Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة ص / ح ٤٨٠٦ -٤٨٠٧
كتاب التفسير
قوله: ((حدَّثنا شُعْبة، عن العَوّام)) هو ابن حَوشَبِ، كذا قال أكثر أصحاب شُعْبة، وقال
أُميَّة بن خالد عنه: عن منصور وعَمْرو بن مُرّة وأبي حَصينٍ، ثلاثتهم عن مجاهد(١)، فكأنَّ
لشُعْبةَ فیه مشايخ.
قوله: ((عن مجاهد)) كذا قال أكثر أصحاب العَوّام بن حَوشَبٍ، وقال أبو سعيد الأشَجّ:
عن أبي خالد الأحمر وحفص بن غِيَاث، عن العَوّام، عن سعيد بن جُبَير، بدلَ مجاهد،
أخرجه ابن خُزَيمةَ (٥٥١)، فلعلَّ للعَوّام فيه شيخَينٍ. وقد تقدَّم في تفسير الأنعام (٤٦٣٢)
من طريق سليمان الأحوَل عن مجاهد: أنَّه سألَ ابن عبّاس: أفي ﴿صّ﴾ سجدة؟ قال: نعم،
ثُمَّ تلا﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَلهُمُ أُقْتَدِهُ﴾، قال: هو منهم؛
فالحديث محفوظ لمجاهدٍ، فرواية أبي سعيد الأشجّ شاذّة.
قوله في الرواية الثانية: ((حدَّثْنا محمَّد بن عبد الله)) قال الكَلَاباذيُّ وابن طاهر: هو الذُّهْلِيُّ
نُسِبَ إلى جَدّه، وقال غيرهما: يحتمل أن يكون محمَّد بن عبد الله بن المبارك المُخرِّميّ، فإنَّه
من هذه الطّبقة.
قوله: ((فسَجَدَها داودُ فسَجَدَها رسول الله وَلَ)) سَقَطَ ((فسَجَدَها داود)) من رواية غیر
أبي ذرِّ، وهذا أصرَحُ في الرَّفع من رواية شُعْبة، وقد تقدَّم الكلام على ما يَتَعلَّق بالسُّجودِ في
﴿صّ﴾ في كتاب سجود التِّلاوة مُستَوفَّى (١٠٦٩)، واستُدِلَّ بهذا على أنَّ شرعَ مَن قبلَنا/ شَرعٌ ٥٤٥/٨
لنا، وهي مسألة مشهورة في الأُصول، وقد تَعرَّضنا لها في مكان آخر.
قوله: (﴿ُجَابٌ﴾: عجيبٌ)) هو قول أبي عُبيدة قال: والعرب تُحوِّلُ فَعِيلاً إلى فُعَال
بالضَّمِّ، وهو مِثل: طَويل وطُوَال، قال الشّاعر (٢).
تَعَدُو به سَلْهَبَةٌ سُرَاعَةْ
أي: سَريعة، وقرأ عيسى بن عمر ونُقِلَت عن عليّ: ((عُجَّاب)) بالتَّشديد، وهو مثل كُبّارٍ في
(١) رواية أمية بن خالد هذه عند الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ١٢/ ٨٥.
(٢) هو عباس بن مِزْداس كما في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ١٧٦/٢ -١٧٧.

٢٠٢
سورة ص
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرَاكُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]، وهو أبلغ من كُبار بالتَّخفيفِ، وكُبارَ المخَفَّف أبلَغُ
من گبیر.
قوله: ((القِطُّ: الصَّحيفةُ، هو هاهنا: صحيفة الحسنات)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((الحِساب))
وكذا في رواية النَّسَفيِّ، وذكره بعض الشُّاح بالعكس، قال أبو عُبيدة: القِطَّ: الكِتاب،
والجمع: قُطُوط وقِطَطة، كقِرْدٍ وقُرود وقِرَدة، وأصله من: قَطَّ الشَّيءَ، أي: قَطَعَه، والمعنى:
قِطعة ممّا وَعَدتنا به، ويُطلَق على الصَّحيفة قِطّ لأنَّهَا قِطعةٌ تُقطَع، وكذلك الصَّكُّ، ويقال
للجائزة أيضاً: قِطّ، لأنَّها قِطعة من العَطيّة، وأكثر استعماله في الكتاب، وسيأتي له تفسير آخر
قريباً. وعندَ عبد بن حُميدٍ من طريق عطاء: أنَّ قائل ذلك: هو النَّضر بن الحارث.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿فِ عِزَّقِ﴾ أي: مُعازّينَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن
مجاهد به، وروى الطَّبَريُّ من طريق سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿ فِ عِزَِّ﴾ قال: في حَمِيَّة، ونُقِلَ عن
الكِسَائيّ في رواية أنَّه قرأ: ((في غِرّة)» بالمعجَمة والرَّاء، وهي قراءة الجَحدَريّ وأبي جعفر(١).
قوله: (﴿اَلْمِلَّةِ اَلْآَخِرَةِ﴾: مِلّة قُرَيش. الاختِلاقُ: الكَذِب)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً عن مجاهد
في قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِ آلْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ قال: مِلّة قُرَيش ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخْتِلَقُّ﴾ [ص:٧]:
كَذِبٌ. وأخرج الطَّبَريُّ (١٢٦/٢٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله:
﴿اَلْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ قال: النَّصرانيَّة، وعن السُّدِّيِّ نحوه، وكذا قال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن
الكَلْبِيّ مثله، قال: وقال قَتَادةُ: دِينهم الذي هم عليه.
قوله: ((﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ يعني قُرَيشاً) سَقَطَ لفظ ((قوله)) لغير أبي ذرٍّ، وقد
وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد في قوله: ﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ قال: قُريش، وقوله:
(جُندٌ)) خبر مُبْتَدَأ محذوف، أي: هم، و((ما)) مَزيدة أو صفة الجُندٍ، و((هُنالكَ)) مُشارٌ به إلى
مكان المراجَعة، و ((مهزوم)) صفة لجُندٍ، أي: سيُهزَمونَ بذلك المكان، وهو من الإخبار بالغيب
(١) هي من رواية ميمون عن أبي جعفر المدني، وهذه القراءة لم تُعدَّ في القراءات العشر، فهي شاذَّة، وذكرها
ابن خالويه في كتابه ((مختصر في شواذِ القراءات)) ص١٢٩ - ١٣٠.

