Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة البقرة / ح ٤٥٤٤
كتاب التفسير
فقرأهُنَّ علينا، ثمَّ حَرَّمَ التِّجارةَ في الخمرِ.
قوله: ((﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيرُه بَقِيَّة
الآية، وهي خَبَرٌ بمعنى / الأمر، أي: إن كان الذي عليه دَين الرِّبا مُعسِراً فأنظِرِوه إلى مَيسَرَته. ٢٠٥/٨
قوله: ((وقال محمَّد بن يوسُف)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((وقال لنا محمّد بن يوسف)) وهو
الفِرْيابيّ، و((سفيان)»: هو الثَّوريّ، وقد رُوِّيناه موصولاً في تفسیر الفِرْیابيِّ بهذا الإسناد.
٥٢- بابٌ
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]
٤٥٤٤ - حدَّثنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبَةَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما قال: آخِرُ آيةٍ نزلت على النبيِّ ◌َ آيَةُ الرِّبا.
قوله: ((باب ﴿وَأَتَّقُواْيَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾) قرأ الجمهور بضمِّ التاء من «تُرجَعونَ))
مَبنِيّاً للمفعول، وقرأ أبو عَمْرو وحده بفتحها مَبنيّاً للفاعلِ(١).
قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ، وعاصم: هو ابن سليمان الأحوَل.
قوله: ((عن ابن عبّاس)) كذا قال عاصم عن الشَّعبيّ، وخالَفَه داودُ بن أبي هِند عن
الشَّعبيّ فقال: ((عن عمر)) أخرجه الطَّبَرِيُّ (١١٤/٣) بلفظ: كان من آخر ما نزلَ من
القرآن آيات الرِّبا، وهو مُنقَطِع؛ فإنَّ الشَّعبيّ لم يَلقَ عمر.
قوله: ((آخِرِ آية نزلت على النبيّ ◌َ آيَة الرِّبا)) كذا تَرجَمَ المصنّف بقوله: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وأخرج هذا الحديث بهذا اللَّفظ، ولعلَّه أراد أن يجمع بين قولي ابن
عبَّاس، فإنَّه جاء عنه ذلك من هذا الوجه، وجاء عنه من وجه آخر: آخِرُ آيَةٍ نزلت على
النبيّ ◌َّ: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللَّهِ﴾ أخرجه الطَّبَرِيُّ من طرق عنه، وكذا أخرجه من
طرق جماعةٍ من التابعينَ، وزاد عن ابن جُرَيج قال: يقولون: إنَّه مَکَثَ بعدها تسع لَیالٍ،
ونحوه لابنٍ أبي حاتم (٥٥٤/٢) عن سعيد بن جُبَير، ورويَ عن غيره أقلّ من ذلك وأكثر،
(١) أي: بفتح التاء - كما ذكر المصنف - وكسر الجيم. انظر: ((السبعة)) لابن مجاهد ص ١٩٣.

١٠٢
سورة البقرة / ح ٤٥٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
فقيلَ: إحدى وعشرينَ، وقيل: سبعاً، وطريق الجمع بين هذَينِ القولَينِ أنَّ هذه الآية هي
◌ِتام الآيات المنزلة في الرِّبا إذ هي معطوفة عليهنَّ، وأمَّا ما سيأتي في آخر سورة النِّساء من
حديث البراء: آخر سورة نزلت براءة، وآخِر آيةٍ نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى
اُلْكَلَةِ﴾(١)، فيُجمَع بينه وبين قول ابن عبّاس بأنَّ الآيَتَينِ نزلتا جميعاً، فيَصدُق أنَّ كلَّا
منهما آخِرٌ بالنِّسبة لمَا عَدَاهما، ويحتمل أن تكون الآخِرِيَّةُ في آية النِّساء مُقَيَّدة بما يَتَعلَّق
بالمواريثِ مثلاً، بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسُه، والأوَّل أرجَح لمَا في آية البقرة من
الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزِمة لخاتمة النُّزول، وحكى ابن عبد السَّلام أنَّ النبيّ وَلَيه
عاشَ بعد نزول الآية المذكورة أحداً وعشرينَ يوماً، وقيل: سبعاً، وأمَّا ما وَرَدَ في ﴿إِذَا
جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ أنَّها آخر سورةٍ نزلت، فسأذكرُ ما يَتَعلَّق به في تفسيرها
(٤٩٦٧) إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
تنبيه: المراد بالآخِرِيَّة في الرّبا: تأخّر نزول الآيات المتعلّقة به من سورة البقرة، وأمَّا حُكم
تحريم الرِّبا فنزوله سابق لذلك بمُدّةٍ طويلة، على ما يدلُّ عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء
قِصّة أُحُد: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْأَضْعَفَّا مُضَعَفَةٌ ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٠].
٥٣- باب قوله تعالی:
وَإِن تُبْدُوا مَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤]
٤٥٤٥- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا النُّفَيَلِيُّ، حدَّثْنا مِسْكينٌ، حدثنا شُعْبةُ، عن خالدِ الحَذَّاءِ، عن
مَرْوانَ الأصفَرِ، عن رجلٍ من أصحاب النبيِّ وَّةِ، وهو ابنُ عمرَ: أنَّها قد نُسِخَت ﴿وَإِن
تُبْدُ وا مَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ الآيةَ.
[طرفه في: ٤٥٤٦]
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيٌ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ،
٢٠٦/٨
(١) حديث البراء سلف في المغازي (٤٣٦٤)، وسيأتي في تفسير المائدة (٤٦٠٥) والتوبة (٤٦٥٤)، وفي
الفرائض (٦٧٤٤)، ولم يورده في النساء.

