Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة براءة / ح ٤٦٦٣ -٤٦٦٤ كتاب التفسير الحُرُم، أي: أَخَّروها، فيُحِلّونَ شهراً حَراماً ويُحرِّمونَ مكانه آخر بدلَه، حتَّى رُفِضَ تخصيص الأربعة بالتَّحريمِ أحياناً، ووَفَعَ تحريمُ أربعةٍ مُطلَقٍ من السَّنة، فمعنى الحديث أنَّ الأشهُر رَجَعَت إلى ما كانت عليه وبَطَلَ النَّسيء. وقال الخطَّبيُّ: كانوا يُخْالفونَ بينَ أشهُر السَّنة بالتَّحليلِ والتَّحريم، والتَّقديم والتَّاخير لأسبابٍ تَعرِض لهم، منها استعجال الحرب، فيَستَحِلّونَ الشَّهر الحرام ثمَّ يُحرِّمونَ بَدَله شهراً غيره، فتَتَحوَّل في ذلك شُهور السَّنة وتَتَبدَّل، فإذا أتى على ذلك عِدّة من السِّنينَ استدارَ الزَّمان وعادَ الأمر إلى أصله، فاتَّفَقَ وقوع حَجّة النبيّ ◌َلِّ عندَ ذلك. تنبيه: أبدَى بعضهم لمَا استَقَرَّ عليه الحالُ من ترتيب هذه الأشهر الحُرُم مُناسَبةً لطيفةً، حاصلُها: أنَّ للأشهُرِ الْحُرُم مَزِيَّةً على ما عَداها، فناسَبَ أن يُبدَأ بها العامُ وأن تَتَوَسَّطه وأن تُخْتَمَ به، وإنَّما كان الختم بشهرَينٍ لوقوع الحجّ خِتَامَ الأركان الأربع، لأنَّها تَشتَمِل على عَمَل مالٍ مَخْضٍ، وهو الزكاة، وعَمَل بَدَنِ مَحَضٍ، وذلك تارةً يكون بالجوارح، وهو الصلاة، وتارة بالقلب، وهو الصوم، لأنَّه كَفُّ عن المفطِّرات، وتارةً عملٌ مُركَّب من مالٍ وبَدٍَ، وهو الحجّ، فلمَّا جمعهما ناسَبَ أن يكون له ضِعفُ ما لواحدٍ منهما، فكان له من الأربعة الحُرُم شهران، والله أعلم. ٨- باب قوله: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أي: ناصرُنا، السَّكِينةُ: فعِيلةٌ منَ السُّكونِ. ٤٦٦٣- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثْنَا حَبّانُ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، حدَّثْنا ثابتٌ، حدَّثنا أنسٌ، قال: حدَّثني أبو بَكْرِ عُ، قال: كنتُ معَ النبيِّ وَّه في الغار، فرأيتُ آثَارَ المشركينَ، قلتُ: يا رسولَ الله، لو أنَّ أحدَهم رَفَعَ قَدَمَه رآنًا، قال: «ما ظنُّكَ باثنَيْنِ اللّهُ ثالثُهما)). ٤٦٦٤ - حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا ابنُ عُيَينَةَ، عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، ٣٢٦/٨ ٣٤٢ سورة براءة / ح ٤٦٦٥ - ٤٦٦٦ فتح الباري بشرح البخاري عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّه قال حينَ وقَعَ بينَه وبينَ ابنِ الزُّبَيِ: قلتُ: أبوه الزُّبَيرُ، وأُّه أسماءُ، وخالَتُه عائشةُ، وجَدُّه أبو بَكْرِ، وجَدَّتُه صَفِيَّةٌ. فقلتُ لِسفيانَ: إسنادَه. فقال: حدَّثْنا، فشَغَلَه إنسانٌ، ولم يَقُلِ: ابنُ جُرَيج. [طرفاه في: ٤٦٦٥، ٤٦٦٦] ٤٦٦٥- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثني يحيى بنُ مَعِينٍ، حدَّثنا حَجّاٌ، قال ابنُ جُرَيج: قال ابنُ أبي مُلَيكةً: وكان بينَهما شيءٌ، فغَدَوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ، فقلتُ: أتريدُ أن تُقاتلَ ابنَ الزُّبَيِ، فتُحِلَّ ما حَرَّمَ الله؟ فقال: مَعاذَ الله، إنَّ الله كَتَبَ ابنَ الزُّبَيرِ وبني أُميََّ مُحِلِّينَ، وإنّي والله لا أُحِلُّه أبداً، قال: قال الناسُ: بايعْ لابنِ الزُّبَيِ، فقلتُ: وأينَ بهذا الأمرِ عنه؟! أمَّا أبوه فحَوَارِيُّ النبيِّ ◌َ - يريدُ الزُّبَيرَ - وأمَّا جَدُّه فصاحبُ الغار - يريدُ أبا بَكْرِ - وأُقُّه فذاتُ النِّطاق - يريدُ أسماءَ - وأمَّا خالتُهُ فَأُمُّ المؤمنينَ - يريدُ عائشةَ - وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوِجُ النبيِّ ◌َه ◌ِ یریدُ خَدِيجَةَ - وَأَمَّا عَمّةُ النبيِّ ◌َ فِجَدَّتُه - يريدُ صَفِيَّةَ - ثمَّ عَفِيفٌ في الإسلامِ، قارئٌّ للقرآنِ، والله إِن وَصَلُونِي وَصَلُوني مِن قريبٍ، وإن رَبُّونِي رَبُّوني أَكْفَاءٌ كِرامٌ، فَأَثَرَ التُّوَيْتَاتِ، والأُسامات، والحُميدات - يريدُ أبطُناً من بني أسَدٍ: بني تُوَيتٍ، وبني أُسامةَ، من أسَدٍ - إنَّ ابنَ أبي العاص بَرَزَ يَمْشِي القُدَمِيَّةَ - يعني عبدَ الملِكِ بنَ مَرْوان - وإِنَّه لَوَّى ذَنَبَه - يعني ابنَ الزُّبيرِ .. ٤٦٦٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ بنِ ميموٍ، حدَّثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن عمرَ بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني ابنُ أبي مُلَيكةَ: دَخَلْنا على ابنِ عبَّاسٍ، فقال: ألا تَعْجَبونَ لابِ الزُّبَيِ قامَ في أمرِهِ هذا؟ فقلتُ: لأُحاسِبَنَّ نفسي له ما حاسَبتُها لأبي بكرٍ ولا لِعمرَ، ولَهُما كانا أوْلَى بكلِّ خيرٍ منه، وقلتُ: ابنُ عَمّةِ النبيِّ ◌ََّ، وابنُ الزُّبَيِ، وابنُ أبي بكرٍ، وابنُ أخي خَدِيجَةَ، وابنُ أُختِ عائشةَ، فإذا هو يَتَعَلَّى عنِّي ولا يُرِيدُ ذلك، فقلتُ: ما كنتُ أظنُّ أنَّ أعرِضُ هذا من نفسي فيَدَعُه، وما أُراه يُرِيدُ خيراً، وإن كان لا بُدَّ، لَأَنْ يَرُبَّني بنو عَمّي، أحَبُّ إليَّ من أن يَرُّبَّنِي غيرُهم. قوله: ((باب قوله: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي: ناصِرنا)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ أي: ٣٤٣ سورة براءة / ح ٤٦٦٥ -٤٦٦٦ كتاب التفسير ناصِرنا وحافِظُنا. قوله: ((السَّكينة فَعِيلَة من السُّكون)) هو قولُ أبي عُبيدة أيضاً. قوله: ((حدَّثْنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيُّ، وهو المذكور في جميع أحاديث الباب إلّا الطَّريق الأخير، وفي شيوخه عبد الله بن محمَّد جماعةٌ، منهم أبو بكر بن أبي شَيْبة، ولكِن حيثُ يُطلَق ذلك فالمراد به الجُعْفيُّ لاختصاصه به وإكثاره عنه. وحَبّانُ، بفتح أوَّله ثمَّ الموحّدة الثَّقيلة: هو ابن هلال، وقد تقدَّم الحديث معَ شرحه في مناقب أبي بكر (٣٦٥٣). قوله: ((حينَ وَقَعَ بينَه وبينَ ابن الزُّبَير)) أي: بسبب البيعة، وذلك أنَّ ابن الزُّبَيرِ حينَ ماتَ معاويةُ امْتَنَعَ من البيعة / ليزيدَ بن معاوية، وأصَرَّ على ذلك حتَّى أغرَى يزيدُ بنُ معاوية مسلمَ ٣٢٧/٨ ابنَ عُقبة بالمدينة، فكانت وقعةُ الحَرَّة، ثمَّ تَوَجَّهَ الجيش إلى مكَّةَ، فماتَ أميرُهم مسلم بن عُقْبة، وقامَ بأمرِ الجيش الشّاميّ حصين بن نُمَير، فحَصَرَ ابنَ الزُّبَيرِ بمكَّةَ، وَرَمَوا الكعبةَ بالمَنجَنيقِ حتَّى احتَرَقَت. ففَجِئَهُمُ الخبرُ بموتِ يزيد بن معاوية فرجعوا إلى الشّام، وقامَ ابن الزُّبَير في بناء الكعبة، ثمَّ دَعَا إلى نفسه فبويِعَ بالخِلَافة، وأطاعَه أهل الحِجاز ومِصر والعراق وخُراسان وكثير من أهل الشّام، ثمَّ غَلَبَ مروان على الشّام، وقُتِلَ الضَّحّاك بن قيس الأمير من قِبَل ابن الزُّبَير بمَرجِ راهِط، ومضى مروان إلى مِصر فَغَلَبَ عليها، وذلك كلّه في سنة أربع وستّينَ، وكَمُلَ بناء الكعبة في سنة خمس، ثمَّ ماتَ مروان في سنة خمس وستّينَ وقامَ عبد الملك ابنُه مقامَه، وغَلَبَ المختار بن أبي عُبيد على الكوفة، ففَرَّ منه مَن كان من قِبَل ابن الزُّبَير، وكان محمَّد بن عليّ بن أبي طالب المعروف بابنِ الحنفيَّة وعبد الله بن عبَّاس مُقيمينِ بمكّة مُنذُ قَتْلِ الحسين، فدعاهما ابن الزُّبَير إلى البيعة له فامتَنَعا، وقالا: لا نُبَايِع حتَّى يَجَتمِعَ الناس على خليفة، وتَبِعَهما جماعة على ذلك، فشَدَّدَ عليهم ابنُ الزُّبَير وحَصَرَهم، فَبَلَغَ المختارَ، فَجَهَّزَ إليهم جيشاً فأخرَجوهما، واستأذَنوهما في قتال ابن الزُّبَير فامتَنَعا، وخَرَجا إلى الطائف، فأقاما بها حتَّى ماتَ ابن عبّاس سنة ثمان وستّينَ، ورَحل ابن الحنفيَّة بعدَه إلى جهة رَضْوَى، جبلٍ يَنْبُعَ فأقامَ هناكَ، ثمَّ أراد دخول الشّام، فتَوَجَّة إلى نحو ٣٤٤ سورة براءة / ح ٤٦٦٥ - ٤٦٦٦ فتح الباري بشرح البخاري أيلةَ، فماتَ في آخر سنة ثلاث أو أوَّل سنة أربع وسبعينَ، وذلك عَقِبَ قتل ابن الزُّبَير على الصَّحيح، وقيل: عاشَ إلى سنة ثمانينَ أو بعدَ ذلك، وعندَ الواقديِّ: أنَّه ماتَ بالمدينة سنة إحدى وثمانينَ. وزَعَمَت الكَيسانيَّة أنَّه حَيّ لم يَمُت، وأنَّه المهديّ، وأنَّه لا يموت حتَّى يَملِك الأرضَ، في خُرافات لهم كثيرة ليس هذا موضعها. وإنَّما لَخَّصتُ ما ذكرته من ((طَبَقات ابن سعد)) و ((تاريخ الطََّرَيِّ)) وغيره لبيان المراد بقولِ ابن أبي مليكة: حينَ وَقَعَ بينَه وبينَ ابن الزُّبَير، ولقوله في الطَّريق الأُخرى: فغَدَوت على ابن عبّاس فقلت: أتريدُ أن تُقاتل ابن الزُّبَير؟ وقول ابن عبّاس: قال الناس: بايِعْ لابنِ الزُّبَير، فقلت: وأين بهذا الأمر عنه؟! أي: أنَّه مُستَحِقّ لذلك لمَا له من المناقب المذكورة، ولكِن امتَنَعَ ابن عبّاس من المبايعة له لمَا ذَكَرناه. وروى الفاكِهيّ من طريق سعيد بن محمَّد بن جُبَير بن مُطعِم عن أبيه قال: كان ابن عبّاس وابن الحنفيّة بالمدينة ثمَّ سَكَنا مكَّةَ، وطلبَ منهما ابن الزُّبَير البيعة، فأبَيا حتَّى يَجِتَمِع الناس على رجل، فضَيَّقَ عليهما، فَبَعثا رسولاً إلى العراق، فخرج إليهما جيش في أربعة آلاف فَوَجَدوهما محصورَينٍ، وقد أُحضِرَ الحطبُ، فجُعِلَ على الباب يُحْوِّفُهما بذلك، فأخرَجوهما إلى الطائف. وذكر ابن سعد أنَّ هذه القِصّة وَقَعَت بينَ ابن الزُّبَير وابن عبّاس في سنة ستّ وستّينَ. قوله: ((وأُقْه أسماء)) أي: بنت أبي بكر الصِّدّيق. وقوله: ((وجَدَّته صَفيَّة)) أي: بنت عبد المطّلب. وقوله في الرِّواية الثّانية: ((وأمَّا عَمَّته فزوج النبيّ ◌َِّه يريد خديجة)) أطلقَ عليها عَمَّتَه تجوُّزاً، وإنَّما هي عَمّة أبيه، لأنَّها خديجة بنت خُوَيلٍِ، أي: ابن أسَد، والزُّبَير: هو ابن العَّام ابن خُوَيلِدِ بن أسد، وكذا تَجَوَّزَ في الرِّواية الثّالثة حيثُ قال: ابن أبي بكر. وإنَّما هو ابن بنته، وحيثُ قال: ابن أخي خديجة، وإنَّما هو ابن ابن أخيها العَوّام. قوله: ((فقلت لسُفْيانَ: إسنادَه)) بالنَّصب، أي: اذكُر إسناده، أو بالرَّفع، أي: ما هو إسنادُه. ٣٤٥ سورة براءة / ح ٤٦٦٥ - ٤٦٦٦ كتاب التفسير فقال: ((حدَّثنا، فشَغَلَه إنسان ولم يَقُل: ابن جُرَيج)) ظاهر هذا أنَّه صَرَّحَ له بالتَّحديثِ، لكن لمَّا لم يَقُل: ابن جُرَيج، احتملَ أن يكون أراد أن يُدخِلِ بينَهما واسطةً، واحتملَ عَدَم الواسطة، ولذلك استظهرَ البخاريّ بإخراج الحديث من وجه آخر عن ابن جُرَیج، ثمَّ من وجه آخر عن شیخه. قوله في الطَّريق الثّانية: ((حَجّاج)) هو ابن محمَّد المِصِّيصيّ. قوله: ((قال ابن أبي مليكة: وكان بينَهما شيء)) كذا أعادَ الضَّمير بالتَّنية على غير مذكور اختصاراً،/ ومُراده ابن عبَّاس وابن الزُّبَير، وهو صريح في الرِّواية الأولی حیثُ قال: قال ٣٢٨/٨ ابن عبّاس حينَ وَقَعَ بينَه وبينَ ابن الزُّبَير. قوله: ((فُتُحِلّ ما(١) حَرَّمَ الله)) أي: من القتال في الحَرَم. قوله: ((كَتَبَ)) أي: قَدَّرَ. قوله: ((مُلِّين)) أي: أنَّهم كانوا يُبيحونَ القتال في الحَرَم، وإنَّما نَسَبَ ابنَ الزُّبير إلى ذلك وإن كان بنو أُميَّةَ هم الذينَ ابتَدَؤْوه بالقتال وحَصَروه، وإنَّما بَدَأ منه أوَّلاَ دَفعُهم عن نفسه، لأنَّه بعدَ أن رَدَّهم الله عنه حَصَرَ بني هاشم ليُبابِعوه، فشَرَعَ فيما يُؤْذِن بإباحتِه القتالَ في الحَرَمِ، وكان بعض الناس يُسَمّي ابنَ الزُّبَيرِ المُحِلَّ، لذلك، قال الشّاعر (٢) يَتغزَّل في أُخته رَمْلةَ: ألا مَن لِقِلبِ مُعنّى غَزِلْ بحُبِّ المُحِلّة أُخت المُحِلّ وقوله: ((لا أُحِلُّه أبداً) أي: لا أُبيِحُ القتال فيه، وهذا مذهب ابن عبّاس، أنَّه لا يقاتل في الحَرَم ولو قُوتِلَ فيه. قوله: ((قال: قال الناس)) القائل هو ابن عبّاس، وناقل ذلك عنه ابن