشَّعْبيِّ: قوله تعالى:
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أمَا كان يَنزِل عليه في سائر السَّنة؟
قال: بَلَى، ولكن حِبْريل كان يُعارِض معَ النبيّ وَِّ في رمضان ما أنزلَ الله فيُحكِم اللهُ ما
يشاء ويُثبِت ما يشاء. ففي هذا إشارة إلى الحكمة في التَّقسيط الذي أشرتُ إليه لتفصيلٍ ما
ذكره من المحكم والمنسوخ، ويُؤيِّده أيضاً الرِّواية الماضية في بَدْء الخلق (٣٢٢٠) بلفظ:
((فيُدارِسه القرآن)) فإنَّ ظاهره أنَّ كلَّ منهما كان يقرأُ على الآخر، وهي موافقة لقولِه:
(يُعارِضه)) فيستدعي ذلك زماناً زائداً على ما لو قرأً الواحد، ولا يعارض ذلك قوله تعالى:
﴿َسَنُقْرِتُكَ فَلَا تَسَ﴾ [الأعلى: ٦] إذا قلنا: إنَّ ((لا)) نافية كما هو المشهور وقول الأكثر، لأنَّ
المعنى: أنَّه إذا أقرأه فلا يَنسَى ما أقرأَه، ومن جُملة الإقراء مُدارَسة جِبْريل، أو المراد أنَّ
المنفيّ بقولِه: ﴿فَلاَ تَ﴾ النِّسيانُ الذي لا ذِكْرَ بعده، لا النِّسيانُ الذي يَعقُبه الذِّكر في الحال،
حتَّى لو قُدِّرَ أَنَّه/ نَسِيَ شيئاً فإنَّه يُذكِّرِه إيّاه في الحال.
٤٦/٩
وسيأتي مزيدُ بيان لذلك في «باب نِسْيان القرآن» (٥٠٣٧) إن شاءَ الله تعالى. وقد تقدَّمَت
بَقيَّة فوائد حديث ابن عبّاس في بَدْء الوحي (٦).
٤٩٩٨- حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ، حدَّثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي
هريرةَ، قال: كان يُعرَضُ على النبيِّ وَّهِ القرآنُ كلَّ عامِ مرَّةً، فعُرِضَ عليه مرَّتَينِ في العامِ الذي
قُبِضَ، وكان يَعتَكِفُ كلَّ عامٍ عَشْراً، فاعْتَكَفَ عِشْرِينَ في العامِ الذي قُبِضَ فيه.
قوله: ((حدَّثنا خالد بن يزيد)) هو الكاهليّ، وأبو بكر: هو ابن عيَّاش، بالتَّحتانيَّة والمعجَمة،
وأبو حَصِين - بفتح أوَّله ـ: عثمان بن عاصم، وذَكْوان: هو أبو صالح السَّمّان.
قوله: ((كان يُعرَض على النبيّ ◌َّ)) كذا لهم بضمٌّ أَوَّله على البناء للمجهولِ، وفي بعضها
(١) في ((فضائل القرآن)) له ص٣٦٨.

٩٤
باب ٧ / ح ٤٩٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
بفتح أوَّله بحذفِ الفاعل، فالمحذوف هو جِبْریل، صَرَّحَ به إسرائيلُ في روايته عن أبي
حَصِين، أخرجه الإسماعيليّ ولفظه: كان جِبْيل يَعرِض على النبيّ ◌َّهِ القرآنَ في كلّ
رمضان؛ وإلى هذه الرّواية أشارَ المصنّف في التَّرجمة.
قوله: ((القرآنُ كلَّ عام مرَّة)) سَقَطَ لفظ ((القرآن)) لغير الكُشْمِيهنيِّ، زاد إسرائيل عند
الإسماعيليّ: فُيُصبح وهو أجوَدُ بالخير من الرّيح المرسَلة، وهذه الزيادة غريبة في حديث أبي
هريرة، وإنَّما هي محفوظة من حديث ابن عبّاس.
قوله: ((فعُرِضَ عليه مرَّتَينِ في العام الذي قُبِضَ فيه)) في رواية إسرائيل: ((عَرْضَتَينٍ))، وقد
تقدَّم ذِكْر الحكمة في تَكرار العَرْض في السَّنة الأخيرة، ويحتمل أيضاً أن يكون السِّرّ في
ذلك أنَّ رمضان من السَّنة الأُولى لم يقع فيه مُدارَسٌ لوقوع ابتداء التُّزول في رمضان، ثمَّ
فَتَرَ الوحيُّ ثمَّ تَتَابَعَ فَوَفَعَت المدارَسة في السَّنة الأخيرة مرَّتَيْنِ ليَستَويَ عَدَدُ السِّنينَ
والعَرْض.
