Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة الحجر / ح ٤٧٠٣ -٤٧٠٤
كتاب التفسير
قال الخطابي: وفي الحديث ردٌّ على ابن سِيرِين، حيث قال: إن الفاتحة لا يقال لها: أم
القرآن، وإنما يقال لها: فاتحة الكتاب، ويقول: أم الكتاب: هو اللوح المحفوظ. قال: وأمُّ
الشيء أصلُه، وسميتِ الفاتحةُ أمَّ القرآن لأنها أصلُ القرآن، وقيل: لأنها متقدمةٌ كأنها تَؤْمُّه.
قوله: ((هي السبع / المثاني، والقرآن العظيم)) هو معطوف على قوله: ((أم القرآن))، وهو ٣٨٢/٨
مُبْتَدَأ وخَبَرَه محذوف أو خَبَرَ مُبتَدَأ محذوف تقديره: والقرآن العظيم ما عَداها، وليس هو
معطوفاً على قوله: ((السَّبع المثاني)) لأنَّ الفاتحة ليست هي القرآن العظيم، وإنَّما جازَ إطلاق
القرآن عليها لأنَّها من القرآن، لكنَّها ليست هي القرآنَ كلَّه.
ثُمَّ وجَدت في ((تفسير ابن أبي حاتم)) من طريق أُخرى عن أبي هريرة مثله، لكن بلفظ:
((والقرآن العظيم الذي أُعطيتُموه)) أي: هو الذي أُعطيتُموه، فيكون هذا هو الخبر.
وقد روى الطَّبَريُّ (٥٤/١٤) بإسنادَينِ جيَِّينِ عن عمر ثمَّ عليّ، قال: السَّبع المثاني
فاتحة الكتاب، زاد عن عمر: تُنَّی في كلّ ركعة.
وبإسنادٍ مُنقَطِعٍ عن ابن مسعود مثله (٥٥/١٤)، وبإسنادٍ حسن عن ابن عبّاس: أنَّه
قرأ الفاتحة، ثمَّ قال: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْتَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب، ويسمِ الله
الرّحمن الرحيم الآيةُ السابعةُ.
ومن طريق جماعة من التابعينَ: السَّبع المثاني هي فاتحة الكتاب.
ومن طريق أبي جعفر الرّازيِّ عن الرَّبيع بن أنس عن أبي العالية قال: السَّبع المثاني
فاتحة الكتاب. قلت للرَّبيع: إنَّهم يقولون: إنَّهَا السَّبع الطِّوال، قال: لقد أُنزِلَت هذه الآية،
وما نزلَ من الطِّوال شيءٌ.
وهذا الذي أشارَ إليه هو قول آخرُ مشهورٌ في السَّبعِ الطَّوَلِ، وقد أسنَدَه النَّسائيُّ (٩١٥)
والطَّبَرِيُّ (١٤/ ٥٢) والحاكم (٣٥٤/٢ -٣٥٥)(١) عن ابن عبَّاس أيضاً بإسنادٍ قويٍّ، وفي
لفظ للطَّبَيِّ (١٤ /٥٢): البقرة وآلُ عِمرانَ والنِّساء والمائدة والأنعام والأعراف، قال
(١) فات الحافظ رحمه الله تعالى أن يُخُرِّج الحديث من ((سنن أبي داود))، وهو فيه برقم (١٤٥٩).

٤٦٢
سورة الحجر / ح ٤٧٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
الراوي: وذكر السابعة فنَسيتُها.
وفي رواية صحيحة عندَ ابن أبي حاتم عن مجاهد وسعيد بن جُبَير: أنَّها يونس.
وعندَ الحاكم (٣٥٥/٢): أنَّها الكهف، وزادَ: قيل له: ما المثاني؟ قال: تُثَّى فيهِنَّ
القَصَص(١).
ومثله عن سعيد بن جُبیر عند سعید بن منصور.
وروى الطَّبَرِيُّ (١٤ / ٥٧) أيضاً من طريق خُصَيف عن زياد بن أبي مريم قال في قوله:
وَلَقَدْ ءَانَيْتَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ﴾ قال: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّر، وأنذِر، واضرِبِ الأمثال، واعدُد
النِّعَم، والأنباء.
ورَجَّحَ الطَّبَرَيُّ القول الأوَّل لصِحّة الخبر فيه عن رسول الله مَێ، ثم ساقه من حديث
أبي هريرة في قِصّة أُبيِّ بن كعب، كما تقدَّم في تفسير الفاتحة(٢).
٤- باب قوله:
﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]
الْمُقْتَسِمِينَ ﴾ [٩٠]: الَّذِينَ حَلَفُوا. ومنه ﴿لَا أُقْيُِ﴾ [القيامة: ١] أي: أُقْسِمُ، وتُقْرَأُ:
(لَأَقْسِم)). ﴿وَقَاسَمَهُمَآ﴾ [الأعراف: ٢١]: حَلَفَ لهما، ولم يَحَلِفًا لَه. وقال مجاهدٌ: ﴿ تَقَاسَمُواْ﴾
[النمل: ٤٩]: تَحَالَفوا.
٤٧٠٥ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هُشَيمٌ، أخبرنا أبو بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهلُ الكتاب، جَزَّؤوهُ
أجْزاءً، فَآمَنُوا ببعضِه، وكَفَروا ببعضِه.
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله بأن هذه الزيادة في رواية الحاكم التي ذُكرت فيها سورة الكهف، ولكننا لم نقف
عليها في ((المستدرك)) في الرواية المذكورة، ولا ذكرها السيوطي في ((الدر المنثور)) بعد أن عزاه للحاكم
والبيهقي، فالله أعلم.
(٢) عند شرح الحديث (٤٤٧٤).