١٠٣
سورة البقرة / ح ٤٥٤٥
كتاب التفسير
وساقَ غيره الآية إلى ﴿قَدِرُ﴾.
قوله: ((حدَّثْنا محمَّد)) كذا للأكثرِ، وبه صَرَّحَ الإسماعيليّ وأبو نُعَيم وغيرهما، ووَقَعَ لأبي
عليّ بن السَّكَن عن الفِرَبْريِّ عن البخاريّ: ((حدَّثْنا النُّفَيَليّ)) فأسقَطَ ذِكْر محمَّدِ المُهمَل،
والصَّواب إثباته، ولعلَّ ابن السَّكَن ظنَّ أنَّ محمَّداً هو البخاريّ فحَذَفَه، وليس كذلك لمَا
ذكرته، وقد ثَبَتَ في رواية النَّسَفيِّ عن البخاريّ أيضاً، وذَكَر أبو عليّ الجَيّانِيُّ أنَّه وَقَعَ
محذوفاً في رواية أبي محمَّد الأَصِيلِيِّ عن أبي أحمد الجُرجانيِّ، وأشارَ إلى أنَّ الصَّواب إثباته.
انتهى، وكلام أبي نُعَيم في ((المستَخرَج)) يقتضي أنَّه في روايته عن الجُرجانيِّ ثابت، واختُلِفَ
فيه؛ فقال الكَلَاباذيُّ: هو ابن يحيى الذُّهْلِيُّ فيما أُراه، قال: وقال لي الحاكم: هو محمَّد بن
إبراهيمَ البُوشَنْجيّ، قال: وهذا الحديث ممَّا أملاه البوشَنْجيُّ بنيسابور. انتهى، وذكر
الحاكم هذا الكلام في ((تاريخه)) عن شيخه أبي عبد الله بن الأخْرَم: وكلام أبي نُعَيم يقتضي
أنَّه محمّد بن إدريس أبو حاتم الرّازيُّ، فإنَّه أخرجه من طريقه، ثمَّ قال: أخرجه البخاريّ
عن محمَّد عن النُّغَيليِّ.
والنُّفَيليُّ بنونٍ وفاء مُصغَّر: اسمه عبد الله بن محمَّد بن عليّ ابن نُفَيل، يُكْنى أبا جعفر،
وليس له في البخاريّ ولا لشيخِه مِسْكين بن بُكَير الحرّانيِّ إلّ هذا الحديث الواحد.
قوله: ((حدَّثْنَا شُعْبة)) قال أبو عليّ الجَيّانِيُّ: وَقَعَ في رواية أبي محمَّد الأَصِيلِيِّ عن أبي أحمد:
((حدَّثْنا مِسْكين وشُعْبة)) وكُتِبَ بين الأسطُر: أُراه حدَّثنا شُعْبة، قال أبو عليّ: وهذا هو
الصَّواب لا شَكّ فيه، ومِسْكين هذا إنَّما يَروي عن شُعْبة.
قوله: ((عن مَرْوان الأصفَر)) تقدَّم ذِكْره في الحجّ (١٥٥٨) وأنَّه ليس له في البخاريّ
سِوَى هذا الحديث الواحد وآخر في الحجّ.
قوله: ((عن رجل من أصحاب النبيّ وََّ، وهو ابن عمر)) لم يَتَّضِح لي مَن هو الجازِم بأنَّه
ابن عمر، فإنَّ الرّواية الآتية بعد هذه وَقَعَت بلفظ: ((أحسِبه ابن عمر))، وعندي في ثُبُوت
كَوْنه ابن عمر تَوَقُّف، لأنَّه ثَبَتَ أنَّ ابن عمر لم يكن اطَّلَعَ علی کَوْن هذه الآية منسوخة،

١٠٤
سورة البقرة / ح ٤٥٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
فروى أحمد (٣٠٧٠) من طريق مجاهد قال: دَخَلت على ابن عبّاس فقلت: كنت عند ابن
عمر فقرأ ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فَبَكَى، فقال ابن عبّاس: إنَّ هذه الآية
لمَّا أُنزِلَت غَمَّت أصحابَ رسول الله وَ ◌ّهِ غًَّ شديداً، وقالوا: يا رسول الله هَلكنا، فإنَّ
قلوبنا ليست بأيدينا. فقال: ((قولوا: سَمِعنا وأطَعنا))، فقالوا، فنَسَخَتها هذه الآية ﴿لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وأصله عند مسلم (١٢٦) من طريق سعيد بن جُبَير عن
ابن عبّاس دون قِصّة ابن عمر.
وأخرج الطَّبَرِيُّ (١) بإسنادٍ صحيح عن الزُّهْرِيّ أنَّه سمعَ سعيد بن مُرجانةَ يقول: كنت
عند ابن عمر فَتَلا هذه الآية ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فقال: والله لَئِن
واخَذَنا الله بهذا لَنَهِكَنَّ، ثمَّ بَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشيجُه، فَقُمت حتَّى أتيت ابن عبّاس فذكرتُ
له ما قال ابن عمر وما فعَلَ حين تَلاها، فقال: يَغْفِر الله لأبي عبد الرَّحمن، لَعَمري لقد وجَدَ
المسلمونَ حين نزلت مِثل ما وجَدَ، فأنزلَ الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وروى مسلم (١٢٥) من حديث أبي هريرة قال: لمَّا نزلت: ﴿لِلّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
الْأَرْضِ﴾ الآية، اشتَدَّ ذلك على أصحاب رسول الله وَّهِ، فذكر القِصّة مُطوّلاً، وفيها: فلمَّا
فعَلُوا نَسَخَها الله فأنزلَ الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السّورة، ولم يذكُر
قِصّة ابن عمر. ويُمكِن أن يُجاب أنَّ ابن عمر كان أوَّلاً لا يَعرِف القِصّة ثمَّ لمَّا تَحَقَّقَ ذلك
جَزَمَ به، فيكون مُرسَل صَحابيّ، والله أعلم.
٥٤- بابٌ
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،﴾ [البقرة: ٢٨٥]
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿إِصْرًا﴾: عَهْداً.
(١) كذا في (س)، وفي (ع): الطبراني، والحديث أخرجه كلاهما من طريق الزهري، فقد أخرجه الطبري في
((التفسير)) ١٤٤/٣، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٧٦٩) من طرق عن الزهري عن سعيد بن
مرجانة، فذكراه.

١٠٥
سورة البقرة / ح ٤٥٤٦
كتاب التفسير
ويقال: ﴿غُفْرَانَكَ﴾: مَغْفِرَتَكَ ﴿فَأَغْفِرْ لَنَا
٤٥٤٦- حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا رَوْحٌ، أخبرنا شُعْبةُ، عن خالدِ الحَذَّاءِ، عن مَرْوانَ الأصفَرِ، ٢٠٧/٨
عن رجلٍ من أصحاب رسولِ الله وَّهِ، قال: أحسِبُهُ ابنَ عمرَ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ
أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نَسَخَتْها الآيةُ التي بعدَها.
قوله: ((باب ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،﴾)) أي: إلى آخر السّورة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: إِصْراً: عَهْداً)) وَصَلَه الطََّرِيُّ (٣/ ١٥٧) من طريق عليّ بن أبي
طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ أي: عَهداً. وأصل الإصر:
الشَّيء الثَّقيل، ويُطلَق على الشَّديد، وتفسيره بالعَهدِ تفسير باللّازِم لأنَّ الوَفاء بالعَهدِ شديد.
وروى الطََّرُّ من طريق ابن جُرَيج في قوله: ﴿إِصْرًا﴾ قال: عَهداً لا نُطيق القيام به.
قوله: ((ويقال: غُفْرانك: مَغْفِرَتك، فاغفِر لنا)) هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله: ((غُفرانك،
أي: مَغْفِرَتك)) أي: اغفِر لنا، وقال الفَرّاء: غُفرانك مصدَر وَقَعَ في موضع أمرٍ فَنُصِبَ،
وقال سيبويه: التَّقدير: اغفِرْ غُفرانك، وقيل: يحتمل أن يُقدَّر ◌ُجُملة خبريّة، أي: نَستَغْفِرك
غُفرانك، والله أعلم.
قوله: ((نَسَخَتْها الآية التي بَعْدها)) قد عُرِفَ بيانه من حديثَي ابن عبّاس وأبي هريرة،
والمراد بقوله: نَسَخَتها، أي: أزالَت ما تَضَمَّتَتَه من الشِّدّة، وبيَّنت أنَّه وإن وَقَعَت المحاسبة
به لكنَّها لا تقع المؤاخذة به، أشار إلى ذلك الطَّبَرِيُّ فِراراً من إثبات دخول النَّسخ في
الأخبار. وأُجيبَ بأنَّه وإن كان خَبَرَاً لكنَّه يَتَضَمَّن حُكماً، ومهما كان من الأخبار يَتَضَمَّن
الأحكام أمكنَ دخول النَّسخ فيه كَسائرِ الأحكام، وإنَّما الذي لا يَدخُله النَّسخ من الأخبار
ما كان خَبَراً محضاً لا يَتَضَمَّن حُكماً، كالإخبار عَّا مضى من أحاديث الأُمَم ونحو ذلك،
ويحتمل أن يكون المراد بالنَّسخ في الحديث: التَّخصيص، فإنَّ المتقدِّمينَ يُطلِقونَ لفظ النَّسخ
عليه كثيراً، والمراد بالمحاسبة بما يُخْفي الإنسان ما يُصَمِّم عليه ويَشرَع فيه دون ما تَخْطِرُ له
ولا يَستَمِرّ عليه، والله أعلم.

