Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة النجم
كتاب التفسير
﴿وَأَكْرَىَ﴾ [٣٤]: قَطَعَ عطاءَه.
﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [٤٩]: هو مِرْزَمُ الجَوْزاءِ.
﴿الَّذِى وَفَّىَ ﴾ [٣٧]: وَفَى ما فُرِضَ عليه.
﴿ أَزِفَتِ اَلْأَزِفَةُ﴾ [٥٧]: اقتَرَبَتِ الساعةُ.
﴿سَمِدُونَ﴾ [٢١]: البَرْطَمةُ.
وقال عِكْرِمةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالِحِمْبِرِيَّةِ.
وقال إبراهيمُ: ﴿ أَفَتُعَرُونَهُ﴾ [١٢]: أَفَتُجَادِلونَه. ومَن قرأَ: أَقَتَمْرُونَه، يعني: أَفَتَجْحَدُونَه.
﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾[١٧]: بَصَرُ محمَّدٍ لَّهِ.
﴿وَمَا طَفَى﴾ [١٧]: ولا جاوَزَ ما رَأَى.
﴿فَتَمَارَوْاْ﴾ [القمر: ٣٦]: كَذَّبوا.
وقال الحسنُّ: ﴿إِذَا هَوَى﴾ [١]: غابَ.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [٤٨]: أعطَى فأرضَى.
قوله: ((سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ - بِمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرِّ، وللباقينَ: ﴿وَالنَّجْرِ﴾
حَسْبُ، والمراد بالنَّجم: الثَُّيّا في قول مجاهد، أخرجه ابن عُيَينةَ في ((تفسيره)) (٢/ ٢٥٠) عن
ابن أبي نچیح عنه.
وقال أبو عبيدة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾: والنُّجوم، ذهب إلى لفظ الواحد وهو بمعنى الجميع،
قال الشّاعر:
وباتَت تَعُدُّ النَّجمَ في مُستَحِيرَةٍ (١)
(١) هذا صدر بيت للشاعر الأموي عُبيد بن حصين النُّميري، المشهور بالراعي النُّميري، وعَجُزه:
سَريع بأيدي الآكِلِينَ جُمُودُها
وقوله: ((في مستحيرة)) المستحيرة: هي الجفنة الكثيرة الدسم. وقد تصحفت في (أ) إلى: مُستجيرة، بالجيم،
وفي (س) إلى: مستجرة. ومعنى البيت: أنَّ هذه الجفنة ترى فيها نجوم السماء لصفائها وكثرة دسمها . =

٣٢٢
سورة النجم
فتح الباري بشرح البخاري
قال الطَّبَريُّ: هذا القول له وجهٌ، ولكن ما أعلم أحداً من أهل التَّأويل قالَه، والمختار قول
مجاهد. ثمَّ روى من وجه آخر عن مجاهد: أنَّ المراد به القرآن إذا نزلَ. ولابنِ أبي حاتم
بلفظ: النَّجم: نُجوم القرآن.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿ذُومِرَقِ﴾: ذو قُوّة)) وَصَلَه الغِرْيابيُّ بلفظ: ﴿شَدِيدُ الْقُوَىْ ذُومِرَقَ﴾:
قوّة جِبْريل، وقال أبو عبيدة: ﴿ذُومِرَةَ﴾ أي: شِدّة وإحكام. وروى الطََّرِيُّ من طريق عليّ
ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ذُومِرَقَ﴾ قال: ذُو خَلْق حَسَن.
قوله: ((﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: حيثُ الوَتَر من القَوْس)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، ووَصَلَه الفِرْيابيُّ
من طريق مجاهد بلفظِهِ. وقال أبو عُبيدة: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾، أي: قَدْر قَوسَينِ ﴿أَوْ أَدْنَ﴾: أو
أقرب.
قوله: (﴿ضِيرَىّ﴾: عَوْجَاءُ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً. وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن
فَتَادة: ضِيزَى: جائرة. وأخرج الطَّبَريُّ (٢٧/ ٦١) من وجه ضعيف عن ابن عبّاس مِثلَه.
وقال أبو عُبيدة: ناقصة، تقول: ضِزْتُهُ (١) حَقَّه: نَقَصُه.
قوله: ((﴿وَأَكْدَىَّ﴾: قَطَعَ عطاءَه)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظ: ((اقْتَطَعَ عطاءَه)).
وروى الطَّبَريُّ من هذا الوجه عن مجاهد: أنَّ الذي نزلت فيه هو الوليد بن المغيرة.
ومن طريق أُخرى مُنقَطِعة عن ابن عبّاس ﴿أَعْطَى قَلِيلًا ﴾ [النجم: ٣٤]، أي: أطاعَ قليلاً
ثُمَّ انقَطَعَ.
وأخرج ابن مَرْدويه من وجه لَيِّن عن ابن عبّاس أنَّها نزلت في الوليد بن المغيرة. وروى
عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة ﴿أَعْطَى قَلِيلًا ﴾ ثمَّ قَطَعَ ذلك. وقال أبو عبيدة: مأخوذ من
الكُذْية بالضَّمِّ، وهو أن يَحِفِر حتَّى يَيَأْسَ من الماء.
= انظر («ديوان الراعي النميري)) ١/ ٨١، و((ديوان الحماسة)) لأبي تمام ٢٢٤/٢.
(١) كذا في الأصلين، ووقع في (س): ((ضَازَه))، وكلاهما جائز، فقد قال أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)) عند سورة
النجم، بعد أن ذكر الأولى بغير همز: ربما همزها قوم فقالوا: أضأزتُه وأنا أضاَزه. وانظر ((مقاييس اللغة))
لا بن فارس (ضیز).

٣٢٣
سورة النجم
كتاب التفسير
قوله: ((﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾: هو مِرْزَمِ الجَوْزاء)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظه.
وأخرج الطََّرِيُّ من طريق خُصَيفٍ عن مجاهد قال: ﴿الشِّعْرَى﴾: الكوكب الذي خَلف
الجَوزاء كانوا يَعبُدُونَه. وأخرج الفاكِهيّ من طريق الكَلْبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال:
نزلت في خُزاعة وكانوا يَعبُّدُونَ الشِّعرَى، وهو الكوكب الذي يَتَبَع الجوزاء. وروى عبد الرَّزّاق
عن مَعمَر عن قَتَادة قال: كان ناس في الجاهليَّة يَعْبُدُونَ هذا النَّجم الذي يقال له: الشِّعرَى.
وأخرجه الطََّرِيُّ من وجه آخر عن مجاهد قال: النَّجم الذي يَتْبَع الجوزاء.
وقال أبو حنيفة الدِّينَوَريّ في ((كتاب الأنواء)): العُذْرَة والشِّعرَى: العَبُور والجَوْزاء في
نَسَق واحد، وهُنَّ نجوم مشهورة، قال: وللشِّعرَى ثلاثة أزمان: / إذا رُئيَت غُدْوةً طالعةً ٦٠٥/٨
فذاكَ صَمِيمِ الخَّ، وإذا رُئيَت عِشاءً طالعةً فذاكَ صَمِيم البَرد، ولها زمان ثالث وهو وقت
نَوئِها. وأحد كَوكَبَي الذُّراع المقبوضة هي الشِّعرَى الغُمَيصاء، وهي تقابل الشِّعرَى العَبُور،
والمَجَرّة بينهما، ويقال لكَوكَبها الآخَرِ الشَّماليّ: المِرْزَمُ؛ مِرزَم الذِّراع، وهما مِرْزمان، هذا
وآخرُ في الجوزاء، وكانت العرب تقول: انحَدَرَ سُهَيل فصارَ يَانياً، فتَبِعَته الشِّعرَى فعَبَرَت
إليه المَجَرّة، وأقامَت الغُمَيصاء فَبَكَت عليه حتَّى غَمِصَت عينُها، والشِّعْرَيَان: الغُمَيصاء
والعَبُور، يَطلُعان معاً.
وقال ابن التِّين: الِرْزَم، بكسر الميم وسكون الرَّاء وفتح الزّاي: نجم يُقابل الشِّعرَى من
جهة القِبْلة لا يُفارقها وهو الهَنْعةُ(١).
قوله: ((﴿الَّذِى وَقٌَّ ﴾: وَفَى ما نُرِضَ علیه)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ بلفظه، وروی سعید بن منصور
عن عَمْرو بن أوس قال: ﴿وَلََّ﴾ أي: بَلَّغَ.
وروى ابن المنذر من وجه آخر عن عَمْرو بن أوس قال: كان الرجل يُؤخَذ بذَنْب غيره
حتَّى جاء إبراهيم فقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَقَّ ◌َ أَلَّانَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. ومن
طريق هُذَيل بن شُرَحبيل نحوَه.
(١) وإنما سُمِّيَت مَنْعة من: هَنَعتُ الشيءَ: إذا عطفتَه وثنيتَ بعضه على بعضٍ، وكأن كل واحد منهما منعطف
على صاحبه. قاله الَّبيدي في ((تاج العروس)) مادة (هنع).