٤٦٣
سورة الحجر / ح ٦ ٤٧٠
كتاب التفسير
٤٧٠٦- حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن الأعمَشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما: ﴿ كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى الْمُفْتَسِمِينَ﴾ قال: آمَنُوا ببعضٍ وكَفَروا ببعضٍ، اليهودُ والنَّصارَى.
قوله: ((باب قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾)) قيل: إنَّ ﴿عِضِينَ﴾ جمع عُضو،
فروى الطَّبَريُّ (٦٤/١٤) من طريق الضَّحّاك قال في قوله: ﴿جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾،
أي: جَعَلوه أعضاءً كأعضاءِ الْجَزُور (١).
وقيل: هي جمعُ عِضَةٍ، وأصلها: عِضْهَة، فحُذِفَت الهاء كما حُذِفَت من الشَّفَة، وأصلها:
شَفْهَة، وجُمعَت بعدَ الحذف على عِضِينَ، مثل: بُرَة وبُرِينَ، وحُرَة وگُرِین.
وروى / الطَّبَريُّ (١٤/ ٦٦) من طريق قَتَادة قال: ﴿عِضِينَ﴾ عَضَهُوه وبَهَتُوه. ومن ٣٨٣/٨
طريق عِكْرمة قال: العِضَهُ: السِّحرُ بلسان قُريش، تقول للساحرة: العاضِهَة، أخرجه ابن
أبي حاتم.
وروى ابن أبي حاتم أيضاً من طريق عطاء مِثل قول الضَّحّاك ولفظه: عَضَّوا القرآنَ
أعضاءً، فقال بعضهم: ساحر، وقال آخر: مجنون، وقال آخر: كاهن، فذلك العِضِينَ.
ومن طريق مجاهد مثله وزاد: وقالوا: أساطير الأوَّلينَ.
ومن طريق السُّدّيّ قال: قَسَّموا القرآنَ واستَهزَؤوا به، فقالوا: ذكر محمَّدٌ البعوضَ
والذُّبابَ والنَّملَ والعنكبوتَ، فقال بعضهم: أنا صاحب البعوض، وقال آخر: أنا صاحب
النَّمل، وقال آخر: أنا صاحب العنكبوت، وكان المستهزئون خمسة: الأسوَد بن عبد يَغُوثَ،
والأسوَد بن المطَّلِّب، والعاصي بن وائل، والحارث بن قيس، والوليد بن المغيرة.
ومن طريق عِكْرمة وغيره في عَدِّ المستَهِئينَ، مثله.
ومن طريق الرَّبيع بن أنس مثله، وزاد بيانَ كيفيَّة هلاكهم في ليلةٍ واحدةٍ.
قوله: (﴿اَلْمُفْتَسِمِينَ﴾: الذينَ حَلَفُوا، ومنه: ﴿لَآ أُقْسِمُ ﴾ أي: أَقْسِمُ، وتُقرَأ: (لَأَقْسِمُ)،
(١) كذا اقتصر الحافظ رحمه الله على عزو هذا التفسير للضحاك، مع أنه روي عند الطبري ١٤ / ٦١ و٦٢ من
عدة طرق عن ابن عباس!

٤٦٤
سورة الحجر / ح ٤٧٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وَقَاسَمَهُمَا﴾: حَلَفَ لهما ولم يَحِلِفا له، وقال مجاهد: ﴿تَقَاسَمُواْ﴾: تَحَالَفُوا)) قلت: هكذا جَعَلَ
المقتَسِمينَ من القَسَم بمعنى الحَلِفِ، والمعروف أنَّه من القِسْمة، وبه جَزَمَ الطََّرِيُّ وغيره،
وسياق الكلام يدلَّ عليه، وقوله: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُواْ﴾ هو صفة للمقتَسِمينَ، وقد ذَكَرنا أنَّ
المراد أنَّهم قَسَّمُوه وفَرَّقُوه. وقال أبو عبيدة: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ﴾: حَلَفَ لهما، وقال أيضاً أبو
عُبيدة الذي يُكثِرِ المصنّف نقل كلامه: من ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: الذينَ اقتَسَموا وفَرَّقوا. قال:
وقوله: ﴿عِضِينَ﴾، أي: فَّقُوه وعَضَّوه أعضاءً. قال رُؤْبة:
وليس دينُ اللهِ بالمُعَضَّی
أي: بالمفَرَّقِ.
وأمَّا قوله: ومنه ﴿لَّ أُقْسِمُ﴾ ... إلى آخره، فليس كذلك، أي: فليس هو من الاقتِسام
بل هو من القَسَم، وإنَّما قال ذلك بناءً على ما اختاره من أنَّ المقتَسِمينَ من القَسَم. وقال أبو
عُبيدة في قوله: ﴿لَآ أُقْسِمُ يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾: مجازها: أُقْسِم بيومِ القيامة.
واختَلَفَ المُعرِبونَ في ((لا))، فقيلَ: زائدة، وإلى هذا يشير كلام أبي عبيدة، وتُعقِّبَ بأنّها لا
تُزاد إلّا في أثناء الكلام، وأُجيبَ بأنَّ القرآن كلّه كالكلام الواحد، وقيل: هي جواب شيء
محذوف، وقيل: هي(١) على بابها، وجوابها محذوف، والمعنى: لا أُقسِم بكذا، بل بكذا.
وأمَّا قراءة ((لَأُقْسِمُ)) بغير ألفٍ فهي روايةٌ عن ابن كثير (٢)، واختُلِفَ في اللّام فقيلَ: هي
لام القَسَم، وقيل: لام التَّأكيد، واتَّفَقوا على إثبات الألف في التي بعدَها: ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِلنَّفْسِ
اُلَوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، وعلى إثباتها في ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] اتِّباعاً لَرَسْمِ المصحَف في
ذلك.
وأمَّا قول مجاهد: ﴿تَقَاسَمُواْ﴾: تَحَالَفوا، فهو كما قال، وقد أخرجه الفِرْيابيُّ من طريق
ابن أبي نَجِيح عنه في قوله: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللّهِ﴾: قال: تَحَالَفوا على هلاكِهِ، فلم يَصِلُوا إليه
(١) في (س): نفي.
(٢) بل هي القراءة المشهورة لابن كثير المعدودة في القراءات العشر. انظر: ((حجة القراءات)) ص ٧٣٥.

٤٦٥
سورة الحجر / ح ٤٧٠٦
كتاب التفسير
حتَّى هَلَكوا جميعاً، وهذا أيضاً لا يَدخُل في المقتَسِمينَ إلّا على رأي ابن(١) زيد بن أسلم،
فإنَّ الطَّبَيَّ روى عنه أنَّ المراد بقوله: ﴿اٌلْمُقْتَسِمِينَ﴾ قوم صالح الذينَ تَقَاسَمُوا على
هلاكه، فلعلَّ المصنِّ اعْتَمَدَ على ذلك.
قوله: ((عن ابن عبّاس: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾)) يعني: في تفسير هذه الكلمة،
وقد ذكرتُ ما قيل في أصل اشتقاقها أوَّلَ الباب.
قوله: ((هم أهل الكتاب)) فَسَّرَه في الرّواية الثّانية فقال: اليهودُ والنَّصارَى.
وقوله: ((جَزَّؤْوه أجزاء)) فَسَّرَه في الرِّواية الثّانية، فقال: آمَنُوا ببعضٍ وكَفَروا ببعضٍ.
قوله في الرّواية الثّانية: ((عن أبي ظَبْیان» بمُعجَمٍ ثمّ موحّدة: هو حُصَین بن جُندُب، ولیس
له في البخاريّ عن ابن عبّاس سِوَى هذا الحديث.
٥- باب قوله:
﴿ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأَنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]
قال سالمٌ: ﴿اَلْيَقِينُ﴾: الموتُ.
قوله: ((باب قوله: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال سالمٌ: ﴿اَلْيَقِيْنُ﴾ الموتُ))
وصَلَه الفِرْيابيُّ وعبدُ بن حُميدٍ وغيرهما من طريق طارق بن عبد الرّحمن عن سالم بن أبي
الجَعْد(٢)، بهذا.
وأخرجه الطََّريُّ من طرق عن مجاهد وقَتَادة/ وغيرهما مثله.
٣٨٤/٨
واستَشهَدَ الطََّرِيُّ (٧٤/١٤) لذلك بحديثِ أمّ العلاء في قِصّة عثمان بن مظعون: ((أمَّا
هو فقد جاءه اليقينُ، وإنّي لَأرجو له الخير))، وقد تقدَّم في الجنائز (١٢٤٣) مشروحاً.
(١) لفظة ((ابن)) سقطت من (س)، وابن زيد هذا اسمع عبد الرحمن.
(٢) كذا قيّده الحافظُ هنا وفي ((تغليق التعليق)) ٢٣٤/٤ بأنه ابنُ أبي الجعد! مع أنه جاء في ((الزهد)) لوكيع
(٤٢)، وكذا في ((تفسير سفيان الثوري)) رواية أبي حذيفة النهدي (٤٨٣)، وفي ((تفسير الطبري)) ١٤/ ٧٤
مقيّداً بابن عبد الله بن عمر بن الخطاب. فهذا هو الصواب، ولذلك جزم به ابنُ كثير في («تفسيره))، وكذا
السيوطي في ((الدر المنثور))، والله أعلم.