١٠٦
سورة آل عمران
فتح الباري بشرح البخاري
٣- سورة آل عمران
بِسمِ الهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
تُقاةٌ [٢٨] وتَقيَّةٌ: واحد.
﴿صِرُّ﴾ [١١٧]: بَرْدٌ.
﴿ شَفَاحُفْرَةٍ﴾ [١٠٣]: مِثلُ شَفَا الزَّكِيَّةِ، وهو حَرْفُها.
﴿ تُبَوِّئُ﴾ [١٢١]: تَتَّخِذ مُعَسْكَراً.
﴿رِبِيُّونَ﴾ [١٤٦]: الجموع، واحدها: رِبِّيٌّ.
﴿تَحُسُّونَهُم﴾ [١٥٢]: تَسْتَأصِلونَهم قَتْلاً.
﴿غُزَّی﴾[١٥٦]: واحدها غازٍ.
﴿سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ [١٨١]: سَنَحْفَظ.
﴿نُزُّلًا﴾ [١٩٨]: ثواباً، ويجوزُ: ومُنزَلٌ من عندِ الله، كقولِكَ: أنزَلْتُه.
قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ المسوَّمُ: الذي له سِیماءٌ، بعلامةٍ، أو بصوفةٍ، أو بما كان، وقال
مجاهدٌ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [١٤]: المطهّمةُ الحِسان.
قال سعيدُ بنُّ جُبَيرٍ وعبدُ الله بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبزَى، المسوَّمة: الرّاعيةُ.
وقال ابنُ جُبَيٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [٣٩]: لا يأتي النِّساءَ.
وقال ◌ِكْرمةُ: ﴿مِّن فَوْرِهِمْ﴾ [١٢٥]: من غَضَبِهِم يومَ بَدْرٍ.
وقال مجاهدٌ: ﴿يُخْرِجُ الْىَّ مِنَ الْمَيْتِ﴾ [الأنعام: ٩٥]: النُّطْفةُ تَخْرُجُ مِيِّئَةً، ويَخْرُجُ منها الحيُّ.
﴿الإبكارُ﴾ [٤١]: أوَّلُ الفجرِ، والعَشِيُّ: مَيلُ الشمس، أُراه إلى أن تَغْرُبَ.
قوله: ((سورة آل عِمْرَانَ - ◌ِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرِّ، ولم أرَ البسملة لغيره.
قوله: ((صِرٍّ: بَرْد)) هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِهَا صِرُّ﴾:
الصِّ: شِدّة البَرَد (١).
(١) هذه الفقرة لم ترد في (أ) و(ع)، وأثبتناها من (س).

١٠٧
سورة آل عمران
كتاب التفسير
قوله: ((شَفَا حُفْرةٍ مِثْل شَفَا الرَّكِيَّة)) بفتح الرّاء وكسر الكاف وتشديد التَّحتانيَّة ((وهو
حَرْفُها)) كذا للأكثرِ بفتح المهمَلة وسكون الرّاء، وللنَّسَفيِّ بضمِ/ الجيم والرّاء، والأوَّل أصوب، ٢٠٨/٨
والجُرُف الذي أُضيفَ إليه (شَفَا)) في الآيةِ الأُخرى غيرُ ((شَفَا)) هنا، وقد قال أبو عبيدة في قوله
تعالى: ﴿شَفَاحُفْرَةٍ﴾: شَفَا جُرُف، مثلُ شفا الرَّكيّة وهو حَرفُها، ذكره بفتح المهملة كما للأكثر،
وقول أبي عبيدة: شفا حفرة: شفا جرف(١)، يقتضي التَّسوية بينهما في الإضافة، وإلّا فمدلول
جُرُف غير مَدلول حُفرة، فإنَّ لفظ شَفا يُضاف إلى أعلى الشَّيء، ومنه قوله: ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾،
وإلى أسفل الشَّيء، ومنه: ﴿شَفَاحُفْرَةِ﴾، ويُطلَق شَفا أيضاً على القليل، تقول: ما بقيَ منه شيء
غيرُ شَفا، أي: غير قليل، ويُستَعمَل في القُرب، ومنه: أشفَى على كذا، أي: قَرُبَ منه.
قوله: ((تُبِّئ: تَتَّخِذ مُعَسْكَراً)) هو تفسير أبي عُبيدة، قال في قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ
تُبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: تَتَّخِذ لهم مَصافّ ومُعَسكَراً. وقال غيره: تُبِّئ:
تُنزِل، بَوَّأه: أَنزَلَه، وأصله من المَبَاءة وهي المرجع. والمقاعِد: جمع مَقعَد وهو مكان القعود،
وقد تقدَّم شيء من ذلك في غزوة أُحُد(٢).
قوله: ((﴿رَبِّيُّونَ﴾: الجموع، واحدها رِبّيّ)) هو تفسير أبي عُبيدة، قال في قوله: ﴿ وَکَیِنِ مِن
ثٍَِّ فَتَلَ مَعَهُرِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال: الرِّبُِّّونَ: الجماعة الكثيرة، واحدها رِبِّيٍّ، وهو بكسرِ الرّاء في
الواحد، والجمع قراءة الجمهور. وعن عليٍّ وجماعة: بضمِّ الرّاء وهو من تغيير النَّسَب في
القراءتَينِ إن كانت النِّسبة إلى الرَّب، وعليها قراءة ابن عبّاس: ((رَبِّيُّونَ)) بفتح الرّاء، وقيل: بل هو
منسوب إلى الرُّبّة، أي: الجماعة، وهو بضمِّ الرّاء ويكسرها، فإن كان كذلك فلا تغيير، والله أعلم.
قوله: ((﴿تَحُسُّونَهُم﴾: تَسْتَأصِلونَهم قَتْلاً) وَقَعَ هذا بعد قوله: «واحدها رِبِّيٍّ» وهو
تفسير أبي عبيدة أيضاً بلفظه، وزادَ: يقال: حَسَسْناهم من عند آخرهم، أي: استأصَلناهم،
وقد تقدَّم بيانُ ذلك في غزوة أُحُد(٣).
قوله: (﴿غُزَّى﴾ واحدُها غازٍ)) هو تفسير أبي عُبيدة أيضاً، قال في قوله: ﴿أَوْ كَانُواْ
(١) من قوله: ((مثل شفا الرّكية ... )) إلى هنا سقط من (س).
(٢) في مطلع باب غزوة أُحد بين يدي الحديث رقم (٤٠٤١).
(٣) أيضاً في مطلع الباب. تنبيه: لم تَرِد هذه الفقرة والتي بعدها في (أ) و(ع)، وأثبتناهما من (س).

