Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ سورة هود / ح ٤٦٨٧ كتاب التفسير قوله: ((أنبَأَنَا بُريد بن أبي بُرْدَةَ عن أبيهِ)) كذا وَقَعَ لأبي ذرِّ(١)، ووَقَعَ لغيره: عن أبي بُرْدة، بدلَ: عن أبيه، وهو أصوَبُ، لأنَّ بُريداً هو ابن عبد الله بن أبي بُرْدة، فأبو بُرْدة جَدُّه لا أبوه، لكن يجوز إطلاق الأب عليه مجازاً. قوله: ((إنَّ الله لَيُّمْلي للظّالمِ)) أي: يُمهِلُه. ووَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ (٣١١٠) عن أبي كُرَيبٍ عن أبي معاوية: ((إنَّ الله يُملي - ورُبَّما قال: يُمهِل -))، ورواه عن إبراهيم بن سعيد الجَوْهريّ عن أبي أُسامة عن بُرَيد (٢) قال: ((يُملي)) ولم يَشُكّ. قلت: قد رواه مسلم (٢٥٨٣) وابن ماجه (٤٠١٨) والنَّسائيُّ (ك١١١٨١) من طرق عن أبي معاوية: ((يُملي)) ولم يَشُكّ. قوله: ((حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْه)) بضمِّ أوَّله من الرُّباعيّ، أي: لم يُخُلِّصْه، أي: إذا أهلكَه لم يَرفَع عنه الهلاك، وهذا على تفسير الظُّلم بالشّركِ على إطلاقه، وإن فُسِّرَ بما هو أعَمّ فُيُحمَل كلٌّ على ما يَلِيق به، وقيل: معنى ((لم يُفْلِته)): لم يُؤَخِّره. وفيه نظرٌ، لأنَّه يَتَبَادَر منه أنَّ الظّلم إذا صُرِفَ عن مَنصِبه وأُهِينَ لا يعود إلى عِزّه، والمشاهَد في بعضهم بخِلاف ذلك، فالأولى حَمْله على ما قَدَّمتُه، والله أعلم. ٥ - باب قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ آَلَيْلِ إِنَّ اٌلْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ﴾ الآية [هود: ١١٤] ﴿وَزُلَفًا﴾: ساعاتٍ بعدَ ساعاتٍ، ومِنْه سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةُ، الزُّلَفُ: مَنِزِلةٌ بعدَ مَنِزِلةٍ. وأمَّا ﴿زُلْفَى﴾: فمَصْدَرٌ منَ القُرْبَى، ازْدَلَفُوا: اجْتَمَعُوا. ((أزْلَفْنا)): جَمَعْنا. ٤٦٨٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سليمانُ التَّيْمِيُّ، عن أبي عثمانَ، عن (١) كذا نسبَ الحافظُ رحمه الله ذلك لأبي ذر، فلعل ذلك وقع له في نسخةٍ بروايته، وإلا فالذي في اليونينية والقسطلّاني دون حكاية خلاف بين رواه البخاري أنه: عن أبي بردة. (٢) تصحف في (س) إلى: یزید. ٤٠٢ سورة هود / ح ٤٦٨٧ فتح الباري بشرح البخاري ابنِ مسعودٍ ◌ّ: أنَّ رجلاً أصاب مِنِ امرأةٍ قُبْلَةً، فأتى رسولَ الله وَلِّ فذكر ذلك له، فَأَنْزِلَت عليه: ﴿ وَأَقِ الصَّلَوْهَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾، قال الرجلُ: أَليَ هذه؟ قال: ((لمن عَمِلَ بها مِن أَمَّتِي)). قوله: ((باب قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوْةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وأكمَلَ غيرُه الآيةَ. واختُلِفَ في المراد بطَرَفَيَ النَّهار، فقيلَ: الصُّبح والمغرب، وقيل: الصُّبح والعَصْر، وعن مالك وابن حبيب: الصُّبح طَرَفٌ، والظُّهر والعصر طَرَفٌ. قوله: ((﴿وَزُلَفًا﴾: ساعاتٍ بعدَ ساعاتٍ، ومنه سُمّيَت المزدَلِفَةُ، الزُّلَف: مَنِزِلة بعدَ مَنزِلة، وأمَّا ﴿زُلْفَقَ﴾ فمصدَرٌ من القُربَى، ازدَلَفُوا: اجتَمَعُوا، أزلَفْنا: جَمَعْنا)). قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَزُلَفَّا مِّنَ الَّيْلِ﴾: ساعاتٍ، واحدتها: زُلفة، أي: ساعة ومَنزِلة وقُربة، ومنها سُمّيَت المزدَلِفة، قال العَجّاج: ناجِ طَوَاه الأَيْنُ مَّا وَجَفا طَيَّ اللَّيالي زُلَفاً فَزُلَفا وقال في قوله تعالى: ﴿ وَأَزَّلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، أي: قُرِّبَت وأُدْنِيَت. وله عندي زُلْفَى، أي: قُرْبَى، وفي قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]، أي: جَمَعْنا، ومنه ليلة المزدلفة. واختُلِفَ في المراد بالزُّلَفِ، فعن مالك: المغرب والعشاء، واستَنْبَطَ منه بعض الحنفيّة وجوب الوِتر، لأنَّ زُلَفاً جمعٌ أقلَّه ثلاثة، فيُضاف إلى المغرب والعِشاء الوِتُرُ، ولا يَخَفَى ما فيه. وفي رواية مَعمَر المقدَّم ذكرُها (١): قال قَتَادةُ: ﴿طَرَفِ النَّهَارِ﴾: الصُّبح والعصر، ﴿ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ﴾: المغرب والعِشاء. قوله: ((حدَّثْنا مُسدَّد، حدَّثْنا يزيد بن زُرَيع، عن سليمانَ التَّيْميِّ) كذا وَقَعَ فيه، وأخرجه (١) يعني عند ذكر الاختلاف في معنى طرفي النهار قريباً دون التصريح باسم قتادة، وهي عند عبد الرزاق في «تفسیرہ)) ٣١٤/١. ٤٠٣ سورة هود / ح ٤٦٨٧ كتاب التفسير الطبرانيُّ (١٠٥٦٠) عن معاذ بن المثنَّى / عن مُسدَّد عن سَلّام بن أبي مطيع عن سليمان التَّيْميِّ. ٣٥٦/٨ وكأن لمسدّدٍ فیه شیخین(١). قوله: ((عن أبي عثمان)) هو النَّهْديّ، في رواية الإسماعيليِّ ولأبي نعيم: حدَّثنا أبو عثمان. قوله: ((أنَّ رجلاً أصاب مِن امرأةٍ قُبْلَةً، فأتى رسولَ الله وَ ي﴿ فذكر ذلك له)) في رواية مُعتَمِر بن سليمان التَّيْميِّ عن أبيه عندَ مسلم (٢٧٦٣/ ٤٠) والإسماعيليّ: فذكر أنَّه أصاب من امرأةٍ قُبلةً أو مَسّاً بَيَدٍ أو شيئاً، كأنَّه يَسألُ عن كفَّرةِ ذلك. وعندَ عبد الرَّزّاق (٣١٣/١) عن مَعمَر عن سليمان التَّيْميِّ بإسناده: ضَرَبَ رجلٌ على كَفَلِ امرأةٍ، الحديث، وفي رواية مسلم (٤٢/٢٧٦٣)، وأصحاب السُّنَن (٢) من طريق سِماك بن حَرْب عن إبراهيم النَّخَعيِّ عن عَلقَمة والأسوَد عن ابن مسعود: جاء رجل إلى النبيّ وَّرِ فقال: يا رسول الله، إنّ وجَدتُ امرأةً في بُستان، ففَعَلت بها كلّ شيء غيرَ أنّي لم أُجامعها، قَبَّلتُها ولَزِمتُها، فافعَل بي ما شِئتَ، الحديثَ. وللطَّبَرِيِّ (١٣٥/١٢) من طريق الأعمَش عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: جاء فلان بن مُعتِّب الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله، دَخَلتُ على امرأة، فنِلتُ منها ما يَنالُ الرجل من أهله، إلّا أنّي لم أُجامعها، الحديثَ. وأخرجه ابن أبي خَيْئمةَ لكن قال: إنَّ رجلاً من الأنصار يقال له: مُعتِّب. وقد جاء أنَّ اسمه: كعب بن عَمْرو - وهو أبو اليَسَر، بفتح التَّحتانيَّة والمهمَلة - الأنصاريّ، أخرجه التِّرمِذيّ (٣١١٥)، والنَّسائيُّ (ك٧٢٨٦) والبزَّار (٢٣٠٠) من طريق موسى بن طلحة عن أبي اليَسَر بن عَمْرو: أنَّه أتته امرأة، وزوجُها قد بَعَثَه رسولُ الله ◌ِه في بَعْث، فقالت له: بِعْنِي تَمراً بدِرهَمٍ، قال: فقلت لها - وأعجَبَتني -: إنَّ في البيت تَراً أَطيَبَ من هذا، فانطَلَقَ بها معه، فغَمَزَها وقَبَّلَها، ثمَّ فَزِع، فخرج فلَقيَ أبا بكر فأخبَرَه، (١) في (س): و کان لمسدد فيه شیخان. (٢) أبي داود (٤٤٦٨)، والترمذي (٣١١٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٨١-٧٢٨٣). ٤٠٤ سورة هود / ح ٤٦٨٧ فتح الباري بشرح البخاري فقال: تُبْ ولا تَعُدْ. ثمَّ أتى النبيّ وَّةِ، الحديث. وفي روايةٍ(١): أنَّه صَلَّى مَعَ النبيّ ◌َّ العصر فنزلت. وفي رواية ابن مَرْدويه من طريق ابن بُرَيدة عن أبيه: جاءت امرأةٌ من الأنصار إلى رجلٍ يبيع التَّمر بالمدينة، وكانت حَسناءَ جميلةً، فلمَّا نظرَ إليها أعجَبَته، فذكر نحوه، ولم يُسمِّ الرجلَ ولا المرأةَ ولا زوجَها. وذكر بعض الشُّرّاح في اسم هذا الرجل: نَبهانُ التَّار، وقيل: عَمْرو بن غَزِيَّةً، وقيل: أبو عَمْرو زيد بن عَمْرو بن غَزِيَّةَ، وقيل: عامر بن قيس، وقيل: عبّاد. قلت: وقِصّة نَبْهان الشَّار ذكرها عبد الغني بن سعيد الثَّقَفيّ(٢) أحد الضُّعَفاء في (تفسيره)) عن ابن عبّاس، وأخرجه الثَّعلَبيّ وغيره من طريق مُقاتل عن الضَّحّاك عن ابن عبَّاس: أنَّ نَبهاناً الثَّار أتته امرأةٌ حَسناءُ جميلةٌ تَبتاع منه تَمراً، فضَرَبَ على عَجِيزَتها، ثمَّ نَدِمَ، فأتى النبيَّ ◌َ ﴿ فقال: «إيّاكَ أن تكون امرأةً غازٍ في سبيل الله)) فذهب يبكي ويصوم ويقوم، فأنزَلَ الله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٣٥] فأخبَرَه، فحَمِدَ الله، وقال: يا رسول الله، هذه تَوبَتي قُبِلَت، فكيفَ لي بأن يُتَقَبَّلَ شُكري؟ فنزلت: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾ الآيَةَ. قلت: وهذا إن ثَبَتَ مُمِلَ على واقعة أُخرى، لمَا بينَ السّياقَينِ من المُغايرة. وأمَّا قِصّة ابن غَزِيَّةً فأخرجها ابن مَندَهْ من طريق الكَلْبِيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَّ النََّارِ﴾ قال: نزلت في عَمْرو بن غَزِّيَّةَ وكان يبيع الثَّمر، فأتته امرأةٌ تَبتاع تَراً فأعجَبَتَه. الحديثَ. والكَلْبِيّ ضعيف(٣)، فإن ثَبَتَ حُلَ أيضاً على التعدُّد، وظَنَّ الَّتَشَرِيُّ أنَّ عَمْرو بن غَزِيَّةَ اسم أبي اليَسَرِ، فجَزَمَ به، فوَهمَ. (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: روايته، بعَودِ الضمير إلى رواية موسى بن طلحة عن أبي اليَسَر، وليس في هذه الرواية ذكر العصر، وإنما جاء ذكر العصر في روايةٍ أخرجها أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٩٠٨) و(٥٠٩٠)، وإسنادها تالفٌ بمَرّة.، وسُمي الرجلُ فيها عمرو بنَ غَزِيّة. (٢) ومن طريقه أخرجه ابن بشكوال في ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٢٩٥/١-٢٩٦. (٣) بل هو متهم بالكذب، والراوي عنه محمد بن مروان السديّ متروك الحديث واتهمه بعضهم. ٤٠٥ سورة هود / ح ٤٦٨٧ كتاب التفسير وأمَّا ما أخرجه أحمد (٢٢٢٦٦) وعبد بن حُميدٍ وغيرهما(١)، من حديث أبي أُمامةَ، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّةِ، فقال: إنّ أصَبتُ حَدّاً فأقِمْه عليَّ، فسَكَتَ عنه ثلاثاً، فأُقيمتِ الصلاةُ فِدَعَا الرَّجلَ، فقال: «أرأيتَ حينَ خَرَجتَ من بيتك، ألستَ قد تَوضَّأتَ فأحسنتَ الوُضوء؟)) قال: بَلَى، قال: ((ثمَّ شَهِدتَ الصلاةَ مَعَنا؟)) قال: نعم. قال: ((فإنَّ الله قد غَفَرَ لك)) وتلا هذه الآية. فهي قِصّة أُخرى، ظاهر سياقها أنَّها مُتأخّرَةٌ عن نزول الآية، ولعلَّ الرَّجل ظنَّ أنَّ كلّ خطيئةٍ فيها حَدٌّ، فأطلقَ على ما فعَلَ حَدّاً، والله أعلم. وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الحدود (٦٨٢٣) إن شاء الله تعالى. ٣٥٧/٨ وأمَّا قِصّة عامر بن قيس / فذكرها مُقاتل بن سليمان(٢) في ((تفسيره). وأمَّا قِصّة عبّاد فحكاها القُرطُبيّ ولم يَعِزُها، وعبّاد اسم جَدّ أبي اليَسَر، فلعلَّه نُسِبَ، ثمَّ سَقَطَ شيء. وأقوَى الجميع أنَّه أبو اليَسَر، والله أعلم. قوله: ((فأتى رسول الله وَلَ)) في رواية عبد الرَّزاق (٣١٣/١): أنَّه أتى أبا بكر وعمر أيضاً، وقال فيها: فكلُّ مَن سألَه عن كفَّارة ذلك، قال: أَمُغْزِيَةٌ(٣) هيَ؟ قال: نعم. قال: لا أدري. حتَّى أَنزَلَ، فذكر بَقيَّة الحديث. وهذه الزّيادة وَقَعَت في حديث يوسف بن مِهرانَ عن ابن عبَّاس عندَ أحمد (٢٢٠٦) بمعناه، دونَ قوله: لا أدري. قوله: «قال الرجل: أَليَ هذه)»؟ أي: الآية، يعني خاصّةً بي بأنَّ صَلاتي مُذْهِبةٌ لمعصيتي. وظاهر هذا أنَّ صاحب القِصّة هو السائل عن ذلك، ولأحمد (٢٢٠٦) والطبرانيِّ (١٢٩٣١) من حديث ابن عبّاس: قال: يا رسول الله أليَ خاصّةً، أم للنّاس عامّةً؟ فضَرَبَ عمر صَدَره، وقال: لا ولا نُعْمَةَ عَينٍ، بل للنّاس عامّةً. فقال النبيّ ◌َّ: ((صَدَقَ عمرُ))، وفي (١) ذهل الحافظ رحمه الله عن نسبة هذا الحديث إلى ((صحيح مسلم))، وهو فيه برقم (٢٧٦٥). (٢) وهو متروك الحديث، بل كذّبه بعضهم. (٣) تصحفت في الأصلين و(س) إلى: أمعزبة، وجاءت على الصواب في مطبوع ((تفسير عبد الرزاق))، قال ابن الأثير: المغزية: المرأة التي غزا زوجها وبقيت وحدها في البيت. قلنا: وقد روي الحديث من عدة روايات أورد معظمها الطبري في ((تفسيره))، وفي بعضها: لا تكنِ امرأةً غازٍ، أو لا تكونَنَّ امرأةً غازٍ. وكذا جاء في حديث ابن عباس الذي سيذكره الحافظُ: لعلها مُغِيبٌ في سبيل الله؟ ٤٠٦ سورة هود / ح ٤٦٨٧ فتح الباري بشرح البخاري حديث أبي اليَسَر: فقال إنسان: يا رسول الله، له خاصّةً؟ وفي رواية إبراهيم النَّخَعيِّ عندَ مسلم: فقال معاذ: يا رسول الله، ألَه وحدَه أم للنّاس كافّةً؟ وللدّارَقُطْني مثله (٤٨٣) من حديث معاذ نفسه. ويُحمَل على تعدُّد السائلينَ عن ذلك. وقوله: (أَلِ)) بفتح الهمزة استفهاماً. وقوله: ((هذه)) مُبتَدَأ تقدَّم خَبَرَه عليه، وفائدَتُه التَّخصيص. قوله: ((قال: لمن عَمِلَ بها من أمَّتي» تقدَّم في الصلاة (٥٢٦) من هذا الوجه بلفظ: قال: ((لجميع أمَّتي كلّهم)). وتَمَسكَ بظاهرٍ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ المُرجِئَةُ، وقالوا: إنَّ الحسنات تُكَفِّرُ كلّ سَيِّئَة كبيرةً كانت أو صغيرةً، وحَلَ الجمهور هذا المطلَقَ على المقَيَّدِ في الحديث الصَّحيح: ((إنَّ الصلاة إلى الصلاة كفَّارة لمَا بينَهما ما اجْتُنِبَتِ الكبائر))(١)، فقال طائفة: إن اجتُنِبَت الكبائر، كانت الحسنات كفَّارة لمَا عَدا الكبائر من الذُّنوب، وإن لم تُجْتَنَب الكبائر لم تَحْطَّ الحسناتُ شيئاً. وقال آخرونَ: إن لم تُجْتَنَب الكبائر، لم تَحُطّ الحسنات شيئاً منها، وتَحُطّ الصَّغائرَ. وقيل: المراد أنَّ الحسنات تكون سبباً في تَرك السَّيِّئَات، كقوله تعالى: ﴿إِنََّ اُلْضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، لا أنَّهَا تُكَفِّر شيئاً حقيقةً، وهذا قول بعض المعتَزِلة. وقال ابن عبد البَرّ: ذهب بعض أهل العصر إلى أنَّ الحسنات تُكفِّرُ الذُّنوب، واستَدَلَّ بهذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث الظّاهرة في ذلك. قال: ويَرِد عليه الحثُّ على التوبة في آيٍ كثيرةٍ، فلو كانت الحسنات تُكفِّر جميع السَّيِّئات لمَا احتاجَ إلى التوبة. واستُدِلَّ بهذا الحديث على عَدَم وجوب الحَدّ في القُبلة واللَّمس ونحوهما، وعلى سُقوط التَّعزير عَمَّن أتى شيئاً منها، وجاء تائباً نادِماً. واستنْبَطَ منه ابنُّ المنذر: أنَّه لا حَدّ على مَن وُجِدَ معَ امرأة أجنبيّة في ثوب واحد. (١) أخرجه مسلم (٢٣٣)، وابن ماجه (١٠٨٦)، والترمذي (٢١٤) من حديث أبي هريرة. ٤٠٧ سورة يوسف كتاب التفسير ١٢ - سورة يوسف بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ قال فُضَيلٌ، عن حُصَينٍ، عن مُجاهدٍ: ((مُتْكاً)(١): الأُتْرُنْجُ بِالحَبَشِيَّةِ مُتْكاً. وقال ابنُ عُبَينَةَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: مُتْكاً: كلُّ شيءٍ قُطِعَ بالسِّكِّينِ. والمُتَّكأُ: ما اتّكأتَ عليه لِشرابٍ، أو لحديثٍ، أو لِطعامٍ، وأبطَلَ الذي قال: الأُنْرُجُّ، وليس في كلام العرب / الأَتْرُجُ، فلمَّا احتُجَّ عليهم بأنَّ المَّكَأَ من نَارقَ، فَرُّوا إلى شَرِّ منه، وقالُوا: إنَّما هو ٣٥٨/٨ المُتْكُ ساكنَةَ التاء، وإِنَّمَا المُتْكُ: طَرَفُ البَظْرِ، ومن ذلك قيل لها: مَتْكَاءُ، وابنُ المَتْكاءِ، فإن كان ثَمَّ أُتْرُجُّ، فإنَّه بعدَ المُتَّكَأٍ. ﴿أَشُدَّهُ﴾ [٢٢]: يقال: بَلَغَ أَشُدَّهُ: قبلَ أن يَأْخُذَ في النُّقْصان، ويقال: بَلَغوا أشُدَّهم، وقال بعضُهم: واحدُها: شٌَّ. وقال قَتَادةُ: ﴿لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾ [٦٨]: عامِلٌ بما عَلِمَ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: ﴿صُوَاعَ اَلْمَلِكِ﴾ [٧٢]: مَكّوكُ الفارسِيِّ الذي يَلْتَقِي طَرَفاه، كانت تَشْرَبُ الأعاجم به. وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿تُفَيِّدُونِ﴾ [٦٤]: تُجَهِّلونِ. ﴿غَيَبَتِ الْجُبِّ﴾ [١٠ و١٥]: كلَّ شيءٍ غَيَّبَ عنكَ شيئاً، فهو غَيَابةٌ. والجُبُّ: الرَّكِيَّةُ التي لم تُطْوَ. ﴿بِمُؤْمِنٍ أَنَا﴾ [١٧]: بمُصَدِّقٍ. ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾[٣٠]: يقال: بَلَغَ شِغافَها، وهو غِلافُ قَلْبِها وأما شَعَفَها، فمِن المَشْعُوفِ. (١) كذا ضبطها الكرماني والقسطلّاني، وكذا ضبطه الحافظُ هنا في شرحه مُبيِّاً أنها قراءةٌ، قال: وهو الذي فسَّره مجاهِدٌ وغيره بالأُتْرُنْجِ أو غيره. قلنا: وبه يُعلَمُ أن ما وقع في الطبعة السلطانية: مُتْكاً، بالهمز، تصحیف، وبالله التوفيق. ٤٠٨ سورة يوسف فتح الباري بشرح البخاري ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾ [٣٣]: أمِيلُ إليهن، صَبَا: مالَ. ﴿أَضْغَاتُ أَعْلَمٍ ﴾ [٤٤]: ما لا تَأوِيلَ له. الضِّغْث: مِلْءُ اليَدِ من حَشِيشِ وما أشْبَهَه. ومِنْه: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا﴾ [ص: ٤٤]، لا من قوله: ﴿أَضْغَثُ أَحْلَمٍ﴾، واحدها: ضِغْت. ﴿نَمِير﴾ [٦٥]: منَ المِيرَةِ. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [٦٥]: ما يَحمِلُ بَعِيرٌ. ﴿ءَاوَىّ إِلَيْهِ﴾ [٦٥]: ضَمَّ إليه. ﴿السِّقَايَةَ﴾ [٧٠]: مِکْيالٌ. ﴿تَفْتَؤُأْ﴾ [٨٥]: لا تَزال. (تَحَسَّسُوا)) [٨٧]: تَخَبَّروا .. ﴿غَشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ﴾ [١٠٧]: عامَّةٌ مُجُلِّلَةٌ. ﴿قُرْحَةٍ ﴾ [٨٨]: قَلِيلةٍ. ﴿حَرَضًا﴾ [٨٥]: مُخْرَضاً، يُذِيبُكَ الهَمُّ. ﴿أَسْتَيْئَسُواْ﴾ [٨٠]: يَتْسُوا ((لا تَيأَسُوا من رَوْحِ الله)) [٨٧]: معناه الرَّجاءُ. ﴿خَلَصُواْ نِيًّا﴾ [٨٠]: اعتَزَلُوا نَجِيّاً، والجمعُ: أَنْجِيةٌ، يَتَنَاجَونَ، الواحدُ: نَچِيٌّ، والإِثْنان، والجمع: نَجِيٌّ وأنْجِيةٌ. قوله: ((سورة يوسف - بِسْمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((قال فُضَيل عن حُصَينٍ عن مجاهد: مُتْكاً: الأُتْرُنْجُ، بالحَبَشِيَّةِ مُتْكاً) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره: ((مُتْكَاً: الأُتْرُجّ. قال فُضَيل: الأُتْرُجّ بالحَبَشِيَّة مُنْكَا)). وهذا وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يَمان عن فُضَيل بن عياض(١). وأمَّا روايته عن حُصَينٍ، فُرُوِّيناه في ((مُسنَد (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله هنا وفي ((تغليق التعليق)) ٢٢٧/٤ بأن قول فضيل هذا عند ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يمان عنه، مع أن الذي في المطبوع المحقق من ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢١٣٢/٧-٢١٣٣ = ٤٠٩ سورة يوسف كتاب التفسير مُسدَّد)) رواية معاذ بن المثنَّى، عنه عن فُضَيل عن حُصَينٍ عن مجاهد عن ابن عباس(١) في قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكًَ﴾ [يوسف: ٣١] قال: أُتْرُجّ(٣). ومن طريقه أخرجه الحافظ الضّياء في ((المختارة)) (١٥٧/٣)، وقد روى عبد الرَّزّاق (٣٢٢/١) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَا﴾ قال: طعاماً. قوله: ((وقال ابن عُيَينةَ: عن رجل عن مجاهد: مُتْكاً: كلّ شيء قُطِعَ بالسِّينِ)» هكذا رُوِّيناه في ((تفسير ابن عُيَينَ)) رواية سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميّ، عنه بهذا، وأخرج ابن أبي حاتم (٧/ ٢١٣٣) من وجه آخر عن مجاهد: المتَّكأ، بالتَّثقيلِ: الطَّعام، وبالتَّخفيفِ: الأُتْرُجّ. والرِّواية الأولى عنه أعَمّ. قوله: ((يقال: بَلَغَ أشُدَّه: قبل أن يأخُذ في النُّقْصان. ويقال: بَلَغوا أشُدّهم. وقال بعضهم: واحدها شَدٌّ. والمنَّكأ: ما اتَّكأت عليه لشرابٍ أو لحديثٍ أو لطعامٍ، وأبطَلَ الذي قال: الأُتْرُجّ، وليس في كلام العرب الأَتْرُجّ، فلمَّا احتُجَّ عليهم بأنَّ المتَّكأَ من نَارقَ، فرّوا إلى شَرّ منه، وقالوا: إنَّما هو المُنْك ساكنة التاء، وإنَّما المُتْكُ طَرَف البَظْرِ، ومن ذلك قيل لها: مَتْكاءُ، وابن المَتْكاءِ، فإن كان ثَمَّ أُتْرُجُّ فإِنَّه بعدَ المُتَّكَأ)) قلت: وَقَعَ هذا مُتَراخِياً عمَّا قبلَه عندَ الأكثر، والصَّواب إيرادُه تِلْوَه، فأمَّا الكلام على الأَشُدّ، فقال أبو عبيدة: هو جمعٌ لا واحد له من لفظه، وحكى الطَّبَرِيُّ: أنَّه واحد لا نَظِير له في الآحاد، وقال سيبويه: واحدُه شِدّة، وكذا = أنه ليس من قول الفضيل، وإنما هو من رواية يحيى بن يمان عن المنهال بن خليفة عن سلمة بن تمام الشَّقَري، ويرجح ما في المطبوع من ((تفسير ابن أبي حاتم)) أن السيوطي أورده في ((الدر المنثور)) عن سلمة ابن تمام معزواً لابن أبي حاتم وأبي الشيخ، ولم يُورده عن فضيل. وتبين بذلك رجحان ما وقع في رواية أبي ذر الهروي على رواية غيره، والله أعلم. (١) قوله: ((عن ابن عباس)) سقط من (س)، وأثبتناه من (ع)، وهو ثابت في ((مسند مسدد))، إذ أورده الحافظ في ((المطالب العالية)) (٣٦٣٧) فذكر ابن عباس في سنده. (٢) وقع في (أ) عزو هذه الرواية لابن مردويه في ((تفسيره))، بدل عزوه لمسدد، فالظاهر أن الحافظ رحمه الله عزاه أولاً لابن مردويه، ثم لما اطلع عليه في ((مسند مسدد)) آثر عزوه إليه في مراجعاته اللاحقة، ولهذا اقتُصِر علیه في (ع)، وُمع في (س) بين ما وقع في الأصلین، ولکن قوله بعد عزوه لابن مردويه: فزاد فيه عن مجاهد عن ابن عباس، یأبی الجمع بينهما. ٤١٠ سورة يوسف فتح الباري بشرح البخاري قال الكسائيّ، لكن بلا هاء(١). واختَلَفَ النَّقَلة في قَدْر الأَشُدّ الذي بَلَغَه يوسف، فالأكثر: أنَّه الحُلُم، وعن سعيد بن جُبَير: ثماني عشرةَ، وقيل: سبعَ عشرةَ، وقيل: عِشرونَ، وقيل: خمسةٌ وعِشرونَ، وقيل: ما بينَ ثماني عشرةَ إلى ثلاثينَ. وفي غيره: قال الأكثر: أربعونَ، وقيل: ثلاثونَ، وقيل: ثلاثة وثلاثونَ، وقيل: خمسة وثلاثونَ، وقيل: ثمانية وأربعونَ، وقيل: ستّونَ. وقال ابن التِّين: الأظهَر أنَّه أربعونَ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَهُ، وَأُسْتَوَ ءَانَيْنَهُ حُكْمًاً وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] وكان النبيّ لا يُنْبَّ حتَّى يَبلُغ أربعينَ. وتُعقِّبَ بأنَّ عيسى عليه السلام نُبَِّ لِدونِ أربعينَ، ويحيى كذلك، لقوله تعالى: ﴿وَءَتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وسليمان لقوله تعالى: ﴿فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] إلى غير ذلك. ٣٥٩/٨ والحقّ أنَّ المراد بالأشُدِّ: بلوغ سِنّ الحُلُم،/ ففي حَقّ يوسف عليه السلام ظاهر، ولهذا جاء بعدَه: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا﴾ وفي حَقّ موسى عليه السلام لعلَّه بعدَ ذلك كُبُلوغ الأربعينَ، ولهذا جاء بعده: ﴿ وَأَسْتَوَّ﴾، ووَقَعَ قوله: ﴿ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ في الموضعينِ، فدَلَّ على أنَّ الأربعينَ ليست حَدّاً لذلك. وأمَّا المتّكأُ، فقال أبو عبيدة: أعتَدَتْ: أفعَلَتْ من العَتاد، ومعناه: أعتَدَت لهنَّ مُتَّكاً، أي: نُمرُقاً يُتَّكأ عليه، وزَعَمَ قوم: أنَّه التُُّنجُ، وهذا أبطَلُ باطِل في الأرض، ولكِن عَسَى أن يكون معَ المتَّكأ تُرُنجٌ يأكلونَه، ويقال: ألفَى له مُتَّكأَ تَجلِس عليه. انتهى. وقوله: (ليس في كلام العرب الأَنْرُجْ)) يريد أنَّه ليس في كلام العرب تفسير ((المتّكأ)) بالأُتْرُجِّ. قال صاحب ((المطالع)): وفي الأَتْرُجّ ثلاث لُغات، ثانيها بالنّونِ وثالثها مثلها بحذفٍ الهمزة، وفي المفرَد كذلك. (١) مع فتح الشين. ٤١١ سورة يوسف كتاب التفسير وعندَ بعض المفسِّرِينَ: أَعتَدَتْ لهنَّ البِطّيخ والموز، وقيل: كان معَ الأَتْرُجّ عَسَل، وقيل: كان الطعام المذكور بَزْمَاوَزْد. لکِن ما نفاه