٤٦٦
سورة النحل
فتح الباري بشرح البخاري
وقد اعتَرَضَ بعض الشُّراح على البخاريّ لكَوْنِه لم يُخرِّج هنا هذا الحديث، وقال: كان
ذِكْرُه أليَقَ من هذا، قال: ولأنَّ اليقين ليس من أسماء الموت. قلت: لا يَلزَم البخاريّ ذلك،
وقد أخرج النَّسائيُّ(١) (ك٨٧٧٩) حديث بَعْجةَ عن أبي هريرة رَفَعَه: ((خير ما عاشَ الناس
به رجل مُسِكٌ بعِنان فرَسه)» الحدیثَ، وفي آخره: ((حتَّی یأتِیه الیقینُ، لیس هو من الناس
إلّا في خير)) فهذا شاهد جيِّد لقولٍ سالم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكْتَتُكَذِّبُ بِّوْمِ الدِّينِ ) حَّ أَتَنْنَا
اٌلْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦-٤٧] وإطلاق اليقين على الموت مجاز، لأنَّ الموت لا يُشَكُّ فيه.
١٦ - سورة النحل
بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
﴿رُوِحُ اٌلْقُدُسِ﴾ [١٠٢]: جِبْرِيلُ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿فِ تَقَلُّبِهِمْ﴾ [٤٦]: اختلافِهم.
وقال مجاهدٌ: ﴿تَمِيدَ﴾ [١٥]: تَكَفَّأُ.
﴿مُفْرَُّونَ﴾ [٦٢]: مَنْسِيُّونَ.
﴿فِ ضَيْقِ﴾ [١٢٧]: يقال: أمرٌّ ضَيْقُ وأمرٌ ضَيِّقٌ، مِثْلُ: هَبْنٍ وهَيٍِّ، ولَئْنِ ولَِّنِ، ومَيْتٍ
وميّتٍ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: «تَتَفَيَّْ ظِلالُهُ)) [٤٨]: تَتَهِيَُّ.
﴿سُبُلَ رَيِّكِ ذُلُلًا﴾ [٦٩]: لا يَتَوَّرُ عليها مكانٌّ سَلَكَتْه.
وقال غيرُه: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [٩٨]: هذا مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ،
وذلك أنَّ الاستِعاذةَ قبلَ القراءة، ومَعْناها: الاعْتِصامُ بالله.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿تُشِيمُونَ﴾[١٠]: تَرْعَوْنَ.
(١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((صحيح مسلم))، وهو فیه برقم (١٨٨٩)، وهو کذلك عند ابن
ماجه (٣٩٧٧).

٤٦٧
سورة النحل
كتاب التفسير
شَاكِلَتِهِ،﴾ [الإسراء: ٨٤]: ناحيتِه.
﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [٩]: البيانُ.
الدِّفْءُ: ما استَدْفَأَتَ بِهِ.
﴿تَخَوْفٍ﴾ [٤٧]: تَنَقُّصٍ.
﴿تُرِبِحُونَ﴾ [٦]: بالعَشِيِّ، و﴿َتَسْرَحُونَ﴾: بالغَداةِ.
﴿الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ ﴾ [٦٦]: وهي تُؤْنَّثُ وتُذكَّرُ، وكذلك النَّعَمُ. و﴿الْأَنْعَمُ﴾، جماعةُ النَّعَم.
أكْنَانٌ: واحدُها كِنٌّ، مِثلُ: حِملٍ وأحمالٍ.
﴿بِشِقِّ﴾ [٧]: يعني: المَشَقّةَ.
﴿سَرَبِيلَ﴾: قُمُصٌ ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وأمّا ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ﴾ [٨١]:
فإِنََّا الدُّرُوع.
﴿دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾[٩٢ ٩٤]: كلُّ شيءٍ لم يَصِحَّ فهو دَخَلٌ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ((حَفَدةً)) [١٢]: مَنْ وَلَدَ الرجُلُ.
السَّكَرُ: ما حُرِّم من ثَمَرَتِها، والرِّزْقُ الحسنُ: ما أُحِلَّ.
وقال ابن عُيَينَةَ، عن صَدَقَةَ: ﴿أَنَكَثًّا﴾ [٩٢]: هي خَرْقاءُ، كانت إذا أبَرَمَتْ غَزْلهَا
نَقَضَتْه.
وقال ابنُ مسعودٍ: الأمّةُ: مُعلِّمُ الخَيرِ.
والقانتُ: المُطِيع.
قوله: ((سورة النَّحْل - بِسمِ الهِ الرَّْنِ الرَّحِمِ )) سَقَطَتِ البسملةُ لغیر أبي ذرِّ.
قوله: (﴿رُوعُ اٌلْقُدُسِ﴾: جِبْرِيلُ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُُّ آلْأَمِينُ﴾)) أمَّا قوله: ﴿رُوحُ اَلْقُدُسِ﴾:
جِبْريل، فأخرجه ابن أبي حاتم (١٦٨/١) بإسنادٍ رجاله ثقات عن عبد الله بن مسعود.
وروى الطَّبَريُّ من طريق محمَّد بن كعب القُرَظيِّ قال: ﴿رُوحُ اٌلْقُدُسِ﴾: حِبْرِيل.

