Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ سورة الأنبياء / ح ٤٧٣٩ كتاب التفسير أخَمِدِينَ ﴾ [١٥]: هامِدِينَ. والحَصِيدُ: مُستأْصَلٌ، يَقَعُ على الواحدِ والاثنَيْنِ والجميعِ. ﴿لَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [١٩]: لا يُعْيُونَ، ومنه: ﴿حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤]، وحَسَرْتُ بَعِيرِي. عَمیقٌ: بَعِيدٌ. ﴿ُكِسُواْ﴾ [٦٥]: رُدُّوا. ﴿صَنْعَةَ لَبُسٍ﴾ [٨٠]: الدُّرُوعُ. (تَقَطَّعوا أمرَهُم)) [٩٣]: اختَفُوا. الحَسِيسُ، والِحِسُّ، والجَرْسُ، والهَمْسُ واحدٌ: وهو منَ الصوتِ الخفيِّ. ﴿وَذَنَّكَ﴾ [فصلت: ٤٧]: أعلَمْناكَ، ﴿عَاذَنْشُكُمْ﴾ [١٠٩]: إذا أعلَمْتَه، فأنتَ وهُوَ ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ [١٠٩]: لم تَغْدِر. وقال مجاهدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ [١٣]: تُفْهَمونَ. ﴿أَرْتَضَى﴾ [٢٨]: رَضِيَ. ﴿التَّمَاثِلُ﴾ [٥٢]: الأصنامُ. ﴿السّجِلِ﴾ [١٠٤]: الصَّحِيفةُ. قوله: ((سورة الأنبياء - بِسْمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) ذكر فيه حديث ابن مسعود قال: بني إسرائيل. كذا فيهِ، وزَعَمَ بعض الشُّرّاحِ أنَّه وهمٌّ، وليس كذلك، بل له وجه وهو أنَّ الأصل: سورة بني إسرائيل، فحُذِفَ المضاف وبقيَ المضاف إليه على هيئته، ثمَّ وجَدت في رواية الإسماعيليّ: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل ... ، إلى آخره. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في تفسير سبحانَ (٤٧٠٨). وزاد في هذه الرّواية ما لم يَذكُرُه في تلكَ، وحاصله أنَّه ذكر خمس سوَر مُتَوالية، ومُقتَضَى ذلك أنَّهُنَّ نزلنَ بمكَّةَ، لكن اختُلِفَ في بعض آيات منهنَّ: أمَّا في سبحان، فقوله: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا﴾ الآيةَ [طه:٣٣]، وقوله: ٥٨٢ سورة الأنبياء / ح ٤٧٣٩ فتح الباري بشرح البخاري ﴿وَإِن كَادُوْ لَيَسْتَفِرُونَكَ﴾ إلى: ﴿تَحْوِيلًا﴾)) [الإسراء: ٧٦-٧٧]، وقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُؤْسَى تِسْعَ ءَايَتٍ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠١]، وقوله: ﴿ وَقُل رَّبٍّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآيةَ [الإسراء: ٨٠]، وفي الكهفِ قوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٨]، وقيلَ: من أوَّلها إلى ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وفي مريم: ﴿ وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآيَةَ [مريم: ٧١]. وفي طَهَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طْلُوعَ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا ﴾ الآيَةَ [طه: ١٣٠]، وفي الأنبياء: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَنَقُصُهَا ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٤٤]، قيل في جميع ذلك: إنَّه مَدَنيّ، ولا يَثْبُت شيءٌ من ذلك، والجمهور على أنَّ الجميع مَكّات، وشَذَّ مَن قال خِلافَ ذلك. قوله: ((وقال قَتَادةُ: ﴿ هُذَاذًا﴾: قَطَّعَهُنَّ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ من طريق سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾، أي: قِطعاً. ٤٣٦/٨ تنبيه: قرأ الجمهور: ﴿ُذَاذًا﴾ بضمّ أوَّله: وهو اسم للشَّيءِ المكسَّر، كالْحُطَام في المحطّم، وقيل: جمع جُذَاذة كزُجاجٍ وزجاجة. وقرأ الكِسَائِيّ وابن مُيصِن بكسرٍ أوَّله، فقيل: هو جمع جَذيذٍ، كَكِرَامٍ وكَريمِ، وفيها قراءات أُخرى في الشَّوَاذّ. قوله: ((وقال الحسن: ﴿فِي فَكِ﴾: مِثْلِ فَلْكَةِ المِغْزَل)) وَصَلَه ابن عُيَينةَ(١) عن عَمْرو عن الحسن، في قوله: ﴿وَكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾: مِثل فَلْكة المِغِزَل. قوله: (﴿يَسْبَحُونَ﴾: يَدُورُونَ)) وصَلَه ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿كُلِّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ﴾ قال: يَدورُونَ حولَه. ومن طريق مجاهد: ﴿فِ فَكٍ﴾: كهَيْئَة حديدة الرَّحَى ﴿يَسْبَحُونَ﴾: يَجِرُونَ. وقال الفَرّاء: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ لأنَّ السِّباحة من أفعال الآدَميّينَ، فَذُكِرَت بالنّونِ مِثل ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَئِنُهُمْ لِ سَنِجِدِينَ ﴾ [يوسف: ٤]. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿نَفَشَتْ﴾: رَعَتْ ليلاً)) سَقَطَ (ليلاً)) لغير أبي ذرِّ. وقد وَصَلَه (١) في (تفسيره)) كما في ((تغليق التعليق)) ٢٥٧/٤. ٥٨٣ سورة الأنبياء / ح ٤٧٣٩ كتاب التفسير ابن أبي حاتم من طريق ابن جُرَيج عن عطاء(١) عن ابن عبّاس، بهذا. وهو قول أهل اللّغة: نَفَشَت: إذا رَعَتْ ليلاً بلا راعٍ، وإذا رَعَت نهاراً بلا راعٍ قيل: هَلَت. قوله: ((﴿يُصْحَبُونَ﴾: يُمْنَعونَ)) وَصَلَه ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ وَلَاهُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قال: يُمنَعُونَ. ومن وجه آخر مُنْقَطِع عن ابن عبّاس، قال(٢): يُنصَرونَ. وهو قول مجاهد. رواه الطََّريّ. قوله: (﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ﴾: (دينُكُم دينٌ واحدٌ)) قال قَتَادةُ في هذه الآية: ﴿إِنَّ هَذِهِ. أُمَّتُكُمْ﴾ قال: دينُكُم. أخرجه الطَّبَرِيُّ وابن المنذر من طريقه. قوله: ((وقال عِكْرمة: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: حَطَبُ، بالحَبَشِةِ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٣). وروى الفَرّاءِ(٤) بإسنادَينٍ عن عليّ وعائشة: أنَّهمَا قَرآ: حَطَب، بالطاءِ. وعن ابن عبّاس: أنَّه قرأها بالضّادِ الساقطة المنقوطة، قال: وهو ما هُمِّجَت به النار. قوله: ((وقال غيره: ﴿أَحَسُّواْ﴾: تَوَقَّعوا، مِن أحْسَسْتُ)) كذا لهم، وللنَّسَفيِّ: وقال مَعمَر: ﴿أَحَسُواْ﴾ ... إلى آخره، ومَعْمَر هذا: هو بالسُّكونِ، وهو أبو عُبيدة مَعمَر بن المثنَّى اللُّغَويّ، وقد أكثرَ البخاريّ نقلَ كلامه، فتارةً يُصرِّحُ بعَزوِه إليه، وتارةً يُبهمُه. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأْسَنَآَ﴾: لَقُوه، يقال: هل أحسَستَ فلاناً؟ أي: هل وجَدتَه، وهل أحسَستَ من نفسك ضعفاً أو شَرّاً؟ (١) هو عطاء الخُراساني، كما جاء مصرَّحاً به عند الطبري ٥٣/١٧. ثم إن ابن جريج لم يسمع من عطاء بن أبي رباح من التفسير أصلاً غير تفسير سورتي البقرة وآل عمران كما صرح ابن جريج بذلك، وقد بيّن ذلك الحافظُ في مقدمة شرحه. والخراساني لم يسمع من ابن عباسٍ. (٢) في (أ) و(س): عن ابن عباس، قال: يُمنعون، قال: ينصرون. ولا معنى لقوله هنا: ((يمنعون)). إلا إن كانت ((يمنعون)) محرفة عن: ((يُصحَبُون)). ولم يرد هذا في (ع)، وهو الصواب. (٣) بین یدي الحدیث (٣٢٥٨). (٤) في ((معاني القرآن)) ٢/ ٢١٢. ٥٨٤ سورة الأنبياء / ح ٤٧٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (﴿خَِدِينَ﴾: هامِدينَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿حَصِيدًا خَمِدِينَ﴾ مجاز خامد، أي: هامِد، كما يقال للنّار إذا طَفِئَتْ: ◌َدَت، قال: والحَصيد: المستأصَل، وهو يوصَف بلفظ الواحد والاثنَينِ والجمع من الذَّكَر والأُنْثَى سواء، كأنَّه أُجريَ مُجُرَى المصدَر، قال: ومِثله: ﴿كَانَا رَتْقًا﴾، ومِثله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾. قوله: ((والحَصيد: مُسْتَأْصَل، يَقَع على الواحد والاثنَينِ والجميع)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره حَصِيدًا﴾: مُستأصَلاً. وهو قول أبي عبيدة كما ذكرته قبلُ. تنبيه: هذه القِصّة نزلت في أهل حَضُور - بفتح المهمَلة وضمّ المعجَمة - قرية بصَنعاءَ من اليمن، وبه جَزَمَ ابن الكَلْبِيّ. وقيلَ: بناحية الحِجاز من جهة الشّام، بُعِثَ إليهم نبيّ من حِيَرَ - يقال له: شُعَيب وليس صاحبَ مَدْيَن - بينَ زمن سليمان وعيسى، فكَذَّبوه، فقَصَمَهم الله تعالى، ذكره ابن الگلْبيّ. وقد روى قِصَّته ابن مَرْدويه من حديث ابن عبّاس، ولم يُسمِّه. قوله: «﴿لَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: لا يُعُونَ(١)، ومنه: ﴿ حِيمٌ﴾ وحَسْت بعيري» هو قول أبي عُبيدة أيضاً. وكذا روى الطََّرَيُّ من طريق سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ قال: لا يُعیُون. تنبيه: وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ: يَعْيَونَ، بفتح أوَّله. ووَهّاهُ ابن التِّين، وقال: هو مِن أَعيَى، أي: الصَّواب بضمِّ أوَّله. قوله: ((﴿عَمِيقٍ﴾: بعيد)) كذا ذكره هُنا، وإنَّما وَقَعَ ذلك في السّورة التي بعدَها، وهو قول أبي عُبيدة. وكأنَّه لمَّا وَقَعَ في هذه السّورة ﴿فِجَاجًا﴾ وجاء في التي بعدَها ﴿مِن كُلِّ فَتَجْ عَمِيقٍ﴾ كأنَّه استَطَرَدَ من هذه لهذه، أو كان في طُرّة، فَقَلَها الناسخ إلى غير موضعِها. قوله: ((﴿ثُكِسُواْ﴾: رُدُّوا)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، أي: قُلِبوا، وتقول: نَكَستُه على رأسه: إذا قَهَرتَه. (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: يعيبون. ٥٨٥ سورة الأنبياء / ح ٤٧٣٩ كتاب التفسير وقال الفَرّاء: نُكِسوا: رجَعُوا. وتَعقَّبَه الطَّبَرِيُّ: بأنَّه لم يَتقدَّم شيء يَصِحّ أن يَرجِعوا ٤٣٧/٨ إليه(١). ثمَّ اختارَ ما رواه ابن إسحاق، وحاصله: أنَّهم قُلِبوا في الحُجّة، فاحتَجّوا على إبراهيم بما هو حُجّة لإبراهيم عليه السلام. وهذا كلّه على قراءة الجمهور. وقرأ ابن أبي عَبْلة: ((نَكَسُوا)) بالفتح (٢)، وفيه حذف تقديره: نَكَسوا أنفُسهم على رؤوسهم. قوله: (﴿صَنْعَةَ لَبُوُسِ﴾: الدُّروع)) قال أبو عبيدة: اللَّبوس: السِّلاح كلّه من دِرع إلى و رُمح وروى عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: اللَّبوس: الدُّروع كانت صفائح، وأَوَّل مَن سَرَدَها وحَلَّقَها داود. وقال الفَرّاء: مَن قرأ ﴿لِنُحْصِنَكُمْ﴾ بالمثّة فِلِتأنيثِ الدِّرع، ومَن قرأ بالتَّحتانيَّة فِلِتذكيرِ اللَّبُوس. قوله: ((تَقَطَّعُوا أمرَهُم: اختَلَفوا)) هو قول أبي عُبيدة. وزادَ: وتَفرَّقوا. وروى الطّرِيُّ من طريق ابن(٣) زيد بن أسلم مثله، وزاد: في الدّين. (١) كذا نقل الحافظ تعقُّبَ الطبري، فلم يُحسِن، فليس ذا تعقُّبَه على قول الفراء، وإنما هو معنى تعقبه على قول السّدي الذي قال: أي: نُكسوا في الفتنة على رؤوسهم، فتعقبه الطبري بقوله: إنهم لم يكونوا خرجوا من الفتنة قبل ذلك فنکسوا فيها. وأما الفراء فإن الطبري نقل عنه أنه قال: معنى ذلك: أنهم رجعُوا عما عَرفوا من حجة إبراهيم، فتعقّبه الطبري بقوله: لو كان كذلك ما احتجوا عليه بما هو حجة له، بل كانوا يقولون له: لا تسألهم، ولكن نسألُك، فأخبرنا من فعل ذلك بها؟ وقد سمعنا أنك فعلتَ ذلك، ولكن صَدَقُوهُ القولَ، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ ﴾ وليس ذلك رجوعاً عما كانوا عرفوا، بل هو إقرار به. (٢) كذا نسب الحافظ قراءة الفتح لابن أبي عبلة، وهو وهم لم نقف عليه لغير الحافظ، لأن ابن أبي عبلة إنما قرأها بالتشديد مبنياً للمفعول، كما في ((زاد المسير) لابن الجوزي ١٩٩/٣، و((البحر المحيط)) لأبي حيان ٣٢٥/٦ وغيرهما. وعزوا قراءة الفتح لسعيد بن جبير وابن يعمر وعاصم الجحدري ورضوان بن عبد المعبود. (٣) لفظة ((ابن)) سقطت من (أ) و(س)، وأثبتناها من (ع). ٥٨٦ سورة الأنبياء / ح ٤٧٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((الحَسيس والِحِسّ والجَرْس والهَمْس واحدٌ، وهو من الصَّوْتِ الخَفيّ)) سَقَطَ لأبي ذرٍّ: والھَمْس. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿لَا يَسَّمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾، أي: صوتها، والحَسيس والحِسّ واحد، وقد تقدَّم في أواخر سورة مريم(١). قوله: (﴿عَذَنَّكَ﴾: أعلمْناك، ﴿ءَاذَنْنُكُمْ﴾: إذا أعلمْته فأنتَ وهو ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾: لم تَغْدِر)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿مَاذَنْنُكُمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾: إذا أنذَرتَ عدوَّك وأعلمتَه ذلك، ونَبذْتَ إليه الحربَ حتَّى تكون أنتَ وهو على سواء، فقد آذَنتَه. وقد تقدَّم في تفسير سورة إبراهيم عليه السلام(٢). وقوله: ﴿مَاذَنَّكَ﴾ هو في سورة ﴿حَمَ﴾ فُصِّلَت، ذكره هنا استطراداً. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ ﴾: تُفْهَمونَ)) وصَلَه الفِرْیابيُّ من طريقه. ولابنِ المنذِر من وجه آخر عنه: تَفقَهونَ. قوله: (﴿أَرْتَضَى﴾: رضي)» وصَلَه الفِرْيابيُّ من طريقه بلفظ: رضي عنه. وسَقَطَ لأبي ذرِّ. قوله: (﴿التَّعَاثِلُ﴾: الأصنام)) وصَلَه الغِرْيابيُّ من طريقِه أيضاً. قوله: (﴿اَلْسِّجِلِّ﴾: الصَّحيفة)) وصَلَه الغِرْيابيُّ من طريقه، وبه جَزَمَ الفَرّاء. وروى الطَّبَرَيُّ (١٧/ ١٠٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿كَلَيِّ السِِّلِّ﴾ يقول: كَطَيِّ الصَّحيفة على الكتاب. قال الطَّبَرُّ: معناه: كَطَيِّ السِّجِلِّ على ما فيه من الكتاب. وقيلَ: ((على))(٣) بمعنى ((من))، أي: من أجل الكتاب، لأنَّ الصَّحيفة تَطوي حسناته لمَا (١) بین یدي الحدیث رقم (٤٧٣٦). (٢) بين يدي الحديث رقم (٤٦٩٨). (٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو سبق قلم منه، أراد أن يقول: اللام، فقال: على. انظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي ٣١٦/٣. ٥٨٧ سورة الأنبياء / ح ٤٧٣٩ كتاب التفسير فيها من الكتابة(١). وجاء عن ابن عبّاس: أنَّ السِّجِلّ اسم كاتبٍ كان للنبيِّ ◌َّ .. أخرجه أبو داود (٢٩٣٥) والنَّسائيُّ (ك١١٢٧٢) والطَّبَرِيُّ (١٠٠/١٧) من طريق عَمْرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عبّاس، بهذا(٢). وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن مَرْدویه(٣). وفي حديث ابن عبّاس المذكور عندَ ابن مَرْدويهِ: والسِّجِلّ: الرجل، بلسان الحَبَش. وعندَ ابن المنذِر من طريق السُّدّيِّ، قال: السِّجِلّ: المَلَك. وعندَ الطَّبَريِّ من وجه آخر عن ابن عبّاس(٤)، مِثله. وعندَ عبد بن مُميدٍ من طريق عَطيّة،مِثله. وبإسنادٍ ضعيف عن عليٍّ، مِثله. وذكر السُّهَيليُّ عن النَّقّاش: أنَّه مَلك في السماء الثّانية، تَرفَع الحَفَظة إليه الأعمال كلَّ (١) تفسير الحافظ هذا غير واضح، وأوضح منه قول علي بن فَضَّال المجاشعي في ((النكت في القرآن الكريم)) ص٣٣٤ حيث قال: التقدير: يوم نطوي السماء كطي السِّجلّ للكتابة التي فيه، أي: من أجلها، ليصونها الطيُّ، وهذا كما تقول: فعلت ذلك لعيون الناس، أي: من أجل عيون الناس. (٢) إسناده ضعيف لجهالة يزيد بن كعب العَوْذي راويه عن عمرو بن مالك النكري، وخالفه هارون بن موسى النحوي، وهو ثقة، فرواه ابن مردويه من طريقه عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، بلفظ: السجل بلغة الحبشة: الرجل، أورده السيوطي في ((المهذب فيما وقع في القرآن من العرب» ص٩٥ عن ابن مردويه بسنده، وكذلك رواه نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك عند النسائي في «الكبرى» (١١٢٧٣) كلفظ هارون بن موسى. دون ذكر أنه اسم كاتب النبي ◌َله. (٣) في إسناده حمدان بن سعيد، قال الذهبي في ترجمته في ((الميزان)): أتى بخبر كذب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: كان كاتب النبي وَلّ اسمه السجلّ، وممن كذَّب هذا الخبر في الجملة المزي وابن تيمية وابن کثیر. انظر لزاماً ((سنن أبي داود)) (٢٩٣٥) بتحقيقنا. (٤) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو سبق قلم منه، لأن الذي عند الطبري: عن ابن عمر. وفي إسناده إليه جعفر بن ميسرة الأشجعي وهو ضعيف جداً. ٥٨٨ سورة الأنبياء / ح ٤٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ◌َميس واثنَيْنِ. وعندَ الطَّريِّ من حديث ابن عمر(١) بعض معناه. وقد أنكَرَ الثَّعَلَبِيّ والسُّهَيليّ أنَّ السِّجِلّ اسم الكاتب، بأنَّه لا يُعرَف في كُتّاب النبيّ وَّه، ولا في أصحابه مَن اسمه السِّجِلّ، قال السُّهَيليُّ: ولا وُجِدَ إلّا في هذا الخبر، وهو حَصر مردود، فقد ذكره في الصَّحابة ابن مَندَهْ وأبو نُعَيم، وأورَدا من طريق ابن نُمَير عن عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان للنبيِّ وََّ كاتب، يقال له: سِجِلّ. وأخرجه ابن مَرْدويه من هذا الوجه(٢). ١ - بابٌ(٣) كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ٤٧٤٠ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن المغِيرةِ بنِ النُّعْمان - شيخٌ مِن النَّخَع - عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: خَطَبَ النبيُّ وَّهِ، فقال: ((إنَّكُم ٤٣٨/٨ محشورونَ إلى الله، عُراةً غُرْلاً / ﴿كَمَابَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ, وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾. ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَن يُكْسَى يومَ القيامةِ إبراهيمُ. ألا إنَّه يُجاءُ برجالٍ من أمّتي، فَيُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشِّمال، فأقولُ: يا رَبِّ أصحابي! فيقال: لا تَذْري ما أحدثوا بعدَكَ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] فيقال: إنَّ هؤلاءِ لم يزالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابهم منذُ فارَقْتَهم)). ثمَّ ذكر المصنف حديث ابن عبّاس: ((إِنَّكُم مَحَشُورونَ إلى الله عُراً)) الحديث. وسيأتي شرحه في كتاب الرِّقاق (٦٥٢٤) إن شاء الله تعالى. (١) ذكره الحافظ قريباً، ونسبه لابن عباس خطأً كما نبهنا عليه. (٢) ولكنه خبرٌّ واهٍ كما نبّهنا عليه قريباً. (٣) سقط عنوان هذا الباب من نسخة الحافظ رحمه الله، وهو ثابت في سائر روايات البخاري حسب ما في اليونينية والقسطلاني. ٥٨٩ سورة الحج كتاب التفسير ٢٢ - سورة الحجّ بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ قال ابنُّ عُيَينَةَ: ﴿اَلْمُخْبِتِينَ﴾ [٣٤]: المطْمَئِنِّينَ. وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ [٥٢]: إذا حدَّث ألقَى الشَّيطانُ في حديثه، فيُبْطِلُ الله ما يُلْقي الشَّيطانُ، ويُحْكِمُ آيَاتِه. ويقال: ﴿أُمْنِيَّتِهِ،﴾: قراءتُه. ﴿إِلَّ أَمَانِيَ﴾ [البقرة: ٧٨]: يَقْرَؤونَ ولا يَكْتُبُونَ. وقال مجاهدٌ: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ [٤٥]: بالقَصّةِ، حِصُّ. وقال غيرُه: ﴿يَسْطُونَ﴾ [٧٢]: يَفْرُطونَ، مِن السَّطْوةِ، ويقال: ﴿يَسْطُونَ﴾: يَبْطِشونَ. ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَطِ اَلْحَمِيدِ﴾ [٢٤]: الإسلامِ. قال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿بِسَبَبٍ﴾ [١٥]: بحَبْلِ إلى سَقْفِ البيتِ. ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾ [٩]: مُستکٌِ. ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوَّلِ﴾ [٢٤]: أَلْهِموا إلى القرآن. ﴿َذْهَلُ﴾ [٢]: تُشْغَلُ. قوله: ((سورة الحَجِّ - بِسْمِ اللَّهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)). قوله: ((قال ابن عُبَينةَ: ﴿اَلْمُخْبِتِينَ﴾: المطْمَئِنّينَ) هو كذلك في ((تفسير ابن عُيَينَ))، لكن أسنده عن ابن أبي نَجِیح، عن مجاهد. وكذا هو عندَ ابن المنذر من هذا الوجه. ومن وجه آخر عن مجاهد، قال: المصَلّينَ. ومن طريق الضَّحّاك، قال: المتواضعينَ. والمُخبت: من الإخبات، وأصله الخَبْت، بفتح أوَّله: وهو المطمَئِنُّ من الأرض. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمَّنِّيَّتِهِ﴾: إذا حدَّث ألقَى الشَّيطانُ ٥٩٠ سورة الحج فتح الباري بشرح البخاري في حديثه، فيُطِلُ الله ما يُلقي الشَّيطان ويُحكِمِ آيَاتِهِ)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٩٠/١٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، مُقَطَّعاً. قوله: ((ويقال: ﴿أُمَنِّيَّتِهِ﴾: قراءته. ﴿إِلَّ أَمَانِيَّ﴾: يَقْرَؤون ولا يَكْتُبُونَ)) هو قول الفَرّاء، قال: التَّمَنّي: التِّلاوة، قال: وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾ قال: الأمانيّ: أن يَفْتَعِل الأحاديث، وكانت أحاديثَ يَسمَعونَها من كُبَرائهم، وليست من كتاب الله، قال: ومن شواهد ذلك قول الشاعر: تَتَّى كِتابَ الله أوَّلَ لَيْلهِ تَنِّيَ داودَ الَّبُورَ على رِسْلٍ قال الفَرّاء: والتَّمَنّي أيضاً: حديث النَّفْس، انتهى. قال أبو جعفر النَّحّاس في كتاب ((مَعاني القرآن)) له بعدَ أن ساقَ رواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في تأويل الآية: هذا من أحسن ما قيل في تأويل الآية وأعلاه وأجَلّه. ثمَّ أسنَدَ عن أحمد بن حَنبَل قال: بمِصرَ صحيفة في التَّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة، لو رَحَلَ رجل فيها إلى مِصرَ قاصداً، ما كان كثيراً، انتهى. وهذه النُّسخة كانت عندَ أبي صالح كاتب اللَّيث، رواها عن معاوية بن صالح عن عليّ ٤٣٩/٨ ابن أبي طلحة/ عن ابن عبّاس، وهي عندَ البخاريّ عن أبي صالح، وقد اعتَمَدَ عليها في ((صحيحه)) هذا كثيراً، على ما بيَّنّاه في أماكنه، وهي عندَ الطََّرَيِّ وابن أبي حاتم وابن المنذِر بوسائطَ بينهم وبينَ أبي صالح. انتهى. وعلى تأويل ابن عبّاس هذا يُحمَل ما جاء عن سعيد بن جُبَير، وقد أخرجه ابن أبي حاتم، والطَّبَريُّ (١٧ /١٨٨ -١٨٩)، وابن المنذر من طرق عن شُعْبة عن أبي بشر، عنه قال: قرأ رسول الله وَّهِ بمكَّةَ: ﴿وَالنَّجْرِ﴾ فلمَّا بَلَغَ ﴿أَفََّيْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى ١) وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ اَلْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ألقَى الشَّيطان على لسانه: تلكَ الغرانيقُ العُلَى، وإنَّ شَفَاعَتَهنَّ لَتُرْ نَّجى، فقال المشركونَ: ما ذكر آلهتنا بخيرٍ قبلَ اليوم، فسَجَدَ وسَجَدوا، فنزلت هذه الآية. ٥٩١ سورة الحج كتاب التفسير وأخرجه البزَّارُ (٥٠٩٦) وابن مَرْدويه من طريق أُميَّة بن خالد، عن شُعْبة، فقال في إسناده: عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس - فيما أحسَب - ثمَّ ساقَ الحديث. وقال البزَّار: لا يُروَى مُتَّصِلاً إلّا بهذا الإسناد، تفرَّد بوَصلِهِ أُميَّة بن خالد، وهو ثقة مشهور(١). قال: وإنَّما يُروَى هذا من طريق الكَلْبِيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس. انتهى. والكَلْبِيّ متروك، ولا يُعتَمَد علیه. وكذا أخرجه النَّحّاس(٢) بسندٍ آخر فيه الواقديّ. وذكره ابن إسحاق في ((السِّيرة)) (٣) مُطوَّلاً، وأسنَدَها عن محمَّد بن كعب. وكذلك موسى بن عُقْبةَ في (المغازي)) عن ابن شِهاب الزُّهْريّ، وكذا ذكره أبو مَعشَر في ((السِّيرة)) له عن محمَّد بن كعب القُرَظيِّ ومحمَّد ابن قيس، وأورَدَه من طريقه الطَّبَريّ، وأورَدَه ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السُّدّيِّ، ورواه ابن مَرْدويه من طريق عبّاد بن صُهَيبٍ(٤) عن يحيى بن كثير عن الكَلْبِيّ(٥) عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهُذَلِّ وأيوب عن عِكْرمة، وسليمان التَّيْمِيِّ عَمَّن حدَّثه، ثلاثُهم عن ابن عباس. وأورَدَها الطَّبَرِيُّ (١٧/ ١٨٩) أيضاً من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عبّاس، ومعناهم كلّهم في ذلك واحد، وكلّها سِوَى طريق سعيد بن جُبَير: إمّا ضعيف وإمّا مُنقَطِع، لكن كَثْرة (١) تمام كلام البزار: وغير أمية يحدث به عن أبي بشر عن سعيد بن جبير مرسلاً. قلنا: ممن حدَّث به عن شعبة على الإرسال: عبد الصمد بن عبد الوارث ومحمد بن جعفر عن شعبة، عند الطبري ١٧/ ١٨٨ - ١٨٩، وهما أثبت من أمية بن خالد، فقد قال الإمام أحمد في أمية هذا، فيما نقله عنه العقيلي في ((الضعفاء)) ١٢٨/١: إنما كان يحدّث من حفظه لا يُخرج كتاباً، وأورد له العقيلي في ((الضعفاء)) حديثاً آخر عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، انفرد هو بذكر عبد الله بن مسعود، وخالفه غيره فلم یذکروه، فقال العقيلي: رواه الناس عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة مرسلاً. (٢) في ((الناسخ والمنسوخ)) ص٥٧١. (٣) وأخرجه من طريقه الطبري في ((تفسيره)) ١٨٧/١٧-١٨٨. (٤) قال الذهبي في ترجمته في ((الميزان)): أحد المتروكين. (٥) تقدم للحافظ أنه قال في الكلبي هذا: إنه متروك لا يعتمد عليه. ٥٩٢ سورة الحج فتح الباري بشرح البخاري الطُّرق تَدُلّ على أنَّ للقِصّة أصلاً، معَ أنَّ لها طريقَينٍ آخرَينِ مُرسَلَيْنٍ، رجالهما على شرط الصحيح: أحدهما: ما أخرجه الطََّريُّ (١٨٩/١٧) من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدَّثني أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، فذكر نحوه. والثّاني: ما أخرجه أيضاً (١٧ /١٨٨) من طريق المعتمِر بن سليمان وحَمَّاد بن سَلَمَةَ - فَرَّقَهما - عن داود ابن أبي هِند، عن أبي العالية. وقد تَجَرَّأ أبو بكر بن العربيّ كَعادَتِهِ، فقال: ذكر الطَّبَريُّ في ذلك رواياتٍ كثيرةً باطِلة لا أصلَ لها، وهو إطلاقٌ مردود عليه. وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يُرِّجه أحدٌ مِن أهل الصِّحّة، ولا رواه ثقة بسندٍ سَليم مُتَّصِل، معَ ضعف نَقَّلَتِه، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومَن ◌ُلَت عنه هذه القِصّة من التابعينَ والمفسِّرِينَ لم يُسنِدها أحد منهم ولا رَفَعَها إلى صاحبٍ، وأكثر الطّرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية، قال: وقد بَيَّن البزَّار أنَّه لا يُعرَف من طريق يجوز ذِكْره إلّا طريق أبي بشر عن سعيد بن جُبَير، معَ الشكِّ الذي وَقَعَ في وصله، وأمَّ الكَلْبِيّ فلا تَجوز الرّواية عنه لقوّة ضعفه. ثمَّ رَدَّه من طريق النَّظَر: بأنَّ ذلك لو وَقَعَ لارتَدَّ كثير مَمَّن أسلَمَ. قال: ولم يُنقَل ذلك، انتهى. وجميع ذلك لا يَتَمَشَى على القواعد، فإنَّ الطُّرق إذا كَثُرَت وتَبَاينَت مَخَارِجُها، دَلَّ ذلك على أنَّ لها أصلاً، وقد ذكرتُ أنَّ ثلاثة أسانيد منها على شرط الصَّحيح، وهي مَراسيل يَتَجّ بمِثلِها مَن يَحَتَجَ بالمرسَلِ، وكذا مَن لا يَحَتَجّ به لاعتضادِ بعضها ببعضٍ، وإذا تَقرَّرَ ذلك تَعيَّنَ تأويل ما وَقَعَ فيها ممَّا يُستَنكَر، وهو قوله: ((ألقَى الشَّيطان على لسانِهِ: تلكَ الغرانيقُ العُلَى، وإنَّ شَفاعَتهنَّ لَثُرْتَجَى))، فإنَّ ذلك لا يجوز حَمْله على ظاهره، لأنَّه يَستَحيل عليه وَ﴿ أن يزيد في القرآن عَمْداً ما ليس منه، وكذا سَهواً إذا كان مُغايِراً لما جاء به من التوحید، مکان عِصمته. وقد سَلَكَ العلماءُ في ذلك مَسالك: فقيلَ: جَرَى ذلك على لسانه حينَ أصابته سِنَّةٌ وهو لا يَشعُر، فلمَّا عَلمَ بذلك أحكَمَ الله آياته. وهذا أخرجه الطَّبَرُّ عن قَتَادة. ورَدَّه عیاض ٥٩٣ سورة الحج كتاب التفسير ٤٤٠/٨ بأنَّه لا يَصِحّ لكَوْنِه لا يجوز على النبيّ وَّ ذلك، ولا / ولاية للشَّيطان عليه في النَّومِ. وقيلَ: إنَّ الشَّيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره. ورَدَّه ابن العربيّ بقوله تعالى حكايةً عن الشَّيطان: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢]، قال: فلو كان للشَّيطان قوّة على ذلك، لمَا بَقيَ لأحدٍ قوّة في طاعة. وقيلَ: إِنَّ المشرِكينَ كانوا إذا ذَكَروا آلهَتَهم وصَفوهم بذلك، فعَلِقَ ذلك بحِفِظِهِ أَ فجَرَى على لسانه لمَّا ذكرهم سَهواً. وقد رَدَّ ذلك عياضٌ فأجادَ. وقيلَ: لعلَّه قالها توبيخاً للكفَّار، قال عياض: وهذا جائز إذا كانت هناكَ قَرِينة تَدُلٌ على المراد، ولا سيّما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزاً. وإلى هذا نَحا الباقلانيّ. وقيلَ: إِنَّه لمَّ وصَل إلى قوله: ﴿ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ﴾ [النجم: ٢٠]، خَشِيَ المشركونَ أن يأتيَ بعدَها بشيءٍ يَذُمُّ آلهَتَهم به، فبادروا إلى ذلك الكلام، فخَلَطوه في تِلاوة النبيّ ◌َّ على عادَتِهِم في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْافِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، ونُسِبَ ذلك للشَّيطان، لكَوْنِه الحاملَ لهم على ذلك، أو المراد بالشَّيطان شيطانُ الإنس. وقيلَ: المراد بالغرانيق العُلَى: الملائكة، وكان الكفَّار يقولون: الملائكة بناتُ اللّه، ويَعْبُدُونَها، فسيقَ ذِكْرُ الكلّ ليُرَدَّ عليهم بقوله تعالى: ﴿ أَلَكُمُ الذِّكَرُ وَلَهُ آلْأُنَى﴾ [النجم: ٢١]، فلمَّا سمعَه المشرِكونَ خَلوه على الجميع وقالوا: قد عَظَّمَ آلَهَتَنَا، وَرَضُوا بذلك، فَنَسَخَ الله تلكَ الكَلمَتَينِ، وأحكَمَ آیاتِه. وقيلَ: كان النبيّ وَّهِ يُرَتِّل القرآن، فارتَصَدَه الشَّيطان في سَكْتَةٍ من السَّكَتَات، ونَطَقَ بتلكَ الكلمات مُحاكياً نَغْمَتَه، بحيثُ سمعَه مَن دَنا إليه، فظَنَّها من قوله، وأشاعَها. قال: وهذا أحسنُ الوجوه. ويُؤْيِّدُه ما تقدَّم في صَدرِ الكلام عن ابن عبّاس من تفسير ﴿تَمَنَّ﴾ بتَلا. وكذا استَحسَنَ ابن العربيّ هذا التَّأويل. وقال قبلَه: إنَّ هذه الآية نَصٌّ في مذهبنا في براءة النبيّ وَّه ◌ِمَا نُسِبَ إليه. قال: ومعنى قوله: ﴿فِىّ أُمَّنِيَّتِهِ،﴾، أي: في تِلاوَته، فأخبر تعالى في هذه الآية أنَّ سُنَّتَه في رُسُله إذا قالوا قولاً زاد الشَّيطان فيه من قِبَلِ نفسه، فهذا نَصّ في أنَّ ٥٩٤ سورة الحج فتح الباري بشرح البخاري الشَّيطان زادَه في قول النبيّ وََّ، لا أنَّ النبيّ وَّ قاله. قال: وقد سَبَقَ إلى ذلك الطَّبَرِيُّ الجَلالة قَدره، وسَعَة عِلمه، وشِدّة ساعِده في النَّظَرِ، فصَوَّبَ على هذا المعنى وحَوَّمَ عليه. تنبيه: هذه القِصّة وقَعَت بمكَّةَ قبلَ الهجرة اتِّفاقاً، فَتَمَسَّكَ بذلك مَن قال: إنَّ سورة الحجّ مكّيَّةٌ. لكن تُعقِّبَ بأنَّ فيها أيضاً ما يدلّ على أنَّهَا مَدَنيَّة كما في حديث عليّ وأبي ذرٍّ في ﴿هَذَانِ خَصْمَانٍ﴾ [١٩]، فإنَّهَا نزلت في أهل بدر، وكذا قوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ﴾ الآية [٣٩]، وبعدَها: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍ﴾ [٤٠]، فإنّها نزلت في الذينَ هاجَروا من مكَّةَ إلى المدينة، فالذي يَظهَر أنَّ أصلها مَكّيٍّ ونزلت منها آيات بالمدينة، ولَما نظائرُ، والله أعلم. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿ مَّشِيدٍ﴾: بالقَصّةِ، حِصٍّ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ قال: بالقَصّة، يعني الجِصَّ. والقَصّة، بفتح القاف وتشديد الصّاد: هي الجِصُّ، بكسرِ الجيم وتشديد المهمَلة. ومن طريق عِكْرمة قال: المَشيد: المُجَصَّص. قال: والحِصّ في المدينة يُسَمَّى الشِّيْد، وأنشَدَ الطَّبَرِيُّ قول امرئ القيس: وتَيْماءَ لم يَترُكْ بها جِذْعَ نَخْلةٍ ولا أُماَ إلّا مَشِيداً بجَنْدَلِ ومن طريق قَتَادة، قال: كان أهلُه شَيَّدوه وحَصَّنوه. وقِصّة القصر المَشِيد ذكر أهلُ الأخبار: أنَّه من بناء شَدّاد بن عادٍ، فصارَ مُعَطَّلاً بعدَ العُمْران، لا يستطيع أحد أن يَدنوَ منه على أميال، ممّا يُسمَع فيه من أصوات الجِنّ المنكرة. قوله: ((وقال غيره: (﴿يَسْطُونَ﴾: يَفْرُطُونَ، من السَّطْوة، ويقال: ﴿يَسْطُونَ﴾ يَبِطِشُونَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يَفْرُطونَ عليه، من السَّطْوة. وقال الفَرّاء: كان مُشِرِكو قُرَيش إذا سمعوا المسلم يَتلو القرآن كادوا يَبطِشونَ به. وتقدَّم في تفسیر طه(١). (١) لم يتقدم في تفسير سورة طه شيء يتصل بهذا. ٥٩٥ سورة الحج كتاب التفسير وقال عبد بن ◌ُمیدٍ: أخبرني شبابةُ، عن وَزْقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في تفسیر: ﴿يَكَادُونَ﴾: / أي: كَفَّار قُرَيش ﴿يَسْطُونَ﴾ أي: يَبطِشونَ بالذينَ يَتْلونَ القرآن. ٤٤١/٨ وروى ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿يَسْطُونَ﴾ فقال: يَبِطِشُونَ. قوله: ((﴿ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: الإسلام)) هكذا لهم، وسيأتي تحريره من رواية النَّسَفيِّ قريباً. قوله: ((وقال ابن عبَّاس: ﴿بِسَبَبٍ﴾: بحبلٍ إلى سقف البیت)» وصَلَه عبد بن ◌ُمیدٍ من طريق أبي إسحاق، عن التَّميميّ(١)، عن ابن عبّاس بلفظ: مَن كان يَظُنُّ أن لَن يَنصُرَ اللهُ محمَّداً في الدُّنيا والآخرة، فلیَمُد بسببٍ - بحبل - إلى سماء بيته فليختِقْ به. قوله: (﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾: مُسْتَكْبٌ)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيِّ، وسَقَطَ لِلباقينَ. وقد وصَلَه ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ قال: مُستَكبرٌّ في نفسه. قوله: (﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيْبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: أَلْهِمُوا إلى القرآن)) سَقَطَ قوله: إلى القرآن، لغير أبي ذرٍّ، وَوَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ﴾: أُهِمُوا. وقال ابن أبي خالد (٢): إلى القرآن، ﴿وَهُدُوَأْإِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾: الإسلام. وهذا هو التَّحرير. وقد أخرج الطَّبَريُّ (١٣٦/١٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال: أُهموا. وروى ابن المنذر من طريق سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد في قوله: ﴿إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال: القرآن. وفي قوله: ﴿وَهُدُوَا إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾: الإسلام. (١) هو أربدَة التميمي. (٢) هو إسماعيل بن أبي خالد، ولم يذكر الحافظ رحمه الله تخريجه، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. ٥٩٦ سورة الحج / ح ٤٧٤١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((تَذْهَلُ﴾: تُشْغَل)) روى ابن المنذر من طريق الضَّحّاك قال في قوله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أي: تَسلُو(١) من شِدّة خَوف ذلك اليوم. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾، أي: تَسلو، قال الشّاعر(٢): صَحا قَلْبُه يا عَزَّ أو كادَ يَذْهَلُ وقيلَ: الذُّهول: الاشتغال عن الشَّيء معَ دَهَش. ١- بابٌ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾ [الحج: ٢] ٤٧٤١ - حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا أبو صالحٍ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ، قال: قال النبيُّمَ: ((يقول الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ: يا آدمُ، يقول: لَبِّكَ رَبَّنا وسعدَيكَ، فيُنادَى بصوتٍ: إنَّ الله يأمرُكَ أن تُخْرِجَ من فُرَُّتِكَ بَعْئاً إلى النار، قال: يا رَبِّ، وما بَعْثُ النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ - أُراه قال - تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعينَ، فحِينَئذٍ تَضَعُ الحامِلُ ◌َمْلَها، ويَشِيبُ الوليدُ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَثَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الَّهِ شَدِيدٌ﴾)» فشَقَّ ذلك على الناسِ حتَّى تَغيَّرَت وجوهُهم، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعينَ، ومِنْكُم واحدٌ، ثمَّ أنتم في الناسِ كالشَّعْرةِ السَّوْداءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأبيضِ، أو كالشَّعْرةِ البيضاءِ في جَنْبِ الثَّوْرِ الأسوَدِ، إنّي لأرجو أن تكونوا رُبُعَ أهلِ الجنَّةِ)» فكَبَّرْنا، ثمَّ قال: (ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ)) فكَبَّرْنا، ثمَّ قال: ((شَطْرَ أهلِ الجنَّةِ) فكَبَّرْنا. وقال أبو أسامةَ، عن الأعمَشِ: ﴿سُكََرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾، وقال: ((مِن كلِّ ألفٍ تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعينَ)). وقال جَرِيرٌ وعيسى بنُ يونُسَ وأبو معاويةَ: ((سَكْرَى وما هُم بِسَكْرى)). قوله: (باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ﴾)) سَقَطَ الباب والتَّرجمة لغير أبي ذرٍّ، وقُدِّمَ عندَهم (١) تحرف في الأصلین إلى: تسلى. (٢) نسبه في ((مجاز القرآن)) لكُثيّرِ عَزَّة. ٥٩٧ سورة الحج / ح ٤٧٤١ كتاب التفسير الطَّريق الموصول على / التَّعاليق، وعُكِسَ ذلك في رواية أبي ذرِّ، وسيأتي شرح الحديث ٤٤٢/٨ الموصول في كتاب الرِّقاق (٦٥٣٠) إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال أبو أسامة، عن الأعمَش: ﴿سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾)) يعني: أنَّه وافَ حفص بن غياث في رواية هذا الحديث عن الأعمَش بإسناده ومَتنه، وقد أخرجه أحمد (١١٢٨٤) عن وكيع، عن الأعمَشِ كذلك. قوله: ((وقال: من كلّ ألفٍ تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعينَ) أي: أنَّه جَزَمَ بذلك، بخِلاف حفص، فإنَّه وَقَعَ في روايته: ((من كلّ ألف - أراه قال -)» فذكره. ورواية أبي أُسامة هذه وَصَلَها المؤلِّف في قِصّة يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ من أحاديث الأنبياء (٣٣٤٨). قوله: ((وقال جَرِير وعيسى بن يونس وأبو معاوية: سَكْرَى وما هُم بِسَكْرَى)) يعني: أنَّهم رَوَوه عن الأعمَش بإسناده هذا ومَتنه، لكنَّهم خالَفوا في هذه اللَّفظة، فأمَّا رواية جَرِير فَوَصَلَها المؤلِّف في الرِّقاق كما قال. وأمَّا رواية عيسى بن يونس فوَصَلَها إسحاق بن راهويه عنه كذلك. وأمَّا رواية أبي معاوية فاختُلِفَ علیه فيها، فرواها بلفظ: ((سَكْرَى» أبو بكر بن أبي شَيْبة عنه، وقد أخرجها سعيد بن منصور عن أبي معاوية، والنَّسائيُّ (ك١١٢٧٦) عن أبي كُرَيبٍ، عن أبي معاوية، فقالا في روايتهما: ﴿سُكَّرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾. وكذا عندَ الإسماعيليّ من طريق أُخرى عن أبي معاوية، وأخرجها مسلم (٢٢٢/ ٣٨٠) عن أبي کریب، عنه مقرونة بروایة و کیع، وأحالَ بهما علی روایة جَرِیر. وروى ابن مَرْدويه من طريق محاضر، والطَّبَرِيُّ (١١٢/١٧) من طريق المسعوديّ، كلاهما عن الأعمَش بلفظ: ((سَكْرَى)) (١). (١) جاء في المطبوع من ((تفسير الطبري)) بلفظ: ﴿سُكَرَى﴾ هكذا برسم المصحف، على قراءة الجمهور، وإنما هو عند الطبري كما قال الحافظ بلفظ: ((سَكْرى)) على قراءة حمزة والكسائي، کالذي جاء في «تهذيب الآثار» للطبري، في مسند ابن عباس منه ٤٠٣/١. ٥٩٨ سورة الحج / ح ٤٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال الفَرّاء: أجمَعَ القُرّاء على: ﴿سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكرَى﴾. ثمّ روى بإسناده(١) عن ابن مسعود: ((سَكْرَى وما هم بسَكْرَى)) قال: وهو جيّد في العربيَّة، انتهى. ونَقلُه الإجماع عَجَب، معَ أنَّ أصحابه الكوفيّينَ: يحيى بن وثّاب وحمزة والأعمَش والكِسائيّ قَرَؤُوا بِمِثلِ ما نُقِلَ عن ابن مسعود، ونَقَلَها أبو عُبيد أيضاً عن حُذَيفة وأبي زُرْعة بن عَمْرو، واختارَها أبو عُبید. وقد اختَلَفَ أهل العربيَّة في ((سَكِرَى)) هل هي صيغة جمع على فَعْلَى مِثل: مَرْضَى، أو صيغة مُفرَد، فاستُغنيَ بها عن وصفِ الجماعة. ٢- بابٌ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾: شك [الحج: ١١- ١٢] ((أَتْرَفْناهم)) [المؤمنون: ٣٣]. وسَّعْناهم. ٤٧٤٢- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكَير، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: كان الرجلُ يَقْدَمُ المدينةَ، فإن ولدَتِ امرأتُه غلاماً، ونُتِجَت خيلُه، قال: هذا دِينٌ صالحٌ، وإن لم تَلِدِ امرأتُه، ولم تُنْتَج خيلُه، قال: هذا دِينُ سَوءٍ. قوله: ((باب ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾: شَكِّ)) سَقَطَ لفظ ((شَكّ)) لغير أبي ذرِّ. وأراد بذلك تفسير قوله: ﴿حَرْفٍ﴾ وهو تفسير مجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه. وقال أبو عُبيدة: كلّ شادٌّ في شيء فهو على حَرْفٍ لا يَثبُت ولا يَدُوم. وزاد غير أبي ذرِّ بعدَ ﴿حَرْفٍ﴾: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ الْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتَهُ فِنْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ اَلْبَعِيدُ﴾. قوله: (أُتْرَفَاهُمْ): وسَّعْناهم)) كذا وَقَعَ هنا عندَهم، وهذه الكلمة من السّورة التي تَليها. وهو تفسير أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿وَأَثْرَفْتَهُمْ فِىِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾: مجازُه: وسَعْنا (١) في ((معاني القرآن)) ٢١٤/٢-٢١٥. ٥٩٩ سورة الحج / ح ٤٧٤٢ كتاب التفسير عليهم. وأُتْرِفُوا: بَغَوا وكفروا. قوله: ((يحيى بن أبي بُكَير)) هو الكِرْمانيّ، وهو غير يحيى بن بُكَير المِصريّ، / يَلتَبسان لكنَّهما ٤٤٣/٨ يَفتَرِقان من أربعة أوجُه: أحدها: النِّسبة، الثّاني: أبو هذا فيه أداة الكُنية بخِلَاف المصريّ، الثّالث، ولا يَظهَر غالباً: أنَّ بُكَيراً جَدُّ المِصريّ وأبا بُكَير والد الكِرْمانيِّ، الرّابع: المِصريّ شیخ المصنّف والکرمانيّ شیخ شیخه. قوله: ((حدَّثْنا إسرائيل)) كذا رواه يحيى عنه بهذا الإسناد موصولاً، ورواه أبو أحمد الزُّبَيريُّ عن إسرائيل بهذا الإسناد، فلم يُجاوز سعيد بن جُبير. أخرجه ابن أبي شَيْبة عنه. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن إسماعيل بن سالم الصّائغ عن يحيى بن أبي بُكَير، كما أخرجه البخاريّ، وقال في آخره: قال محمَّد بن إسماعيل بن سالم: هذا حديث حسن غريب. وقد أخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبَير، فذکر فیه: ابن عبّاس. قوله: «كان الرجل يَقْدَم المدينة فيُسلم (١)» في رواية جعفر: كان ناس من الأعراب يأتونَ النبيّ وَّ فِيُسلمونَ. قوله: ((فإن ولدت امرأتُه غلاماً ونُتِجَت خيلُه)) هو بضمِّ نون نُتِجَت، فهي مَنتُوجة، مِثل نُفِسَت، فهي مَنفُوسة. زاد العوفيُّ عن ابن عبّاس: وصَحَّ چِسمه. أخرجه ابن أبي حاتم. ولابنِ المنذِر من طريق الحسن البصريّ: كان الرجل يَقدَم المدينة مُهاجِراً، فإن صَحَّ جسمه، الحدیث. وفي رواية جعفر: فإن وَجَدوا عام خِصْبٍ وغَيثٍ ووِلادٍ. (١) لفظة ((فيسلم)) لم ترد عند أحدٍ من رواةِ البخاري، بل ولا في شيء من روايات الحديث من هذا الطريق، وإنما جاءت في رواية جعفر بن أبي المغيرة التي أشار إليها الحافظ، بلفظ: يَأتونَ النبيّ ◌َّ ﴾ فيسلمون، فلعل قلم الحافظ سبَقَ إلى كتابتها سهواً، والله أعلم. ٦٠٠ سورة الحج / ح ٤٧٤٣ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((قال: هذا دين صالح)) في رواية العَوْفيِّ: رضي واطمأنَّ، وقال: ما أصَبتُ في ديني إلّا خيراً. وفي رواية الحسن: قال: لَنِعِمَ الدِّينُ هذا. وفي رواية جعفر: قالوا: إنَّ دينَنَا هذا لَصالحٌ، فتَمَسَّکوا به. قوله: ((وإن لم تَلِد ... )) إلى آخره، في رواية جعفر: وإن وجَدوا عام جَدْبٍ وقَحْطٍ ووِلادِ سوء، قالوا: ما في ديننا هذا خيرٌ. وفي رواية العَوْفيِّ: وإن أصابه وجَعُ المدينة، ووَلَدَت امرأته جارية، وتأخّرَت عنه الصَّدَقة أتاه الشَّيطان فقال: والله ما أصَبتَ على دينِك هذا إلّا شَرّاً، وذلك الفتنة. وفي رواية الحسن: فإن سَقِمَ جِسمُه وحُبسَت عنه الصَّدَقة وأصابته الحاجة قال: والله ليس الدّينُ هذا، ما زلت أتعَرَّف النُّقصان في چِسمي وحالي. وذكر الفَرّاء: أنَّها نزلت في أعاريب من بني أسد انتقلوا إلى المدينة بذَراريِّهم، وامتَنّوا بذلك على النبيّ وَِّ. ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّم. وروى ابن مَرْدويه من حديث أبي سعيد بإسنادٍ ضعيف: أنَّها نزلت في رجل من اليهود أسلَمَ فذهب بَصَرِه وماله ووَلَده، فتشاءَمَ بالإسلام فقال: لم أُصِب في ديني خيراً. ٣- بابٌ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ [الحج: ١٩] ٤٧٤٣ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا هُشَيمٌّ، أخبرنا أبو هاشم، عن أبي مِجْلٍَ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ، عن أبي ذرِّ ◌ُ: أنَّه كان يُقسِمُ قَسَماً: إنَّ هذه الآيةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِی رَبِهِمْ﴾ نزلت في حمزةَ وصاحبَيه، وعُنْبَةَ وصاحبَه، يومَ بَرَزوا في يومِ بَدْرٍ. رواه سفيانُ، عن أبي هاشمٍ. وقال عثمانُ: عن جَرِيرٍ، عن منصورٍ، عن أبي هاشمٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، قولَه.