٣٢٤
سورة النجم
فتح الباري بشرح البخاري
وروى الطَّبَرِيُّ (٧٢/٢٧) بإسنادٍ ضعيف عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال:
كان النبيّ ◌َّه يقول: ((سَمَّى الله إبراهيمَ خليلَه ﴿الَّذِى وَقَ﴾، لأنَّه كان يقول كلَّما أصبَحَ
وأمسَى: ﴿فَسُبْحَنَ اُللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]. وروى عبد بن حُميدٍ
بإسنادٍ ضعيف عن أبي أمامةَ مرفوعاً: ((وَلَّى عَمَلَ يومه بأربع رَكَعاتٍ من أوَّل النَّهار))(١).
قوله: ((﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ﴾: اقتَرَبَت الساعةُ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ هنا، ويأتي في الرِّقاق(٢)،
وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد كذلك، وقال أبو عُبيدة: دَنَت القيامةُ.
قوله: (﴿سَِدُونَ﴾: البَرْطَمة)) كذا لهم، وفي رواية الحَمُّوِيّ والأَصِيلِيّ والقابِسِيّ: البَرَطَنة،
بالنّونِ بَدَل الميم.
((وقال عِكْرِمة: يَتَغَنَّونَ بِالِحِمْبَرِيَّةِ)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في
قوله: ﴿أَفِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ قال: مِن هذا القرآن ﴿ وَأَنْتُمْ سَيِّدُونَ﴾ قال: الْبَرَطَمة. قال:
وقال عِكْرمة: يَتَغَنَّونَ بالْحِمِيَرِيَّةِ. ورواه الطَّبَرِيُّ من هذا الوجه عن مجاهد قال: كانوا يَمُرّونَ
على النبيّ وََّ غِضاباً مُبَرَطِمِينَ. قال: وقال عِكْرمة: هو الغِناء بالحِمِيَرِيَّة.
وروى ابن عُبَينَةَ في ((تفسيره)) عن ابن أبي نَجِيح عن عِكْرمة في قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ﴾
هو الغِناء بالحِمِيَريَّة، يقولون: اسمُد لنا؛ أي: غَنِّ لنا.
وأخرجه أبو عُبيد في ((فضائل القرآن))(٣)، وعبد الرَّزّاق(٤) من وجهَينٍ آخرَينِ عن
عِكْرمة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سَعِدُونَ﴾ قال: الغِناء. قال عِكْرمة: وهي بلُغَة أهل
اليمن، إذا أراد اليَمَاني أن يقول: تَغَنَّ، قال: اسمُد. لفظ عبد الرَّزاق. وأخرجه من وجه
آخر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: لاهونَ. وعن مَعمَر عن قَتَادة قال: غافلونَ. ولابنِ
مَرْدويه من طريق محمَّد بن سُوقَة عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: مُعرِضونَ.
(١) وأخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١٩٧١)، وفي إسناده عافية بن أيوب، وهو ضعيف.
(٢) قبل الحديث (٦٥٣٠).
(٣) ٢/ ١٧٠.
(٤) في (تفسيره)) ٢/ ٢٥٥.

٣٢٥
سورة النجم
كتاب التفسير
تنبيه: البَرَطَمة، بفتح الموحّدة وسكون الرَّاء وفتح الطاء المهمَلة: الإعراض. وقال ابن
عُيَينَةَ: البَرَطَمة هكذا، ووَضَعَ ذَقَنه في صدره.
قوله: ((وقال إبراهيم: ﴿أَفَتُطَرُونَهُ﴾: أَفْتُجَادِلونَه)) وَصَلَه سعيد بن منصور عن هُشَيمٍ عن
مُغيرة عن إبراهيم النَّخَعيِّ، به. وجاء عن إبراهيم بهذا الإسناد فيه القراءةُ التي بعدَ هذه.
قوله: ((ومَن قرأ: أَفَتَمْرُونَه(١)، يعني: أفْتَجْحَدونَه)) كذا لهم، وفي رواية الحَمُِّيّ:
((أفتَجحَدونَ)) بغير ضمير، وقد وَصَلَه الطَّبَرِيُّ أيضاً (٢٧/ ٥٠) عن يعقوب بن إبراهيم عن
هُشَيمٍ عن مُغيرة عن إبراهيم أنَّه كان يقرأ((أفْتَمْرُونَه)) يقول: أفتَجحَدُونَه؛ فكأنَّ إبراهيم قرأ
بهما معاً وفَسَّرَهما، وقد صَرَّحَ بذلك سعيد بن منصور في روايته المذكورة عن هُشَيمٍ.
قال الطَّبَرِيُّ: وهكذا قرأ ابن مسعود وعامّة قُرّاء أهل الكوفة، وقرأها الباقونَ وبعض
الكوفيّينَ ﴿ أَفَتُرُونَهُ﴾، أي: تُجادِلونَه.
قلت: قرأها من الكوفّينَ عاصمٌ كالجمهورِ، وقال الشَّعْبيّ: كان شُرَيح يقرأ ﴿أَقَتُرُونَهُ﴾،
ومسروق يقرأ ((أفَتَمْرونَه))، وجاء عن الشَّعْبيّ أنَّه قرأها كذلك لكن بضمِّ التاء.
قوله: (﴿ مَا زَاغَ اْبَصَرُ﴾: / بَصَرُ محمَّد ◌َلِّ)) في رواية أبي ذرٍّ: ((وقال: ما زاغَ ... )) إلى آخره، ٦٠٦/٨
ولم يُعِّ القائل، وهو قول الفَرَّاء، وقال في قوله تعالى: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾: بَصَرُ محمَّد ◌َّة
يُقلِبه يميناً وشمالاً.
وأخرج الطََّرِيُّ (٢٧/ ٥٧) من طريق محمَّد بن كعب القُرَظيّ في قوله: ﴿ مَازَاغَ اَلْبَصَرُ﴾
قال: رأى محمّد حِبْريل في صورة الملَك. ومسألة الرُّؤية مشهورة سيأتي ذِكْرها في شرح
حديث عائشة (٤٨٥٥) في هذه السُّورة.
قوله: (﴿وَمَا طَنَى﴾: وما جاوَزَ ما رَأى)) في رواية الكُتْمِيهنيِّ: ((ولا)) بَدَل ((وما))، هو بَقِيَّة
كلام الفَرّاءَ أيضاً، ولفظه: ((وما جاوَزَ)). وروى الطََّرِيُّ من طريق مسلم البُطَين عن ابن عبّاس
(١) في (س): أفْتُمارونَه، بالألف، وهو خطأ، وقد قرأ حمزة والكسائي ((أفتَمْرونه)) بفتح التاء بغير ألف، وقرأ
الباقون ((أفْتُمارُونَه)) بضم التاء وبألف. انظر ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص ٦١٤ -٦١٥.