٤٦٨
سورة النحل
فتح الباري بشرح البخاري
وكذا جَزَمَ به أبو عبيدة وغيرُ واحد.
وأمَّا قوله: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ فذكره استشهاداً لصِحّة هذا التَّأويل، فإنَّ المراد به
جِبْريل اتَّفاقاً، وكأنَّه أشارَ إلى رَدِّ ما روى الضَّحَاك عن ابن عبَّاس قال: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾:
الاسم الذي كان عيسى يُحيي به الموتَى، أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٩/١) وإسناده ضعيف.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿فِي تَقَلُبِهِمْ﴾: اختِلافِهِم)) وصَلَه الطََّريُّ (١١٢/١٤) من
طريق عليّ بن أبي طلحة عنه مثله، ومن طريق سعيد عن قَتَادة: ﴿فِ تَقَلِِّهِمْ﴾ يقول: في
أسفارهم.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿يَمِيدَ﴾: تَكَفَّا)) هو بالكاف وتشديد الفاء مَهموز، وقيل: بضمِّ
أوَّله وسكون الكاف.
وقد وصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ
رَوَسَِ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] قال: تَكَفَّأُ بكُم، ومعنى تَكَفَّأ: تَقَلَّب.
٣٨٥/٨
وروى / الطَّبَرِيُّ (١٤/ ٩٠) من حديث عليّ بإسنادٍ حسن موقوفاً، قال: لمَّا خَلَقَ الله
الأرض قَمَصَت، قال: فأرسَى الله فيها الجبالَ. وهو عندَ أحمد (١٢٢٥٣)، والِّرمِذيّ
(٣٣٦٩) من حديث أنس مرفوع.
قوله: ((﴿مُفْرُطُونَ﴾: مَنْسِيّونَ)) وصَلَه الطَّبَريُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في
قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم ◌ُفْرَُّونَ﴾ قال: مَنسِيّونَ. ومن طريق سعيد بن جُبَير
قال: ﴿مُفْرُطُونَ﴾ أي: مَترُوكونَ في النار مَنسِيّونَ فيها.
ومن طريق سعيد عن قَتَادة قال: مُعَجَّلونَ.
قال الطَّبَريُّ: ذهب قَتَادة إلى أنَّه من قولهم: أفرَطْنا فلاناً: إذا قَدَّمُوه، فهو مُفرَط، ومنه:
((أنا فَرَطُكُم على الحوض))(١).
قلت: وهذا كلّه على قراءة الجمهور بتخفيفِ الرّاء وفتحها، وقرأها نافع بكسرها،
(١) سيأتي بالأرقام (٦٥٧٥) و(٦٥٨٣) و(٦٥٨٩) من أحاديث ابن مسعود وسهل وجندب بن عبد الله.

٤٦٩
سورة النحل
كتاب التفسير
وهو من الإفراط، وقرأها أبو جعفر بن القعقاع بفتح الفاء وتشديد الرّاء مكسورة، أي:
مُقَصِّرونَ في أداء الواجب، مُبالِغونَ في الإساءة.
قوله: ((﴿فِي ضَيْقٍ﴾: يقال: أمرٌ ضَيْقٍ وأمر ضَيِّقٌ، مِثْل هَيْن وهَيِّن، ولَين ولَيِّن، ومَيْت
وميِّت)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُ فِ ضَيْقٍ﴾ بفتح أوَّله وتخفيف الياء، ضَيِّق،
كَمَيّتٍ وهَيّن ولَيِّن، فإذا خَفَّفتَها قلتَ: مَيْت وهَيْن ولَيْن. فإذا كَسَرت أوَّله فهو مصدرُ
ضَیِّق، انتھی.
وقرأ ابنُ كثير هنا وفي النَّمل بالكسرِ، والباقونَ: بالفتح، فقيلَ: هما لُغَتان، وقيل:
المفتوح مُفَّف من ضَيِّق، أي: في أمرٍ ضَيِّق. واعتَرَضَه الفارسيّ: بأنَّ الصِّفة غير خاصّة
بالموصوفِ فلا يُدَّعَى الحذفُ.
قوله: ((قال ابن عبّاس: (تَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ)): تَتَهِيّا)) كذا فيه، والصَّواب: تَتَميَّل، وقد تقدَّم بيانه
في كتاب الصلاة (٥٣٩).
قوله: ((﴿﴿سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾: لا يَتَوغَّرُ علیھا مكانٌ سَلَكَتْه)) رواه الطَّريُّ من طريق ابن أبي
نَجِيح عن مجاهد مثله، و(يَتَوعَّرُ)) بالعين المهمَلة، و﴿ذُلُلًا ﴾ حالٌ من السُّبُل، أي: ذَلَّلَها الله
لها، وهو جمعُ ذَلُول، قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ﴾ [الملك: ١٥].
ومن طريق قَتَادة في قوله تعالى: ﴿ذُلُلًا﴾، أي: مُطيعة. وعلى هذا فقوله: ﴿ذُلُلًا ﴾
حال من فاعل ((اسلُكي))، وانتِصاب ﴿سُبُلَ﴾ على الظَّرفيَّة، أو على أنَّه مفعول به.
قوله: (القانت: المطيع)) سيأتي في آخر السّورة.
قوله: ((وقال غيره: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا مُقدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ،
وذلك أنَّ الاستعاذة قبلَ القراءة)) المراد بالغير أبو عبيدة، فإنَّ هذا كلامه بعينِهِ، وقَرَّرَه غيره، فقال:
((إذا)) وَصْلَةٌ بينَ الكلامَينِ، والتَّقدير: فإذا أخذتَ في القراءة فاستَعِذ. وقيل: هو على أصله، لكن
فيه إضمار، أي: إذا أردتَ القراءة لأنَّ الفِعل يُوجَد عندَ القصد من غير فاصِلٍ.
وقد أخَذَ بظاهرِ الآية ابنُ سِيرِين، ونُقِلَ عن أبي هريرة، وعن مالك، وهو مذهب حمزة

٤٧٠
سورة النحل
فتح الباري بشرح البخاري
الَّات، فكانوا يستعيذونَ بعدَ القراءة، وبه قال داودُ الظّاهريّ(١).
قوله: ((ومَعْناها)) أي: معنى الاستعاذة ((الاعْتِصام بالله)) هو قولُ أبي عبيدة أيضاً.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿ُِيمُونَ﴾: تَرْعَوْنَ)) روى الطَّبَرِيُّ (٨٦/١٤) من طريق
العَوْفِيِّ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُشِيمُونَ﴾ قال: تَرِعَونَ فيه
أنعامَكُم. ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: ﴿يُسِيمُونَ﴾، أي: تَرعَونَ،
ومن طريق ◌ِكْرمة مولى ابن عبّاس مثله، وقال أبو عُبيدة، أسَمْتُ الإبلَ: أَرْعَيْتُها(٢)،
وسامَتْ هي: رَعَتْ.
قوله: (﴿شَاكِلَتِهِ،﴾: ناحيته)) كذا وَقَعَ هنا، وإنَّما هو في السّورة التي تَليها، وقد أعادَه فيها.
ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن الحَقُّوِيِّ: (نَّتَه)) بدلَ ((ناحيته))، وسيأتي الكلام عليها هناكَ.
قوله: ((﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: البيان)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (٨٤/١٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة
عن ابن أبي عبَّاس في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: البيانُ. ومن طريق العَوْفيِّ عن
ابن عبّاس مثله، وزادَ: البيان، بيان الضَّلالة والهُدَى.
قوله: (الدِّفْء: ما استَدْفَأْتَ به)) قالَ أبو عبيدة: الدِّفءُ: ما استَدْفَأْتَ به من أَوبارِها
﴿وَمَنَفِعُ﴾: ما سِوَى ذلك، وروى الطَّبَرَيُّ (٧٩/١٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن
ابن عبّاس في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] قال: الثّياب.
ومن طريق مجاهد قال: لباسٌ يُنْسَجُ.
ومن طريق قَتَادة مثله.
قوله: (﴿أَوُفٍ﴾: تَنَقُّصٍ)) وصَلَه الطََّريُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في/ قوله:
٣٨٦/٨
(١) لا يصح شيء في هذا عمن نُقِلَ عنهم ذلك، ولا ما استُدِلَّ به لهم، وقد فضَّل ابنُ الجزري في ((النشر))
١/ ٢٥٥-٢٥٦ في ردِّ ذلك بما لا مَزيد عليه، فراجعه يحصل لك الرضا.
(٢) كذا في الأصلين، وفي (س) ومطبوع ((مجاز القرآن)»: رَعَيتُها، وكلاهما بمعنّى، لأنهما من باب فعل وأفعل.
انظر: ((الأفعال)) لابن القطاع ٦٦/٢.

