Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة الأعراف
كتاب التفسير
٧ - سورة الأعراف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
قال ابنُ عبَّاسٍ: ((ورِيَاشاً)) [٢٦]: المال.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [٥٥]: في الدُّعاء.
﴿نَثَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [١٧١]: رَفَعْنا.
انبَجَسَت: انفَجَرَت.
﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [١٢]، يقول: ما مَنَعَكَ أن تَسجُدَ.
﴿يَخْصِفَانِ﴾ [٢٢]: أخَذا الخِصافَ من ورَقِ الجنَّةِ، يؤَلِّفان الوَرَقَ: يَخْصِفان الوَرَقَ بعضَه
إلى بعضٍ.
﴿سَوْءَتِهِمَا ﴾ [٢٠]: کِنایٌ عن فرْجیھما.
﴿أَذَّارَكُواْ﴾ [٣٨]: اجْتَمَعوا.
﴿اَلْفَتَّاحُ﴾ [سبأ: ٢٦]: القاضي، ﴿اُفْتَحْ﴾ [الأعراف: ٨٩]: اقضٍ.
﴿طَبِرُهُمْ﴾ [١٣١]: حَظْهم.
﴿ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ﴾ [٢٤]: هو هاهنا إلى القِيامةِ، والحِينُ عندَ العَرَبِ: من ساعةٍ إلى ما لا
يُحصَى عَدَدُها.
الرِّياشُ والرِّيشُ واحدٌ، وهو ما ظَهَرَ من اللِّباسِ.
قَبِيلُه: چِيلُه الَّذي هو منهم.
ومَشَاقُ الإنسانِ والدّابَّةِ كلُّها تُسَمَّى سُمُوماً، واحدُها سَمٌّ، وهي عيناهُ، ومَنخِراه، وفَمُه،
وُذُناه، ودُبُه، وإحلِيلُه.
﴿غَوَاشٍ﴾ [٤١]: ما غُشّوا به.
﴿نَكِدًا ﴾ [٥٨]: قَليلاً.

٢٨٢
سورة الأعراف
فتح الباري بشرح البخاري
طوفانٌ(١) منَ السَّيل، ويقال للموتِ الكَثيرِ: الطَّوفان.
القُمَّل (٢): الحُمْنانُ شِبْهُ صِغارِ الحَلَمِ.
عُروشُ وعَرِيشُ(٣): بناءٌ.
﴿سُقِطَ ﴾ [١٤٩]: كلُّ مَن نَدِمَ فقد سُقِطَ في يدِه.
﴿مُتَبَّرٌ﴾ [١٣٩]: خُسْرانٌ.
﴿وَاسَى﴾ [٩٣]: أحزن، ﴿تَأْسَ﴾ [المائدة: ٢٦]: تَحْزَن.
﴿عَفَواْ﴾ [٩٥]: كَثُرُوا.
﴿نَشْراً﴾ [٥٧]: مُتَفرِّقةً.
﴿َيَغْنَوْاْ﴾ [٩٢]: يَعِيشوا.
﴿حَقِيقٌ﴾ [١٠٥]: حَقٌّ.
استَرْهَبُوهم (٤): منَ الرَّهْبةِ.
﴿َتَلْقَفُ﴾ [١١٧]: تَلْقَم.
الأسباطُ(٥): قَبائلُ بني إسرائيلَ.
﴿يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ [١٣٦]: يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزونَ، ﴿تَعْدُ﴾ [الكهف: ٢٨]: تُجاوز.
﴿شُرَّعًا﴾ [١٦٣]: شوارعَ.
﴿بیسٍ﴾ [١٦٥]: شدید.
﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [١٧٦]: قَعَدَ/ وتَقَاعَسَ.
٢٩٨/٨
(١) الآية رقم (١٣٣): ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُوفَانَ وَالْرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾.
(٢) الآية السابقة.
(٣) الآية رقم (١٣٧): ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾.
(٤) الآية رقم (١١٦): ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ﴾.
(٥) الآية رقم (١٦٠): ﴿وَقَطَّعْتَهُمُ أَثْنَتَ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾.

٢٨٣
سورة الأعراف
كتاب التفسير
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ [١٨٢]: نأتيهم من مأمَنِهم، كقوله تَعالى: ﴿فَأَنَنُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْـ
يَحْتَسِبُواْ﴾ [الحشر: ٢].
﴿مِّنْ جِنَّةٍ﴾ [١٨٤]: من جنونٍ.
﴿أَيَّانَ مُرْسَنُهَا﴾ [١٨٧]: متى خروجُها.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [١٨٩]: استَمرَّ بها الحملُ فأثَّمَّتْه.
﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ [٢٠٠]: يَسْتَخِفَّنَّكَ.
((طَيِفٌ)): مُلِمٌّ به لَمَمٌّ، ويقال: ﴿طَبِفٌ﴾ [٢٠١] وهو واحدٌ.
﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: يُزَيُّونَ.
﴿وَخِيفَةٌ﴾ [٢٠٥]: خَوْفاً، ﴿وَخُفْيَةً﴾ [٥٥] من الإخْفاءِ.
الآصال(١): واحدُها أصِيلٌ وهو ما بينَ العَصْرِ إلى المغربِ، كقولكَ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾
[الفرقان: ٥].
قوله: ((سورةُ الأعراف)) اختُلِفَ في المراد بالأعراف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَغْرَافِ
رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فقال ... (٢)، وعن أبي مِجلَزِ: هم ملائكة وُكِّلوا بالصّورِ ليُميِّزُوا(٣)
المؤمن من الكافر، واستُشكِلَ بأنَّ الملائكة ليسوا ذُكوراً ولا إناثاً، فلا يقال لهم: رجال،
وأُجِيبَ بأنَّه مِثلُ قوله في حَقّ الجِنّ: ﴿يَعُوذُونَ بِكَالٍ مِّنَ آلْجِنّ﴾ [الجن: ٦] كذا ذكره القُرطُبيّ في
((التَّذكِرة)) وليس بواضح، لأنَّ الجِنّ يَتَوالَدونَ، فلا يَمتَنِعِ أن يقال: فيهم الذَّكور والإناث،
بخِلَاف الملائكة.
قوله: ((بِسْمِ الهِالزَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ.
(١) يعني قوله تعالى: ﴿يِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ [٢٠٥].
(٢) هنا بياض في الأصلين و(س)، وانظر الخلاف في معنى الأعراف في ((تفسير الطبري)) ١٨٨/٨، و((تفسير
ابن أبي حاتم)) ١٤٨٣/٥، فهما من مصادر المصنف في ذلك.
(٣) كذا في (س)، وفي الأصلين: ليتميَّز.

