Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ سورة الفرقان/ ح ٤٧٦٦ كتاب التفسير فأجابَ، فسألته عن شيء آخرَ، مثلاً، ولا يخفى تكلُّفُه. ويُؤيِّد الأوَّلَ روايةٌ شُعْبة في الباب الذي يَلِيه عن منصور عن سعيد بن جُبَير قال: أمَرَني عبد الرَّحمن بن أبزَى أن أسأل ابن عبّاس فسألته، وكذا أخرجه إسحاق بن إبراهيم في ((تفسيره) عن جَرِير عن منصور، وأخرجه ابن مَرْدويه من طريق أُخرى عن جَرِير بلفظ: قال: أمَرَني عبد الرّحمن بن أبزَى: أن سَلِ ابن عبّاس ... فذكره، وذكر عِيَاض ومَن تَبِعَه أَنَّه وَقَعَ في رواية أبي عُبيد القاسم بن سَلّام(١) في هذا الحديث من طريق [شعبة عن منصور] (٣) عن سعيد ابن جُبَير: أمَرَني سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزَى أن أسأل ابن عبّاس، فالحديث من رواية سعيد ابن ◌ُبَير عن ابن عبّاس، ولغيره: أمَرَني ابن عبد الرّحمن، قال: وقال بعضهم: لعلَّه سَقَطَ ((ابن)) قبلَ عبد الرَّحمن وتَصَخَّفَ من ((أمَرَني))، ويكون الأصل: أمَرَ ابن عبد الَّحمن، ثمَّ لا يُنكَر سؤال عبد الرّحمن واستفادتُه من ابن عبّاس، فقد سألَه مَن كان أقدَمَ منه وأفقَه. قلت: الثّابت في ((الصحيحين)) وغيرهما (٣) من المستَخرَجات عن سعيد بن جُبَير: أمَرَني عبد الرَّحمن بن أبزَى أن أسأل ابن عبّاس، فالحديث من رواية سعيد بن جُبَير عن ابن عبَّاس، والذي زاد فيه سعيد بن عبد الرَّحمن أو ابن عبد الرَّحمن (٤). ٤ - بابٌ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: ٧٠] ٤٧٦٦ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا أبي، عن شُعْبةَ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، قال: أمَرَني عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبزَى أن أسألَ ابنَ عبَّاسٍ عن هاتَينِ الآيتينِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا (١) في ((الناسخ والمنسوخ)) له (٤٨٦)، وعنده - كما في المطبوع -: ابن أبزى، وليس سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى. (٢) ما بين المعقوفين زيادة من ((الناسخ والمنسوخ))، ووقع مكانها في الأصول الخطية بياض. (٣) انظر الرواية التالية. (٤) كذا وقف الكلام - كما في الأصول الخطية - وكأنه لم يتمَّ، ولعلَّ الحافظ أراد أن یوهِّمَ من زاد فيه سعيد ابن عبد الرحمن أو ابن عبد الرحمن، والله تعالى أعلم. ١٠٢ سورة الفرقان / ح ٤٧٦٦ فتح الباري بشرح البخاري مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] فسألتُه، فقال: لم يَنْسَخْها شيءٌ، وعن ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَخَرَ ﴾ قال: نزلت في أهلِ الشِّرْكِ. قوله: ((عن هاتَينِ الآيتَينِ ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾)) فسألتُه فقال: لم يَنسَخْها شيء، وعن ﴿وَالَّذِينَ لَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ قال: نزلت في أهل الشِّرك)) هكذا أورَدَه مختصراً، وسياق مسلم (١٨/٣٠٢٣) من هذا الوجه أتمُّ، وأتمُّ منهما ما تقدَّم في المبعَث (٣٨٥٥) من رواية جَرِير بلفظ: هاتَينِ الآيتينِ ما أمرُهما؟ التي في سورة الفُرقان ﴿ وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ والتي في سورة النِّساء ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قال: سألتُ ابن عبّاس فقال: لمَّا أُنزِلَت التي في سورة الفرقان قال مُشرِكو مكَّة: قد قتلنا النَّفْس، ودَعَونا معَ الله إلهاً آخر، وأتينا الفواحش، قال: فنزلت ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية، قال: فهذه لأولئكَ، قال: وأمَّا التي في سورة النِّساء فهو الذي قد عَرَفَ الإسلامَ ثمَّ قتل مُؤْمِناً ٤٩٦/٨ مُتَعمِّداً، فجَزاؤُه جَهَنَّم لا توبةَ له، / قال: فذكرت ذلك لمجاهدٍ فقال: إلّا مَن نَدِمَ. وحاصل ما في هذه الرّوايات: أنَّ ابن عبّاس كان تارةً يجعل الآيتينِ في محلٍّ واحد، فلذلك يَجِزِم بنسخِ إحداهما، وتارةً يجعل محلّهما مُخْتَلِفاً. ويُمكِن الجمعُ بينَ كلامَيه بأنَّ عُموم التي في الفُرقان خَصَّ منها مُباشَرةَ المؤمن القتلَ مُتعمِّداً، وكثير من السَّلَف يُطلِقُونَ النَّسخ على التَّخصيص، وهذا أَولى من حَمل كلامه على التَّنَاقُض، وأَولى من دَعوَى أنَّه قال بالنَّسْخِ ثمَّ رَجَعَ عنه. وقول ابن عبّاس بأنَّ المؤمن إذا قتل مُؤمِناً مُتعمِّداً لا توبة له، مشهور عنه، وقد جاء عنه في ذلك ما هو أصرَحُ ممَّ تقدَّم، فروى أحمد (٢١٤٢) والطَّبَريُّ (٢١٨/٥) من طريق يحيى الجابر، والنَّسائيُّ (٣٩٩٩) وابن ماجَهْ (٢٦٢١) من طريق عمَّار الدُّهْني، كلاهما عن سالم بن أبي الجَعْد قال: كنت عندَ ابن عبّاس بعدَما كُفَّ بَصَرُه، فأتاه رجل فقال: ما تَرَى في رجل قتل مُؤمِناً مُتعمِّداً؟ قال: جَزاؤُه جَهَنَّم خالداً فيها، وساقَ الآيةَ إلى: ﴿عَظِيمًا﴾ قال: لقد نزلت في آخر ما نزلَ، وما نَسَخَها شيء حتَّى قُبِضَ رسول الله وَلَّه وما نزلَ وحيٌّ بعدَ رسول اللهَوَّه قال: أفرأيتَ إن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صالحاً ثمَّ اهتَدَى؟ قال: وأَنَّى له التوبةُ والهدى؟! لفظ يحيى الجابر، والآخَر نحوه. ١٠٣ سورة الفرقان/ ح ٤٧٦٧ كتاب التفسير. وجاء على وَفْق ما ذهب إليه ابن عبّاس في ذلك أحاديث كثيرة: منها ما أخرجه أحمد (١١٩٠٧)، والنَّسائيُّ (٣٩٨٤) من طريق أبي إدريس الخَوْلانيّ عن معاوية: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((كلَّ ذنبٍ عَسَى الله أن يَغْفِرَه، إلّا الرجلَ يموت كافراً، والرجلَ يَقتُل مُؤمِناً مُتعمِّداً))، وقد حَمَلَ جُهور السَّلَف وجميع أهل السُّنّة ما وَرَدَ من ذلك على التَّغليظ، وصَخَّحوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ أي: إن شاء اللهُ أن يُجازَيَه، تَمَسُّكاً بقوله تعالى في سورة النِّساء [٤٨] أيضاً: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾. ومن الحُجّة في ذلك حديثُ الإسرائيليّ الذي قتل تسعةً وتسعينَ نفساً، ثمَّ أتى تمامَ المئة فقال له: لا توبةَ لك، فقَتَلَه فأكمَلَ به مئةً، ثمَّ جاء آخرَ فقال: ومَن يَحُول بينَك وبينَ التوبة ... الحديث، وهو مشهور، وسيأتي في الرِّقاق واضحاً(١)، وإذا ثَبَتَ ذلك لمن قُبِلَ من غير هذه الأُمّة، فيمثلُه لهم أَولى لمَا خَفَّفَ الله عنهم من الأثقال التي كانت على مَن قبلَهم. ٥- باب قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]: هَلَكَةً ٤٧٦٧ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ بنِ غِيَاثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا مسلمٌ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ الله: خمسٌ قد مَضَينَ: الدُّخانُ، والقمرُ، والرُّومُ، والبَطْشةُ، واللِّزامُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾: هَلَكَةً)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾: أي: جزاءً يُلزِمُ كلَّ عامل بما عَمِلَ، وله معنّى آخر: يكون هلاكاً. قوله: ((حدَّثنا مسلمٌ)) هو أبو الضُّحَى الكوفي، وهو طرف من حديث يأتي الكلام عليه في سورة الروم (٤٧٧٤) إن شاء الله تعالى (٢). (١) بل سلف في أحاديث الأنبياء برقم (٣٤٧٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وقد سلف شرحه هناك. (٢) من قوله: ((وهو طرف)) إلى هنا سقط من (أ) و(س)، واستدركناه من (ع). ١٠٤ سورة الشعراء فتح الباري بشرح البخاري ٢٦ - سورة الشّعراء بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهد: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ [١٢٨]: تَبْنُونَ. ﴿هَضِيمٌ﴾ [١٤٨]: يَتفتَّتُ إذا مُسَّ. ((مُسَخَّرِينَ): مَسْحُورينَ. ﴿فِي السَّجِدِينَ﴾ [٢١٩]: المصَلِّينَ. اللَّيْكَةُ والأَيْكَةُ [١٧٦]: جمعُ أَيكةٍ، وهي جمعُ الشَّجَرِ. ﴿يَوْمِ الُلَّةِ﴾ [١٨٩): إظْلالُ العذابِ إِيّاهم. ﴿مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩]: معلوم. ﴿كَلَطَّوْرٍ﴾ [٦٣]: كالجبلِ. وقال غيره: ﴿لَشِرْزِمَةٌ﴾ [٥٤]: الثِّرذِمةُ: طائفةٌ قليلةٌ. قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ﴾ [١٢٩]: كأنَّكم. الرِّيعُ: الأيفاعُ منَ الأرضِ، وجمعُه: رِيَعةٌ وأرياٌ، واحدُهُ رِيعةٌ. ﴿ مَصَانِعَ﴾ [١٢٩]: كلُّ بناءٍ فهو مَصْنَعَةٌ. ((فَرِهِينَ)) [١٤٩]: مَرِحِينَ، ﴿فَرِهِينَ﴾ بمَعْناه، ويقال: فارِهِينَ: حاذِقِينَ. ٤٩٧/٨ ﴿نَعْثَوْاْ﴾ [١٨٣]: أشَدُّ الفَسَادِ، وعاثَ يَعِيثُ عَيْئاً. الجِلّةُ: الخَلْقُ، جُبِلَ: خُلِقَ، ومنه: جُبُلاً وجِلاً وجُبْلاً، يعني: الخَلْقِ، قالَه ابنُ عبَّاسٍ. ((سورة الشُّعَراء - بِسْمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) ثَبَتَت البسملة لأبي ذرٍّ مُؤَخَّرَةً. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿تَعْبَثُونَ﴾: تَبْنونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عنه في قوله: ﴿ أَتَبَّنُونَ بِكُلِّ رِيع﴾ قال: بكلِّ فَجِّ ﴿مَايَةٌ تَغْبَغُونَ﴾: بُنياناً، وقيل: كانوا يَهْتَدُونَ في الأسفار بالنُّجوم، ثمَّ انَّخذوا أعلاماً في أماكنَ مُرتَفِعةٍ لِيَهتَدُوا بها، وكانوا في غُنْيَةٍ ١٠٥ سورة الشعراء كتاب التفسير عنها بالُّجومِ، فاَّخذوا البُنيانَ عَبَئاً. قوله: ((﴿هَضِيمٌ﴾: يَتَفَتَّت إذا مُسَّ)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ بلفظ: يَتَهَشَّم هَشیاً، وروى ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٠١) من وجه آخرَ عن مجاهد: الطَّلْعة إذا مَسِستَها تَناثَرَت، ومن طريق عِكْرمة قال: الهَضيم: الرَّطْب اللّيِّن، وقيل: المذنَب. قوله: ((مُسَخَّرِينَ: مَسْحورينَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ في قوله: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣ و ١٨٥]، أي: من المسحورينَ. وقال أبو عبيدة: كلَّ مَن أكَلَ فهو مُسَخَّر، وذلك أنَّ له سِحراً يَفْري ما أكَلَ فيه. انتهى، والسَّحْرِ بمُهمَلتَينِ بفتحِ ثمَّ سكون: الرِّئة. وقال الفَرّاء: المعنى: أَنَّك تَأْكُل الطَّعام والشَّراب وتُسحَر به، فأنتَ بَشَرٌ مِثْلُنا لا تَفْضُلنا في شيء. قوله: ((﴿فِ السَّجِدِينَ﴾: المصَلِّينَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ كذلك، والمراد أنَّه كان يرى مَن خَلفَه في الصلاة. قوله: ((اللَّيْكَة والأيكة جمعُ أيكةٍ، وهي جمع الشَّجَر)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: جمعُ شَجَر، وللبعضِ: جماعة الشَّجَر. وقد تقدَّم في قِصّة شُعَيب من أحاديث الأنبياء(١) اللَّفظ الأوَّل معَ شرحه، والكلام الأوَّل من قول مجاهد، ومن قوله: جمع أيكة ... إلى آخره هو من كلام أبي عُبيدة، ووَقَعَ فيه سَهوٌ، فإنَّ لَيْكة والأيكة بمعنَى واحد عندَ الأكثر، والمسَهَّل الهمزة فقط، وقيل: لَيكة اسم القرية، والأيكة: الغَيْضة، وهي الشَّجَر الملتَفّ. وأمَّا قوله: جمع شَجَرٍ، فالصواب أن (٢) يقال: جمعها لَيْكٌ، وهو الشَّجَر الملتَفّ. قوله: (﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: إظْلال العذابِ إِّهم)) وَصَلَه الفِرْيابيّ، وقد تقدَّم أيضاً في أحاديثِ الأنبياء. قوله: (﴿قَوْزُونٍ﴾: مَعْلوم)) كذا لهم، ووَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ: قال ابن عبّاس: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]، كأنَّكُم، لَيْكة: الأيكة، وهي الغَيْضة، مَوزُون: معلوم. فأمَّا (١) في باب قول الله تعالى: ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ بين يدي الحديث (٣٤١٢). (٢) قوله: «فالصواب أن» من (ع) وحدها. ١٠٦ سورة الشعراء فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لعلَّكم)) فوَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق علي (١) بن أبي طلحة عنه به. وحكى البَغَويُّ في ((تفسيره)) عن الواحديِّ قال: كلُّ ما في القرآن ((لعلَّ)) فهو للتَّعليلِ، إلّا