١٠٨
سورة آل عمران
فتح الباري بشرح البخاري
غُزَّى﴾: لا يَدخُلها رفع ولا جَرّ، لأنَّ واحدها غازٍ، فخرجت مَرَج قائل وقُوَّل. انتهى،
وقرأ الجمهور: ﴿غُزَّى﴾ بالتَّشديدِ جمع غازٍ وقياسه: غُزاة، لكن حَمَلُوا المعتَلّ على الصَّحيح
كما قال أبو عُبيدة، وقرأ الحسن وغيره: ((غُزَا)) بالتَّخفيفِ، فقيلَ: خَفَّفَ الزّاي كراهية
التَّثقيل، وقيل: أصله غُزاة وحَذَفَ الهاء.
قوله: ((﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾: سنَحْفَظ)) هو تفسير أبي عبيدة أيضاً، لكنَّه ذكره بضمِّ
الياء التَّحتانيَّة على البناء للمجهولِ، وهي قراءة حمزة، وكذلك قرأ ((وقتلُهم)) بالرَّفع عَطفاً
على الموصول(١)، وقراءة الجمهور بالنّونِ للمتكلِّم العظيم، و((قتلَهم)) بالنَّصب على الموصول
لأنَّه منصوب المحلّ، وتفسیر الکتابة بالحفظِ تفسیرٌ باللازم، وقد گثُرَ ذلك في كلامهم كما
مضی ویأتي.
قوله: ((﴿نُزُلًا﴾: ثواباً، ويجوز: ومُنزَلٌ من عند الله، كقولِك: أَنزَلْته)) هو قول أبي عبيدة
أيضاً بنَصِّه، والنُّزُل: ما يُهيّا لِلنَّزيلِ وهو الضَّيف، ثمَّ اتُّسِعَ فيه حتَّى سُمّيَ به الغَداء وإن لم
يكن للضَّيفِ. وفي ((نُزُل)) قولان: أحدهما مصدر والآخر أنَّه جمع نازِل، كقولِ الأعشَى:
أو تَنزِلونَ فإنّا مَعشَرٌ نُزُلُ
أي: نُزُول، وفي نصب نُزُلاً في الآية أقوال: منها أنَّه منصوب على المصدر المؤَكَّد، لأنَّ معنى
﴿لَهُمْ جَنَّتٌ﴾: نُنِلهِم جَنّاتٍ نُزُلاً، وعلى هذا يَتَخَرَّجِ التَّويل الأوَّل، لأنَّ تقديره: يُنزِلهم
جَنّات رِزقاً وعطاء من عند الله. ومنها أنَّه حال من الضَّمير في ((فيها)) أي: مُنَزَلة، على أنَّ
(نُزُلاً)) مصدر بمعنى المفعول، وعليه يَتَخَرَّجِ التَّأويل الثّاني.
قوله: ((﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: المسوَّم: الذي له سِيماءٌ بعلامةٍ، أو بصوفةٍ، أو بما كان. وقال
مجاهد: الخيل المسوَّمة: المطهّمة الحِسان. وقال سعيد بن جُبَير وعبد الله بن عبد الرّحمن بن أبزَى:
المسوَّمة: الرّاعية)) أمَّا التَّفسير الأوَّل فقال أبو عُبيدة: الخيل المسوَّمة: المعلَّمة بالسِّيماءِ، وقال
أيضاً في قوله: ﴿مِّنَ الْمَئِكَةِ مُسَوَّمين﴾ [آل عمران: ١٢٥]، أي: مُعلَّمينَ. والمسوَّم: الذي له
سِيماءٌ بعلامةٍ أو بصوفةٍ أو بما كان.
(١) وقع هنا في (س): لأنه منصوب المحل، وهو خطأ مكرَّر من السطر الذي يليه، ولا يصحُّ إعراباً.

١٠٩
سورة آل عمران
كتاب التفسير
وأمَّا قول مجاهد، فرُوِّيناه في ((تفسير الثَّوريّ)) رواية أبي حُذَيفة عنه بإسنادٍ صحيح،
وكذا أخرجه عبد الرَّزّاق(١) عن الثَّوريّ.
وأمَّا قول ابن جُبَير، فوَصَلَه أبو حُذَيفة أيضاً بإسنادٍ صحيح إليه. وأمَّا قول/ ابن أبزَى، ٢٠٩/٨
فَوَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٢٠١/٣) من طريقه، وأورَدَ مثله عن ابن عبّاس من طريقٍ للعَوْفيِّ عنه. وقال
أبو عُبيدة أيضاً: يجوز أن يكون معنى ﴿ُسَوَّمَةً﴾: مُرْعاة، من: أسَمتُها، فصارت سائمة.
قوله: ((وقال سعيد بن جُبَير: ﴿وَحَصُورًا﴾: لا يأتي النِّساء) وَقَعَ هذا بعد ذِكْر المسوَّمة،
وَصَلَه الثَّوريّ في ((تفسيره)) عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير به، وأصل الحَصْر:
الحَبس والمنع، يقال لمن لا يأتي النِّساء أعَمّ من أن يكون ذلك بطَبعِه كالعِنّينِ أو بمجاهدة
نفسِه، وهو الممدوح والمراد في وصف السَّيِّد يحيى عليه السلام(٢).
قوله: ((وقال عِكْرمة: ﴿مِّنْ فَوْرِهِمْ﴾: من غَضَبِهِم يوم بَدْر)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٧٩/٤) من
طريق داود بن أبي هِند عن عِكْرمة في قوله: ﴿وَيَأْتُوُّكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قال: فَورُهم ذلك
كان يوم أُحُد، غَضِبوا ليومٍ بدر بما لَقُوا، وأخرجه عبد بن حُميدٍ من وجه آخر عن عِكْرمة في
قولهم: ﴿مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قال: من وجههم هذا، وأصل الفَوْر: العَجَلة والسُّرعة، ومنه
فارَت القِدْر، يُعبَّر به عن الغضب، لأنَّ الغَضبان يُسارع إلى البَطْش.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿يُخْرِجُ الَّْ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: النُّطفة ◌َخْرُجُ ميّة ويَخْرُج منها الحيّ)) وَصَلَه
عبد بن مُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ
اَلْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال: الناس الأحياء من النُّطَف الميِّنة، والنُّطَف الميِّنة من الناس الأحياء.
قوله: ((الإبكار: أوَّل الفجر، والعَشِيّ: مَيْل الشمس إلى أن تَغْرُب)) وَقَعَ هذا أيضاً عند
غير أبي ذرٍّ، وقد تقدَّم شرحه في بَدْء الخلق (٣٢٤٦)(٣).
(١) في ((التفسير)) ١ / ١١٧.
(٢) هذه الفقرة والتي بعدها لم تردا في (أ) و(ع)، وأثبتناهما من (س).
(٣) هذه الفقرة لم ترد في (أ) و(ع)، وأثبتناها من (س).