٢٨٤
سورة الأعراف
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال ابن عبّاس: (وَرِيَاشاً)(١): المال)) وَصَلَه ابن جَرِير (١٤٨/٨) من طريق عليّ
ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ((ورِياشاً)) قال: مالاً، ومن طريق مجاهد والسُّدِّيّ
فرَّقَهما؛ قال في قوله: ((ورِياشا)) قال: المال، ومن وجه آخر عن ابن عبّاس قال: الرّيَاش:
اللّباس والعَيش والنَّعيم، ومن طريق مَعبَد الْجُّهَنيِّ قال: الرّياش: المعاش، وقال أبو عبيدة:
الرّياش: ما ظَهَرَ من اللِّباس والشارة (٢)، والرّياش أيضاً: الخِصب والمعاش(٣)، وقد تقدَّم
شيء من هذا في أوَّل أحاديث الأنبياء(٤).
تنبيه: قرأ ((ورِيَاشا)) عاصمٌ وأبو عَمْرو (٥)، والباقونَ في المشهور: ﴿وَرِشًا﴾.
قوله: (﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدُّعاءِ)) زاد أبو ذرٍّ عن الحَمُّوِيِّ والكُشْمِيهنيّ:
«وفي غيره))، وعندَ النَّسَفيِّ: ((ولا في غيره))، وكذا أخرج ابن جَرِير (٨/ ٢٠٧) من طريق
ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس.
وقد جاء نحو هذا مرفوعاً أخرجه أحمد (١٥٨٤)، وأبو داود (١٤٨٠) من حديث
سعد بن أبي وقّاصٍ أَنَّه سمعَ ابناً له يَدعُو فقال: إنِّي سمعتُ رسول الله وَله يقول: ((إنَّه
سَيكُون قوم يَعتَدونَ في الدُّعاء)) وقرأ هذه الآيةَ.
وأخرج أيضاً ابن ماجه (٣٨٦٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل أنَّه سمعَ ابناً له يقول:
(١) قرأ ((رِياشاً)) عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسلمي وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء
وزر بن حبيش وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما. أفاد ذلك السَّمين الحلبي في ((الدر المصون)»
٢٨٧/٥، قال الطبري في ((التفسير)) ١٤٧/٨: والصواب من القراءة في ذلك قراءة من قرأ ((ورِيشاً)) بغير
ألف، لإجماع الحجة من القَرَأة عليها.
(٢) تحرفت في (س) إلى: الستارة، والمثبت من الأصلين و((مجاز القرآن))، والشارة: هي الهيئة والجمال.
(٣) في (س): في المعاش، والمثبت من (ع)، وهو الموافق لما في كتب اللغة في معنى الرياش.
(٤) بين يدي الحديث رقم (٣٣٢٦).
(٥) عاصم من روايتي أبان والمفضل الضبي عنه، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجعفي عنه. انظر:
(زاد المسير)) ١٨١/٣، و((تفسير القرطبي)) ١٨٤/٤.

٢٨٥
سورة الأعراف
كتاب التفسير
اللهمَّ إنّ أسالُك القَصر الأبيضَ عن يمين الجنَّة، فذكر نحوه (١)، لكن لم يَقُل: وقرأ الآيَةَ.
والاعتداءُ في الدُّعاء يقع بزيادة الرَّفع فوقَ الحاجة، أو بطلَب ما يَستَحيلُ حُصولُه
شَرْعاً، أو بطَلَب معصيةٍ، أو يَدعُو بما لم يُؤْثَر، خصوصاً ما ورَدَت كَراهَته كالسَّجع المتكلّف
وتَركِ المأثور (٢)، وسيأتي مَزيد لذلك في كتاب الدَّعَوات (٦٣٣٧) إن شاء الله تعالى.
قوله: (﴿نَثَقْنَا الْجَبَلَ﴾: رَفَعْنا. انبَجَسَتْ: انفَجَرَت)» تقدَّم شرحُهما في أحاديث الأنبياء(٣).
قوله: ((﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، يقول: ما مَنَعَك أن تَسجُدَ)) كذا لأبي ذرٍّ، فأوهَمَ أنَّه وما
بعدَه من تفسير ابن عبّاس كالذي قبلَه، وليس كذلك. ولغير أبي ذرٍّ: ((وقال غيره: ما
مَنَعَك ... )) إلى آخره، وهو الصَّواب؛ فإنَّ هذا كلام أبي عبيدة، وقد تقدَّم في أوَّل أحاديث
الأنبياء(٤)، ونَقَلَ ابن جَرِير عن بعض الكوفيّينَ أنَّ المنع هنا بمعنى القول، والتَّقدير: مَن
قال لك: لا(٥) تَسجُد. قال: وأُدخِلَت ((أن)) قبلَ ((لا)) كما دَخَلت في قولهم: نادَيت أن لا
تَقُم، وحَلَفت أن لا تَجِلِسَ. ثمَّ اختارَ ابن جَرِير أنَّ في هذا الكلام حذفاً تقديره: ما مَنَعَك
من السُّجود وحَمَلك على أن لا تَسجُدَ؟ قال: وإنَّما حُذِفَ لدلالة السّياق عليه.
قوله: (﴿يَخْصِفَانِ﴾: أخَذا الخِصاف من ورَق الجنَّة، يُؤَلِّفان الوَرَقَ: يَخْصِفان الوَرَق
بعضه إلى بعض» کذا لأبي عبيدة لکن باختصارٍ.
وروى ابن جَرِير (٨/ ١٤٢) بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اٌلْجَنَّةِ﴾/ قال: جَعَلا يأخُذان من ورَق الجنَّة فيجعلان على سوآتِهما، ومن ٢٩٩/٨
طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ قال: يُرقِّعان كَهَيئة الثَّوب، ومن
طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: أخَذا من ورَق التّين. وأخرجه الحاكم
(١) وهو عند أحمد (١٦٧٩٦)، وأبي داود (٩٦).
(٢) في (س): المأمور، والمثبت من (ع).
(٣) بين يدي الحديث رقم (٣٣٩٨).
(٤) بین یدي الحدیث رقم (٣٣٢٦).
(٥) في (س): ((أن لا))، والمثبت من الأصلين، وهو الصواب يدل عليه السياق.