قوله: ((وكان يَعتَكِف في كلّ عام عَشْراً، فاعْتَكَفَ عِشْرِينَ في العام الذي قُبضَ فيه)» ظاهره
أنَّه اعتَكَفَ عشرينَ يوماً من رمضان، وهو مُناسِب لفعلِ جِبْرِيل حيثُ ضاعَفَ عرضَ
القرآن في تلك السَّنة، ويحتمل أن يكون السَّبَب ما تقدَّم في الاعتكاف(١) أنَّه ◌َِِّ كان
يَعْتَكِف عشراً فسافَرَ عاماً فلم يَعتَكِفْ فاعتَكَفَ من قابلِ عشرِينَ يوماً، وهذا إنَّما يَتَأَتَّى
في سفر وَقَعَ في شهر رمضان، وكان رمضان من سنة تِسع دَخَلَ وهو نَّه في غزوة تَبُوك،
وهذا بخِلَاف القصَّة المتقدِّمة في كتاب الصيام (٢٠٣٣) أنَّه شَرَعَ في الاعتكاف في أوَّل
العشر الأخير، فلمَّا رأى ما صَنَعَ أزواجُه من ضَرْب الأخبية تَرَكَه ثمَّ اعتَكَفَ عشراً في
شوَّال، ويحتمل اتّحاد القصَّة، ويحتمل أيضاً أن تكون القصّة التي في حديث الباب هي التي
أورَدَها مسلم (١١٦٧)، وأصلها عند البخاريّ (٢٠١٨) من حديث أبي سعيد قال: كان
رسول الله وَل﴿ يُجَاوِر العشرَ التي في وَسَطِ الشَّهر، فإذا استَقَبَلَ إحدَى وعشرينَ رَجَعَ، فأقامَ
(١) عند شرح حديث رقم (٢٠٤٤).

٩٥
باب ٨ / ح ٤٩٩٩
كتاب فضائل القرآن
في شهرِ جاوَرَ فيه تلك اللَّلةَ التي كان يَرجِع فيها ثمَّ قال: «إنّ كنت أُجاوِرُ هذه العشرَ
الوَسَطَ ثمَّ بَدَالي أن أُجاوِرَ هذه العشر الأواخر)) فجاوَرَ العشر الأواخر ... الحديث، ليكونَ
المراد بالعشرينَ العشرَ الأوسط والعشرَ الأخير.
٨ - باب القُرّاء من أصحاب النبيّ:
صَلىله
وَستَّام
٤٩٩٩ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمرِو، عن إبراهيمَ، عن مسروقٍ: ذکر
عبدُ الله بنُ عَمرِو عبدَ الله بنَ مسعودٍ، فقال: لا أزالُ أُحِبُّه، سمعتُ النبيَّ ◌ََّ يقول: ((خُذُوا
القرآنَ من أربعةٍ: من عبدِ الله بنِ مسعودٍ، وسالمٍ، ومعاذٍ، وأَبِّبنِ كَعْبٍ)).
٤٧/٩
قال شَقِيقٌ: فجَلَستُ في الحَلَقِ أسمَعُ ما يقولون، فما سمعتُ رادّاً يقول/ غيرَ ذلك.
قوله: ((باب القُرَّاء من أصحاب رسول الله وَّ) أي: الذينَ اشْتَهَروا بحِفظِ القرآن والتَّصَدّي
التعليمِه، وهذا اللَّفظ كان في عُرْف السَّلَف أيضاً لمن تَفَقَّهَ في القرآن.
وذکر فیه ستّة أحاديث:
الأوَّل: قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن مُرّة، وقد نَسَبَه المصنّ في المناقب من هذا الوجه
(٣٧٥٨)، وذَهَلَ الكِرْمانيّ فقال: هو عَمْرو بن عبد الله أبو إسحاق السَّبيعيّ، وليس كما قال.