أبي مُلَيكة، فهو مُتَّصِل، (١) حرف ((ما)) ليس في اليونينية، وهو ثابت في النسخة التي اعتمدها الحافظ رحمه الله، وهو ثابت أيضاً في النسخة التي اعتمدها الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين))، وكذا ابن الأثير في ((جامع الأصول)). (٢) هو عمر بن أبي ربيعة. انظر: ((تاريخ دمشق)) ١٠٥/٤٥، و («الروض الأنف)) ١/ ٢٢٧. ٣٤٦ سورة براءة / ح ٤٦٦٥ - ٤٦٦٦ فتح الباري بشرح البخاري والمراد بالناس مَن كان من جهة ابن الزُّبَير. وقوله: ((بايع)) بصيغة الأمر. وقوله: ((وأينَ بهذا الأمر)) أي: الخِلَافة، أي: ليست بعيدة عنه لما له من الشَّرَف بأسلافه الذينَ ذكرهم، ثمَّ صِفَته التي أشارَ إليها بقوله: عَفيفٌ في الإسلام قارئ للقرآنِ. وفي رواية ابن قُتَيبة من طريق محمَّد بن الحَكَم عن عَوَانة (١)، ومن طريق يحيى بن سعيد عن الأعمَش قال: قال ابن عبّاس لمَّا قيل له: بايع لابنِ الزُّبَير: أين المذهب عن ابن الزُّبَير. وسيأتي الكلام على قوله في الرِّواية الثّانية: ابن أبي بكر. في تفسير الحُجُرات (٤٨٤٥). قوله: ((والله إن وصَلوني وصَلوني من قريب)) أي: بسبب القَرابة. قوله: ((وإن رَبُّوني)) بفتح الرّاء وضمِّ الموحَّدة الثَّقيلة، من التّربية(٢). قوله: «رَبّوني» في روایة الگُشْمِيهنئِّ: رَبّني، بالإفرادِ. وقوله: «أکفاء» أي: أمثال، واحدها گُفٌ. وقوله: ((كِرام)) أي: في أحسابهم، وظاهر هذا أنَّ مُراد ابن عبّاس بالمذكورِينَ بنو أسد رَهط ابن الزُّبَيرِ، وكلام أبي مِخْتَفِ الأخباريّ يدلّ على أنَّه أراد بني أُميَّة، فإنَّه ذكر من طريق أُخرى: أنَّ ابن عبّاس لمَّا حَضَرَته الوفاة بالطائفِ جَمَعَ بَنِيه، فقال: يا بَنِيَّ، إنَّ ابن الزُّبَيرِ لمَّ خرج بمكَّة شَدَدتُ أزْرَه، ودَعَوتُ الناس إلى بَيْعَتِهِ، وتَرَكتُ بني عمِّنا من بني أُميَّةُ الذينَ إن قتلونا قتلونا أكْفاءً، وإن رَبُّونا رَبُّونا كِراماً، فلمَّا أصاب ما أصاب جَفَاني. ويُؤيِّد هذا ما في آخر الرِّواية الثّالثة حيثُ قال: وإن كان لا بُدَّ، لَأن يَرُبَّنِي بنو عَمّي أحَبُّ إليَّ من أن يَرُبَّني غيرهم. فإنَّ بني عمِّه هم بنو أُميَّة بن عبد شَمس بن عبد منافٍ، (١) في (ع): أبي عوانة، وهو خطأ، وعَوانة المذكور: هو ابن الحكم بن عياض الكَلْبي. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)» ٧/ ٢٠١. (٢) كذا قال الحافظ، وتبعه العيني في ((عمدة القاري)) ٢٦٨/١٨، وهو وهم منهما رحمهما الله، وإنما هو بضم الموحدة الثقيلة من الرَّبّ، وبفتحها من التربية، كما بيّنه الكرماني في ((الكواكب الدراري)» ١٣٥/١٧. ٣٤٧ سورة براءة / ح ٤٦٦٥ - ٤٦٦٦ كتاب التفسير لأنه من بني عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَنافٍ، فعبد المطلب جَدّ عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطلب ابن عمّ أُميَّة جَدّ مروان بن الحَكَم بن أبي العاص، وكان هاشم وعبد شَمس شَقِيقَينِ، قال الشّاعر(١): عبدُ شَمسٍ كان يَتْلُو هاشِماً وهُما بَعْدُ الأُمّ ولأبْ وأصرح من ذلك ما في خَبَر أبي مِخْنَفٍ، فإنَّ في آخره أنَّ ابن عبّاس قال لبنيه: فإذا دَفَنْتُموني فالْحَقوا بَني عَمّكُم بني أُميَّة. ثمَّ رأیت بیان ذلك واضحاً فيما أخرجه ابن أبي خَيْثمةَ في ((تاريخه)) في الحديث المذكور، فإنَّه قال بعدَ قوله: ثمَّ عَفيف في الإسلام، قارئ للقرآنِ: وتَرَكت بني عَمّي إن وصَلُوني وصَلُوني عن قريب. أي: أذْعَنتُ له، وتَرَكتُ بني عَمّي، فَأَثَرَ عليَّ غيري. وبهذا يستقيم الكلام. وأصرَح من ذلك في رواية ابن قُتَية المذكورة أنَّ ابن عبّاس قال لابنِه عليّ: الْحَقْ بابنِ عَمّك، فإنَّ أنفَك مِنك وإن كان أجدَعَ، فَلَحِقَ عليّ بعبد الملك، فكان آثَرَ الناسِ عندَه. قوله: ((فَأَثَرَ (٢)) بصيغة الفِعل الماضي من الأثرة، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: فأين، بتحتائيَّة ساكنة ثمَّ نون، وهو / تصحيفٌ، وفي رواية ابن قُتَيبة المذكورة: فشَدَدتُ على ٣٢٩/٨ عَضُده، فأثَرَ عليَّ فلم أرضَ بالهَوَان. قوله: ((التُّوَيتات والأُسامات والحُمَيدات، يريد أبطُناً من بني أسَد)) أمَّا التُّوَيتات فنسبة إلى بني تُوَيت بن أسَد، ويقال: تُوَيت بن الحارث(٣) بن [أسَد بن](٤) عبد العُزَّى بن قُصي، (١) هو عَتَّاب بن عبد الله بن عَنْبَسة الأُموي. انظر: ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص ٨٢. (٢) أُقحم في (س) بعدها: عَلَيَّ، ولعلها في بعض الأصول لهذا الشرح من بيان الحافِظِ للمؤاثَر علیه، وليس من الرواية. (٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، وقد سبقه إلى ذلك الحازمي في ((العُجالة))، حيث نقل في نسبة الحميدي عن الأزرقي أن تويتاً ابنٌّ للحارث بن أسد بن عبد العُزى، وإنما المعروف عند أهل النسب كالكلبي ومصعب الزبيري والزبير بن بكار والبلاذري وابن حزم وغيرهم أنه ابن حبيب بن أسد بن عبد العزى. (٤) ما بين معقوفين ذهل الحافظ رحمه الله عن ذكره هنا، وسيُفْصِحُ عنه بعد قليل. ٣٤٨ سورة براءة / ح ٤٦٦٥ - ٤٦٦٦ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّ الأُسامات فنسبة إلى بني أُسامة(١) بن أسد بن عبد العُزَّى، وأمَّا الحميدات فنسبة إلى بني حُميدٍ بن زُهَير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزَّى. قال الفاكِهِيّ: حدَّثنا الزُّبَير بن بَكّارٍ عن محمَّد بن الضَّحَاك في آخِرِينَ: أنَّ زُهَير بن الحارث دُفِنَ في الحِجر. قال: وحدَّثنا الزُّبَير قال: كان حُميدُ بن زُهَير أوَّلَ مَن بَنَى بمكَّة بيتاً مُرَبَّعاً، وكانت قُرَيش تَكرَه ذلك لمضاهاة الكعبة، فلمَّا بَنَى حُميدٌ بيتَه قال قائلهم: اليوم يُبنَى لِحُميدٍ بيتُه إمّا حياتُه وإمّا موتُهُ فلمَّا لم يُصِبْه شيء تابعوه على ذلك. وَجْتَمِع