١١٠
سورة آل عمران / ح ٤٥٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
١ - بابٌ
مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَكُ﴾ [آل عمران: ٧] قال مجاهدٌ: الحلالُ والحرامُ، ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَبِهٌَ﴾:
يُصدِّقُ بعضُها بعضاً، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وكقوله
جلَّ ذِكرُه: ﴿وَيَجْعَلُ الرَّحْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، وكقوله: ﴿وَاُلَّذِينَ
أُهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَانَمُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿زَيْعٌ﴾: شَكٌّ.
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: المشْتَبِهات.
﴿وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ ﴾: يَعْلَمونَ، و﴿ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ،﴾ الآيَةَ.
٤٥٤٧ - حدَّثْنَا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إبراهيمَ التُّسْتَرِيُّ، عن ابنِ أبي مُلَيكةً، عن
القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: تلا رسولُ الله ◌َِّ هذه الآيةَ: ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ
عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحُكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتٌَّ فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا
تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ قالت: قال رسولُ الله ◌ِهِ:
((فإذا رأيتِ الَّذِينَ يَتَبِعونَ ما تَشابَهَ منه، فهم الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فاحذَرُوهم).
قوله: (﴿مِّنْهُ مَايَتُ تُحُكَمَتُ﴾ قال مجاهد: الحلال والحرامُ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾: يُصدِّق بعضُها
بعضاً، كقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾، وكقوله: ﴿ وَيَجْعَلُ الرّحْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا
يَعْقِلُونَ﴾، وكقوله: ﴿ وَالَّذِينَ آَهْتَدَوْ زَادَهُرْ هُدًى وَمَانَنُهُمْ نَفْوَنُهُمْ﴾)» هكذا وَقَعَ فيه، وفيه تغییر،
وبتحريره یستقيم الكلام. وقد أخرجه عبد بن ◌ُمیدٍ بالإسناد الذي ذكرته قريباً إلى مجاهد، قال في
قوله تعالى: ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ﴾ قال: ما فيه من الحلال والحرام، وما سِوَى ذلك منه متشابه
يُصدِّق بعضُه بعضاً، هو مِثل قوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ إلى آخر ما ذكره.
قوله: (﴿زَيْعٌ﴾: شَكِّ ﴿فَيَتَّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: المشتَبهات)) هو تفسير مجاهد
٢١٠/٨ أيضاً، وَصَلَه عبد بن حُميدٍ بهذا الإسناد كذلك، ولفظه: وأمَّا / ﴿الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾ قال:
شَكٌّ ﴿فَيَتَّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، المشتَبِهات، الباب الذي ضَلّوا (١) منه وبه هَلَكوا.
(١) في (ع): فتنوا، والمثبت من (أ) و(س).

١١١
سورة آل عمران / ح ٤٥٤٧
كتاب التفسير
قوله: (﴿وَاُلَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾: يعلمونَ و﴿ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ،﴾ الآية)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ
من الطَّريق المذكور عن مجاهد في قوله: ((والرّاسخونَ في العلمِ يعلمونَ تأويلَه ويقولون:
آمَنّا به)»، ومن طريق فَتَادة قال: ((الرّاسخون في العلم كلما يَسمَعونَ يقولون: آمَنّا به كلَّ من
عندِ رَبِّنا؛ المتشابه والمحكَم، فآمَنوا بمتشابِه وعَمِلوا بمُحكَمِه فأصابوا))، وهذا الذي ذهب
إليه مجاهد من تفسير الآية يقتضي أن تكون الواو في ((والرّاسخونَ)) عاطِفة على معمول
الاستثناء، وقد روى عبد الرَّزّاق بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس أنَّه كان يقرأ: «وما يَعلَمُ
تأويلَه إلّ الله، ويقول الرّاسخون في العلمِ آمَنّا به)) فهذا يدلُّ على أنَّ الواو للاستئناف، لأنَّ
هذه الرِّواية وإن لم تَثْبُت بها القراءة لكن أقلُّ دَرَجاتها أن تكون خَبَراً بإسنادٍ صحيح إلى
تَرجُمان القرآن، فيُقدَّم كلامه في ذلك على مَن دونه، ويُؤيِّد ذلك أنَّ الآية دَلَّت على ذَمّ
مُتَبعي المتشابه، لوَصْفِهِم بالزَّبِغِ وابتغاء الفتنة، وصَرَّحَ بوَفْقِ ذلك حديث الباب، ودَلَّت
الآية على مَدْح الذينَ فَوَّضوا العلم إلى الله وسَلَّموا إليه، كما مَدَحَ الله المؤمنينَ بالغيب.
وحكى الفَرّاء أنَّ في قراءة أُبيِّ بن كعب مِثْل ذلك، أعني: ويقول الرّاسخونَ في العلم: آمَنّا به.
تنبيه: سَقَطَ جميع هذه الآثار من أوَّل السّورة إلى هنا لأبي ذرِّ عن السَّرَخْسِيّ، وثَبَتَ
عند أبي ذرِّ عن شيخه قبل قوله: ﴿مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَكُ﴾: ((باب)) بغير ترجمة، ووَقَعَ عند أبي
ذرّ آثار أُخرى؛ ففي أوَّل السّورة قوله: ((تُقَاة وتَفيَّة واحد)) هو تفسير أبي عُبيدة، أي: أنَهما
مَصدَران بمعنى واحدٍ، وقد قرأَ عاصم في رواية عنه: ((إلّا أن تَتَّقوا منهم تُقْية)).
قوله: ((النُّسْتَريّ)) بضمِّ المثنّة وسكون المهمَلة وفتح المثنّاة.
قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكةَ عن القاسم بن محمَّد عن عائشة)) قد سمعَ ابن أبي مُلَيكةً من
عائشة كثيراً، وكثيراً أيضاً ما يُدخِل بينها وبينه واسطة، وقد اختُلِفَ عليه في هذا الحديث،
فأخرجه التِّرمِذيّ (٢٩٩٣) من طريق أبي عامر الخرّاز عن ابن أبي مُلَيكةَ عن عائشة، ومن
طريق زيد بن إبراهيم - كما في الباب - بزيادة القاسم، ثمَّ قال: روى غيرُ واحد هذا
الحديث عن ابن أبي مُلَيكةَ عن عائشة ولم يَذكُروا القاسم، وإنَّما ذكره يزيد بن إبراهيم.
انتهى، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي الوليد الطَّالسيّ عن يزيد بن إبراهيم وحَمَّاد

١١٢
سورة آل عمران / ح ٤٥٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
ابن سَلَمَةَ جميعاً عن ابن أبي مُلَيكةَ عن القاسم، فلم يَنفَرِد يزيد بزيادة القاسم. وثمَّن رواه
عن ابن أبي مُلَيكةَ بغير ذِكْر القاسم: أيوبُ - أخرجه ابن ماجه (٤٧) من طريقه - ونافع بن
عمر وابن جُرَيج وغيرهما(١).
قوله: (تَلَا رسول الله وَلَ)) أي: قرأ («هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ
تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾)) قال أبو البَقَاء: أصل المتشابه أن يكون بين اثنَينِ، فإذا
اجتَمَعَت الأشياء المتشابهة كان كلّ منها مُشابهاً للآخرِ، فصَحَّ وصفها بأنَها متشابهة، وليس
المراد أنَّ الآية وحدها متشابهة في نفسها. وحاصله أنَّه ليس من شرط صِحّة الوصف في الجمع
صِحّة انبساط مُفرَدات الأوصاف على مُفرَدات الموصوفات، وإن كان الأصلُ ذلك.
قوله: ((فإذا رأيت الذينَ يَتَّبعونَ ما تَشابَهَ منه)) قال الطَّبَرِيُّ: قيل: إنَّ هذه الآية نزلت في
الذينَ جادَلُوا رسول الله وَ له في أمر عيسى، وقيل: في أمر مُدّة هذه الأُمّة، والثّاني أولى؛ لأنَّ أمر
عيسى قد بيَّنْه الله لنبيِّه فهو معلوم لأُمَّتِهِ، بخِلَاف أمر هذه الأُمّة، فإنَّ عِلمَه خَفيٌّ عن العِباد.
وقال غيره: المحكَم من القرآن ما وَضَحَ معناه، والمتشابه نقيضه، وسُمّيَ المحكَم بذلك
لوُضوحِ مُفرَدات كلامه وإتقان تركيبه، بخِلَاف المتشابه. وقيل: المحكم ما عُرِفَ المراد منه إمّا
بالظُّهورِ وإمّا بالتَّأويلِ، والمتشابه ما استأثرَ الله بعِلمِه كقيام الساعة، وخروج الدَّجّال،
والحروف المقطَّعة في أوائل السّوَر. وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أُخرى غير هذه
٢١١/٨ نحو العشرة، ليس هذا موضع بَسطِها، وما ذكرته أشهَرُها وأقرَبها إلى الصَّواب. / وذكر الأُستاذ
أبو منصور البغداديّ أنَّ الأخير هو الصَّحيح عندنا، وابنُ السَّمعانيِّ أنَّه أحسن الأقوال
والمختار على طريقة أهل السُّنّة، وعلى القول الأوَّل جَرَى المتأخِّرونَ، والله أعلم.
وقال الطِّييُّ: المراد بالمحكَم: ما اتَّضَحَ معناه، والمتشابه بخِلَافه، لأنَّ اللَّفظ الذي يقبل
معنَى إمّا أن يحتمل(٢) غيره أو لا، الثّاني النَّصّ، والأوَّل إمّا أن تكون دلالته على ذلك المعنى
(١) أخرجه الطبري ١٧٨/٣ من طريق نافع بن عمر الجمحي وخالد بن نزار، كلاهما عن عبد الله بن أبي
ملیکة، عن عائشة.
(٢) في (س): يقبل، والمثبت من (أ) و(ع).

١١٣
سورة آل عمران / ح ٤٥٤٧
كتاب التفسير
راجِحةً أو لا، والأوَّل هو الظّاهر، والثّاني إمّا أن يكون مُساويه أو لا، والأوَّل هو المجمَل،
والثّاني المؤَوَّل. فالمشتَرَك بين النَّصَّ والظاهرِ هو المحكَم(١)، والمشتَرَك بين المجمَل والمؤَوَّل
هو المتشابه. ويُؤيِّد هذا التَّقسيم أنَّه سبحانه وتعالى أوقَعَ المحكَم مُقابِلاً للمتَشابِهِ،
فالواجب أن يُفسَّر المحكَم بما يُقابله، ويُؤيِّد ذلك أُسلوب الآية وهو الجمع معَ التَّقسيم،
لأنَّه تعالى فرَّقَ ما جَمَعَ في معنى الكتاب بأن قال: ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبٍ وَأُخَرُ
مُتَشَبِهٌَ﴾ أراد أن يُضيف إلى كلّ منهما ما شاءَ منهما من الحُكم فقال أوَّلاً: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِى
قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ،﴾، وكان يُمكِن أن يقال: وأمَّا
الذينَ في قلوبهم استقامة فيَتَّبعونَ المحكم، لكنَّه وضَعَ موضع ذلك ((الرّاسخونَ في العلم))
لإثبات(٢) لفظ الرُّسوخ؛ لأنَّه لا يَحَصُل إلّا بعد التبُّع التامّ والاجتِهاد البَليغ، فإذا استَقَامَ
القلب على طريق الرَّشاد ورَسَخَ القَدَم في العلم أفصَحَ صاحبه النُّطْق بالقولِ الحقّ، وكَفَى
بدعاءِ الرّاسخينَ في العلم: ﴿ رَبَّنَا لَا تُرِعْ قُلُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ... ﴾ إلى آخره، شاهداً على أنَّ
﴿وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ﴾ مقابلٌ لقولِه: وأمَّا ﴿ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾ وفيه إشارة على أنَّ الوَقْف
على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ تامٌّ، وإلى أنَّ عِلم بعض المتشابه مُخْتَصُّ بالله تعالى، وأنَّ مَن حاوَلَ
مَعرِفَته هو الذي أشارَ إليه في الحديث بقوله: ((فاحذَرُوهم)).
وقال بعضهم: العقل مُبتَلّى باعتقادٍ حقيقة المتشابه كابتلاءِ البَدَن بأداء العبادة، کالحکیمِ إذا
صَنَّفَ كتاباً أجمَل فيه أحياناً ليكونَ موضع خُضوع المتعلِّم لأُستاذِه، وكالملِكِ يَتَّخِذ علامةً
يَمْتاز بها مَن يُطلِعِه على سِرِّه. وقيل: لو لم يُبْتَلَ (٣) العقل الذي هو أشرَفُ البَدَن لاستَمرَّ العالِم
في أَتَّهة العلم على التَّمَرُّد، فبذلك يَستأنِس إلى التَّذَلِّل بعِزّ العُبوديَّة، والمتشابه هو موضع خُضوع
العقول لباريها استسلاماً واعترافاً بقُصورها، وفي خَتْم الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ
(١) تحرفت هذه العبارة في (س) إلى: ((فالمشترك هو النص، والظاهر هو المحكم)) وهو خطأ واضح، والتصويب
من (أ) و(ع).
(٢) کذا في (ع)، وفي (أ) و (س): لإتیان.
(٣) في (أ) و(ع) و(س): يقبل، وهو تحريف، والتصويب من ((كشف الأسرار عن أصول البزدوي)) لعلاء الدين
البخاري ١/ ٥٨.