٢٨٦
سورة الأعراف
فتح الباري بشرح البخاري
(٣١٩/٢) من هذا الوجه، ومن طريق قَتَادة قال: كان لباس آدَمَ في الجنَّة ظُفراً كلّه، فلمَّا
أكَلَ من الشَّجَرة كُشِطَ عنه وبَدَت سَوأتُه، ومن طريق ابن عُيَينَةَ عن عَمْرو بن دينار عن
وَهْب بن مُنَبِّه قال: كان لباس آدَمَ وحَوّاءَ النّور، فكان أحدهما لا يرى عَوْرةَ الآخرِ. وقد
تقدَّم شيء من هذا في أحاديث الأنبياء أيضاً(١).
قوله: «﴿سوءَتِهِمَا ﴾ کِنایةٌ عن فرْ جیھما)» هو كلام أبي عبيدة، ولم يقع في رواية أبي ذرٍّ.
قوله: (﴿أَذَّارَكُواْ﴾: اجتَمَعوا)) هو كلام أبي عُبيدة، وزادَ: ويقال: تَدَارَكَ لي عليه شيءٌ،
أي: اجتَمَعَ، والتاء مُدغَمة في الدّال. انتهى، وهي قراءة الجمهور، والأصل: تَداركوا، وقد
قرأ بها الأعمَشُ ورُوِيَت عن أبي عَمْرو بن العلاء أيضاً.
قوله: ((﴿الْفَتَّاحُ﴾: القاضي، ﴿أَفْتَحْ﴾: اقضِ» كذا وَقَعَ هنا، و ((الفَتّاح)) لم يقع في هذه
السّورة وإنَّما هو في سورة سَبَأ، وكأنَّه ذكره هنا تَوطِئَةً لتفسير قوله في هذه السّورة: ﴿رَبَّنَا
اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقٍ﴾ ولعلَّه وَقَعَ فيه تقديم وتأخير من النُّسّاخ؛ فقد قال أبو عبيدة
في قوله: ﴿أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾، أي: احكُم بيننا وبينَ قومِنا، قال الشّاعر(٢):
ألا أبلِغْ بني عُصْمِ رسولا فإنّ عن فُتاحَتِكُمْ غَنِيُّ
الفَتّاح: القاضي. انتهى كلامه، ومنه يَنْقُل البخاريّ كثيراً. وروى ابن جَرِير (٣/٩) من
طرق عن قَتَادة عن ابن عبّاس قال: ما كنت أدري ما معنى قوله: ﴿اُفْتَحْ بَيْنَنَا﴾ حتَّى
سمعت بنت ذي يَزَنَ تقول لزوجِها: انطَلِقِ أُفاتحك. ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن
عَبَّاس ﴿أَفْتَحْ بَيْنَنَا﴾، أي: اقضٍ بينا، ومن طريق قَتَادة والسُّدّيِّ وغيرهما مِثله.
قوله: (﴿كَبِرُهُمْ﴾: حَظَّهم)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾
قال: حَظّهم ونصيبهم.
(١) بين يدي الحديث (٣٣٢٦).
(٢) قيل: هو الأسعر الجعفي، انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري ٢٥٩/٤، و((لسان العرب)) ١٦٩/١٥، و((تاج
العروس)» ٢٩/ ٧٢ مادة (رسل).

٢٨٧
سورة الأعراف
كتاب التفسير
قوله: (﴿ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ﴾.)) إلى آخره، تقدَّم في بَدْء الخلق(١).
قوله: ((الرِّياش والرِّيش واحدٌ ... )) إلى آخره، تقدَّم أيضاً في أوَّل أحاديث الأنبياء، ورواه
ابن المنذر من طريق الكِسائيِّ، أي: قال: الرّيش والرّياش: اللِّباس.
قوله: «قَبیلُه: جیلُه الذي هو منهم)) هو كلام أبي عبيدة، وروى ابن جَرِير (١٥٣/٨) من
طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ((قبيلُه)) قال: الجِنُّ والشَّياطين(٢)، وهو بمعناه، وقد
تقدَّم في بَدْء الخلق(٣).
قوله: ((ومَشاقُّ الإنسان والدّابّة كلّها تُسمَّى سُموماً، واحدها سَمٌّ، وهي عيناه ومَنْخِراه
وفَمِه وأُذُناه ودُبُره وإحليله)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فِى سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]،
أي: تُقب الإبرة، وكلّ تُقب من عين أو أنف أو أُذُن أو غير ذلك فهو سَمٌّ، والجمعُ سُمومٌ.
ووَقَعَ في بعض النَّسَخِ: ((مَسامُّ الإنسان)) بَدَل مَشاقٌ وهي بمعناه.
قوله: (﴿غَوَاشٍ﴾: ما غُّوا به)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾:
واحدتها غاشيةٌ وهي ما غَشّاهم فغَطّاهم من فوقهم، وروى ابن جَرِير (١٨٢/٨) من
طريق السُّدّيِّ قال: المِهاد لهم كهَيْئَة الفِراش، والغَوَاشي يَتَغَشّاهم من فوقِهم. ومن طريق
محمَّد بن كعب قال: المِهادُ: الفُرُش، ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قال: اللُّحُف.
قوله: (﴿فَكِدًا﴾: قليلاً)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلََّ نَكِدًا﴾
أي: قليلاً عَسِراً في شِدّة، قال الشّاعر:
لا تُنجِزُ الوَعدَ إن وعَدتَ وإِنْ أَعطَيَتَ أعطَيَتَ تافِهاً نَكِدا(٤)
(١) تقدم في باب خلق آدم وذريته، وهو الباب الأول من كتاب أحاديث الأنبياء، قبل الحديث (٣٣٢٦)،
وليس في بدء الخلق.
(٢) في (ع): أو الشياطين، والمثبت من (أ) و(س).
(٣) بل في أحاديث الأنبياء، في الموضع الذي أشرنا إليه آنفاً.
(٤) البيت من المنسرح، وقد استشهد به أهل اللغة وأهل التفسير، ولم نقع على اسم صاحبه.

٢٨٨
سورة الأعراف
فتح الباري بشرح البخاري
وروى ابن أبي حاتم (١٥٠٤/٥) من طريق السُّدّيِّ قال: النَّكِدُ: الشَّيء القليل الذي لا
يَنْفَعِ.
٣٠٠/٨ قوله: ((طُوفان من السَّيل، ويقال/ للموتِ الكَثير: الطَّوفان)) قال أبو عبيدة: الطّوفان من
السَّيل، ومن الموت: البالغ الذَّريع السريع(١)، كأنَّه مأخوذ من أطافَ به: إذا عَمَّه بالهلاكِ. وعن
الأخفَش: الطّوفان واحدته طوفانةٌ، وقيل: هو مصدر كالرُّجحان والنُّقصان، فلا واحدَ له.
وروى ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: أُرسِلَ عليهم المطر
حتَّى خافوا الهلاك، فأتوا موسى فدَعَا الله، فُرُفِعَ، ثمَّ عادوا. وعندَ ابن مَرْدویه بإسنادَینِ
ضعيفَينِ عن عائشة مرفوعاً: ((الطّوفان: الموت)).
قوله: (القُمَّل: الحُمْنان)) بضمِّ المهمَلة(٢) وسكون الميم ((شبهُ صِغار الحَلَمِ)) بفتح المهمَلة
واللّام، قال أبو عبيدة: القُمَّلُ عندَ العرب: هو الحمنان، والحمنان: ضربٌ من القِردان
واحدتُها حمنانةٌ، وقد تقدَّم معَ الذي قبلَه في بَدْء الخلق(٣).
واختُلِفَ في تفسير القُمَّل اختلافاً كثيراً: قيل: السّوس، وقيل: الدَّبا بفتح المهمَلة
والموحّدة مُفَّف وهو صِغار الجَراد، وقال الرّاغِب: وقيل: دَوابُّ سودٌ صِغار، وقيل: صِغار
الذَّرِّ، وقيل: هو القَملُ المعروف، وقيل: دابّة أصغر من الطَّير لها جناحٌ أحمرُ، ومن شأنه أن
يَمَضَّ الحَبَّ من السُّنُلة فتَكبَر السُّنُلُ ولا حَبَّ فيها، وقيل فيه غیر ذلك.
قوله: ((عُروشٌ وعَريشٌ: بناءٌ)) وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
أي: يَينونَ، وعُرُش مكَّةَ: خيامُها، وقد تقدَّم في سورة الأنعام(٤) تفسير ﴿مَعْرُ وشَتٍ﴾ [١٤١].
(١) لفظة ((السريع)) سقطت من (س)، وأثبتناها من الأصلين.
(٢) الذي في ((اللسان)) و((القاموس)) بفتح الحاء المهملة، وقال القسطلاني في ((شرحه)) ١٢٥/٧: بفتح الحاء
المهملة، ضبطه البرماوي والدماميني كالكرماني، وضبطه ابن حجر بضمها كالفرع وأصله.
(٣) في أحاديث الأنبياء، بعد الحديث رقم (٣٣٩٩).
(٤) قبل الحديث رقم (٤٦٢٧).

٢٨٩
سورة الأعراف
كتاب التفسير
قوله: (﴿سُقِطَ﴾: كلّ مَن نَدِمَ فقد سُقِطَ في يده)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿ وَلَّا
سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ﴾ يقال لكلِّ مَن نَدِمَ وعَجَزَ عن شيء: سُقِطَ في يد فلان، وقد تقدَّم في
أحاديث الأنبياء (٣٤٠٠) ذكرها استطراداً(١).
قوله: (﴿مُتَبٌِّ﴾: خُسْرانٌ)) تقدَّم في أحاديث الأنبياء أيضاً (٣٤٠٦).
قوله: ((﴿مَاسَى﴾: أَحْزَنُ، ﴿تَأْسَ﴾: تَحْزَن)) تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٤١٢) تفسير
اللفظتين جميعاً، والأولى في الأعراف والثّانية في المائدة ذكرها استطراداً.
قوله: ((﴿عَفَواْ﴾: كَثُروا)) زاد غير أبي ذرٍّ: ((وكَثُرَت أموالهم)). قال أبو عبيدة في قوله
تعالى: ﴿حَّى عَفَواْ﴾، أي: كَثُرُوا، وكذلك كلّ نَبات وقوم وغيره إذا كَثُرُوا فقد عَفَوا، قال
الشّاعر(٢):
ولكنّا نُعِضُّ السَّيف منها بأسْوُقِ: عافياتِ الشَّحْمِ كُومِ
وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة ﴿حَّ عَفَواْ﴾، أي: حتَّى سُرّوا بذلك.
قوله: (﴿نَشْرًا﴾: مُتَفَرِّقة)) تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٢٠٥).
قوله: (﴿يَغْنَوْاْ﴾: يعيشوا)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾، أي: لم
يَنزلوها ولم يعيشوا فيها، ومنه قولهم: مَغاني الدّيار، واحدتها مَغنًى، قال الشّاعر:
أتعرِفُ مَغنی دِمنةٍ ورُسومِ
وقال عبدُ الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر عن قَتَادة: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾، أي: كأن لم يعيشوا،
أو كأن لم يَتَنَعَّموا.
قوله: ((﴿حَقِيقٌ﴾: حَقٌّ)) تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٠).
(١) عبارة ((ذكرها استطرادا)) سقطت من (س)، وأثبتناها من (ع).
(٢) هو لبيد بن أبي ربيعة، والبيت من الوافر، انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري ٦٥٩/١، و((لسان العرب))
١٥/ ٧٦.
(٣) في ((التفسير) ٢٣٣/١ و٣١٢.

٢٩٠
سورة الأعراف
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((استَرْهَبُوهم: من الرّهْبة)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأنعام:
١١٦] هو من الرَّهبة، أي: خَوَّفوهم.
قوله: (﴿ تَلْقَفُ﴾: تَلْقَم)) تقدَّم في أحاديث الأنبياء(١).
قوله: ((الأسباط: قَبائلُ بني إسرائيل)) هو قول أبي عبيدة، وزادَ: واحدهم يسِبْط، تقول:
من أي سِبط أنتَ؟ أي: من أي قبيلة وچِنس؟ انتهى، والأسباط في ولد يعقوب كالقبائلِ
في ولد إسماعيل، واشتِقاقه من السَّبط وهو التَّتَابٌع، وقيل: من السَّبَطِ بالتَّحريكِ وهو الشَّجَرُ
الملتَفّ، وقيل للحسن والحسين: سِبْطا رسول الله وَّ؛ لانتشار ذُرّيَّتِهما، ثمَّ قيل لكلِّ ابن
بنتٍ: سِبْط.
قوله: ((﴿يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾: يَتَعَذَّوْنَ ثمّ يَتَجَاوَزونَ)) تقدَّم في أحاديث الأنبياء(٢)
وهو قول أبي عُبيدة، ووَقَعَ هنا في رواية أبي ذرِّ بدلَ قوله: ((ثمَّ يَتَجَاوَزونَ»: «تَجَاوُزُ بعدَ
تجاوزٍ)) وهو بالمعنى.
قوله: (﴿ شُرَّعًا﴾: شوارعَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ
سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أي: شوارعَ. انتهى، وشُرَّعٌ وشوارعُ جمعُ شارعٍ، وهو الظّاهر على
وجه الماء. وروى عبد الرَّزّاق(٣) عن ابن جُرَيج عن رجل عن عِكْرمة عن ابن عبّاس في قوله:
٣٠١/٨ ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾/ أي: بِيضاً سِماناً فَتَنْبَطِح بأفنيَّتِهم ظُهورُها
لبطونها.
قوله: ((﴿بَیِ﴾ شدید)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿پِعَذَاپٍ بِيسٍ﴾، أي: شديد، و ((بَئیس))
بفتح أوَّله وكسر الهمزة: هي القراءة المشهورة، وفيها قراءاتٌ كثيرةٌ في المشهورة والشّاذّة لا
نُطيل بها(٤).
(١) بين يدي الحديث (٣٣٩٢).
(٢) بين يدي الحديث (٣٤١٧).
(٣) في ((التفسير)) ١/ ٢٤١.
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ((بَيْس)) على وزن فَعِيل. وقرأ نافع: (بِيْس)) بكسر الباء من=

