Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة المائدة / ح ٤٦٢٠ كتاب التفسير وقد أخرج أحمد (١٥٦٧) ومسلم (١٨٧٧/٤ - ١٨٧٨) في سبب نزول هذه الآية عن سعد بن أبي وقّاص قال: صَنَعَ رجل من الأنصار طعاماً، فدَعانا فشَرِبنا الخمر قبل أن تُحرَّم حتَّى سَكِرِنا، فَتَفاخَرْنا، إلى أن قال: فنزلت: ﴿ إِنَّمَا اُلْخَفِّرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُنَهُونَ﴾. ١٠ - بابٌ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية [المائدة: ٩٣] ٤٦٢٠ - حدَّثنا أبو الُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا ثابتٌ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ الخمرَ التي أُهْرِيقَتِ الفَضِيخُ. وزادني محمَّدٌ البِيكنديّ عن أبي النُّعْمان قال: كنتُ ساقيَ القوم في مَنزِلِ أبِي طَلْحةَ، فنزلَ تَحِرِيمُ الخمرِ، فأمَرَ مُنادِياً فنادَى، فقال أبو طَلْحةَ: اخرُج فانظُرُ ما هذا الصَّوْت؟ قال: فخَرَجْتُ فقلتُ: هذا مُنادٍ ينادي: ألا إنَّ الخمرَ قد خُرِّمَت، فقال لي: اذهَبْ فأهرِتْها، قال: فجَرَت في ◌ِكَكِ المدينةِ، قال: وكانت خمرُهم يومَئذِ الفَضِيخَ، فقال بعضُ القومِ: قُتِلَ قومٌ وهيَ في بُطونِم، قال: فأنزَلَ الله: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾. قوله: ((باب ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ ﴾ الآية)) كذا لأبي ٢٧٩/٨ ذرِّ، ولغيره: إلى قوله: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وذكر فيه حديث أنسٍ: أنَّ الخمر التي هُرِيقَت الفضيخ، وسيأتي شرحه في الأشربة (٥٥٨٢). وقوله: ((وزادَني محمَّد البِيكَنديُّ عن أبي التُّعمان)) كذا ثَبَتَ لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لغيره البِيكَنديّ، ومُراده أنَّ البِيكَنديَّ سمعَه من شيخهما أبي النُّعمان بالإسناد المذكور فزادَ فيه زيادة. والحاصل أنَّ البخاريّ سمعَ الحديث من أبي النُّعمان مختصراً ومن محمَّد بن سَلّام البِيكَنديِّ عن أبي النُّعمان مُطوَّلاً، وتَصَرَّفَ الزَّركَشِيُّ فيه غافلاً عن زيادة أبي ذرٍّ فقال: القائل ((وزادَني)) هو الفِرَبْريّ، ومحمَّد: هو البخاريّ، وليس كما ظنَّ رحمه الله، وإنَّما هو كما قَدَّمتُه. ٢٤٢ سورة المائدة / ح ٤٦٢٠ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: (فَنَزَل تحريم الخمر، فأمَرَ مُناديا)) الآمِرِ بذلك هو النبيّ بََّ، والمنادي لم أرَ التَّصريح باسمِهِ، والوقت الذي وَقَعَ ذلك فيه زَعَمَ الواحديّ أنَّه عَقِب قول حمزة: إنَّما أنتم عَبيد لأبي، وحديث جابر يَرُدّ عليه(١). والذي يَظهَر أنَّ تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان، لمَا روى أحمد (٢٠٤١) من طريق عبد الرَّحمن بن وَعْلة قال: سألت ابن عبّاس عن بيع الخمر فقال: كان لرسولِ الله وَ ل﴿ صديق من ثَقيفٍ أو دَوْس، فلَقيَه يوم الفتح براوية ◌َمر يُهديها إليه، فقال: ((يا فلان أما علمتَ أنَّ الله حَرَّمَها)) فأقبَلَ الرجل على غلامه فقال: بعها. فقال: ((إنَّ الذي حَرَّمَ شُربها حَرَّمَ بيعها)). وأخرجه مسلم (١٥٧٩) من وجه آخر عن ابن وَعْلة نحوه، ولکِن لیس فیه تعیین الوقت. وروى أحمد (١٨٩٦٠) من طريق نافع بن كَيْسانَ الثَّقَفيّ عن أبيه: أنَّه كان يَتَّجِر في الخمر، وأنَّه أقبَلَ من الشّام فقال: يا رسول الله إنّي جِئْتُك بشرابٍ جيِّد، فقال: «یا کَیسانُ إنَّهَا حُرِّمَت بعدك)) قال: فأبيعها؟ قال: ((إنَّهَا حُرِّمَت وحُرِّمَ ثَمَنها)). وروى أحمد (١٧٩٩٥) وأبو يَعْلى(٢) من حديث تَميم الدّاريِّ أَّه كان يُهدي لرسولِ الله وَالّ كلّ عام راوية خَمر، فلمَّا كان عام حُرِّمَت جاء براويةٍ، فقال: ((أشعَرتَ أنَّها قد حُرِّمَت بعدك؟)) قال: أفَلا أبيعُها وأنتَفِعِ بَثَمَنِها؟ فنَهاه. ويُستفاد من حدیث کیْسانَ تسمية المبهم في حديث ابن عبّاس، ومن حدیث تمیم تأیید الوقت المذكور، فإنَّ إسلام تَميم كان بعد الفتح. وقوله: ((فقال بعض القوم: قُتِلَ قومٌ وهي في بُطونهم، فأنزَلَ الله تعالى ... )) إلى آخره، لم أقِفْ على اسم القائل. (١) قول حمزة سلف ضمن حديث مطول برقم (٣٠٩١)، وحديث جابر الذي يرد عليه سلف في الباب السابق (٤٦١٨). (٢) كما في ((المطالب العالية)) لابن حجر ٦١٦/٨ رقم (١٨٠٥)، و(«إتحاف الخيرة)) للبوصيري ٣٤٩/٤ رقم (٣٧٢٤). ٢٤٣ سورة المائدة / ح ٤٦٢٠ كتاب التفسير فائدة: في رواية الإسماعيليّ عن ابن ناجية عن أحمد بن عَبْدةً(١) ومحمَّد بن موسى عن حمّاد في آخر هذا الحديث: ((قال حمّاد: فلا أدري هذا في الحديث - أي: عن أنس - أو قاله ثابت)) أي: مُرسَلاً يعني قوله: ((فقال بعض القوم)) إلى آخر الحديث. وكذا عند مسلم (٣/١٩٣٠) عن أبي الرَّبيع الزَّهرانيِّ عن حَمَّد نحو هذا. وتقدَّم للمصنّفِ في المظالم (٢٤٦٤) عن أنس بطوله من طريق عَفّانَ عن حَمَّاد كما وَقَعَ عنده في هذا الباب فالله أعلم. وأخرجه ابن مَرْدويه من طريق قَتَادة عن أنس بطوله وفيه الزّيادة المذكورة. وروى النَّسائيُّ (ك١١٠٨٦) والبيهقيُّ (٢٨٥/٨-٢٨٦) من طريق ابن عبَّاس قال: نزلَ تحريم الخمر في ناس شَرِبوا، فلمَّا ثَمِلُوا عَبَثوا، فلمَّا صَحَوا جَعَلَ بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر، فنزلت، فقال ناس من المتكلِّفينَ: هي رِجس وهي في بطن فلان وقد قُتِلَ بأُحُدٍ، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾ إلى آخرها. وروى البزَّار من حديث جابر (٢): أنَّ الذينَ قالوا ذلك كانوا من اليهود. وروى أصحاب ((السُّنَن))(٣) من طريق أبي مَيسَرة عن عمر أنَّه قال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فقُرِتَت عليه، فقال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في النِّساء: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [٤٣] فقُرِتَت عليه، فقال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة: ﴿فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَْهُونَ﴾ [٩٠-٩١]، فقال عمر: انتَهَينا انتَهَينا، وصَخَّحَه عليّ بن المَدِينيّ والقِّرمِذيّ. وأخرج أحمد (٨٦٢٠) من حديث أبي هريرة نحوه دون قِصّة عمر، لكن قال عند نزول آية البقرة: فقال الناس: ما حُرِّمَ علينا، فكانوا/ يَشرَبونَ، حتَّى أمَّ رجل أصحابه في المغرب ٢٨٠/٨ فخَلَطَ في قراءته، فنزلت الآية التي في النِّساء، فكانوا يَشرَبونَ ولا يَقرَب الرجل الصلاة (١) تحرف في (س) إلى: عبيدة. (٢) أخرجه البزار (١٥١٣)، لكن ليس من حديث جابر كما قال الحافظ، وإنما من حديث عبد الله بن مسعود. (٣) أخرجه أبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي في ((المجتبى)) (٥٥٤٠). ٢٤٤ سورة المائدة / ح ٤٦٢٠ فتح الباري بشرح البخاري حتَّى يُفيق، ثمَّ نزلت آية المائدة، فقالوا: يا رسول الله، ناس قُتِلوا في سبيل الله وماتوا على فُرُشهم وكانوا يَشرَبونَها، فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾ الآية، فقال النبيّ وَّ: ((لو حُرِّمَ عليهم لَتَرَكوه كما تَرَكْتُمُوه)). وفي ((مُسنَد الطَّيالسيِّ)) (٢٠٦٩) من حديث ابن عمر نحوه، وقال: في الآية الأولى قيل: حُرِّمَت الخمر، فقالوا: دَعنا يا رسول الله نَنتَفِع بها، وفي الثّانية فقيلَ: حُرِّمَت الخمر، فقالوا: لا، إنّا لا نَشرَبها قُرب الصلاة، وقال في الثّالثة: فقال رسول الله(١) وَلَ: ((حُرِّمَت الخمر)). قال ابن التِّين وغيره: في حديث أنس وجوب قَبُول خَبَرَ الواحد والعَمَل به في النَّسخ وغيره، وفيه عَدَم مشروعيَّ تَخليل الخمر، لأنَّه لو جازَ لمَا أراقوها، وسيأتي مَزِيدٌ لذلك في الأشربة إن شاء الله تعالى. تنبيه: في رواية عبد العزيز بن صُهَيبٍ (٢): أنَّ رجلاً أخبَرَهم أنَّ الخمر حُرِّمَت، فقالوا: أرِقْ يا أنس. وفي رواية ثابت عن أنس(٣): أنَّهم سمعوا المنادي، فقال أبو طلحة: اخرُج يا أنس فانظُرُ ما هذا الصَّوت. وظاهر هما التَّعارُض لأنَّ الأَوَّل يُشعِر بأنَّ المناديَ بذلك شافَهَهم، والثّاني يُشعِر بأنَّ الذي نَقَلَ لهم ذلك عنه(٤) أنس، فنَقَلَ ابن الِّين عن الدّاووديِّ أنَّه قال: لا اختلاف بين الرِّوايتَينِ، لأنَّ الآتيَ أخبر أنساً وأنس أخبر القوم. وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّ نَصَّ الرِّواية الأولى أنَّ الآتيَ أخبر القوم مُشافَهة بذلك. قلت: فيُمكِن الجمع بوجهٍ آخر، وهو أنَّ المناديَ غير الذي أخبَرَهم، وأنَّ أنساً لمَّا أخبَرَهم عن المنادي جاء المنادي أيضاً في إثْرِهِ فشافَھَھم. (١) في (س): ((فقالوا يا رسول الله))، وهو خطأ، والمثبت من الأصلين و((مسند الطيالسي)). (٢) سلفت برقم (٤٦١٧). (٣) وهي رواية الباب. (٤) تحرفت في (س) إلى: ((غير))، والمثبت من (ع). ٢٤٥ سورة المائدة / ح ٤٦٢١ كتاب التفسير ١١ - باب قوله: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ٤٦٢١ - حدَّثْنا مُنْذِرُ بنُ الوليدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الجارُودِيُّ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شُعْبٌ، عن موسى بنِ أنسٍ، عن أنسٍ ◌ّ قال: خَطَبَ النَّبِيُّ وَِّ خُطْبَةً ما سمعتُ مِثلَها فَطُّ، قال: (لو تعلمون ما أعلم لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُم كثيراً» قال: فَغَطَّى أصحابُ رسولِ الله ◌َِّ وجوهَهم لهم حَنِينٌ، فقال رجلٌ: مَن أبي؟ قال: ((أبوك فلانٌ)) فنزلت هذه الآيةُ ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. رواه النَّضْرُ ورَوْحُ بنُ عُبَادةَ، عن شُعْبَةً. قوله: ((باب قوله: ﴿لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾)) سَقَطَ: ((باب قوله)) لغير أبي ذرّ، وقد تَعلَّقَ بهذا النَّهي مَن كَرهَ السُّؤال عمَّا لم يقع، وقد أسنَدَه الدَّارِمِيُّ في مُقدِّمة كتابه عن جماعة من الصَّحابة والتابعينَ. وقال ابن العربيّ: اعتَقَدَ قوم من الغافلينَ مَنْع أسئلة النَّوازِل حتَّى تقع؛ تَعلُّقاً بهذه الآية، وليس كذلك، لأنَّها مُصرِّحة بأنَّ المنهيّ عنه ما تقع الإساءة(١) في جوابه، ومسائل النَّوازِل ليست كذلك. وهو كما قال، إلّا أنَّه أساءَ في قوله: ((الغافلينَ)) على / عادته، كما نَبَّهَ عليه القُرطُبيّ. وقد روى مسلم (٢٣٥٨) عن سعد بن أبي ٢٨١/٨ وقّاصِ رَفَعَه: ((أعظَمُ المسلمينَ بالمسلمينَ جُرماً، مَن سألَ عن شيء لم يُحرَّم، فحُرِّمَ من أجل مَسأَلَته))، وهذا يُبيِّن المراد من الآية، وليس ممّا أشارَ إليه ابن العربيّ في شيء. قوله: ((حدَّثْنا مُنْذِر بن الوليد بن عبد الرّحمن)) أي: ابن حبيب بن علياء بن حبيب بن الجارود العبديُّ البصريّ الجاروديُّ نِسبة إلى جَدّه الأعلى، وهو ثقة، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث، وآخَر في كفَّارات الأيمان (٦٧١٣)، وأبوه ما له في البخاريّ ذِكْر إلّا في هذا الموضع، ولا رأيت عنه راوياً إلّا ولده، وحديثه هذا في المتابعات، فإنَّ المصنّف أورَدَه في الاعتصام (٧٢٩٥) من رواية غيره کما سأُبيِّنُه. (١) في (س): المساءة، والمثبت من (ع). ٢٤٦ سورة المائدة / ح ٤٦٢١ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: وَقَعَ في كلام أبي عليّ الغَسّانيّ - فيما حكاه الكِرْمانيُّ - أنَّ البخاريّ روى هذا الحديث عن محمَّد غير منسوب عن مُنذِر هذا، وأنَّ محمَّداً المذكور: هو ابن يحيى الذُّهْلِيّ، ولم أرَ ذلك في شيء من الرِّوايات التي عندنا من البخاريّ، وأظنّه وَقَعَ في بعض النُّسَخ: ((حدَّنا محمَّد)) غير منسوب، والمراد به البخاريّ المصنِّف، والقائل ذلك الراوي عنه، وظَنّوه شيخاً للبخاريِّ، وليس كذلك، والله أعلم. قوله: ((عن أنس)) في رواية رَوْح بن عُبَادة عن شُعْبة في الاعتصام (٧٢٩٥): ((أخبرني موسی قال: سمعت أنس بن مالك یقول)). قوله: ((خَطَبَ النبيّ ◌َِّ خُطْبة ما سمعت مِثْلها قَطُّ، قال: لو تعلمون ما أعلم)) وَقَعَ عند مسلم (١٣٤/٢٣٥٩) من طريق النَّضر بن شُمَيلِ عن شُعْبة في أوَّله زيادة يَظهَر منها سبب الخُطبة، ولفظه: ((بَلَغَ النّبيَّ ◌َّهِ شيء عن أصحابه، فخَطَبَ فقال: عُرِضَت عليَّ الجنَّة والنار فلم أرَ كاليومٍ في الخير والشرّ، ولو تَعلَمونَ ما أعلم)). قوله: ((لَضَحِكْتُمْ قليلاً ولَكَيْتُمْ كَثيراً، قال: فَغَطَّى)) في رواية النَّضر بن شُمَيلِ: ((قال: فما أتى على أصحاب رسول الله وَ﴿ يوم كان أشدّ من ذلك، غَطّوا رُؤوسَهم)). قوله: ((لهم حَنين)) بالحاءِ المهمَلة للأكثرِ، وللكُشْمِيهنيِّ بالخاءِ المعجَمة، والأوَّل الصَّوت الذي يَرتَفِعِ بالبُكاءِ من الصَّدر، والثّاني من الأنف. وقال الخطَّابيُّ: الحنين: بُكاء دون الانتِحاب، وقد يجعلونَ الحَنين والحنين واحداً إلّا أنَّ الحَنين من الصَّدر، أي: بالمهمَلة، والخَنين من الأنف بالمعجَمة. وقال عياض: وعندي هو الصواب(١). قوله: ((فقال رجل: مَن أبي؟ قال: أبوك فلان)) تقدَّم في العلم (٩٣): أنَّه عبد الله بن حُذَافة. وفي رواية للعَسكريِّ: نزلت في قيس بن حُذافة، وفي رواية للإسماعيليِّ يأتي التَّنبيه عليها في كتاب الفتن (٧٠٨٩): خارجة بن حُذافة، والأوَّل أشهر، وكلّهم له صُحْبة، وتقدَّم فيه (١) عبارة: ((وعندي هو الصواب)) لم ترد في (أ) و(س)، وبيّض مكانها فيهما، وأثبتناها من (ع)، وانظر: «مشارق الأنوار)) ١/ ٢٠٤. ٢٤٧ سورة المائدة / ح ٤٦٢١ كتاب التفسير أيضاً (٩٢) زيادة من حديث أبي موسى، وأحَلتُ بشرحِه على كتاب الاعتصام، وسيأتي إن شاء الله تعالى، فاقتَصَرَ هنا على بيان الاختلاف في سبب نزول الآية. قوله: ((فنزلت هذه الآية)) هكذا أطلقَ، ولم يقع ذلك في سياق الزُّهْريّ عن أنس، معَ أنَّه أشبع سياقاً من رواية موسى بن أنس، كما تقدَّم في أوائل المواقيت (٥٤٠)، وکذا لم یذكُر ذلك هلال بن عليّ عن أنس، كما سيأتي في كتاب الرِّقاق (٦٤٦٨). ووَقَعَ في الفتن من طريق قَتَادةَ عن أنس في آخر هذا الحديث بعد أن ساقَه مُطوَّلاً قال: فكان قَتَادُ يَذكُر هذا الحديث عند هذه الآية ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْیَآءَ ﴾، وروى ابن أبي حاتم (١٢١٨/٤) من وجه آخر عن قَتَادة عن أنس قال: سألوا رسول الله و له حتَّى أحفَوه بالمسألة، فصَعِدَ المِنْبَر فقال: ((لا تسألوني عن شيء إلّا أنبَاتُكُم به))، فجَعَلتُ ألتَفِتُ عن يمين وشِمال، فإذا كلُّ رجل لافِّ ثوبه برأسه يبكي، الحديث، وفيه قِصّة عبد الله بن حذافة، وقول عمر، وروى الطَّبَرِيُّ (٧/ ٨١-٨٢) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله وَّ غَضبان مُحُمَارٌ وجهُه حتَّى جَلَسَ على المِبَرَ، فقامَ إليه رجل فقال: أين أنا (١)؟) قال: ((في النار))، فقامَ آخر فقال: مَن أَبي؟ فقال: ((حُذافة))، فقامَ عمر؛ فذكر كلامه وزاد فيه: وبالقرآن إماماً، قال: فسَكَنَ غَضَبه ونزلت هذه الآية، وهذا شاهد جدِّد حدیث موسی بن أنس/ المذكور. ٢٨٢/٨ وأمَّا ما روى التِّرمِذيّ (٨١٤) من حديث عليّ قال: لمَّ نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُِ الْبَيْتِ﴾ قالوا: يا رسول الله في كلّ عام؟ فسَكَتَ، ثمَّ قالوا: يا رسول الله في كلّ عام؟ فقال: ((لا، ولو قلت: نعم، لوَجَبَت))، فأنزلَ الله ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ﴾، فهذا لا يُنافي حديث أبي هريرة لاحتمال أن تكون نزلت في الأمرَينِ، ولعلَّ مُراجَعَتهم له في ذلك هي سبب غَضَبه. وقد روى أحمد (١٠٦٠٧) من حديث أبي هريرة، والطََّريُّ (٧/ ٨٢-٨٣) من حديث أبي أمامةَ نحو حديث عليٍّ هذا، وكذا أخرجه من وجه ضعيف ومن آخَر مُنقَطِع عن ابن عبّاس. (١) في (ع): ((أين أبي))، والمثبت من (أ) و(س) وبعض نسخ ((تفسير الطبري)) و((تفسير ابن كثير)). ٢٤٨ سورة المائدة / ح ٤٦٢١ فتح الباري بشرح البخاري وجاء في سبب نزولها قول ثالث، وهو ما يدلُّ عليه حديث ابن عبّاس في الباب عَقِبَ هذا وهو أصحّ إسناداً، لكن لا مانع أن يكون الجميع سَببَ نزولها، والله أعلم. وجاء في سبب نزولها قولان آخران، فأخرج الطَّبَريُّ (٨٤/٧) وسعيد بن منصور(١) من طريق خُصَيفٍ عن مجاهد عن ابن عبّاس: أنَّ المراد بالأشياءِ: البَحِيرة والوَصِيلة والسَّائبة والحام. قال: فكان عِكْرمة يقول: إنَّهم كانوا يسألونَ عن الآيات، فنُهوا عن ذلك. قال: والمراد بالآيات نحو سؤال قُرَيش أن يجعل الصَّفا لهم ذهباً، وسؤال اليهود أن يُنزِل عليهم كتاباً من السماء، ونحو ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الكريم عن عِكْرمة قال: نزلت في الذي سألَ عن أبيه. وعن سعيد بن جُبَير: في الذينَ سألوا عن البَحيرة وغيرها، وعن مِقسم: فيما سألَ الأُمَم أنبياءَها عن الآيات. قلت: وهذا الذي قاله مُحْتَمَل، وكذا ما أخرج ابن أبي حاتم