٢٠٣
سورة ص
كتاب التفسير
لأنَّهم هُزِموا بعدَ ذلك بمكَّةَ، لكن يُعكِّر على هذا ما أخرجه الطََّريُّ من طريق سعيد عن
قَتَادة قال: وَعَدَه الله وهو بمكَّةَ أنَّه سيَهزِمُ جندَ المشركينَ، فجاء تأويلُها ببدرٍ، فعلى هذا
فهُنالكَ ظَرفٌ للمراجعة فقط، ومکان الهزيمة لم يُذكر.
قوله: ((الأسبابُ: طرقُ السماء في أبوابها)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: طرقُ
السماء: أبوابها، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: الأسباب هي أبواب السماء، وقال
أبو عُبيدة: العرب تقول للرجلِ إذا كان ذا دِينٍ: ارتَفَى فلانٌ في الأسباب.
قوله: (﴿أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾: القُرون الماضية)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ عن مجاهدٍ.
قوله: (﴿فَاقٍ﴾: رُجوع )) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد مِثْلَه، وقال عبد الرَّزاق عن
معمر عن قتادة: ليس لها مثْنَويَّة، وهي بمعنی قول مجاهد، وروى ابن أبي حاتم من طريق
السُّدِّيِّ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ يقول: ليس لهم إفاقة ولا رجوع إلى الدُّنيا، وقال أبو عبيدة: مَن
فَتَحَها - أي: الفاء - قال: ما لها من راحة، ومَن ضَمَّها جعلها من فُوَاق ناقةٍ: وهو ما بينَ
الحَلبتَينِ، والذي قرأ بضمِّ الفاء حمزةٌ والكِسائيّ، والباقونَ بفتحها، وقال قوم: المعنى
بالفتح وبالضَّمِّ واحد، مِثل: قُصَاص الشَّعَر، يقال بضمِّ القاف وبفتحها.
قوله: (﴿قِطَّنَا﴾: عذابَنا)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد أيضاً، ولا مُنافاةَ بينَه وبينَ ما
تقدَّم، فإنَّه محمول على أنَّ المراد بقولهم: ((قِطَّنا)) أي: نَصيبنا من العذاب. وقد أخرج
عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن قَتَادة في قوله: ((قِطّنا)) قال: نَصيبَنا من العذاب، وهو شَبيهُ
قولهم: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، وقول
الآخرينَ: ﴿فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠].
وقد أخرج الطََّريُّ من/ طريق إسماعيل بن أبي خالد قال: قوله: ((قِطَّنا)) أي: رِزقَنا، ٥٤٦/٨
ومن طريق سعيد بن جُبَير قال: نَصيبَنا من الجنَّة، ومن طريق السُّدِّيِّ نحوه، ثمّ قال:
وأَولى الأقوال بالصَّواب أنَّهم سألوا تعجيلَ كتبهم بنَصيبهم من الخير أو الشرّ الذي وَعَدَ اللهُ
عِبادَه في الآخرة، أن يُعَجِّلَ لهم ذلك في الدُّنيا، استهزاءً منهم وعِناداً.

٢٠٤
سورة ص
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (﴿الصَِّفِنَتُ﴾: صَفَنَ الفرسُ ... إلى آخره، وقوله: الجياد: السِّراع. وقوله: جسداً:
شيطاناً. وقوله: رُخاءً، الرُّخاء: الطيِّب. وقوله: حيثُ أصاب: حيثُ شاءَ. وقوله: فامنُن:
أعطِ. وقوله: بغير حِساب: بغير حَرَج)) ثَبَتَ هذا كلّه للنَّسَفيِّ هنا، وسَقَطَ للباقينَ، وقد
تقدَّم جميعُه في ترجمة سليمان بن داود عليهما السَّلام من أحاديث الأنبياء(١).
قوله: (﴿ أَتَّخَذْنَهُمْ سِخْرِيًا﴾: أحَطْنا بهم)) قال الدِّمياطيّ في ((حواشيه)): لعلَّه: أخطأناهم(٢)،
وتَلَقّاه عن عِيَاض فإنَّه قال: أحَطْنا بهم، كذا وَقَعَ، ولعلَّه: أحْطأناهم، وحُذِفَ معَ ذلك
القول الذي هذا تفسيره، وهو: ﴿ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَرُ﴾. انتهى، وقد أخرجه ابن أبي
حاتم من طريق مجاهد بلفظ: أخطأناهم أم هم في النار لا نَعلمُ مكانهم؟ وقال ابن عَطيَّة:
المعنى: ليسوا مَعَنا أم هم مَعَنا لكن أبصارنا تَميلُ عنهم؟ وقال أبو عبيدة: مَن قرأَها ((أَتَّخَذناهم))
أي: بهمزة قطع، جعلها استفهاماً، وجَعَلَ ((أم)) جواباً، ومَن لم يَستَفهم فَتَحَها على القطع،
ومعنى ((أم)) معنى ((بل))، ومثلُه ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢]، انتهى،
والذي قرأها بهمزة وصلٍ أبو عَمْرو وحمزة والكِسائيّ.
قوله: (﴿أَنْابٌ﴾: أمثالٌ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ كذلك، قال أبو عُبيدة: الأتراب جمع تِرْب،
وهو بکسر أوَّله: مَن يولد في زمنٍ واحد. وروى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة
عن ابن عبّاس قال: أترابُ: مُستَوِيات.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: الأَيْدُ: القوّةُ في العبادة)) وَصَلَه الطََّرُّ من طريق عليّ بن أبي
طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿رَاوُودَذَا الْأَيْدِ﴾ قال: القوّة(٣)، ومن طريق مجاهد قال: القوّة
في الطاعة، وقال عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن قَتَادة: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: ذا القوّة في العبادة.
قوله: ((الأبصارُ: البَصَرُ في أمر الله)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن
(١) بين يدي الحديث رقم (٣٤٢٣).
(٢) تحرف في (س) إلى: أحطناهم.
(٣) هو عند الطبري في «تفسيره)) ١٣٦/٢٣ لكن من طريق عطية العوفي عن ابن عباس لا من طريق علي بن
أبي طلحة.

٢٠٥
سورة ص/ ح ٤٨٠٨
كتاب التفسير
ابن عبّاس في قوله: ﴿ أُوْلِىِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾ قال: أُولِي القوّة في العبادة والفقه في الدين.
ومن طريق منصور عن مجاهدٍ قال: الأبصار: العقول.
تنبيه: (الأبصار)) وَرَدَت في هذه السّورةِ عَقِبَ ((الأيدي)) لا عَقِبَ ((الأيد)) لكن في قراءة
ابن مسعود: ((أُولي الأيدِ والأبصار)) من غير ياء، فلعلَّ البخاريّ فَسَّرَه على هذه القراءة.
قوله: (﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ﴾ ... )) إلى آخره، سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في ترجمة
سليمان بن داود من أحاديث الأنبياء.
قوله: (﴿ اَلْأَصْفَادِ﴾: الوَثَاقِ)) سَقَطَ هذا أيضاً لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في ترجمة سليمانَ أيضاً.
١- باب قوله:
﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]
٤٨٠٨- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثْنا رَوٌْ ومحمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن محمَّدٍ
ابنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّوَّهِ قال: ((إنَّ عِفْرِيتاً منَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ البارحةَ - أو كلمةً
نحوَها - لَيَقْطَعَ عليَّ الصلاةَ، فأمكَنَنَي اللهُ منه، وأرَدْتُ أن أَربِطَه إلى ساريةٍ من سَوَاري
المسجدِ، حتَّى تُصْبِحوا وتَنظُرُوا إليه كلَّكم، فذَكَرتُ قولَ أخي سليمانَ: رَبِّ هَبْ لي مُلْكاً لا
ينبغي لأحدٍ من بعْدِي».
قال رَوْحُ: فَرَدَّه خاسِئاً.
قوله: ((باب قوله: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾)) تقدَّم شرحه
في ترجمة سليمان عليه السلام من أحاديث الأنبياء (٤٨٠٨).
قوله: (تَفَلَّتَ علىَّ البارحةَ، أو كلمةً نحوها)) يحتمل أن يكون الشكُّ في لفظ التَّفَلُّت أو في
لفظ البارحة، وقد تقدَّم ذلك في أوائل كتاب الصلاة (٤٦١).
قوله: ((فذَكَرتُ قولَ أخي سليمان» تقدَّم الكلام عليه في ترجمة سليمان/ من أحاديث الأنبياء. ٥٤٧/٨
وأمَّا ما أخرج الطَّبَرَيُّ (١٥٩/٢٣) من طريق سعيد عن فَتَادة قال في قوله: ﴿لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ

٢٠٦
سورة ص/ ح ٤٨٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
مِنْ بَعْدِىّ﴾: لا أُسْلَبُه كما سُلِبْتُه أوَّل مرَّة، وظاهر حديث الباب يردُّ عليه، وكأنَّ سبب
تأويل قَتَادة هذا هكذا، طعنُ بعض الملاحدة على سليمان، ونِسبتُه في هذا إلى الحرص على
الاستبداد بنِعْمة الدُّنيا، وخَفِيَ عليه أنَّ ذلك كان بإذنٍ له من الله، وأنَّ تلك كانت مُعجِزتَه
كما اختُصَّ كلُّ نبيِّ بمُعجِزةٍ دونَ غيره، والله أعلم.
قوله: ((قال رَوْحِ: فَرَتَّه خاسِئاً، رَوْح: هو ابن عُبَادة، أحد رُواته، وكأنَّ المراد أنَّ هذه الزيادة
وَقَعَت في روايته دونَ رواية رفيقه، وقد ذكرتُ ما في ذلك من البحث في أوائل كتاب الصلاة
(٤٦١)، وذكرت ما يَتَعلَّق بُرُؤية الجِنّ في ترجمة سليمان عليه السلام من أحاديث الأنبياء.
٢- باب قوله: ﴿وَمَآ أَنَأْ مِنَ الْمُكَلِفِينَ﴾ [ص:٨٦]
٤٨٠٩ - حدّثنا قُتَيبةُ، حذَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال:
دَخَلْنا على عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: يا أيُّها الناسُ، مَن عَلِمَ شيئاً فَلْيَقُلْ به، ومَن لم يَعْلَمْ فَلْيَقُل:
اللهُ أعلمُ، فإنَّ منَ العِلْمِ أن يقولَ لما لا يَعلَمُّ: اللهُ أعلمُ، قال الله عزَّ وجلَّ لِنبيِّهِ وَّ: ﴿قُلْ مَّ
أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ وَمَا أَنْ مِنَ الْمُكَلِّفِينَ﴾ وسأُحدِّثُكُم عن الدُّخَانِ، إِنَّ رسولَ اللهِِّدَعَا قُرَيشاً
إلى الإسلام، فأبطَؤُوا عليه فقال: ((اللهمَّ أعِنّي عليهم بسَبْعِ كسَبْعِ يوسفَ))، فأخَذَتْهم سَنَةٌ،
فحَصَّت كلَّ شيءٍ، حتَّى أكَلوا المَيتَةَ والجلودَ، حتَّى جَعَلَ الرجلُ يَرَى بينَه وبينَ السماءِ دُخاناً
منَ الجوعِ، قال الله عزَّ وجلّ: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَّ هَذَا
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال: فَدَعَوْا ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿ أَّ لَمُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَ هُمْ
رَسُولُ مُّبِينٌ (٣) ثُمَّتَوَلَّوْ عَنّهُ وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُونُ ﴿ إِنَّ كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَِّدُونَ﴾ [الدخان:
١٠-١٥]، أفَيُكْشَفُ العذابُ يومَ القيامةِ؟ قال: فَكُشِفَ، ثمَّ عادُوا في كُفْرِهم، فأخَذَهمُ الله يومَ
بَدْرٍ، قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْسَّةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦].
قوله: ((باب قوله: ﴿مِنَ اُْكَلِفِينَ﴾)» ذكر فيه حديث ابن مسعود في قِصّة الدُّخان، وقد
تقدَّم قريباً في تفسير سورة الرّوم (٤٧٧٤)، ويأتي في تفسير الدُّخان (٤٨٢١ -٤٨٢٤)، وتقدَّم ما
يَتَعلَّقِ منه بالاستسقاءِ في بابه (١٠٠٧).

٢٠٧
سورة الزمر
كتاب التفسير
٣٩- سورة الزُّمر
بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال مجاهدٌ: ﴿ يَّفِى بِوَجْهِهِ،﴾ [٢٤]: يُجَرُّ على وجهِه في النارِ، وهو قولُه تعالى: ﴿أَفَنَ
يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِى ءَامِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].
﴿ذِىعِوَجَ﴾ [٢٨]: لَبْسٍ.
خَوَّلنا: أَعطَينا.
﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ [٣٣]: القرآن ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ﴾: المؤمنُ يَجِيءُ به يومَ القيامةِ.
﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ [٢٩]: صالحاً.
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ، ﴾ [٣٦]: بالأوثان.
وقال غيرُه: ﴿مُتَشَكِسُونَ﴾ [٢٩]: الرَّجُلِ الشَّكِسُ: العَسِرُ لا يَرْضَى بالإنصاف ﴿وَرَجُلًا
سَلَمًا﴾: ويقال: ((سالماً)): صالحاً.
﴿أَشْمَأَزَّتْ﴾ [٤٥]: نَفَرَتْ.
﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾[٦١]: منَ الفَوْزِ.
﴿حَفِّينَ﴾ [٧٥]: أطافوا به، مُطِيفِينَ بحِفافَيهِ.
﴿مُتَشَبِهًا مَثَانِىَ﴾ [٢٣]: ليس منَ الاشتباه، ولكن يُشبِهِ بعضه بعضاً في التَّصْدِيقِ.
قوله: ((سورة الزُّمَر - بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ )) سَقَطَت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿َّقِى بِوَجْهِهِ،﴾: يُجَرُّ على وجهه في النار، وهو قوله: ﴿أَفَنَ يُلْقَى ٥٤٨/٨
فِي النَّارِ خَيْرٌّ أَمَ مَن يَأْتِىّ ◌َامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ ﴾)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد
بلفظ: ((قال: ويقول: هي مِثل قوله: أفَمَن يُلقَى ... )) إلى آخره، ومُراده بالمِثِليَّة أنَّ في كلِّ
منهما محذوفاً، وعندَ الأكثر: ((يُجرّ) بالجيم، وهو الذي في تفسير الفِرْيابيِّ وغيره، وللأَصِيلِيِّ
وحدَه: ((يَخِّ)) بالخاءِ المنقوطة من فوق.

٢٠٨
سورة الزمر
فتح الباري بشرح البخاري
وقال عبد الرَّزّاق: أخبرنا ابن عُيَينةَ، عن بشر بن تميم قال: نزلت في أبي جهل وعَّار بن
ياسر: ﴿أَفَنْ يُلْقَى فِ النَّارِ﴾: أبو جهل ﴿خَيْرٌ أَمَ مَّن يَأْتِيِّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ ﴾ عمَّار. وذكر الطَّبَرِيُّ
أنَّ رُوِيَ عن ابن عبّاس بإسنادٍ ضعيف، قال: يُنطَلَق به إلى النار مكتوفاً، ثمَّ يُرمَى به فيها،
فأوَّل ما يَمَسّ وجهَه النارُ.
وذكر أهل العربيَّة أنَّ ((مَنْ)) في قوله: ﴿أَفَنَ﴾ موصولة في محلّ رفع على الابتداء،
والخبر محذوف تقديره: أهو كمَنْ أمِنَ العذاب.
قوله: ((﴿ذِى عِوَجٍ﴾: لَيْس)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ والطََّريّ (٢١٢/٢٣)، أي: ليس فيه لَبْس،
وهو تفسير باللّازِم، لأنَّ الذي فيه لَبْس يَستَلِزِمِ العِوَجَ في المعنى. وأخرج ابن مَرْدويه من
وجهَينِ ضعيفَينِ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿غَيْرَ دِىعِوَجٍ ﴾ قال: ليس بمخلوقٍ.
قوله: ((خَوَّلْنا: أعطَينا)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظ: ﴿إِذَا
خَوَّلْنَهُ﴾ [الزمر: ٤٩] قال: أعطَيناه. وقال أبو عُبيدة: كلُّ مالٍ أُعطيتَه فقد خُوِّلْتَه، قال
أبو النَّجم:
كُومَ الذُّرَى مِن خَوَلِ المُخَوِّلِ
وقال زُهیر:
هُنالكَ إن يُستَخْوَلُوا المالَ يُحْوِلُوا
قوله: ((﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾: القرآن، ﴿وَصَدَّفَ بِهِ﴾: المؤمن يجيء به يومَ القيامة))
زاد النَّسَفيّ: ((يقول: هذا الذي أعطَيتني عَمِلتُ بما فيه)) قال عبد الرَّزّاق: عن ابن عُيَينَةَ،
عن منصور: قلت لمجاهدٍ: يا أبا الحجّاج ﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ﴾ قال: هم
الذينَ يأتونَ بالقرآن، فيقولون: هذا الذي أعطَيتُمونا قد عَمِلْنا بما فيه. ووَصَلَه ابن المبارك
في ((الزُّهد)) (٨٠٥) عن مِسعَر، عن منصور، عن مجاهد في قوله عزَّ وجلّ: ﴿ وَلَّذِى جَّةَ
بِالصِّدْقٍ وَصَدَّفَ بِهِ﴾ قال: هم الذينَ يحيؤون بالقرآن قد اتَّبَعوه، أو قال: اتَّبَعوا ما فيه.
وأمَّا قَتَادةُ فقال: الذي جاء بالصِّدقِ: النبيّ، والذي صَدَّقَ به: المؤمنونَ، أخرجه

