Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
قوله: ((حتَّى هُمُّوا أن يَقْتَتِلوا)) زاد ابن جُرَيج في روايته في قِصّة الإفك هنا: قال: قال ابن
عبَّاس: فقال بعضهم لبعضٍ: مَوعِدُكم الحَرّة؛ أي: خارجَ المدينة ليَتَقاتلوا هناكَ.
قوله: ((فلم يزلْ رسول الله ◌َّهُ يُخْفِّضُهم حتَّى سَكَتوا)) وفي رواية ابن حاطِب: فلم يزل
يُومِىُّ بَيَدِه إلى الناس هاهنا حتَّى هَدَأ الصَّوت، وفي رواية فُلَيح: فنزلَ فخَفَّضَهم حتَّى
سَكَتوا؛ ويُحِمَل على أنَّ سَكَّتَهم وهو على المِنْبَر ثمَّ نزلَ إليهم أيضاً ليُكمِلَ تسكيتَهم، ووَقَعَ
في رواية عطاء الخُراسانيّ عن الزُّهْريّ: فحَجَزَ بينَهم.
قوله: ((فمَكَفْتُ يومي ذلك)) في رواية الكُشْمِيهنيٍّ: ((فِبَكَيت))، وهي في رواية فُلَيح
وصالح وغيرهما.
قوله: ((فأصبَحَ أبَوَاي عندي)) أي: أنَّهما جاءا إلى المكان الذي هي به من بيتِهما، لا أنَّا
رَجَعَت من عندِهما إلى بيتِها. ووَقَعَ في رواية محمَّد بن ثَوْر عن مَعمَر عندَ الطَّبَرِيِّ (٩١/١٨):
وأنا في بيت أبَوَيَّ.
قوله: ((وقد بَكَيتُ ليلتَينِ ويوماً)) أي: اللَّيلةَ التي أخبَرَتها فيها أمّ مِسطَح الخبر، واليومَ
الذي خَطَبَ فيه النبيّ وَّهِ الناس، واللَّيلةَ التي تَليه. ووَقَعَ في رواية فُلَيِحٍ: وقد بَكَيت
ليلتيَّ ويوماً؛ وكأنَّ الياء مُشَدَّدة ونَسَبَتهما إلى نفسها لمَا وَقَعَ لها فيهما.
قوله: «فبينا هما)» وفي رواية الگُشْمِیھنیِّ: فبينما هما.
قوله: (يَظُنّان أنَّ البُكاء فالقُ كَبِدي) في رواية فُلَيح: ((حَتَّى أظنُّ)، ويُجمَع بأنَّ الجميع
كانوا يَظُنّونَ ذلك.
قوله: «فاستأذنت)» كذا فيه، وفي الكلام حذفٌ تقديره: جاءت امرأة فاستأذنت، وفي
رواية فُلَيحٍ: إذ استأذنت.
قوله: ((امرأةٌ من الأنصار)) لم أقِفْ على اسمِها.
قوله: ((فبَيْنا نحنُ على ذلك)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: فبينا نحنُ كذلك، وهي رواية فُلَیح،
والأولُ رواية صالح.
٦٢
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((دَخَلَ علينا رسول الله (وَ)) سيأتي في رواية هشام بن عُرْوة بلفظ: فأصبَحَ أبَوَايَ
عندي فلم يزالا حتَّى دَخَلَ عليَّ رسول الله وَّه وقد صَلَّى العصر وقد اكتَنَفَنِي أَبَوايَ عن
يميني وعن شمالي، وفي رواية ابن حاطِب: وقد جاء رسول الله ێ( حتَّى جَلَسَ على سرير
وِجَاهي، وفي حديث أمّ رُومان (١): أنَّ عائشة في تلك الحالة كانت بها الحُمَّى النافِضُ، وأنَّ
النبيّ وَ ◌ّ لِمَّا دَخَلَ فَوَجَدَها كذلك قال: ((ما شأنُ هذه؟)) قالت: أخَذَتها الحُمَّى بنافضٍ،
٤٧٥/٨ قال: ((فلعلَّه في حديثٍ تُحُدِّثَ؟)) قالت: نعم، فقَعَدَت عائشة/.
قوله: ((ولم يَخْلِس عندي منذُ قيل ما قيل قبلَها، وقد لَبِثَ شَهْراً لا يُوحَى إليه في شأني))
حكى السُّهَيليُّ: أنَّ بعض المفسِّرِينَ ذكر أنَّ المدّة كانت سبعة وثلاثينَ يوماً، فألغَى الكسر في
هذه الرِّواية، وعندَ ابن حَزْم أنَّ المدّة كانت خمسين يوماً أو أزيَدَ، ويُجمَع بأنَّها المدّة التي
كانت بينَ قُدومهم المدينةَ ونزولِ القرآن في قِصّة الإفك، وأمَّا الَّقييد بالشَّهرِ فهو المدّة التي
أوَّلها إتيانُ عائشة إلى بيت أبَوَيها حينَ بَلَغَها الخبر.
قوله: ((فَتَشَهَّدَ)) في رواية هشام بن عُرْوة: فحَمِدَ الله وأثنى عليه.
قوله: ((أمَّا بَعْدُ، يا عائشةُ فإنَّه بَلَغَني عنك كذا وكذا)) هو كِنايةٌ عَّا رُميَت به من الإفك،
ولم أرَ في شيء من الطُّرق التَّصريح، فلعلَّ الكِناية من لفظ النبيّ وََّ، ووَقَعَ في رواية ابن
إسحاق: فقال: ((يا عائشة، إنَّه قد كان ما بَلَغَك من قول الناس، فَاتَّقِ الله، وإن كنت
قارَفتِ سوءاً فتُوبي)).
قوله: ((فإن كنتِ بَريئة فسَيُبرِّتُكِ الله)) أي: بوَحِي يُنْزِلُه بذلك قرآناً أو غيره.
قوله: ((وإن كنتِ ألمَمْت بذَنْبٍ)) أي: وَقَعَ مِنك على خِلاف العادة، وهذا حقيقة الإلمام،
ومنه:
أَلَمَّتْ بنا واللَّيلُ مُرْخِ سُتورَهُ
(١) سلف عند البخاري برقم (٤١٤٣).
٦٣
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
قوله: ((فاستَغفِري اللهَ وتوبي إليه)) في رواية مَعمَر: ((ثُمَّ توبي إليه))(١)، وفي رواية أبي
أوَيس: ((إنَّما أنتِ من بنات آدم إن كنتِ أخطأتِ فتوبي)».
قوله: ((فإنَّ العبد إذا اعْتَرَفَ بذَنْبه ثمَّ تابَ إلى الله تابَ الله عليه)) قال الدَّاوُوديُّ: أمَرَها
بالاعتراف ولم يَندُبها إلى الكِتِمان، للفَرقِ بينَ أزواج النبيّ وَّرَ وغيرِهنَّ، فيجب على
أزواجه الاعترافُ بما يقع منهنَّ ولا يَكتُمْنَه إيّاه، لأنَّه لا يَحِلّ لنبيِّ إمساك مَن يقع منها
ذلك، بخِلَاف نساء الناس، فإنَّهَنَّ نُدِبنَ إلى السَّتْر.
وتَعقَّبَه ◌ِيَاض بأنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ على ذلك، ولا فيه أنَّه أمَرَها بالاعتراف،
وإنَّما أمَرَها أن تَستَغْفِرَ الله وتتوب إليه، أي: فيما بينها وبينَ رَبِّها، فليس صريحاً في الأمر لها
بأن تعترفَ عندَ الناس بذلك، وسياقُ جواب عائشة يُشعِرِ بما قاله الدَّاوُوديّ، لكنَّ
المعترف عندَه ليس على إطلاقه، فليُتْأمَّل. ويُؤْيِّد ما قال عِيَاض أنَّ في رواية ابن حاطِب:
قالت: فقال أبي: إن كنت صَنَعت شيئاً فاستَغفِري الله، وإلّا فأخبري رسول الله وَ له
بعذرِك.
قوله: ((قَلَصَ دَمْعي)) بفتح القاف واللّام ثمَّ مُهمَلة، أي: استَمسَكَ نزولُه فانقَطَعَ، ومنه:
قَلَصَ الظُّلُّ وتَقَلَّصَ: إذا شَمَرَ.
قال القُرطُبيّ: سببه أنَّ الحُزْن والغضب إذا أخَذَا حَدَّهما، فُقِدَ الدَّمع لفَرْطِ حرارة
المصيبة.
قوله: ((حتَّى ما أُحِسُّ)) بضمِّ الهمزة وكسر المهمَلة، أي: أجِدُ.
قوله: ((فقلت لأبي: أجِبْ رسول الله وَّل فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول)) قيل: إنَّما
قالت عائشة لأبيها ذلك معَ أنَّ السُّؤال إنَّما وَقَعَ عمَّا في باطن الأمر، وهو لا اطّلاعَ له على
ذلك، لكن قالته إشارة إلى أنَّها لم يقع منها شيء في الباطن يُخالف الظّاهرَ الذي هو مُطَّلِعٌ
عليه، فكأنَّها قالت له: بَرِّئني بما شئتَ وأنتَ على ثقةٍ من الصِّدق فيما تقول، وإنَّما أجابها
(١) هذا من روايته عند أحمد (٢٥٦٢٣)، أما عند مسلم والطبراني فمثل رواية المصنف.
٦٤
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
أبو بكر بقوله: لا أدري، لأنَّه كان كثير الاتِّباع لرسولِ الله وَّةِ، فأجابَ بما يُطابِقِ السُّؤال
في المعنى، ولأنَّه وإن كان يَتَحقَّق براءَتَها لكنَّه كَرِهَ أن يُزكّيَ ولده. وكذا الجواب عن قول
أمّها: لا أدري. ووَقَعَ في رواية هشام بن عُرْوة الآتية (٤٧٥٧): فقال: ماذا أقول؟ وفي رواية
أبي أوَيس(١): فقلت لأبي: أجِبْ، فقال: لا أفعَلُ، هو رسول الله والوحيُ يأتيه.
قوله: ((قالت: قلتُ وأنا جارية حديثةُ السّنّ لا أقرَأُ كَثيراً من القرآن)» قالت هذا تَوطِئَةً
لِعُذْرها لكَوْنِها لم تَستَحِضِر اسم يعقوب عليه السلام كما سيأتي، ووَفَعَ في رواية هشام بن
عُرْوة الآتية: فلمَّا لم يُحِيباه تَشَهَّدتُ فحَمِدتُ الله وأثنَيتُ عليه بما هو أهلُه، ثمَّ قلت: أمّا
بعدُ، وفي رواية ابن إسحاق: فلمَّا استَعجَما عليَّ استَعبَرَتُ فَبَكَيت ثمَّ قلت: والله لا أتوبُ
ثمّا ذَكَروا أبداً.
قوله: ((حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم)) في رواية فُلَيح: ((وَقَرَ)) بالتَّخفيفِ، أي: ثَبَتَ، وزناً
ومعنی.
قوله: ((وصَدَّقْتُم به)) في رواية هشام بن عُرْوة: ((لقد تَكلَّمتُم به وأُشِرِبَته قلوبُكم))،
٤٧٦/٨ قالت هذا وإن لم يكن على حقيقته على سبيل / المقابلة لمَا وَقَعَ من المبالَغة في التَّنقيب عن
ذلك، وهي كانت لمَا تَحقَّقَته من براءة نفسها ومَنزِلَتها تَعتَقِد أنَّه كان ينبغي لكلِّ مَن
سمِعَ عنها ذلك أن يَقطَعَ بكَذِبِهِ، لكنَّ العُذر لهم عن ذلك أنَهم أرادوا إقامة الحُجّة على
مَن تَكلَّمَ في ذلك، ولا يكفي فيها مُجرَّدُ نفي ما قالوا والسُّكوت عليه، بل تَعيَّنَ التَّنقيب
عليه لقطع شُبَهِهم، أو مرادُها بمَن صَدَّقَ به أصحابُ الإفك، لكن ضَمَّت إليه مَن لم
يُكذِّبهم تغليباً.
قوله: ((لا تُصَدِّقونَني بذلك)) أي: لا تَقطَعونَ بصِدْقِي، وفي رواية هشام بن عُرْوة: ما
ذاكَ بنافعي عندَكُم، وقالت في الشِّقّ الآخر: ((لَتُصَدِّقُنّي)) وهو بتشديد النُّون، والأصل:
تُصَدِّقونَني، فأُدغِمَت إحدى النّونَينِ في الأُخرى، وإنَّما قالت ذلك، لأنَّ المرء مُؤاخَذ بإقراره.
(١) عند الطبراني ٢٣/ (١٥١).
٦٥
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
ووَقَعَ في حديث أمِّ رُومَان(١): لَئِن حَلَفتُ لا تُصَدِّقُونَني، ولَئِن قلتُ لا تَعِذِرونَني.
قوله: ((والله ما أجِدُ لكم مثلاً)) في رواية صالح وفُلَيح ومَعمَر: ما أجِد لي ولكم مثلاً(٢).
قوله: ((إلّا قولَ أبي يوسُف)) زاد ابن جُرَيج في روايته: واختُلِسَ منِّي اسمه، وفي رواية
هشام بن عُرْوة: والتَمَستُ اسم يعقوب فلم أقدِرْ عليه، وفي رواية أبي أوَيس: نَسيتُ اسم
يعقوب لمَا بي من البُكاء واحتِراق الجَوْف، ووَقَعَ في حديث أمّ رُومان: مَثَلي ومَثَلُكم كيعقوبَ
وبَنيهِ؛ وهي بالمعنى، للتَّصريحِ في حديث هشام وغيره بأنَّها لم تَستَحِضِر اسمه.
قوله: (ثمَّ تَحوَّلْتُ فاضْطَجَعْت على فِراشي)) زاد ابن جُرَيج: ووَلَّيتُ وجهي نحوَ الجَدْر.
قوله: ((وأنا حينَئذٍ أعلمُ أنّ بَريئة، وأنَّ الله مُبَرِّئي ببراءَتي)» زَعَمَ ابن التِّين أنَّه وَقَعَ عندَه:
((وأنَّ الله مُبَرِّثُني)) بنونٍ قبلَ الياء وبعد الهمزة، قال: وليس بَيٍِّ، لأنَّ نون الوقاية تَدخُل
في الأفعال لتَسلَمَ من الكسر، والأسماء تُكسَر فلا تحتاج إليها. انتهى، والذي وَقَفْنا عليه في
جميع الرِّوايات: ((مُبَرِّئي)) بغير نون، وعلى تقدير وجود ما ذُكِرَ، فقد سُمِعَ مِثْلُ ذلك في
بعض اللُّغات.
قوله: ((ولكنْ والله ما كنت أظُنّ أنَّ الله مُنْزِلٌ في شأني وَحْياً يُثْلَى، ولَشَأني في نفسي كان
أحقَرَ من أن يتكلّم الله فيَّ بأمرٍ)) زاد يونس في روايته: يُتْلَى، وفي رواية فُلَيح: من أن يُتَكلَّم
بالقرآن في أمري، وفي رواية ابن إسحاق: يُقرأ به في المساجِد ويُصَلَّى به.
قوله: ((فوالله ما رامَ رسولُ اللهَ وَّ)) أي: فارَقَ، ومصدَرُه: الرَّيْم بالتَّحتانيَّة، بخِلَاف
رامَ بمعنى: طَلَبَ فمصدَرُه: الرَّوْمِ، ويَفْتَرِقان في المضارع، يقال: رامَ يَرُوم رَوْماً، ورامَ
يَرِيم رَيماً. وحُذِفَ في هذه الرِّواية الفاعل(٣)، ووَقَعَ في رواية صالح وفُلَيح ومَعمَر
وغيرهم: ((مَجَلِسَه)) أي: ما فارَقَ مَجَلِسَه.
(١) سلف عند البخاري برقم (٤١٤٣).
(٢) رواية صالح - وهو ابن كيسان - عند النسائي في ((الكبرى)) (٨٨٨٢)، ورواية فليح سلفت برقم
(٢٦٦١)، ورواية معمر عند مسلم (٢٧٧٠) (٥٦).
(٣) كذا قال، وهو ذهول منه رحمه الله، والصواب: المفعول، وهو المجلس.
٦٦
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ولا خرج أحدٌ من أهل البيت)) أي: الذينَ كانوا حينئذٍ حضوراً. ووَقَعَ في رواية
أبي أُسامة (١): وأنزلَ الله على رسوله ◌َّ من ساعَتِه.
قوله: ((فأخَذَه ما كان يأْخُذُه من البُرَحاء)) بضمِّ الموخَّدة وفتح الرَّاء ثمَّ مُهمَلة ثمَّ مَدّ:
هي شِدّة الْحُمَّى، وقيل: شِدّة الكَرب، وقيل: شِدّة الحَرّ، ومنه: بَرِحَ بي الهَمُّ: إذا بَلَغَ مِنِّي
غايتَه. ووَقَعَ في رواية إسحاق بن راشد: ((وهو العَرَق)) وبه جَزَمَ الدَّاوُوديّ، وهو تفسير
باللّازِمِ غالباً، لأنَّ البُرَحاء شِدّة الكَرْب، ويكون عندَه العرقُ غالباً، وفي رواية ابن
حاطِب: وشَخَصَ بَصَرُه إلى السَّقف، وفي رواية عمر بن أبي سَلَمةَ عن أبيه عن عائشة عندَ
الحاكم: فأتاه الوحي، وكان إذا أتاه الوحي أخَذَه السَّبَل، وفي رواية ابن إسحاق: فسُجَّ
بثوبٍ ووُضِعت تحت رأسه وِسادة من أَدم.
قوله: ((حتَّى إِنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثْلُ الجُمان من العَرَق في اليوم الشّاتي من ثِقَل القول الذي
يُنزَلُ عليه)) الجُمان بضمِّ الجيم وتخفيف الميم: اللُّؤُلُؤ، وقيل: حَبٌّ يُعمَل من الفِضّة كاللُّؤْلُقِ،
وقال الدَّاوُودِيُّ: خَرَز أبيض، والأوَّل أَولِى، فشُبِّهَت قَطَرَات عَرَقِهِ وَّ بالجمان لمشابَهَتِها
في الصَّفاء والحُسن. وزاد ابن جُرَيج في روايته: قال أبو بكر: فجَعَلتُ أنظُرُ إلى رسول اللهوَله
أخشى أن يَنزِلَ من السماء ما لا مَرَدَّ له، وأنظُرُ إلى وجه عائشة فإذا هو مُنبِّقٌ، فيُطْمِعُني
٤٧٧/٨ ذلك فيها (٢)، وفي رواية ابن إسحاق: فأمَّا أنا فوالله ما فَزِعتُ قد/ عَرَفت أنّي بريئة، وأنَّ الله
غير ظالمي، وأمَّا أَبَوَاي فما سُرّيَ عن رسول الله وَ لَهَ حتَّى ظَنَنتُ لَتَخْرُ جَنَّ أَنفُسُهما فَرَقاً من
أن يأتيَ من الله تحقيق ما يقول الناسُ، ونحوه في رواية الواقديِّ.
قوله: ((فلمَّا سُرّيَ)) بضمِّ المهمَلة وتشديد الرَّاء المكسورة، أي: كُشِفَ.
قوله: ((وهو يَضْحَك)) في رواية هشام بن عُرْوةٍ: فَرُفِعَ عنه وإنّي لَأتبيَّنُ السُّرورَ في وجهه
يَمسَح جبينه، وفي رواية ابن حاطِب: فوالذي أكرَمَه وأنزَلَ عليه الكتاب ما زالَ يَضحَك
حتَّى إنّي لَأَنظُرُ إِلى نَواجِذِه سُروراً، ثمَّ مَسَحَ عن وجهه.
(١) رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة، وستأتي برقم (٤٧٥٧).
(٢) عند الطبراني ٢٣/ (١٣٨).
٦٧
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
قوله: ((فكان أوَّل كلمة تَكلَّمَ بها: يا عائشة، أمَّا الله عزَّ وجلَّ فقد بَرَّأَكِ)) في رواية صالح
ابن كَيْسانَ: ((قال: يا عائشة))، وفي رواية فُلَيح: ((أن قال لي: يا عائشة احمدي الله، فقد
بَرَّأَك))، زاد في رواية مَعمَر: (أبشِري))، وكذا في رواية هشام بن عُرْوة، وعندَ التِّرمِذيّ
(٣١٨٠) من هذا الوجه: ((البُشرَى يا عائشة، فقد أنزلَ الله براءَتك))، وفي رواية عمر بن
أبي سَلَمةَ: «فقال: أبشِري يا عائشة)).
قوله: ((أمَّا اللهُ فقد بَرَّأَك)) أي: بما أنزَلَ من القرآن.
قوله: ((فقالت أمّي: قومي إليه، قال: فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمَدُ إلّا الله) في رواية
صالح: فقالت لي أمّي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمدُ إلّا الله، وفي رواية
هشام بن عُرْوة: وكنتُ أشدَّ ما كنتُ غضباً، فقال لي أبوايَ: قومي إليه، فقلتُ: والله لا
أقومُ إليه (١) ولا أحمده ولا أحمد إلّا الله الذي أنزَلَ براءَتي، وفي رواية الطََّرَيِّ من هذا
الوجه: أحمدُ الله لا إيّاكُم(٢)، وفي رواية ابن ◌ُرَیج: فقلت: بحمد الله وذَمِگما، وفي رواية أبي
أويس: بحمدِ الله لا بحمدِكم، وفي رواية أمّ رُومان(٣)، وكذا في حديث أبي هريرة: فقالت:
بحمدِ الله لا بحمدِك، ومثله في رواية عمر بن أبي سَلَمةَ، وكذا عندَ الواقديِّ، وفي رواية
ابن حاطِب: بحمدِ الله لا بحمدِك ولا بحمدِ أصحابك، وفي رواية مِقْسَمِ والأسوَد وكذا
في حديث ابن عبَّاس: ولا بحمدِك ولا بحمدٍ صاحبِك (٤)، وزاد في رواية الأسوَد عن
عائشة: وأخَذَ رسول الله وَّه بيدي فانتَزَعتُ يَدي منه، فنَهَرَني أبو بكر. وعُذرها في
إطلاق ذلك ما ذكرته من الذي خامَرَها من الغضب من گَوْنهم لم يُبادِروا بتكذیب مَن قال
(١) من قوله: ((فإني لا أحمد إلا الله)) إلى هنا سقط من (س).
(٢) هو بهذا اللفظ عند أبي داود (٥٢١٩)، وأبي يعلى (٤٩٣١)، والطبراني ٢٣/ (١٤٩) من رواية حماد بن
سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه وحده عن عائشة.
(٣) رواية ابن جريج عند الطبراني ٢٣/ (١٣٨)، وفي المطبوع منه: ((وذمكم))، ورواية أبي أويس عند الطبراني
أيضاً ٢٣/ (١٥١) ولفظها: ((بحمد الله كان لا بحمدكم))، ورواية أم رومان سلفت برقم (٤١٤٣)
ولفظها: «بحمد الله، لا بحمد أحد ولا بحمدك».
(٤) رواية مقسم والأسود وابن عباس عند الطبراني ٢٣/ (١٥٢) و(١٥٣) و(١٦٢).
٦٨
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
فيها ما قال معَ تَحقَّقهم حُسنَ طريقتها، قال ابن الجَوْزيّ: إنَّما قالت ذلك إدلالاً كما يَدِلّ
الحبيبُ على حبيبه. وقيل: أشارت إلى إفراد الله تعالى بقولها: «فهو الذي أَنزَلَ براءَتي))
فناسَبَ إفراده بالحمدِ في الحال، ولا يَلزَمُ منه تَركُ الحمد بعدَ ذلك. ويحتمل أن تكون معَ
ذلك تَسَّكَت بظاهرٍ قوله {وَ ل﴿ لها: ((احَمَدي الله)) ففَهِمَت منه أمرَها بإفرادِ الله تعالى بالحمدِ
فقالت ذلك، وما أضافَته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعِثِ الغضب.
وروى الطَّبَرِيُّ وأبو عَوَانة(١) من طريق أبي حَصِينٍ عن مجاهد قال: قالت عائشة: لمَّا
نزلَ عُذرُها فقَبَّلَ أبو بكر رأسها، فقلت: ألا عَذَرتَني؟ فقال: أيُّ سَماء تُظِلّني، وأُّ أرض
تُقِلّني، إذا قلتُ ما لا أعلم.
قوله: ((فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِهْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُرْ﴾ العشرَ الآياتِ كلَّها)) قلت:
آخر العشرة قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، لكن وَقَعَ في رواية عطاء
الخُراسانيّ عن الزّهْريّ: فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَّمُو﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾؛ وعَدَد الآي إلى هذا الموضع ثلاثَ عشرةَ آية، فلعلَّ في قولها: ((العشر الآيات))
تَجَازاً بطريق إلغاء الكسر. وفي رواية الحَكَم بن عُتَيبة مُرسَلاً عندَ الطَّبَراني(٢): لمَّا خاضَ
الناسُ في أمر عائشة - فذكر الحديث مختصراً وفي آخره: فأنزَلَ الله تعالى خمسَ عشرةَ آية من
سورة النّور [ثم قرأ الحكم] حتَّى بَلَغَ: ﴿الْخَبِئَتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾؛ وهذا فيه تَجُّزٌ، وعِدّة الآي
إلى هذا الموضع ستَّ عشرةَ. وفي مُرسَل سعيد بن جُبَير عندَ ابن أبي حاتم والحاكم في
((الإكليل): فنزلت ثمانيَ عشرةَ آيَة مُتَوالية كَذَّبَت مَن قَذَفَ عائشة ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو﴾ إلى
قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وفيه ما فيه أيضاً، وتحرير العِدّة سبعَ عشرةَ.
قال الزَّمَشَرِيُّ: لم يقع في القرآن من التَّغليظ في معصيةٍ ما وَقَعَ في قِصّة الإفك بأوجَزِ
(١) لم نقف عليه عندهما، وأخرجه البزار (٢٦٦٥ - كشف الأستار)، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن)) (٧٩٣)
وسنده صحيح.
(٢) تحرف في (س) إلى: الطبري. وهذا الطريق عند الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢٣/ (٢٥١)، وما بين المعقوفين
منه.
٦٩
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
عِبارة وأشبَعِها، لاشتماله على الوعيد الشَّديد والعِتاب البليغ والزَّجر / العنيف، واستعظام ٤٧٨/٨
القول في ذلك واستشناعه بطرقٍ مُتَلِفة وأسالیب مُتقَنة، كلّ واحد منها كافٍ في بابه، بل
ما وَقَعَ منها من وَعِيد عَبَدَة الأَوْثان إلّا بما هو دونَ ذلك، وما ذلك إلّا لإظهار عُلِّ مَنِزِلة
رسول الله وَّل﴾ وتطهير مَن هو منه بسبیلٍ.
وعندَ أبي داود (٧٨٥) من طريق حُميدِ الأعرج عن الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة:
جَلَسَ رسول الله وٍَّ وكَشَفَ الثَّوبَ عن وجهه ثمَّ قال: ((أعوذ بالله السَّميع العليم من
الشَّيطان الرَّجِيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾))، وفي رواية ابن إسحاق: ثمَّ خرج إلى
الناس فخَطَبهم وتلا عليهم.
ويُجمَع: بأنَّه قرأ ذلك عندَ عائشة ثمَّ خرج فقرأها على الناس.
قوله: ((فلمَّا أَنزَلَ الله هذا في براءَتي قال أبو بكر)) يُؤخَذ منه مشروعيَّة ترك المؤاخَذة
بالذَّنب ما دامَ احتمال عَدمِه موجوداً، لأنَّ أبا بكر لم يَقطَعِ نَفَقة مِسطَح إلّا بعدَ تَحَقُّق ذنبه
فيما وَقَعَ منه.
قوله: ((لقَرابَتِه منه)) تقدَّم بيان ذلك قبلُ.
قوله: ((وفَقْره)) عِلّة أُخرى للإنفاق عليه.
قوله: ((بعدَ الذي قال لعائشةَ)) أي: عن عائشة، وفي رواية هشام بن عُرْوة: فحَلَفَ
أبو بكر أن لا يَنفَعَ مِسطَحاً بنافعةٍ أبداً.
قوله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ ﴾ سيأتي شرحُه في باب مُفرَد قريباً(١).
قوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ قال مسلم (٥٦/٢٧٧٠): حدَّثنا حِبّانُ بن موسى أنبَأنا
عبدُ الله بن المبارك قال: هذه أرجَى آية في كتاب الله. انتهى، وإلى ذلك أشارَ القائل:
فإنَّ قَدْرِ الذَّنْبِ من مِسطَحِ يَخُطّ قَدْرَ النَّجم من أُفْقِهِ
(١) بين يدي حديث هشام بن عروة (٤٧٥٧).
٧٠
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقد جَرَى منه الذي قد جَرَى وعُوتِبَ الصِّدّيقُ فِي حَقِّهِ
قوله: ((قال أبو بكر: بلى والله، إنّي لَأُحِبُّ أن يَغْفِرَ الله لي)) في رواية هشام بن عُرْوة: بَلَى
والله يا رَبَّنا، إنّا لَنُحِبُّ أن تَغْفِرَ لنا.
قوله: ((فَرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ)) أي: رَدَّها إليه، وفي رواية فُلَيْحِ: فَرَجَعَ إلى مِسطَح
الذي كان يُجري عليه، وفي رواية هشام بن عُرْوة: وعادَ له بما كان يصنع، ووَقَعَ عندَ
الطبراني (١٦٤/٢٣): أنَّه صارَ يُعطيه ضِعفَ ما كان يُعطيه قبلَ ذلك.
قوله: ((يَسْأل زينبَ بنت جَحْش)) أي: أمّ المؤمنينَ ((أَحمي سَمْعي وبَصَري)) أي: من
الحِماية فلا أنسُبُ إليهما ما لم أسمَعْ وأُبْصِر.
قوله: ((وهيَ التي كانت تُسامِيني)) أي: تُعالِيني، من السُّموّ: وهو العُلوّ والارتفاع، أي:
تَطلُب من العُلوّ والرِّفعة والحُظْوة عندَ النبيّ وَّ ما أطلُب، أو تَعتَقِد أنَّ الذي لها عندَه مِثلُ
الذي لي عندَه. وذَهَلَ بعض الشُّاح فقال: إنَّه من سَوْم الحَسْف، وهو حملُ الإنسان على ما
يَكرَهه، والمعنى: تُغايِظُني، وهذا لا يَصِحّ، فإنَّه لا يقال في مثله: سامَ، ولكن: ساوَمَ.
قوله: ((فعَصَمَها الله)) أي: حَفِظَها ومَنَعَها.
قوله: ((بالوَرَعِ)) أي: بالمحافظة على دينِها ومُجَانَبة ما تَخْشَى سُوءَ عاقبته.
قوله: ((وطَفِقَت)) بكسر الفاء وحُكيَ فتحُها، أي: جَعَلَت أو شَرَعَت. وحَمْنة: بفتح المهمَلة
وسكون الميم، وكانت تحت طلحة بن عبيد الله.
قوله: (تُحارِب لها)) أي: تُجَادِل لها وتَتَعَصَّب وتَحكي ما قال أهل الإفك لتَنخَفِضَ مَنِزِلةُ
عائشة، وتَعلُوَ مَرتَبة أُختها زَينَب.
قوله: ((فَلَكْت فيمَن هَلَكَ من أصحاب الإفْك)) أي: حُدَّت فيمَن حُدَّ(١)، أو أثِمَت معَ
مَن أَثِمَ، زاد صالح بن كَيْسانَ وفُلَيح ومَعمَر وغيرهم: قال ابنُ شِهاب: فهذا الذي بَلَغَنا
من حديث هؤلاءِ الرَّهْط، زاد صالحُ بن كَيْسانَ عن ابنِ شِهاب عن عُرْوة: قالت عائشة:
(١) في (س): حدَّثت فيمن حدَّث.
٧١
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
والله إنَّ الرجل الذي قيل له ما قيل لَيقول: سبحان الله! والذي نفسي بيده ما كَشَفتُ كَنَفَ
أُنْشَى قَطُّ - وقد تقدَّم شرحه قبلُ - قالت عائشة: ثمَّ قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيل الله؛ وتقدَّم
الخِلاف في سنة قتله وفي الغَزَاة التي استُشهِدَ فيها في أوائل الكلام على هذا الحديث.
ووَقَعَ في آخر رواية هشام بن عُرْوة: وكان الذي تَكلَّمَ به مِسطَح وحسَّان بن ثابت
والمنافق عبد الله بن أبيٍّ،/ وهو الذي يَستَوشيهِ، وهو الذي تَولَّى كِبْرَه هو وحَمْنة، وعندَ الطبرانيّ ٤٧٩/٨
(١٨٢/٢٣) من هذا الوجه: وكان الذي تَوَلَّى كِثْره عبدُ الله بن أُبيِّ ومِسطَحْ وَمنة وحسَّان،
وكان كِبرُ ذلك من قِبَل عبد الله بن أُبِّ.
وعندَ أصحاب السُّنَن من طريق محمَّد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم عن
عَمْرة عن عائشة: أنَّ النبيّ وَّهِ أَقامَ حَدَّ القَذْف على الذينَ تَكلَّموا بالإفكِ، لكن لم يذكُر
فيهم عبدَ الله بن أُبيِّ(١)، وكذا في حديث أبي هريرة عندَ البَزَّار (٨٠١١)، وبَنَى على ذلك
صاحبُ ((الْهَدْي)) فأبدَى الحكمة في تركِ الحدّ على عبد الله بن أُبيِّ، وفاتَه أنَّه وَرَدَ أنَّه ذُكِرَ
أيضاً فيمَن أُقيم عليه الحدّ، ووَقَعَ ذلك في رواية أبي أوَيس عن(٢) حسن بن زيد وعن(٣)
عبد الله بن أبي بكر، أخرجه الحاكم في ((الإكليل))، وفيه رَدٌّ على الماوَرْديّ حيثُ صَحَّحَ أنَّه لم
يَحُدَّهِم مُستَنِداً إلى أنَّ الحدّ لا يَتْبُت إلّا بِبَيِّةٍ أو إقرار، ثمَّ قال: وقيل: إنَّه حَدَّهم. وما ضَعَّفَه هو
الصَّحيح المعتمَد. وسيأتي مَزِيد بيان لذلك في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى(٤).
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: جوازُ الحديث عن جماعة مُلفَّقاً مُجُمَلاً، وقد تقدَّم
البحث فيه.
(١) سلف تخريجه ص٢٣.
(٢) في (س): وعن، بزيادة الواو، وهو خطأ، فإن حسن بن زيد - وهو ابن الحسن بن علي - هو شيخ أبي
أُويس في هذه الرواية، والصواب: عن حسن بن زيد وعن عبد الله بن أبي بكر، فسيأتي قريباً ما يفيد أنَّ
أبا أويس رواه عند الحاكم عنهما وعن غيرهما، والله أعلم.
(٣) في (س) والأصلين عن، بإسقاط الواو، ويغلب على ظننا أنه خطأ.
(٤) الذي سيأتي في الحدود هو بيان أنَّ الحدَّ لا يجب على أحد بغير بينة أو إقرار، عند شرح الحديث (٦٨٥٦).
٧٢
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه مشروعيَّة القُرْعة حتَّى بينَ النِّساء وفي المسافَرة بهنَّ والسَّفَر بالنِّساءِ حتَّى في الغَزْو،
وجواز حكاية ما وَقَعَ للمَرِ من الفضل ولو كان فيه مَدُ ناسٍ وذَمُّ ناسٍ إذا تَضَمَّنَ ذلك
إزالةَ تَوهُّم النَّقص عن الحاكي إذا كان بَرِيئاً عندَ قصد نُصْحِ مَن يَبلُغه ذلك، لئلا يقع فيها
وَقَعَ فيه من سَبَقَ، وأنَّ الاعتناءَ بالسَّلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في
الإثم وتحصيل الأجر للموقوع فيه.
وفيه استعمال التوطِئَة فيما يُحتاج إليه من الكلام، وأنَّ الهَودَج يقوم مقامَ البيت في
حَجْب المرأة، وجوازُ رُكوب المرأة الهَودَجَ على ظَهْر البعير، ولو كان ذلك ممَّا يَشُقّ عليه
حيثُ يكون مُطيقاً لذلك.
وفيه خدمةُ الأجانب للمرأة من وراءِ الحِجاب، وجوازُ تَسَتُّر المرأة بالشَّيءِ المنفَصِل
عن البَدَنِ، وتَوَجُّه المرأة لقَضاءِ حاجتِها وحدَها وبغير إذنٍ خاصٍّ من زوجها، بل اعتماداً
على الإذن العامّ المستَئِدِ إلى العُرف العامّ، وجوازُ تَحلّي المرأة في السَّفَر بالقِلادة ونحوِها، وصيانة
المال ولو قَلَّ للنَّهي عن إضاعة المال، فإنَّ عِقْد عائشة لم يكن من ذهب ولا جَوهَر.
وفيه شُؤْم الحِرص على المال لأنَّها لو لم تُطِلْ في التَّفتيش لَرَجَعَت بسُرعةٍ، فلمَّا زاد على
قَدْر الحاجة أثَّرَ ما جَرَى، وقريبٌ منه قِصّة المتخاصِمَينِ حيثُ رُفِعَ عِلمُ ليلة القَدْر بسببهما،
فإنََّما لم يَقتَصِرا على ما لا بُدَّ منه، بل زادا في الخِصام حتَّى ارتَفَعَت أصواتهما، فأثَّرَ ذلك
بالرَّفع المذكور (١)، وتَوقُفُ رحيل العَسكر على إذن الأمير، واستعمالُ بعض الجيش ساقةً
يكون أميناً ليَحمِلَ الضَّعيفَ ويَحَفَظ ما يَسقُط وغيرِ ذلك من المصالح، والاسترجاعُ عندَ
المصيبة، وتغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبيّ، وإطلاقُ الظَّنّ على العلم، كذا قيل، وفيه
نظرٌ قَدَّمتُه، وإغاثةُ الملهوف، وعَوْن المنقَطِع، وإنقاذ الضّائع، وإكرام ذَوِي القَدْر وإيثارهم
بالرُّكوب وتَجِتُّم المشَقّة لأجلِ ذلك، وحُسْن الأدب معَ الأجانب خصوصاً النِّساء لا سيَّما
في الخَلْوة، والمشي أمام المرأة ليَستَقِرَّ خاطِرُها وتأمَنَ مَمَّا يُتوهّم من نظره لمَا عَسَاه يَنكَشِف
منها في حركة المشي.
(١) سلف برقم (٢٠٢٣).
٧٣
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
وفيه مُلاطَفة الزّوجة وحُسْنُ مُعاشَرَتها، والتَّقصير من ذلك عندَ إشاعة ما يقتضى النَّقْص
وإن لم يَتَحقَّق، وفائدة ذلك أن تَتَفَطَّنَ لتغييرِ الحالِ فَتَعتَذِرَ أو تعترف، وأنَّه لا ينبغي لأهلِ
المريض أن يُعلِموه بما يُؤذي باطِنَه لئلا يزيد ذلك في مرضه.
وفيه السُّؤال عن المريض، والإشارة إلى مراتب الهِجْران بالكلام والملاطَفة، فإذا كان
السَّبَب مُحقَّقاً فيُترَك أصلاً، وإن كان مظنوناً فيُخفَّف، وإن كان مَشكوكاً فيه أو مُتَمَلاً
فَيَحسُن التَّقليل منه لا العمل بما قيل، بل لئلّا يُظَنَّ بصاحبه عَدَم المبالاة بما قيل في حَقِّه،
لأنَّ ذلك من خَوَارم المروءة.
وفيه أنَّ المرأة إذا خرجت لحاجةٍ تَستصحِب مَن يُؤنِسُها أو تَخْدِمها ممَّن يُؤمَن عليها.
وفيه ذَبُّ المسلم عن المسلم خصوصاً مَن كان من أهل الفضل، ورَدْعِ مَن يُؤذيهم ولو كان
منهم بسبيلٍ، وبيان مَزيدٍ فضيلة/ أهل بدر، وإطلاقُ السَّبّ على لفظ الدُّعاء بالسّوءِ على ٤٨٠/٨
الشّخص.
وفيه البحث عن الأمر القبيح إذا أُشِيعَ، وتَعرُّفُ صِحَّته وفساده بالتّنقيب على مَن قیل
فيه: هل وَقَعَ منه قبلَ ذلك ما يُشبِهُه أو يَقرُب منه، واستصحاب حال مَن اتُهُمَ بسوءٍ إذا كان
قبلَ ذلك معروفاً بالخير إذا لم يَظهَر عنه بالبحثِ ما يخالف ذلك.
وفيه فضيلةٌ قويّة لأُمِّ مِسطَح، لأنَّها لم تُحابٍ ولدَها في وقوعه في حَقِّ عائشة، بل
تَعَمَّدَت سَبَّه على ذلك.
وفيه تقويةٌ لأحدِ الاحتمالَينِ في قوله وَّه عن أهل بدر: ((إنَّ الله قال لهم: اعملوا ما
شئتُم، فقد غَفَرتُ لكم))(١)، وأنَّ الرَّاجحَ أنَّ المراد بذلك أنَّ الذُّنوب تقع منهم لكنَّها
مقرونة بالمغفرة تفضيلاً لهم على غيرهم بسبب ذلك المشهد العظيم، ومرجوحيَّة القول
الآخر: أنَّ المراد أنَّ الله تعالى عَصَمَهم فلا يقعُ منهم ذنبٌ، نَبَّهَ على ذلك الشَّيخ أبو محمّد بن
أبي جَمْرة، نَفَعَ الله به.
(١) سلف برقم (٣٠٠٧).
٧٤
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه مشروعيَّة التَّسبيح عندَ سماع ما يَعتَقِد السامعُ أنَّه كَذِبٌ، وتوجيهه هنا: أنَّه
سبحانه وتعالى يُنَّه أن يَحَصُل لِقَرَابة رسول الله وَلاَ تَدْنيس، فيُشرَعِ شُكْره بالتَّنزيه في مِثل
هذا، نَبَّهَ عليه أبو بكر بن العربيّ.
وفيه تَوقُّف خروج المرأة من بيتها على إذْن زوجها ولو كان إلى بيت أبَوَيها.
وفيه البحثُ عن الأمر المَقُول ممّن يدلّ عليه المَقُول فيه، والتوقُّف في خَبَرِ الواحد
ولو كان صادِقاً، وطلبُ الارتقاء من مَرتَبة الظَّنّ إلى مَرتَبة اليقين، وأنَّ خبر الواحد إذا جاء
شيئاً بعدَ شيء أفادَ القطعَ لقولِ عائشة: ((لأستَيَقِنَ الخبر من قِبَلِهما)»، وأنَّ ذلك لا يَتَوقَّف
على عَدَد مُعيَّن.
وفيه استشارة المرء أهلَ بِطَانته ممَّن يَلُوذ به بقَرايةٍ وغيرها، وتخصيص مَن جُرِّبَت صِحّة
رأيه منهم بذلك ولو كان غيرُه أقربَ، والبحث عن حال مَن اتُّهِمَ بشيءٍ، وحكاية ذلك
للكشفِ عن أمره ولا يُعَدُّ ذلك غِيبةً.
وفيه استعمال ((لا نَعلم إلّا خيراً)) في التَّزكية، وأنَّ ذلك كافٍ في حَقِّ مَن سَبَقَت عَدَالتُه
ثَمَّن يَطَّلِعِ على خَفِيّ أمره.
وفيه التثُبُّت في الشَّهادة، وخطبة الإمام(١) عندَ الحادث المهمّ، والاستنصار بالأخِصّاءِ
على الأجانب، وتَوطِئَة العُذْر لمن يُراد إيقاعُ العِقاب به أو العِتاب له، واستشارة الأعلى لمن
هو دونَه، واستخدام مَن ليس في الرِّقّ، وأنَّ مَن استَفْسَرَ عن حال شخص فأراد بيانَ ما فيه
من عَيْب، فليُقدِّم ذِكْر عُذرِه في ذلك إن كان يعلمه، كما قالت بَرِيرة في عائشة حيثُ عابَتها
بالنَّومِ عن العَجينِ، فقَدَّمَت قبلَ ذلك أنَّها جاريةٌ حديثة السِّنّ.
وفيه أنَّ النبيّ ◌َّه كان لا يَحكم لنفسِه إلّا بعدَ نزول الوحي، لأنَّهِ وَّه لم يَجِزِمْ في القِصّة
بشيءٍ قبلَ نزول الوحي، نَبَّهَ عليه الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة، نَفَعَ الله به، وأنَّ الْحَمِيَّة لله
ورسوله لا تُذَمّ.
(١) في (أ) و(س): وفطنة الإمام، والمثبت من (ع)، وهو أوجه.
٧٥
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
وفيه فضائلُ جَمّةٌ لعائشةَ ولأبَوَيها ولِصفوانَ ولِعليٍّ بن أبي طالب وأسامة وسعد بن
معاذ وأُسَيد بن حُضَير. وفيه أنَّ التَّعَصُّب لأهلِ الباطل يُخْرِجُ عن اسم الصَّلاح، وجوازٌ
سَبِّ مَن يَتعرَّض للباطلِ ونِسَبَتَه إلى ما يَسُوؤُه وإن لم يكن ذلك في الحقيقة فيه، لكن إذا
وَفَعَ منه ما يُشبِهِ ذلك جازَ إطلاقُ ذلك عليه تغليظاً له، وإطلاقُ الكَذِب على الخطأ،
والقَسَمُ بلفظ: لَعَمْرُ الله.
وفيه النَّب إلى قَطْع الخصومة، وتسكينُ ثائرة الفتنة، وسَدُّ ذَرِيعة ذلك، واحتمال
أَخَفّ الضَّرَرَينِ بزوال أغلَظِهما، وفضلُ احتمال الأذَى.
وفيه مُباعَدة مَن خالَفَ الرَّسولَ ولو كان قريباً حَميماً.
وفيه أنَّ مَن آذَى النبيَّ نَّه بقولٍ أو فِعل يُقتَل، لأنَّ سعد بن معاذ أطلقَ ذلك ولم يُنكِرْه
النبيّ ◌َلّد.
وفيه مُساعَدة مَن نزلت فيه بَلِيَّةٌ بالتوجُّع والبكاء والحُزن.
وفيه تَثُبُّت أبي بكر الصِّيق في الأُمور، لأنَّه لم يُنقَلْ عنه في هذه القِصّة - معَ تَمادي الحال
فيها شهراً - كلمةٌ فما فوقَها، إلّا ما وَرَدَ عنه في بعض طرق الحديث أنَّه قال: والله ما قيل لنا
هذا في الجاهليَّة، فكيفَ بعدَ أن أعَزَّنا الله بالإسلام؟ وَقَعَ ذلك في حديث ابنِ عمر عندَ
الطبرانيّ (١٦٤/٢٣). وفيه ابتداءُ الكلام في الأمر المهِمّ بالتَّشَهُّدِ والحمدِ والثَّناءِ وقولِ: أمَّا
بعدُ، وتوقيفُ مَن نُقِلَ عنه ذنبٌ على ما / قيل فيه بعدَ البحث عنه، وأنَّ قول: ((كذا وكذا)) يُكْنى ٤٨١/٨
بها عن الأحوال كما يُكْنى بها عن الأعداد ولا تَخْتَصُّ بالأعدادِ.
وفيه مشروعيَّة التوبة وأنَّها تُقبَل من المعتَرِف المقلِعِ المخلِص، وأنَّ مُجَّد الاعتراف لا يُحِزِئُّ
فيها، وأنَّ الاعتراف بها لم يقعْ لا يجوز، ولو عَرَفَ أنَّه يُصدَّق في ذلك ولا يُؤَاخَذ على ما یَرَِّب
على اعترافه، بل عليه أن يقول الحقّ أو يَسكُت، وأنَّ الصَّبر تُحمَد عاقبتُه ويُغبط صاحبه.
وفيه تقديم الكبير في الكلام وتَوَقُّف مَن اشتَبَهَ عليه الأمرُ عن الكلام. وفيه تبشیر مَن
تَجدَّدَت له نِعمةٌ أو اندَفَعَت عنهِنِقْمة.
٧٦
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه الضَّحِك والفَرَح والاستبشار عندَ ذلك، ومَعذِرةُ مَن انزَعَجَ عندَ وقوع الشِّدّة
الصِغَرِ سِنٌّ ونحوِهِ، وإدلالُ المرأة على زوجها وأبَوَيها، وتدريجُ مَن وَقَعَ في مصيبة فزالَت
عنه، لئلّا يَهجُمَ على قلبه الفَرَحُ من أوَّل وَهْلةٍ فيُهلِكه، يُؤْخَذ ذلك من ابتداء النبيّ ◌َّ بعدَ
نزول الوحي ببراءة عائشة بالضَّحِكِ ثمَّ تبشيرها ثمَّ إعلامها ببراءَتِها مُجُمَلةً ثمَّ تِلاوَته
الآيات على وجهها. وقد نَصَّ الحكماء على أنَّ مَن اشتَدَّ عليه العَطَشُ لا يُمَكَّن من المبالَغة
في الرِّيّ في الماء، لئلّا يُفضي به ذلك إلى الهَلَكة، بل يُجرَّع قليلاً قليلاً.
وفيه أنَّ الشِّدّة إذا اشتَدَّت أعقَبَها الفَرَج، وفَضْلُ مَن يُفوِّض الأمر لرَبِّه، وأنَّ مَن قويّ
على ذلك خَفَّ عنه الهمُّ والغَمُّ كما وَقَعَ في حالتَي عائشة قبلَ استفسارها عن حالها وبعدَ
جوابها بقولها: والله المستعان.
وفيه الحثُّ على الإنفاق في سبيل الخير خصوصاً في صِلَة الرَّحِم، ووقوع المغفرة لمن أحسنَ
إلى مَن أساءَ إِليه أو صَفَحَ عنه، وأنَّ مَن حَلَفَ أن لا يفعلَ شيئاً من الخير استُحِبَّ له الحِنِثُ،
وجواز الاستشهاد بآي القرآن في النَّوازِل، والتََّسّي بما وَقَعَ للأكابِ من الأنبياء وغيرهم.
وفيه التَّسبيح عندَ التَّعَجُّب واستعظام الأمر، وذَمُّ الغِيبة وذَمّ سماعها وزَجْر مَن
يَتَعاطاها لا سيَّما إن تَضَمَّنَت تُهمةَ المؤمن بما لم يقع منه، وذَمّ إشاعة الفاحشة، وتحريمُ
التشكُّك في براءة عائشة.
وفيه تأخير الحدّ عَمَّن يُخْشَى من إيقاعه به الفتنة، نَبَّهَ على ذلك ابنُ بَطّال مُستَنِداً إلى أنَّ
عبد الله بن أُبيِّ كان مَمَّن قَذَفَ عائشة ولم يقع في الحديث أنَّه ممّن حُدَّ، وتَعقَّبَه عِيَاض بأنَّه لم
يَثْبُت أنَّه قَذَفَ، بل الذي ثَبَتَ أنَّه كان يَستَخرِ جه ويَستَوشِیهِ.
قلت: وقد وَرَدَ أنَّ قَذَفَ صريحاً، وَقَعَ ذلك في مُرسل سعید بن جُبیر عندَ ابنِ أبي حاتم
وغيره، وفي مُرسَل مُقاتِل بن حَيّانَ عندَ الحاكم في ((الإكليل)) بلفظ: فَرَمَاها عبد الله بن أُبيِّ،
وفي حديث ابنِ عمر عندَ الطبرانيّ (١٦٤/٢٣) (١) بلفظٍ أَشنَعَ من ذلك.
(١) لكن فيه متَّهَم بالكذب، فالأَولى عدم الاستشهاد بهكذا رواية.
٧٧
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
ووَرَدَ أيضاً أنَّه مَمَّن جُلِدَ الحدَّ، وَقَعَ ذلك في رواية أبي أوَيس عن الحسن بن زيد
وعبد الله بن أبي بكر بن حَزْم وغيرهما مُرسَلاً، أخرجه الحاكم في ((الإكليل))، فإن ثَبَتَا سَقَطَ
السُّؤال، وإن لم يَثْبُنَا فالقول ما قال عِيَاض، فإنَّه لم يَتْبُتِ خَبَرٌ بأنَّه قَذَفَ صريحاً ثمَّ لم يُحَدَّ،
وقد حكى الماوَرْديّ إنكار وقوع الحدّ بالذينَ قَذَفوا عائشة أصلاً كما تقدَّم، واعتَلَّ قائله بأنَّ
حَدَّ القَذف لا يَجِبُ إلّا بقيام بَيِّةٍ أو إقرار، وزاد غيره: أو بطلب المقذوف، قال: ولم يُنقَل
ذلك. كذا قال، وفيه نظرٌ يأتي إيضاحه في كتاب الحدود (٦٨٥٦) إن شاء الله تعالى.
واستَدَلَّ به أبو عليّ الكَرَابيسيّ صاحب الشافعيّ في ((كتاب القضاء)) على منع الحُكم
حالةَ الغضب لمَا بَدَا من سعد بن معاذ وأُسَيد بن حُضَير وسعد بن عُبَادة من قول بعضهم
لبعضٍ حالةَ الغضب حتَّى كادوا يقتتلون، قال: فإنَّ الغضب يُخْرِج الحليم المنَّقي إلى ما لا يَلِيق
به، فقد أخرج الغضبُ قوماً من خيار هذه الأُمّة بحَضْرة رسول الله وَّةٍ إلى ما لم يَشُكَّ أحدٌ من
الصَّحابة أنَّها منهم زَلّة؛ إلى آخر كلامه في ذلك، وهذه مسألة نَقَلَ بعض المتأخّرينَ فيها رواية
عن أحمدَ، ولم تَثبُت. وسيأتي القول فيها في كتاب الطَّلاق إن شاء الله تعالى(١).
ويُؤخَذ من سياق عائشة رضي الله عنها جميعَ قِصَّتها المشتَمِلة على براءَتها بيانُ ما أُجِلَ
في الكتاب والسُّنّة لسياق أسباب ذلك، وتسميةُ مَن يُعرَف من أصحاب القَصَص لمَا في
ضِمْن ذلك من الفوائد الأحكاميَّة والآدابيَّة وغير ذلك، وبذلك / يُعرَف قُصور مَن قال: ٤٨٢/٨
براءةٌ عائشة ثابتة بصريح القرآن، فأيُّ حاجةٍ لسياق قِصَّتها؟
٧ - باب قوله:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: ١٤]
﴿نُفِضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]: تقولون.
وقال مجاهدٌ: ﴿ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: ١٥]: يَرْوِيه بعضُكم عن بعضٍ.
(١) بين يدي الحديث رقم (٥٢٧٣).
٧٨
سورة النور/ ح ٤٧٥١
فتح الباري بشرح البخاري
٤٧٥١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سليمانُ، عن خُصَينٍ، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ،
عن أمِّرُومانَ، أمّ عائشةَ أنَّها قالت: لمَّا رُمِيَت عائشةُ، خَرَّت مَغْشِيّاً عليها.
قوله: ((باب قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾)) في رواية أبي ذرِّ بعدَ قوله: ﴿أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾: الآية.
قوله: ((﴿أَفَضْتُمْ﴾: قلتُم)) ثَبَتَ هذا لأبي نُعَيم في رواية ((المستَخرَج))، وقال أبو عبيدة في
قوله: أنَضتُم، أي: خُضْتُم فيه.
قوله: (﴿ُفِيضُونَ فِيهِ﴾: تقولون)) هو قولُ أبي عُبيدة.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: يَرْويه بعضُكم عن بعض)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريقه
وقال: معناه من التَّلقِّي للشَيءٍ: وهو أخذُه وقَبُوله، وهو على القراءة المشهورة، وبذلك
جَزَمَ أبو عبيدة وغيره، و(تَلَقَّونَه)) بحذفِ إحدى التاءَينِ، وقرأ ابن مسعود بإثباتها، وقرأت
عائشة ويحيى بن يَعمَرَ: ((تَلِقُونَه)) بكسر اللّام وتخفيف القاف من الوَلْق بسكونِ اللّام: وهو
الكَذِب، وقال الفَرّاء: الوَلْق: الاستمرار في السَّير وفي الكَذِب، ويقال للَّذي أدمَنَ الكَذِب:
الألقُ، بسكونِ اللّام وبفتحها أيضاً، وقال الخليل: أصل الوَلْق الإسراع، ومنه: جاءت الإبل
تَلِقُ، وقد تقدَّم في غزوة المُرَيسيع (٤١٤٤) التَّصريح بأنَّ عائشة قرأته كذلك، وأنَّ ابن أبي
مُلَيكة قال: هي أعلمُ من غيرها بذلك لكَوْنِهِ نزلَ فيها. وقد تقدَّم فيه أيضاً الكلام على إسناد
حديث أمّ رُومان المذكور في هذا الباب، والمذكور هنا طرفٌ من حديثها، وقد تقدَّم بتمامه
هناكَ (٤١٤٣)، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى في الباب الذي قبلَه في أثناء حديث عائشة.
وقال الإسماعيليّ: هذا الذي ذكره من حديث أمّ رُومان لا يَتَعلَّق بالتَّرجمة. وهو كما
قال، إلّا أنَّ الجامع بينَهما قِصّة الإفك في الجملة.
وقوله في هذه الرِّواية: ((حدَّثنا محمَّد بن كثير، حدَّثنا سليمان، عن حُصَينٍ)) كذا للأكثر،
وسلیمان: هو ابن كثير أخو محمَّدٍ الراوي عنه، وللأَصِيلِيِّ عن الجُزْجانيِّ: سفيان، بَدَل سلیمان،
قال أبو عليٍّ الجيّانيُّ: هو خطأ والصَّواب سلیمان. وهو كما قال.
٧٩
سورة النور/ ح ٤٧٥٢-٤٧٥٤
كتاب التفسير
٨- بابٌ
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ﴾ الآية [النور: ١٥]
٤٧٥٢- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، حدَّثنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهم: قال ابنُ أبي
مُلَيكةً: سمعتُ عائشةَ تَقْرَأُ: ﴿إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.
قوله: ((بابٌ ﴿إِذْ تَلَقَوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَحِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلْمٌ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي
ذرِّ، وساقَ غيرُه إلى ﴿عَظِيمٌ﴾، وقد ذكرتُ ما فيه في الذي قبله.
٩- بابٌ
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَآ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ الآية [النور: ١٦]
﴿ُِّّيّ﴾ [النور:٤٠] اللُّجّة: مُعظَمُ البَحرِ.
٤٧٥٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن عمرَ بنِ سعيدٍ بنِ أبي حُسَين، قال:
حدَّثني ابنُ أبي مُلَيكةَ، قال: استأذَنَ ابنُ عبَّاسٍ قبلَ موتِها على عائشةَ وهي مَغْلوبةٌ، قالت:
أخشى أن يُثْنِيَ عليَّ، فقِيلَ: ابنُ عَمِّ/ رسولِ الله وَلَّهِ، ومن وجوهِ المسلمينَ، قالت: اتْذَنوا له، فقال: ٤٨٣/٨
كيفَ تَجِدِينَكِ؟ قالت: بخيرٍ إِنِ اتَّقَيتُ، قال: فأنتِ بخيرٍ إن شاء الله، زَوْجَةُ رسولِ اللهِ،
ولم يَنكِحْ بِكْراً غيرَكِ، ونزلَ عُذْرُكِ منَ السماءِ، ودَخَلَ ابنُ الزُّبَيرِ خِلَافَه، فقالت: دَخَلَ ابنُ
عبَّاسٍ، فأثْنَى عليَّ، ووَدِدْتُ أنّي كنتُ نِسْباً مَنْسِيّاً.
٤٧٥٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدّثنا عبدُ الوهَّاب بنُ عبدِ المَجِيدِ، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ،
عن القاسمِ: أنَّ ابنَ عبَّاسِ عَّ اسْتَأذَنَ على عائشةَ، نحوَه ولم يَذْكُر: ((نِسْياً مَنْسِيّاً)).
قوله: ((بابٌّ ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ،
وساقَ غيره إلى ﴿عَظِيمٌ﴾
قوله: (﴿لُّجِّ﴾، اللُّجّة: مُعظَم البحر)) ثَبَتَ هذا لأبي نُعَيم في ((المستَخرَج))، وهو قول أبي
عُبيدة، قال في قوله: ﴿فِي بَحْرِ لُِّيّ﴾ يُضاف إلى اللُّجّة: وهي مُعظَم البحر.
تنبيه: ينبغي أن يكون هذا في أثناء التَّفاسير المذكورة في أوَّل السّورة، وأمَّا خصوصُ
هذا الباب فلا تَعلُّقَ له بها.
٨٠
سورة النور/ ح ٤٧٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيدِ القَطّان.
قوله: ((وهيَ مَغْلوبة)) أي: من شِدّة كَرْب الموتِ.
قوله: ((قالت: أخشى أن يُثْنِيَ عليّ، فقيل: ابن عمّ رسول الله وَي) كأنَّ القائل فَهِمَ عنها
أنَّهَا تمنعه من الدُّخول للمعنى الذي ذكرتْه فذَكَّرَها بمَنزِلَتِهِ، والذي راجَعَ عائشةَ في ذلك
هو ابن أخيها عبد الله بن عبد الرَّحمن، والذي استأذَنَ لابنِ عبَّاس على عائشة حينئذٍ هو
ذَكْوانُ مولاها، وقد بيَّن ذلك كلَّه أحمد (٢٤٩٦) وابن سعد (٨/ ٧٥) من طريق عبد الله بن
عثمان - هو ابن خُثَيِمٍ - عن ابن أبي مُلَيكة، عن ذَكْوانَ مولى عائشة: أنَّه استأذَنَ لابنِ عبّاس
على عائشة وهي تموت، فذكر الحديث وفيه: فقال لها عبد الله: يا أمَّتاه، إنَّ ابن عبّاس من
صالِحِي بَنِيكِ يُسَلِّم عليك ويُودِّعك، قالت: ائذَنْ له إن شئتَ.
وادَّعَى بعض الشُّاح أنَّ هذا يدلُّ على أنَّ رواية البخاريّ مُرسَلة، قال: لأنَّ ابن أبي
مُلَيكة لم يَشهَدْ ذلك ولا سمعَه من ابن عبّاس حالَ قوله لعائشةَ لعَدَم حضوره. انتهى، وما
أدري من أين له الجزمُ بعَدَمِ حضوره وسماعه، وما المانعُ من ذلك؟ ولعلَّه حَضَرَ جميع ذلك
وطالَ عَهْده به فذَكَّرَه به ذَكْوان، أو أنَّ ذَكْوانَ ضَبَطَ منه ما لم يَضِبِطْه هو، ولهذا وَقَعَ في
رواية ذَكْوانَ ما لم يقع في رواية ابن أبي مُلَيكة.
قوله: ((كيفَ تَجِدِينَكِ؟)) في رواية ذَكْوانَ: فلمَّا جَلَسَ قال: أَبشِري، قالت: وأيضاً! قال:
ما بينَكِ وبينَ أن تَلقَيْ محمَّداً والأحِبّة إلّا أن تَخرُجَ الرّوحُ من الجسد.
قوله: ((بخيرٍ إِنِ اتَّقَيتُ)) أي: إن كنت من أهل التَّقوَى، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ:
أُبقِيتَ.
قوله: ((فأنتِ بخيرٍ إن شاء الله تعالى، زَوْجة رسول الله وَ ل﴿ه ولم يَنكِحْ بِكْراً غيرَكِ)» في رواية
ذَكْوانَ: كنتِ أحَبَّ نساء رسول الله وَ ◌ّه ولم يكن يُحِبّ إلّا طيّباً.
قوله: ((ونزلَ عُذْرُكِ من السماء)) يشيرُ إلى قِصّة الإفك، ووَقَعَ في رواية ذَكْوانَ: وأَنْزَلَ الله
براءَتكِ من فوقٍ سبع سماوات، جاء به الرُّوح الأمين، فليس في الأرض مسجد إلّا وهو يُتْلَى