٤٧١
سورة النحل
كتاب التفسير
﴿ أَوْ بَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُفٍ﴾ قال: على تَنَّقُّصِ. وروى بإسنادٍ فيه مجهول عن عمر: أنَّه سألَ عن
ذلك فلم يُجَب، فقال عمر: ما أُرى إلّا أنَّه على ما يُتَنَّقَّصُونَ من مَعاصي الله، قال: فخرج
رجل، فلَقيَ أعرابيّاً فقال: ما فعَلَ فلان؟ قال: تَّخَوَّفته - أي: تَنَّقَّصتُه - فَرَجَعَ فأخبر عمر،
فأعجَبَه. وفي شِعر أبي كبير الهُذَلِيِّ ما يَشهَد لَه(١).
وروى ابن أبي حاتم من طريق الضَّحّاك عن ابن عبّاس ﴿عَلَى تَّخَوُّفٍ﴾ قال: على تَنَّقُّص
من أعمالهم.
وقيل: التَّخَوُّف تَفَعُّلٌ من الخوف.
قوله: ((﴿تُرِبِحُونَ﴾: بالعَشِّ و﴿نَسْرَحُونَ﴾: بالغَداةِ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ وَلَكُمْ
فِيهَا جَمَالُّ حِينَ تُرِحُونَ﴾ أي: بالعَشِيِّ، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي: بالغَداة.
قوله: «﴿اَلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً﴾: وهي تُؤَنَّث وتُذكَّر، وكذلك النَّعَمِ: ﴿اَلْأَنْعَمُ﴾: جماعة
النَّعَمِ (٢)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُنْقِيَكُمْ بِمَا فِىِ بُطُونِهِ،﴾: فَذَكَّرَ
وأَنَّثَ، فقيلَ: الأنعام تُذكَّر وتُؤنَّث، وقيل: المعنى على النَّعَم، فهي تُذكَّر وتُؤنَّث، والعرب
تُظهِر الشَّيء ثمَّ تُخبر عنه بما هو منه بسببٍ، وإن لم يُظهِروه كقولِ الشّاعر(٣).
قَبائِلُنا سَبْعٌ وأنتم ثلاثةٌ ولَلسَّبْعُ أَزْكى(٤) من ثلاثٍ وَأَطْيَبُ
أي: ثلاثة أحياء، ثمَّ قال: من ثلاث، أي: قَبائل، انتهى.
وأنكَرَ الفَرّاء تأنيث النَّعَم، وقال: إنَّما يقال: هذا نَعَم، ويُجمَع على نُعمان، بضمٍّ أوَّله:
(١) يعني بذلك قوله:
تَخَوَّف الرَّحْلُ منها تامِكاً قَرِدَاً كما تحوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
قال الشهاب الخفاجي في ((حاشيته)) على البيضاوي ٣٣٤/٥: والبيت من قصيدة لأبي كبير الهذلي مذكورة
في شعر هذیل.
(٢) قوله: ﴿الْأَنْعَمُ﴾: جماعة النَّعَم، هو نصُّ قولِ أبي عبيدة أيضاً في ((مجاز القرآن)) ٨٩/١.
(٣) هو القَتَّال الكلابي. انظر: ((الكتاب)) لسیبویه ٥٦٥/٣.
(٤) تحرف في (س) إلى: أولى.

٤٧٢
سورة النحل
فتح الباري بشرح البخاري
مثل: حَل وهُمْلان.
قوله: ((أكْنَانٌ: واحدها كِنّ، مِثْل ◌ِمْل وأَحْمال)) هو تفسير أبي عبيدة.
وروى الطََّرِيُّ (١٤/ ١٥٥) من طريق سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿أَكْتَنَا﴾ [النحل: ٨١]
قال: غيراناً من الجبال يُسكّن فيها.
قوله: (﴿بِشِقِّ﴾: يعني: المَشَقّة)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿لَّمْ تَكُونُواْ بَشِلِغِيهِ إِلَّا بِشِقٍّ﴾،
أي: بمَشَقّة ﴿الْأَنْفُسِ﴾.
وروى الطَّبَرَيُّ (١٤/ ٨٠) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ
اَلْأَنْفُسِ﴾ قال: المشَقّة عليكم.
ومن طريق سعيد عن قَتَادة ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ قال: بجَهْدِ الأنفُس.
تنبيه: قرأ الجمهور بكسرِ الشّين من شِقّ، وقرأها أبو جعفر بن القعقاع بفتحها، قال
أبو عُبيدة: هما بمعنَى، وأنشَدَ(١):
وذو إِبلٍ يَسعَى ويَحْسَبُها (٢) له أخو نَصَبٍ مِن شَقُّها ودَؤُوبٍ
قال الأثرَمُ صاحب أبي عبيدة: سمعته بالكسرِ والفتح، وقال الفَرّاء: معناهما مُخْتَلِفِ،
فبالكسرِ معناه: ذابَت حتَّى صارت على نصف ما كانت، وبالفتح: المشَقّة. انتهى.
وكلام أهل التَّفْسير يُساعِد الأوَّلَ.
قوله: (﴿سَرَبِيلَ﴾: قُمُصٌ ﴿َتَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، وأمَّا ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾:
فإنّها الذُّروع)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾، أي: قُمُصاً
﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾، أي: دُروعاً.
وروى الطَّبَريُّ من طريق سعيد عن قَتَادة في قوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾
(١) الشاعر هو النَّمِر بن تَوْلَب. انظر: ((الكامل)) للمبرد ٤٧٩/١.
(٢) تحرف في (س) إلى: ويحبسها.