هذه الأبطُن معَ خوَيلِدِ بن أسَد جَدّ ابن الزُّبَيرِ. قال الأزرقيّ: كان ابن الزُّبَير إذا دَعَا الناسَ في الإذْن بَدَأ ببني أسد على بني هاشم وبني عبد شمس وغيرهم، فهذا معنى قول ابن عبّاس: فآثَرَ عليَّ التُّوَيتات ... إلى آخره. قال: فلمَّا وليَ عبد الملك بن مروان قَدَّمَ بني عبدٍ شَمس، ثمَّ بني هاشم وبني المُطّلب وبني نَوفَل، ثمَّ أعطَى بني الحارث بن فِهْر قبلَ بني أسد، وقال: لَأُقَدِّمَنَّ عليهم أبعَدَ بطنٍ من قُريش، فكان يصنع ذلك مُبالَغة منه في مُخالَفة ابن الزُّبَيرِ. وجَمَعَ ابن عبّاس البُطون المذكورة جمع القِلّة تَحقيراً لهم. قوله: ((يريد أَبطناً من بني أسد بن(٢) تُوَيت)) كذا وَقَعَ، وصوابه: يريد أَبطناً من بني توَيت ابن أسَد ... إلى آخره، نَبَّهَ على ذلك عياض، قلت: وكذا وَقَعَ في («مُستَخرَج أبي نُعَيم)) على (١) كذا نسب الحافظُ رحمه الله أسامة هنا إلى أسد، وإنما هو أسامة بن عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد ابن عبد العزى. وقد أفصح عنه في ((الإصابة)) ١/ ١٨٠ في ترجمة أسامة المذكور. (٢) كذا وقعت الرواية للحافظ هنا: بني أسد بن تويت، ووهَّمها مبيناً وجه الصواب نقلاً عن عياض بأنها: بني تويت بن أسد، ومنشأ ذلك وقوع التحريف في لفظة ((بني)) قبل تويت، حيث تحرفت إلى: ((بن)) فأشكل الأمر، وإلا فإن الذي في اليونينية: بني تويت على الصواب، فلعل ما وقع للحافظ وللقاضي عياض قبله من نسخة غير معتمدة، والله تعالى أعلم. قال القسطلاني: وهذا عجيب فإن خط الحافظ على كثير من الفروع المقابلة على اليونينية بالقراءة والسماع. ٣٤٩ سورة براءة / ح ٤٦٦٥- ٤٦٦٦ كتاب التفسير الصَّواب، وفي رواية أبي مِخنَفٍ المذكورة: أفخاذاً صِغاراً من بني أسد بن عبد العُزَّى. وهذا صواب. قوله: ((إنَّ ابن أبي العاص)) يعني: عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص. قوله: «بَرَزَ)) أي: ظَهَرَ. قوله: «يَمْشي القُدمیّة)) بضمِ القاف وفتح الدّال وقد تُضمّ أيضاً وقد تُسكّن، وكسر الميم وتشديد التَّحتانيَّة، قال الخطَّبيُّ وغيره: معناها: التَّبَخُر، وهو مَثَلٌ، يريد أنَّه بَرَزَ يَطلُب معالي الأُمور. قال ابن الأثير: الذي في البخاريّ: القُدَميَّة، وهي التَّقْدِمة في الشَّرَف والفضل، والذي في كتب الغريب ((اليَقدُميَّة)) بزيادة تحتانيَّة في أوَّله، ومعناها التَّقْدِمَة في الشَّرَف، وقيل: التَّقَدُّم بالهمّة والفِعل. قلت: وفي رواية أبي مِختَفٍ مِثل ما وَقَعَ في ((الصَّحیح)). قوله: ((وإِنَّه لَوَّى ذَنَبه)) يعني: ابن الزُّبَيرِ، لَوَّى بتشديد الواو وبتخفيفها، أي: ثَناه، وكَنَى بذلك عن تأخُره وتَخُلُّفه عن مَعالي الأُمور، وقيل: كَنَى به عن الجُبن وإيثار الدَّعَة، كما تَفْعَل السِّباع إذا أرادَت النَّوم، والأوَّل أَولى، وفي مثله قال الشّاعر(١): مَشَى ابن الزُّبَيرِ القَهقَرَى وتقدَّمتْ أُمَّةُ حَتَّى أَخْرَزُوا القَصَباتِ وقال الدّاووديُّ: المعنى: أنَّه وقَفَ فلم يَتقدَّم ولم يَتأخّر، ولا وضَعَ الأشياء مواضعَها، فأدنَى الناصح وأقصى الكاشِح. وقال ابن التِّين: معنى لَوَّى ذَنَبه: لم يَتِمَّ له ما أرادَه. وفي رواية أبي مِختَفٍ المذكورة: وأنَّ ابن الزُّبَيرِ يَمشي القَهقَرَى، وهو المناسب لقوله في عبد الملِك: يَمشي القُدَميَّة، وكان الأمر كما قال ابن عبَّاس، فإنَّ عبد الملك لم يَزَل في تَقَدُّم من أمره إلى أن استَنقَذَ العراقَ من ابن الزُّبَير وقتل أخاه مصعباً، ثمَّ جَهَّزَ العساكر إلى ابن الزُّبیر بمگَّة، فكان من الأمر ما كان، ولم يَزَل أمرُ ابن الزُّبَير في تأخّرٍ إلى أن قُتِلَ رحمه الله تعالى. (١) هو عبد الله بن الزّبِير الأسدي، أسد خزيمة. انظر: ((تاريخ دمشق)) ١٦٧/٢٨. ٣٥٠ سورة براءة / ح ٤٦٦٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله في الرِّواية الثّالثة: ((عن عمر بن سعيد)) أي: ابن أبي حُسَين المكِّيّ. وقوله: (لَأُحاسبَنَّ نفسي)) أي: لَأُنَاقِشَنَّهَا فِي مَعُونَته ونُصحه، قاله الخطَّبيّ، وقال الدّاووديُّ. ٣٣٠/٨ معناه: لَأذكُرَنّ من مناقبه ما لم أذكُر من مناقبهما، وإنَّما صَنَعَ ابنُ عبَّاس ذلك لاشتراك/ الناس في مَعرِفة مناقب أبي بكر وعمر، بخِلَاف ابن الزُّبَير فما كانت مناقبه في الشُّهرة كمناقبهما، فَأَظهَرَ ذلك ابنُ عِبَّاس وبيَّنه للنّاس، إنصافاً منه له، فلمَّا لم يُنصِفْه هو رَجَعَ عنه. قوله: ((فإذا هو يَتَعَلَّى عنِّي)) أي: يَتَرَفَعُ عليَّ مُتَنَحِياً عنِّ. قوله: «ولا یریدُ ذلك» أي: لا يريد أن أكون من خاصَّته. وقوله: ((ما كنت أظنّ أنّي أَعرِض هذا من نفسي)) أي: أبدَؤُه بالخُضوع له ولا يَرضَى مِنِّي بذلك. وقوله: ((وما أُراه يريد خيراً) أي: لا يريد أن يصنع بي خيراً، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: وإِنَّا أُراه يريد خيراً، وهو تصحيف، يُوضحه ما تقدَّم. وقوله: ((لَأن يَرُبَّني)) أي: يكون عليَّ رَبّاً، أي: أميراً، أو رَبَّه بمعنى: رَبّه، وقامَ بأمره ومَلكَ تَدبيره، قال التَّيْميُّ: معناه: لأن أكون في طاعة بني أُميَّة، أحبُّ إليَّ من أن أكون في طاعة بني أسَد، لأنَّ بني أُميَّة أقرَبُ إلى بني هاشم من بني أسد، كما تقدَّم، والله أعلم. ٩- باب قوله: وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] قال مجاهدٌ: يَتَألّفُهم بالعَطِيَّةِ. ٤٦٦٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن أبيه، عن ابنِ أبي نُعْمِ، عن أبي سعيد ضُّ، قال: بُعِثَ إلى النبيِّ ◌َّبشيءٍ، فَقَسَمَه بينَ أربعةٍ، وقال: ((أَلَّفُهم)) فقال رجلٌ: ما عَدَلْتَ! فقال: ((يَخْرُجُ من ضِئْضِئٍ هذا قومٌ يَمْرُقونَ منَ الدِّينِ)). قوله: ((باب قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِىِ الْرِقَابِ﴾ قال مجاهد: يَتألَّفُهم بالعَطَّةِ)) وصَلَه الفِرْيابيُّ عن وَرْقاءَ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد. وسَقَطَ قوله: ﴿وَفِ اَلِرِقَابٍ﴾ من غير ٣٥١ سورة براءة / ح ٤٦٦٨ -٤٦٦٩ كتاب التفسير رواية أبي ذرِّ، وهو أوجَه، إذ لم يَذكُر ما يَتَعلَّقِ بالرِّقاب. ثم ذكرَ حديث أبي سعيد: بُعِثَ إلى النبيّ ◌َّهِ بِشيءٍ، فَقَسَمَه بينَ أربعة، وقال: ((أتألَّفهم)) فقال رجل: ما عَدَلت. أورَدَه مختصراً جدّاً، وأبهَمَ الباعِث والمبعوث، وتسميةَ الأربعة، والرجلَ القائل، وقد تقدَّم بيان جميع ذلك في غزوة حُنَينٍ من المغازي (٤٣٥١). ١٠ - باب قوله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ ﴿يَلْمِزُونَ﴾: يَعِيبونَ. و﴿جُهْدَهُمْ﴾ وجَهْدَهُم: طاقَتَهم. ٤٦٦٨ - حدَّثني بِشرُ بنُ خالدٍ أبو محمَّدٍ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ، قال: لمَّا أُمِرْنا بالصَّدَقةِ كنّا نَتَحامَلُ، فجاء أبو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صاع، وجاء إنسانٌ بأكثرَ مِنْه، فقال المنافقونَ: إنَّ الله لَغَنِيٌّ عن صَدَقةِ هذا، وما فعَلَ هذا الآخَرُ إلّا رِئاءً، فنزلت: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]. ٤٦٦٩ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: قلتُ لأبي أُسامةَ: أحدَّثكُم زائدةُ، عن سليمانَ، عن شَقِيقٍ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: كان رسولُ الله ◌َّهِ يأمرُ بالصَّدَقةِ، فَيَحْتَالُ أحدُنا حتَّى يَجِيءَ بالمُدِّ، وإنَّ لأحدِهمُ اليومَ مئةَ ألفٍ، كأنَّه يُعرِّضُ بنفسِه. قوله: ((باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٣٣١/٨ ﴿يَلْمِزُونَ﴾: يَعيبونَ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في الزكاة (١٤١٥). قوله: (﴿جُهْدَهُمْ﴾ وجَهْدَهم: طاقَتَهم)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: مضموم ومفتوح سواء، ومعناه: طاقَتهم، يقال: جُهْدُ المُقِلّ [وجَهْدُه](١)، (١) ما بين معقوفين زيادة من ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة، والسياق يقتضيها. ٣٥٢ سورة براءة / ح ٤٦٦٨-٤٦٦٩ فتح الباري بشرح البخاري وقال الفَرّاء: الجُهْد بالضَّمِّ لغة أهل الحجاز، ولغة غيرهم الفتح، وهذا هو المعتمَد عندَ أهل العلم باللِّسان. قاله الطََّريّ، وحُكيَ عن بعضهم أنَّ معناهما مُختَلِف: قيل: بالفتح: المشَقّة، وبالضَّمِّ: الطاقة. وقيل غيرُ ذلك. قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش، وأبو مسعود: هو عُقْبة بن عَمْرو البدريّ. قوله: ((لمَّا أُمِرْنا بِالصَّدَقةِ)) تقدَّم في الزكاة بلفظ: لمَّا نزلت آية الصَّدَقة، وقد تقدَّم بيانُه هناكَ. قوله: ((كنَّا نَتَحامَل)) أي: يَحمِل بعضُنا لبعضٍ بالأجرة، وقد تقدَّم في الزكاة من وجه آخرَ عن شُعْبة بلفظ: نُحامِل، أي: نُؤاجِر أنفُسَنا في الحَمْل، وتقدَّم بيان الاختلاف في ضبطه، وقال صاحب ((المحكَم)): تَحَامَلَ في الأمر، أي: تَكلَّفَه على مَشَقّة، ومنه تَحَامَلَ على فلان، أي: كَلَّفَه ما لا يُطيق. قوله: ((فجاء أبو عَقِيل بنِصْفِ صاع)) اسم أبي عَقِيل هذا، وهو بفتح أوَّله: حَبحابٌ، بِمُهمَلَتَينِ بينَهما موخَّدة ساكنة وآخره مثلها، ذكره عبد بن حُميدٍ، والطََّرِيُّ (١٩٥/١٠)، وابن مَندَهْ (١ /٤٠٧ - ٤٠٨) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة، قال في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى اُلصَّدَقَتِ ﴾ قال: جاء رجل من الأنصار يقال له: الحَبحابُ أبو عَقيل، فقال: يا نبيّ الله بتّ أجُرّ الجرير(١) على صاعَينٍ من تَر، فأمَّا صاع فأمسَكتُه لأهلي، وأمَّا صاع فها هو ذا. فقال المنافقونَ: إن كان الله ورسوله لَغَنَّينِ عن صاع أبي عَقيل، فنزلت. وهذا مُرسَل. ووَصَلَه الطبرانيُّ (٣٥٩٨)، والباوَرْدِيّ(٢)، والطَّبَرِيُّ (١٩٦/١٠) من طريق موسى بن عُبيدة عن خالد بن يسار عن ابن أبي عَقيل عن أبيه، بهذا، ولكِن لم يُسَمّوه. وذكر السُّهَيليُّ (١) الجَرير، بفتح الجيم: الحَبْل يُجْعَل للبعير والفَرَس. (٢) تحرفت في (س) إلى: البارودي. بتقديم الراء على الواو. والباوَرْدي نسبة إلى بلدة بنواحي خراسان يقال: أبیورد، وتخفف فيقال: باورد. ٣٥٣ سورة براءة / ح ٤٦٦٨ - ٤٦٦٩ كتاب التفسير أنَّه رآه بخَطِّ بعض الحُفّاظ مضبوطاً بجيمَينٍ. وروى الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٨١٦٧)، وابن مَندَهْ من طريق سعيد بن عثمان البَلَويّ عن جَدَّته بنت عَديّ أنَّ أمّها عَمِيرةَ بنت سَهل بن رافع صاحب الصّاعِ الذي لَمَزه المنافقونَ خرج بزَكاته صاع تمرٍ وبابنتِهِ عَمِيرةَ إلى النبيّ وَّةِ، فَدَعَا لهما بالبَرَكة. وكذا ذكر ابن الكَلْبِيّ أنَّ سَهل بن رافع هو صاحب الصّاع الذي لَمَزَه المنافقونَ. وروى عبد بن حُميدٍ من طريق عِكْرمة قال في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: هو رِفاعة بن سَهل. ووَقَعَ عندَ ابن أبي حاتم (١٨٥٢/٦): رفاعة بن سعد، فيحتمل أن يكون تصحيفاً، ويحتمل أن يكون اسم أبي عَقيل سَهل، ولَقَبه حَبحابٌ، أو هما اثنان. وفي الصَّحابة أبو عَقيل بن عبد الله بن ثَعْلبة البَلَويّ بدريّ، لم يُسمِّه موسى بن عُقْبة، ولا ابن إسحاق، وسَّاه الواقديُّ عبدَ الرَّحمن، قال: واستُشهِدَ باليَمامة. وكلام الطَّبَرِيِّ يدلّ على أنَّه هو صاحب الصّاع عندَه وتَبعَه بعض المتأخِرينَ، والأوَّل أولَى. وقيل: هو عبد الرَّحمن ابن سيحانَ(١). وقد ثَبَتَ في حديث كعب بن مالك في قِصّة تَوبَته، قال: وجاء رجل يَزُول به السَّراب، فقال النبيّ وَّ: ((كُنْ أبا خَيْئمةَ)) فإذا هو أبو خَيْثمةَ، وهو صاحب الصّاع الذي لَمَزَه المنافقونَ(٢). واسم أبي