٣٢٦
سورة النجم / ح ٤٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
في قوله: ﴿ مَازَاغَ الْبَصَرُ﴾: ما ذهب يميناً ولا شِمالاً ﴿وَمَا طَنَى﴾: ما جاوَزَ ما أُمِرَ به.
قوله: ((﴿فَتَمَارَوْا﴾: كَذَّبوا)) كذا لهم، ولم أرَ في هذه السّورة ﴿فَتَمَارَوْاْ﴾ وإنَّما فيها
أَفَتُتَرُونَهُ﴾ وقد تقدَّم ما فيها، وفي آخرها ﴿ نَتَعَلَى﴾ [النجم: ٥٥]، ولعلَّه انتقالٌ من بعض
النُّاخِ، لأنَّ هذه اللَّفظة في السّورة التي تَلي هذه، وهي قوله: ﴿فَتَمَارَوْاْ بِالنَّذُرِ ﴾ [القمر: ٣٦].
وحَكَى الكِرْمانيُّ عن بعض النُّسَخ هنا ﴿نَتَمَارَى﴾: تُكذِّب. ولم أقِفْ عليه، وهو بمعنى
ما تقدَّم، ثمَّ ظَهَرَ لي بعد ذلك أنَّه اختَصَرَ كلام الفَرّاء، وذلك أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿فَأَيِّ
ءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥]؛ قال: فبأيِّ نِعمة رَبّك تُكذِّب أنّها ليست منه، وكذلك قوله:
﴿فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ﴾: كَذَّبوا بالنُّذُرِ.
قوله: ((وقال الحسَنُ: ﴿إِذَا هَوَى﴾: غابَ)) وَصَلَه عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة عنه.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾: أعطَى فأرضَى)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق
عليّ بن أبي طلحة عنه. وأخرج الفِرْيابيُّ من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: أقْنَى: قَنَّعَ،
ومن طريق أبي رَجَاء عن الحسن قال: أخدَمَ. وقال أبو عبيدة: أقْنَى: جَعَلَ له ◌ِنْيَةً، أي:
أُصول مال، قال: وقالوا: أقنَى: أرضَى؛ يشير إلى تفسير ابن عبّاس. وتحقيقه أنَّه حَصَلَ له
قِنْيةٌ من الرِّضا(١).
١ - بابٌ
٤٨٥٥- حدَّثنا يحيى، حدَّثنا وَكِيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامٍ، عن مَسْروقٍ،
قال: قلتُ لعائشةَ رضي الله عنها: يا أُمَّنَاهْ، هل رَأى محمَّدٌ وَّهِ رَبَّه؟ فقالت: لقد قَفَّ شَعَري ممََّ
قلتَ! أينَ أنتَ من ثلاثٍ، مَن حدَّثْكَهُنَّ فقد كَذَبَ: مَن حدَّثْكَ أنَّ محمَّداًّ ◌َ رَأَى رَبَّه فقد
كَذَبَ، ثمَّ قرأت: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرُِ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
[الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحيًا أَوْ مِن وَرَآٍ چاپٍ﴾ [الشورى: ٥١]، ومَن
(١) وهذا التحقيق قاله الراغب الأصفهاني في ((المفردات في غريب القرآن)) له ٤١٤/١، مادة ((قنى))، وانظر
«إرشاد الساري» للقسطلاني ٣٥٩/٧.

٣٢٧
سورة النجم/ ح ٤٨٥٥
كتاب التفسير
حدَّثكَ أَنَّه يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فقد كَذَبَ، ثمَّ قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾
[لقمان:٣٤]، ومَن حدَّثْكَ أَنَّه كَتَمَ، فقد كَذَبَ، ثمَّ قرأتْ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّبِّكَ﴾ الآيةَ [المائدة: ٦٧]، ولكنَّه رَأى جِبْرِيلَ عليه السلام في صُورتِهِ مَرَّتَينِ.
٢
قوله: «حدّثنا یحیی)) هو ابن موسى.
قوله: ((عن عامر)) هو الشَّعْبيّ.
قوله: ((عن مَسْروق)) في رواية التِّرمِذيّ زيادة قِصّةٍ في سياقه، فأخرج من طريق مُجالد
عن الشَّعْبِيّ قال: لَقِيَ ابن عبّاس كعباً بعَرَفة فسألَه عن شيء فكبَّر كعبٌ حتَّى جاوَبَته
الجبالُ، فقال ابن عبّاس: إنّا بنو هاشم، فقال له كعب: إنَّ الله قَسَمَ رُؤيَته وكلامه. هكذا في
سياق التِّرمِذيّ (٣٢٧٨)، وعند عبد الرَّزّاق من هذا الوجه: فقال ابن عبّاس: إنّا بنو هاشم
نقول: إنَّ محمَّداً رأى رَبّه مرَّتَينِ، فکبَّر کعب، وقال: إنَّ الله قَسَمَ رُؤيته و كلامه بین موسی
ومحمّد، فكَلَّمَ موسى مرَّتَينٍ، ورآه محمَّد مرَّتَينِ. قال مسروق: فدَخَلت على عائشة فقلت:
هل رأى محمَّد رَبّه؟ الحديث(١).
ولابنِ مَرْدويه من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن / الشَّعْبيّ عن عبد الله بن الحارث ٦٠٧/٨
ابن نَوفَل عن كعب مِثلُه، قال - يعني الشَّعْبيُّ -: فأتى مسروق عائشةَ، فذكر الحديثَ،
فَظَهَرَ بذلك سببُ سؤال مسروق لعائشة عن ذلك.
قوله: ((يا أُمَّتاه)) أصله يا أمّ والهاء للسَّكتِ، فأُضيفَ إليها ألِف الاستغاثة(٢)، فأُبدِلَت
(١) هو في ((تفسيره)) ٣/ ٢٥٢ من الوجه المذكور مع اختلاف طفيف في بعض ألفاظه.
(٢) لقد جانب الحافظ الصواب في قوله هذا، لأنَّ هذه الألف هي المنقلبة عن ياء المتكلم قبل أن يدخل النداءَ
التغييرُ والحذفُ، ومن النحاة من قال: إنَّ هذه الألف في قوله: ((يا أمَّتاه)) ليست هي المنقلبة عن ياء
المتكلم، ما هي إلّا حرفٌ هجائيّ زائد لمدِّ الصوت، والتاء هي العوض عن الياء المحذوفة، ومهما يكن
فليست هي ألف الاستغاثة، ولهذا قال العينيّ في ((عمدة القاري)) ١٩٨/١٩ في سياق ردِّه على قول
الحافظ أنها ألف الاستغاثة: لم يقل أحدٌ ممن يؤخذ عنه أنَّ الألف للاستغاثة ، وأين الاستغاثة هاهنا؟!
وانظر (الكتاب)) لسيبويه ٢/ ٢١١، و((الأصول في النحو)) لابن السراج ١/ ٣٤٠ الذي أطنب في ذكر
وجوه لغات المضاف إلى ياء المتكلم.

٣٢٨
سورة النجم / ح ٤٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
تاء، وزيدَت هاء السَّكت بعد الألف. ووَقَعَ في كلام الخطَّبيِّ: إذا نادَوا قالوا: يا أمَّه عند
السَّكت، وعند الوَصل يا أُمَّت بالمثنّة، فإذا افتَتَحوا(١) للُّدبة قالوا: يا أمَّتاه، والهاء
للسَّكتِ. وتَعقَّبَه الكِرْمانيُّ بأنَّ قول مسروق: يا أمَّتاه ليس للنُّدبة، إذ ليس هو تَفَجُّعاً
علیھا، وهو كما قال.
قوله: ((هل رَأْى محمَّدٌ وَالَرَبَّه؟ قالت: لَقد قَفَّ شَعَري)) أي: قامَ من الفَزَع، لمَا حَصَلَ
عندها من هَيبة الله واعتَقَدَته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك.
قال النَّضر بن شُمَيلِ: القَفَّةُ(٢)، بفتح القاف(٣) وتشديد الفاء: كالقُشَعْرِيرة، وأصله التَّقُّض
والاجتماع، لأنَّ الجِلد يَنقَبض عند الفَزَع فيقوم الشَّعر لذلك.
قوله: ((أينَ أنتَ من ثلاث؟)) أي: كيف يَغيب فَهمُّك عن هذه الثلاث؟ وكان ينبغي
لك أن تكون مُستَحضِرَها ومُعتَقِداً كَذِب مَن يَدَّعي وُقوعها.
قوله: ((مَن حدَّثْك أنَّ محمَّدَاً وَ رَأَى رَبّه فقد كَذَبَ)) تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٢٣٤) من
رواية القاسم بن محمَّد عن عائشة: مَن زَعَمَ أنَّ محمَّداً رأى رَبّه فقد أعظَمَ. ولمسلمٍ (١٧٧)
في (٤) حديث مسروق المذكور من طريق داود بن أبي هِند عن الشَّعْبيّ: فقد أعظَمَ على الله
الفِرْية.
قوله: ((ثُمَّ قرأت: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ))) قال النَّوَويّ تَبَعاً لغيرهِ: لم تَنفِ عائشة
وقوع الرُّؤية بحديثٍ مرفوع ولو كان معها لَذكرتْهُ، وإنَّما اعتَمَدَت الاستنباطَ على ما ذكرته
من ظاهرِ الآية، وقد خالَفَها غيرُها من الصَّحابة، والصَّحابيُّ إذا قال قولاً وخالَفَه غيرُه
منهم لم يكن ذلك القول حُجّة اتِّفاقاً، والمراد بالإدراكِ في الآية الإحاطةُ، وذلك لا يُنافي
الرُّؤية، انتھی.
(١) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّف في (س) إلى: فتحوا.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: القَفّ.
(٣) وذكر الفيروزآبادي في ((القاموس)) (قفف) أنَّ القاف فيه مثلثَّةً.
(٤) تحرف في (س) إلى: من.