٤٧٣
سورة النحل
كتاب التفسير
قال: القطن والكتّان ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُم بأسَكُمْ ﴾ قال: دُروع من حدید.
قوله: (﴿دَخَلَّا بَيْنَكُمْ﴾: كلّ شيء لم يَصِحَّ فهو دَخَلٌ» هو قول أبي عبيدة أيضاً. وروى
ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قَتَادة قال: ﴿دَخَلَا﴾: خيانةً، وقيل: الدَّخَل: الدّاخِل في
الشّيء لیس منه.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: (حَفَدةً): مَن وَلَدَ الرجلُ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٤٦/١٤) من
طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس في قوله: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: الولد، ووَلَد الولد.
وإسناده صحيح.
وفيه عن ابن عبّاس قولٌ آخر أخرجه من طريق العَوْنيِّ عنه قال: هم بنو امرأة الرجل.
وفيه (١٤ / ١٤٤) عنه قولٌ ثالث أخرجه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس
قال: الحَفَدةُ: الأصهار.
ومن طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: الأُخْتان.
وأَخرَجَ هذا الأخيرَ عن ابن مسعود بإسنادٍ صحيحٍ.
ومن طريق أبي الضُّحَى وإبراهيم وسعيد بن جُبَير وغيرهم مثله، وصحَّحه الحاكم
٣٨٧/٨
(٣٥٥/٢) من حدیث/ ابن مسعود.
وفيه قولٌ رابع عن ابن عبّاس أخرجه الطَّبَرَيُّ من طريق أبي حمزة، عنه، قال: مَن أعانَك
فقد حَفَدَك.
ومن طريق عِكْرمة قال: الحَفَدة: الخُدّام.
ومن طريق الحسن قال: الحَفَدة: البَنُونَ وبنو البنينَ، ومَن أعانَك من أهلٍ أو خادِمٍ فقد
حَفَدَك.
وهذا أجمَع الأقوال، وبه تَجْتَمِع، وأشارَ إلى ذلك الطَّبَريّ. وأصل الحَفْد: مُدارَكة
الخَطْوِ، والإسراع في المشي، فأُطلِقَ على مَن يَسعَى في خدمة الشَّخص ذلك.
قوله: ((السَّكَر: ما حُرِّمَ من ثَمَرَتها، والرِّزْق الحسن: ما أُحِلَّ)) وصَلَه الطَّبَريُّ (١٤ / ١٣٤)

٤٧٤
سورة النحل
فتح الباري بشرح البخاري
بأسانيدَ من طريق عَمْرو بن سفيان عن ابن عبّاس مثله. وإسناده صحيح(١).
وهو عندَ أبي داود في ((الناسخ))، وصَحَّحَه الحاكم (٣٥٥/٢).
ومن طريق سعيد بن جُبَير عنه قال: الرِّزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام.
ومن طريق سعيد بن جُبِير ومجاهد مثله، وزاد: أنَّ ذلك كان قبلَ تحريم الخمر. وهو
كذلك، لأنَّ سورة النَّحل مكّيَّة.
ومن طريق قَتَادة: السَّكَر: خُمُور الأعاجِم.
ومن طريق الشَّعبيّ وقيل له في قوله: ﴿نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧]: أهو هذا
الذي تَصنَعِ النَّبَط؟ قال: لا، هذا خَمْر، وإِنَّمَا السَّكَرَ: نَقِيعِ الَّبيب والخلّ(٢)، والرِّزق
الحسن: التَّمر والعِنَب. واختارَ الطَّبَرَيُّ هذا القول وانتَصَرَ لَه.
قوله: ((وقال ابن عُيَينَةَ، عن صَدَقة: ﴿أَنَكَثًا﴾: هي خَرْقاءُ، كانت إذا أبرَمَتْ غَزْلها
نَقَضَتْه) وصَلَه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن (٣) أبي عمر العَدَنيّ، والطَّبَرُّ (١٦٦/١٤) من
طريق الحُميديِّ، كلاهما عن ابن عُيَينةَ عن صَدَقة عن السُّدّيّ قال: كانت بمكَّةَ امرأة
تُسمَّى(٤) خرقاء، فذكر مثله.
وفي ((تفسير مُقاتل)): أنَّ اسمها رَيْطة بنت عَمْرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن
تَميم، وعندَ البَلاذُريّ: أنَّها والدة أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، وأنَّا بنت سعد بن
(١) كذا صحح الحافظُ رحمه الله إسناده، مع أن عمرو بن سفيان هذا مجهول! وقد أورد الحافظ نفسه هذا
التفسير في ترجمته في (تهذيب التهذيب))، ونقل عن النحاس قوله: هي رواية ضعيفة لأجل راويها عمرو
ابن سفيان. قلنا: لكن رواه بمعناه عن ابن عباس جماعةٌ منهم علي بن أبي طلحة وسعيد بن جبير وعطية
العَوفي. انظر رواياتهم عند الطبري ١٤/ ١٣٥ -١٣٧. والظاهر أن البخاري رحمه الله تعالى جزم بنسبته
لابن عباس بمجموع ذلك، والله أعلم.
(٢) قوله: ((والخل)) سقط من (س).
(٣) لفظة ((ابن)) سقطت من (أ) و(س). وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني، صاحب ((المسند)).
(٤) استعمل الحافظ رحمه الله هنا التسمية وأراد بها الوصف، وإلا فليس في الخبر أن اسمها خرقاء. وإنما
الخرقاء: المرأة الحمقاء التي لا تُحسِنُ العمل.

٤٧٥
سورة النحل
كتاب التفسير
تَيْم(١) بن مُرّة. وفي (غُرَرِ التِّبيان)): أنَّها كانت تَغْزِل هي وجَواريها من الغَداة إلى نصف
النَّهار، ثمَّ تأمُرُهُنَّ بنَقْضِ ذلك، هذا دَأْبُها لا تَكُفُّ عن الغَزل ولا تُبقِي ما غَزَلَت.
وروى الطَّبَرُّ من طريق ابن جُرَيج عن عبد الله بن كثير مِثل رواية صَدَقة المذكور.
ومن طريق سعيد عن قَتَادة قال: هو مَثَلٌ ضَرَبَه الله تعالى لمن نَكَثَ عَهْدَه.
وروى ابن مَرْدويه بإسنادٍ ضعيف عن ابن عبّاس: أنَّها نزلت في أمّ زُفَر الآتي ذِكرُها في
كتاب الطِّبّ (٥٦٥٢)، والله أعلم.
و((صَدَقة)) هذا لم أرَ مَن ذكره في رجال البخاريّ، وقد أقدم الكِرْمانيُّ فقال: صَدَقة هذا: هو
ابن الفضل المروَزيُّ شيخ البخاريّ، وهو يَروي عن سفيان بن عُنِينَ، وهُنا روى عنه سفيان.
ولا سَلَف له فيما اذَّعاه من ذلك، ويكفي في الردّ عليه ما أخرَ جناه من تفسيرَي ابن
جَرِير وابن أبي حاتم من رواية صَدَقة هذا عن السُّدّيِّ، فإنَّ صَدَقة بن الفضل المروَزِيَّ ما
أدرَكَ السُّدّيّ ولا أصحابَ السُّدّيِّ، وكنت أظنّ أنَّ صَدَقة هذا: هو ابن أبي عمران قاضي
الأهواز، لأنَّ لابنِ عُبَينَةَ عنه روايةً، إلى أن رأيت في ((تاريخ البخاريّ)): صَدَقة أبو الهُذَيلِ،
روى عن السُّدّيِّ قولَه، روى عنه ابن عُيَينةَ، وكذا ذكره ابن حِبّان في ((الثِّقات)) من غير
زيادة، وكذا ابن أبي حاتم عن أبيه، لكن قال: صَدَقة بن عبد الله بن كثير القارئ صاحب
مجاهد، فظَهَرَ أنَّه غير ابن أبي عمران، ووَضَحَ أنَّه من رجال البخاريّ تعليقاً، فَيُستدرَك على
مَن صَنَّفَ في رجاله، فإنَّ الجميع أغفَلُوه، والله أعلم.
قوله: ((وقال ابن مسعود: الأُمّة: مُعلِّم الخير، والقانِتُ: المطيع)) وصَلَه الفِرْبابِيُّ وعبد الرَّزاق
(٣٦٠/١-٣٦١) وأبو عبيد(٢) في ((المواعِظ)) (٣٢) والحاكم (٢/ ٣٥٨) كلَّهم من طريق الشَّعبيّ
عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قُرِئَت عندَه هذه الآية ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ كَانَ أُمَّةً
قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢] فقال ابن مسعود: إنَّ معاذاً كان أمّة قانتاً لله، فسُئِلَ عن ذلك فقال:
(١) تحرف في (س) إلى: تميم.
(٢) تحرف في (س) إلى: وأبو عبيد الله. وإنما هو أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام.