قوله: ((عن مسروق)) جاء عن إبراهيم - وهو النَّخَعيُّ - فيه شيخ آخر، أخرجه الحاكم
(٢٢٥/٣) من طريق أبي سعيد المؤَدِّب عن الأعمش عن إبراهيم عن عَلْقمة عن عبد الله،
وهو مقلوب، فإنَّ المحفوظ في هذا: عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق، كما تقدَّم في
المناقب (٣٧٥٩ و٣٧٦٠)، ويحتمل أن يكون إبراهيم حَمَلَه عن شيخَينٍ، والأعمَش ◌َمَلَه
عن شیخَيْنِ.
قوله: ((خُذوا القرآنَ من أربعة)) أي: تَعلَّموه منهم، والأربعة المذكورونَ اثنان من
المهاجِرِينَ وهما المُبتَدأ بهما، واثنان من الأنصار، وسالم: هو ابن مَعقِل مولى أبي حُذَيفة،
ومعاذ: هو ابن جبل.
وقد تقدَّم هذا الحديث في مناقب سالم مولى أبي حُذَيفة من هذا الوجه (٣٧٥٨) وفي

٩٦
باب ٨ / ح ٥٠٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
٤٨/٩ أوَّله: ذُكِرَ عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عَمْرو فقال: ذاكَ رجل لا أزال أُحِبُّه بعدَما/
سمعت رسول الله ◌َّه يقول: ((خُذُوا القرآنَ من أربعة)» فبَدَأ به، فذكر حديث الباب.
ويُستَفاد منه محبّة مَن يكون ماهراً في القرآن، وأنَّ البِداءة بالرجلِ في الذِّكر على غيره في
أمر اشتَرَكَ فيه معَ غيره، يدلُّ على تَقَدُّمه فيه، وتقدَّم بَقيَّة شرحه هناك.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أنَّه ◌َ ذِهِ أراد الإعلام بما يكون بعده، أي: أنَّ هؤلاءِ الأربعة
يَبِقَونَ حتَّى يَنفَرِدوا بذلك. وتُعقّبَ بأنَّهم لم يَنفَرِدوا بل الذينَ مَهَروا في تجويد القرآن بعد
العصر النبويّ أضعافُ المذكورينَ، وقد قُتِلَ سالم مولى أبي حُذَيفة بعد النبيّ وَّ في وقعة
الْيَمامة، وماتَ معاذ في خِلَافة عمر، وماتَ أُبيّ وابن مسعود في خِلَافة عثمان، وقد تأخّرَ
زيدُ بن ثابت وانتَهَت إليه الرّياسة في القراءة وعاشَ بعدهم زماناً طويلاً، فالظّاهر أنَّه أمَرَ
بالأخذِ عنهم في الوقت الذي صَدَرَ فيه ذلك القولُ، ولا يَلزَم من ذلك أن لا يكون أحدٌ في
ذلك الوقت شارَكَهم في حِفْظ القرآن، بل كان الذينَ يحفظونَ مِثْلَ الذي حَفِظُوه وأزيَدَ
منهم جماعة من الصَّحابة، وقد تقدَّم في غزوة بئر مَعُونة (٤٠٨٨) أنَّ الذينَ قُتِلوا بها من
الصَّحابة كان يقال لهم: القُرّاء، وكانوا سبعينَ رجلاً.
الحديث الثاني:
٥٠٠٠- حدّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا شَقِيقُ بنُ سَلَمَةَ،
قال: خَطَبَنَا عبدُ الله، فقال: واللهِ لقد أخَذْتُ مِن فِي رسولِ اللهِ وَّهِ بِضْعاً وسبعينَ سورةً،
واللَّهِ لقد عَلِمَ أصحابُ النبيِّ وَّ أنّ من أعلمِهم بكتابِ الله، وما أنا بخيرِهم.
قال شَقِيق: فَجَلَسْتُ في الحَلَق أسمَعُ ما يقولونَ، فما سمعتُ راداً يقول غيرَ ذلكَ.
قوله: ((حدَّثْنا عمر بن حفص، حدَّثنا أَبي)) كذا للأكثرِ، وحكى الجيَّانيُّ: أنَّه وَقَعَ في رواية
الأَصِيلِيّ عن الجُرْجانيّ: ((حدَّثنا حفص بن عمر حدَّثنا أَبي)) وهو خطأ مقلوب، ولیس
لحفصِ بن عمر أبٌ يروي عنه في ((الصَّحيح))، وإنَّما هو عمر بن حفص بن غِيَات، بالغَيْنِ
المعجَمة والتَّحتانيَّة والمثلَّثة، وكان أبوه قاضيَ الكوفة، وقد أخرج أبو نُعَيم الحديث المذكور

٩٧
باب ٨ / ح ٥٠٠٠
كتاب فضائل القرآن
في ((المستخرَج)) من طريق سَهْل بن بحر عن عمر بن حفص بن غِيَاث ونَسَبَه ثمَّ قال: أخرجه
البخاريّ عن عمر بن حفص.
قوله: ((حدَّثْنَا شَقِيق بن سَلَمَ)) في رواية مسلم (٢٤٦٢) والنَّسَائِيِّ (ك٧٩٤٣) جميعاً عن
إسحاق عن عَبْدة عن الأعمش عن أبي وائل: وهو شَقِيق المذكور، وجاء عن الأعمَش فيه
شيخ آخر أخرجه النَّسائيُّ (٥٠٦٣، ك٩٢٧٨) عن الحسن بن إسماعيل عن عَبْدة بن سليمان
عنه عن أبي إسحاق عن هُبَيرة بن يَرِيم عن ابن مسعود، فإن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكون
للأعمَشِ فيه طريقان، وإلّا فإسحاق - وهو ابن راهويه - أتقَنُ من الحسن بن إسماعيل،
معَ أنَّ المحفوظ عن أبي إسحاق فيه ما أخرجه أحمد (٣٦٩٧ و٣٩٢٩) وابن أبي داود(١) من
طريق الثَّوْريّ، وإسرائيل وغيرهما عن أبي إسحاق عن خُمَير - بالخاءِ المعجَمة مُصغَّر -
عن ابن مسعود، فحَصَلَ الشُّذوذُ في رواية الحسن بن إسماعيل في موضعَينٍ.
قوله: ((خَطَبَنا عبدُ الله بن مسعود فقال: واللهِ لقد أخَذْتُ من فِي رسول الله وَلَ بِضْعاً
وسبعينَ سورة)) زاد عاصم عن زِرِّ(٢) عن عبد الله: وأخذتُ بَقيَّة القرآن عن أصحابه،
وعند إسحاق بن راهويه في روايته المذكورة(٣) في أوَّله: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ثمَّ قال: على قراءة مَن تأمُرُونَني أن أقرأ وقد قرأتُ على
رسول الله وَلَ! فذكر الحديث، وفي رواية النَّسائيِّ (٥٠٦٤) وأبي عَوَانة وابن أبي داود
(٥٤, ٥٥) من طريق أبي شِهاب عن الأعمش عن أبي وائل قال: خَطَبَنا عبدُ الله بن مسعود
على المِنِبَرَ فقال: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ غُلُّوا مصاحفَكم، وكيف
تأمُرُونَني أن أقرأَ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأتُ من فِي رسول الله وَلَّ ... مِثْلَه، وفي
(١) في ((المصاحف)) له (٥٠) و(٥١).
(٢) تحرَّف ((زر)) في الأصلين و(س) إلى: بدر. وهذا الخبر بهذا الإسناد أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٥٠٩٦)،
وابن الصوّاف في «فوائده)) (٢٠) من طريق سلام أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن
ابن مسعود، وهو إسناد حسن.
(٣) عند مسلم (٢٤٦٢).

٩٨
باب ٨ / ح ٥٠٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
رواية خُمَير بن مالك المذكورة بيانُ السَّبَب في قول ابن مسعود هذا ولفظه: لمَّا أُمِرَ
بالمصاحفِ أن تُغَيَّر ساءَ ذلك عبدَ الله بن مسعود فقال: مَن استطاعَ ... وقال في آخره:
أفأترُك ما أخذتُ من في رسول الله وَّ؟! وفي رواية له(١): فقال: إنّي غالَّ مُصحَفي، فمَن
استطاعَ أن يَغُلَّ مُصحَفَه فليفعلْ، وعند الحاكم (٢٢٨/٢) من طريق أبي مَيسَرة قال: رُحْتُ
فإذا أنا بالأشعَريِّ وحُذَيفة وابن مسعود، فقال ابن مسعود: واللهِ لا أدفَعُه - يعني مُصحَفه -
أقرأَني رسول الله ێے، فذكره.
قوله: ((واللهِ لقد عَلِمَ أصحابُ رسول الله وَله أنّ مِن أعلمِهم بكتاب الله)) وَقَعَ في رواية
عَبْدة وأبي شِهاب جميعاً عن الأعمَش: أنّ أعلمُهم بكتاب الله، بحذفِ ((مِن)) وزاد: ولو
٤٩/٩ أعلمُ أنَّ/ أحداً أعلمُ مِنِّي لَرَحَلتُ إليه؛ وهذا لا يَنفي إثبات ((مِن)) فإنَّه نَفَى الأعلمية، ولم
يَنْفِ المساواة، وسيأتي مزيدٌ لذلك في الحديث الرّابع.