٣٢٩
سورة النجم/ ح ٤٨٥٥
كتاب التفسير
وجَزمُه بأنَّ عائشة لم تَنْفِ الرُّؤية بحديثٍ مرفوع تَبِعَ فيه ابنَ خُزَيمَةَ، فإنَّه قال في كتاب
التوحيد من ((صحيحه)(١): النَّفي لا يوجِب عِلماً، ولم تَحَكِ عائشة أنَّ النبيَّ ◌َّهِأَخْبَرَها أنَّه لم يَرَ
رَبَّه، وإِنَّمَا تَأوَّلَت الآية. انتهى، وهو عجيب، فقد ثَبَتَ ذلك عنها في ((صحيح مسلم)) (١٧٧)
الذي شَرَحَه الشَّيخ، فعنده من طريق داود بن أبي هِند عن الشَّعْبيّ عن مسروق في الطَّريق
المذكورة قال مسروق: وكنت مُتَّكِئاً فجلست فقلت: ألم يَقُلِ اللهُ: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾؟
فقالت: أنا أوَّلُ هذه الأُمّة سألَ رسولَ اللهِّهِ عن ذلك، فقال: ((إنَّما هو جِبْريل)). وأخرجه ابن
مَرْدويه من طريق أُخرى عن داود بهذا الإسناد: فقالت: أنا أوَّلُ مَن سألَ رسول الله وَ ل عن
هذا فقلت: يا رسول الله، هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: ((لا، إنَّما رأيت جِبْرِيل مُنهَِطا).
نعم، احتجاجُ عائشة بالآية المذكورة خالَفَها فيه ابنُ عبّاس، فأخرج التِّرمِذيّ (٣٢٧٩)
من طريق الحَكَم بن أبان عن عِكْرمة عن ابنِ عبَّاس قال: رأى محمَّد رَبَّه، قلت: أليس الله
يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ﴾؟ قال: ويحكَ، ذاكَ إذا تَجلَّى بنُوره الذي هو نورُه، وقد رأى
رَبَّ مرَّتَينٍ. وحاصله أنَّ المراد بالآية نفيُ الإحاطة به عند رؤياه، لا نفيُ أصل رُؤياه.
واستَدَلَّ القُرطُبيّ في ((المفهم)) لكَوْنِ(٢) الإدراك لا يُنافي الرُّؤية بقوله تعالى حكايةً عن
أصحاب موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ قَالَ كَلَّ﴾ [الشعراء: ٦١ -
٦٣]، وهو استدلال عجيب؛ لأنَّ مُتَعلَّق الإدراك في آية الأنعام البَصَرُ، فلمَّا نُفيَ كان ظاهره
نفيَ الرُّؤية، بخِلَاف الإدراك الذي في قِصّة موسى، ولولا وجود الأخبار بتُبُوتِ الرُّؤية ما
ساغَ العُدول عن الظّاهر. ثمَّ قال القُرطُبيّ: الأبصار في الآية جمعٌ مُحُلَّى بالألفِ واللّام فيقبل
التَّخصيص، وقد ثَبَتَ دليل ذلك سَمعاً في قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾
[المطففين: ١٥]، فيكون المراد الكفّار، بدليل قوله تعالى في الآية الأُخرى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةً
(٢) إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، قال: وإذا جازَت في الآخِرة جازَت في الدُّنيا، لتَساوي
الوقتینِ بالنِّسبة إلى المرئيّ. انتھی، وهو استدلال جیِّد.
(١) تحت الحديث (٣٢٧) من كتاب التوحيد.
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: لأنَّ.

٣٣٠
سورة النجم/ ح ٤٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
٦٠٨/٨
وقال عياض: رؤية الله سبحانه وتعالى جائزة عقلاً،/ وثَبَتَت الأخبار الصّحيحة
المشهورة بوقوعِها للمؤمنينَ في الآخرة، وأمَّا في الدُّنيا فقال مالكٌ: إنَّما لم يُرَ سبحانه في
الدُّنيا لأنَّه باقٍ، والباقي لا يُرَى بالفاني، فإذا كان في الآخِرة ورُزِقوا أبصاراً باقيةً رأوا
الباقيَ بالباقي. قال عياض: وليس في هذا الكلام استحالة الرُّؤية إلّا من حيثُ القُدرةُ،
فإذا أَقدَرَ(١) اللهُ مَن شاءَ من عِباده عليها لم يَمتَنِعِ.
قلت: ووَقَعَ في ((صحيح مسلم))(٢) ما يُؤْيِّد هذه التَّفْرِقة في حديث مرفوع فيه:
((واعلموا أنَّكم لن تَرَوْا رَبَّكم حتَّى تَموتوا))، وأخرجه ابنُ خُزَيمةَ(٣) أيضاً من حديث أبي
أُمامةَ، ومن حديث عُبَادة بن الصّامت(٤)، فإن جازَت الرُّؤية في الدُّنيا عقلاً فقد امتَنَعَت
سَمعاً، لكن مَن أثبتَها للنبيِّ وَليم له أن يقول: إنَّ المتكلِّم لا يَدخُل في عُموم كلامه.
وقد اختَلَفَ السَّلَف في رُؤية النبيِّ وَ ﴿ رَبَّه، فذهبَت عائشة وابنُ مسعود إلى إنكارها،
واختُلِفَ عن أبي ذرِّ، وذهب جماعة إلى إثباتها، وحَكَى عبد الرَّزّاق(٥) عن مَعمَر عن الحسن
أنَّه حَلَفَ أنَّ محمَّداً رأى رَبَّه. وأخرج ابنُ خُزيمةَ عن عُرْوة بن الزُّبَيرِ إثباتها، وكان يَشتَدّ
عليه إذا ذكر له إنكار عائشة، وبه قال سائر أصحاب ابنِ عبَّاس، وجَزَمَ به كعب الأحبار
والزُّهْريّ وصاحبُه مَعمَر وآخرون، وهو قول الأشعَريّ وغالب أتباعه. ثمَّ اختلفوا هل
رآه بعينه أو بقلبه؟ وعن أحمد كالقولَينِ.
قلت: جاءت عن ابنِ عبَّاس أخبار مُطلَقةٌ وأُخرى مُقيَّدة، فيجب حَملُ مُطلَقها على
مُفِيَّدها، فمن ذلك ما أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٤٧٥) بإسنادٍ صحيح وصَحَّحَه الحاكم أيضاً
(٦٥/١ و٢٨٢/٢) من طريق عِكْرمة عن ابنِ عبَّاس، قال: أتعجبونَ أن تكونَ الخُلّة لإبراهيم
(١) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّفت في (س) إلى: قدَّر.
(٢) لم يخرجه مسلم، وهو عند ابن ماجه في ((سننه)) (٤٠٧٧)، وإسناده ضعيف.
(٣) في كتاب ((التوحيد) له برقم (٢٧٠).
(٤) لم نقف عليه في المطبوع من مصنفاته، وأخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٢٧٦٤)، والنسائي في ((الكبرى))
(٧٧١٦)، وفي إسناده عندهما بقيَّة بن الوليد، وهو ضعيف.
(٥) في ((تفسيره)) ٢٥٣/٢.