١١٤
سورة آل عمران / ح ٤٥٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ تعريضٌ بالزّائغينَ، ومَدعُ للرّاسخِينَ، يعني: مَن لم يَتَذَكَّرِ ويَتَّعِظ ويُخَالِفِ
هَوَاه فليس من أُولي العقول، ومِن ثَمَّ قال الرّاسخونَ: ﴿ رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا﴾ إلى آخر الآية،
فخَضَعوا لباريهم لاشتراكِ العلم اللَّهُنِّ بعد أن استعاذوا به من الَّيغ النَّفْسانيّ، وبالله التوفيق.
وقال غيره: دَلَّت الآية على أنَّ بعض القرآن مُحُكَم وبعضه متشابه، ولا يعارض ذلك
قوله: ﴿أُخْكِمَتْءَايَتُهُ﴾، ولا قوله: ﴿كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ ﴾ حتَّى زَعَمَ بعضهم أنَّ كلّه مُگم،
وعَكَسَ آخرونَ، لأنَّ المراد بالإحكام في قوله: ﴿أُعْكِمَتْ﴾: الإتقان في النَّظم، وأنَّ كلّها حَقّ
من عند الله، والمراد بالمتشابه كَوْنه يُشبه بعضه بعضاً في حُسن السّياق والنَّظم أيضاً، وليس
المراد اشتباه معناه على سامعه. وحاصل الجواب أنَّ المحكَم وَرَدَ بإزاءِ مَعنَيَينٍ، والمتشابه
وَرَدَ بإزاءِ مَعنَينِ، والله أعلم.
قوله: ((فهم الذينَ سَمَّى اللهُ فاحذَرُوهم)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فاحذَرْهم» بالإفرادِ،
والأُولى أولى، والمراد التَّحذير من الإصغاء إلى الذينَ يَتَّبعونَ المتشابه من القرآن، وأوَّل ما
ظَهَرَ ذلك من اليهود - كما ذكره ابن إسحاق - في تأويلهم الحروف المقطَّعة، وأنَّ عَدَدها
بالجُمَّلِ مِقدار مُدّة هذه الأُمّة، ثمَّ أوَّل ما ظَهَرَ في الإسلام من الخوارج حتَّى جاء عن ابن
عِبَّاس أنَّه فَسَّرَ بهم الآية، وقِصّة عمر في إنكاره على صَبِيغ لمَّا بَلَغَه أنَّه يَتَّبع المتشابه فضَرَبَه
على رأسه حتَّى أدماه، أخرجها الدَّارِميُّ (١٤٤) وغيره.
وقال الخطَّبيُّ: المتشابه على ضربينٍ: أحدهما ما إذا رُدَّ إلى المحكَم واعتُبرَ به عُرِفَ
معناه، والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهو الذي يَتَّبعه أهل الزَّيغ فيَطلُبُونَ
٢١٢/٨ تأويله،/ ولا يَبلُغونَ كُنْهَه، فيَرِتابُونَ فيه فيُقْتَنونَ، والله أعلم.
٢- بابٌ
﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]
٤٥٤٨ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن
سعيدِ بنِ المسيّب، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((ما من مولودٍ يولدُ إلا والشَّيطانُ يَمَسُّه

١١٥
سورة آل عمران / ح ٤٥٤٨
كتاب التفسير
حينَ يولدُ، فَيَسْتَهِلُّ صارخاً من مَسِّ الشَّيطان إيّاه، إلا مريمَ وابنَها)) ثمَّ يقول أبو هريرةَ: واقرَؤُوا
إن شئتُم: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾.
قوله: ((بابٌ ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّجِيمِ ﴾)) أورد فيه حديث أبي
هريرة: ((ما من مولود يولد إلّا والشَّيطان يَمَسّه)) الحديث، وقد تقدَّم الكلام على شرحه
واختلاف ألفاظه في أحاديث الأنبياء (٣٤٣١).
وقد طَعَنَ صاحب ((الكَشّاف)) في معنى هذا الحديث وتَوَقَّفَ في صِحَّته فقال: إن صَحَّ
هذا الحديث فمعناه: أنَّ كلّ مولود يَطمَع الشَّيطانُ في إغوائه، إلّا مريم وابنها فإنَّهما كانا
معصومينِ، وكذلك مَن كان في صِفَتهما، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾
[الحجر: ٤٠] قال: واستهلال الصَّبيّ صارخاً من مَسِّ الشَّيطان تخييلٌ لطَمَعِه فيه، كأنَّه يَمَسّه
ويَضِرِب بيَدِه عليه ويقول: هذا ممَّنْ أُغويه. وأمَّا صفة النَّخْس كما يَتَوهَّمه أهل الحَشْوِ فلا،
ولو مَلَكَ إبليسُ على الناس نَخْسَهم لامتَلَأت الدُّنيا صُراخاً. انتهى، وكلامه مُتَعقَّب من
وجوه، والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مُالَفةَ لمَا ثَبَتَ من عِصْمة
الأنبياء، بل ظاهر الخبر أنَّ إبليس تُمكَّنٌ من مَسّ كلّ مولود عند ولادته، لکن مَن کان مِن
عِباد الله المخلَصينَ لم يَضُرّه ذلك المسّ أصلاً، واستَئِنَى من المخلصينَ مريمَ وابنَها، فإنَّه
ذهب يَمَسُّ على عادته فحِيلَ بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يَلزَم منه تَسَلُّطه
على غيرهما من المخلصينَ. وأمَّا قوله: ((لو مَلكَ إبليس ... )) إلى آخره، فلا يَلزَم من كَوْنه
جُعِلَ له ذلك عند ابتداء الوَضعِ أن يَسْتَمِرّ ذلك في حَقّ كلّ أحد، وقد أورَدَ الفَخْرِ الرّازِيُّ
هذا الإشكال وبالَغَ في تقريره على عادته وأجمَلَ الجواب، فما زاد في (١) تقريره أنَّ الحديث
خَبرُ واحدٍ وَرَدَ على خِلَاف الدَّليل، لأَنَّ الشَّيطان إنَّما يُغوي مَن يَعرِف الخير والشرّ، والمولود
بخلاف ذلك، وأنَّه لو مُكِّنَ من هذا القَدر لَفَعَلَ أكثر من ذلك من إهلاك وإفساد، وأنَّه لا
اختصاص لمريم وعيسى بذلك دون غيرهما، إلى آخر كلام ((الكشّاف)). ثمَّ أجابَ بأنَّ هذه
(١) في (أ): من، وفي (س): على، والمثبت من (ع).