٢٩١
سورة الأعراف
كتاب التفسير
قوله: (﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾: فَعَدَ وتَقاعَسَ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ
إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: لَزِمَها وتَقَاعَسَ وأبطأ، يقال: فلان مُخُلِدٌ، أي: بَطيُ الشباب(١). وروى
عبد الرَّزّاق(٢) عن مَعمَر عن قَتَادة: أخلَدَ إلى الأرض: مالَ إلى الدُّنيا. انتهى، وأصل الإخلاد
اللَّزوم، فالمعنى لَزِمَ الميلَ إلى الأرض.
قوله: ((﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: نأتيهم من مأمَنِهم، كقوله تعالى: ﴿فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ
يَحْتَسِبُواْ﴾)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾: الاستدراجُ: أن يأتيَه من
حيثُ لا يعلم ومن حيثُ يَتَلَطَّف له حتَّى يَغْتَرَّه(٣)، انتهى. وأصل الاستدراج التَّقريب
مَنْزِلةٌ مَنزِلةً من الدَّرِج، لأنَّ الصّاعِدِ يَرِقَی درجةً درجةً . .
قوله: (﴿مِّن جِثَّةٍ﴾: من جنون)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِهِم مِّنْ جِنَّةٍ﴾
أي: من جنون، وقيل: المراد بالجِنّة: الجِنّ، كقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦]
وعلى هذا فيُقدَّر محذوف، أي: مَسّ جِنّة.
قوله: (﴿ أَيََّنَ مُرْسَنُهَا﴾: متى خروجُها)) هو قول أبي عبيدة أيضاً. وروى الطََّرَيُّ
(١٣٨/٩) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿مُرْسَنِهَا﴾ أي: مُنتَهاها،
ومن طريق قَتَادة قال: قيامها.
= غير همز، وروى أبو قُرَّة عن نافع: (بَئِيس)) على وزن فَعيل مثل حمزة، وروى أبو خارجة عنه: (بَيْسٍ))
بفتح الباء من غير همز منون ساكن الياء على وزن فَعْلٍ، وقرأ ابن عامر ((بِئْسٍ)) على وزن فِعْلٍ مثل
نافع غير أنه مهموز، وروى حفص والأعمش عن عاصم: ((بَئِيْسٍ)) مثل حمزة، وقرأ أبو بكر عن
عاصم: ((بَيْئَسٍ)) على وزن فَيْعَلٍ بفتح الهمز، قال أبو بكر: ثم جاءَني منها شك، فتركت روايتها عن
عاصم، وأخذتها عن الأعمش ((بَئِيْس)) مثل حمزة. انظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد
ص٢٩٦ -٢٩٧.
(١) كذا في الأصلين و(س)، والذي في ((مجاز القرآن)) ٢٣٣/١: الشيب.
(٢) في ((التفسير)) ٢٤٤/١، إلا أن عنده: عبد الرزاق عن معمر عن الكلبي، ولعله سبق نظر من الحافظ إلى
ما بعده، والله أعلم.
(٣) تصحفت في (س) إلى: يغيره.

٢٩٢
سورة الأعراف
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((﴿فَمَرَّتْ بِهِ،﴾: استَمرَّ بها الحمل فأتمَّتْه)) تقدَّم في أحاديث الأنبياء(١)، ولم يقع هنا
في رواية أبي ذرٍّ.
قوله: (﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾: يَسْتَخِفَنَّكَ)) هو قول أبي عبيدة، وزادَ: منه قوله: نَزَغَ الشَّيطان
بينَهم، أي: أفسَدَ.
قوله: ((طَيِفُ: مُلمُّ به لَمَمِّ، ويقال: طائفٌ، وهو واحد)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿إِذَا
مَسَّهُمْ طَبِفٌ﴾، أي: لَّمٌ، انتهى. واللَّمَم يُطلَق على ضربٍ من الجنون وعلى صِغار
الذُّنوب، واختَلَفَ القُرّاء، فمنهم مَن قرأ طائف ومنهم مَن قرأ طَيفٌ(٢)، واختارَ ابن جَرِير
الأولى، واحتَجَّ بأنَّ أهل التّأويل فَسَّروه بمعنى الغضب أو الزَّة، وأمَّا الطَّيف: فهو الخَيال، ثمَّ
حكى عن بعض أهل العربيَّة أنَّ الطَّيف والطائف بمعنى واحد، وأسنَدَ (١٥٨/٩) عن ابن
عبَّاس قال: الطائف: اللَّمّة من الشَّيطان.
قوله: (﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: يُزَيِّنُونَ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيَ ﴾
أي: يُزَيِّنونَ لهم الغَيّ والكفر.
قوله: ((﴿وَخِيفَةٌ﴾: خَوْفاً، ﴿وَخُفْيَةً﴾ من الإخفاء)» قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ وَاذْكُر
رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِفَةٌ﴾، أي: خَوفاً، وذهبَت الواوُ لكسرة الخاء، وقال ابن جُرَيج
في قوله: ﴿ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي: سِرّاً، أخرجه ابن المنذر، وقوله: من الإخفاء
فيه تَجُّزٌ، والمعروف في عُرف أهل الصَّرف(٣) من الخَفاء، لأنَّ المزيد مُشتَقّ من الثُلاثيّ،
ويُوَجَّه الذي هنا بأنَّه أراد انتِظام الصِّيغَتَينِ(٤) من معنى واحد.
قوله: ((والآصال: واحدُها أصيلٌ وهو ما بينَ العَصْر إلى المغْرِب، كقولك: ﴿بُكْرَة
(١) بين يدي الحديث (٣٣٢٦).
(٢) قرأ ((طيف)) بغير ألف من السبعة: ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، وقرأ الباقون ((طائف)) بألف وهمزة.
انظر: ((السبعة في القراءات)» لابن مجاهد ص٣٠١.
(٣) في (ع): ((العربية)) بدل ((الصرف))، والمثبت من (أ) و(س).
(٤) كذا في (ع)، وفي (أ) و(س): الصفتين.

٢٩٣
سورة الأعراف / ح ٤٦٣٧
كتاب التفسير
وَأَصِيلًا﴾)) هو قول أبي عبيدة أيضاً بلفظهِ(١)، قال ابن التِّين: ضُبطَ في نُسخةٍ (أُصُلِّ))
بضمَّتَينِ، وفي بعضها ((أصيلٌ)) بوزنِ عظيم، وليس ببَيٍِّ إلّا أن يريد أنَّ الآصال جمع أصيل
فيَصِحّ. قلت: وهو واضح في كلام المصنِّف. وقال عبد الرَّزّاق(٢) عن مَعمَر عن قَتَادة:
الآصال العَشِيّ. وقال ابن فارس: الأصيل واحد الأُصُل، وجمعُ الأُصُل آصالٌ، فهو جمع
الجمع، والأصائل جمع أصيلة، ومنه قوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
١ - باب قولِ الله تعالى:
﴿ قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
٤٦٣٧ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، عن أبي وائلٍ، عن
عبدِ الله ﴾ قال: قلتُ: أنتَ سمعتَ هذا من عبدِ الله؟ قال: نعم ورَفَعَه، قال: ((لا أحدَ أغيَرُ
منَ الله، فلذلك حَرَّمَ / الفواحشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا أحدَ أحَبُّ إليه المِدْحةُ منَ الله، ٣٠٢/٨
فلذلك مَدَحَ نفسَه)).
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾)) ذكر فيه
حديث ابن مسعود: ((لا أحدَ أغيَرُ من الله فلذلك حَرَّمَ الفواحش))، وسيأتي شرحه في
كتاب التوحيد (٧٤٠٣).
وقد حكى ابن جَرِير أنَّ أهل التَّويل اختلفوا في المراد بالفواحشِ، فمنهم مَن حَمَلَها
على العموم، وساقَ ذلك عن قَتَادة قال: المراد سِرّ الفواحش وعَلانيَتها، ومنهم مَن حَلَها
على نوع خاصّ، وساقَ عن ابن عبّاس قال: كانوا في الجاهليّة لا يَرَونَ بالزِّنى بأساً في السِّرّ
ويَستَقبحونَه في العَلانية، فحَرَّمَ الله الزِّنى في السِّرّ والعَلانية.
ومن طريق سعيد بن جُبَير ومجاهد: ما ظَهَرَ: نِكاح الأُمَّهات، وما بَطَنَ: الزِّنى. ثمَّ
(١) الذي في ((المجاز)) ١/ ٢٣٩ لأبي عبيدة: والآصال واحدتها أُصُل، وواحد الأُصُل أصِيل، وهو كمثل ما
سيذكره الشارح عن ابن فارس بعد قليل.
(٢) في ((التفسير)) ٢٤٦/١.

٢٩٤
سورة الأعراف / ح ٤٦٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
اختارَ ابن جَرِير القول الأوَّل، قال: وليس ما رُويَ عن ابن عبّاس وغيره بمَدفوعٍ، ولكنَّ
الأَولى الحَمْل على العموم، والله أعلم.
٢- بابٌ
﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ, قَالَ رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ الآية
قال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿َرِفِ﴾: أَعطِنِي.
٤٦٣٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرو بنِ یحیی المازِيِّ، عن أبيه، عن
أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ﴾ قال: جاء رجلٌ منَ اليهودِ إلى النبيِّمَلِ قد لُطِمَ وجهُه، وقال: يا محمَّدُ،
إنَّ رجلاً من أصحابكَ منَ الأنصار لَطَمَ في وجهي، قال: ((ادْعُوه)) فَدَعَوْه، قال: ((لِمَ لَطَمْتَ
وجْهَه؟» قال: يا رسولَ الله إنّ مَرَرْتُ باليهودِ، فسمعتُه يقول: والذي اصْطَفَى موسى على
البَشَرِ، فقلتُ: وعلى محمَّدٍ؟ وأخَذَتْنِي غَضْبَةٌ، فَلَطَمْتُه، قال: ((لا تُخُيِّروني من بينِ الأنبياءِ، فإنَّ
الناسَ يَصْعَقونَ يومَ القيامةِ، فأكونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ، فإذا أنا بموسى آخِذٌ بقائمةٍ من قوائمِ
العَرْشِ، فلا أدري أَفاقَ قبلي، أم جُزِيَ بصَعْقةِ الطُّورِ)).
قوله: ((باب ﴿وَلَمَّا جَآَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبٍّ أَرِفِيَ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ الآيةَ
[الأعراف: ١٤٣]، قال ابن عبّاس: ﴿أَرِفِ﴾ أعطِنِي). وصَلَه ابن جَرِير (٤٩/٩) من طريق عليّ
ابن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال: أعطِني. وأخرج من
طريق السُّدّيِّ قال: لمَّا كَلَّمَ الله موسى أحَبَّ أن يَنظُرَ إليه قال: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ
تكملة: تَعلَّقَ بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَئِ﴾ نُفاة رؤية الله تعالى مُطلَقاً من المعتَزِلة فقالوا:
(لَن)) لتأكيدِ النَّفي الذي يدلّ عليه ((لا))، فيكون النَّفي على التَّأبيد. وأجابَ أهل السُّنّة بأنَّ
التَّعميم في الوقت مُخْتَلَف فيه، سَلَّمنا لكن خُصَّ بحالة الدُّنيا التي وَقَعَ فيها الخِطاب،
وجازَ في الآخِرة، لأنَّ أبصار المؤمنينَ فيها باقية فلا استحالة أن يُرَى الباقي بالباقي،
بخِلَاف حالة الدُّنيا فإنَّ أبصارهم فيها فانية فلا يُرَى الباقي بالفاني، وتَواتَرَت الأخبار
النبويَّة بوقوع هذه الرُّؤية للمؤمنينَ في الآخِرة وبإكرامهم بها في الجنَّة، ولا استحالة فيها،

٢٩٥
سورة الأعراف / ح ٤٦٣٩- ٤٦٤٠
كتاب التفسير
فوَجَبَ الإيمان بها، وبالله التوفيق.
وسيأتي مَزيد لهذا في كتاب التوحيد (٧٤٣٤) إن شاء الله تعالى، حيثُ تَرجَمَ المصنِّف
﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ -٢٣].
قوله: ((جاء رجل من اليهود إلى النبيّ ◌َّه قد لُطِمَ وجهُه)) الحديث، تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى
في أحاديث الأنبياء (٣٣٩٨)، وقوله فيه: ((أم جُزِيَ)) كذا للأكثر، ولأبي ذرِّ/ عن الحَمُّوِيِّ ٣٠٣/٨
والمُستَمْلي: ((جُوزيَ)) وهو المشهور في غير هذا الموضع.
٣- ﴿اَلْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف: ١٦]
٤٦٣٩- حدّثنا مسلمٌ، حدّثنا شُعْبة، عن عبدِ الملك، عن عَمْرو بن حُرَيثٍ، عن
سعيد بن زيدٍ، عن النبيّ وَ ◌ّهِ، قال: ((الكَمْأَةُ مِن المَنّ، وماؤُها شِفاءٌ من العَينِ)).
قوله: ﴿اَلْمَرَّ وَالسَّلْوَى ﴾ ذکر فیه حدیث سعيد بن زيد في الكمأة، وسيأتي شرحه في
الطِّبّ (٥٧٠٨).
وقوله: ((شِفاءٌ من العين)) أي: من وَجَع العين، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((شِفاءٌ للعینِ)).
وتقدَّم شرح المنّ والسَّلَوَى في تفسير البقرة (٤٤٧٨)، وهو مشهورٌ في غير هذه.
وقوله في أوَّل الإسناد: ((حدَّثنا مسلم)) وَقَعَ لأبي ذرٍّ غير منسوب، وعندَ غيره: مسلم بنُ
إبراهيم.
٤- بابٌ
قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ,
مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨]
٤٦٤٠ - حدَّثني عبدُ الله، حذَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وموسى بنُ هارونَ، قالا: حدّثنا
الوليدُ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ العلاءِ بنِ زَيْرٍ، قال: حدَّثني بُسْرُ بنُ عُبيدِ الله، قال:
حدَّثني أبو إذْرِيسَ الخَوْلانيُّ، قال: سمعتُ أبا الدَّرْداءِ يقول: كانت بينَ أبي بكرٍ وعمرَ