خَيْئمةَ هذا: عبد الله بن خَيْئمةَ من بني سالم من الأنصار. فهذا يدلُّ على تعدُّد مَن جاء بالصّاع. ويُؤيِّد ذلك أنَّ أكثر الرِّوايات فيها أنَّه جاء بصاع، وكذا وَقَعَ في الزكاة: فجاء رجل فَتَصَدَّقَ بصاع، وفي حديث الباب: فجاء أبو عَقيل بنصف صاع. وجَزَمَ الواقديُّ بأنَّ الذي جاء بصَدَقة ماله: هو زيد بن أسلَمَ العَجْلانيّ، والذي جاء (١) تحرف في (س) إلى: سمحان، بالميم بدل الياء. وذكر الحافظُ في ((الإصابة)) ٣٢٥/٤ في ترجمته أن المعروف في ضبط اسمه: بيجان، يعني بالباء والجيم. (٢) هذه رواية مسلم (٢٧٦٩)، وأحمد (٢٧١٧٥)، وابن حبان (٣٣٧٠). ٣٥٤ سورة براءة / ح ٤٦٦٨ - ٤٦٦٩ فتح الباري بشرح البخاري بالصّاعِ: هو عُلْبة(١) بن زيد الحارثي(٢)، وسَمّى من الذينَ قالوا: إنَّ هذا مُراءٍ وإنَّ الله غَنِيٌّ عن صَدَقة هذا: مُعتّب بن قُشَير وعبد الله بن نَبْتَلٍ، وأورَدَه الخطيب في ((المبهَمات)) من طريق الواقديِّ، وفيه عبد الرَّحمن بن نَبْتَلِ، وهو بنونٍ ثمَّ موحّدة ثمَّ مُثنّاة ثمَّ لام، بوزنِ ٣٣٢/٨ / جعفر، وسيأتي أيضاً ما يدلُّ على تعدُّد مَن جاء بأكثر من ذلك. قوله: ((وجاء إنسان بأكثر منه)) تقدَّم في الزكاة بلفظ: وجاء رجل بشيءٍ كثير. وروى البزَّار (٨٦٧١) و(٨٦٧٢) من طريق عمر بن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((تَصَدَّقوا فإنّي أُريدُ أن أبعَث بَعثاً) قال: فجاء عبد الرّحمن بن عَوْف فقال: يا رسول الله، عندي أربعة آلاف: ألفَينِ أُقْرِضُهما رَبّ، وألفَينِ أُمسِكُهما لعيالي، فقال: ((بارَكَ الله لك فيما أعطَيت وفيما أمسَكت)) قال: وباتَ رجل من الأنصار فأصاب صاعينٍ من تَمر، الحديثَ. قال البزَّار: لم يُسنِده إلّا طالوتُ بن عبّاد عن أبي عَوَانة عن عمر، قال: وحدَّثناه أبو كامل عن أبي عَوَانة فلم يَذكُر أبا هريرة فيه. وكذلك أخرجه عبد بن حُميدٍ عن يونس بن محمَّد عن أبي عَوَانة، وأخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٥١)، والطَّبَريُّ (١٩٥/١٠-١٩٦)، وابن مردويه من طرق أُخرى عن أبي عَوَانة مُرسَلاً، وذكره ابن إسحاق في ((المغازي)) بغير إسناد، وأخرجه الطَّبَرَيُّ (١٩٧/١٠) من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد عن قَتَادة (١٩٥/١٠)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٥١) من طريق الحَكَم بن أبانٍ عن ◌ِكْرمة، والمعنى واحد، قال: وحَثَّ رسول الله وَ﴿ على الصَّدَقة - يعني: في غزوة تَبُوكَ - فجاء عبد الرَّحمن بن عَوْف بأربعة آلافٍ، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف، جِئتُك بنصفِها وأمسكت نصفَها، فقال: ((بارَكَ الله لك فيما أمسَكتَ وفيما أعطَيت))، وتَصَدَّقَ يومَئذٍ عاصم بن عَديّ بمئة وَسْقٍ من تَر، وجاء أبو عَقيل بصاعٍ من تمر، الحديثَ. (١) تصحفت في (س) إلى: علية، وقد ضبطه الحافظُ في ((الإصابة)) ٤/ ٥٤٦. (٢) تحرف في (س) إلى: المحاربي. ٣٥٥ سورة براءة / ح ٤٦٦٨ - ٤٦٦٩ كتاب التفسير وكذا أخرجه الطَّبَرَيُّ (١٩٤/١٠) من طريق العَوْفيِّ عن ابن عبّاس نحوه، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: جاء عبد الرَّحمن بن عَوْف بأربعينَ أوقيَّة من ذهب، بمعناه. وعندَ عبد بن حُميدٍ، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٥١) من طريق الرَّبيع بن أنس قال: جاء عبد الرَّحمن بن عَوْف بأربع مئة أوقيَّة من ذهب، فقال: إنَّ لي ثمانَ مئة أوقيَّة من ذهب، الحدیث. وأخرجه عبد الرَّزاق (١/ ٢٨٣) عن مَعمَر عن قَتَادة فقال: ثمانية آلاف دينار(١)، ومثله لابن أبي حاتم (٦/ ١٨٥٠) من طريق مجاهد. وحكى عياض في ((الشِّفاء»: أنَّه جاء يومئذٍ بسبع(٢) مئة بعیر. وهذا اختلافٌ شديد في القَدْر الذي أحضَرَه عبد الرّحمن بن عَوْف، وأصحّ الطّرق فيه ثمانية آلاف درهم (٣). وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمَّد بن سَلَمةَ عن ثابت عن أنس أو غيره، والله أعلم. ووَقَعَ في ((مَعاني الفَرّاء)»: أنَّ النبيّ وَّهَ حَثَّ الناس على الصَّدَقة، فجاء عمر بصَدَقةٍ، وعثمان بصَدَقةٍ عظيمة، وبعض أصحاب النبيّ وَّ - يعني: عبد الرَّحمن بن عَوْف(٤) - ثمَّ جاء أبو عَقيل بصاعٍ من تَر، فقال المنافقونَ: ما أخرج هؤلاءِ صَدَقاتِهِم إلّا رياءً، وأمَّا أبو عقیل فإنّما جاء بصاعِه ليُذگِّر بنفسِه، فنزلت. ولابنِ مَرْدويه من طريق أبي سعيد: فجاء عبد الرَّحمن بن عَوْف بصَدَقَتِهِ، وجاء المطَّوِّعونَ من المؤمنينَ، الحدیث. (١) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، لأن المذكور في رواية قتادة وكذا في رواية مجاهد أن ابن عوف كان ماله ثمانية آلاف دينار، ولكنه تصدق بنصفها لا بكلها، فتتفق روايتهما مع رواية الأكثرین. (٢) في (س): بتسع مئة، والمثبت من الأصلين، يوافق ما في الطبعات المحققة لكتاب ((الشفا)) للقاضي عياض. (٣) لا ندري ما وجه تقديم الحافظ لرواية الثمانية آلاف درهم! مع أنه لم يَرِدْ ذكر هذه الرواية عن أحد، أو لعله أراد أن يقول: أربعة آلاف دينار، فسبق قلمُهُ فذكر الثمانية آلاف درهم، والله تعالى أعلم. (٤) هذا من قول الحافظ رحمه الله، فإنه لم يُصرَّح بذكره عند الفراء. ٣٥٦ سورة براءة / ح ٤٦٦٨ - ٤٦٦٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ﴾)) قراءة الجمهور بتشديد الطاء والواو، وأصله: المتطوِّعينَ، فَأَدْغِمَت التاء في الطاء، وهم الذينَ يَغْزُونَ بغير استعانةٍ بِرِزقٍ من سُلطان أو (١) غيره. وقوله: ((﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾)) معطوف على المطَّوِّعينَ، وأخطَأْ مَن قال: إنَّه معطوف على ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ لاستلزامه فسادَ المعنى، وكذا مَن قال: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأَنَّه يُفهَم