٣٣١
سورة النجم/ ح ٤٨٥٥
كتاب التفسير
والكلام لموسى والرُّؤية لمحمَّدٍ؟ وأخرجه ابنُ خُزيمةَ(١) بلفظ: إنَّ الله اصطَفَى إبراهيم
بالخُلّة؛ الحديث.
وأخرج ابنُ إسحاق من طريق عبد الله بن أبي سَلَمةَ: أنَّ ابنَ عمر أرسَلَ إلى ابنِ عبّاس:
هل رأى محمَّد رَبَّه؟ فأرسَلَ إليه: أنْ نعم.
ومنها ما أخرجه مسلم (١٧٦/ ٢٨٥) من طريق أبي العاليَة عن ابنِ عبَّاس في قوله تعالى:
﴿ مَكَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَنَ﴾ ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رأى رَبَّه بفُؤادِهِ مرَّتَينِ. وله (١٧٦ /٢٨٤)
من طريق عطاء عن ابنِ عبَّاس قال: رآه بقلبه.
وأصرَحُ من ذلك ما أخرجه ابنُ مَرْدويه من طريق عطاء أيضاً عن ابنِ عبَّاس قال: لم
يَرَه رسول الله وَّهِ بِعَينه، إنَّما رآه بقَلبه. وعلى هذا فيُمكِن الجمع بين إثبات ابنِ عبَّاس
ونَفْي عائشة بأن يُحمَل نفيُها على رُؤية البَصَر، وإثباتُه على رُؤية القلب. ثمَّ المراد بُرُؤية
الفُؤاد رُؤية القلب لا ◌ُجرَّد حصول العلم، لأنَّه وَلَ كان عالماً بالله على الدَّوام، بل مُراد
مَن أثبَتَ له أنَّه رآه بقلبه أنَّ الرُّؤية التي حَصَلَت له خُلِقَت في قلبه كما يَخْلُقَ الرُّؤية
بالعين لغيرِه، والرُّؤية لا يُشتَرَط لها شيءٌ مخصوصٌ عقلاً، ولو جَرَت العادة بخَلقِها في
العين.
وروى ابنُ خُزَيمةَ(٢) بإسنادٍ قويّ عن أنسٍ قال: رأى محمَّد رَبَّه، وعند مسلم (١٧٨)
من حديث أبي ذرٍّ: أنَّه سألَ النبيّ وَّه عن ذلك فقال: ((نورٌ أَنَّى أراه))، ولأحمد (٢١٤٩٨)
عنه، قال: ((رأيت نوراً))، ولابنٍ خُزَيمةَ(٣) عنه قال: رآه بقَلْبه ولم يَرَه بعينِهِ. وبهذا يَتَبيَّنُ مُراد
أبي ذرِّ بذِكْره النُّورَ؛ أي: النُّورُ حَالَ بین رُؤْيَته له ببَصَرِه.
وقد رَجَّحَ القُرطُبيّ في ((المفهم)) قول الوَقف في هذه المسألة، وعزاه لجماعة من
المحَقِّقينَ، وقَوّاه بأنَّه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استَدَلَّ به للطّائفَتَيْنِ ظَواهرُ
(١) في كتاب ((التوحيد)) برقم (٢٧٢).
(٢) في کتاب «التوحید) له برقم (٥٩٧) ..
(٣) في كتاب ((التوحيد)) برقم (٣١٠).

٣٣٢
سورة النجم/ ح ٤٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
مُتَعارضةٌ قابلة للتَّأويلِ، قال: وليست المسألة من العَمَليّات فيُكتَفى فيها بالأدلّة الظَّنِّيَّة،
وإنَّما هي من المعتَقَدات، فلا يُكتَفى فيها إلّا بالدَّليلِ القطعيّ.
وجَنَحَ ابنُ خُزَيمةَ في ((كتاب التوحيد)) (٣٣٧/١ -٣٣٨) إلى ترجيح الإثبات وأطنَبَ
في الاستدلال له بما يَطول ذِكْره، وحَمَلَ ما وَرَدَ عن ابنِ عبَّاس على أنَّ الرُّؤيا وَقَعَت مَرَّتَينِ؛
مرَّةً بعينِهِ ومرَّةً بقلبه، وفيما أورَدتُه من ذلك مَقْنَعُ.
ومَمَّن أثبَتَ الرُّؤية لنبيِّنَا وَّةِ الإمام أحمدُ، فروى الخِلاف في ((كتاب السُّنّة)) عن المروزيِّ:
قلت لأحمد: إنَّهم يقولون: إنَّ عائشة قالت: مَن زَعَمَ أنَّ محمَّداً رأى رَبَّه، فقد أعظَمَ على الله
٦٠٩/٨ الفِرْية؛ فبأيِّ شيءٍ يُدفَع قولها؟ قال: بقولِ النبيِّنَّهِ: ((رأيت رَبّ))(١)، قولُ النّبِّ ◌َِ/ أكبرُ
من قولها.
وقد أنكَرَ صاحبُ ((الْهَدْي) على مَن زَعَمَ أنَّ أحمدَ قال: رأى رَبَّه بعينَي رأسه، قال:
وإنَّما قال مرَّة: رأى محمَّد رَبَّه، وقال مرَّة: رآه (٢) بِفُؤادِه. وحَكَى عنه بعض المتأخّرينَ: رآه
بعينَي رأسِه، وهذا من تَصَرُّف الحاكي، فإنَّ نُصوصَه موجودة. ثمَّ قال: ينبغي أن يُعلم
الفَرق بين قولهم: كان الإسراء مَناماً، وبين قولهم: كان بُرُوحِه دونَ جسدِه، فإنَّ بينهما
فرقاً، فإنَّ الذي يراه النائم قد يكون حقيقة بأن تَصعَد الرّوح مثلاً إلى السماء، وقد يكون
من ضَرْب المثَل أن يرى النائم ذلك وروحه لم تَصعَد أصلاً، فيحتمل مَن قال: أُسريَ
بروحِه ولم يَصعَد جسدُه، أراد أنَّ رُوحَه عُرِجَ بها حقيقة فصَعِدَت ثمَّ رَجَعَت وجسدُه باقٍ
في مكانه خَرْقاً للعادة، كما أنَّه في تلك اللَّيلة شُقَّ صَدرُه والْتَأْمَ وهو حَيُّ يَقظانُ لا يَجِد
بذلك ألماً، انتهى.
وظاهرُ الأخبار الواردة في الإسراء تأبى الحملَ على ذلك، بل أُسريَ بجسدِه ورُوحِه وعُرِجَ
بهما حقيقة في اليَقَظة، لا مَناماً ولا استغراقاً، والله أعلم.
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢٥٨٠) من حديث ابن عباس. وانظر تمام الكلام عليه هناك.
(٢) قوله: ((رآه)) سقط من (س).