٢٩٦
سورة الأعراف / ح ٤٦٣٩ - ٤٦٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
مُحاوَرةٌ، فأغضَبَ أبو بَكْرٍ عمرَ، فانصَرَفَ عنه عمرُ مُغْضَباً، فَاتَّبَعَه أبو بَكْرٍ يَسْألُه أن
يَسْتَغْفِرَ له، فلم يَفْعَل، حتَّى أغلَقَ بابَه في وجهِه، فأقبَلَ أبو بَكْرٍ إلى رسولِ الله وَّ - فقال
أبو الدَّرْداءِ: ونحنُ عندَه - فقال رسولُ الله وَّةِ: ((أمَّا صاحبُكُم هذا فقد غامَرَ)) قال: ونَدِمَ
عمرُ على ما كان منه، فأقبَلَ حتَّى سَلَّمَ وجَلَسَ إلى النبيِّ ◌َّهِ وَقَصَّ على رسولِ الله وَّة.
الخبرَ، قال أبو الدَّرْداءِ: وغَضِبَ رسولُ الله ◌َّهِ، وجَعَلَ أبو بَكْرٍ يقول: والله يا رسولَ الله،
لَأنا كنتُ أَظْلَمَ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: «هل أنتُم تارِكُو لي صَاحِبِي؟ هل أنتُم تارِكُو لي
صَاحِبِي؟ إنّ قلتُ: يا أيُّها الناسُ إنّ رسولُ الله إليكم جميعاً، فقلتُم: كَذَبْتَ، وقال أبو بَكْرٍ:
صَدَقْتَ)).
قال أبو عبد الله: غامَرَ: سَبَقَ بالخير.
قوله: ((باب ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَِّ رَسُولُ اُللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾)» ذکر فیه حديث أبي
الدَّرداء فيما كان بينَ أبي بكر وعمرَ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في مناقب أبي بكر (٣٦٦١).
وقوله في أوَّل الإسناد: ((حدَّثْني عبد الله)) كذا وَقَعَ غير منسوب عندَ الأكثر، ووَقَعَ عندَ
ابن السَّكَن عن الفِرَبْريِّ عن البخاريّ: ((حدَّثني عبد الله بن حمَّد)» وبذلك جَزَمَ الكَلاباذيُّ
وطائفة، وعبد الله بن حمّاد هذا: هو الآمُلُّ - بالمدِّ وضمِ الميم الخفيفة - يُكْنَى أبا عبد الرَّحمن،
قال الأَصِيليُّ: هو من تَلامذة البخاريّ، وكان يوَرِّقُ بينَ يَدَیه. قلت: وقد شارَكَه في كثير
من شيوخه، وكان من الحُفّاظ، ماتَ قبلَ السَّبعينَ أو بعدَها، فقال غُنجارُ في ((تاريخ
بُخَارَى)): ماتَ سنةَ تسع وستّينَ، وقيل: سنةَ ثلاث وسبعينَ.
وسليمان بن عبد الرَّحمن: هو الدِّمَشقيّ، من شيوخ البخاريّ، وأمَّا موسى بن هارون:
فهو البُنِّي - بضمِّ الموخَّدة وتشديد النّون - والبُرْديّ وهو بضمِّ الموخَّدة وسكون الرّاء،
٣٠٤/٨ كوفيّ قَدِمَ مِصرَ ثمَّ سَكَنَ الفَيّومَ وماتَ بها سنةَ أربع وعشرينَ ومئتَينٍ، وما له في / البخاريّ
سِوَى هذا الموضع.
قوله: ((قال أبو عبد الله: غامَرَ: سَبَقَ بالخيرِ)) تقدَّم شرحُه أيضاً في مناقب أبي بكر.

٢٩٧
سورة الأعراف / ح ٤٦٤١
كتاب التفسير
٥- باب قوله: ﴿حِظَّةٌ ﴾ [الأعراف: ١٦١]
٤٦٤١ - حدَّثَني إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّامِ بنِ مُنِيِّهِ، أنَّه سمعَ
أبا هريرةَ ضُ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((قيل لِبني إسرائيلَ: ادخُلُوا البابَ سُجَّداً ﴿وَقُولُواْ
حِظَّةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَنْكُمْ﴾ فَدَّلوا فدخلوا يَزْحَفونَ على أسْتَاهِهِم، وقالوا: حَبّةٌ في شَعَرةٍ».
قوله: ((باب قوله: ﴿حِظَّةٌ﴾. حدَّثني إسحاق)) هو ابن إبراهيم الحَنظُ ابن راهویه.
قوله: ((قيلَ لبني إسرائيلَ: ادْخُلُوا البابَ سُجَّداً وقولوا حِطَّةَ)) قال عبد الرَّزّاق(١) عن
مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾ قال الحسن: أي: احطُط عَنّا خَطايانا، وهذا يَليق
بقراءة مَن قرأ ((حِطّةً)) بالنَّصب، وهي قراءةُ إبراهيمَ بن أبي عبلةَ، وقرأ الجمهور بالرَّفع على
أَنَّهِ خَبَر لمبتَدَأِ محذوف، أي: مسألتنا حِطّةٌ، وقيل: أُمِروا أن يقولوا(٢) على هذه الكيفيَّة، فالرَّفع
على الحكاية، وهي في مَحَلّ نصب بالقولِ، وإنَّما مَنَعَ النَّصب حركة الحكاية، وقيل: رُفِعَت
لتُعطي معنى الثَّبات كقوله: سَلامٌ.
واختُلِفَ في معنى هذه الكلمة، فقيلَ: هي اسم للهَيئة من الخَطّ كالجلسة، وقيل: هي
التوبة، كما قال الشاعر:
فازَ بالحِطّة التي صَيَّرَ اللّـهُ بها ذَنْبَ عبدهِ مَغْفُورا
وقيل: لا يُدرَى معناها، وإنَّما تُعُبِّدوا بها. وروى ابن أبي حاتم (١١٨/١، ١٥٩٤/٥)
عن ابن عبّاس وغيره قال: قيل لهم: قولوا مَغْفِرة.
قوله: ((فِبَدَّلوا)) أي: غَيَّروا، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ
الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] (٣) التَّقدير: فَبَدَّلَ الذينَ ظَلَموا بالذي قيل لهم قولاً غيرَ
الذي قيل لهم، ويحتمل أن يكون ضمّن ((بدَّل)) معنى قال.
(١) في ((التفسير)) ١/ ٤٧.
(٢) في الأصلين: يقولها، والمثبت من (س) وهو أوجه.
(٣) كذا ذُكرت آية البقرة هذه في الأصلين و(س)، أما آية الأعراف فهي ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًّا غَيْرَ
اَلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [١٦٢]، بزيادة كلمة ((منهم)).

٢٩٨
سورة الأعراف / ح ٤٦٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فدخلوا يَزْحَفونَ على أستاههم، وقالوا: حَبّةٌ في شَعَرةٍ)) كذا للأكثرِ، وكذا في
رواية الحسن المذكورة، بفتحَتَينٍ، وللكُشْمِيهنيّ: ((في شَعيرةٍ)) بكسرِ المهمَلة وزيادة تحتانيَّة
بعدَها. والحاصل أنَهم خالَفوا ما أُمِروا به من الفِعل والقول، فإنَّهم أُمِروا بالسُّجودِ عندَ
انتهائهم؛ شُكراً لله تعالى، وبقولهم: حِطّة، فبَدَّلوا السُّجود بالَّحفِ، وقالوا: حِنطةٌ، بدلَ:
حِطّة، أو قالوا: حِطّةٌ، وزادوا فيها: حَبّة في شَعرةٍ. وروى الحاكم (٣٢١/٢) من طريق
السُّدّيِّ عن مُرّةَ عن ابن مسعود قال: ((قالوا: هطى سمقائا)) وهي بالعربيَّة: حِنطة حمراء
قويّة فيها شعرة سوداء.
ويُستَنبَط منه أنَّ الأقوال المنصوصة إذا تُعُبِّدَ بلفظها لا يجوز تغييرها ولو وافَقَ المعنى.
وليست هذه مسألة الرّواية بالمعنى بل هي مُتَفَرِّعة منها، وينبغي أن يكون ذلك قَيداً في الجواز،
أعني يُزاد في الشَّرط أن لا يقع التَّعَبُّد بلفظه ولا بُدَّ منه، ومَن أطلقَ فكلامه محمول علیه.
٦- بابٌ
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
العُرْفُ: المعروف.
٤٦٤٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ
عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمَ عُيَينةُ بنُ حِصْنِ بنِ حُذَيفةَ، فنزلَ على
ابنِ أخِيه الحُرِّ بنِ قيسٍ، وكان منَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهم عمرُ، وكان القُرَاءُ أصحابَ مَجالسٍ
عمرَ ومُشاوَرَتِهِ كُهولاً كانوا أو شُبّاناً، فقال عُيَينةُ لابنٍ أخِيه: يا ابنَ أخي، لكَ وجهٌ عندَ هذا
٣٠٥/٨ الأمِيرِ، فاستأذِن لي عليه، قال: سأستأذِنُ لكَ عليه. قال ابنُ عبَّاسٍ: فاستَأَذَنَ/ الحُرُّ لِعُبَيْنَةَ،
فأذِنَ له عمرُ، فلمَّا دَخَلَ عليه قال: هِيْ يا ابنَ الخطّاب! فوالله ما تُعْطينا الجَزْلَ، ولا تَحِكُمُ بينَنَا
بالعَدْل، فَغَضِبَ عمرُ حتَّى هَمَّ أن يُوقِعَ به، فقال له الحُرُّ: يا أمِيرَ المؤمنينَ، إنَّ الله تعالى قال
لِنِبِّهِ وَّةِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ وإنَّ هذا منَ الجاهلِينَ، والله ما
جاوَزَها عمرُ حينَ تَلَاها علیه، وكان وَقّافاً عندَ كتابِ الله.
[طرفه في: ٧٢٨٦]