هذا الحرف فإنَّه للتَّشبيه، كذا قال، وفي الحَصْر نظرٌ، لأنَّه قد قيل مِثل ذلك في قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقد قرأ أيُّ بن كعب: ((كأَنَّكم ◌َخُلُدُونَ))، وقرأ ابن مسعود (كَي ◌َخُلُدُوا)) وكأنَّ المراد أنَّ ذلك بزَعمِهم، لأنَّهم كانوا يَستَوثِقونَ من البناء ظناً منهم أنَّها تُحصِنُهم من أمر الله، فكأنَّهم صَنَعوا الحَجَر صَنيعَ مَن يَعتَقِد أنَّه يَخْلُد، وأمَّا قوله: ((لَيْكة)) فتقدَّم بيانه في أحاديث الأنبياء، ووَصَلَه ابن أبي حاتم بهذا اللَّفظ أيضاً. وأمَّا قوله: ﴿مَوْزُونٍ﴾ فمَحَلّه في سورة الحِجْر، ووقعَ ذِكْرِه هنا غَلَطاً، وكأنَّه انتَقَلَ من بعض مَن نَسَخَ الكتاب من محلّه، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً كذلك، ووَصَلَه الفِرْيابيُّ بالإسناد المذكور عن مجاهد في قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ قَوْزُونٍ﴾ قال: بقَدَرٍ مقدور. قوله: (﴿كَأَلَطَّوْرٍ﴾: كالجبلِ)) وَقَعَ هذا لأبي ذرِّ منسوباً إلى ابن عبّاس، ولغيره منسوباً إلى مجاهد، والأوَّل أظهَر. ووَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وزاد: ((على نَشَزِ من الأرض)) ووَصَلَه الفِرْيابيّ من طريق مجاهد. قوله: (وقال غيره: ﴿لَشِرْزِمَةٌ ﴾: الشِّزْزِمة: طائفةٌ قليلة)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره ذكر ذلك ٤٩٨/٨ فيما نُسِبَ إلى مجاهد، والأوَّل أولى، وهو تفسير أبي عُبيدة قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْزِمَةٌ قَلِلُونَ﴾ أي: طائفة قليلة، وذهب إلى القوم فقال: قليلونَ، والذي أورَدَه الفِرْيابيُّ وغيره عن مجاهد في هذا أنَّه قال في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْزِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قال: هم يومئذٍ ستُّ مئة ألف، ولا يُحِصَى عَدَدُ أصحاب فِرِعَون، وروى عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن قَتَادة قال: ذُكِرَ لنا أنَّ بني إسرائيل الذينَ قَطَعَ بهم موسى البحرَ كانوا ستَّ مئة ألف مُقاتلٍ بني عشرينَ سنةً فصاعداً، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي(٢) إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن (١) قوله: ((ابن أبي حاتم من طريق علي)) سقط من (س)، والأثر عند ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢٧٩٥/٩. (٢) تحرف في (س) في الموضعين إلى: ابن. وأبو إسحاق هو السَّبيعي. ١٠٧ سورة الشعراء كتاب التفسير ابن مسعود قال: كانوا ستَّ مئة ألف وسبعينَ ألفاً. ومن طريق أبي إسحاق عن عَمْرو بن میمون مثله. قوله: ((الرِّيع: الأيفاعُ من الأرض، وجمعه رِيَعة وأرباع، واحده رِيعة)) كذا فيه، ورِيعة الأوَّل بفتح التَّحتائيَّة والثّاني بسكونها، وعندَ جماعة من المفسِّرِينَ: رِيعٌ واحد، جمعه: أرباع ورَيَعة بالتَّحريكِ، ورِيعٌ أيضاً واحده: رِيعَة بالسُّكون كعِهْنِ وعِهْنة. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿أَثَبْنُونَ بِكُلِّ رِبع﴾ [الشعراء: ١٢٨] الرّيع: الارتفاع من الأرض، والجمع: أرباع ورِيَعة، والرِّيعة واحدة أرياع. وقال عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن قَتَادة في قوله تعالى: وَبِكُلِّ رِيع﴾ أي: بكلِّ طريقٍ. قوله: (﴿مَصَانِعَ﴾: كلَّ بناء فهو مَصْنَعة)) هو قول أبي عبيدة، وزادَ: بفتح النُّون وبضمِّها. وقال عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن قَتَادة: المصانع: القُصور والحُصون، وقال عبد الرَّزاق: المصانع عندَنا بلغة اليمن: القُصور العاديّة. وقال سفيان: ما يُتَّخَذ فيه الماء. ولابنِ أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: المصانع: القُصور المشَيّدة، ومن وجه آخر قال: المصانع: بُروج الحَمَام. قوله: «فَرِهِينَ (١): مَرِحينَ)) كذا لهم، ولأبي ذرٍّ: ((فَرِحينَ» بحاءٍ مُهمَلة، والأوَّل أصحّ، وصَوَّبَه بعضهم لقُرب تَخَرَج الحاء من الهاء، وليس بشيءٍ. قال أبو عبيدة في قوله: ﴿يُوتًاً فَرِهِينَ﴾ أي: مَرِحينَ. وله تفسير آخر في الذي بعده، وسيأتي تفسير الفَرِحينَ بالمرِحينَ في سورة القَصَص(٢). قوله: ((﴿فَرِهِينَ﴾ بمَعْناه، ويقال: فارِهِينَ: حاذِقِينَ)) هو كلام أبي عبيدة أيضاً، وأنشَدَ على المعنى الأوَّل: لا أستَكينُ إذا ما أزْمةٌ أَزَمَتْ ولن تَراني بخيرٍ فَارِهَ اللِيتِ (١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع، وقرأ بقية السبعة ((فارهِينَ)) بألف. ((السبعة)) ص ٤٧٢. (٢) بإثر الحديث رقم (٤٧٧٢). ١٠٨ سورة الشعراء فتح الباري بشرح البخاري واللِّيت بكسر اللّام بعدَها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُثنّاة: العُنُق. وروى عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن قَتَادة والكَلْبِيّ في قوله: ((فَرِهينَ)) قال: مُعجَبين بصَنيعِكُم. ولابنِ أبي حاتم من طريق سعيد، عن قَتَادة قال: آمِنِينَ. ومن طريق مجاهد قال: شَرِهينَ. ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح وعبد الله(١) بن شَدّاد، قال أحدهما: حاذِقينَ، وقال الآخر: جَبّارينَ. قوله: ((﴿نَعْثَوْاْ﴾: هو أشَدّ الفساد، وعاثَ يَعِيثُ عَيْئاً» مُراده أنَّ اللَّفْظَينِ بمعنَّى واحد، ولم يُرِدْ أنَّ(«تَعثَوْا)» مُشتَقّ من العَيْث، وقد قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَلَا نَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُقْسِدِین﴾ هو من: عَثِیتَ تَعْنَی، وهو أشدّ مُبالَغة من: عثیتَ تَعِیث. وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قَتَادة ﴿وَلَا نَعْثَوْاْ﴾ أي: لا تَسِيروا ﴿فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. قوله: ((الجِلَّةُ: الخَلْقِ، جُبلَ: خُلِقَ، ومنه جُبُلاً وجِبِلاً وجُبْلاً، يعني الخلقَ، قاله ابن عَّاس)) كذا لأبي ذرٍّ، وليس عندَ غيره: ((قال ابن