٣٣٣
سورة النجم / ح ٤٨٥٥
كتاب التفسير
وأنكَرَ صاحبُ ((الهَدْي)) أيضاً على مَن زَعَمَ أنَّ الإسراء تَعَدَّدَ واستَنَدَ إلى استبعاد أن
يَتَكَرَّر قوله: ((ففَرَضَ عليه خمسين صلاةً وطلبَ التَّخفيف)) إلى آخِرِ القِصّة، فإنَّ دَعَوَى
التعدُّد تَستَلزِم أنَّ قوله تعالى: ((أمضَيتُ فريضَتي وخَفَّفت عن عِبادي))(١) أنَّ فَرْضِيَّة
الخمسينَ وقَعَت بعد أن وَقَعَ التَّخفيف، ثمَّ وَقَعَ سؤال التَّخفيف والإجابة إليه وأُعيدَ:
((أمضَيتُ فریضَتي)) إلى آخره، انتهى.
وما أظنّ أحداً ممَّن قال بالتعدُّدِ يَلتَزِم إعادة مِثل ذلك يَقَظة، بل يجوز وقوعُ مِثل ذلك
مَناماً ثمَّ وُجوده يَقَظة كما في قِصّة المبعَث، وقد تقدَّم تقريرها. وتجويزُ تكرير ما كُرِّرت
أسبابُه لا(٢) تُبعِد العادةُ تكريرَ وقوعه كاستفتاح السماء وقولِ كلِّ نبيِّ ما نُسِبَ إليه، بل
الذي يُظَنّ أنَّه تَكَرَّرَ مِثل حديث أنسٍ رَفَعَه: ((بَيْنا أنا قاعدِ إذ جاء جِبْرِيل فوَكَزَ بین کَتِفِيَّ،
فقُمت إلى شَجَرة فيها مِثْل وَكْرَي الطائرِ، فَقَعَدت في أحدِهما وقَعَدَ چِبْريل في الأُخرى،
فسَمَتْ وارتَفَعَت حتَّى سَدَّت الخافقَينِ، وأنا أُقْلِّ طَرْفي، ولو شِئتُ أن أمَسَّ السماء
لَمَسِسْتُ، فالتَّفَتُّ إلى جِبْرِيل كأنَّه حِلْسٌ لاطىٌ وفَتَحَ باباً من أبواب السماء، فرأيت النّور
الأعظم، وإذا دُونَ الِحِجاب رَفْرَفَةُ الدُّرّ والياقوت، فأوحَى إلى عبده ما أوحَى)) أخرجه
البزَّار (٧٣٨٩) وقال: تفرَّد به الحارث بن عُمَير وكان بصريّاً مشهوراً. قلت: وهو من
رجال البخاريّ.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآمٍ حِجَابٍ﴾ هو دليل ثانٍ اسْتَدَلَّت
به عائشة على ما ذهبت إليه من نفي الرُّؤية. وتقريرُه أنَّه سبحانه وتعالى حَصَرَ تكليمَه
لغيره في ثلاثة أوجُهِ، وهي الوحي بأن يُلقي في روعه ما يَشاء، أو يُكلِّمه بغير واسطةٍ (٣) من
وراءِ حِجاب، أو يُرسِل إليه رسولاً فيُبُلِّغه عنه، فَيَسْتَلِزِم ذلك انتِفاء الرُّؤية عنه حالةَ التكلُّم.
(١) سلف برقم (٣٢٠٧).
(٢) كذا في (ع) على الصواب، ووقع في (أ): ((ويجوز تكرير لزومه أسبابه ولا يبعد))، وفي (س): ((ويجوز
تكرير إنشاء الرؤية ولا تبعد))، ولا يستقيم المعنى في سياق أيٍّ منهما.
(٣) في (س): أو يكلِّمه بواسطة. وهو خطأ يُحِلِّ بالمعنى. وانظر ((عمدة القاري)) ١٩٨/١٩.

٣٣٤
سورة النجم / ح ٤٨٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
والجواب: أنَّ ذلك لا يَسْتَلِزِمِ نفيَ الرُّؤية مُطلَقاً، قاله القُرطُبيّ، قال: وعامّة ما يقتضي نَفْيَ
تكليم الله، على غير هذه الأحوال الثلاثة، فيجوز أنَّ التّكليم لم يقع حالةَ الرُّؤية.
قوله: ((ومَن حدَّثك أنَّه يَعْلم ما في غَدٍ فقد كَذَبَ، ثمَّ قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدًا﴾ ... )) إلى آخره، تقدَّم شرح ذلك واضحاً في تفسير سورة لُقمان (٤٧٧٧).
قوله: ((ومَن حدَّثْك أنَّه كَتَمَ فقد كَذَبَ، ثمَّ قرأت: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ﴾ الآية» يأتي شرحه
في کتاب التوحید (٧٥٣١).
قوله: ((ولكن رَأَى جِبْرِيلَ في صُورته مرَّتَينٍ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((ولكنَّه))، وهذا
جوابٌ عن أصل السُّؤال الذي سألَ عنه مسروق كما تقدَّم بيانه وهو قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ
مَا رَأَ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، ولمسلم (١٧٧/ ٢٩٠) من وجه آخر عن مسروق:
أنَّه أتاه في هذه المرّة في صورته التي هي صورته فسَدَّ أُفُق السماء، وله (١٧٧ / ٢٨٧) في
رواية داود بن أبي هِند: ((رأيته مُنَبطاً من السماء سادّاً عِظَمُ خَلقِه ما بين السماء والأرض»،
وللنَّسائيِّ (ك١١٤٧٧) من طريق عبد الرَّحمن بن يزيد عن ابن مسعود: أبصَرَ جِبْرِيلَ ولم
◌ُصِر ربَّه.
٦١٠/٨
٢ - بابٌ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَ﴾ [النجم: ٩]
حيثُ الوَتَرُ مِن القَوْس
٤٨٥٦- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الشَّيبانيُّ، قال: سمعتُ زِرّاً، عن
عبدِ الله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ن ◌َأَوْحَىَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾، قال: حدّثنا ابنُ مَسْعودٍ:
أنَّه رَأی چِبریلَ له سِتُّ مئةِ جناحٍ.
قوله: ((باب ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَ﴾ حيثُ الوَتَر من القَوس)) تقدَّم هذا التَّفسير قريباً
عن مجاهد، وثَبَتَت هذه التَّرجمة لأبي ذرٍّ وحده، وهي عند الإسماعيليّ أيضاً. والقابُ: ما بين
القَبضة والسِّيّةِ (١) من القَوْس.
(١) السِّية: هي طرف القوس.

٣٣٥
سورة النجم/ ح ٤٨٥٦
كتاب التفسير
قال الواحديّ: هذا قول ◌ُمهور المفسّرينَ أنَّ المراد القَوسُ التي يُرمَى بها. قال: وقيل
المراد بها الذِّراع لأنَّه يُقاسُ بها الشَّيء. قلت: وينبغي أن يكون هذا القول هو الرَّاجِح، فقد
أخرج ابن مَرْدويه بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس قال: القابُ: القَدْرُ، والقَوسَينِ: الذِّراعين(١).
ويُؤيِّده أنَّه لو كان المراد به القَوْس التي يُرمَى بها لم يُمثَّل بذلك ليُحتاجَ إلى اللَّثنية، فكان
يقال مثلاً: قابَ رُمح أو نحو ذلك. وقد قيل: إنَّه على القلب والمراد: فكان قابي قوس، لأنَّ
القابَ ما بين المَقِض إلى السِّيّة، فلِكلِّ قَوسِ قابان بالنّسبة إلى حافَتَهِ(٢).
وقوله: ((﴿أَوْأَدْنَ﴾))، أي: أقرَب.
قال الزَّجّاج: خاطَبَ اللهُ العربَ بما أَلِفُوا، والمعنى: فيما تَقِدِرونَ أنتم عليه، والله تعالى
عالمٌ بالأشياءِ على ما هي عليه لا تَرَدُّد عنده.
وقيل: ((أو)) بمعنى (بَلْ)) والتقدير: بل هو أقربُ من القَدْر المذكور، وسيأتي بيان الاختلاف
في معنى قوله: ﴿فَدَلَ﴾ في كتاب التوحيد (٧٥١٧) إن شاء الله تعالی.
قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)) هو ابن زياد، وسليمان: هو الشَّيبانيّ، وزِرّ: هو ابن حُبَيشٍ.
قوله: ((عن عبد الله ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَ ﴿ فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾ قال: حدَّثنا
ابن مسعود أنَّه رأى جِبْريل)) هكذا أورَدَه، والمراد بقوله: ((عن عبد الله)) وهو ابن مسعود،
أنَّه قال في تفسیر هاتَينِ الآیتینِ ما سأذكرُه، ثمّ استأنفَ فقال: حدّثنا ابن مسعود، ولیس
المراد أنَّ ابن مسعود حدَّث عبد الله كما هو ظاهر السّياق، بل عبد الله هو ابن مسعود. وقد
أخرجه في الباب الذي يليه من وجه آخر عن الشَّيبانيِّ فقال: سألت زِرّاً عن قوله، فذكره،
ولا إشكالَ في سِيَاقه. وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) من طريق سليمان بن داود
الهاشميّ عن عبد الواحد بن زياد عن الشَّيبانيِّ قال: سألت زِرّ بن حُبَيَشٍ عن قول الله:
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَ﴾ فقال: قال عبد الله: قال رسول الله مَلَه، فذكره.
(١) وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٦٠٣).
(٢) كذا في (ع) على الصواب، وتحرف في (أ) إلى: ماهيته، وفي (س) إلى: خالفته.