٢٩٩
سورة الأعراف / ح ٤٦٤٣ - ٤٦٤٤
كتاب التفسير
٤٦٤٣- حدَّثني يحيى، حدَّثنا وكِيعٌ، عن هشام، عن أبيه، عن ابنِ الزُّبَيِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرُ
بِاَلْعُرْفِ﴾ قال: ما أنزلَ الله إلَّا في أخلاق الناسِ.
[طرفه في: ٤٦٤٤]
٤٦٤٤ - وقال عبدُ الله بنُ بَرّادٍ: حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ
الزُّبَيرِ، قال: أمَرَ الله نبيَّهَ وَ لَ أَن يأخُذَ العَفْوَ من أخلاق الناسِ، أو كما قال.
قوله: ((باب ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ العُرف: المعروف)) وصَلَه
عبد الرَّزّاق(١) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه بهذا، وكذا أخرجه الطَّبَريُّ (١٥٤/٩) من
طريق السُّدّيِّ وقَتَادة.
قوله في حديث عمر: ((أو شُبّاناً) بضمِّ أوَّله وتشديد الموحّدة وبعدَ الألف نون للأكثرِ،
وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ بفتح أوَّله وبموخَّدتَينِ الأولى خفيفة، وسيأتي شرح هذا الحديث في
كتاب الاعتصام (٧٢٨٦).
قوله: ((حدَّثْني يحيى)) نَسَبَه ابن السَّكَن فقال: يحيى بنُ موسى، ونَسَبَه المُستَمْلي فقال:
يحيى بن جعفر، ولا يَخْرُج عن واحد منهما، والأشبه ما قال المُستَمْلي.
قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة، وابن الزُّبَير: هو عبدُ الله.
قوله: ((ما أَنزَلَ اللهُ) أي: هذه الآيةَ ((إلّا في أخلاق الناس)) وكذا أخرجه ابن جرير عن
ابن وكيع عن أبيه بلفظ: ((ما أنزلَ الله هذه الآيةَ إلّا في أخلاق الناس))(٢)، وكذا أخرجه ابن
أبي شَيْبةَ عن وكيع (٣)، وأخرج ابن جَرِير (٩/ ١٥٤) أيضاً من طريق وَهْب بن كَيْسانَ عن
(١) في ((التفسير)) ٢٤٥/١.
(٢) لم نجد هذا اللفظ من طريق ابن وكيع عن أبيه عند الطبري ولا عند غيره، وإنما رواه الطبري ٩/ ١٥٤
من طريق معمر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن الزبير، ولعله سبق نظر من الحافظ، فقد جاء عند
الطبري بإثر رواية ابن الزبير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: بلغني عن
مجاهد ﴿ خُذِ اٌلْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسين.
(٣) وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة ١٣ / ٣٨٨ عن عبد الله بن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن ابن الزبير، وليس
عن وكيع، والله أعلم.

٣٠٠
سورة الأعراف / ح ٤٦٤٣-٤٦٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الله بن الزُّبَير نحوَه.
قوله: ((وقال عبد الله بن بَرّادٍ)) بموخَّدةٍ وتثقيل الرّاء، وبَرّاد اسم جَدِّه، وهو عبد الله
ابن عامر بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعَريّ، ما له في البخاريّ سِوَی
هذا الموضع.
قوله: ((أمَرَ الله نبيَّه أن يأخُذَ العَفْو من أخلاق الناس، أو كما قال)) وقد اختُلِفَ على هشام
في هذا الحديث، فوَصَلَه مَن ذَكَرنا عنه، وتابعَهم عبدُ بن سلیمانَ عن هشام عندَ ابن جَرِیر
(٩/ ١٥٤) والطُّفاويّ عن هشام عندَ الإسماعيليّ.
وخالَفَهم مَعمَر وابن أبي الزّناد وحَمَّاد بن سَلَمةَ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه من قوله
موقوفاً.
وقال أبو معاوية: عن هشام عن وَهْب بن كَيْسانَ عن ابن الزُّبَيرِ، أخرجه سعيد بن
منصور عنه (١).
وقال عَبدُ الله (٢) بن عمر: عن هشام عن أبيه عن ابن عمر أخرجه البزَّار والطبرانيُّ(٣)
وهي شاذّةٌ، وكذا رواية حَمَّاد بن سَلَمةَ عن هشام عن أبيه عن عائشة عندَ ابن مَرْدويه. وأمَّا
رواية أبي معاوية فشاذّة أيضاً معَ احتمال أن يكون لهشام فيه شيخان، وأمَّا رواية مَعمَر ومَن
(١) سعيد بن منصور في ((التفسير)) (٩٧٥)، والطبري ٩/ ١٥٣.
(٢) في (س): عُبيد الله، والمثبت من الأصلين.
(٣) أخرجه البزار في «مسنده)) (٢١٨١)، والطبراني في ((الأوسط)» (١٢١٦)، لكن وقع للحافظ ابن حجر
رحمه الله هنا وهمان:
الأول: أن الراوي عن هشام بن عروة عندهما هو محمد بن عبد الرحمن الطفاوي وليس عبد الله بن عمر،
بل لم نجد في سائر مصادر التخريج أن عبد الله بن عمر روى هذا الحديث عن هشام بن عروة.
الثاني: أن رواية البزار من حديث ابن الزبير وليست من حديث ابن عمر، ويؤيد ذلك أن الهيثمي لم
ينسبه في ((المجمع)) ٢٥/٧ إلى البزار وإنما إلى الطبراني في ((الأوسط)) فحسب، وكذلك السيوطي في ((الدر
المنثور)) ٢٦٨/٣ نسب حديث ابن عمر هذا إلى ابن أبي حاتم ١٦٣٧/٥، وأبي الشيخ، والطبراني في
((الأوسط))، وابن مردويه، والحاكم ١/ ٢١٣، والله أعلم.