قوله: ((وما أنا بخيرِهم)) يُستَفاد منه أنَّ الزّيادة في صِفَة من صفات الفضل لا تقتضي
الأفضليَّ المطلقة، فالأعلميّة بكتاب الله لا تَستَلِزِمُ الأعلميّة المطلَقة، بل يحتمل أن يكون
غيرُه أعلمَ منه بعلوم أُخرى فلهذا قال: ((وما أنا بخيرهم))، وسيأتي في هذا بحث في ((باب
خيركم مَن تَعلَّمَ القرآن وعَلَّمَه)) (٥٠٢٧) إن شاءَ الله تعالى.
قوله: ((قال شَقِيق)) أي: بالإسناد المذكور: ((فجَلَسْتُ في الحَلَق)) بفتح المهملة واللام ((فما
سمعتُ رادّاً يقول غيرَ ذلكَ)) يعني: لم يَسمِعْ مَن يُخَالِف ابنَ مسعود يقول غير ذلك، أو
المراد: مَن يَرُدُّ قولَه ذلك.
ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٤٦٢): قال شَقِيق: فجلستُ في حَلَق أصحاب محمَّد ◌َلِّ فِما
سمعتُ أحداً يَرُدّ ذلك ولا يَعِيبه، وفي رواية أبي شِهاب: فلمَّا نزل عن المِنِبَر جلست في
الخَلَق فما أحدٌ يُنكِرِ ما قال؛ وهذا يُخْصِّص عموم قوله: ((أصحاب محمَّد نَّ)) بمَن كان
منهم بالكوفة، ولا يعارضُ ذلك ما أخرجه ابن أبي داود (٦٣ - ٦٤) من طريق الزُّهْريِّ عن
(١) أخرج هذه الرواية أبو داود الطيالسي في («مسنده)) (٤٠٥)، ومن طريقه ابن أبي داود السجستاني في
(«المصاحف)) (٥٢).

٩٩
باب ٨ / ح ٥٠٠١
كتاب فضائل القرآن
عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود، فذكر نحو حديث الباب
وفيه: قال الزُّهْريُّ: فَلَغَني أنَّ ذلك كَرِهَه من قول ابن مسعود رجالٌ من أصحاب
رسول الله وَّه؛ لأنَّه محمول على أنَّ الذينَ كَرِهوا ذلك من غير الصَّحابة الذينَ شاهَدَهم
شَقِيقٌ بالكوفة، ويحتمل اختلاف الجهة، فالذي نَفَى شَقِيقٌ أنَّ أحداً رَدَّه أو عابَه وصفُ ابن
مسعود بأنَّه أعلمهم بالقرآن، والذي أثبتَه الزُّهْرِيُّ ما يَتَعلَّق بأمره بغَلِّ المصاحف.
وكأنَّ مُرادَ ابن مسعود بغَلِّ المصاحف كَتْمُها وإخفاؤُها لئلّا تخرجَ فتُعدَم، وكأنَّ ابن
مسعود رأى خِلاف ما رأى عثمان ومَن وافَقَه في الاقتصار على قراءة واحدة وإلغاء ما عَدَا
ذلك، أو کان لا يُنکِرِ الاقتصار لما في عدمه من الاختلاف، بل کان یرید أن تکون قراءتُه
هي التي يُعوَّل عليها دون غيرها لما له من المزِيَّة في ذلك ممّا ليس لغيره، كما يُؤْخَذ ذلك
من ظواهر كلامه، فلمَّا فاتَه ذلك ورأى أنَّ الاقتصار على قراءة زيد ترجيحٌ بغير مُرَجِّح
عنده، اختارَ استمرار القراءة على ما كانت عليه، على أنَّ ابن أبي داود تَرجَمَ: ((باب رضى
ابن مسعود بعد ذلك بما صَنَعَ عثمان)) لكن لم يُورِدْ ما يُصرِّح بمُطابقة ما تَرجَمَ به.