٣٣٦
سورة النجم / ح ٤٨٥٧-٤٨٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
٣- باب قوله تعالى: ﴿فَأَوَّحَّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]
٤٨٥٧ - حدَّثْنَا طَلْقُ بنُ غَنّام، حدَّثنا زائدةُ، عن الشَّيبانيِّ قال: سألتُ زِرّاً عن قوله تعالى:
فَكَانَ قَابَ قَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ) فَأَوْحَ إلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾، قال: أخبرنا عبدُ الله: أَنَّه محمَّدٌ ◌َِّ
رَأَى جِبْریلَ، له سِتُّ مئةِ جناحٍ.
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾)) ثَبَتَت هذه التَّرجمة لأبي ذرٍّ وحده،
وهي عند الإسماعيليّ أيضاً، وأورَدَ فيه حديث ابن مسعود المذكور في الذي قبله.
قوله: ((أنَّه محمَّد)) الضَّمير للعبد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِلَى عَبْدِهِ،﴾، ووَقَعَ عند غَيرِ (١)
أبي ذرٍّ: ((أنَّ محمَّداً رأى جِبْريل)) وهذا أوضَح في المراد، والحاصل أنَّ ابن مسعود كان يذهب
٦١١/٨ في / ذلك إلى أنَّ الذي رآه النبيُّ ◌َلقولههو جِبْريل كما ذهبت إلى ذلك عائشة، والتَّقدير على رأيه:
﴿فَأَوَّخَ﴾، أي: جِبْرِيل ﴿إِلَى عَبْدِهِ،﴾، أي: عبدِ الله محمَّدٍ، لأنَّه يرى أنَّ الذي دَنا فتَلَلَّى هو
جِبْريل، وأنَّ هو الذي أوحَى إلى محمَّد. وكلام أكثر المفسِّرِينَ من السَّلَف يدلّ على أنَّ الذي
أو حی هو الله، أو حی إلی عبده محمّد، ومنهم من قال: إلى چِبریل.
قوله: ((له ◌ِتُّ مئةِ جناحٍ)) زاد عاصم عن زِرّ في هذا الحديث: ((يَتَنَاثَر من رِيشه تَهاويلُ
من الدُّ والياقوت)) أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٤٧٨) وابن مَرْدويه، ولفظ النَّسائيِّ: ((يَتَنَاثَر
منها تَهاويلُ الدُّرّ والياقوتِ))(٢).
٤- بابٌ ﴿لَقَدْ رَأَىْ مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ اَلْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]
٤٨٥٨- حدَّثْنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن
عبدِ الله ◌َهُ: ﴿ لَقَدْ رَأَعْ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ قال: رَأَى رَفْرَفاً أخضَرَ، قد سَدَّ الأُفُقَ.
قوله: ((بابٌ ﴿لَقَدْ رَأَىْ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىّ﴾)) ثَبَتَت هذه التَّرجمة لأبي ذرِّ والإسماعيليّ،
(١) قوله: ((غير)) من (ع) وسقط من (أ) و(س)، وبه يصح المعنى المراد من سياق الكلام، مع موافقته لما ورد
في النسخة اليونينية، و «إرشاد الساري)» ٧ / ٣٦٠.
(٢) ولفظة: ((الياقوت)) لم تقع في المطبوع من ((السنن الكبرى) له، وهي عند ابن حبان في (صحيحه)) برقم (٦٤٢٨).

٣٣٧
سورة النجم/ ح ٤٨٥٩
كتاب التفسير
واختُلِفَ في الآيات المذكورة، فقيلَ: المراد بها جميعُ ما رأى ◌ِ له ليلةَ الإسراء، وحديثُ
الباب يدلّ على أنَّ المراد بها صفةُ چِبْريل.
قوله: ((عن عبد الله بن مسعود ﴿ لَقَدْرَأَى﴾)) أي: في تفسير هذه الآية.
قوله: (رَأَى رَفْرَفاً أخضَر قد سَدَّ الأُفُقِ)) هذا ظاهرُه يُغايِرِ التَّفسيرَ السابق أنَّه رأى
جِبْرِيلَ، ولكن يوَضِّح المراد ما أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٤٧٧) والحاكم (٤٦٨/٢-٤٦٩) من
طريق عبد الرَّحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: أبصَرَ نبيُّ الله وَّه ◌ِبْريل عليه
السلام على رَفَرَفٍ قد مَلَأ ما بينَ السماءِ والأرض؛ فيَجتَمِع من الحديثَينِ أنَّ الموصوف
جِبْريلُ والصِّفةُ التي كان عليها.
وقد وَقَعَ في رواية محمَّد بن فُضَيلِ عند الإسماعيليّ، وفي رواية ابن عُيَينةَ عند النَّسائيِّ
(ك١١٤٧٦) كلاهما عن الشّیبانيِّ عن زِرِّ عن عبد الله: أنَّه رأی چبریلَ له ستُّ مئةِ جناح قد
سَدَّ الأُفْقَ؛ والمراد أنَّ الذي سَدَّ الأُفَقَ الرَّفَرَفُ الذي فيه جِبْريل، فنُسِبَ جِبْريل إلى سَدّ
الأُفق مجازاً.
وفي رواية أحمد (٣٧٤٠)، والتِّرمِذيّ (٣٢٨٣) وصَخَّحَها من طريق عبد الرَّحمن بن
يزيد عن ابن مسعود: رأى جِبْريلَ في حُلّةٍ من رَفَرَفٍ قد مَلَأ ما بين السماء والأرض. وبهذه
الرِّواية يُعرَف المراد بالرَّفَرَفِ وأنَّه حُلّة، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿ مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن:
٧٦]، وأصل الرَّفَرَف: ما كان من الدِّيباج رقيقاً حَسن الصَّنعة، ثمَّ اشتُهِرَ استعماله في السِّتر،
وكلّ ما فَضَلَ من شيء فعُطِفَ وثُنِيَ فهو رَفَرَف، ويقال: رَفَرَفَ الطائر بجناحَيه: إذا بَسَطَهما.
وقال بعض الشُّاح: يحتمل أن يكون جِبْريل بَسَطَ أجنِحَته فصارت تُشبه الرَّفرَفَ،
كذا قال، والرِّواية التي أوردتها توَضِّح المراد.
٥ - بابٌ ﴿ أَفَرَّيَُّ الَّتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]
٤٨٥٩ - حدَّثْنا مسلمٌ، حدَّثنا أبو الأشهَبِ، حدَّثنا أبو الجَوْزاءِ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما في قوله: ﴿ اَللَّتَ وَالْعُزَّى﴾ كان اللّاتُ رجلاً بَلُتُّ سَوِيِقَ الحاجّ.