منه أنَّ الذينَ لا يَجِدونَ إلّا جُهدهم ليسوا بمُؤمِنِينَ، لأنَّ الأصل في العَطْف المغايرة، فكأنَّه قيل: الذينَ يَلمِزونَ المطَّوِّعينَ من هذَينِ الصِّنفَينِ المؤمنينَ والذينَ لا يَجِدونَ إلّا جُهدهم، فكأنَّ الأوّلِين مُطَّوِّعونَ مُؤمِنونَ، والثّاني: مُطَّوِّعونَ غير مُؤْمِنِينَ، وليس بصحيح، فالحقّ أنَّه معطوف على ﴿اَلْمُطَّعِينَ﴾ ويكون من عَطف الخاصّ على العامّ، والنُّكتة فيه التَّنويه بالخاصِّ، لأنَّ السُّخرية من المُقِلّ أشدّ من المكثِر غالباً، والله أعلم. قوله في الحديث الثاني: «فيَحْتال أحدُنا/ حتَّى تَجِيءَ بالمُدِّ) يعني: فيَتَصَدَّقَ به. في رواية الزكاة (١٤١٦): فَيَنطَلِقُ أحدنا إلى السّوق فيُحامِلُ. فأفادَ بيانَ المراد بقوله في هذه الرِّواية: فيحتال. ٣٣٣/٨ قوله: ((وإنَّ لأحدِهم اليومَ مئةَ ألفٍ)) في رواية الزكاة: وإِنَّ لبعضِهم اليومَ لَمِنَ ألف. و((مئةَ)) بالنَّصب على أنَّهَا اسمُ ((إِنَّ)، والخبر لأحدِهم أو لبعضِهم، واليوم ظَرف، ولم يُذكَر مُميّز المئة ألف، فيحتملُ أن يريد الدَّراهم أو الدَّنانير أو الأمداد. قوله: ((كأنَّه يُعَرِّض بنفسِهِ)) هو كلام شَقِيقِ الراوي عن أبي مسعود، بيَّنْه إسحاق بن راهويه في «مُسنَده))، وهو الذي أخرجه البخاريّ عنه. وأخرجه ابن مردويه من وجه آخرَ عن إسحاق فقال في آخره: وإنَّ لأحدِهم اليومَ لَمِئةَ ألفٍ، قال شَقِيق: كأنَّه يُعرِّض بنفسِه. وكذا أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر، وزاد في آخر الحديث: قال الأعمَش: وكان أبو (١) تحرف في (س) إلى: أي. ٣٥٧ سورة براءة / ح ٤٦٧٠ - ٤٦٧١ كتاب التفسير مسعود قد کَثُرَ ماله. قال ابن بَطّال: يريد أنَّهم كانوا في زمن الرَّسول ◌َّهِ يَتَصَدَّقونَ بما يَجِدونَ، وهؤلاء مُكثِرِونَ ولا يَتَصَدَّقونَ. کذا قال، وهو بعيدٌ. وقال الزّين بن المنيِّر: مُراده أنَّهم كانوا يَتَصَدَّقونَ معَ قِلّة الشَّيء، ويتكلَّفونَ ذلك، ثمَّ وسَّعَ الله عليهم فصاروا يَتَصَدَّقُونَ من يُسرٍ ومع عَدَم خَشْية عُسٍ. قلت: ويحتمل أن يكون مُراده أنَّ الِحِرص على الصَّدَقة الآنَ لسُهولة مأخَذها بالتوَسُّع الذي وُسِّعَ عليهم أولى من الحِرص عليها معَ تكلَّفِهم، أو أراد الإشارة إلى ضيق العَيش في زمن الرّسول وَّ وذلك لِقِلّة ما وَقَعَ من الفُتوح والغنائم في زمانه، وإلى سَعة عَيشهم بعدَه لكَثْرة الفُتوحِ والغنائم. ١١ - باب قوله: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ٤٦٧٠ - حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي أُسامةَ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: لمَّا تُوفِّيَ عبدُ الله بن أبيّ، جاء ابنُه عبدُ الله بنُ عبدِ الله إلى رسولِ اللهِّه فسألَه أن يُعْطِيَه قَمِيصَه يُكَفِّنُ فيه أباه، فأعطاه، ثمَّ سألَه أن يُصَلِّيَّ عليه، فقامَ رسولُ الله وَيه لِيُصَلِيَّ عليه، فقامَ عمرُ، فَأَخَذَ بثوبٍ رسولِ الله وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله أتصِّي عليه، وقد نَهَاكَ رَبُّكَ أن تُصَلَِّّ عليه؟! فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّمَا خَّرَني اللهُ، فقال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً﴾ وسَأزِيدُه على السَّبْعِينَ)) قال: إنَّه مُنافقٌ، قال: فصَلَّى عليه رسولُ اللهِوَّةِ، فَأَنزَلَ الله: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ﴾ [التوبة: ٨٤]. ٤٦٧١- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل - وقال غيرُه: حدَّثَنِي اللَّيْثُ، حذَّثني عُقَيلٌ - عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن عمرَ ابنِ الخَطَّابِ ﴾، أنَّه قال: لمَّا ماتَ عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنُ سَلُولَ دُعِيَ له رسولُ اللهِ وَّ لِيُصَلِّيَّ عليه، فلمَّا قامَ رسولُ الله ◌َّةِ، وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ الله، أتصَلِّى على ابنِ أَبِّ، وقد قال يومَ كذا: كذا وكذا؟ قال: أُعَدِّدُ عليه قولَه، فتبَسَّمَ رسولُ اللهِ وَِّ، وقال: ((أَخِّرْ عنِّي يا عمرُ))، ٣٥٨ سورة براءة / ح ٤٦٧٠-٤٦٧١ فتح الباري بشرح البخاري فلمَّا أكثرْتُ عليه، قال: ((إنّ خُيِّرْتُ فاختَرْتُ، لو أعلم أنّ إن زِدْتُ على السَّبْعِينَ يُغْفَرْ له، لَزِدْتُ عليها)) قال: فصَلَّى عليه رسولُ الله ◌َّةِ، ثُمَّ انصَرَفَ، فلم يَمْكُث إلا بَسِيراً، حتَّى نزلتِ الآيتان من براءةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قال: ٣٣٤/٨ فعَجِبتُ بَعْدُ من جُرْأتي على رسولِ الله ◌ِهِ، واللهُ / ورسولُه أعلمُ. قوله: («باب قوله: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، ورواية غيره مختصرة. قوله: «عن عُبیدِ الله)) هو ابن عمر. قوله: ((لمَّا تُوُلِّ عبد الله بن أبيِّ)) ذكر الواقديُّ ثمَّ الحاكم في ((الإكليل)): أنَّه ماتَ بعدَ مُنصَرَفِهِم من تَبُوكَ، وذلك في ذي القَعدة سنةً تسع، وكانت مُدّةُ مرضه عشرينَ يوماً ابتداؤُها من لَيالٍ بَقِيَت من شوّال، قالوا: وكان قد تَخلَّفَ هو ومَن تَبعَه عن غزوة تَبُوكَ، وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، وهذا يَدفَع قول ابن النِّين أنَّ هذه القِصّة كانت في أوَّل الإسلام قبلَ تقرير الأحكام. قوله: ((جاء ابنه عبد الله بن عبد الله)) وَقَعَ في رواية الطَّبَرِيِّ (١٩٩/١٠) من طريق الشَّعبيّ: لمَّا احتُضِرَ عبد الله جاء ابنه عبد الله إلى النبيّ وَّر فقال: يا نبيّ الله، إنَّ أبي قد احتُضِرَ، فأُحِبّ أن تَشْهَدَه وتُصَلّيَ عليه، قال: ((ما اسمُك؟)) قال: الحُبَاب - يعني: بضمِّ المهمَلة وموخَّدتَينِ مُفَّفاً - قال: ((بل أنتَ عبد الله، الحُبَاب اسمُ الشَّيطان)). وكان عبد