٤٧٦
سورة الإسراء / ح ٤٧٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
هل تَدرُونَ ما الأُمّة؟ الأُمّة: الذي يُعلِّم الناس الخير، والقانت: الذي يُطيع الله ورسوله.
١ - باب قوله:
﴿وَمِنكُ مَّنْ يُرَّدُّ إِلَ أَزْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ١٦]
٤٧٠٧- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا هارونُ بنُ موسى أبو عبدِ الله الأعوَرُ، عن
٣٨٨/٨ شُعَيبٍ، عن أنسٍ / بنِ مالكِ : أنَّ رسولَ اللهِوَ لَ كان يَدْعو: «أعوذُ بكَ منَ البُخْلِ، والكَسَلِ،
وأرذَلِ العُمُرِ، وعذاب القَيْرِ، وفِتْنِةِ الدَّجّال، وفِتْنَةِ المَحْيا والمَمات)).
قوله: ((باب قوله: ﴿وَمِنكُ مَن يُرَدُّ إِلَى أَزْذَلِ آلْعُمُرٍ﴾)) ذكر فيه حديث أنس في الدُّعاء
بالاستعاذة من ذلك وغيره، وسيأتي شرحه في الدَّعَوات (٦٣٦٧). وشُعَيب الراوي عن
أنس: هو ابن الحَبْحاب، بمُهمَلتَينِ وموخَّدتَينٍ، وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدّيِّ
قال: أرذَل العُمُر: هو الخَرَف. وروى ابن مَرْدويه من حديث أنس أنَّه مئة سنة.
١٧ - سورة بني إسرائيل
بِسمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
٤٧٠٨- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ عبد الرَّحْمنِ بنَ يَزِيدَ،
قال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ ﴾، قال في بني إسرائيلَ والكَهْفِ ومريمَ: إِنَّهُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ،
وهُنَّ من تِلادِي.
[طرفاه في: ٤٧٣٩، ٤٩٩٤]
﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] قال ابنُ عبَّاسٍ: يَهُزُونَ.
وقال غيرُه: نَفَضَت سِنُّكَ، أي: تَرَّكَتْ.
﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَءِيلَ﴾ [٤]: أخبَرْناهم أنَّهم سَيُفْسِدونَ. والقضاءُ على وجوهِ:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [٢٣]: أمَرَ، ومنه الحُكْمُ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٩٣]، ومنه
الخَلْقُ ﴿فَقَضَئُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ [فصلت: ١٢]: خَلَقُهنَّ.

٤٧٧
سورة الإسراء / ح ٤٧٠٨
كتاب التفسير
﴿نَفِيرًا﴾ [٦]: مَن يَنْفِرُ معه.
﴿مَّيْسُورًا﴾ [٢٨]: لَيِّناً.
﴿خِطْئًا﴾ [٣١]: إِثْماً، وهو اسمٌّ من خَطِئْتَ، والخَطَأُ - مفتوحٌ - مَصْدَرُه، منَ الإِثْمِ،
خَطِئْتُ بمعنى أخطأْتُ.
﴿حَصِيرًا﴾ [٨]: تَخْبِساً مَخْصَراً.
﴿حَقَّ﴾ [١٦]: وجَبَ(١).
تَخْرِقَ﴾ [٣٧]: تَقْطَعَ.
﴿وَإِذْهُمُ تَجْوَى﴾ [٤٧]: مَصْدَرٌ من ناجَيتُ، فَوَصَفَهم بها، والمعْنَى: يَتَنَاجَوْنَ.
((رُفاتاً)) [٤٩ ٩٨]:/ خُطاماً.
٣٨٩/٨
﴿ وَأَسْتَغْزِزْ﴾ [٦٤]: استَخِفَّ.
﴿ِخَيْلِكَ﴾ [٦٤]: الفُرْسان. والرَّجْلُ: الرَّجّالةُ، واحدُها راجِلٌ، مِثلُ: صاحبٍ وصَخْبٍ،
وتاجِرٍ وتْرٍ.
﴿ حَاصِبًا﴾ [٦٨]: الرِّيحُ العاصِفُ، والخاصبُ أيضاً: ما تَرْمي به الرِّيحُ، ومِنْه: ﴿ حَصَبُ
جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: يُرْمَى به في جَهَنَّمَ، وهُم حَصَبُها، ويقال: حَصَبَ في الأرضِ: ذهبَ،
والحَصَبُ مُشْتَقٍّ منَ الحَصْباءِ الحجارةِ.
﴿تَارَةً﴾ [٦٩]: مرَّةً، وجماعَتُه: تِيَرَةٌ وتاراتٌ.
﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ [٦٢]: لأستأصِلَنَّهم، يقال: احتَنَكَ فلانٌ ما عندَ فلانٍ من عِلْم: استَقْصاه.
وقال ابنُ عبّاسٍ: كلُّ سُلْطانٍ في القرآنِ، فهو حُجّةٌ.
﴿وَإِىٌ مِنَ الذُّلِّ﴾ [١١١]: لم يُحالِف أحداً.
(١) تفسير هذه الكلمة ثابت في جميع روايات البخاري دون خلاف، كما في اليونينية و((إرشاد الساري))، ومع
ذلك لم يتعرض لها الحافظ رحمه الله في الشرح!