عبّاس)) وهو أولى، فإنَّ هذا كلّه كلام أبي عُبيدة، قال في قوله: ﴿وَاَلْجِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] أي: الخلق، هو من: جُبِلَ على كذا، أي: خُلِقَ(٢)، وفي القرآن ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا﴾ [يس: ٦٢] مُثقَّل وغير مُثقَّل ومعناه: الخَلْق. انتهى، وقوله: ((مُثقَّل وغير مُثقَّل)) لم يُبيِّن كيفيَّتهما، وفيهما قراءات: ففي المشهور بكسرتَينِ وتشديد اللّم لنافعِ وعاصم، وبضمّةٍ ثمَّ سكون لأبي عَمْرو وابن عامر، وبكسرتَينِ واللّام خفيفة للأعمَشِ، وبضمَّتَينِ واللّام خفيفة للباقينَ، وفي الشَّواذّ بضمَّتَيْنِ ثُمَّ تشدید، وبکسرة ثمَّ سکون، وبکسرةِ ثمّ فتحة مُفَّفة، وفيها قراءات أُخرى. وأخرج ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال في قوله: ﴿وَالْجِلَّةَ ٤٩٩/٨ الْأَوَّلِينَ﴾ قال: خَلْق الأوَّلينَ، ومن / طريق مجاهد قال: ﴿ وَالْجِلَّةَ﴾: الخَلْق، ولابنِ أبي حاتم من طريق ابن أبي عمر عن سفيان مِثْلُ قول ابن عبّاس، ثمَّ قرأ: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ چيلًا گَثِيرًا﴾. (١) في (س): عن أبي صالح عن عبد الله، وهو خطأ، والتصويب من (ع) و((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢٨٠٢/٩، وكانت على الصواب في (أ) ثم غيرت الواو إلى: عن. (٢) تحرف في (س) إلى: تخلق. ١٠٩ سورة الشعراء / ح ٤٧٦٨-٤٧٦٩ كتاب التفسير ١ - بابٌ ﴿ وَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] ٤٧٦٨ - وقال إبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ: عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المقبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَِّ قال: ((إنَّ إبراهيمَ عليه الصلاةُ والسَّلامُ رأى أباه يومَ القيامةِ عليه الغَبَرَةُ والفَتَرةُ». والغَبَةُ: هي القَتَرة. ٤٧٦٩- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا أخي، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن سعيدِ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((يَلْقَى إبراهيمُ أباه، فيقول: يا رَبِّ، إِنَّكَ وَعَدْتَني أن لا تُخْزِني يومَ يُبعَثونَ، فيقول الله: إنّي حَرَّمْتُ الجنَّةَ على الكافرِينَ)). قوله: ((باب ﴿وَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾)) سَقَطَ ((باب)) لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((وقال إبراهيم بن طَهْمانَ ... )) إلى آخره، وَصَلَه النَّسائيُّ (ك١١٣١١) عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن طَهْمانَ، وساقَ الحديثَ بتمامه. قوله: ((عن سعيد المَقبُريِّ، عن أبي هريرة)) كذا قال ابن أبي أُوَيس، وأورَدَ البخاريّ هذه الطَّريق مُعتَمِداً عليها، وأشارَ إلى الطَّريق الأُخرى التي زِيدَ فيها بينَ سعيد وأبي هريرة رجلٌ فذكرها مُعلَّقة، وسعيد قد سمعَ من أبي هريرة وسمعَ من أبيه عن أبي هريرة، فلعلَّ هذا ممَّا سمعه من أبيه عن أبي هريرة، ثمَّ سمعه من أبي هريرة، أو سمعَه من أبي هريرة مختصراً ومن أبيه عنه تامّاً، أو سمعَه من أبي هريرة ثمَّ ثَبَّتَه فيه أبوه، وكلّ ذلك لا يَقدَح في صِحّة الحديث، وقد وُجِدَ للحديثِ أصلٌ عن أبي هريرة من وجه آخر، أخرجه البزَّار(١) والحاكم (٤/ ٥٨٩) من طريق حمَّد بن سَلَمةَ، عن أيوب، عن ابن سِيرِين، عن أبي هريرة، وشاهده عندَهما أيضاً من حديث أبي سعيد(٢). قوله: ((إنَّ إبراهيم يَرَى أباه يومَ القيامة وعليه الغَبَرَة والقَتَرة. والغَبَرَة: هي القَتَرة)) كذا أورَدَه (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٩٧). (٢) هو عند البزار (٩٤ - كشف الأستار)، والحاكم ٥٨٧/٤-٥٨٨. ١١٠ سورة الشعراء / ح ٤٧٦٩ فتح الباري بشرح البخاري مختصراً، ولفظ النَّسائيِّ (ك١١٣١١): ((وعليه الغَبَرَة والقَتَرة، فقال له: قد نَهَيَتُك عن هذا فَعَصَيْتَني، قال: لكن لا أعصيك اليومَ)) الحديث، فعُرِفَ من هذا أنَّ قوله: ((والغَبَرَة هي القَتَرة)) من كلام المصنِّف، وأخَذَه من كلام أبي عبيدة، فإنَّه قال في تفسير سورة يونس [٢٦]: ﴿وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا زِلَّهُ﴾ القَتَر: الغُبار، وأنشَدَ لذلك شاهدَينٍ. قال ابن التِّين: وعلى هذا فقوله في سورة عَبَسَ [٤١]: ﴿غَبَةٌ ) تَرْفَقُّهَا قَتَرَةُ﴾ تأكيدٌ لفظيّ، كأنَّه قال: غَبَرَة فوقَها غَبَرَة. وقال غير هؤلاءِ: القَتَرة: ما يَغْشَى الوجهَ من الكَرْب، والغَبَرة: ما يَعلُوه من الغُبارِ، وأحدهما حِسِّ والآخر مَعنَويّ. وقيل: الفَتَرة: شِدّة الغَبَرَة بحيثُ يَسوَدُّ الوجه. وقيل: القَتَرة: سواد الدُّخان، فاستُغيرَ هنا. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس، وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد. قوله في الطَّريق الموصولة: ((يَلقَى إبراهيمُ أباه فيقول: يا رَبِّ، إِنَّك وَعَدْتَني أن لا تُخِزِني يومَ يُبعَثُونَ، فيقول الله: إنّ حَرَّمتُ الجنَّةَ على الكافرينَ)) هكذا أورَدَه هنا مختصراً، وساقَه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء (٣٣٥٠) تامّاً. قوله: ((بَلْقَى إبراهيمُ أباه آزَرَ))(١) هذا موافق لظاهر القرآن في تسمية والد إبراهيم، وقد سَبَقَت نِسَبَتَه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء. وحكى الطّبريُّ من طريق ضعيفة عن مجاهد: أنَّ آزَرَ اسم الصَّنَم، وهو شاٌ. قوله: ((وعلى وجه آزَرَ قَتَرة وغَبَرة)) هذا موافق لظاهرِ القرآن/﴿وَوُجُوهُ يَوْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ ٥٠٠/٨ تَرْهَقُهَا قَتْرَةٌ﴾ أي: يَغشاها قَتَرة، فالذي يَظهَر أنَّ الغَبَرة: الغُبار من التُّراب، والقَتَرة: السَّواد الكائن عن الكآبة. قوله: ((فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تَعْصِني؟ فيقول أبوه: فاليومَ لا أَعصِيك))(٢) في (١) لم يرد في هذا الموضع في روايات ((الصحيح)) المعتمدة في اليونينية تسمية والد إبراهيم، وإنما وقع ذلك في أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٥٠). (٢) هذه العبارة وعبارتان تاليتان أيضاً مما وقع في رواية أحاديث الأنبياء، ولم ترد في هذا الموضع من ((الصحيح)). ١١١ سورة الشعراء/ ح ٤٧٦٩ كتاب التفسير رواية إبراهيم بن طَهْمَانَ(١): ((فقال له: قد نَهَيتُك عن هذا فعَصَيتني، قال: لكنّي لا أعصيك واحدةً)). قوله: «فيقول إبراهيم: يا رَبِّ، إنَّك وعَدْتني أن لا تُخْزِني يومَ يُبعَثُونَ، فأيُّ خِزْي أخزَى من أبي الأبعَدِ)) وَصَفَ نفسه بالأبعَدِ على طريق الفَرْض إذا لم تُقبَل شفاعتُه في أبيه، وقيل: الأبعَد صفة أبيه، أي: أنَّه شديد البُعْد من رحمة الله، لأنَّ الفاسق بعيد منها فالكافر أبعَد، وقيل: الأبعَدُ بمعنى البعيد والمراد: الهالك، ويُؤيِّد الأوَّل أنَّ في رواية إبراهيم بن طَهْمانَ: ((وإن أخزَيتَ أبي فقد أخزَيتَ الأبعَد))، وفي رواية أيوب: ((يَلقَى رجلٌ أباه يومَ القيامة فيقول له: أيُّ ابنٍ كنت لك؟ فيقول: خيرَ ابن، فيقول: هل أنتَ مُطِيعي اليومَ؟ فيقول: نعم، فيقول: خُذ بإزرتي. فيأخُذ بإزرته. ثمَّ يَنطَلِقِ حتَّى يأتيَ رَبّه وهو يَعرِض الخلقَ، فيقول الله: يا عبدي، ادخُل من أيِّ أبواب الجنَّة شئتَ، فيقول: أي رَبِّ، أبي معي، فإِنَّك وَعَدْتني أن لا تُحِزِني». قوله: «فيقول الله: إنّ حَرَّمْت الجنَّة على الكافرينَ)) في حديث أبي سعيد: «فيُنادَى: إنّ الجنَّة لا يَدخُلُها مُشِرِك)). قوله: ((ثمَّ يقال: يا إبراهيم، ما تحتَ رِجْلَيك؟ انظُر، فيَنظُر فإذا هو بذِيخ مُتَلَطَّخ، فيُؤْخَذ بقوائمِهِ فُلْقَى في النار)) في روایة إبراهيم بن طَهْمانَ: «فُؤخَذ منه فيقول: يا إبراهيم، أين أبوك؟ قال: أنتَ أخذته منِّي، قال: انظُر أسفَلَ، فيَنظُر فإذا ذِيخٌ يَتَمَرَّغُ في نَتْنِهِ))، وفي رواية أيوب: ((فَيَمسَخ اللهُ أباه ضَبُعاً، فيأخُذ بأنِه، فيقول: يا عبدي أبوك هو؟ فيقول: لا وِزَّتِك))، وفي حديث أبي سعيد: ((فُيُحَوَّل في صورة قبيحة وريح مُنِنة في صورة ضِبْعاٍ))، زاد ابن المنذر من هذا الوجه: «فإذا رآه كذلك تَبرَّأ منه قال: لستَ أبي)». والذِّيخ، بكسر الذّال المعجَمة بعدَها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ خاء مُعجَمة: ذكرُ الضُّباع، وقيل: لا يقال له: ذيخ، إلّا إذا كان كثير الشَّعر، والضِّبْعان لغة في الضَّبُع. (١) عند النسائي في ((الكبرى)) (١١٣١١). ١١٢ سورة الشعراء/ ح ٤٧٦٩ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((مُتَلَطِّخ)) قال بعض الشُّرّاح: أي: في رَجِيع أو دم أو طين. وقد عَيَّنَت الرِّواية الأُخرى المراد، وأنَّه الاحتمال الأوَّل حيثُ قال: ((فَتَمَرَّغْ فِي نَتْنه)». قيل: الحكمة في مَسخِه لتَنْفِرَ نفس إبراهيم منه، ولئلًّا يَبقَى في النار على صورته فيكون فيه غَضَاضةٌ على إبراهيم. وقيل: الحكمة في مَسخِه ضَبُعاً أنَّ الضَّبُع من أحمق الحيوان، وآزَرُ كان من أحمق البشر، لأنَّه بعدَ أن ظَهَرَ له من ولده من الآيات البيّنات، أصَرَّ على الكفر حتَّى ماتَ. واقتَصَرَ في مَسخِه على هذا الحيوان لأنَّه وَسَطٌ في التَّشويه بالنّسبة إلى ما دونه كالكلب والخنزير، وإلى ما فوقَه كالأسَدِ مثلاً، ولأنَّ إبراهيم بالَغَ في الخُضوع له وخَفْض الجناح، فأبى واستَكبَرَ وأصَرَّ على الكفر، فعُومِلَ بصفة الذُّلّ يومَ القيامة، ولأنَّ للضَّبُع ◌ِوَجاً، فَأَشيرَ إلى أنَّ آزرَ لم يَستَقِمْ فَيُؤمِن، بل استَمرَّ على عِوَجه في الدِّین. وقد استَشكَلَ الإسماعيليّ هذا الحديث من أصله، وطَعَنَ في صِحَّته، فقال بعدَ أن أخرجه: هذا خبر في صِحَّته نظرٌ، من جهة أنَّ إبراهيم عَلِمَ أنَّ الله لا يُخْلِف الميعاد، فکیف يجعل ما صارَ لأبيه خِزِياً معَ علمِه بذلك؟ وقال غيره: هذا الحديث مخالف لظاهرٍ قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ قَوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ, أَنَّهُ. عَدُوٌ لِلَّهِ تَبَرََّمِنْهُ ﴾ [التوبة:١١٤]، انتهى. والجواب عن ذلك: أنَّ أهل التَّفسير اختلفوا في الوقت الذي تَبرَّأ فيه إبراهيمُ من أبيه، فقيل: كان ذلك في الحياة الدُّنيا لمَّا ماتَ آزرُ مُشرِكاً، وهذا أخرجه الطَّبَرِيُّ (٤٥/١١) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبّاس، وإسناده صحيح، وفي رواية: فلمَّا ماتَ لم يَسْتَغِفِرْ له، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس نحوه، قال: استَغْفَرَ له ما كان حَيّاً فلمَّا ماتَ أمسَكَ، وأورَدَه أيضاً من طريق مجاهد وقَتَادة وعَمْرو ٥٠١/٨ ابن دينار نحو ذلك. وقيل: إنَّا / تَبرَّأَ منه يومَ القيامة لمَّا يَئِسَ منه حينَ مُسِخَ، على ما صُرِّحَ به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها، وهذا الذي أخرجه الطَّبَريُّ أيضاً من طريق عبد الملك بن أبي سليمان: سمعت سعيد بن جُبَير يقول: إنَّ إبراهيم يقول يومَ القيامة: رَبِّ ١١٣ سورة الشعراء / ٤٧٧٠ كتاب التفسير والدي، رَبِّ والدي، فإذا كان الثّالثة أُخِذَ بَيَدِه، فيَلتَفِت إليه وهو ضِبْعانٌ فيَتَبرَّأ منه، ومن طريق عُبيد بن عُمَير قال: يقول إبراهيم لأبيه: إنّي كنت آمُرُك في الدُّنيا وتَعصيني، ولستُ تاركَك اليومَ، فخُذْ بحَقْوي، فيأخُذ بضَبْعَيه فيُمسَخِ ضَبُعاً، فإذا رآه إبراهيم مُسِخَ تَبرَّأ منه. ويُمكِن الجمعُ بينَ القولَينِ بأنَّه تَبرَّأ منه لمََّ ماتَ مُشِرِكاً فتَرَكَ الاستغفار له، لكن لمَّاً رآه يومَ القيامة أدرَكَته الرّأْفةُ والرِّقّة فسألَ فيه، فلمَّا رآه مُسِخَ يَئِسَ منه حينئذٍ فَتَبَرَّأ منه تَبُّءاً أبديّاً، وقيل: إنَّ إبراهيم لم يَتَقَّن موته على الكفر بجوازٍ أن يكون آمَنَ في نفسه ولم يَطَّلِعْ إبراهيم على ذلك، وتكون تَبِتَته منه حينئذٍ بعدَ الحال التي وَقَعَت في هذا الحديث. قال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: إذا أدخَلَ الله أباه