٢٠٩
سورة الزمر
كتاب التفسير
عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عنه. وروى الطَّبَرِيُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس:
الذي جاء بالصِّدقِ: لا إله إلّا الله، وصَدَّقَ به، أي: صَدَّقَ بالرَّسولِ، ومن طريق السُّدِّيِّ:
الذي جاء بالصِّدقِ: جِبْريل، والصِّدق: القرآن، والذي صَدَّقَ به: محمَّد ◌َّ، ومن طريق
أُسَيدِ بن صفوان عن عليّ: الذي جاء بالصِّدْقِ: محمَّد، والذي صَدَّقَ به: أبو بكر الصِّدّيق ◌َ﴾.
وهذا أخَصّ من الذي قبلَه، وعن أبي العالية: الذي جاء بالصِّدقِ: محمَّد، وصَدَّقَ به:
أبو بكر.
قوله: (﴿وَرَجُلًا سَلَمَا لِرَجُلٍ﴾: صالحاً)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((خالصاً))، وسَقَطَت للنَّسَفيِّ
هذه اللَّفظة. زاد غير أبي ذرٍّ: ((مثلاً لآلهتِهِم الباطل، والإله الحقّ)) وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ من
طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، ولفظه في قوله: ((رجلاً سالماً لرجلٍ) قال: مَثَل آلهةِ الباطل
ومَثَل إلهِ الحقّ، وسيأتي تفسيرٌ آخر قريباً.
قوله: ((﴿وَيُخَوِفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [١٦]: بالأوثان)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ، وقد
وَصَلَهِ الغِرْيابيُّ أيضاً عن مجاهد. وقال عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر قال لي رجل: ((قالوا للنبيِّ وَّ.
لَتَكُفَّنَّ عن شَتم آلهتنا أو لَنَأمُرَنَّهَا فَلَتُخبلَنّك، فنزلت: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ﴾)).
قوله: ((وقال غيره: ﴿مُتَشَكِسُونَ﴾: الرجل الشَّكِس: العَسِرِ لا يَرْضَى بالإنصاف. ﴿وَرَجُلًا ٥٤٩/٨
سَلَمًا﴾، ويقال: سالماً: صالحاً)) سَقَطَ ((وقال غيره)) لأبي ذرّ، فصارَ كأنَّه من بقايا كلام
مجاهد، وللنَّسَفيِّ: ((وقال)) بغيرِ ذِكْر الفاعل، والصَّواب ما عندَ الأكثر، وهو كلام عبد الرَّحمن
ابن زيد بن أسلم قال: الشَّكِس: العَسِرُ لا يَرضَى بالإنصاف، أخرجه الطَّبَريّ(١). وعن أبي
عُبيدة قال في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ﴾: هو من الرجل
الشَّكِس ﴿ورجلاً سالماً﴾ الرجل سالم وسَلَمٌ واحد، وهو من الصُّلْح.
تنبيه: قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو: ((سالماً)) والباقونَ: ((سَلَم)) بفتح أوَّله، وفي الشَّواذّ بكسره،
(١) لم نقف عليه عند الطبري بهذا اللفظ، والذي عنده في «تفسيره)) ٢١٤/٢٣ عن ابن زيد هذا كلام كثير
منه أن الشَّكِس سيئ الخلق.

٢١٠
سورة الزمر
فتح الباري بشرح البخاري
وهما مَصدَرانِ وُصِفَ بهما على سبيل المبالَغة أو على أنَّه واقعٌ مَوقِعَ اسم الفاعل، وهو أَولى
ليوافقَ الرّواية الأُخرى، وعليه قول أبي عُبيدة المذكور أنَّهما واحد، أي: بمعنّی.
وقوله: ((الشَّكِس)) بكسر الكاف ويجوز إسكانها: هو السَّيِّئ الخُلُق، وقيل: مَن كَسَرَ
الكاف فتح أوَّله، ومَن سَكَّنَها گَسَرَ، وهما بمعنی.
قوله: ((﴿أَشْمَأَزَّتْ﴾: نَفَرَت)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ
آشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: تقول العرب: اشمأزَّ قلبي عن فلان، أي: نَفَرَ،
وروى الطَّبَريُّ من طريق السُّدِّيِّ قال: اشمأزَّت، أي: نَفَرَت، ومن طريق مجاهد قال:
انقَبَضَت.
قوله: ((﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: من الفَوْز)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ وَيُنَِّّى اللَّهُ الَّذِينَ أَثَقَوْاْ
بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي: بنَجَاتهم وهو من الفوز، وروى الطََّرَيُّ من طريق السُّدِّيِّ قال:
﴿ وَيُنَّجِى اللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بفضائلِهم.
قوله: ((﴿حَفِينَ﴾: أطافوا به مُطِيفينَ بحِفافَيْهِ)) بكسر المهمَلة وفاءَينِ الأولى خفيفة،
وفي رواية المُستَمْلي: ((بجانبَيهِ))، وفي رواية كَرِيمة والأَصِيلِيِّ: ((بجَوانِه))، وللنَّسَفيِّ:
(بحافَتِهِ: بجوانبه))، والصَّواب رواية الأكثر، وهو كلام أبي عُبيدة في قوله: ﴿وَتَرَى
اُلْمَلَبِكَةَ حَافِينَ مِنْ حَوّلِ الْعَرَّشِ﴾ [الزمر: ٧٥]: أطافوا به بحِفافيه، ورواية المُستَمْلي
بالمعنى.
قوله: ((﴿مُتَشَبِهًا﴾ ليس من الاشتباه، ولكن يُشبِهِ بعضه بعضاً في التَّصْديق)) قال أبو عُبيدة
في قوله: ﴿مُّتَشَبِهًا﴾ قال: يُصدِّقُ بعضُه بعضاً. وروى الطَّبَرَيُّ من طريق السُّدِّيِّ في قوله:
﴿كِنَبًا مُتَشَبِهَا﴾ قال: يُشبِه بعضه بعضاً، ويدلّ بعضُه على بعض. ومن طريق سعيد بن
جُبیر نحوه.
وقوله: ﴿مَّثَانِىَ﴾، يجوز أن يكون بياناً لقوله: ﴿مُتَشَبِهًا﴾، لأنَّ القَصَص المتكرِّرة تكون
مُتَشابهة، والمثاني جمع مَثنَى بمعنى: مُكرَّر، لمَا أُعيدَ فيه مِن قَصَصٍ وغيرها.