٤٧٨
سورة الإسراء / ح ٤٧٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سورة بني إسرائيلَ - ◌ِسْمِ الَِّالرَّعْمَنِ الرَّحِيمِ)) ثَبَتَت البسملةُ لأبي ذرٍّ.
قوله: ((سمعت ابنَ مسعود قال في بني إسرائيل والكَهْف ومريم: إنَّهُنَّ من العِتاق)) بكسرِ
المهمَلة وتخفيف المثنّة: جمع عَتيق، وهو القديم، أو هو كلّ ما بَلَغَ الغاية في الجَوْدة، وبالثّاني
جَزَمَ جماعةٌ في هذا الحديث، وبالأوّلِ جَزَمَ أبو الحسين بن فارس.
وقوله: ((الأُوَل)) بتخفيفِ الواو.
وقوله: ((هُنَّ مِن تِلادي)) بكسرِ المثنّاة وتخفيف اللّام، أي: ممَّا حُفِظَ قديماً، والتِّلاد: قدیم
المال، وهو بخِلَاف الطارِف، ومُراد ابن مسعود: أنَّهُنَّ من أوَّل ما تَعَلَّمَ من القرآن، وأنَّ
لهنَّ فضلاً لما فيهِنَّ من القَصَص وأخبار الأنبياء والأُمَم، وسيأتي الحديث في فضائل
القرآن بأتمَّ من هذا السّياق (٤٤٩٤) إن شاء الله تعالى.
قوله: (﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾، قال ابن عبّاس: يَهُزّونَ)) وصلَه الطََّرِيُّ (١٠٠/١٥)
من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. ومن طريق العَوْفيِّ عن ابن عبّاس (١٠٠/١٥)
قال: ◌ُرِّ کونها استهزاءً.
ومن طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبَّاس نحوه.
ومن طريق سعيد عن قَتَادة مثله.
قوله: ((وقال غيره: نَغَضَت سِنُّك، أي: تَحرَّكَت)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَسَيُنْفِضُونَ
إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أي: يُحرِّكونَها استهزاءً، يقال: قد نَغَضَت سِنُّه، أي: تَحَرَّكَت وارتَفَعَت من
أصلها. وقال ابن قُتَيبة: المراد أنَّهم يُحرِّكونَ رُؤوسَهم استِبعاداً.
وروى سعيد بن منصور من طريق محمَّد بن كعب في قوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ قال: يُرِّکونَ.
قوله: ((﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَوِيلَ﴾: أخبَرْناهم أنَّهم سَيُفْسِدونَ، والقضاء على وجوه:
﴿وَقَضَى رَبِّكَ﴾ أمَرَ، ومنه: الحُكم ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ﴾، ومنه: الخَلْقِ ﴿فَقَضَنُنَّ سَبْعَ
سَمَوَاتٍ﴾: خَلَقَهُنَّ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ أي: أخبَرْناهم،

٤٧٩
سورة الإسراء / ح ٤٧٠٨
كتاب التفسير
وفي قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أي: أمَرَ، وفي قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم﴾ أي: يَحِكُم، وفي
قوله: ﴿فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ أي: خَلَقَهُنَّ.
وقد بيَّن أبو عُبيدة بعض الوجوه التي يَرِدُ بها لفظ القضاء، وأغفَلَ كثيراً منها،
واستَوعَبَها إسماعيل بن أحمد النَّيسابُوريّ في ((كتاب الوجوه والنَّظائر)) فقال: لفظة ((قَضَى))
في الكتاب العزيز جاءت على خمسةَ عشرَ وجهاً: الفَراغ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَسِكَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٠٠]، والأمر ﴿إِذَا قَضَّ أَمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧]، والأجَل ﴿فَمِنْهُم مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾
[الأحزاب: ٢٣]، والفَصْلِ ﴿لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨]، والمُضِيّ ﴿لِيَقْضِىَ
اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، والهلاك ﴿لَقُضِىَ إِلَّهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]،
والوجوب ﴿لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والإبرام ﴿فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنهَا﴾
[يوسف: ٦٨]، والإعلام ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيَّ إِسْرَِّيلَ﴾ [الإسراء: ٤]، والوَصِيَّة ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والموت ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، والتُّول
﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ:١٤]، والخَلْقِ ﴿ فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]،
والفِعل ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَّ أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] يعني: حَقّاً لم يَفْعَل، والعَهْد ﴿إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى
اَلْأَمْـ
﴾ [القصص: ٤٤].
وذكر غيرُه: القَدَر: المكتوب في اللَّوح المحفوظ كقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ﴾ [مريم: ٢١]،
والفِعل ﴿ فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢]، والوجوب ﴿إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] أي: وَجَبَ لهم
العذاب، والوَفاء كفائتِ العبادة(١)، والكِفاية: ((ولن يَقْضِيَ عن أحدٍ من بَعدِك))(٢)، انتهى.
وبعض هذه الأوجُه مُتَداخِلٌ. وأغفَلَ أنَّه يَرِدُ بمعنى الانتِهاء ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾
[الأحزاب: ٣٧]. وبمعنى الإتمام ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُّسَمَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. وبمعنى كَتَبَ
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران:٤٧]. وبمعنى الأداء، وهو ما ذُكِرَ بمعنى الفَراغ، ومنه قَضَى دَينَه.
(١) يعني: كوفاء فائت العبادة.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٨٥٣٣)، والنسائي (٤٣٩٤) من حديث البراء بن عازب، والمراد الجَذَعة.

٤٨٠
سورة الإسراء / ح ٤٧٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
وتفسير ((قضى ربُّك أن لا تعبُدُوا)) بمعنى: وَصَّى، منقول من مُصحَف أُبيّ بن كعب،
أخرجه الطَّبَريّ (٦٢/١٥).
وأخرجه أيضاً من طريق قَتَادة قال: هي في مُصحَف ابن مسعود: ((ووَصَّى)). ومن
طريق مجاهد في قوله: ﴿وَقَضَى﴾ قال: وأوْصَى. ومن طريق الضَّحّاكُ أنَّه قرأ: ((ووَصَّى))،
وقال: لصِقَتِ الواو بالصّادِ فصارت قافاً، فقُرِئَت: وقَضَى. كذا قال(١)، واستنگروه منه.
وأمَّا تفسيره بالأمرِ كما قال أبو عبيدة، فَوَصَلَه الطََّرَيُّ (٦٢/١٥) من طريق عليّ بن
أبي طلحة عن ابن عبّاس.
ومن طريق الحسن وقَتَادة مثله.
وروى ابن أبي حاتم من طريق ضَمْرة عن الثَّوريّ قال: معناه: أمَرَ، ولو قَضَى لَمضى،
يعني: لو حَكَمَ.
وقال الأزهَريّ: القضاء مَرجِعُه إلى انقضاء الشَّيء وتمامه، ويُمكِن رَدّ ما وَرَدَ من ذلك
٣٩٠/٨ كلّه إليه. وقال الأزهَريّ أيضاً: كلّ ما أحكَمَ عَمَله أو خَتَمَ أو / أكمَلَ أو أوجَبَ أو أهَمَ أو
أنفَذَ أو أمضى فقد قَضَى. وقال في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَاءِيلَ﴾، أي: أعلمناهم
علماً قاطعاً، انتهى.
والقضاء يَتْعَدَّى بنفسِه، وإِنَّمَا تَعَدَّى بالحرفِ في قوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾
لتَضَمُّنِه معنى أوْحَینا.
قوله: ((﴿نَفِيرًا﴾: مَن يَنْفِرُ معه)» قال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ قال: الذينَ
يَنْفِرونَ معه. وروى الطَّبَريُّ من طريق سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا﴾،
أي: عَدَداً.
ومن طريق أسباط عن السُّدّيِّ مثله.
(١) وقد روي ذلك أيضاً عن ابن عباس عند أحمد بن منيع في ((مسنده)) كما في ((إتحاف الخيرة)) للبوصيري
(٧٧٣٣) وضعف إسنادَه بفرات بن السائب أحد رواته. قلنا: بل هو متروك، فالإسناد واهٍ بمرّة.