النارَ فقد أخزاه، لقوله: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وخِزيُ الوالد خِزيُ الولد، فيَلزَم الخُلْف في الوَعد، وهو محال، ولو لم يَدخُل النارَ لَزِمَ الخُلفُ في الوعيد، وهو المراد بقوله: ((إنَّ الله حَرَّمَ الجنَّة على الكافرينَ))، والجواب: أنَّه إذا مُسِخَ في صورة ضَبُع وأُلقيَ في النار، لم تبقَ الصّورة التي هي سببُ الخِزْي، فهو عَمَلٌ بالوَعِدِ والوعيد. وجواب آخر: وهو أنَّ الوعد كان مشروطاً بالإيمان، وإِنَّمَا اسْتَغْفَرَ له وفاءً بما وَعَدَه، فلمَّا تَبيَّن له أنَّه عدوٌّ لله تَبرَّأ منه. قلت: وما قَدَّمتُه يُؤَدّي المعنى المراد معَ السَّلامة عمَّا في اللَّفظ من الشَّناعة، والله أعلم. ٢- بابٌ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ () وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ﴾: أَكِنْ جانبَك ٤٧٧٠- حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِيَاثٍ، حذَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدّثني عَمْرو بنُ مُرّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا نَزْلَت: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النبيُّ نَّهِ على الصَّفا، فَجَعَلَ ينادي: ((يا بني فِهْرِ، يا بني عَدِيٍّ) لِيُطُونِ قُريشٍ، حتَّى اجتَمَعوا، فجَعَلَ الرجلُ إذا لم يستطِعْ أن يَخْرُجَ أرسَلَ رسولاً، ليَنظُرَ ما هو، فجاءَ أبو لهبٍ وقُريشٌ، فقال: ((أرأيتكم لو أخبَرْتُكم أنَّ خيلاً بالوادي تريدُ أن تُغِيرَ عليكم، أكنتُم مُصَدِّقِيَّ؟)) قالوا: نعم، ما جَرَّبْنا عليكَ إلَّ صِدْقاً، قال: ((فإنَّ نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَيْ عذابٍ .. ١١٤ سورة الشعراء/ ٤٧٧٠ فتح الباري بشرح البخاري شديدٍ)) فقال أبو لهبٍ: تَبّاً لكَ سائرَ اليومِ! ألِهِذا جَمَعْتَنَا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ١ مَآ أَغْنَ عَنْهُ مَالُهُ, وَمَاكَسَبَ ﴾. وَاخْفِضْ جَنَلَكَ ﴾: آَلِنْ جانبَك» هو قول أبي ٥٠٢/٨ قوله: («باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِنَ ٢١٤ عُبيدة، وزادَ: وكلامك. قوله: ((عن ابن عبّاس قال: لمَّا نزلت ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾)) هذا من مَراسيلِ الصَّحابة، وبذلك جَزَمَ الإسماعيليّ، لأنَّ أبا هريرة إنَّما أسلَمَ بالمدينة، وهذه القِصّة وَقَعَت بمكَّةَ، وابن عبّاس كان حينئذٍ إمّا لم يولد، وإمّا طِفِلاً، ويُؤْيِّد الثّاني نِداءُ فاطمة فإنَّه يُشعِر بأنّها كانت حينئذٍ بحيثُ تُخاطَب بالأحكام، وقد قَدَّمتُ في ((باب مَن انتَسَبَ إلى آبائه)) في أوائل السِّيرة النبويَّة (٣٥٢٥) احتمال أن تكون هذه القِصّة وَقَعَت مرَّتَيْنِ، لكنَّ الأصل عَدَم تَكرار التُّزول، وقد صُرِّح في هذه الرُّواية بأنَّ ذلك وَقَعَ حينَ نزلت. نعم، وَقَعَ عندَ الطبرانيِّ (٧٨٩٠) من حديث أبي أمامةَ قال: لمَّا نزلت ﴿ وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ ◌َمَعَ رسول الله وَّل بني هاشم ونساءَه وأهله فقال: ((يا بني هاشم، اشتَروا أنفُسَكم من النار، واسعَوا في فِكَاك رِقابكم، يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أمّ سَلَمةَ)) فذكر حديثاً طويلاً، فهذا إن ثَبَتَ دَلَّ على تعدُّد القِصّة(١)، لأنَّ القِصّة الأولى وَقَعَت بمگَّةً لتصريحِه في حديث الباب أنَّه صَعِدَ الصَّفَا، ولم تكن عائشة وحفصة وأُمّ سَلَمةَ عندَه ومن أزواجه إلّا بالمدينة، فيجوز أن تكون مُتأخّرةً عن الأولى فيُمكِن أن يَحَضُرَها أبو هريرة وابن عبّاس أيضاً، ويُحمَل قوله: ((لمَّا نزلت جَمَعَ)) أي: بعدَ ذلك، لا أنَّ الجمع وَقَعَ على الفَوْر، ولعلَّه كان نزلَ أوَّلاً ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فجَمَعَ قُرَيشاً فعَمَّ ثمَّ خَصَّ كما سيأتي، ثمَّ نزلَ ثانياً: ((ورَهطَك منهم المخلَصِينَ)) فخَصَّ بذلك بني هاشم ونساءَه، والله أعلم. وفي هذه الزّيادة تَعقُّب على النََّويّ حيثُ قال في ((شرح مسلم)): إنَّ البخاريّ لم يُخُرِّجها؛ أعني ((ورَهطَك منهم المخلَصينَ))، اعتماداً على ما في هذه السّورة، وأغفَلَ كَوْنَها (١) لكن لم يثبت، ففي إسناده علي بن يزيد - وهو الأَهاني - ضعيف كثير المناكير، فلا يُحْتَجُّ بروايته هذه والتغبير بها على الرواية الصحيحة. ١١٥ سورة الشعراء/ ٤٧٧٠ كتاب التفسير موجودة عندَ البخاريّ في سورة تَبَّتْ (٤٩٧١). قوله: ((لمَّا نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَينَ﴾)) زاد في تفسير ((تَبَّت)) من رواية أبي أُسامة عن الأعمَش بهذا السَّنَد (٤٧٧١): ((ورَهطَك منهم المخلَصينَ))، وهذه الزّيادة وَصَلَها الطَّبَرِيُّ (١٢٠/١٩) من وجه آخر عن عَمْرو بن مُرّة أنَّه كان يقرؤها كذلك، قال القُرطُبيّ: لعلَّ هذه الزّيادةَ كانت قرآناً فنُسِخَت تِلاوَتها؛ ثمَّ استَشكَلَ ذلك بأنَّ المراد إنذار الكفَّار، والمخلَص صفة المؤمن، والجواب عن ذلك: أنَّه لا يَمْتَنِعُ عَطفُ الخاصّ على العامّ، فقوله: ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ عامٌّ فيمَن آمَنَ منهم ومَن لم يُؤْمِن، ثمَّ عَطَفَ عليه الرَّهطَ المخلَصِينَ تنويهاً بهم وتأكيداً. واستَدَلَّ بعضُ المالكيَّة بقوله في هذا الحديث: ((يا فاطمة بنت محمّد، سَلِیني من مالي ما شئتِ، لا أُغني عنكِ من الله شيئاً)) أنَّ النّيابة لا تَدخُل في أعمال البِرّ، إذلو جازَ ذلك لكان يَتَمِلُ عنها ◌َّه بما يُحُلِّصها، فإذا كان عَمَلُه لا يقع نيابةً عن ابنِتِهِ، فغيره أولى بالمنع. وتُعقّبَ بأنَّ هذا كان قبلَ أن يُعلِمَه الله تعالى بأنَّه يَشِفَع فيمَن أراد وتُقبَل شفاعته، حتَّى يُدخِلَ قوماً الجنَّة بغير حِساب، ويَرفَعِ دَرَجاتِ قوم آخرينَ، ويُخْرِج من النار مَن دَخَلَها بِذُنوبه، أو كان المقامُ مقامَ التَّخويف والتَّحذير، أو أنَّه أراد المبالَغة في الحَضّ على العمل، أو يكون في قوله: ((لا أُغني شيئاً) إضمار: إلّا إن أذِنَ الله لي بالشَّفاعة. قوله: «فجعَلَ ینادي: یا بني ◌ِھْر، يا بني عَديّ؛ لبُطونِ قُریش» في حديث أبي هريرة قال: ((يا مَعشَر قُرَيش، أو كلمةً نحوها)»، ووَقَعَ عندَ البَلاذُريّ من وجه آخر عن ابن عبّاس أبيَنَ من هذا ولفظه: ((فقال: يا بني فِهْر، فاجتَمَعوا، ثمَّ قال: يا بني غالب، فَرَجَعَ بنو مُارِب والحارث ابني فِهْر، فقال: يا بني لُؤَيّ، فَرَجَعَ بنو الأدرَم بن غالب، فقال: يا أَلَ كعب، فَرَجَعَ بنو عَديّ وسَهْم وجُمَح، فقال: يا آلَ كِلاب، فَرَجَعَ بنو مخزوم وتَيْم، فقال: يا آلَ قُصَيّ، فَرَجَعَ بنو زُهرة، فقال: يا آلَ عبد منافٍ، فَرَجَعَ بنو عبد الدَّار وعبد العُزَّى، فقال له أبو لهب: هؤلاءِ بنو عبد/ مَنافٍ عندَك))، وعندَ الواقديِّ أنَّه قَصَرَ الدَّعوةَ على بني هاشم ٥٠٣/٨ ١١٦ سورة الشعراء / ٤٧٧٠ فتح الباري بشرح البخاري والمطَّلِبِ، وهم يومئذٍ خمسة وأربعونَ رجلاً، وفي حديث عليّ عندَ ابن إسحاق والطَّبَرِيِّ (١٢١/١٩) والبيهقيِّ في ((الدَّلائل)) (١٧٩/٢-١٨٠) أنَهم كانوا حينئذٍ أربعين يزيدونَ رجلاً أو يَنقُصونَ وفيهم عُمومَتُه: أبو طالب وحمزة والعبَّاس وأبو لهب، ولابنِ أبي حاتم من وجه آخر عنه: أنَّهم يومئذٍ أربعونَ غيرَ رجلٍ أو أربعونَ ورجل. وفي حديث عليّ من الزّيادة: أَنَّه صَنَعَ لهم شاة على ثَرِيد وقَعْبٍ لبن، وأنَّ الجميع أكَلوا من ذلك وشَرِبوا وفَضَلَت فَضْلَةٌ، وقد كان الواحد منهم يأتي علی جمیع ذلك. قوله: ((أرأيتُكم لو أخبَرْتُكُم ... )) إلى آخره، أراد بذلك تقريرَهم بأنَّهم يعلمونَ صِدقَه إذا أخبر عن الأمر الغائب. ووَقَعَ في حديث عليّ: «ما أعلمُ شاباً من العرب جاء قومَه بأفضلَ مَّا جِئْتُكم به، إنّي قد جِئْتُكم بخير الدُّنيا والآخرة)). قوله: ((كنتُم مُصَدِّقيَّ) بتشديد التَّحتانيَّة. قوله: ((قال: فإنّ نَذِيرٌ لكم)) أي: مُنذِر. ووَقَعَ في حديث قَبِيصة بن مُخَارِق(١) وزُهَير بن عَمْرو عندَ مسلم (٢٠٧) وأحمد (٢٠٦٠٥): فجَعَلَ ينادي: ((إِنَّمَا أَنا نَذير، وإنَّما مَثَلي ومَثَلكم کرجلٍ رأی العدوّ فجَعَلَ يهتف: یا صباحاه» يعني: يُنذِر قومه، وفي رواية موسی بن وَرْدان عن أبي هريرة عندَ أحمد قال: ((أنا النَّذير، والساعةُ الموعِدُ))(٢)، وعندَ الطَّبَرَيِّ (١١٩/١٩) من مُرسَل قَسَامة بن زُهَير قال: بَلَغَنِي أَنَّه وَ هَ وَضَعَ أصابعه في أُذُنه ورَفَعَ صوته وقال: ((يا صَبَاحاه))، ووَصَلَه مرَّة أُخرى عن قَسامة عن أبي موسى الأشعَريّ، وأخرجه التِّرمِذيّ (٣١٨٦) موصولاً أيضاً. قوله: ((فَتَزَلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾)) في رواية أبي أُسامة (٤٩٧١): ((تَبَّت يَدَا أبي لهبٍ وقد تَبَّ))، وزاد: هكذا قرأَها الأعمَشُ يومئذٍ. انتهى، وليست هذه القراءة فيما نَقَلَ (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: محارب. (٢) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، ولم يذكره الحافظ نفسه في كتابه ((أطراف المسند))، وهو عند أبي يعلى (٦١٤٩)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٨٥/٣ و٣٨٧/٤ من طريق موسى بن وردان، والطبراني في «الأوسط)) (٨٦) من طريق سعيد بن المسيب، كلاهما عن أبي هريرة. ١١٧ سورة الشعراء/ ٤٧٧١ كتاب التفسير الفَرّاء عن الأعمَش، فالذي يَظهَر أنَّه قرأها حاكياً لا قارئاً، ويُؤيِّده قوله في هذا السِّياق: ((يومئذٍ)) فإِنَّه يُشعِر بأنَّه كان لا يَستَمِّرّ على قراءتها كذلك، والمحفوظ أنَّها قراءة ابن مسعود وحده. ٤٧٧١- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّب وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: قامَ رسولُ الله وَّهِ حِينَ أَنزَلَ الله: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرِينَ﴾ قال: ((يا مَعشَرَ قُرَيشٍ - أو كلمةً نحوَها - اشتَرُوا أَنفُسَكم، لا أُغْني عنكم منَ الله شيئاً، يا بني عبدِ مَنافٍ، لا أُغْني عنكم منَ الله شيئاً، يا عبَّاسُ بنَ عبدِ المطَّلِبِ، لا أُغْني عنكَ منَ الله شيئاً، ويا صَفِيَّةُ عَمّةَ رسولِ الله، لا أُغْني عنكِ منَ الله شيئاً، ويا فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ وََّ، سَلِيني ما شئتٍ مِن مالي، لا أُغْني عنكِ منَ الله شيئاً)). تابَعَه أصبغُ، عن ابنٍ وَهْب، عن یونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ. قوله في حديث أبي هريرة: ((اشتَرُوا أَنفُسَكم من الله)) أي: باعتبار تَخليصها من العذاب(١)، كأنَّه قال: أَسلِموا تَسلَموا من العذاب، فكان ذلك كالشِّراءِ، كأنَّهم جَعَلوا الطاعة ثمنَ النَّجاة. وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْغَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] فهناكَ المؤمنُ بائعٌ باعتبار تحصيل الثَّواب والثَّمَنُ الجِنَّة، وفيه إشارة إلى أنَّ النُّفُوس كلَّها مِلكٌ لله تعالى، وأنَّ مَن أطاعَه حَقّ طاعَته في امتِثال أوامره واجتِناب نَواهِيه، وَفَّى ما عليه من الثَّمَن، وبالله التوفيق. قوله: ((یا بني عبد منافٍ، اشتَرُوا أنفُسکم من الله، یا عبّاس)) إلى آخره، في رواية موسی ابن طلحة عن أبي هريرة عندَ مسلم (٢٠٤) وأحمد (٨٧٢٦): دَعا رسول الله وَ لّ قريشاً فعَمَّ وخَصَّ فقال: ((يا مَعشَرَ قُرَيش، أنقِذوا أنفُسَكم من النار، يا مَعشَر بني كعب كذلك، يا مَعشَرَ بني هاشم كذلك، يا مَعشَرَ بني عبد المطَّلِب كذلك)) الحديث. قوله: ((يا صَفيَّةُ عَمّةَ رسول الله ◌َلَّه) بنصب ((عَمّة)) ويجوز في صَفيَّة الرَّفعُ والنَّصب، وكذا القول في قوله: ((يا فاطمةُ بنتَ محمَّد)). (١) في (س): من النار. ١١٨ سورة النمل فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((تابَعَه أصبَغُ عن ابن وَهْب)) إلى آخره، سَبَقَ التَّنبيه عليه في الوَصَايا (٢٧٥٣). وفي الحديث: أنَّ الأقرَب للرجلِ مَن كان يجمعه هو وجَدٌّ أعلى، وكلّ مَن اجتَمَعَ معه في جَدّ دونَ ذلك كان أقرب إليه، وقد تقدَّم البحث في المراد بالأقرَبين والأقارب في الوصايا (٢٧٥٢)، والسّرّ في الأمر بإنذار الأقربين أوَّلاً أنَّ الْحُجّة إذا قامَت عليهم تَعَدَّت إلى غيرهم، وإلّا فكانوا عِّةً للأبعَدِينَ في الامتناع، وأن لا يأخُذَه ما يأخُذ القريبَ للقريب من العَطْف والرَّأفة، فيُحابِيَهم في الدَّعوة والتَّخويف، فلذلك نَصَّ له على إنذارهم. وفيه جواز تكنيةِ الكافر، وفيه خِلَاف بينَ العلماء، كذا قيلَ، وفي إطلاقه نظرٌ، لأنَّ الذي مَنَعَ من ذلك إِنَّمَا مَنَعَ منه حيثُ يكون السّياق يُشعِر بتعظيمِه، بخلاف ما إذا كان ذلك لشُهِرَتِه بها دونَ غيرها كما في هذا، أو للإشارة إلى ما يَؤُول أمرُه إليه من لهب جَهَنَّم. ويحتمل أن يكون تَرَكَ ذِكْره باسمِه لقُبح اسمه، لأنَّ اسمه كان عبد العُزَّى، ويُمكِن ٥٠٤/٨ جواب آخر: وهو أنَّ التَّكنية لا تَدُلّ بمُجرَّدِها/ على التَّعظيم، بل قد يكون الاسم أشرَفَ من الكُنية، ولهذا ذكر اللهُ الأنبياءَ بأسمائهم دونَ كُنَاهم. ٢٧ - سورة النمل بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ الخَبْءُ: مَا خَبَأْتَ. ﴿لَّا قِبَلَ﴾ [٣٧]: لا طاقةَ. ﴿الصَّرْحُ﴾ [٤٤]: كلُّ مِلَاطٍ اَّخِذَ منَ القواريرِ، والصَّرْحُ: القَصْرُ، وجماعتُه: صُروحٌ. وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿وَلَا عَرْشٌ﴾ [٢٣]: سَرِيرٌ كريمٌ؛ حُسْنُ الصَّنْعَةِ وغَلاءُ الثَّمَنِ. ﴿يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ﴾ [٣٨]: طائعِينَ. ﴿رَدِفَ﴾ [٧٢]: اقتَرَبَ. ﴿جَامِدَةٌ﴾ [٨٨): قائمةً. ١١٩ سورة النمل كتاب التفسير ﴿أَوْزِعْنِىّ﴾ [١٩]: اجعَلْني. وقال مجاهدٌ: ﴿نَكْرُواْ﴾ [٤١]: غَيِّروا. والقَبَسُ: ما اقتَبَستَ منه النارَ. ﴾ [٤٢]، يقوله سليمان. رتِينَا الْعَذْ ٣٠ الصَّرْحُ: بِرْكةُ ماءٍ ضَرَبَ عليها سليمانُ قَوارِيرَ وألبَسَها إيّاه. قوله: ((سورة الثَّمْل - بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَ ((سورة)) والبسملة لغير أبي ذرٍّ، وثَبَتَ للنَّسَفيِّ لكن بتقديم البسملة. قوله: ((الخَبْءُ: مَا خَبَأْتَ)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((والخَبْء)) بزيادة واو في أوَّله، وهذا قول ابن عبّاس أخرجه الطَّبَريُّ(١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه قال: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٤١]: يعلم كلَّ خَفيَّة في السَّماوات والأرض. وقال الفَرّاء في قوله: ﴿يُخْرِجُ اُلْخَبْبَ﴾: أي: الغَيْثَ من السماء والنَّباتَ من الأرض، قال: و ((في)) هنا بمعنى ((مِن))، وهو كقولهم: لَيُستَخرجنَّ العلمُ فيكم، أي: الذي منكم، وقرأ ابن مسعود: ((يُخْرِج الخَبْءَ مِن)) بَدَل ((في)»، وروى عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال: الخَبْء: السِّ، ولابنِ أبي حاتم من طريق عِكْرمة مِثلُه، ومن طريق مجاهد قال: الغَيْث، ومن طريق سعيد بن المسيّب قال: الماء. قوله: ((﴿لَّا قِبَلَ﴾: لا طاقةَ)) هو قول أبي عبيدة، وأخرج الطَّبَرَيُّ من طريق إسماعيل بن أبي خالد مِثلَه. قوله: ((الصَّرْحُ: كلُّ مِلَاط النَّخِذَ من القوارير)) كذا للأكثر بميم مكسورة، وفي رواية کے الأَصِيليِّ بالموحَّدة المفتوحة ومِثْلُه لابنِ السَّكَن، وكتبه الدِّمياطيّ في نُسخَته بالموخَّدة وليست هي روايته. والملاط بالميمِ المكسورة: الطّين الذي يُوضَع بَينَ سافَتَي البناء(٢)، وقيل: الصَّخر، (١) كذا عزاه الحافظ إلى الطبري، وليس هو عنده، إنما أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره) ٢٨٦٨/٩. (٢) السافُ في البناء: كل صفٍّ من اللَّبِن أو الحجر، وهو المِدْماك أيضاً. ١٢٠ سورة النمل فتح الباري بشرح البخاري وقيل: كلّ بناء عالٍ مُنفَرِد. وبالموحَّدة المفتوحة (١): ما كُسِيَت به الأرض من حجارة أو رُخام أو كِلْس، وقد قال أبو عبيدة: الصَّرح: كلّ بَلاط اتَّخِذَ من قوارير، والصَّرح: القصر. وأخرج الطَّبَرَيُّ من طريقٍ وَهْب بن مُنبِّه قال: أمَرَ سليمانُ الشَّياطين فعَمِلَت له الصَّرح من زُجاج كأنَّه الماء بياضاً، ثمَّ أرسَلَ الماء تحته ووَضَعَ سريرَه فيه فجَلَسَ عليه، وعَكَفَت عليه الطَّيرُ والجِنّ والإنس، ليُريَها مُلكاً هو أعَزّ من مُلكها، فلمَّا رأت ذلك بلقيسُ حَسِبَتَه لُجّةً وكَشَفَت عن ساقيها لتخوضَه. ومن طريق محمّد بن كعب قال: سَجَنَ سليمان فيه دَوابَّ البحر: الحيتان والضَّفادِعِ، فلمَّا رأته حَسِبَته لُجّةً وكَشَفَت عن ساقَيها، فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقَدَماً، فأمَرَها سليمان فاستَتَرَت. قوله: (والصَّرْح: القَصْر، وجماعتُه: صُروح» هو قول أبي عبيدة كما تقدَّم، وسيأتي له تفسیر آخر بعدَ هذا بقليلٍ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿وَا عَرْشُ﴾: سريرٌ كريمٌ؛ حُسْنُ الصَّنْعة وغَلاءُ الثَّمَن)) وَصَلَه الطََّرِيُّ (١٤٨/١٩) من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾ قال: سرير كريم حَسَنُ الصَّنعة، قال: وكان من ذهب، وقوائمه من جَوهَر ولُؤْلُؤْ. ولابنِ أبي حاتم (٩/ ٢٨٦٧) من طريق زُهَير بن محمَّد قال: حَسَنُ الصَّنعة غالي الثَّمَن، سريرٌ من ذهب وصَفْحَتاه مَرمولٌ بالياقوتِ والزَّبَرَ جَد، طوله ثمانونَ ذِراعاً في أربعينَ. قوله: ((﴿يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ﴾: طائِعِينَ)) وَصَلَه الطُّريُّ (١٩/ ١٦١) من طريق عليّ بن أبي ٥٠٥/٨ طلحة عن ابن عبّاس مِثْلَه، ومن طريق ابن / جُرَيج، أي: مُقِرّينَ بدینِ الإسلام، ورَجَّحَ الطََّرِيُّ الأوَّل واستَدَلَّ له. قوله: (﴿رَدِفَ﴾: اقتَرَبَ)) وَصَلَه الطََّرَيُّ (١٠/٢٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿عَسَ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾: اقتَرَبَ لكم. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: (١) أي: البلاط.