٣٣٨
سورة النجم / ح ٤٨٥٩ - ٤٨٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
٤٨٦٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ،
عن مُميدٍ بنِ عبدِ الرّحمنِ، عن أبي هريرةَ عُه، قال: قال رسولُ الله وَّ: ((مَن حَلَفَ فقال في
حَلِفِهِ: واللّاتِ والعُزَّى، فلْيَقُلْ: لا إلهَ إلَّ الله، ومَن قال لِصاحبِهِ: تَعالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ)).
[أطرافه في: ٦١٠٧، ٦٣٠١، ٦٦٥٠]
قوله: ((باب ﴿أَفَرَّ يَتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى ﴾)» ذكر فيه حديثَين:
٦١٢/٨
أحدهما: حديث ابن عبّاس. وأبو الأشهَب المذكور في الإسناد: هو جعفر بن حَیّان،
وأبو الجَوزاء، بالجيم والزّاي: هو أوس بن عبد الله، والإسناد كلُّه بصريّونَ.
قوله: ((في قوله: ﴿اَللَّتَ وَالْعُزَّى﴾: كان اللّاتُ رجلاً يَلُتّ سَويق الحاجّ)) سَقَطَ: ((في قوله))
لغير أبي ذرِّ، وهذا موقوف على ابن عبّاس، قال الإسماعيليّ: هذا التَّفسير على قراءة مَن قرأ
((اللّتَّ)) بتشديد التاء. قلت: وليس ذلك بلازِمٍ، بل يحتمل أن يكون هذا أصلَه وخُفِّفَ
لكَثْرة الاستعمال، والجمهور على القراءة بالتَّخفيف.
وقد رويَ النَّشدید عن قراءة ابن عبّاس وجماعة من أتباعه، ورُویت عن ابن کثیر
أيضاً، والمشهور عنه التَّخفيف كالجمهورِ.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عَمْرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عبّاس، ولفظه
فيه زيادة: كان يَلُتّ السَّويق على الحجر، فلا يَشرَب منه أحد إلّا سَمِنَ، فعَبَدوه.
واختُلِفَ في اسم هذا الرجل، فروى الفاكِهيّ من طريق مجاهد قال: كان رجل في
الجاهليَّة على صخرة بالطائفِ وعليها له غَنَم، فكان يَسْلُؤُ(١) من رِسْلِها، ويأخُذ من زَبيب
الطائف والأَقِط، فيجعل منه حَيْساً ويُطعِم مَن يَمُرّ به من الناس، فلمَّا ماتَ عَبَدُوه،
وكان مجاهد يقرأ ((اللَّاتَّ)) مُشدَّدة. ومن طريق ابن جُرَيج نحوَه، قال: وزَعَمَ بعض
(١) في (أ) و(س): ((ليسلو)) بالواو دون الهمزة، وهو خطأ، وتحرف في (ع) إلى: ((يسلق)) بالقاف، وما أثبتناه
هو الصحيح، قال في ((اللسان)): سَلَأَ السَّمْنَ يَسْلَؤْهِ سَلْاً: طبخه وعالجه فأذاب زُبْده. وقوله بعده:
(رِسْلها)) الرُّسْل: هو اللبن. انظر ((اللسان)) مادتي (سلأ) و(رسل).

٣٣٩
سورة النجم/ ح ٤٨٥٩-٤٨٦٠
كتاب التفسير
الناس أنَّه عامر بن الظَّرِب. انتهى، وهو بفتح الظّاء المُشالَة وكسر الرَّاء ثمَّ موحّدة:
وهو العُدْوانيّ، بضمِّ المهمَلة وسكون الدَّال، وكان حَكَمَ العربِ في زمانه، وفيه يقول
شاعرهم:
ومِنّا حَكَمٌ يَقضي ولا يُنقَضُ ما يَقضي(١)
وحَكَى السُّهَيلِيُّ أنَّه عَمْرو بن لُحَيّ بن قَمْعة بنَ الياس بن مُضَر، قال: ويقال: هو
عَمْرو بن لُحَيّ، وهو ربيعة بن حارثة، وهو والد خُزاعة، انتهى.
وحَرَّفَ بعض الشُّرّاح كلام السُّهَيلِيّ، وظَنَّ أنَّ ربيعة بن حارثة قولٌ آخرَ في اسم
اللّات، وليس كذلك، وإنَّما ربيعة بن حارثة اسم لُحَيّ فيما قيل، والصَّحيح أنَّ اللّات غيرُ
عَمْرو بن لُحَيّ ، فقد أخرج الفاكِهيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس: أنَّ اللّات لمَّا ماتَ قال
لهم عَمْرو بن لُحَيّ: إِنَّه لم يَمُت، ولكنَّه دَخَلَ الصَّخرة، فعَبَدوها وبَنَوا عليها بيتاً.
وقد تقدَّم في مناقب قُرَيش (٣٥٢٠): أنَّ عَمْرو بن لُحَيّ هو الذي حَمَلَ العرب على عبادة
الأصنام، وهو يُؤيِّد هذه الرِّواية.
وحَكَى ابن الكَلْبِيّ أنَّ اسمه: صِرْمة بن غَنْم، وكانت اللّات بالطائفِ، وقيل: بنَخْلَةَ،
وقيل: بعُكاظٍ، والأوَّل أصحّ.
وقد أخرجه الفاكِهِيّ أيضاً من طريق مِقسم عن ابن عبّاس.
قال هشام بن الكَلْبِيّ: كانت مَناةٌ أقدَم من اللّات فهَدَمَها عليٌّ عامَ الفتح بأمرِ النبيِّ
وَ﴾، وكانت اللّات أحدَثَ من مَناة، فَهَدَمَها المغيرة بن شُعْبة بأمرِ النبيِّوَ لاَ لمَّا أسلَمَت
ثَقيف، وكانت العُزَّى أحدث من اللّات، وكان الذي اتَّخِذَها ظالم بن سعد بوادي نَخلةَ
فوقَ ذات عِرْق، فهَدَمَها خالد بن الوليد بأمرِ النبيِّ أَّ عامَ الفتح.
(١) هذا البيت للشاعر الجاهلي، حرثان بن الحارث بن محرِّث بن ثعلبة، المشهور بذي الإصبع العدواني، لقِّب
به لأن حيّة نهشت إصبع رجله فقطعها، ويقال: كانت له إصبع زائدة، وهذا البيت عزاه له ابن عساكر
في («تاريخ دمشق)) ٧/٦٩، وأبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» ٨٦/٣.

٣٤٠
سورة النجم / ح ٤٨٥٩ - ٤٨٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثاني:
قوله: ((فقال في حَلِفه)) أي: في يَمينه. وعند النَّسائيِّ (٣٧٧٦ و٣٧٧٧) وابن ماجَه (٢٠٩٧)،
وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٣٦٤ و٤٣٦٥) من حديث سعد بن أبي وقّاص ما يُشبه أن يكون سبباً
لحديثِ الباب، فأخرجوا من طريق مُصعَب بن سعد عن أبيه قال: كنَّا [نَذكُر بعضَ الأمر
وأنا](١) حديثُ عَهِدٍ بجاهليَّةٍ، فحَلَفتُ باللّات والعُزَّى، فقال لي أصحابي: بئسَ ما قلت،
فذكرت ذلك للنبيِّيوَ ل فقال: ((قل: لا إله إلّا الله وحده لا شَرِيك له)) الحديث.
قال الخطّابيُّ: اليمين إنَّما تكون بالمعبودِ المعَظّم، فإذا حَلَفَ باللّات ونحوها فقد ضاهَی
الكفَّار، فأُمِرَ أن يَتَدَارَك بكلمة التوحيد.
وقال ابن العربيّ: مَن حَلَفَ بها جادّاً فهو كافر، ومَن قالها جاهلاً أو ذاهلاً يقول: لا إله
إلّا الله، يُكَفِّرِ الله عنه ويَرُدُّ قلبَه عن السَّهو إلى الذِّكر، ولسانَه إلى الحقّ، ويَنفي عنه ما جَرَى
به من اللَّغو.
قوله: ((ومَن قال لصاحبه: تَعالَ أُقَامِرْكَ فِلْيَتَصَدَّقْ)) قال الخطَّبيُّ: أي: بالمال الذي كان
يريد أن يُقامر به، وقيل: بصَدَقةٍ ما لتُكفِّر عنه القول الذي جَرَی علی لسانه.
قال النَّوَويّ: وهذا هو الصَّواب، وعليه يدلّ ما في رواية مسلم (١٦٤٧): ((فليَتَصَدَّق
٦١٣/٨ بشيءٍ))، وزَعَمَ بعض الحنفيَّة أنَّه/ يَلزَمه کفَّارُ یمینٍ، وفيه ما فيه.
قال عياض: في هذا الحديث حُجّة للجُمهورِ أنَّ العَزم على المعصية إذا استَقَرَّ في القلب
كان ذَنباً يُكتَب عليه، بخِلَاف الخاطِرِ الذي لا يَستَمِرٌ.
قلت: ولا أدري من أين أُخِذَ ذلك معَ التَّصريح في هذا الحديث بصُدورِ القول حيثُ
نَطَقَ بقوله: ((تَعالَ أُقَامِرْك))، فدَعَاه إلى المعصية، والقِمار حرام باتِّفاقٍ، فالدُّعاء إلى فِعْله
حرام، فليس هنا عَزْمٌ مُجُرَّد. وسيأتي بَقيَّة شرحه في كتاب الأيمان والنُّذُور (٦٦٥٠). ووَقَعَ
الإلمام بمسألة العَزم في أواخر الرِّقاق في شرح حديث: ((مَن هَمَّ بحَسنةٍ)) (٦٤٩١).
(١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، واستدركناه من ((سنن النسائي))، فاللفظ المذكور وقع عنده.
: