Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير وصالح بإسنادهما قال: مِثله، غيرَ أنَّ بيَّن الاختلاف في ((احتَمَلَته الحَميَّة)) أو ((اجتَهَلَته)) وفي ((مُوغِرِینَ)) كما سيأتي، وذكر في رواية صالح زيادة كما سأُنبِّه عليها. وأخرجه النَّسائيُّ في عِشرة النِّساء (ك٨٨٨٢) من طريق صالح، وأخرجه في التَّفسير (ك١١٢٩٦) من طريق محمَّد بن ثَوْر عن مَعمَر، لكنَّه اقتَصَرَ على نحو نصف أوَّله ثمَّ قال: وساقَ الحديث، وأخرج من طريق ابن وَهْب عن يونس وذكر آخرَ، كلاهما عن الزُّهْريّ بسندِه: ودَعَا رسول الله وَّه عليّاً وأسامة يَستَشيرُهما، إلى قوله: فتأتي الدَّاجِن فتأكُله، أخرجه في القضاء (ك ٥٥٩٠). وأخرج أبو داود من طريق ابن وَهْب عن يونس طَرَفاً منه في السُّنّة (٤٧٣٥)، وهو قول عائشة: ولَشأني في نفسي كان أحقَرَ من أن يتكلّم الله فيَّ بأمرٍ (١) يُتْلَى. وذكره التِّرمِذيّ (٣١٨٠) عن يونس ومَعمَر وغيرهما عن الزُّهْرِيّ مُعلَّقاً عَقِبَ رواية هشام بن عُرْوة عن أبيه. فهذه جميع طرقه في هذه الكتب. وقد جاء/ عن الزُّهْريّ من غير رواية هؤلاءِ، فأخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) والطبرانيُّ ٤٥٦/٨ (١٣٨/٢٣ و١٤٠-١٤٤) من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ وعُبيد الله بن عمر العُمَريّ وإسحاق بن راشد وعطاء الخُراسانيّ وعُقيل وابن جُرَيج. وأخرجه أبو عَوَانة أيضاً من رواية محمَّد بن إسحاق(٢) وبكر بن وائل ومعاوية بن يحيى وحُميدٍ الأعرَج، وعندَ أبي داود (٧٨٥) طَرَف من رواية حُميدٍ هذا. والطبرانيُّ أيضاً (١٣٩/٢٣ و١٤٨ و١٤٥ -١٤٨) من رواية زياد بن سعد، وابن أبي عَتيق، وصالح بن أبي الأخضر، وأفلَح بن عبد الله بن المغيرة، وإسماعيل بن رافع، ويعقوب ابن عطاء. وأخرجه ابن مَرْدويه من رواية ابن عُيَينَةَ وعبد الرَّحمن بن إسحاق، كلّهم - وعِدَّتُهم (١) في (س): بوحي، والمثبت من (أ) و(ع) وهو الموافق لما في ((سنن أبي داود)). (٢) وانظر رواية ابن إسحاق أيضاً في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٢٩٧. ٢٢ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ثمانيةَ عشرَ نفساً - عن الزّهْريّ، منهم مَن طَوَّلَه ومنهم مَن اختَصَرَه، وأكثرهم يُقدِّم عُرْوةً على سعيد وبعدَ سعيد عَلْقمة ويَخْتِم بعُبيدِ الله، وقدَّمَ مَعمَرٌ ويونسُ من رواية ابن وَهْب عنه، وعُقيلٌ، وابنُ إسحاق في روايةٍ، ومعاويةُ وزياد وأفلَح وإسماعيل ويعقوبُ سعيدَ بنَ المسيّب على عُرْوة، وقَدَّمَ ابنُ وَهْب عَلْقمةَ على عُبيد الله، وقَدَّمَ ابن إسحاق في روايةٍ عَلْقمةَ وثَنَّى بسعيدٍ، وثَلَّثَ بِعُرْوةَ وأَخَّرَ عُبِيدَ اللهِ، وقَدَّمَ عطاءٌ الْخُراسانيّ عُبِيدَ الله على عُرْوة في رواية، وحَذَفَ من أُخرى سعيداً، وكذا قَدَّمَ صالحُ بن أبي الأخضَرِ عُبِيدَ الله، لكن ثَنَّى بأبِي سَلَمَةَ بن عبد الرّحمن بدلَ سعيد، وثَلَّثَ بعَلْقمةَ، وخَتَمَ بِعُرْوةَ، واقتَصَرَ بكر علی سعید. قوله: ((وكلٌّ حدَّثني طائفةً من الحديث)) أي: بعضَه، هو مَقُول الزّهْريّ كما في رواية فُلَيح: ((قال الزُّهْريّ ... )) إلى آخره، وفي رواية ابن إسحاق: ((قال الزُّهْريّ: كلٍّ حدَّثني بعض هذا الحديث، وقد جمعت لك كلّ الذي حَدَّثوني))، ولمَّا ضَمّ ابن إسحاق إلى رواية الزُّهْريّ عن الأربعة روايته هو عن عبد الله بن أبي بكر عن عَمْرة وعن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير عن أبيه كلاهما عن عائشة، قال: دَخَلَ حديث هؤلاءِ جميعاً يُحِدِّث بعضُهم ما لم يُحدِّث صاحبُه، وكلٌّ كان ثقةً، فكلٌّ حدَّث عنها ما سمعَ قال ... فذكره. قال عِيَاض: انتَقَدوا على الزُّهْريّ ما صَنَعَه من روايته لهذا الحديث مُلَفَّقاً عن هؤلاءِ الأربعة وقالوا: كان ينبغي له أن يُفرِدَ حديثَ كلّ واحد منهم عن الآخر، انتهى. وقد تتبّعت طرقه فوجدته من رواية عُزْوة على انفراده، ومن رواية عَلْقمة بن وقّاص على انفراده، وفي سياق كلٍّ منهما مُخَالَفات ونقصٌّ وبعضُ زيادة لمَا في سياق الزُّهْريّ عن الأربعة، فأمَّا رواية عُرْوة فأخرجها المصنّف في الشَّهادات (٢٦٦١) من رواية فُلَيح بن سليمان عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عَقِبَ رواية فُلَيح عن الزُّهْريّ قال: مِثله، ولم يَسُق لفظه، وبينَهما تفاوت كبير، فكأنَّ فُلَيحاً تَجَوَّزَ في قوله: ((مِثله))، وقد عَلَّقَها المصنّف كما سيأتي قريباً (٤٧٥٧) لأبي أُسامة عن هشام بن عُرْوة عن أبيه بتمامِه، ووَصَلَها مسلم (٥٨/٢٧٧٠) ٢٣ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير لأبي أُسامة إلّا أنَّه لم يَسُقه بتمامه، ووَصَلَه أحمد (٢٤٣١٧) وأبو بكر بن أبي شَيْبة عن أبي أُسامة بتمامه، وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٨٠) والطَّبَريُّ (٩٢/١٨-٩٣) والإسماعيليّ من رواية أبي أُسامة، وأخرجه أبو عَوَانة والطبرانيُّ (١٤٩/٢٣ و١٥١) من رواية حمّاد بن سَلَمَةَ وأبي أُوَيس، وأبو عَوَانة وابن مَرْدويه من رواية يونس بن بُكَير، والدَّارَقُطنيّ في ((الغرائب)) من رواية مالك، وأبو عَوَانة من رواية عليّ بن مُسهِر وسعيد بن أبي هلال، ووَصَلَها المصنِّف باختصارٍ في الاعتصام (٧٣٧٠) من رواية يحيى بن أبي زكريّا، كلّهم عن هشام بن عُرْوة مُطوَّلاً ومختصراً. وأمَّا رواية عَلْقمة بن وقّاص فوَصَلَها الطَّبَرِيُّ (٨٨/١٨ ٩٣-٩٤)، والطبرانيُّ من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطِبٍ عنه(١). وأمَّا رواية سعيد بن المسيّب وعُبيد الله فلم أجِدْهما إلّا من رواية الزّهْريّ عنهما. وقد رواه عن عائشة غيرُ هؤلاءِ الأربعة، فأخرجه المصنّف في الشَّهادات من رواية عَمْرة بنت عبد الرَّحمن عن عائشة، ولم يَسُقْ لفظها (٢). وقد ساقَه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) والطبرانيُّ (١٥١/٢٣) من طريق أبي أوَيس، وأبو عَوَانة والطبراني أيضاً من طريق محمّد بن إسحاق، كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن خَزْم عنها(٣). (١) هذه الرواية لم نقف عليها عند الطبراني، وقد أخرجها إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (١١٣١). (٢) لم نقف عليه في الشهادات عند المصنف من طريق عمرة، وإنما هو فيه عنده (٢٦٦١) من رواية عروة بن الزبير وابن المسيب وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة. وأما رواية عمرة بنت عبد الرحمن فقد أخرجها أبو داود (٤٤٧٤) وابن ماجه (٢٥٦٧) والترمذي (٣١٨١) وغيرهم. (٣) أخرج أبو داود (٤٤٧٤) و(٤٤٧٥)، وابن ماجة (٢٥٦٧)، والترمذي (٣١٨١) والنسائي في ((الكبرى)) (٧٣١١)، والطبراني ٢٣/ (٢٦٣) من طريق محمد بن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: لمَّا نزل عذري، قام رسول الله وَّر على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم. وسيذكر الحافظ بعد قليل أن البخاري أورده من طریق عمرة عقب رواية فلیح عن الزهري في الشهادات، ولیس کما قال. ولم يذكر عائشة في رواية أبي داود الثانية، وذكر أسماء الرجلين والمرأة: حسان ومسطح وحمنة. ٢٤ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري وأخرجه أبو عَوَانة أيضاً من رواية أبي سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن عن عائشة. ٤٥٧/٨ والمصنّف من رواية القاسم بن / محمَّد بن أبي بكر عن عائشة، إلّا أنَّه لم يَسُق لفظه، أخرجه في الشَّهادات (٢٦٦١)، وكذا رواية عَمْرة عَقِبَ رواية فُلَيح عن الزُّهْريّ. وأخرجه أبو عَوَانة والطبرانيُّ (١٥٣/٢٣ و١٥٩ و١٥٢) من رواية الأسود بن يزيد وعبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير ومِقْسَم مولى ابن عبّاس، ثلاثتهم عن عائشة. وقد روى هذا الحديث من الصَّحابة غيرُ عائشة جماعة: منهم عبد الله بن الزُّبَير، وحديثه أيضاً عَقِبَ رواية فُلَيح عندَ المصنِّف في الشَّهادات، ولم يَسُق لفظه. وأُمُ رُومان وقد تقدَّم حديثها في قِصّة يوسف (٣٣٨٨) وفي المغازي (٤١٤٣)، ويأتي باختصارٍ قريباً (٤٧٥١). وابنُ عبَّاس وابن عمر، وحديثهما عندَ الطبرانيِّ (١٦٢/٢٣ و١٦٤) وابن مَرْدويه. وأبو هريرة، وحديثه عندَ البَزَّار (٨٠١١). وأبو اليَسَر، وحديثه باختصارٍ عندَ ابن مَرْدويه(١). فجميع مَن رواه من الصَّحابة غير عائشة سِتّة، ومن التابعينَ عن عائشة عشرة، وأورَدَه ابن أبي حاتم (٢) من طريق سعيد بن جُبَير مُرسَلاً بإسنادٍ واٍ، وأورَدَه الحاكم في ((الإكليل)) من رواية مُقاتِل بن حَيّانَ - وهو بالمهمَلة والتَّحتانيَّة - مُرسَلاً أيضاً، وسأذكرُ في أثناء شرح هذا الحديث ما في رواية هؤلاءٍ من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى. قوله: ((وبعض حديثهم يُصدِّق بعضاً)) كأنَّه مقلوب، والمقام يقتضى أن يقول: وحديث بعضهم يُصدِّق بعضاً، ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد: أنَّ بعض حديث كلٌّ منهم يدلّ على صدق الراوي في بَقَّة حدیثه حُسنِ سياقه وجَوْدة حفظه. قوله: ((وإن كان بعضهم أوْعَى له من بعض)) هو إشارة إلى أنَّ بعض هؤلاءِ الأربعة أميز (١) وهو عند الطبراني أيضاً ٢٣/ (١٦٣) لكن في إسناده متَّهم بالكذب. (٢) في ((تفسیرہ)) ٨/ ٢٥٤٣. ٢٥ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير في سياق الحديث من بعض من جهة حِفْظ أكثره، لا أنَّ بعضهم أضبَطُ من بعض مُطلَقاً، ولهذا قال: ((أَوعَى له)) أي: للحديثِ المذكور خاصّة، زاد في رواية فُلَيح: ((وأثبَتَ اقتصاصاً - أي: سياقاً - وقد وَعَيتُ عن كلّ واحد منهم الحديث الذي حدَّثني عن عائشة)) أي: القَدْر الذي حدَّثني به ليُطابقَ قوله: ((وكلٌّ حدَّثني طائفة من الحديث))، وحاصله أنَّ جميع الحديث عن مجموعهم، لا أنَّ مجموعه عن كلّ واحد منهم. ووَقَعَ في رواية أفلَحَ(١): وبعض القوم أحسن سياقاً. وأمَّا قوله في رواية الباب: ((الذي حدَّثني عُرْوة عن عائشة)) فهكذا في رواية اللَّيث عن يونس، وأمَّا رواية ابن المبارَك وابن وَهْب وعبد الله النُّمَيريّ فلم يَقُل واحد منهم عن يونس: ((الذي حدَّثني عُرْوة)) وإنَّما قالوا: ((عن عائشة))، فاقتَضَت رواية اللَّيث أنَّ سياق الحديث عن عُرْوة، ويحتمل أن يكون المراد أوَّلَ شيء منه، ويُؤْيِّده أنَّه تقدَّم في الهِبة (٢٥٩٣) وفي الشَّهادات (٢٦٨٨) من طريق يونس عن الزُّهْريّ عن عُرْوة وحدَه عن عائشة أوَّلُ هذا الحديث، وهو القُرعة عندَ إرادة السَّفَر، وكذلك أفرَدَها أبو داود (٢١٣٨) والنَّسائيُّ (ك٨٨٧٤ و٨٨٨٠) من طريق يونس، وكذا يحيى بن يَانٍ عن مَعمَر عن الزُّهْرِيّ عن عُرْوة عندَ ابن ماجَهْ (١٩٧٠). والاحتمال الأوَّل أَولِى، لمَا ثَبَتَ أنَّ الرُّواة اختلفوا في تقديم بعض شيوخ الزُّهْريّ على بعض، فلو كان الاحتمال الثّاني مُتَعيِّناً لامتَنَعَ تقديمُ غير عُرْوة على عُرْوة، ولَأَشعَرَ أيضاً أنَّ الباقينَ لم يَروُوا عن عائشة قِصّة القُرعة، وليس كذلك، فقد أخرج النَّسائيُّ (ك٨٨٨١) قِصّة القُرعة خاصّةً من طريق محمَّد بن عليّ بن شافع عن الزُّهْريّ عن عُبيد الله بن عبد الله وحده عن عائشة. وستأتي القِصّة من رواية هشام بن عُرْوة عن أبيه(٢) وحده (٤٧٥٧)، وفي سياقه ◌ُخالَفة كثيرة للسِّياق الذي هنا للزُّهْريِّ عن عُرْوة، وهو ممّا يَتَأَيَّد به الاحتمال الأوَّل، والله أعلم. (١) وهو ابن عبد الله بن المغيرة، وروايته عند الطبراني في ((الكبير)) ٢٣/ (١٤٥). (٢) قوله: ((عن أبيه)) سقط من (أ) و(س)، واستدركناه من (ع). ٢٦ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عُرْوة، عن عائشة: أنَّ عائشة رضي الله عنها زوج النبيّ وََّ قالت)) ليس المراد أنَّ عائشة تروي عن نفسها، بل معنى قوله: ((عن عائشة)) أي: عن حديث عائشة في قِصّة الإفك، ثُمَّ شَرَعَ يُحدِّث عن عائشة، فقال: ((أنَّ عائشة قالت))، ووَقَعَ في رواية فُلَيح (٢٦٦١): ((زَعَموا أنَّ عائشة قالت)) والَّعْم قد يقع موضع القول وإن لم يكن فيه تَرَدُّد، لكن لعلَّ السِّرَّ فيه أنَّ جميع مشايخ الزُّهْريّ لم يُصرِّحوا له بذلك، كذا أشارَ إليه الكِرْمانيّ. قوله: ((كان رسول الله وَ﴿ إذا أرادَ أن يَخْرُج)) زاد مَعمَر: ((سَفَراً)) أي: إلى سَفَر، فهو ٤٥٨/٨ منصوب بنّزْع الخافض، أو ضُمِّنَ (يَخرُج)) معنى: يُنشِئ، فيكون/ ((سَفَراً)) نصباً على المفعولِيَّة، وفي رواية فُلَيحِ (٢٦٦١) وصالح بن كَيْسانَ (٤١٤١): كان إذا أراد سَفَراً(١). قوله: ((أقرَعَ بين أزواجه)) فيه مشروعيَّة القُرعة والردُّ على مَن مَنَعَ منها، وقد تقدَّم التَّعريف بها وحُكمها في أواخر كتاب الشَّهادات في ((باب القُرعة في المشكِلات)) (٢٦٨٦). قوله: ((فأيَُّهنَّ)) وَقَعَ في رواية الأَصِيلِيِّ من طريق فُلَيحٍ: ((فأيُّهنَّ) بغير مُثنّة، والأُولى أَولى. قوله: ((في غزوة غَزَاها)) هي غزوة بني المصطَلِقِ، وصَرَّحَ بذلك محمَّد بن إسحاق في روايته، وكذا أفلح بن عبد الله عندَ الطبرانيِّ، وعندَه في رواية أبي أويس: ((فخرج سهم عائشة في غزوة بني المصطَلِقِ من خُزاعة))، وعندَ البزَّار من حديث أبي هريرة: ((فأصابت عائشةَ القُرْعةُ في غزوة بني المصطَلِقِ))، وفي رواية بكر بن وائل عندَ أبي عَوَانة ما يُشعِرِ بأنَّ تسميةَ الغزوة في حديث عائشة مُدرَج في الخبر. قوله: ((فخرج سَهْمي)» هذا يُشعِرِ بأنَّها كانت في تلك الغزوة وحدَها، لكن عندَ الواقديِّ (٢/ ٤٢٦) من طريق عبّاد بن عبد الله عنها: أنَّها خرجت معه في تلك الغزوة أيضاً أمُّ سَلَمةً، وكذا في حديث ابن عمر (٢)، وهو ضعيفٌ، ولم يقع لأُمِّ سَلَمةَ في تلك الغزوة ذِكْر، ورواية (١) رواية فليح مثل رواية معمر: كان إذا أراد أن يخرج سفراً. (٢) عند الطبراني في «الكبير)) ٢٣/ (١٦٤)، وفيه متَّهم بالكذب. ٢٧ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير ابن إسحاق من رواية عبّاد ظاهرة في تَفرُّد عائشة بذلك ولفظه: فخرج سهمي علیهنَّ، فخرج بي معه. قوله: ((بعدَما نزلَ الحجاب)) أي: بعدَما نزلَ الأمر بالحِجاب، والمراد حِجابُ النِّساء عن رُؤية الرِّجال لهنَّ، وكُنَّ قبلَ ذلك لا يُمنَعنَ، وهذا قالته كالتوطِئة للسَّبَب في گَوْنها كانت مُستَقِرةً في الهَودَج حتَّى أفضَى ذلك إلى تحميلِه وهي ليست فيه وهم يَظُنّونَ أنَّها فيه، بِخِلَاف ما كان قبلَ الحجاب، فلعلَّ النِّساء حينئذٍ كُنَّ يَركَبنَ ظُهورِ الرَّواحل بغير هَوادِج، أو يَركَبنَ الهوادِجَ غير مُستَِرات، فما كان يقع لها الذي وقع، بل كان يَعرِف الذي كان يَخْدُم بعيرَها إن كانت رَكِبَت أم لا. قوله: ((فأنا أُحَمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنزَلُ فيهِ)) في رواية ابن إسحاق: فكنت إذا رَحَلوا بعيري جلستُ في هَودَجي، ثمَّ يأخذونَ بأسفَلِ الهَودَج فيَضَعونَه على ظَهْر البعير. والَوْدَج، بفتح الهاء والدَّال بينَهما واو ساكنة وآخِرُه جيمٌ: مَحَمِلٌ له قُبَة تُستَر بالثياب ونحوه، يُوضَع على ظهر البعير، يَركَب عليه النِّساء ليكونَ أسترَ لهنَّ. ووَقَعَ في رواية أبي أُوَيس بلفظ: المِحَفّة. قوله: ((فسِرْنا حتَّى إذا فَرَغَ)) كذا اختَصَرَت القِصّة، لأنَّ مرادها سياق قِصّة الإفك خاصّةً، وإنَّما ذَكَرَت ما ذكرت من ذلك كالتوطئة لمَا أرادَت اقتصاصَه، ويحتمل أن تكون ذكرت جميع ذلك فاختَصَرَه الراوي للغَرَضِ المذكور، ويُؤيِّده أنَّه قد جاء عنها في قِصّة غزوة بني المصطَلِقِ أحاديثُ غير هذا، ويُؤيِّد الأوَّل أنَّ في رواية الواقديِّ عن عبّاد: قلت لعائشةَ: يا أمَّتاه، حَدِّثينا عن قِصّة الإفك، قالت: نعم، وعندَه: فخَرَجْنا فغَنَّمَه الله أموالهم وأنفُسَهم ورَجَعنا. قوله: ((وَقَفَلَ)) بقافٍ وفاء، أي: رَجَعَ من غزوته. قوله: ((وَنَوْنا من المدينة قافلينَ)) أي: راجِعِينَ، أي: أنَّ قِصَّتها وَقَعَت حالَ رجوعهم من الغَزْوة قُربَ دخولهم المدينة. ٢٨ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((آذَنَ)) بالمدِّ والتَّخفيف، وبغير مَدّ والتَّشديد، كلاهما بمعنى: أعلَمَ بالرَّحيلِ، وفي رواية ابن إسحاق: فنزلَ مَنزِلاً فباتَ به بعضَ اللَّيل ثمَّ آذَنَ بالرَّحيلِ. قوله: ((بالَّحيلِ)) في رواية بعضهم: ((الرَّحيلَ)) بغير موحّدة وبالنَّصب، وكأنَّه حكاية قولهم: ((الرَّحيلَ)) بالنَّصب على الإغراء. قوله: ((فمَشَيتُ حتَّى جاوَزْت الجيشَ)) أي: لتقضيَ حاجتها مُنْفَرِدة. قوله: ((فلمَّا قَضَیت شأني)» الذي تَوَجَّهت بسببه، ووَقَعَ في حديث ابن عمر خِلَافُ ما في ((الصَّحيح))، وأنَّ سبب تَوَجُّهها لقَضاءِ حاجتها: أنَّ رَحْل أمّ سَلَمَةَ مالَ فأناخوا بعيرها ليُصلِحوا رَحْلها، قالت عائشة: ((فقلت: إلى أن يُصلِحوا رَحْلها قَضَيتُ حاجتي، فتَوَجَّهت ولم يعلموا بي، فقَضَيت حاجتي، فانقَطَعَت قِلادَتي فأقَمتُ في جمعها ونِظامها، وبَعَثَ القومُ إبلهم ومَضَوا ولم يعلموا بنزولي)) وهذا شاذٌّ مُنكَر. قوله: ((عِقْد)) بكسر العين: قِلادة تُعلَّق في العُنُق للتَّزُّنِ بها. قوله: ((من جَزْع)) بفتح الجيم وسكون الزّاي بعدَها مُهمَلة: خَرَزٌ معروف في سواده ٤٥٩/٨ بياض / كالعُروقِ، قال ابن القَطّاع: هو واحد لا جمع له، وقال ابن سِيدَه: هو جمع، واحده جَزْعة، وهو بالفتح، فأمَّا الجِزْع بالكسر: فهو جانب الوادي، ونَقَلَ كُرَاعٍ: أنَّ جانب الوادي بالكسر فقط، وأنَّ الآخر يقال بالفتح وبالكسر، وأغرَبَ ابن التِّين فحكى فيه الضَّمّ، قال التَّيفاشيّ: يُوجَد في معادن العَقيق ومنه ما يُؤْتَى به من الصّين، قال: وليس في الحجارة أصلَبُ جِسماً منه، ويزداد حُسنه إذا طُبَخَ بالَّيتِ لكنَّهم لا يَتَيَمَّنونَ بلُبِهِ، ويقولون: مَن تَقَلَّدَه كَثُرَت همومه ورأى مَنامات رَديئة، وإذا عُلِّقَ على طفل سالَ لُعابُه. ومن منافعه: إذا أُمِرَّ على شَعر المطلقة(١) سَهُلَت ولادتها. قوله: (جَزْع أظْفار)) كذا في هذه الرِّواية ((أظفار)) بزيادة ألفٍ، وكذا في رواية فُليح. لكن في رواية الكُشْمِيهنيِّ من طريقه: ((ظَفَارٍ))، وكذا في رواية مَعمَر وصالح. (١) ولم يذكر في ((العين)) و((المصباح المنير)) في هذا المعنى غير المطلوقة. ٢٩ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير وقال ابن بَطّال: الرِّواية ((أظفار)) بألِفٍ، وأهل اللَّغة لا يَعرِفونَه بألفٍ ويقولون: ظَفار، قال ابن قُتَيبة: جَزْعِ ظَفاري. وقال القُرطُبيّ: وَقَعَ في بعض روايات مسلم ((أظفار)) وهي خطأ. قلت: لكنَّها في أكثر روايات أصحاب الزُّهْريّ، حتَّى إنَّ في رواية صالح بن أبي الأخضَرِ عندَ الطبرانيّ: ((جَزع الأظافير (١))، فأمَّا ((ظَفارِ)) بفتح الظّاء المعجَمة ثمَّ فاء بعدَها راء مَبيَّة على الكسر: فهي مدينة باليمن، وقيل: جبل، وقيل: سُمّيَت به المدينة وهي في أقصَى اليمن إلى جهة الهند، وفي المثَل: ((مَن دَخَلَ ظَفار ◌َمََّ)) أي: تَكلَّمَ بالْحِمِيَريَّة، لأنَّ أهلها كانوا من حِيَرَ، وإن ثَبَتَت الرّواية: أنه أظفار، فلعلَّ عِقدَها كان من الظُّفْر: أحد أنواع القُسْط، وهو طيِّب الرَّائحة يُتْبَخَّر به، فلعلَّه عُمِلَ مِثل الخَرَز فأطلقَت عليه جَزْعاً تشبيهاً به ونَظَمَته قِلادةً، إمّا لحُسنِ لونه أو لطيب ريحه، وقد حكى ابن التِّين: أنَّ قيمته كانت اثني عشرَ دِرهَماً، وهذا يُؤيِّد أنَّه ليس جَزْعاً ظَفاريّاً، إذ لو كان كذلك لكانت قيمته أكثرَ من ذلك. ووَقَعَ في رواية الواقديِّ: فكان في عُنُقِي عِقدٌ من جزعِ ظَفارٍ كانت أمّي أدخَلَتني به على رسول الله وَالآ. قوله: ((فلمَّا قَضَيتُ شأني)) أي: فرغتُ من قَضاء حاجتي ((أقبَلتُ إلى رَحْلي)) أي: رَجَعَت إلى المكان الذي كانت نازِلةً فيه. قوله: «فإذا عِقْد لي)» في رواية فُلَيح: فلَمَستُ صدري فإذا عقدي. قوله: ((قد انقَطَعَ)) في رواية ابن إسحاق: قد انسَلَّ من عُنُقي وأنا لا أدري. قوله: ((فالتَمَسْتِ عِقْدي)) في رواية فُلَيح: فرجعتُ فالتَمَستُ [عقدي](٢) وحَبَسَني ابتغاؤُه؟ أي: طلبه، في رواية ابن إسحاق: فرجعتُ عَوْدي على بَدْئي إلى المكان الذي ذهبت إليه، وفي رواية الواقديٍّ: وكنت أظنّ أنَّ القوم لو لَبِثوا شهراً لم يَبعَثوا بعيري حتَّى أكون في هَودَجي. (١) في المطبوع منه ٢٣/ (١٤٧١): ((أظفار))! (٢) هذه الزيادة ليست في الأصول الخطية، واستدركناها من رواية فليح الآتية برقم (٢٦٦١). ٣٠ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وأقبَلَ الرَّهْط)) هو عددٌ من ثلاثة إلى عشرة، وقيل غير ذلك، كما تقدَّم في أوَّل الكتاب في حديث أبي سفيان الطّويل (٧). ولم أعرِف منهم هنا أحداً إلّا أنَّ في رواية الواقديِّ: أنَّ أحدهم أبو موهوبةَ مولى رسول الله وَّهِ، وهو أبو مُوَيِةَ الذي روى عنه عبد الله بن عَمْرو بن العاص حديثاً في مرض رسول الله وَّل ووفاته، أخرجه أحمد (١٥٩٩٧) وغيره، قال البَلاذُريّ: شَهِدَ أبو مُوَيِبةَ غزوة المُرَيسيع، وكان يَخْدُم بعير عائشة، وكان من مولَّدي بني مُزَينةَ، وكأنَّه في الأصل أبو مَوْهوبة ويُصَغَّر فيقال: أبو مُوَيهِبةَ. قوله: ((يَرْحَلونَ)) بفتح أوَّله والتَّخفيف، رَحَلتُ البعير: إذا شَدَدتَ عليه الرَّحْلِ. ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ هنا بالتَّشديد في هذا وفي «فرَخَّلوه)». قوله: (لي)) في رواية مَعمَر: (بي))، وحكى النَّوَويّ عن أكثر نُسَخ ((صحيح مسلم)): ((يَرْحَلونَ لي)) قال: وهو أجوَدُ، وقال غيره: بالباءِ أجود؛ لأنَّ المراد وضعها وهي في الهَوَدَج، فشَبَّهَتِ الهَودَجَ الذي هي فيه بالرَّحلِ الذي يُوضَع على البعير. قوله: ((فَرَحَلوه)) أي: وَضَعوه، وفيه تَجُّز، وإنَّما الرَّحل هو الذي يُوضَع على ظهر البعير ثمَّ يُوضَع الهُودَج فوقَه. قوله: ((وكان النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافاً)) قالت هذا كالتَّفسير لقولها: وهم يَحَسَبونَ أنّي فيه. قوله: (لم يُثْقِلْهِنَّ اللَّحْمُ)) في رواية فُلَيْحِ: لم يَتُقُلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللَّحم. ٤٦٠/٨ قال ابن أبي جَمْرة: / ليس هذا تَكراراً، لأنَّ كلّ سمينٍ ثقيلٌ من غير عَكْس، لأنَّ الهزيل قد يَمْتَلِئِ بطنُه طعاماً فيثقُلُ بَدَنه، فأشارَت إلى أنَّ المعنيَينِ لم يكونا في نساء ذلك الزّمان. وقال الخطّبيُّ: معنى قولها: (لم يَغْشَهنَّ) أي: لم يَكثُر عليهنَّ فَرَكَبَ بعضُه بعضاً. وفي رواية مَعمَر: ((لم يُهبِّلْهنَّ) (١)، وضَبَطَه ابن الخشّاب فيما حكاه ابن الجَوْزيّ بفتح (١) كذا عند أحمد (٢٥٦٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٢٩٦)، وفي المطبوع من مسلم (٢٧٧٠) (٥٦): ◌ُهیّلن، بهاء واحدة. ٣١ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير أوَّله وسكون الهاء وكسر الموخَّدة، ومِثله القُرطُبيّ لكن قال: وضمّ الموخَّدة، قال: لأنَّ ماضيه بفتحَتَينِ مُحُفَّفاً، وقال النَّوَويّ: المشهور في ضبطه بضمٍّ أوَّله وفتح الهاء وتشديد الموخَّدة، وبفتح أوَّله وثالثه أيضاً، وبضمٍّ أوَّله وكسر ثالثه من الرُّباعيّ، يقال: هَبَّلَه اللَّحمُ وأهبَلَه: إذا أثقَلَه، وأصبَحَ فلان مُهَّلاً، أي: كثير اللَّحم، أو وارِمَ الوجه. قلت: وفي رواية ابن جُرَيج: ((لم يُهُبِّلهنَّ اللَّحمُ) (١)، وحكى القُرطُبيّ أنَّها في رواية لابنِ الخَذّاء في مسلم أيضاً، وأشارَ إليها ابن الجَوْزيّ وقال: المهَبَّل: الكثير اللَّحم الثَّقيل الحركة من السِّمَن، وفلان مُهَبَّل، أي: مُهَيَّج كأنَّ به وَرَماً. قوله: ((إنَّما يأكلْنَ)) كذا للأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ هنا: ((إِنَّمَا نأْكُل)) بالنّونِ أَوَّلَه وباللّام فقط. قوله: ((العُلْقة)) بضمِّ العين المهمَلة وسكون اللّام ثمَّ قاف، أي: القليل، قال القُرطُبيّ: كأنَّ المراد الشَّيء القليل الذي يُسْكِنُ الرَّمَق، كذا قال، وقد قال الخليل: العُلقة: ما فيه بُلْغة من الطَّعام إلى وقت الغداء، حكاه ابن بَطّال قال: وأصلها شجر يبقى في الشِّتاء تَتَبلَّغ به الإبل حتَّى يَدخُل زمن الرَّبيع. قوله: ((فلم يَستَنكِرِ القوم خِفّة الهَوْدَجِ)) وَقَعَ في رواية فُلَيحِ ومَعمَر: (ثِقَل الهَوَجِ)) والأوَّل أوضَح، لأنَّ مُرادها إقامة عُذرهم في تحميل هَودَجها وهي ليست فيه، فكأنَّها تقول: كانت لِفّة جِسمها بحيثُ إنَّ الذينَ يَحِمِلونَ هَودَجها لا فَرْق عندَهم بين وجودها فيه وعَدَمها، ولهذا أردَفَت ذلك بقولها: ((وكنت جاريةً حديثةَ السِّنّ)) أي: أنَّها مع نَحافَتها صغيرة السِّنّ، فذلك أبلغُ في خِفَّتها، وقد وُجِّهَت الرّواية الأُخرى بأنَّ المراد: لم يَستَنكِروا النِّقَل الذي اعتادوه، لأنَّ ثِقَله في الأصل إنَّما هو ممَّا رُگِّبَ الهودجُ منه من خَشَب وحِبال وسُتور وغير ذلك، وأمَّا هي فلِشِدّة نَحافَتها كان لا يَظهَر بوجودِها فيه زيادة ثِقَل، والحاصل أنَّ الثّقَل والخِفّة من الأُمور الإضافيَّة فيَتَّفاوَتان بالنّسبة. (١) في المطبوع من الطبراني ٢٣/ (١٣٨): يهبلن، بهاء واحدة. ٣٢ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ويُستَفاد من ذلك أيضاً أنَّ الذينَ كانوا يَرحَلونَ بعيرها كانوا في غاية الأدب معها والمبالَغة في تَرْك التَّنقيب عمَّ في الهَودَج، بحيثُ إِنَّها لم تكن فيه وهم يَظُنّونَ أنَّها فيه، وكأنَّهم جَوَّزوا أنَّها نائمة. قوله: ((وكنت جاريةً حديثة السِّنّ)) هو كما قالت، لأنَّهَا أُدخِلَت على النبيّ وَّهِ بعدَ الهجرة في شوّال ولها تسع سنينَ، وأكثر ما قيل في المُرَيسيع كما سيأتي: أنَّها عندَ ابن إسحاق كانت في شعبانَ سنة ستّ، فتكون لم تُكْمِل خمسَ عشرةَ، فإن كانت المُرَيسيع قبلَ ذلك فتكون أصغرَ من ذلك، وقد أشرتُ إلى فائدة ذِكْرِها ذلك قبلُ، ويحتمل أن تكون أشارَت بذلك إلى بيان عُذرها فيما فَعَلَته من الخِرْص على العِقد الذي انقَطَعَ، ومن استقلالها بالتَّفْتيشِ عليه في تلك الحال وترك إعلام أهلها بذلك، وذلك لصِغَرِ سِنّها وعَدَم تَجارِبها للأُمورِ، بخلاف ما لو كانت ليست صغيرة لكانت تَتَفَطَّنُ لعاقبة ذلك. وقد وَقَعَ لها بعدَ ذلك في ضَيَاعِ العِقد أيضاً: أنَّها أعلمَت النبيَّ وَِّ بأمره فأقامَ بالناس على غير ماء حتَّى وَجَدَته، ونزلت آية التيمُّم بسبب ذلك، فظَهَرَ تَفاوُتُ حال مَن جَرَّبَ الشَّيء ومَن لم يُجرِّبه، وقد تقدَّم إيضاحه في كتاب التيمُّم (٣٣٤). قوله: ((فَبَعَثوا الجملَ)) أي: أثاروه. قوله: ((بعدما استَمرَّ الجيش)) أي: ذهب ماضياً، وهو استفعلَ من مَرَّ. قوله: ((فجئتُ منازلهم وليس بها داعٍ ولا مُجيب)) في رواية فُلَيح: ((وليس فيها أحد)) فإن قيل: لِمَ لم تَستصحِب عائشةٌ معها غيرها فكان أدعَى لأمنِها ممَّا يقع للمنفَرِدِ، ولكانت لمَّا تأخّرَت للبحثِ عن العِقْد تُرسِل مَن رافَقَها ليَنتَظِروها إن أرادوا الرَّحيل؟ والجواب: أنَّ ٤٦١/٨ هذا من ◌ُملة ما يُستَفاد من قوله: ((حديثة السِّنّ))، لأنَّها لم يقع لها تَجِرِبةٌ/ مثل ذلك، وقد صارت بعدَ ذلك إذا خرجت لحاجتِها تَستصحِب كما سيأتي في قِصَّتها مع أمِّ مِسطَح. وقوله: ((فأَتَمتُ مَنزِلي)» بالتَّخفيفِ، أي: قَصَدتُ، وفي رواية أبي ذرِّ هنا بتشديد الميم الأولى، قال الدَّاووديّ: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ لْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، قال ابن التِّين: ٣٣ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير هذا على أنَّه بالتَّخفيفِ. انتهى، وفي رواية صالح بن كَيْسانَ: فَتَيمَّمت. قوله: ((وظَنَنْت أنَّهم سيَفْقِدونَني)) في رواية فُلَيح: ((سيَفْقِدوني)» بنونٍ واحدة، فإمّا أن تكون حُذِفَت تخفيفاً أو هي مُثقَّلة(١). قوله: ((فِيَرَجِعونَ إليَّ) وَقَعَ في رواية مَعمَر: ((فَرجِعوا)) بغير نون(٢)، وكأنَّه على لغة مَن يَحَذِفها مُطلَقاً. قال عِيَاض: الظَّنُّ هنا بمعنى العلم، وتُعقِّبَ باحتمال أن يكون على بابه، فإنَّهم أقاموا إلى وقت الظُّهر ولم يَرجِعْ أحد منهم إلى المنزل الذي كانت به، ولا يُقِلَ أنَّ أحداً لاقاها في الطَّريق، لكن يحتمل أن يكونوا استمرّوا في السَّير إلى قُرب الظّهر، فلمَّا نزلوا إلى أن اشْتَغَلُوا بحَطِّ رِحالهم ورَبْط رواحلهم واستصحَبوا حالهم في ظنّهم أنَّهَا في هَودَجها، لم يَفتَقِدوها إلى أن وَصَلَت على قُرب، ولو فَقَدوها لَرجعوا كما ظنَّته. وقد وَقَعَ في رواية ابن إسحاق: وعَرَفَتُ أن لو افتَقَدوني لَرجعوا إليَّ، وهذا ظاهر في أنَّها لم تَتْبعهم، ووَقَعَ في حديث ابن عمر(٣) خِلاف ذلك، فإنَّ فيه: ((فجِئت فاتَّبَعتهم حتَّى أعيَيت، فقمتُ على بعض الطَّريق فمرَّ بي صفوان))، وهذا السّياق ليس بصحيحٍ لمخالَفَتِه لمَا في ((الصَّحيح)) وأنَّهَا أقامَت في مَنزِلها إلى أن أصبَحَت، وكأنَّه تَعارَضَ عندَها أن تَتَبَعَهم فلا تأمَنُ أن يختلف عليها الطريق فتَهلِك قبلَ أن تُدرِكهم، ولا سيّما وقد كانت في اللَّيل، أو تُقيم في مَنزِلها لعلَّهم إذا فقَدوها عادوا إلى مكانها الذي فارَقوها فيه، وهكذا ينبغي لمن فَقَدَ شيئاً أن يَرجِعَ بفكره القَهقَرَى إلى الحدِّ الذي يَتَحقَّق وجودَه فيه، ثمَّ يأخُذ من هناكَ في التّنقیب علیه. وأرادَت بمَن يَفْقِدها مَن هو منها بسببٍ كزوجِها أو أبيها، والغالب الأوَّل لأنَّه كان من (١) أي: مشدّدة النون، يعني: سيفقدونِّي. (٢) هكذا هي روايته عند أحمد (٢٥٦٢٣)، أما عند مسلم (٢٧٧٠) (٥٦) والنسائي (ك٨٨٨٢) فروايته كرواية المصنف بالنون. (٣) عند الطبراني في «الكبير)) ٢٣/ (١٦٤)، وفي سنده متَّهم بالكذب. ٣٤ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري شأنه وَ لِّ أن يُساير بعيرها ويَتَحَدَّث معها، فكأنَّ ذلك لم يَتَّفِقِ في تلك اللَّيلة، ولمَّا لم يَتَّفِق ما تَوَقَّعَته من رجوعهم إليها ساقَ الله إليها مَن حَمَلَها بغير حول منها ولا قوّة. قوله: ((فَبَينا أنا جالسة في مَنْزِلِي غَلَبَتَني عيني فنِمْت)) يحتمل أن يكون سبب النَّومِ شِدّة الغَمّ الذي حَصَلَ لها في تلك الحالة، ومن شأن الغَمّ - وهو وقوع ما يُكرَه - غَلَبةُ النَّوم، بِخِلَاف الهَمّ - وهو تَوَقُّع ما يُكرَه - فإنَّه يقتضى السَّهَر، أو لمَا وَقَعَ من بَرْد السَّحَر لها مع رُطوبة بَدَنها وصِغَر ◌ِسِنّها، وعندَ ابن إسحاق: ((فتَلَفَّفْتُ بجِلبابي ثمَّ اضطَجَعتُ في مكاني»، أو أنَّ الله سبحانه وتعالى لَطَفَ بها فألقَى عليها النَّوم لتَستَرِيحَ من وَحْشة الانفراد في البَرّيَّة باللَّيلِ. قوله: ((وكان صَفْوان بن المعَطَّل)) بفتح الطاء المهمَلة المشدَّدة ((السُّلَمي)) بضمِّ المهمَلة ((ثمَّ الذَّكْوانيّ)) منسوب إلى ذَكْوانَ بن ثَعْلبة بن بُهْثة - بضمِّ الموحّدة وسكون الهاء بعدَها مُثلَّثة - ابن سُلَيم، وذَكْوان بطن من بني سُليم، وكان صحابيّاً فاضلاً، أوَّلُ مشاهده عندَ الواقديِّ: الخندق، وعندَ ابن الكَلْبِيّ: المُرَيسيع، وسيأتي في أثناء شرح هذا الحديث ما يدلّ على تَقَدُّم إسلامه، ويأتي أيضاً بعدَ خمسة أبواب قول عائشة: إنَّه قُتِلَ شهيداً في سبيل الله، ومُرادها أنَّه قُتِلَ بعدَ ذلك، لا أنَّه في تلك الأيامِ قُتِل. وقد ذكر ابن إسحاق أنَّه استُشهِدَ في غَزاةٍ أرمينيَّةَ في خِلَافة عمر سنة تسعَ عشرةَ، وقيل: بل عاشَ إلى سنة أربع وخمسين فاستُشهِدَ بأرضٍ الرّوم في خِلافة معاوية. قوله: ((من وراء الجيش)) في رواية مَعمَر: ((قد عَرَّسَ من وراء الجيش))، وعَرَّسَ - بِمُهمَلَاتٍ مُشَدَّداً - أي: نزلَ، قال أبو زيد: التَّعريس: النُّزول في السَّفَر في أيِّ وقت كان، وقال غيره: أصله التُّزول من آخر اللَّيل في السَّفَر للرَّاحة. ووَقَعَ في حديث ابن عمر بيانُ سبب تأخّر صفوان ولفظه: سألَ النبيَّ ◌َّل أن يجعله على الساقة، فكان إذا رَحَلَ الناسُ قامَ يُصَلّ ثمَّ اتَّبَعَهم، فمَن سَقَطَ له شيء أتاه به، وفي حديث ٤٦٢/٨ أبي هريرة: وكان صفوان يَتَخلَّف عن الناس فيُصيب القَدَحَ والجِرابَ والإدَاوَة،/ وفي ٣٥ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير مُرسَل مُقاتِل بن حَيّانَ: فَيَحمِله فيَقدَم به فيُعرِّفه في أصحابه، وكذا في مُرسَل سعيد بن جُبیر نحوه. قوله: ((فأدْلَجَ، فأصبَحَ عندَ مَنزِلي)) أدلَجَ، بسكونِ الدَّال في روايتنا، وهو كادََّجَ بتشديدها، وقيل: بالسُّكونِ: سارَ من أوَّله، وبالتَّشديد: سارَ من آخره، وعلى هذا فيكون الذي هنا بالتَّشديد لأنَّه كان في آخر اللَّيل، وكأنَّه تأخّرَ في مكانه حتَّى قَرُّبَ الصُّبحُ فَرَكِبَ لِيَظْهَرَ له ما يَسقُط من الجيش ممَّا يُخْفيه اللَّيل، ويحتمل أن يكون سبب تأخيره ما جَرَت به عادتُه من غَلَبة النَّوم عليه، ففي ((سُنَن أبي داود)) (٢٤٥٩) والبزَّار وابن سعد و((صحيح ابن حِبّان)) (١٤٨٨) والحاكم (١/ ٤٣٦) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد: أنَّ امرأة صفوان بن المعَطَّل جاءت إلى رسول الله وَّه فقالت: يا رسول الله، إنَّ زوجي يَضرِبُني إذا صَلَّيْتُ، ويُفَطِّرُني إذا صمتُ، ولا يُصَلّي صلاة الفجر حتَّى تَطلُع الشمس، قال: وصفوان عندَه، فسألَه فقال: أمَّا قولها: يَضِرِبُني إذا صَلَّيت، فإنَّها تقرأ سُورَتي وقد نهيتُها عنها، وأمَّا قولها: يُفَطِّرُني إذا صُمت، فأنا رجل شابٌّ لا أصبر، وأمَّا قولها: إنّي لا أُصَلّى حتَّى تَطلُع الشمس، فإنّا أهل بيت قد عُرِفَ لنا ذلك، فلا نَستَقِظ حتَّى تَطلُع الشمس ... الحديثَ، قال البزَّار: هذا الحديث كلامه مُنكَرٌ، ولعلَّ الأعمَش أخَذَه من غير ثقة فدَلَّسَه فصارَ ظاهر سنده الصِّحّة، وليس للحدیثِ عندي أصل، انتهى. وما أعَلَّه به ليس بقادِح، لأنَّ ابن سعد صرّح في روايته بالتَّحديثِ بين الأعمَش وأبي صالح، وأمَّا رجاله فرجال الصَّحيح، ولمَّا أخرجه أبو داود قال بعدَه: رواه حمّاد بن سَلَمةَ عن حُميدٍ أو ثابتٍ عن أبي المتوكّل عن النبيّ وََّ، وهذه مُتَابَعة جيِّدة تُؤذِن بأنَّ للحديثِ أصلاً، وغَفَلَ مَن جَعَلَ هذه الطَّريق الثّانية عِلّة للطَّريق الأولى. وأمَّا استنكار البزَّار ما وَقَعَ في متنه، فمرادُه أنَّه مخالف للحديثِ الآتي قريباً (٤٧٥٧) من رواية أبي أسامة عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة في قِصّة الإفك قالت: فَبَلَغَ الأمر ذلك الرجل فقال: سبحان الله! والله ما كَشَفتُ كَنَفَ أُنثَى قَطُّ، أي: ما جامَعتُها، والكَنَف - بفتحَتَينِ -: الثَّوب الساتر، ومنه قولهم: أنتَ في كَنَف الله، أي: في سَتْره. ٣٦ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري والجمع بينَه وبينَ حديث أبي سعيد على ما ذكر القُرطُبيّ: أنَّ مُرادَه بقوله: ((ما كَشَفت كَنَف أُنثَى قَطُّ)) أي: بزنَّى، قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ في رواية سعيد بن أبي هلال عن هشام بن عُروة في قِصّة الإفك(١): أنَّ الرجل الذي قيل فيه ما قيل لمَّا بَلَغَه الحديث قال: والله ما أصَبتُ امرأة قَطُّ حلالاً ولا حَراماً، وفي حديث ابن عبّاس عندَ الطبرانيّ (١٦٢/٢٣): وكان لا يَقرَب النِّساء؛ فالذي يَظهَرِ أنَّ مُراده بالنَّفي المذكور ما قبلَ هذه القِصّة، ولا مانع أَن يَتَزوَّج بعدَ ذلك. فهذا الجمعُ لا اعتراض عليه إلّا بما جاء عن ابن إسحاق: أنَّه كان حَصُوراً، لكنَّه لم يَثْبُت، فلا يعارض الحديثَ الصَّحيح. ونَقَلَ القُرطُبيّ أنَّه هو الذي جاءت امرأته تَشكُوه ومعها ابنان لها منه، فقال النبيّ وَّ. (لهما أشبَهُ به من الغُراب بالغُراب))، ولم أقِفْ على مُستَنَد القُرطُبيّ في ذلك، وسيأتي هذا الحديث في كتاب النكاح (٥٨٢٥)، وأُبيِّن هناكَ أنَّ المَقُول فيه ذلك غيرُ صفوان، وهو المعتمَد إن شاء الله تعالى. قوله: ((فَرَأَى سوادَ إنسان نائم)) السَّواد بلفظ ضِدّ البياض يُطلَق على الشَّخص، أيِّ شخصٍ كان، فكأنَّها قالت: رأى شخصَ آدَميّ، لكن لا يَظهَر أهو رجل أو امرأة. قوله: ((فعَرَفَني حينَ رآني)) هذا يُشعِر بأنَّ وجهها انكَشَفَ لمَّا نامَت، لأنَّه تقدَّم أنَّهَا تَلَفَّفَت بجِلْبابها ونامَت، فلمَّ انتَبَهَت باسترجاع صفوان بادَرَت إلى تَغطية وجهها. قوله: ((وكان يَراني قبلَ الحِجاب)) أي: قبلَ نزول آية الحجاب، وهذا يدلُّ على قِدَم إسلام صفوان، فإنَّ الِحِجاب كان في قول أبي عبيدة وطائفة في ذي القَعْدة سنة ثلاث، وعندَ آخرينَ: فيها سنةَ أربع، وصَحَّحَه الدِّمياطيّ، وقيل: بل كان فيها سنة خمس. وهذا ممّاً تَنَاقَضَ فيه الواقديُّ، فإنَّه ذكر أنَّ المُرَیسیع كانت في شعبان سنة خمس، وأنَّ الخندق کانت ٤٦٣/٨ في شوّال منها، وأنَّ الِحِجاب كان في ذي القَعْدة منها مع / روايته حديث عائشة هذا وتصريحها فيه بأنَّ قِصّة الإفك التي وَقَعَت في المُرَيسيع كانت بعدَ الحجاب، وسَلِمَ من هذا ابنُ إسحاق (١) عند أبي عوانة في ((صحيحه)) كما ذكر الحافظ ابن حجر سابقاً في أوائل شرح هذا الحديث. ٣٧ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير فإنَّ المُرَيسيعِ عندَه في شعبان لكن سنة ستّ، وسَلِمَ الواقديُّ من التَّنَاقُض في قِصّة سعد ابن معاذ الآتي ذِكرُها، نعم وسَلِمَ منها ابن إسحاق فإنَّه لم يَذكُر سعد بن معاذ في القِصّة أصلاً كما سأُبِّنُه. وممّا يُؤيِّد صِحّة ما وَقَعَ في هذا الحديث: أنَّ الحجاب كان قبلَ قِصّة الإفك، قولُ عائشة أيضاً في هذا الحديث: أنَّ النبيّ ◌َّ سألَ زَينَب بنت جَحْش عنها، وفيه: وهي التي كانت تُسامِيني من أزواج النبيّ ◌َّهِ، وفيه: ((وطَفِقَت أُختها حَمنَةُ تُحارب لها))؛ فكلّ ذلك دالٌّ على أنَّ زَيْنَب كانت حينئذٍ زوجته، ولا خِلَاف أنَّ آية الحجاب نزلت حينَ دخوله وَله بها، فثَبَتَ أنَّ الِحِجاب كان قبلَ قِصّة الإفك، وقد كنت أملَيتُ في أوائل كتاب الوضوء (١٤٦): أنَّ قِصّة الإفك وَقَعَت قبلَ نزول الحِجاب، وهو سَهوٌ، والصَّواب: بعدَ نزول الحجاب، فليُصلَحْ هناكَ. قوله: ((فاسْتَقَظْت باستِرْجاعِه حينَ عَرَفَني)) أي: بقوله: إنّا لله وإنّا إليه راجِعونَ، وصَرَّحَ بها ابن إسحاق في روايته، وكأنَّه شَقَّ عليه ما جَرَى لعائشةَ، أو خَشِيَ أن يقع ما وَقَعَ، أو أنَّه اكتَفَى بالاسترجاع رافعاً به صوته عن مُخاطَبتِها بكلام آخرَ صيانةً لها عن المخاطَبة في الجملة، وقد كان عمر يستعمل التَّكبير عندَ إرادة الإيقاظ، وفيه دلالة على فِطنة صفوان وحُسْن أدَبه. قوله: ((فخَمَّرْت)) أي: غَطَّيت ((وجهي بجِلْبابي)) أي: الثَّوب الذي كان عليها، وقد تقدَّم شرحُه في الطَّهارة (٣٢٤). قوله: ((والله ما كَلَّمَني كلمةً)) عَبَّرَت بهذه الصّيغة إشارةً إلى أنَّه استَمرَّ منه تركُ المخاطَبة، لئلّا يُفهَمَ لو عَبَّرَت بصيغة الماضي اختصاصُ النَّفي بحال الاستيقاظ، فعَبَّرَت بصيغة المضارعة. قوله: «ولا سمعتُ منه كلمةً غير استِرْجاعه حتَّى أناخَ راحلتَه)» في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((حينَ أناخَ راحلته))، ووَقَعَ في رواية فُلَيح (٢٦٦١): ((حَتَّى)) للأَصِيلِيِّ و((حينَ)) للباقينَ، ٣٨ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري وكذا عندَ مسلم (٥٦/٢٧٧٠) عن مَعمَر. وعلى التَّقديرَينِ فليس فيه نفي أنَّه كَلَّمَها بغير الاسترجاع، لأنَّ النَّفي على رواية ((حينَ)) مُقيَّد بحال إناخة الرَّاحلة فلا يمتنعُ ما قبلَ الإناخة ولا ما بعدَها، وعلى رواية ((حتَّى)) معناها: بجميع حالاته إلى أن أناخَ، ولا يمنع ما بعدَ الإناخة، وقد فَهِمَ كثير من الشُّرّاح أنَّها أرادَت بهذه العِبارة نفيَ المكالمة البَنَّةَ فقالوا: استعملَ معها الصَّمت اكتِفاءً بقرائن الحال، مُبالَغةً منه في الأدب وإعظاماً لها وإجلالاً، انتھی. وقد وَقَعَ في رواية ابن إسحاق: أنَّه قال لها: ما خَلَّفَكِ؟ وأنَّه قال لها: اركَبي، وأستأخَر. وفي رواية أبي أوَيس(١): فاستَرجَعَ وأعظَمَ مكاني - أي: حينَ رآني وحدي - وقد كان يَعِرِفُني قبلَ أن يُضرَب علينا الحجاب، فسألَني عن أمري فسَتَرتُ وجهي عنه بجِلْبابي وأخبرته بأمري، فقَرَّبَ بعيره فوَطِئَ على ذِراعه فوَلّاني قَفَاه فَرَكِبت، وفي حديث ابن عمر (٢): فلمَّاً رآني ظنَّ أنّي رجل فقال: يا نَوْمانُ قُم فقد سارَ الناس، وفي مُرسَل سعيد بن جُبَير: فاستَرجَعَ ونزلَ عن بعيره وقال: ما شأنُكِ يا أمّ المؤمنينَ؟ فحدَّثته بأمرِ القِلادة(٣). قوله: ((فَوَطِئَ على يدِها)) أي: ليكونَ أسهَلَ لُرُكوبها ولا يحتاج إلى مَسّها عندَ رُكوبها، وفي حديث أبي هريرة: فغَطَّى وجهَه عنها ثمَّ أدنَى بعيرَه منها. قوله: ((فانطَلَقَ يقودُ بي الرَّاحلة حتَّى أتينا الجيشَ)) هكذا وَقَعَ في جميع الرِّوايات إلّا في مُرسَل مُقاتل بن حَيّانَ فإنَّ فيه: أنَّه رَكِبَ معها مُردِفاً لها، والذي في ((الصَّحيح)) هو الصَّحيح. قوله: ((بعدَما نزلوا مُوغِرِينَ)) بضمِّ الميم وكسر الغَين المعجمة والرَّاء المهمَلة، أي: نازِلِينَ في وقت الوَغْرة - بفتح الواو وسكون الغَين - وهي شِدّة الحرّ لمَّا تكون الشمس في كبد السماء، ومنه أُخِذَ وَغْرُ الصَّدر: وهو تَوَقُّده من الغيظ بالحِقِدِ، وأَوغَرَ فلانٌ: إذا دَخَلَ في ذلك الوقت، كأصبحَ وأمسى. (١) عند الطبراني ٢٣/ (١٥١). (٢) عند الطبراني ٢٣/ (١٦٤). (٣) وإسناده واهٍ كما قال الحافظ سابقاً في أوائل شرح الحديث. ٣٩ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ كتاب التفسير وقد وَقَعَ عندَ مسلم (٢٧٧٠/ ٥٧) عن عبد بن حُميدٍ قال: قلت لعبد الرَّزّاق: ما قوله: مُوغِرِينَ؟ قال: الوَغْرة شِدّة الحرّ. ووَقَعَ في مسلم من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن صالح بن كَيْسانَ: ((مُوعِزِينَ)/ بعينٍ مُهمَلة وزاي، قال القُرطُبيّ: كأنَّه من: وَعَزْتُ إلى فلان ٤٦٤/٨ بكذا، أي: تقدَّمتُ، والأوَّل أَولى، قال: وصَخَّفَه بعضهم بمُهمَلتَينِ وهو غلطٌ. قلت: ورُويَ: ((مُغَوِّرِينَ)) بتقديم الغَين المعجَمة وتشديد الواو، والتَّغوير: التُّول وقتَ القائلة. ووَقَعَ في رواية فُلَيح: ((مُعَرِّسِينَ)) بفتح العين المهمَلة وتشديد الرَّاء ثمَّ سين مُهمَلة، والتَّعريس: نزول المسافر في آخر اللَّيل، وقد استُعمِلَ في النُّزول مُطلَقاً كما تقدَّم، وهو المراد هنا. قوله: ((في نَحْرِ الظَّهيرة)) تأكيد لقوله: ((مُوغِرِينَ))، فإنَّ نَحْرِ الظَّهيرة أوَّلها وهو وقت شِدّة الحرّ، ونَحْر كلّ شيء أوَّله، كأنَّ الشمس لمَّا بَلَغَت غايتَها في الارتفاع كأنَّهَا وَصَلَت إلى النَّحر الذي هو أعلى الصَّدر، ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق: فوالله ما أدرَكْنا الناسَ ولا افْتُقِدت حتَّى نزلوا واطمأنّوا طَلَعَ الرجل يقودُني. قوله: ((فَلَكَ مَن هَلَكَ)) زاد صالح في روايته: ((في شأني)»، وفي رواية أبي أُوَيس: ((فُهُنالكَ قال فيَّ وفيه أهل الإفك ما قالوا))، فأبهَمَت القائل وما قال، وأشارَت بذلك إلى الذينَ تَكلَّموا بالإفكِ وخاضوا في ذلك، وأمَّا أسماؤُهم فالمشهور في الرِّوايات الصَّحيحة: عبد الله بن أُبيِّ، ومِسطَح بن أُثاثة، وحسَّان بن ثابت، وحَمْنة بنت جَحْش. وقد وَقَعَ في المغازي (٤١٤١) من طريق صالح بن كَيْسانَ عن الزُّهْريّ قال: قال عُرْوة: لم يُسمَّ من أهل الإفك أيضاً - غيرُ عبد الله بن أُبيِّ - إلَّا حسَّان بن ثابت ومِسطَح بن أثاثة وحَمنة بنت جَحْش في ناسٍ آخرينَ لا عِلمَ لي بهم غيرَ أنَّهم عُصبة كما قال الله تعالى. انتهى، والعُصبة: من ثلاثة إلى عشرة، وقد تُطلَق على الجماعة من غير حَصْر في عَدَد، وزاد أبو الرَّبيع بن سالم فيهم تَبَعاً لأبي الخطّاب بن دِحْية: عبدَ الله وأبا أحمد ابنَي جَحْش، وزاد فيهم الَّتَشَريُّ: زيد بن رِفاعة، ولم أرَه لغيره، وعندَ ابن مَرْدويه من طريق ابن سِيرِين: حَلَفَ أبو بكر أن لا ٤٠ سورة النور/ ح ٤٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري يُنفِقَ على يَتِيمَينِ كانا عندَه، خاضا في أمر عائشة: أحدهما مِسطَح. انتهى، ولم أقِفْ على تسمية رفيق مِسطح. وأمَّا القول، فوَقَعَ في حديث ابن عمر: فقال عبد الله بن أَبِيِّ: فَجَرَ بها ورَبِّ الكعبة، وأعانَه على ذلك جماعة وشاعَ ذلك في العَسكّر، وفي مُرسَل سعيد بن جُبَير: وقَذَفَها عبد الله بن أُبيِّ، فقال: ما بَرِئَتْ عائشة من صفوان ولا بَرِئَ منها، وخاضَ بعضهم، وبعضهم أعجبه. قوله: ((وكان الذي تَوَلَّى كِبْرِه)) أي: تَصَدَّى لذلك وتَقَلَّدَه، و((كِبْره)» أي: كِبْر الإفك، وكِبْرِ الشَّيء: مُعظَمه، وهو قراءة الجمهور بكسر الكاف، وقرأ حُميدٌ الأعرَج بضمِّها، قال الفَرّاء: وهي قراءة جيِّدة في العربيَّة، وقيل: المعنى: الذي تَوَلَّى إثمه. قوله: ((عبد الله بن أَيِّ)) تقدَّمت ترجمته في تفسير سورة براءة (٤٦٧٠) وقد بيَّنْتُ قولَه في ذلك من قبلُ، وقد اقتَصَرَ بعضُهم من قِصّة الإفك على هذه القِصّة كما تقدَّم في الباب الذي قبلَ هذا، وسيأتي بعدَ أربعة أبواب نقلُ الخِلاف في المراد بالذي تَوَلَّى كِبْره في الآية، ووَقَعَ في المغازي من طريق صالح بن كَيْسانَ عن الزُّهْريّ عن عُرْوة قال: أُخبِرتُ أنَّه كان يُشاع ويُتَحَدَّث به عندَه، فيُقِرّه - بضمٍّ أوَّله وكسر القاف - ويَستَمِعه ويَستَوشِيه؛ بمُهمَلة ثمَّ مُعجَمة، أي: يَسْتَخِرِجه بالبحثِ عنه والتَّفتيش، ومنهم مَن ضَبَطَه: ((يَقُرّه)) بفتح أوَّله وضمّ القاف، وفي رواية ابن إسحاق: وكان الذي تَوَلَّى كِبْر ذلك عبدَ الله بن أُبيِّ في رجال من الخَزْرَج. قوله: ((فقَدِمْنا المدينة فاشتَكَيتُ حينَ قَدِمْت شهراً، والناس يُفِيضونَ في قول أصحابٍ الإفْك، ولا أشعُرُ بشيءٍ من ذلك)) وفي رواية ابن إسحاق: وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وَلآل وإلى أبَوَيَّ، ولا يَذْكُرُونَ لي شيئاً من ذلك، وفيها: أنَّهَا مَرِضَت بِضْعاً وعشرينَ ليلةً، وهذا فيه رَدٌّ على ما وَقَعَ في مُرسَل مُقاتل بن حَيّانَ: أنَّ النبيّ وَيَ لمَّا بَلَغَه قولُ أهل الإفك، وكان شديد الغَيْرة، قال: ((لا تَدخُلُ عائشة رَحْلي)) فخرجَتْ تَبكي حتَّى أتت أباها، فقال: أنا أحقّ أن أُخرِ جَك، فانطَلَقَت تَجُولُ لا يُؤويها أحد حتَّى أَنزَلَ الله عُذرَها؛ وإنَّما ذكرتُه مع ظُهور