الحديث الثالث:
٥٠٠١- حدَّثني محمَّدُ بنُ كَثِير، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ،
قال: كنَّا بحِمْصَ، فقرأ ابنُ مسعودٍ سورةَ يوسُفَ، فقال رجلٌ: ما هكذا أُنزِلَت، قال: قرأتُ
على رسولِ اللهِوَ﴿ه فقال: ((أحسنْتَ))، ووَجَدَ منه رِيحَ الخمرِ، فقال: أَّجَمَعُ أن تُكذِّبَ بكتاب الله
وتَشْرَبَ الخمرَ! فضَرَبَه الحدَّ.
قوله: ((كنَّا بحِمْصَ فقرأ ابن مسعود سورة يوسف)) هذا ظاهره أنَّ عَلْقمة حَضَرَ القصَّة،
وكذا أخرجه الإسماعيليّ عن أبي خَليفة عن محمَّد بن كثير شيخ البخاريّ فيه، وأخرجه
أبو نُعَيم من طريق يوسف القاضي عن محمَّد بن كثير فقال فيه: عن عَلْقمة قال: كان
عبد الله بحمصَ.
وقد أخرجه مسلم (٨٠١) من طريق جَرِير عن الأعمَش ولفظه: عن عبد الله بن مسعود

١٠٠
باب ٨ / ح ٥٠٠١
فتح الباري بشرح البخاري
قال: كنت بحِمصَ فقرأتُ، فذكر الحديث، وهذا يقتضي أنَّ عَلْقمة لم يَحَضُر القصَّة وإنَّما
نَقَلَها عن ابن مسعود، وكذا أخرجه أبو عَوَانة (٣٨٣٥) من طرق عن الأعمَش ولفظه:
كنتُ جالساً بحِمصَ، وعند أحمد (٣٥٩١) عن أبي معاوية عن الأعمَش قال: عن عبد الله:
أنَّه قرأ سورة يوسف، ورواية أبي معاوية عند مسلم (٨٠١) لكن أحالَ بها.
قوله: ((فقال رجل: ما هكذا أُنزِلَت)) لم أقِفْ على اسمه، وقد قيل: إنَّه نَهِيك بن سِنان
الذي تقدَّمَت له معَ ابن مسعود في القرآن قصَّةٌ غيرُ هذه، لكن لم أرَ ذلك صريحاً، وفي
رواية مسلم: فقال لي بعض القوم: اقرأْ علينا، فقرأتُ عليهم سورة يوسف، فقال رجل
من القوم: ما هكذا أُنزِلَت؛ فإن كان السائل هو القائل، وإلّا ففيه مُبهَم آخر.
قوله: ((فقال: قرأتُ على رسول الله وَ ﴿)) في رواية مسلم: فقلت: وَيُحَكَ، والله لقد
أقرأنيها رسول الله وَلّ.
قوله: ((ووَجَدَ منه ريحَ الخمر)) هي جُملة حاليَّةٌ، وَوَقَعَ في رواية مسلم: فبينما أنا أُكلِّمه إذ
وَجَدتُ منه ريح الخمر.
قوله: ((فضَرَبَه الحدَّ)) في رواية مسلم: فقلت: لا تَبرَحْ حتَّى أجلِدَكَ، قال: فجَلَدتُه
الحَدَّ.
٥٠/٩ قال النَّوَويّ: هذا محمول على أنَّ ابن مسعود كانت له/ ولايةُ إقامة الحدود نيابةً عن
الإمام، إمّا عُموماً وإمّا خُصوصاً، وعلى أنَّ الرجل اعتَرَفَ بشُربها بلا عُذْر، وإلّا فلا يجب
الحدُّ بمُجرَّدِ ريحها، وعلى أنَّ التَّكذيب كان بإنكار بعضه جاهلاً، إذ لو كَذَّبَ به حقيقةً
لكفرَ، فقد أجمعوا على أنَّ مَن جَحَدَ حرفاً مُجُمَعاً عليه من القرآن كفرَ. انتهى، والاحتمال
الأوَّل جيّد، ويحتمل أيضاً أن يكون قوله: ((فضَّرَبَه الحدَّ) أي: رَفَعَه إلى الأمير فضَرَبَه فأسنَدَ
الضَّربَ إلی نفسه مجازاً؛ لگونه كان سبباً فيه.
وقال القُرطُبيّ: إنَّما أقامَ عليه الحدَّ لأنَّه جَعَلَ له ذلك مَن له الولايةُ، أو لأنَّه رأى أنَّه
قامَ عن الإمام بواجبٍ، أو لأنَّه كان ذلك في زمان ولايته الكوفةَ فإنَّه وليَها في زمن عمر