٢١١
سورة الزمر/ ح ٤٨١٠
كتاب التفسير
١- باب قوله:
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]
٤٨١٠ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهم،
قال يَعْلَى: إنَّ سعيدَ بنَ جُبَيِرٍ أخبَرَه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ ناساً من أهلِ الشِّرْكِ
كانوا قد قَتَلوا وأكثَروا، وزَنَوْا وأكثَروا، فَأَتَوْا محمَّداً وَِّ فقالوا: إنَّ الذي تقولُ وتَدْعو إليه
◌َحَسنٌ، لو ◌ُخبِرُّنا أنَّ لمَا عَمِلْنا كفَّارَةً، فنزلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ونزلَ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ
عَلَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾.
قوله («باب قوله: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية))
ذكر فيه حديث ابن عبّاس: / ((أنَّ ناساً من أهل الشِّرك كانوا قد قتلوا)).
٥٥٠/٨
قوله: ((أنَّ ابن جُرَيج أخبَرَهم، قال يَعْلَى)) أي: قال: قال يَعْلى، و((قال)) تَسقُط خطّاً
وتَثبُت لفظاً، ويَعْلى هذا: هو ابن مسلم كما وَقَعَ عندَ مسلم (١٢٢) من طريق حَجّاج بن
محمَّد عن ابن جُرَيج في هذا الحديث بعينِه بلفظ: أخبرني يعلى بن مسلم. وأخرجه أبو داود
(٤٢٧٤) والنَّسائيُّ (٤٠٠٤) من رواية حَجّاج هذا، لكنَ وَقَعَ عندَهما: ((عن يَعْلى)) غير
منسوب كما وَقَعَ عندَ البخاريّ، وزَعَمَ بعضُ الشُّرَاحِ أنَّه وَقَعَ عندَ أبي داود فيه: يَعْلى بن
حَكيم، ولم أرَ ذلك في شيء من نُسَخه، وليس في البخاريّ من رواية يَعْلى بن حَكيم عن
سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس سِوَى حديث واحد، وهو من رواية غير ابن جُرَيج عن
يعلى، والله أعلم.
ويَعْلى بن مسلم بصريّ الأصل سَكَنَ مكَّةَ، مشهور بالرِّواية عن سعيد بن جُبَير،
وبرواية ابن جريج(١) عنه، وقد روی یعلی بن حکیم أيضاً عن سعيد بن جُبیر، وروى عنه
(١) تحر ف في (س) إلى: ابن جبير.

٢١٢
سورة الزمر/ ح ٤٨١٠
فتح الباري بشرح البخاري
ابن جُرَيج، ولكن ليس هو المرادَ هنا.
قوله: (لو تُخبِرِّنا أنَّ لما عَمِلْنا كفَّارةً)) في رواية الطبرانيِّ (١١٤٨٠) من وجه آخر عن ابن
عبّاس: أنَّ السائل عن ذلك هو وحشيّ بن حَرْب قاتل حمزة، وأنَّه لمَّا قال ذلك نزلت
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية، فقال: هذا شرطٌ شديدٌ، فنزلت ﴿قُلْ
يَعِبَادِىَ﴾ الآية (١). وروى ابن إسحاق في ((السِّيرة)) قال: حدَّثني نافع عن ابن عمر عن
عمر قال: اتَّعَدتُ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص أن تُهاجِرَ إلى المدينة، فذكر
الحديث في قِصَّتهم ورجوع رفيقَيهِ، فنزلت ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية،
قال: فَكَتَبتُ بها إلى هشام.
قوله: ((ونزلَ ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾)) في رواية الطبرانيّ: فقال الناس:
يا رسول الله، إنّا أصَبْنا ما أصاب وحشيٌّ، فقال: ((هي للمسلمينَ عامّةً)). وروى أحمد
(٢٢٣٦٢) والطبرانيُّ في ((الأوسط)) (١٧٤) من حديث ثوبانَ قال: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((ما أُحِبّ أنَّ لي بهذه الآية الدُّنيا وما فيها ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الآية)»
فقال رجل: ومَن أشرَكَ؟ فسَكَتَ ساعةً، ثمَّ قال: ((ومَن أشرَكَ)) ثلاث مرّات(٢). واستْدِلَّ
بُعُمومٍ هذه الآية على غُفران جميع الذُّنوب كبيرها وصغيرها، سواءٌ تَعلَّقَت بحَقِّ الآدَمّينَ
أم لا، والمشهور عندَ أهل السُّنّة أنَّ الذُّنوب كلّها تُغفَر بالتوبة، وأنَّها تُغفَر لمن شاءَ الله ولو
ماتَ على غير توبة، لكنَّ حقوق الآدَميّينَ إذا تابَ صاحبها من العَوْد إلى شيء من ذلك
تنفعه التوبة من العَوْد، وأمَّا خصوص ما وَقَعَ منه فلا بُدَّ له من رَدّه لصاحبه أو مُحَالَلَتِهِ منه.
نعم في سَعَة فضل الله ما يُمكِن أن يُعوِّضَ (٣) صاحبُ الحقّ عن حَقّه ولا يُعذِّب العاصي
بذلك، ويُرشِد إليه عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَآءُ ﴾، والله أعلم.
(١) وإسناده ضعيف لا يصح.
(٢) وإسناده ضعيف.
(٣) تحرف في (س) إلى: يعرض، بالراء.

٢١٣
سورة الزمر/ ح ٤٨١١
كتاب التفسير
٢- باب قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]
١ ٤٨١- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله ـ
قال: جاء حَبْرٌ منَ الأحبارِ إلى رسولِ الله ◌ِّه فقال: يا محمَّدُ، إنّا نَجِدُ أنَّ الله يجعلُ السَّماواتِ
على إصْبَعٍ، والأرَضِينَ على إصْبَعٍ، والشَّجَرَ على إصْبَعٍ، والماءَ والثَّرَى على إصْبَعٍ، وسائرَ
الخَلائِقِ على إصْبَع، فيقول: أنا المَلِكُ، فضَحِكَ النبيُّ ◌َِّ حَتَّى بَدَتْ نَواجِذُه تَصْدِيقاً لقولٍ
الخَيْرِ، ثُمَّ قرأَ رسولُ اللهِ وَّةِ: ((﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِنَّاتٌ بِمِينِهِ، سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
[أطرافه في: ٧٤١٤، ٧٤١٥، ٧٥١٣،٧٤٥١]
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ،﴾)) ذكر فيه حديث عبد الله: وهو ابن ٥٥١/٨
مسعود ((قال: جاء حَبْ)) بفتح المهمَلة وبكسرها أيضاً، ولم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((إنّا نَجِدُ أنَّ الله يجعل السماواتِ علی إِصْبَع)) الحديثَ، يأتي شرحه في كتاب التوحيد
.
(٧٤١٤) إن شاء الله تعالى.
قال ابن التِّين: تَكلَّفَ الخطَّبيُّ في تأويل الإصبَع، وبالَغَ حتَّى جَعَلَ ضَحِكَه ◌َلْتَعَجُّباً
وإنكاراً لمَا قال الحبرُ، وَرَدَّ ما وَقَعَ في الرِّواية الأُخرى: ((فضَحِكَ وَِّ تَعَجُّباً وتصديقاً))
بأنَّه على قَدر ما فهمَ الراوي. قال النَّوَويّ: وظاهر السّياق أنَّ ضَحِكَ تصديقاً له بدلیل
قراءته الآية التي تَدُلّ على صِدق ما قال الحَبْر، والأَولى في هذه الأشياء الكَفّ عن التّأويل
معَ اعتقاد التَّنزيه، فإنَّ كلّ ما يَسْتَلِمِ النَّقْصَ من ظاهرها غيرُ مُراد. وقال ابن فُورَك: يحتمل أن
يكون المراد بالإصبَعِ إصبَعَ بعض المخلوقات، وما وَرَدَ في بعض طرقه: ((أصابع الرَّحمن))(١).
يدلّ على القُدرة أو المُلْك.
قوله: ((حتَّى بَدَت نَواجِذُه)) أي: أنيابه، وليس ذلك مُنافياً للحديثِ الآخر أنَّ ضَحِكَه
كان تَبسُّماً كما سيأتي في تفسير الأحقاف (٤٨٢٨).
(١) يشير إلى حديث ((قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن))، وقد أخرجه مسلم (٢٦٥٤) من
حديث عبدالله بن عمرو. وانظر ((مسند أحمد)) (٦٥٦٩).

٢١٤
سورة الزمر/ ح ٤٨١٢ - ٤٨١٣
فتح الباري بشرح البخاري
٣- باب قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ
مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]
٤٨١٢- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرِ، قال: حدَّثني اللَيثُ، قال: حدَّثني عبدُ الَّحمنِ بنُ خالِدِ بنِ
مُسافِرٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ، أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله وَلَه يقول: ((يَقْبِضُ اللهُ
الأرضَ، ويَطْوِي السَّماواتِ بيَمِينِهِ، ثمَّ يقول: أنا المَلِكُ، أينَ ملوكُ الأرضِ؟!».
[أطرافه في: ٦٥١٩، ٧٣٨٢، ٧٤١٣]
قوله: ((باب قوله: ﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ, يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتٌ
بِيَمِينِهِ،﴾)) لمَّا وَقَعَ ذِكْر الأرض مُفرَداً حَسُنَ تأكيدُه بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ إشارة إلى أنَّ
المراد جميع الأراضي.
ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((يقبض الله الأرض ويَطْوي السماوات بيمينه ثمَّ يقول:
أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)) وسيأتي شرحه أيضاً مُستَوفَّى في كتاب التوحيد (٧٣٨٢) إن
شاء الله تعالى.
٤ - باب قوله: ﴿وَنُفِخَ فِ الضُورِ فَصَعِقَ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ
إِلَّا مَن شَآءَ اللّهُ ﴾ [الزمر: ٦٨]
٤٨١٣- حدَّثني الحسنُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ خليلٍ، أخبرنا عبدُ الرَّحيم، عن زكريّا بنِ
أبي زائدةً، عن عامٍ، عن أبي هريرةَ عُ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((إنّ مِن أَوَّلِ مَن يرفعُ رأسَه بعدَ
النَّفْخِةِ الآخرةِ، فإذا أنا بموسى مُتعلِّقٌ بالعَرْشِ، فلا أدري أكذلك كان، أم بعدَ النَّفْخةِ؟».
قوله: ((باب قوله: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن
٥٥٢/٨
شَآءَ اللَّهُ﴾)) اختُلِفَ في تعيين مَن استَثنَى الله، وقد لَمَّحت بشيءٍ من ذلك في ترجمة موسى
من أحاديث الأنبياء (٣٤٠٨).
قوله: ((حدَّثني الحسن)) كذا في جميع الرِّوايات غير منسوب، فجَزَمَ أبو حاتم سهل بن
السّرِيّ الحافظ فيما نَقَلَه الكَلَاباذيُّ بأنَّه الحسن بن شُجاع البَلْخيُّ الحافظ، وهو أصغر من

٢١٥
سورة الزمر/ ح ٤٨١٤
كتاب التفسير
البخاريّ لكن ماتَ قبلَه وهو معدودٌ من الحُفّاظ، ووَقَعَ في ((المصافَحة)) للبَرْقانيّ أنَّ
البخاريّ قال في هذا الحديث: ((حدَّثنا الحُسين)) بضمِّ أوَّله مُصغٌَّ، ونُقِلَ عن الحاكم أنَّه
الحسين بن محمَّد القَبّانيّ، فالله أعلم.
وإسماعيل بن الخليل شيخه من أوساط شيوخ البخاريّ، وقد نزلَ البخاريُّ في هذا
الإسناد دَرَجَتَينٍ، لأنَّه يروي عن واحد عن زكريًّا بن أبي زائدة، وهنا بينَهما ثلاثة أنفُس.
قوله: ((أخبرنا عبد الرحيم)) هو ابن سليمانَ، وعامر: هو الشَّعبيّ.
قوله: ((إنّ من أوَّل مَن يرفع رأسَه)) تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في ترجمة موسى من أحاديث
الأنبياء.
ـبيـ
قوله: ((أم بعدَ النَّفْخة) نَقَلَ ابنُ التَّين عن الدَّاوُودِيِّ أنَّ هذه اللَّفظة وهمٌّ، واستَنَّدَ إلى أنَّ
موسى ميِّت مقبور، فيُبعَث بعدَ النَّفخة، فکیف یکون مُستَئنّی؟ وقد تقدَّم بیان وجه الردّ
عليه في هذا بما يُغني عن إعادته، ولله الحمد.
٤٨١٤- حدَّثنا عمرُ بنُ حفص، حدَّثنا أَبي، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ أبا صالح،
قال: سمعتُ أبا هريرةَ، عن النبيِّ وَّ قال: ((ما بينَ النَّفْخَتَينِ أربعونَ)) قالوا: يا أبا هريرةَ،
أربعونَ يوماً؟ قال: أَبَيْتُ، قال: أربعونَ سَنةً؟ قال: أَبَيْتُ، قال: أربعونَ شَهْراً؟ قال: أَبَيْتُ،
((ويَبْلَى كلُّ شيءٍ منَ الإنسان، إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ، فيه يُرَّبُ الخلقُ)).
[طرفه في: ٤٩٣٥]
قوله: ((ما بينَ النَّفْخَتَينِ)) تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٨) الردّ على مَن زَعَمَ أنَّها أربع
نَفَخات، وحديث الباب يُؤْيِّد الصَّواب.
قوله: ((أربعونَ، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟» لم أقِفْ على اسم السائل.
قوله: ((أَبَيْتُ)) بموخَّدةٍ، أي: امتَنَعتُ عن القول بتعيينٍ ذلك، لأَنَّه ليس عندي في ذلك
توقيف، ولابنٍ مَرْدويه من طريق أبي بكر بن عيّاش عن الأعمَش في هذا الحديث فقال:
(أَعَبَيتُ)) من الإعياء: وهو التَّعَب، وكأنَّه أشارَ إلى كَثْرة من يسأله عن تبیین ذلك فلا يجيبُه.

٢١٦
سورة الزمر/ ح ٤٨١٤
فتح الباري بشرح البخاري
وزَعَمَ بعض الشُّرّاح أنَّه وَقَعَ عندَ مسلم: أربعينَ سنة، ولا وجود لذلك، نعم أخرج
ابن مَرْدويه من طريق سعيد بن الصَّلت عن الأعمَش في هذا الإسناد: ((أربعونَ سنة)) وهو
شاذٌّ. ومن وجه ضعيف عن ابن عبّاس قال: ما بينَ النَّفْخة والنَّفخة أربعون سنة، ذكره في
أواخر سورة صّ، وكأنَّ أبا هريرة لم يَسمَعها إلّا مُجمَلةً، فلهذا قال لمن عَيِّنَها له: أبيتُ. وقد
أخرج ابن مَرْدويه من طريق زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: ((بينَ النَّفْخَتَينِ أربعونَ))
قالوا: أربعونَ ماذا؟ قال: هكذا سمعتُ. وقال ابن التِّين: ويحتمل أيضاً أن يكون عَلِمَ ذلك
لكن سَكَتَ لِيُخبرَهم في وقتٍ، أو اشْتَغَلَ عن الإعلام حينئذٍ. ووَقَعَ في («جامع ابن وَهْب)):
أربعينَ جمعةً، وسنده مُنقَطِع.
قوله: ((ويَبْلَى كلُّ شيء من الإنسان إلّا عَجْبَ ذَنَبه، فيه يُركَّب الخلق)) في رواية مسلم
(٢٩٥٥): ((ليس من الإنسان شيء إلّا يَبَلَى إلّا عَظماً واحداً)) الحديث(١)، وأفرَدَ هذا القَدْر
من طريق أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: ((كلّ ابن آدم يأكله التُراب إلّا عَجْب
الذَّنَب، منه خُلِقَ ومنه يُركَّب))، وله من طريق همَّام عن أبي هريرة قال: ((إنَّ في الإنسان
عَظماً لا تأكلُه الأرض أبداً، فيه يُركَّب يومَ القيامة)) قالوا: أيُّ عَظم هو؟ قال: ((عَجْب
الذَّنَب))، وفي حديث أبي سعيد عندَ الحاكم (٦٠٩/٤)، وأبي يَعْلى (١٣٨٢): قيلَ: يا
رسول الله، ما عَجْبُ الذَّنَب؟ قال: (مِثلُ حَبّةٍ خَرْدَل)».
والعَجْب: بفتح المهمَلة وسكون الجيم بعدَها موخَّدة، ويقال له: عَجْم، بالميمِ أيضاً
عِوَض الباء، وهو عظم لطيفٌ في أصل الصُّلْب، وهو رأس العُصْعُص، وهو مكان رأس
الذَّنَب من ذوات الأربع. وفي حديث أبي سعيد الخُدْريِّ عندَ ابن أبي الدُّنيا، وابن(٢) أبي
داود، والحاكم (٤ / ٦٠٩) مرفوعاً: ((إنَّه مِثلُ حَبّة الخَرَدَل)).
(١) وفات الحافظ رحمه الله أنها رواية عند البخاري أيضاً فيما يأتي برقم (٤٩٣٥).
(٢) سقط لفظ ((أبي)) من (ع) و(س)، واستدركناه من (أ)، والحديث عند ابن أبي داود في ((البعث)) (١٧)،
وأما ابن أبي الدنيا فلم نقف عليه عنده في شيء من كتبه المطبوعة التي بين أيدينا، والحديث أخرجه أيضاً
أحمد في «مسنده» (٣/١١٢٣٠) وانظر تمام تخريجه فيه.

٢١٧
سورة الزمر/ ح ٤٨١٤
كتاب التفسير
قال ابن الجَوْزيّ: قال ابن عَقيل: لله في هذا سِرّ لا يَعلَمُه إلّا الله، لأنَّ مَن يُظهِر الوجودَ من
العَدَم/ لا يحتاج إلى شيء يبني عليه. ويحتمل أن يكون ذلك جُعِلَ علامةً للملائكة على إحياء کلّ ٥٥٣/٨
إنسان بجَوْهره، ولا يَحَصُل العلمُ للملائكة بذلك إلّا بإبقاءِ عَظْم كلّ شخص، ليُعلَمَ أنَّه إنَّما أراد
بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزءٌ منها، ولولا إبقاءُ شيء منها لجَوَّزَت الملائكةُ
أنَّ الإعادة إلى أمثال الأجساد لا إلى نفس الأجساد. وقوله في الحديث: ((ويَبلَى كلّ شيء من
الإنسان)) يحتمل أن یرید به: يفنى، أي: تُعدم أجزاؤه بالگُلِيَّة، ويحتمل أن يُراد به يستحيل،
فتزول صورته المعهودة فيصير على صفة جسم التُراب، ثمَّ يُعاد إذا رُكِّبَت إلى ما عُهِدَ.
وزَعَمَ بعض الشُّرَاحِ أنَّ المراد بأنَّه لا يَبْلَى، أي: يَطُول بَقَاؤُه، لا أنَّه لا يَفْنَى أصلاً، والحكمة
فيه أنَّه قاعدة بَدْء الإنسان وأُسّه الذي يُبنَى عليه، فهو أصلَبُ من الجميع، كقاعدة الجِدار، وإذا
كان أصلَبَ كان أدوَمَ بقاءً، وهذا مردود، لأنَّه خِلاف الظاهر بغير دليل.
وقال العلماء: هذا عامٌّ يُخْصّ منه الأنبياء، لأنَّ الأرض لا تأكل أجسادهم. وألحَقَ ابنُ
عبد البَرّ بهم الشُّهَداء، والقُرطُبِيُّ المؤَذِّنَ المحتَسِب. قال عِيَاض: فتأويل الخبر وهو ((كلّ
ابن آدم يأكله التُراب)) أي: كلّ ابن آدم مما يأكله التُراب، وإن كان التُّراب لا يأكل أجساداً
كثيرةً كالأنبياءِ.
قوله: ((إلّا عَجْبَ ذَنَبه)) أخَذَ بظاهره الجمهور فقالوا: لا يَبَلَى عَجْبُ الذَّنَب ولا يأكله
التُراب، وخالَفَ المُزَنيُّ فقال: ((إلّا)) هنا بمعنى الواو، أي: وعَجْبُ الذَّنَب أيضاً يَبْلَى. وقد
أثبتَ هذا المعنى الفَرّاءُ والأخفَش فقالوا: تَرِدُ ((إلّا)) بمعنى الواو. ويَرُدّ ما انفَرَدَ به المُزَنيُّ
التَّصريحُ بأنَّ الأرض لا تأكلُه أبداً كما ذكرتُه من رواية همَّام.
وقوله في رواية الأعرَج: ((منه خُلِقَ)) يقتضي أنَّه أوَّل كلّ شيء يُخْلَق من الآدَميّ، ولا
يعارضه حديثُ سلمان: أنَّ أوَّل ما خُلِقَ من آدم رأسه (١)، لأنَّه يُجمَعِ بينَهما بأنَّ هذا في حَقّ
آدم، وذاكَ في حَقّ بنيه، أو المراد بقولِ سلمان: نَفخُ الرّوح في آدم، لا خلق جسده.
(١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ١/ ٣٠، وابن أبي شيبة في «المصنف)) ١٤ / ١١٠ وغيرهما بسندٍ منقطع عن سلمان
الفارسي من قوله، وهو ضعيف لانقطاعه.

٢١٨
سورة المؤمن / ح ٤٨١٥
فتح الباري بشرح البخاري
٤٠ - سورة المؤمن
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال مجاهدٌ: ﴿حَمَ ﴾ تَجَازُها مَجَازُ أوائلِ السُّوَرِ.
ويقال: بل هو اسمٌ، لقولِ شُرَيحِ بنِ أبي أوْقَى العَبْسِّ:
يُذكِّرُني حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ فَهَلَاتَلَا حامِيمَ قبلَ التَّقْدُّم
﴿الَّوْلِ﴾ [٣]: النَّفَضُّلُ.
﴿دَاخِرِينَ﴾ [٦٠]: خاضِعِينَ.
وقال مجاهدٌ: ﴿إِلَى النَّجَوَةِ﴾ [٤١]: الإيمانِ.
﴿لَيْسَ لَهُ, دَعْوَةٌ ﴾ [٤٣]: يعني: الوَثَنَ.
يُسْجُرُونَ﴾ [٧٢]: توقَدُ بهمُ النارُ.
تَمْرَحُونَ ﴾ [٧٥]: تَبْطَرونَ.
وكان العلاءُ بنُ زيادٍ يُذكِّرُ النارَ، فقال رجلٌ: لمَ تُقنِّطُ الناسَ؟ قال: وأنا أَقِدِرُ أن أُقْنِّطَ
الناسَ، واللهُ عزَّ وجلَّ يقول: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾
ويقول: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ [٤٣] ولكنَّكم تُحِبّونَ أن تُبشَّروا بالجنَّةِ على
مَساوِئ أعمالِكم، وإِنَّا بَعَثَ اللهُ مُحمَّداً ◌َِّ مُبِّراً بالجنَّةِ لمن أطاعَه، ومُنذِراً بالنارِ مَن عَصَاه.
٤٨١٥ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني
يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ إبراهيمَ التَّيْمِيُّ، قال: حدَّثَنِي عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ قال:
قلتُ لعبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ: أخبِرْني بأشَدِّ ما صَنَعَ المشركونَ برسولِ الله وَلا؟ قال: بَيْنا
رسولُ اللهِ وَهِ يُصَلّى بِفِناءِ الكعبةِ، إذ أقبَلَ عُقْبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ، فَأَخَذَ بمَنْكِبٍ رسولِ الله ◌ِّهه
ولَوَى ثوبَه في عُنُقِهِ فخَنَقَه خَتْقاً شديداً، فأقبَلَ أبو بكر، فأخَذَ بمَنْكِهِ ودَفَعَ عن رسولِ الله وََّ،
وقال: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَ كُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].

٢١٩
سورة المؤمن/ ح ٤٨١٥
كتاب التفسير
٥٥٤/٨
قوله: ((سورة المؤمن - بِسْمِ اللَّهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملةُ لغیر أبي ذرّ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿حَمَ﴾ مَجَازُها مَجاز أوائل السُّوَر. ويقال: بل هو اسم، لقولِ شُرَيحِ
ابن أبي أوَى العَبسيّ:
يُذكِّرني حاميمَ والرُّمحُ شاجِرٌ فَهَلّاتلا حاميمَ قبلَ التَّقْدُّم)»
ووَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ: ((وقال البخاريّ: ويقال ... )) إلى آخره، وهذا الكلام لأبي عُبيدة في
(مَجاز القرآن)) ولفظه: ﴿حَمَ﴾ مَجَازُها مجاز أوائل السّوَر. وقال بعضهم: بل هو اسم، وهو يُطلِقِ
المجاز ويريد به التََّويل، أي: تأويل ﴿حَمَ﴾ تأويل أوائل السّوَر، أي: أنَّ الكلّ في الحُكم واحد،
فمهما قيل مثلاً في ﴿الّ﴾ يقال مِثْلُه في ﴿حَمَ﴾.
وقد اختُلِفَ في هذه الحروف المقَطَّعة التي في أوائل السّوَر على أكثرَ من ثلاثينَ قولاً
ليس هذا موضع بَسْطها. وأخرج الطَّبَرَيُّ من طريق الثَّوريّ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد
قال: ﴿اڵمّ﴾ و﴿حم ﴾ و﴿النصّ﴾ و﴿ص﴾ فواتحُ افتُتحَ بها. وروى ابن أبي حاتم من
وجه آخر عن مجاهد قال: فواتح السّوَر كلّها ﴿قَ﴾ و﴿صّ﴾ و﴿طسّمٌ﴾ وغيرها هِجاءٌ
مقطوع. والإسناد الأوَّل أصحّ.
وأمَّا قوله: ((ويقال: بل هو اسم)) فَوَصَلَه عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة قال:
﴿حَمَ﴾ اسم من أسماء القرآن. وقال ابن التِّين: لعلَّه يريد على قراءة عيسى بن عمر بفتح الحاء
والميم الثّانية من ميم، ويحتمل أن يكون عيسى فَتَحَ لالِقاءِ الساكنَينِ. قلت: والشّاهد الذي
أنشَدَ يوافق قراءة عیسی.
وقال الطَّبَريُّ: الصَّواب من القراءة عندَنا في جميع حروف فواتح السُّوَر السُّكون، لأنَّها
حروف هِجاء لا أسماء مُسَمَّيات. وروى ابن مَرْدويه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن
عبَّاس قال: ﴿صّ﴾ وأشباهُها قَسَمٌ أقسَمَ الله بها، وهو من أسماء الله.
(١) في ((تفسيره)) ١٧٨/٢.

٢٢٠
سورة المؤمن/ ح ٤٨١٥
فتح الباري بشرح البخاري
وشُرَيح بن أَوَى(١) الذي نُسِبَ إليه البيت المذكور، ووَقَعَ في رواية القابِسيّ: شُرَيح بن
أبي أوَ، وهو خطأ. ولفظ أبي عُبيدة: وقال بعضهم: بل هو اسم، واحتَجّوا بقولِ شُرَيحِ
ابن أبي أوَى العَبسيّ ... فذكر البيت.
وروى هذه القِصّة عمر بن شَبّة في ((كتاب الجمَل)) له من طريق داود بن أبي هِند قال:
كان على محمَّد بن طلحة بن عبيد الله يومَ الجَمَل عِمامة سوداء، فقال عليّ: لا تَقتُلوا صاحب
العِمامة السَّوداء، فإنَّما أخرجه بِرُّه بأبيه، فلَقِيَه شُرَيح بن أبي أوَى فأهوَى له بالُّمحِ فتَلا
﴿حَمَ ﴾ فقَتَلَه. وحُكيَ أيضاً عن ابن إسحاق: أنَّ الشِّعر المذكور للأشتَرِ النَّخَعيِّ، وقال:
وهو الذي قتل محمَّد بن طلحة. وذكر أبو مِختَفٍ أنَّه لمُدلِج بن كعب السَّعديّ، ويقال:
كعب بن مُدلِج، وذكر الزُّبَير بن بَكّارٍ أنَّ الأكثر على أنَّ الذي قتله عصام بن مُفْشَعِرٍ، قال
المرزُيانيّ: هو الثَّبت، وأنشَدَ له البيت المذكور وأوَّله:
وأشعَثَ قَوّامٍ بِآيَاتِ رَبّهِ قليلِ الأَذَى فيما تَرَى العينُ مُسلمٍ
مَتَكتُ له بالرُّمحِ جَيْبَ قميصهِ فخَرَّ صَريعاً لِلَيَدَينِ وللْفَمِ
على غيرِ شيءٍ غيرَ أنْ ليس تابعاً عليّاً، ومَن لا يَتَبَعِ الحقَّ يَندَمِ
◌ُذگِّرني حامیمَ ....
البيتَ
ويقال: إنَّ الشِّعر لشَدّادِ بن معاوية العَبْسيّ، ويقال: اسمه حديد من بني أسد بن خُزَيمةً،
٥٥٥/٨ حكاه الزُّبَير، / وقيل: عبد الله بن مُكَعْبر(٢)، وذكر الحسن بن المظفَّر النَّيسابوريّ في كتاب
((مأدبة الأُدَباء)) قال: كان شِعارُ أصحاب عليّ يومَ الجَمَل حمّ، وكان شُرَيح بن أبي أوفَ معَ
عليّ، فلمَّا طَعَنَ شُرَيحٌ محمَّداً قال: حمّ، فَأَنشَدَ شُرَيحُ الشِّعر. قال: وقيل: بل قال محمَّد لمَّا
طَعَنَه شُرَيْحٌ ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِيَ اللّهُ﴾ فهذا معنى قوله: ((يُذكِّرني حاميمَ)) أي:
(١) في (أ) و(س): وشريح بن أبي أوفى، وإسقاط لفظ ((أبي)) من (ع)، وهو المناسب لسياق كلام الحافظ ابن
حجر، والموافق أيضاً لما في ((عمدة القاري)) ١٩ / ١٤٧ من أنَّ رواية القابسي وقع فيها: شريح بن أبي
أوفى، وردِّه لها. وشريح بن أوفى هذا له ترجمة في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر ٣/٢٣.
(٢) تحرف في (س) إلى: معكبر.