المؤلّف رحمه الله تبعاً لأبي عبيدة، قد أثبته غيره. وقد روی عبد بن حُميدٍ من طريق عَوْف الأعرابيّ حديث ابن عبّاس: أنَّه كان يقرأها: مُنْكاً، مُفَّفةً، ويقول: هو الأُتْرُجّ، وقد حكاه الفَرّاء، وتَبعَه الأخفَش وأبو حنيفة الدِّينَوَريّ والقاليّ وابن فارس، وغيرهم، كصاحب ((المحكم)) و((الجامع)) و((الصِّحاح))، وفي ((الجامع)) أيضاً: أهل عُمان يُسَمّونَ السَّوسَن المُتْكَ، وقيل: بضمّ أوَّله: الأَنْرُجّ، وبفتحه: السَّوسَن، وقال الجَوْهريّ: المُتكُ: مَا تُبقيه الخاتِنة بعدَ الخِتان من المرأة، والمَتكاءُ التي لم تُخْتَن، وعن الأخفَش: المُتكُ: الأُتْرُجّ. تنبيه: ((مُتْكاً)) بضمٍّ أوَّله وسكون ثانيه وبالتَّنوين على المفعوليَّة: هو الذي فَسَّرَه مجاهد وغيره بالأَنْرُجِّ أو غيره، وهي قراءة، وأمَّا القراءة المشهورة، فهو ما يُتَكأ عليه من وِسادة وغيرها، كما جَرَت به عادة الأكابر عندَ الضّيافة. وبهذا التَّقرير لا يكون بينَ النَّقْلَيْنِ تَعارض. وقد روى عبد بن حُميدٍ من طريق منصور عن مجاهد قال: مَن قرأها مُثقَّلة قال: الطَّعام، ومَن قرأها مُفَّفة قال: الأُتْرُجُ. ثُمَّ لا مانع أن يكون المُتْكُ مُشتَرَكاً بينَ الأُتْرُجّ وطَرَف البَظْر، والبَظْر بفتح الموحّدة وسكون الظّاء المُشَالة: موضع الخِتان من المرأة، وقيل: البَظْراء التي لا تَحِ بَوْلَا. قال الكِرْمانيُّ: أراد البخاريّ أنَّ المتَّكأ في قوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكَئًا﴾ اسم مفعول من الانِّكاء، وليس هو مُثْكاً بمعنى الأُتْرُجّ، ولا بمعنى طَرَف البَظْر، فجاء فيها بعِباراتٍ مُعَجْرَفة. كذا قال، فوَقَعَ في أشدَّ ممّا أنكَرَه، فإنَّهَا إساءةٌ على مِثل هذا الإمام الذي لا يَليق بِمَن يَتَصَدَّى لشرحٍ کلامه. وقد ذكر جماعة من أهل اللّغة: أنَّ البَظْر في الأصل يُطلَق على ما له طَرَف من الجسد کالنَّدي. قوله: ((وقال قَتَادةُ: ﴿لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾: عامِلٌ بما عَلِمَ)) وصَلَه ابن أبي حاتم (٢١٧٠/٧) ٤١٢ سورة يوسف فتح الباري بشرح البخاري من طريق ابن عُيَينةَ عن سعيد بن أبي عروبة، عنه بهذا. قوله: ((وقال سعيد بن جُبَير: ﴿صُوَاعَ اَلْمَلِكِ﴾: مَكّوكُ الفارسيِّ الذي يَلتَقي طَرَفاه، كانت تشربُ الأعاجِم به)) وصَلَه ابن أبي حاتم (٧/ ٢١٧٣) من طريق أبي عَوَانة عن أبي بشر عن سعيد بن جُبَير مثله، ورواه ابن مَندَهْ في ((غرائب شُعْبة))، وابن مَرْدويه من طريق عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبة عن أبي بشر عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس في قوله: ﴿صُوَاعَ اَلْمَلِكِ﴾ قال: كان كَهَيئة المكّوك من فِضّة يَشرَبونَ فيه، وقد كان للعبّاس مثله في الجاهليّة. وكذا أخرجه أحمد وابن أبي شَيْبة(١) عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبة. وإسناده صحيح. والمگوك، بفتح الميم وکافَين الأولى مضمومة ثقيلة بينهما واو ساكنة: هو مِكْیال معروف لأهلِ العراق. تنبيه: قراءة الجمهور: ﴿صُوَاعَ﴾، وعن أبي هريرة أنَّه قرأ: ((صاع الملِك))، وعن أبي رَجَاء: (صَوْعَ الملِك)) بسكونِ الواو، وعن يحيى بن يَعمَرَ مثله، لكن بغَيْنِ مُعجَمة، حكاها الطََّريّ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿تُفَنِّدُونِ﴾: تُجُهِّلونٍ)) وروى ابن أبي حاتم (٢١٩٨/٧) من ٣٦٠/٨ طريق أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهُذَيلِ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿لَوْلَآ أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾/ أي: تُسَفِّهونٍ، وكذا قال أبو عبيدة، وكذا أخرجه عبد الرَّزّاق، وأخرج أيضاً (٣٢٨/١) عن مَعمَر عن قَتَادة مثله، وأخرجه ابن مَرْدويه من طريق ابن أبي الهُذَيلِ أيضاً أتمَّ منه، قال في قوله: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْغِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] قال: لمَّا خرجتِ العیر هاجَت ريحُ فأتت يعقوبَ بريحِ يوسفَ فقال: ﴿إِنِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ قال: لولا أن تُسَفِّهوني، قال: فَوَجَدَ ريحَه من مَسيرة ثلاثة أيام. وقوله: ((﴿تُفَيِّدُونِ﴾)): مأخوذ من الفَنَدِ، مُحرَّكاً: وهو الهَرَم. قوله: (﴿غَيَبَتِ الْجُبٍ﴾: كلّ شيءٍ غَيَّبَ عنك شيئاً فهو غَيَابَة، والجُبّ: الرَّكيَّة التي لم (١) في ((تفسيريهما)) كما نص عليه الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢٢٨/٤، ومن طريق أحمد بن حنبل أخرجه الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) ١٠/ (٩٣). ٤١٣ سورة يوسف كتاب التفسير تُطْوَ)) كذا وَقَعَ لأبي ذرٍّ، فأوهَمَ أنَّه من كلام ابن عبّاس لعَطِفِه عليه، وليس كذلك، وإنَّما هو كلام أبي عُبيدة كما سأذكرُه(١). ووَقَعَ في رواية غير أبي ذرٍّ: وقال غيره: غَيابة ... إلى آخره. وهذا هو الصَّواب. قوله: (﴿بِمُؤْمِنٍ أَنَا﴾: بمُصَدِّقٍ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا﴾ أي: بمُصَدِّقٍ. قوله: (﴿شَغَفَهَا حُبّا﴾: يقال: بَلَغَ شِغافَها (٢)، وهو غِلاف قَلْبها، وأمَّا شَعَفَها)) يعني: بالعينِ المُهْمَلة «فمن المَشْعُوفِ(٣)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ أي: وصَلَ الحُبّ إلى شَغاف قلبها، وهو غِلافه، قال: ويقرأه قوم: ((شَعَفَها)) أي: بالعين المهمَلة، وهو من المَشْعُوف، انتهى. والذي قرأها بالمهمَلة: أبو رَجاء والأعرَج وعَوف رواه الطَّبَريّ، ورُويَتْ عن عليّ، والجمهورُ بالمعجَمة، يقال: مَشعوف بفلانٍ: إذا بَلَغَ الحُبّ أقصَى المذاهب، وشِعافُ الجبال: أعلاها، والشَّغاف بالمعجَمة: حَبّة القلب، وقيل: عَلَقة سوداء في صَميمه. وروى عبد بن حُميدٍ من طريق قُرّة عن الحسن قال: الشَّغَف - يعني بالمعجَمة -: أن يكون قُذِفَ في بطنها حُّه، والشَّعَف - يعني بالمهمَلة -: أن يكون مَشعوفاً بها. وحكى الطََّرِيُّ عن عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلَمَ: أَنَّ الشَّعَف، بالعين المهمَلة: البُغض، وبالمعجَمة: الحُبّ، وغَلَّطَه الطَّبَرِيُّ، وقال: إنَّ الشَّعَف، بالعين المهمَلة، بمعنى عموم الحُبّ أَشهَرُ من أن يَجِهَلَه ذو عِلم بكلامهم. (١) كذا أحال الحافظ هنا إلى أنه سيذكر كلام أبي عبيدة، فلعله أراد ما وقع في غير رواية أبي ذر من التصريح بأن هذا الكلام لغير ابن عباس، والله أعلم. (٢) نقل القسطلّاني عن السفاقُسِيّ قوله: بكسر الشين المعجمة ضبطه المحدِّثون، وفي كتب اللغة بفتحها. (٣) تحرف في الأصلين و(س) في الموضعين إلى: الشُّعوف، والتصويب من اليونينية و((إرشاد الساري))، وعليه يدل سياق كلام الحافظ، وبخاصةٍ نقلُه عن الحسن البصري الآتي، على أنه لم يُستعمل في اللغة الشُّعُوف من شعف لا اسماً ولا مصدراً، والله أعلم. ٤١٤ سورة يوسف فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾: أميل إليهنَّ، صَبَا: مالَ(١)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾، أي: أهواهُنَّ وأمِيل إليهنَّ، قال الشّاعر(٢). إلى هِنْدٍ صَبَا قلبي وهِندٌ مِثْلُها يُصْبِي أي: مَالَ. قوله: (﴿أَضْغَاتُ أَعْلَمٍ﴾: ما لا تَأويل له. الضِّغْث: مِلْء اليدِ من حَشيش وما أشبهَه، ومنه ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾، لا من قوله: ﴿أَضْغَتُ أَعْلَمٍ﴾: واحدها ضِغْت)) كذا وَقَعَ لأبي ذرٍّ، وتوجيهه أنَّه أراد أنَّ ضِغثاً في قوله تعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾ بمعنى مِلء الكَفّ من الحَشيش، لا بمعنى ما لا تأويل له، ووَقَعَ عندَ أبي عُبيدة في قوله تعالى: ﴿قَالُواْأَضْغَاتُ أَعْلَمٍ﴾: واحدها ضِغْت، بالكسرِ، وهي: ما لا تأويل له من الرُّؤيا، وأراهُ جَمَاعاتٍ تُجمَع من الرُّؤيا، كما يُجمَع الحَشيشُ، فيُقال: ضِغث، أي: مِلء كَفِّ منه، وفي آية أُخرى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنَا فَأَضْرِبِ بِّهِ،﴾. وروى عبد الرَّزّاق (٣٢٤/١) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿أَضْغَاتُ أَعْلَمٍ﴾ قال: أخلاط أحلام، ولأبي يَعْلى (٢٦٦٧) من حديث ابن عبّاس في قوله: ﴿أَضْغَاتُ أَعْلَمٍ﴾ قال: هي الأحلام الكاذبة. قوله: ((نَمِيرُ: من المِيرة ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: ما نَجِمِلُ بعيرٌ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾: من مِرْت تَمِيرِ مَيْراً، وهي المِيرة، أي: نأتيهم ونَشتَري لهم الطَّعام، وقوله: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي: حِمْل بعير، يُكال له ما حَلَ بَعيرٌ. وروى الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نچیح عن مجاهد قوله: ﴿گیْلَ بعیڕٍ﴾، أي: گیل حمار. وقال ابن خالويه في كتاب ((ليس)): هذا حرفٌ نادِرٌ، ذكر مُقاتل عن الزَّبُور: البعير: كلّ ما يَحمِلُ، بالعِبرانيَّة، ويُؤيِّد ذلك أنَّ إخوة يوسف كانوا من أرض كَنْعانَ، وليس بها إبل. ٣٦١/٨ كذا/ قال. (١) لفظة ((مال)) سقطت من الأصلين، واستدركناها من اليونينية و((إرشاد الساري))، ولعل إسقاطها من بعض النساخ عمداً، ظنها مكررة عن ((قال)) التي بعدها فحذفها، والله أعلم. (٢) هو يزيد بن ضَبَّة. انظر: ((تفسير الثعلبي)) ٢٢٠/٥. ٤١٥ سورة يوسف كتاب التفسير قوله: (﴿،َوَىَ إِلَيْهِ﴾: ضَمَّ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ ﴾ أي: ضَمّه، آواه، فهو يُؤوي إلیه إیواءً. قوله: (﴿السِّقَايَةَ﴾: مِكْيال)) هي الإناء الذي کان یَشربَ به. قيل: جعله يوسف عليه السلام مِكيالاً لئلّا يَكتالوا بغيره فيُظلَموا، وروى عبد الرَّزاق (٣٢٥/١) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ جَعَلَ اُلْسِّقَايَةَ﴾ قال: إناء الملِك الذي يَشرَب به. قوله: (﴿تَفْتَؤُأ﴾: لا تَزال)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، أي: لا تَزالُ تَذْكُرُه، وروى الطَّبَرِيُّ (٤١/١٣) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: ﴿َتَفْتَؤُّأْ﴾، أي: لا تَفتُر عن حُبّه. وقيل: معنى ﴿تَفْتَؤُّأْ﴾: تَزال، فحُذِفَ حرف النَّفي. قوله: ((تَحَسَّسُوا: تَخَبَّروا)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ يقول: تَخَّرُوا وَالْتَمِسُوا فِي المَظانّ. قوله: ((﴿غَشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ﴾: عامّة مُجَلِّلةٌ)) بالجيم، وهو تأكيد لقوله: عامّة. وقال أبو عُبيدة: ﴿غَشِيَةٌ مِّنْ عَذَابٍ اَللَّهِ﴾: مُجُلِّلة. وهي بالجيم وتشديد اللّام، أي: تَعُمّهم. وروى عبد الرَّزاق (٣٢٩/١) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿غَشِيَةٌ مِّنْ عَذَابٍ اُللهِ﴾، أي: وَقِيعةٌ تَغشاهم. قوله: (﴿ مُزْجَئةٍ﴾: قليلةٍ)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَحِثْنَا بِضَعَةٍ مُزْجَمَةٍ﴾ أي: يسيرة قليلة. وقيل: رديئة(١)، وقيل: فاسدة. وروى عبد الرَّزّاق (٣٢٨/١) عن معمر عن قَتَادة في قوله: ﴿مُرْجَةٍ﴾ قال: يسيرة، ولِسعيد بن منصور (١١٣٩) عن عِكْرمة في قوله: ﴿مُرْجَةٍ ﴾ قال: قليلة. واختلف في بضاعتهم، فقيلَ: کانت من صوف ونحوه، وقيل: دراهم رديئة، وروی عبد الرَّزّاق بإسنادٍ حسن عن ابن عبّاس، وسُئِلَ عن قوله: ﴿بِضَعَةٍ مُرْجَئةٍ﴾ قال: رَثَّةُ الحبْل والغِرارة والشَّنّ. (١) قوله: ((وقيل: رديئة)) سقط من (س). ٤١٦ سورة يوسف / ح ٤٦٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (﴿حَرَضًا﴾: تُخْرَضاً، يُذيبُك الهَمّ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿حَّى تَكُونَ خَرَضًا﴾ الخَرَض: الذي أذابَه الحُزن أو الحُبّ، وهو في موضعٍ مُرَضٍ، قال الشّاعر(١): إنّي امْرُؤْ لَجَّ بي حُزن فأحرَضَني أي: أذابني. قوله: (﴿أَسْتَيْئَسُواْ﴾: بَيْسوا (لا تَيأْسُوا مِن رَوْح الله)) معناهُ: الرَّجاء)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ، وسَقَطَ لغيرهما، وقد تقدَّم في ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء(٢). قوله: ((﴿خَلَصُواْ غِيًّا﴾: أي: اعْتَزَلوا نَجيّاً، والجمع أنْجية، يَتَنَاجَوْنَ، الواحد نَچِيٌّ، والاثنان، والجمع نَجِيّ وأَنْجية)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي والكُشْمِيهنيّ، ووَقَعَ في رواية المُستَمْلِي: اعْتَرَفُوا، بَدَل: اعتَزَلوا. والصَّواب الأوَّل، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿خَلَصُوْ نَجِيًّا﴾: أي: اعتَزَلُوا نَجِيّاً يَتَنَاجَونَ، والنَّجِيّ يقع لفظه على الواحد والجمع أيضاً، وقد يُجمَع فيقال: أنجِيةٌ. ١- باب قوله: ﴿وَيُتِمُ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَعَلَّءَالِ يَعْقُوبَ) الآية [يوسف: ٦] ٤٦٨٨ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا عبدُ الصَّمَد، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ قال: ((الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ، يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ)). قوله: ((باب قوله: ﴿ وَيُتِمُ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ الآيةَ)) ذكر فيه حديث ابن عمر: ((الكريم ابن الكريم)) الحديث، وأخرج الحاكم (٣٤٦/٢ -٣٤٧ و٥٧٠ -٥٧١) مثله من حديث أبي هريرة (٣). وهو دالٌّ على فضيلةٍ خاصّةٍ وَقَعَت ليوسفَ عليه السلام، لم (١) نسبه أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)) للعَرْجي، وهو عبد الله بن عُمر بن عَمرو الأموي. (٢) بين يدي الحديث رقم (٣٣٩٠). (٣) أراد الحافظُ رحمه الله أن الحاكم رواه بلفظ ابن عمر تماماً، فإن كان كذلك فقد فاته أن ينسبه لأحمد، إذ= ٤١٧ سورة يوسف / ح ٤٦٨٩ كتاب التفسير يَشْرَكه فيها أحد، ومعنى قوله: ((أكرَمُ الناس))(١) أي: من جهة النَّسَب، ولا يَلزَم من ذلك أن يكون أفضلَ من غيره مُطلَقاً. وقوله في أوَّل الإسناد: ((حدَّثْنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيُّ شيخه المشهور، ووَقَعَ في ((أطراف خَلَف)) هُنا: وقال عبد الله بن محمَّد. والأوَّل أولَى. ٢- باب قوله: ٣٦٢/٨ ﴿ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ: ءَايَتٌ لِلسَّآِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] ٤٦٨٩- حدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا عبدةُ، عن عُبيدِ الله، عن سعيدٍ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ عُ، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِوَّهِ: أَيُّ الناسِ أكرَمُ؟ قال: ((أكرَمُهم عندَ الله أتْقَاهُم)) قالوا: ليس عن هذا نسألُكَ، قال: ((فأكرَمُ الناسِ يوسفُ، نبيُّ الله ابنُ نبيِّ الله ابنِ نبيِّ الله ابنِ خَليلٍ الله)) قالوا: ليس عن هذا نسألُكَ، قال: ((فَعن مَعادِنِ العربِ تَسْأَلونَني؟)) قالوا: نعم، قال: ((فخِيارُكُم في الجاهليَّةِ خِيارُكُم في الإسلام، إذا فَقُهوا)). تابَعَه أبو أُسامةَ عن عُبيدِ الله. قوله: ((باب قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ: ،َايَتُ لِلِسَّآِلِينَ﴾)) ذكر ابن جَرِير وغيره أسماء إخوة يوسف، وهم: روبيل، وشمعون، ولاوِي، ويهوذا، وزبالون، ويشجر، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر، وبنيامين، وأكبرهم أوَّلهم. ثمَّ ذكر المصنِّف فيه حديث أبي هريرة: سُئِلَ رسول الله وَّ: أيُّ الناس أكرَم؟ الحديث، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٤). ومحمَّد في أوَّل الإسناد: هو ابن سَلَام كما تقدَّم مُصرَّحاً به في أحاديث الأنبياء (٣٣٨٣)، وعبدة: هو ابن سليمان، وعُبيد الله: هو العمريّ. = هو فيه برقم (٨٣٩١)، وإنما قلنا ذلك لأن البخاري أخرج حديث أبي هريرة بعد حديث ابن عمر هذا مباشرة في الباب التالي بنحو لفظ ابن عمر. (١) هذا لفظ حديث أبي هريرة الآتي بعده، وليس لفظ ابن عمر. ٤١٨ سورة يوسف / ح ٤٦٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وفي الجمع بينَ قول يعقوب: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦] وبين قوله: ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] غُموض، لأنَّ جَزَمَ بالاجتِباءِ، وظاهره فيما يُستَقَبَل، فكيفَ يَخاف عليه أن يَهلِكَ قبلَ ذلك؟ وأُجيبَ بأجوبةٍ: أحدها: لا يَلزَم من جواز أكل الذِّئب له أكل جميعه بحيثُ يموت. ثانيها: أراد بذلك دَفع إخوته عن التوَجُّه به، فخاطَبَهم بما جَرَت عادتُهم لا على ما هو في مُعتَقَده. ثالثها: أنَّ قوله: ﴿يَجْنَبِيكَ﴾ لفظه لفظ خَبَرَ، ومعناه الدُّعاء، كما يقال: فلان يرحمه الله، فلا يُنافي وقوعَ هلاكه قبلَ ذلك. رابعها: أنَّ الاجتِباء الذي ذكر يعقوبُ أنَّه سَيَحصُلُ له، كان حَصَلَ له قبلَ أن يسأل إخوَتُه أباهم أن يوَجِّهه معهم، بدليلٍ قوله بعدَ أن ألقَوه في الجُبّ: ﴿وَأَوْحَيْنَآَ إِلَيْهِ لَتُنَبِنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، ولا بُعدَ في أن يُؤْتَى النَّة في ذلك السِّنّ، فقد قال اللهُ تعالى في قِصّة يحيى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، ولا اختصاص لذلك بيحيى، فقد قال عيسى وهو في المَهْد: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنْنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَى نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]، وإذا حَصَلَ الاجتِباء الموعود به لم يَمتَنِعِ عليه الهلاك. خامسها: أنَّ يعقوب أخبر بالاجتِباءِ مُستَنِداً إلى ما أوحِي إليه به، والخبر يجوز أن يَدخُلَه النَّسْخِ عندَ قوم، فيكون هذا من أمثِلَته، وإنَّما قال: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ تَجويزاً لا وقوعاً، وقريب منه أنَّه وله أخبرنا بأشياءَ من علامات الساعة: كالدَّجّال(١)، ونزول عيسى (٢)، وطُلوع الشمس من المغرب(٣)، ومع ذلك فإنَّه خرج لمَّا كَسَفَت الشمس يَجُرّ رِداءَه فِزِعاً يَخْشَى أن تكون الساعةُ(٤). (١) انظر ما سيأتي برقم (٧١٢٢ - ٧١٣١). (٢) انظر ما سلف برقم (٢٢٢٢). (٣) انظر ما سلف برقم (٤٦٣٥). (٤) انظر ما سلف برقم (١٠٥٩). ٤١٩ سورة يوسف / ح ٤٦٩٠-٤٦٩١ كتاب التفسير وقوله: ((تابَعَه أبو أسامة عن عُبيد الله)) وصَلَه المؤلِّف في أحاديث الأنبياء (٣٣٨٣). ٣- باب قوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] ﴿سَوَّلَتْ﴾: زَيَّنَتْ. ٤٦٩٠- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعْدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ. قال: وحدَّثنا الحَجّاجُ، حدّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ النُّمَيِيُّ، حدَّثنا يونسُ بنُ يَزِيدَ الأيلِيُّ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، سمعتُ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ وسعيدَ بنَ المسيّب وعَلْقمةَ بنَ وَقّاصٍ وعُبيد الله ابنَ عبدِ الله، عن حديثٍ عائشةَ زَوْج النبيِّ وَّةَ، حينَ قال/ لها أهلُ الإِفْكِ ما قالوا، فَبَرَّأها الله ٣٦٣/٨ - كلٌّ حدَّثني طائفةً منَ الحديثِ - قال النبيُّنَّهِ: ((إن كنتِ بَرِيئَةً فسَيُرِّتُكِ الله، وإن كنتِ المَمْتِ بذَتْبِ فاستَغْفِري الله وتوبي إليه)) قلتُ: إنّ والله لا أجِدُ مثلاً إلا أبا يوسفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ اُلْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، وأنزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ العَشْرَ الآياتِ. ٤٦٩١- حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن حُصَينٍ، عن أبي وائلٍ، قال: حدَّثْني مَسْروقُ ابنُ الأَجْدَعِ، قال: حدَّثْني أُّ رُومانَ، وهيَ أُّ عائشةَ، قالت: بينا أنا وعائشةُ أخَذَتْها الحُمَّى، فقال النبيُّ نَّهِ: ((لعلَّ في حديثٍ تُحُدِّثَ؟)) قالت: نعم، وقَعَدَت عائشةُ، قالت: مَثَلِي ومَثَلُكُم كَيَعقوبَ وبَنِيه: ﴿بَلّ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ سوَّلَت: زَيَّنَت)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾: أي: زَيَّنَت وحَسَّنَت. ثمَّ ذكر المصنِّ طَرَفاً من حديث الإفك، وسيأتي شرحه بتمامه في تفسير سورة النّور (٤٧٥٠). وذكر أيضاً من طريق مسروق: حدَّثْني أمّ رومان وهي أمّ عائشة، فذكر أيضاً من حديث الإفك طَرَفاً، وقد تقدَّم بأتمَّ سياقاً من هذا في ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء (٣٣٨٨)، وتقدَّم شرح ما قيل في الإسناد المذكور من الانقطاع والجواب عنه مُستَوفَّى، ويأتي التَّنبيه على ما فيه من فائدة في تفسير سورة النّور إن شاء الله تعالى. ٤٢٠ سورة يوسف / ح ٤٦٩٢ - ٤٦٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ٤- باب قوله: ﴿وَرَوَدَتَّهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ اُلْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] قال عِكْرِمةُ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالحَوْرانيَّةِ: هَلُمَّ. وقال ابنُ جُبَيٍ: تَعالَهْ. ﴿مَثْوَنُهُ﴾ [٢١]: مُقَامُهُ. ﴿وَأَلْفَيَا﴾ [٢٥]: وجَدَا ﴿أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿أَلْفَيَّنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]. وعن ابنِ مسعودٍ: ((بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرونَ)) [الصافات: ١٢]. ٤٦٩٢ - حدَّثني أحمدُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: قال: وإِنَّا نَقرؤُها كما عُلِّمْناها. ٤٦٩٣ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن مسلمٍ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللهِ ﴾: إنَّ قُرَيشاً لمَّا أبطَؤْوا على النبيِّ وَّهِ بِالإسلامِ، قال: ((اللهمَّ اكْفِيهِم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يوسفَ)) فأصابتْهم سَنَّةٌ، حَصَّتْ كلَّ شيءٍ حتَّى أكَلُوا العِظامَ، حتَّى جَعَلَ الرجلُ يَنظُرُ إلى السماءِ، فيَرَى بينَه وبينَها مِثلَ الدُّخان، قال اللهُ: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، قال اللهُ: ﴿﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمُ عَّيِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، أَفَيُكْشَفُ عنهمُ العذابُ يومَ القيامةِ؟ وقد مضى الدُّخانُ، ومَضَتِ البَطْشَةُ. قوله: ((باب قوله: ﴿وَرَوَدَتَّهُ الَِّىِ هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ))) اسم هذه المرأة في المشهور زَلِيخا، وقيل: راعِيل، واسم سَيِّدها العزيز: قِطْفِير بكسرٍ أوَّله، وقيل: بهمزة بَدَل القاف. قوله: ((﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، قال عِكْرمة: /﴿هَيْتَ﴾ بالحَوْرانيَّة: ٣٦٤/٨ هَلُمَّ، وقال ابن جُبَير: تَعالَةً)) أمَّا قول عِكْرمة فوَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريقه، وأخرج من وجه آخر عن عِكْرمة قال: ((هُيِّئْتُ لك)) يعني: بضمِّ الهاء وتشديد التَّحتانيَّة، بعدها أُخرى