من طريق عَطَّة قال: ◌ُهوا أن يسألوا مِثل ما سألَ النَّصارَى من المائدة فأصبحوا بها كافرينَ، وقد رَجَّحَه الماوَرْديّ، وكأنَّه من حيثُ المعنى، لوقوع قِصّة المائدة في السّورة بعد ذلك، واستَبعدَ نزولها في قِصّة مَن سألَ عن أبيه أو عن الحجّ كلّ عام، وهو إغفال منه لمَا في ((الصَّحيح))، وَرَجَّحَ ابن المنَيِّر نزولها في النَّهي عن كَثْرة المسائل عمَّا كان وعمّا لم يكن، واستَنَدَ إلى كثير ممّا أورَدَه المصنّف (٧٢٨٩-٧٢٩٧) في («باب ما يُكرَه من كَثْرة السُّؤال)» في كتاب الاعتصام، وهو مُتَّجِه، لكن لا مانع أن تَتَعَدَّد الأسباب، وما في ((الصَّحیح)) أصحّ. وفي الحديث إيثار السَّتر على المسلمينَ، وكَراهةُ التَّشديد عليهم، وكَراهةُ التَّنقيب عَّا لم يقع، وكراهة(٢) الأجوبة له لمن لم يَقصِد بذلك التَّمَرُّن على التفقَّه، والله أعلم. وسيأتي مَزيد لذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. قوله: ((رواه النَّضْرِ)) هو ابن شُمَيلِ ((ورَوْح بن عُبَادة عن شُعْبة)) أي: بإسناده، ورواية (١) في ((التفسير)) (٨٣٩). (٢) كذا في (أ)، وفي (ع) و(س): ((وتكلف)) بدل ((وكراهة)). ٢٤٩ سورة المائدة / ح ٤٦٢٢ كتاب التفسير النَّرِ وَصَلَها مسلم (١٣٤/٢٣٥٩)، ورواية رَوْح بن عُبَادة وَصَلَها المؤلِّف في كتاب الاعتصام (٧٢٩٥). ٤٦٢٢- حدَّثني الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ، حَدَّثنا أبو النَّضْرِ، حَدَّثنا أبو خَيْئمةَ، حدَّثنا أبو الجُوَيِرِيةِ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان قومٌ يَسْألُونَ رسولَ الله ◌َّ اسْتِهْزاءً، فيقول الرجلُ: مَن أبي؟ ويقول الرجلُ تَضِلُّ ناقَتُه: أينَ ناقتي؟ فَأَنزَلَ الله فيهم هذه الآيةَ: ﴿لَا تَسْثَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتَّى فَرَغَ مِنَ الآيةِ كلِّها. قوله: ((حدَّثْني الفَضْل بن سَهْل)) هو البغداديّ، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الموضع وشيء تقدَّم في الصلاة(١)، و((أبو النَّضر)): هو هاشم بن القاسم، و((أبو خَيْثمةَ)): هو زُهَير ابن معاوية، و((أبو الجُوَيرِية)) بالجيم مُصغَّر اسمه: حِطّان - بكسرِ المهمَلة وتشديد الطاء - ابن خُفاف - بضمِّ المعجَمة وفاءَينِ الأولى خفيفة - ثقة، ما له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث وآخر تقدَّم في الزكاة (١٤٢٢)، ويأتي في الأشربة له ثالث (٥٥٩٨). قوله: ((عن ابن عبّاس)) في رواية ابن أبي حاتم (١٢١٧/٤ -١٢١٨) من طريق أبي النَّضر عن أبي خَيْثمةَ: حدَّثنا أبو الْجُوَيرِية سمعت أعرابيّاً من بني سُلَيم سألَه، يعني: ابن عبَّاس. قوله: ((كان قوم يَسْألونَ رسول الله ◌َّ اسْتِهْزاءً)» قد تقدَّم طريق الجمع بينه وبين الذي قبله، والحاصل أنَّها نزلت بسبب كَثْرة المسائل، إمّا على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإمّا على سبيل التَّعَنَّت عن الشَّيء الذي لو لم يُسأل عنه لكان على الإباحة، وفي أوَّل رواية الطَّبَرَيِّ (٧/ ٨٠) من طريق حفص بن بُغَيل(٢) عن أبي خَيْئمةَ عن أبي الْجُوَيِرِية: قال ابن عبّاس: قال أعرابيّ من بني سُلَيم: هل تدري فيمَ أُنزِلَت هذه الآية؟ فذكره. ووَقَعَ عند أبي نُعَيم في ((المستَخرَج)) من وجه آخر عن أبي خَيْثمةَ عن أبي الْجُوَيرِية عن ابن عبّاس أنَّه سُئِلَ عن الضّالّة، فقال ابن عبّاس: مَن أكَلَ الضّالّة فهو ضالّ. (١) برقم (٦٩٤)، وآخر في الجهاد (٢٩٦٩). (٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: نفيل، والصواب ما أثبتنا، وهو حفص بن بُغَيل - بالموحدة والمعجمة مصغراً - الهِمْداني المُرْهبي. كذا ضبطه الحافظ ابن حجر في ((التقريب)). ٢٥٠ سورة المائدة / ح ٤٦٢٣ - ٤٦٢٤ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨٣/٨ ١٢ - بابٌ ﴿ مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآَيِّبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: ١١٦] يقول: قال الله، و((إذ)) هاهُنا صِلةٌ. المائدةُ: أصلُها مَفْعولةٌ، كعِيشةٍ راضيةٍ، وتَطْلِيقةٍ بائنةٍ، والمعْنَى: مِيدَ بها صاحبُها من خيرٍ، يقال: مادني یَمِیدُنِ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿ مُتَوَفِيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]: مُمِيتُكَ. ٤٦٢٣ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّب، قال: البَحِيرةُ: التي يُمْنَعُ دَرُّها للطَّواغِيت، فلا يَخْلُبُها أحدٌ منَ الناسِ، والسائبةُ: كانوا يُسَيُِّونَها لَآلِهَتِهِم، لا يُحْمَلُ عليها شيءٌ - قال: وقال أبو هريرةَ: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((رأيتُ عَمْرَو بنَ عامِ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَه في النار، كان أوَّلَ مَن سَيّبَ السَّوائبَ)) - والوَصِيلةُ: الناقةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أَوَّلِ نِتاج الإبل بأُنْثَى، ثمَّ تُنّي بَعْدُ بُنثَى، وكانوا يُسَيِّونَهَا لِطَواغِيتِهِم، إن وصَلَت إحداهما بالأُخرَى ليس بينَهما ذَكرٌ، والحامِ: فخْلُ الإبلِ يَضْرِبُ الضِّرابَ المعْدودَ، فإذا قَضَى ضِرابَه، ودَعوه للطَّواغِيتِ، وأعفَوْه منَ الحملِ، فلم يُحْمَل عليه شيءٌ، وسَمَّوْه الحامِيَ. وقال لي أبو اليَمَان: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، سمعتُ سعيداً يُخْبِرُه بهذا، قال: وقال أبو هريرةَ: سمعتُ النبيَّ ◌َلّ ... نحوَه. ورواه ابنُ الهادٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ ﴾: سمعتُ النبيَّ وَلـ ٤٦٢٤ - حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي يعقوبَ أبو عبدِ الله الكِرْمانيُّ، حدَّثنا حسَّانُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يونسُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوةَ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله ◌َّ: ((رأيتُ جَهَنَّمَ يَخْطِمُ بعضُها بعضاً، ورأيتُ عَمْراً يَجُّ قُصْبَه، وهو أوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائبَ)). قوله: ((باب ﴿ مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾)) أي: ما حَرَّمَ، ولم يُرِد حقيقة الجَعل لأنَّ الكلّ خلْقُه وتقديرُه، ولكنَّ المراد بيان ابتداعهم ما صَنَعوه من ذلك. ٢٥١ سورة المائدة / ح ٤٦٢٣ -٤٦٢٤ كتاب التفسير قوله: ((﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يقول: قال الله، و((إِذ)) هاهُنا صِلَة) كذا ثَبَتَ هذا وما بعده هنا، وليس بخاصٍّ به، وهو على ما قَدَّمنا من ترتيب بعض الرُّواة، وهذا الكلام ذكره أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اُللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦] قال: مجازُه: يقول الله، و((إذ)) من حُروف الزَّوائد، وكذلك قوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: وعَلَّمتُك. قوله: ((المائدة أصلها مَفْعولة، كَعِيشَةٍ راضية، وتَطْليقة بائنة، والمعْنَى: مِيدَ بها صاحبُها من خير، يقال: مادَني يَمِيدُني)) قال ابن التِّين: هو قول أبي عبيدة، وقال غيره: هي من يَميدُ يَمتَّ: إذا تَحَرَّكَ، وقيل: من مادَ يَميدُ: إذا أطعَمَ. قال ابن التِّين: وقوله: ((تَطليقة بائنة) غير واضح إلّا أن يريد أنَّ الَّوج أبانَ المرأة بها، وإلّا فالظّاهر أنَّهَا فَرَّقت بين الَّوجَينِ فهي فاعل على بابها. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿مُتَوَفِيكَ﴾: مُميتُك)) هكذا ثَبَتَ هذا هنا، وهذه اللَّفظة إِنَّما هي في سورة آلَ عِمران، فكأنَّ بعض الرُّواة ظَنَّها من سورة المائدة فكَتَبَها فيها، أو ذكرها المصنّف هنا لمناسَبة قوله في هذه السّورة: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنُتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ [المائدة: ١١٧]. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث ابن / شهاب عن سعيد بن المسيّب في تفسير البحيرة والسائبة، ٢٨٤/٨ والاختلاف في وقفه ورفعه. قوله: ((البَحيرة: التي يُمْنَعُ دَرُّها للطّواغيتِ)) وهيَ الأصنام ((فلا تَحَلُبُها أحد من الناس))، والبَحيرة فَعِيلة بمعنى مفعولة: وهي التي بُحِرَت أُذُنها، أي: خُرِمت. قال أبو عُبيدة: جعلها قوم من الشّاة خاصّة، إذا ولدَت خمسة أبطُن بَحَروا أُذُنها، أي: شَقّوها، وتُرِكَت فلا يَمَسّها أحد. وقال آخرونَ: بل البحيرة: الناقة كذلك، وخَلَّوا عنها فلم تُركَب ولم يَضرِبها فحل. وأمَّا قوله: ((فلا يَخْلُبها أحد من الناس)) فهكذا أَطلقَ نفي الحَلْب، وكلام أبي عُبيدة يدلّ على أنَّ المنفيّ إنَّما هو الشُّرب الخاصّ، قال أبو عبيدة: كانوا يُحرِّمونَ وبَرها ولحمها وظَهرها ولَبَنها على النِّساء، ويُحِلّونَ(١) ذلك للرِّجال، وما ولدت فهو بمَنزِلَتِها، وإن ماتت اشتَرَكَ الرِّجال والنِّساء في أكل لحمها. (١) في (ع): ويجعلون، والمثبت من (أ) و(س) و((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة. ٢٥٢ سورة المائدة / ح ٤٦٢٣ - ٤٦٢٤ فتح الباري بشرح البخاري وروى عبد الرَّزاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: البَحيرة من الإبل: كانت الناقة إذا نُتِجَت خمسة بُطون، فإن كان الخامس ذَكَراً كان للرِّجال دون النِّساء، وإن كانت أُنثَى يُتِكَت أُذُنها، ثمَّ أُرسِلَت فلم يَجِزّوا لها وبَراً، ولم يَشرَبوا لها لبناً، ولم يَركَبوا لها ظَهراً، وإن تكن مَينَةٌ فهم فيه شُرَكاء الرِّجال والنِّساء. ونَقَلَ أهل اللُّغة في تفسير البَحيرة هَيئات أُخرى تَزيد بما ذكرتُ على العشر. وهي فعيلة بمعنى مفعولة، والبَحرُ: شَقّ الأُذُن، كأن ذلك علامة لها. قوله: ((والسائبة: كانوا يُسَيِّونَهَا لَآلِهَتِهِم فلا يُحْمَل عليها شيء)» قال أبو عُبيدة: كانت السائبة من جميع الأنعام، وتكون من النُّور للأصنام، فتُسَيَّب فلا تُحبَس عن مَرعَى ولا عن ماءٍ ولا يَركَبُها أحد، قال: وقيل: السائبة لا تكون إلّا من الإبل، كان الرجل يَنْذُر إن بَرِئَّ من مرضه أو قَدِمَ من سَفَره لَيُسَيِّبَنَّ بعيراً. وروى عبد الرَّزاق(٣) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: السائبة كانوا يُسَيِّونَ بعض إبلهم فلا تُمنَع حَوضاً أن تشرب فیه. قوله: ((قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله وَلّ: رأيت عَمْرو بن عامر الخُزَاعِيَّ ... )) إلى آخره، هكذا وَقَعَ في هذه الرِّواية إيراد القَدْر المرفوع من الحديث في أثناء الموقوف، وسأُبيِّنُ ما فیه بعدُ. قوله: ((والوَصِيلة: الناقة البكْر تُبَكِّر في أوَّل ◌ِتاج الإبل بأُنثَى، ثمّ تُنْتِي بَعْدُ بُنْتَى)) هكذا أورَدَه مُتَّصِلاً بالحديث المرفوع، وهو يُوهِم أنَّه من ◌ُلة المرفوع، ولیس کذلك، بل هو بَقِيَّة تفسير سعيد بن المسيّب، والمرفوع من الحديث إنَّما هو ذِكْر عَمْرو بن عامر فقط، وتفسير البَحيرة وسائر الأربعة المذكورة في الآية عن سعيد بن المسيّب، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد مثل رواية الباب، (١) في ((التفسير)) ١٩٨/١. (٢) في ((التفسير)) ١٩٨/١. ٢٥٣ سورة المائدة / ح ٤٦٢٣- ٤٦٢٤ كتاب التفسير إلّا أنَّه بعد إيراد المرفوع قال: ((وقال ابن المسيّب: والوَصيلة: الناقة ... )) إلى آخره، فأوضَحَ أنَّ التَّفسير جميعَه موقوف، وهذا هو المعتمد، وهكذا أخرجه ابن مردويه من طريق يحيى ابن سعيد وعُبيد الله بن زياد عن ابن شِهاب مُفَصَّلاً. قوله: ((إنْ وَصَلَت)) أي: من أجْل. وقال أبو عُبيدة: كانت السائبة مهما ولدَته فهو بمَنزِلة أمّها إلى ستّة أولاد، فإن ولدت السابع أُنْتَبَينِ تُرِكتا فلم تُذبَحا، وإن ولدَت ذَكَراً ذُبِحَ وأكَلَه الرِّجال دون النِّساء، وكذا إذا ولدت ذكرينٍ، وإن أتت بتَوأمٍ ذَكَر وأُنْثَى سَمَّوا الذَّكَر وصيلة فلا يُذبَح لأجلِ أُخته، وهذا كلّه إن لم تَلِد ميْتاً، فإن ولدت بعد البطن السابع ميتاً أكَلَه النِّساء دون الرِّجال(١). وروى عبد الرَّزّاق(٢) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: الوَصيلة: الشّاة كانت إذا ولدت سبعة فإن كان السابع ذَكَراً ذُبحَ وأُكِلَ، وإن كان أُنْثَى تُرِكَت، وإن كان ذَكَراً وأُنْثَى قالوا: وصَلَت أخاها فتُرِكَ ولم يُذبح. قوله: ((والحامِ: فخْلُ الإبل يَضْرِبُ الضِّراب المعْدود ... )) إلى آخره، وكلام أبي عُبيدة يدلّ على أنَّ الحام إنَّما يكون من ولد السائبة. وقال أيضاً: كانوا إذا ضَرَبَ فحلٌ من ولد البَحيرة فهو عندهم حام، وقال أيضاً: الحام: من فُحول الإبل خاصّة إذا نَتَجوا منه عشرة أبطُن قالوا: قد حَى ظَهره، فاحموا ظَهره ووَبَره وكلّ شيء منه، فلم يُركَب ولم يُطرَق، وعُرِفَ بهذا بيان العَدَد المبهم في رواية سعيد. وقيل: الحام: فحل الإبل إذا رُكِبَ ولد ولده، قال الشّاعر: حَمَاها أبو قابوسَ في غير مِلكِهِ كما قد ◌َى أولادُ أولادِهِ الفَحْلا وقال الفَرّاء: اختُلِفَ في السائبة فقيلَ: كان الرجل يُسَيِّب من ماله ما شاءَ يذهب به إلى السَّدَنة، وهم الذينَ يقومونَ على الأصنام. وقيل: السائبة: الناقة إذا ولدت عشرة أبطُن ٢٨٥/٨ (١) الذي في ((مجاز)) أبي عُبيدة ١ / ١٧٨ -١٧٩: وكذلك إن وضعت ذكراً ميتاً بعد البطن السابع أكله الرجال دون النساء، وهو يخالف ما نقله الحافظ. (٢) في ((التفسير)) ١٩٨/١. ٢٥٤ سورة المائدة / ح ٤٦٢٣ - ٤٦٢٤ فتح الباري بشرح البخاري كلّهنَّ إناث سُيِّت فلم تُركَب ولم يُجزّ لها وبَرٌ ولم يُشرَب لها لبن، وإذا ولَدَت بنتها بُحِرَت، أي: شُقَّت أُذُنها، فالبحيرة: ابنة السائبة وهي بمَنزِلة أمّها، والوَصيلة من الشّاة: إذا ولدت سبعة أبطُن إذا ولدت في آخرها ذَكَراً وأُنْثَى، قيل: وصَلَت أخاها فلا تشرب النِّساء لبن الأُمّ وتشربه الرِّجال، وجَرَت مَجَرَى السائبة إلّا في هذا، وأمَّا الحام: فهو فحل الإبل كان إذا لَقِحَ ولدُ ولِدِه قيل: ◌َى ظَهره، فلا يُركَب ولا يُحزّ له وبَر، ولا يُمنَع من مَرعَى. قوله: ((وقال لي أبو اليَمَان)) عند غير أبي ذرٍّ: ((وقال أبو اليَمَان)) بغير ◌ُجَاوَرة. قوله: ((سمعت سعيداً يُخْرِه بهذا قال: وقال أبو هريرة: سمعتُ النبيّ وَّر نحوه)) هكذا للأكثرِ ((يُخبِرُه)) بصيغة الفعل المضارع من الخبر مُتَّصِل بهاءِ الضَّمير، ووَقَعَ لأبي ذرِّ عن الحَقُّوِيِّ والمُستَمْلي (بَحِيرة)) بفتح الموحّدة وكسر المهمَلة، وكأنَّه أشارَ إلى تفسير البَحيرة وغيرها كما في رواية إبراهيم بن سعد، وأنَّ المرفوع منه عن أبي هريرة عن النبيّ وَّ ذكر عَمْرو بنَ عامر حَسب، وهذا هو المعتمَد، فإنَّ المصنّف أخرجه في مناقب قُرَيش (٣٥٢١) قال: حدَّثنا أبو اليَمَان أخبرنا شُعَيب عن الزُّهْريّ سمعتُ سعيد بن المسيّب قال: البَحِيرة: التي يُمنَع دَرُّها ... إلى آخره، لكنَّه أورَدَه باختصارٍ قال: وقال أبو هريرة عن النبيّ ◌َّ: ((رأيت عَمْرو بن عامر ... )) إلى آخره. قوله: ((ورواه ابن الهادٍ، عن ابن شِهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة سمعت النبيّ وَّ)) أَمَّا طريق ابن الهادِ فأخرجها ابن مَرْدويه من طريق خالد بن مُميدٍ(١) المَهريِّ عن ابن الهاد - وهو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهادِ اللَّيِيُّ - بهذا الإسناد، ولفظ المتن: أُرِيتُ عَمْرو بن عامر الخُزَاعِيَّ يَجُرّ قُصبَه في النار، وكان أوَّل مَن سَيَّبَ السَّوائب، والسائبة: التي كانت تُسَيَّب فلا يُحمَل عليها شيء ... إلى آخر التَّفسير المذكور، وقد أخرجه أبو عوانةً(٢) وابن أبي عاصم في «الأوائل)) (٤٥) والبيهقيُّ (٩/١٠) والطبرانيُّ(٣) من طرق عن اللَّث عن ابن الهادِ (١) في الأصلين: ((حميد بن خالد)) وهو خطأ، والتصويب من (س). (٢) في صفة النار من ((مسنده)) كما في «إتحاف المهرة)) ١٤/ ٧٩١. (٣) في «الأوسط)) (٨٧٧٤). ٢٥٥ سورة المائدة / ح ٤٦٢٥ كتاب التفسير بالمرفوع فقط، وظَهَرَ أنَّ في رواية خالد بن حُميدٍ إدراجاً، وأنَّ التَّفسير من كلام سعيد بن المسيّب، والله أعلم. وقوله في المرفوع: ((وهو أوَّل مَن سَيَّبَ السَّوائب))، زاد في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم: ((وبَحَرَ البَحيرة وغَّرَ دين إسماعيل))(١) وروى عبد الرَّزّاق(٢) عن مَعمَر عن يزيد بن أسلَمَ مُرسَلاً: ((أوَّل مَن سَيَّبَ السَّوائب عَمْرو بن ◌ُيٍّ، وأوَّل مَن بَحَرَ البَحائر رجلٌ من بني مُدلِجٍ جَدَعَ أُذُن ناقَته وحَرَّمَ شُرب ألبانها)) والأوَّل أصحّ، والله أعلم. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث عائشة: ((رأيت جَهَنَّم يَحَطِم بعضها بعضاً، ورأيت عَمراً يَجُرّ قُصْبَه في النار، وهو أوَّل مَن سَيَّبَ السَّوائب)) هكذا وَقَعَ هنا مختصراً، وتقدَّم في أبواب العَمَل في الصلاة (١٢١٢) من وجه آخر عن يونس بن يزيد(٣) مُطوَّلاً وأوَّله: خَسَفَت الشمس، فقامَ رسول الله وَلّ فقرأ سورة طويلة ... الحديث وفيه: ((لقد رأيت في مقامي هذا كلّ شيء))، وفيه القَدْر المذکور هنا، وأورده في أبواب الگُسوف (١٠٤٦) من وجه آخر عن يونس بدونِ الزّيادة، وكذا من طريق عُقَيل عن الزُّهَيرِيِّ، وقد تقدَّم بيان نَسَب عَمْرو الخُزَاعِيِّ في مناقب قُريش (٤)، وكذا بيان كيفيَّة تغييره لِلّة إبراهيم عليه السلام ونصبه الأصنام وغير ذلك. ١٣ - بابٌ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمْ﴾ الآية [المائدة: ١١٧] ٤٦٢٥ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرنا المغِيرةُ بنُ التُّعْمان، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ ٢٨٦/٨ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: خَطَبَ رسولُ اللهِوَِّ فقال: ((يا أيُّها الناسُ، إِنَّكُم (١) رواية أبي صالح عن أبي هريرة أخرجها مسلم (٢٨٥٦) (٥٠)، وابن أبي عاصم في ((الأوائل)) (٨٤)، والطبري ٧/ ٨٧، وليس فيها الزيادة التي ذكرها الحافظ، ووجدنا في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عند أبي يعلى (٦١٢١)، والطبري ٨/٧، وابن حبان (٧٤٩٠)، والحاكم ٤/ ٦٠٥ زيادة: ((وغيَّر عهد إبراهيم)». (٢) في ((التفسير)) ١ / ١٩٧. (٣) تحرفت في (س) إلى: عن زید. (٤) بل في باب قصة خزاعة (٣٥٢٠). ٢٥٦ سورة المائدة / ح ٤٦٢٦ فتح الباري بشرح البخاري محشورونَ إلى الله حُفاةً عُراةً غُرْلاً)) ثمّ قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّاً فَعِلِينَ﴾)) إلى آخِرِ الآيةِ [الأنبياء: ١٠٤] ثمّ قال: ((ألا وإنَّ أوَّلَ الخَلائقِ يُكْسَى يومَ القيامةِ إبراهيمُ، ألا وإنَّه يُجاءُ برجالٍ من أمَّتِي فِيُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشِّمال، فأقولُ: يارَبِّ، أُصَيحابي، فيقال: إنَّكَ لا تَدْري ما أحدثوا بعدَكَ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فيقال: إنَّ هؤلاءٍ لم يزالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابهم منذُ فارَقْتَهم)). قوله: ((باب ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس: ((إنَّكُم مَحشورونَ(١) إلى الله حُفاة)) الحديث، وسيأتي شرحه في الرِّقاق (٦٥٢٦)، والغرض منه: ((فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾)). وقوله: ((أُصَيحابي)) كذا للأكثرِ بالتَّصغيرِ، وللكُشْمِيهنيٍّ بغير تصغير، قال الخطَّايُّ: فيه إشارة إلى قِلّة عَدَد مَن وَقَعَ لهم ذلك، وإنَّما وَقَعَ لبعضِ جُفاة العرب، ولم يقع من أحد الصَّحابة المشهورينَ. ١٤ - باب قولهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٨] ٤٦٢٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا المغِيرةُ بنُ النُّعْمان، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جُبَيٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إنَّكُم محشورونَ، وإنَّ ناساً يُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشِّمال، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس المذكور قبلُ، أورَدَه مختصراً. (١) في الأصلين: ((تحشرون))، والمثبت من (س). ٢٥٧ سورة الأنعام كتاب التفسير ٦ - سورة الأنعام بِسْمِ الهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾ [٢٣]: مَعْذِرَتُهم. ﴿مَّعْرُوشَتٍ﴾ [١٤١]: ما يُعْرَشُ منَ الكَرْمِ وغير ذلك. ﴿وَلَبَسْنَا﴾ [٩]: لَشَبَّهْنا. ﴿حَمُولَةٌ﴾ [١٤٢]: ما يُحْمَلُ عليها. ﴿لِأَنْذِرَّكُمْ بِهِ،﴾ [١٩]: أهل مكة. ﴿وَيَنْثَوْنَ﴾ [٢٦]: يَتَبَاعَدونَ. تُبْسَلُ: تُفْضَحُ، ﴿ أُبَسِلُواْ﴾ [٧٠]: أُفْضِحوا. ﴿بَسِطُوْ أَيْدِيهِمْ ﴾ [٩٣]: البَسْطُ: الضَّرْب. ﴿أَسْتَكْثَرْتُمْ﴾ [١٢٨]: أَضْلَلْتُم كثيراً. ﴿مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾ [١٣٦]: جَعَلوا لله من ثَمَراتِهِم ومالِهِم نَصِيباً، وللشَّيطان والأوْثان نَصِيباً. أکِنَّةٌ [٢٥]، واحدها: کِنان. وَقْرٌ [٢٥]: صَمَمٌّ، وأمَّا الوِقْرُ: فِإِنَّهِ الحِمْل. ﴿أَسَطِيرُ ﴾ [٢٥]: واحدُها أُسْطُورةٌ، وإسْطارةٌ، وهي / التُّزَّهات. البَّأْساءُ [٤٢]: منَ البَأْسِ، ويكونُ منَ البُؤْسِ. أَجَهْرَةَ ﴾ [٤٧]: مُعاينةً. الصُّوَرُ: جماعةُ صورةٍ، كقولك: سُورةٌ وسُوَرٌ. ﴿سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١]: دائماً. يُقال: على الله حُسْبانُه، أي: حِسابُه. ٢٨٧/٨ ٢٥٨ سورة الأنعام فتح الباري بشرح البخاري ﴿تَعَالَى﴾ [١٠٠]: عَلَا. ﴿حُسْبَانًا﴾ [٩٦]: مَرامِيَ ورُجُوماً للشَّياطين. ﴿جَنَّ﴾ [٧٦): أَظْلَمَ. مُستَقَرِّ: في الصُّلْبِ، ومُستَودَعٌ: في الرَّحِمِ. القِنْوُ: العِذْقُ، والاثنانِ قِنْوانٍ، والجماعةُ أيضاً قِنْوانٌ، مِثلُ: صِنْوٍ وصِنْوانِ وصِنْوانٌ. مَلَكُوتٌ ومُلْكٌ، رَهَبُوتٌ رَحَمُوتُ، ويُقال: تُرهَبُ خيرٌ من أن تُرحَمَ. ﴿وَ إِن تَعْدِلْ﴾ [٧٠]: تُقِط، لا يُقبَل منها في ذلك اليومِ. ﴿أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [١٤٣]: يعني: هل تَشْتَمِلُ إلا على ذَكَرٍ أو أُنثَى، فِلِمَ تُحَرِّمونَ بعضاً وتُحِلّونَ بعضاً؟ ﴿َسْفُوحَا﴾ [١٤٥]: مُهْراقاً. صَدَفَ: أُعرَضَ. أُبُلِسوا: أُوِسوا. وَ﴿ أُبْسِلُواْ﴾ [٧٠]: أُسْلموا. ﴿أَسْتَهْوَتْهُ﴾ [٧١]: أَضَلَّتْه. ﴿تَمْتَرُونَ﴾ [٢]: تَشُكّونَ. يُقال: على الله حُسْبانُه، أي: حِسابُه. قوله: ((سورة الأنعام - بِمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سقطت البسملة لغير أبي ذرِّ. قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾: مَعْذِرَتهم)) وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عنه، وقال مَعمَر عن قَتَادة: فِتْنتهم: مقالتهم، قال: وسمعت مَن يقول ((مَعِذِرَتهم)) أخرجه عبد الرَّزّاق(١)، وأخرج عبد بن حُميدٍ عن يونس عن شَيْبانَ عن قَتَادة في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ ﴾ قال: معذِرَتهم. (١) في ((التفسير)) ١/ ٢٠٦. ٢٥٩ سورة الأنعام كتاب التفسير قوله: (﴿مَّعْرُوشَتٍ﴾: ما يُعْرَشُ من الكَرْم وغير ذلك)) كذا ثَبَتَ لغير أبي ذرٍّ، وقد وصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنْشَأَ جَاتٍ مَعْرُوشَتٍ﴾ قال: ما يُعرَشُ من الكُروم ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ﴾: ما لا يُعرَش، وقيل: المعروش ما يقوم على ساق، وغير المعروش: ما يُبسَط على وجه الأرض. قوله: (﴿وَلَلَبَسْنَا﴾: لَشَبَّهْنا)) وصَلَه ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٦٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَايَلْبِسُونَ﴾ يقول: لَشَبَّهنا عليهم. قوله: (﴿حَمُولَةٌ﴾: ما يُحْمَلُ عليها)) وصَلَه ابن أبي حاتم (١٤٠٠/٥) أيضاً من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿حَمُولَةٌ وَفَرْشًا﴾ فأمَّا الحَمُولة فالإبل والخيل والبغال والحَمير وكلّ شيء يُحمَل عليه، وقال أبو عبيدة: الفَرْش: صِغار الإبل التي لم تُدِرّ ولم يُحمَل عليها. وقال مَعمَر عن قَتَادة عن الحسن: الْحَمُولة: ما ◌ُِلَ عليه منها، والفَرْش: حَوَاشيها، يعني: صِغارَها. قال قَتَادة: وكان غير الحسن يقول: الحَمُولة الإبل والبقر، والفَرْش: الغنم، أحسِبه ذكره عن عِكْرمة أخرجه عبد الرَّزّاق(١)، وعن ابن مسعود: الحمولة ما ◌ُلَ من الإبل، والفَرش الصِّغار، أخرجه الطَّبَرِيُّ (٦٣/٨) وصَحَّحَه الحاكم (٣١٧/٢). قوله: ((﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ،﴾: أهل مَّة)) هكذا رأيته في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم)) في هذا الموضع، وكذا ثَبَتَ عند النَّسَفيِّ، وقد وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ،﴾ يعني: أهل مكَّة. وقوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ ﴾ قال: ومَن بَلَغَه هذا القرآن من الناس، فهو له نَذیرٌ. قوله: (﴿وَيَنْوْنَ﴾: يَتَبَاعَدُونَ)) وصَلَه ابن أبي حاتم (١٢٧٨/٤) من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْثَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: يَتَبَاعَدونَ، وكذا قال أبو عُبيدة(٢) ﴿وَيَنْتَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يَتَبَاعَدونَ عنه، وكذا قال عبد الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر (١) في ((التفسير)) ٢٢٠/١. (٢) تحرفت في (س) إلى: عبيد، والمثبت من الأصلين، وانظر: ((مجاز القرآن) ١/ ١٨٩. (٣) في ((التفسير)) ٢٠٥/١. ٢٦٠ سورة الأنعام فتح الباري بشرح البخاري عن قَتَادة، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عبّاس: نزلت في أبي طالب كان يَنْهَى المشرِكينَ عن أذَى رسول الله وَّهِ، ويَتَبَاعَد عمَّا جاء به. وصَحَّحَه الحاكم (٣١٥/٢) من هذا الوجه. قوله: ((تُبْسَلُ: تُفْضَح)) وصَلَه ابن أبي حاتم (١٣١٨/٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِءَ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلٌ﴾ [الأنعام: ٧٠] يعني: أن تُفضَح. وروى عبد بن حُميدٍ من طريق مجاهد ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلٌ ﴾ أي: تُسلَم، ومن طريق قَتَادة: تُحبَس. قوله: ((﴿أُتَسِلُواْ﴾: أَفْضِحوا)) كذا فيه من الرُّباعيّ وهي لغة، يقال: فُضِحَ وأُفْضِح، وروى ابن أبي حاتم أيضاً من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿أُوْلَكَ ٢٨٨/٨ أَلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ يعني: فُضِحوا، وقد/ مضى كما تَرَى لهذه الكلمة تفسير آخر عن غير ابن عبّاس، وأنكَرَ الإسماعيليّ هذا التَّفسير الأوَّل، فكأنَّه لم يَعرِف أنَّه عن ابن عبَّاس. قوله: ((﴿بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ﴾: البَسْط الضَّرْب)) وصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً (١٣٤٨/٤) من هذا الوجه عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: هذا عند الموت، والبَسط الضَّرب. قوله: ((﴿أَسْتَكْثَرْتُمُ﴾: أضلَلتُم كثيراً)) وصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً كذلك (٤/ ١٣٨٧). قوله: (﴿مِمَا ذَرَاً مِنَ الْحَرْثِ﴾: جَعَلوا لله من ثَمراتهم ومالهم نصيباً، وللشَّيطان والأوْثان نصيباً) وصَلَه ابن أبي حاتم (٤/ ١٣٩٠) أيضاً عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا ﴾ الآية، قال: جَعَلوا لله، فذكر مثله، وزاد: فإن سَقَطَ من ثَمَرِهِ ما جَعَلوا لله في نصيب الشَّيطان تَرَكوه، وإن سَقَطَ ممَّا جَعَلوا للشَّيطان في نصيب الله لَقَطوه، وروى عبد بن مُيدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: كانوا يُسَمّونَ لله جُزءاً من الحَرث ولِشُرَكائهم جُزءاً، فما ذهبت به الرّيح ممّا سَمَّوا لله إلى جُزء أوثانهم تَرَكوه وقالوا: الله غَنيّ عن هذا، وما ذهبت به الرّيح من جُزء أوثانهم إلى جُزء الله أخذوه.