الله بن عبد الله بن أبيِّ هذا من فُضَلاء الصَّحابة، وشَهِدَ بدراً وما بعدَها، واستُشهِدَ يومَ اليَمامة في خِلَافة أبي بكر الصِّدّيق، ومن مناقبه أنَّه بَلَغَه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبيّ ◌َ﴿ يَستأذِنه في قتله، قال: ((بل أحسِنْ صُحبَتَه)) أخرجه ابن مَندَهْ من حديث أبي هريرة، بإسنادٍ حسن. وفي الطبرانيٍّ من طريق عُرْوة بن الزُّبَير عن عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ: أنَّه استأذَنَ ... نحوه، وهذا مُنقَطِع، لأنَّ ◌ُزْوة لم يُدرِ كه. ٣٥٩ سورة براءة / ح ٤٦٧٠ - ٤٦٧١ كتاب التفسير وكأنَّه كان يَحمِل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التَمَسَ من النبيّ وَِّ أن يَحَضُرَ عندَه ويُصَلّيَّ عليه، لا سيَّما وقد وَرَدَ ما يدلُّ على أنَّه فعَلَ ذلك بعَهْدٍ من أبيه، ويُؤيِّد ذلك ما أخرجه عبد الرَّزاق (١ / ٢٨٥) عن مَعمَر، والطََّرِيُّ (٢٠٦/١٠) من طريق سعيد، كلاهما عن قَتَادة قال: أرسَلَ عبدُ الله بن أُبيِّ إلى النبيّ وَّلِ﴾، فلمَّا دَخَلَ علیه قال: ((أهلگك حُبّ يهود)» فقال: يا رسول الله، إنَّما أرسَلت إليك لتَسْتَغْفِرَ لي، ولم أُرسِلْ إليك لتُوَبِّخَني! ثمَّ سألَه أن يُعطيَه قميصَه يُكَفَّنَ فيه، فأجابَه. وهذا مُرسَلٌ معَ ثقة رجاله. ويَعضُدهُ ما أخرجه الطبرانيُّ (١١٥٩٨) من طريق الحَكَم بن أبانٍ عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس قال: لمَّا مَرِضَ عبد الله بن أبيٍّ جاءه النبيّ وَلَ فِكَلَّمَه، فقال: قد فهمتُ ما تقول، فامنُن عليَّ فكَفِّنّي في قميصك، وصَلِّ عليَّ، ففَعَلَ. وكأنَّ عبد الله بن أُبيِّ أراد بذلك دَفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهَرَ الرّغبة في صلاة النبيّ وَّه عليه، ووَقَعَت إجابته إلى سؤاله بحَسَب ما ظَهَرَ من حاله، إلى أن كَشَفَ الله الغِطاء عن ذلك كما سيأتي، وهذا من أحسن الأجوبة فيما يَتَعلَّق بهذه القِصّة. قوله: ((فقامَ رسول اللهَ وَّ لَيُصَلَّ عليه، فقامَ عمر، فأخَذَ بثوب رسول الله وَلَّه)) في حديث ابن عبّاس عن عمر ثاني حديث الباب: فلمَّا قامَ رسول الله وَّـــ وفي حديث التِّرمِذيّ (٣٠٩٧) من هذا الوجه: فقامَ إليه فلمَّا وقَفَ عليه يريد الصلاة عليه - وثَبْتُ إليه فقلت: يا رسول الله، أتُصَلّي على ابن أبيٍّ وقد قال يومَ كذا: كذا وكذا؟! أعدِّدُ عليه قوله. يشير بذلك إلى مِثل قوله: ﴿لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧]، وإلى مِثل قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وسيأتي بيانه في تفسير المنافقينَ (٤٩٠٥-٤٩٠٧). قوله: ((فقال: يا رسول الله، أَتُصَلّي عليه، وقد نَهَاك رَبُّك أن تُصَلّي عليه؟!)) كذا في هذه الرِّواية إطلاق النَّهي عن الصلاة، وقد استُشكِلَ جدّاً، حتَّى أقدَمَ بعضهم، فقال: هذا وهمٌّ من بعض رواته، وعاكَسَه غيره، فَعَمَ أنَّ عمر الطَّلَعَ على نَهي خاصّ في ذلك. وقال القُرطُبيّ: لعلَّ ذلك وَقَعَ في خاطِر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويحتمل أن يكون فهمَ ذلك من ٣٦٠ سورة براءة / ح ٤٦٧٠- ٤٦٧١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣]. قلت: الثّاني - يعني ما قاله القُرطُبيّ - أقرَب من الأوَّل، لأنَّه لم يَتقدَّم النَّهي عن الصلاة على المنافقينَ، ٣٣٥/٨ بدليل أنَّه قال في آخر هذا الحديث: / «قال: فأنزلَ الله: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾)) والذي يَظهَر أنَّ في رواية الباب تَجُوُّزاً بَيَّنَتْه الرّواية التي في الباب بعده من وجه آخر عن عُبيد الله ابن عمر بلفظ: فقال: تُصَلّي عليه وقد نَهاك الله أن تَستَغِفِر لهم؟! وروى عبد بن حُميدٍ والطَّبَرِيُّ من طريق الشَّعْبيّ عن ابن عمر عن عمر(١) قال: أراد رسول الله وَّهِ أَن يُصَلّي على عبد الله بن أُبيِّ فأخذت بثوبه، فقلت: والله ما أمَرَك الله بهذا، لقد قال: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. ووَقَعَ عندَ ابن مَرْدويه (٣) من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس: فقال عمر: أتُصَلّي عليه، وقد نَهاك الله أن تُصَلّي عليه؟! قال: ((أينَ؟!)) قال: قال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيةَ، وهذا مثل رواية الباب. فكأنَّ عمر قد فَهِمَ من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلَبُ من لسان العرب من أنَّ ((أو)) ليست للتَّخييرِ، بل للتَّسوية في عَدَم الوصف المذكور، أي: أنَّ الاستغفار لهم وعَدَم الاستغفار سواءٌ، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَ تَسْتَغْفِرْ لَمْ [المنافقون: ٦]، لكن الثّانية أصرَح، ولهذا وَرَدَ أنَّها نزلت بعدَ هذه القِصّة كما سأذكرُه. وفَهِمَ عمر أيضاً من قوله: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ أنَّها للمبالَغة، وأنَّ العَدَد المعَيَّن لا مفهوم له، بل المراد نفيُ المغْفِرة لهم، ولو كَثُرَ الاستغفار، فيَحصُل من ذلك النَّهيُ عن الاستغفار فأطلقَه. وفَهِمَ أيضاً أنَّ المقصود الأعظَم من الصلاة على الميِّت طلبُ المغفرة للميِّتِ، والشَّفاعة له، فلذلك استَلزَمَ عندَه النَّهيُ عن الاستغفار تَركَ الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرِّواية إطلاق النَّهي عن الصلاة. ولهذه الأُمور استَنكَرَ إرادة الصلاة على عبد الله بن أُبيِّ. (١) لم نقف عليه عند الطبري ولا عند غيره بهذا اللفظ وهذا الإسناد الموصول، وقد جاء بهذا اللفظ عند ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٦/ ١٨٥٣ -١٨٥٤ من طريق الشعبي عن عمر منقطعاً. (٢) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً الطبراني في ((الكبير)) (١٢٢٤٤)، وفي إسناده لِينٌ.