١١٦
سورة آل عمران / ح ٤٥٤٩-٤٥٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
الوجوه مُتَمَلة، ومع الاحتمال لا يجوز دفعُ الخبر. انتهى، وقد فَتَحَ الله تعالى بالجواب كما
تقدَّم، والجواب عن إشكال الإغواء يُعرَف ممّا تقدَّم أيضاً، وحاصله أنَّ ذلك جُعِلَ علامةً
في الابتداء على مَن يتمكَّن من إغوائِه، والله أعلم.
٣- بابٌ
﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَغَلِيلًا
أُوْلَئِكَ لَا خَقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]: لا خيرَ
﴿ أَلِمٌ﴾ [٧٧]: مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ منَ الأَلَمِ، وهو في موضع مُفْعِلٍ.
٤٥٤٩، ٤٥٥٠ - حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ،
عن عبدِ الله بن مسعودٍ ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: «مَن حَلَفَ يَمِينَ صَيْرٍ لَيَقْتَطِعَ بها مالَ
٢١٣/٨ امرِئٍ مسلم، لَفِيَ / الله وهو عليه غَضْبانُ)) فأنزَلَ الله تَصْدِيقَ ذلك: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ تَمَغَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَقَ لَهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ، قال: فَدَخَلَ الأشعَتُ بنُ قيسٍ، وقال: ما
يُحدِّثُكُمْ أبو عبدِ الرَّحمنِ؟ قُلْنا: كذا وكذا، قال: فيَّ أَنْزِلَت، كانت لي ◌ِثِرٌ في أرضِ ابنِ عَمِّ لي، قال
النبيُّ ◌َِّهِ: (بَيِّتُكَ، أو يَمِينُه)) فقلتُ: إذاً يَحَلِفَ يا رسولَ الله، فقال النبيُّ ◌َ: (مَن حَلَفَ على
يَمِينِ صَيْرٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امِرِئٍ مسلمٍ، وهو فيها فاجِرٌ، لَقِيَ الله وهو عليه غَضْبانُ)).
٤٥٥١- حدَّثنا عليٌّ - هو ابنُ أبي هاشم - سمعَ هُشَيماً، أخبرنا العَوّامُ بنُ حَوْشَبٍ، عن
إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عبدِ الله بنِ أبي أَوْقَى رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً أقامَ سِلْعةً في
السّوقِ، فَحَلَفَ فيها لقد أَعطَى بها ما لم يُعْطِهِ، لِيُوقِعَ فيها رجلاً منَ المسلمينَ فنزلت: ﴿إِنَّ
اُلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ تَمَغَّلِيلًا﴾ إلى آخِرِ الآيةِ.
٤٥٥٢ - حدَّثنا نَصْرُ بنُ عليٍّ بنِ نَصْرٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ داودَ، عن ابنِ جُرَیج، عن ابنِ
أبي مُلَيكةً: أنَّ امرأتينِ كانتا تَخْرِزانِ في بيتٍ، وفي الحُجْرةِ، فخرجت إحداهما وقد أُنِفِذَ بِشْفِی
في كَفِّها، فادَّعَت على الأُخرَى، فُرُفِعَ إلى ابنِ عبَّاسٍ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: قال رسولُ الله ◌ِّ: ((لو
يُعْطَى الناسُ بدَعْواهم، لذَهَبَ دِماءُ قومٍ وأموالهم) ذَكِّروها بالله، واقَرَؤُوا عليها: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ

١١٧
سورة آل عمران / ح ٤٥٤٩-٤٥٥٢
كتاب التفسير
بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، فَذَكَّروها فاعْتَرَفَت، فقال ابنُ عبَّاسٍ: قال النبيُّ وََّ: ((اليَمِينُ على المدَّعَى عليه)).
قوله: ((باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّقَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ)
لا خيرَ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿مِنْ خَلَقٍ ﴾، أي: نصیب من خير.
قوله: ((﴿أَلِيمٌ﴾: مُؤْلِم مُوجِعٌ، من الألَمَ، وهو في موضع مُفْعِل)) هو كلام أبي عبيدة أيضاً،
واستَشهَدَ بقولِ ذي الُّمّة:
يَصُكُّ وُجوهَها وَهَجٌ أليم(١)
ثمَّ ذكر حديث ابن مسعود: ((مَن حَلَفَ يمين صَبْر))، وفيه قول الأشعث: أنَّ قوله
تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَفَلِيلًا ﴾ نزلت فيه وفي خَصْمه حین نَحاكما في
البئر، وحديث عبد الله بن أبي أوفَى: أنَّها نزلت في رجلٍ أقامَ سِلعة في السّوق فحَلَفَ لقد
أَعْطَى بها ما لم يُعطَه، وقد تقدَّما جميعاً في الشَّهادات(٢)، وأنَّه لا مُنافاةَ بينهما، ويُحمَل على أنَّ
التُّزول كان بالسَّبَبينِ جميعاً، ولفظ الآية أعَمُّ من ذلك، ولهذا وَقَعَ في صَدْر حديث ابن
مسعود ما يقتضي ذلك.
وذَكَرِ الطََّرِيُّ (٣٢٠/٣) من طريق ◌ِكْرمة أنَّ الآية نزلت في حُبَيٍّ بن أخطَبَ وكعب
ابن الأشرَف وغيرهما من اليهود الذينَ كَتَموا ما أنزَلَ الله في التوراة من شأن النبيّ ◌ِّ،
وقالوا وحَلَفوا أنَّه من عند الله، وقَصَّ الكَلْبِيّ في («تفسيره) في ذلك قِصّةً طويلة وهي
مُحْتَمَلة أيضاً، لكن المعتمَد في ذلك ما ثَبَتَ في ((الصَّحیح)).
وسنذكر ما يَتَعلَّق بحُكم اليمين في كتاب الأيمان والنُّذُورِ (٦٦٧٥ و٦٦٧٦) إن شاء الله
تعالى.
قوله: ((حدَّثْنا نَصْر بن عليّ)) هو الجَهضميُّ بجیمِ ومُعجَمة، وعبد الله بن داود: هو
(١) صدر هذا البيت هو: ونَرفَعُ من صُدورٍ شَمَرَ دَلاَتٍ. والشمردلات: النوق الطوال السراع، والمعنى: أننا
ترفع من صدورها في السير. يصفُّ: يضرب.
(٢) سلفا معاً في باب واحد برقم (٢٦٧٥) و(٢٦٧٦)، وحديث ابن مسعود سيأتي الكلام عليه مستوفى في
الأيمان والنذور برقم (٦٦٧٦).

١١٨
سورة آل عمران / ح ٤٥٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
الْخُرَبِيُّ، بمُعجَمةٍ وموخَّدة مُصفَّر.
قوله: ((أنَّ امرأتينٍ)) سيأتي تسميتُهما في كتاب الأيمان والنُّدُور معَ شرح الحديث، وإنّما
أورَدَه هنا لقولِ ابنِ عبَّاس: ((اقرَؤُوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ الآية)) فإنَّ فيه
٢١٤/٨ الإشارة إلى العَمَل بما دَلَّ عليه عموم الآية لا خصوص / سبب نزولها، وفيه أنَّ الذي تَتَوَجَّه
عليه اليمين يُوعَظ بهذه الآية ونحوها.
قوله: ((في بيت وفي الحُجْرة)) كذا للأكثرِ بواوِ العَطْف، وللأصيليِّ وحده: «في بیت أو في
الحُجرة)) بـ((أو))، والأوَّل هو الصَّواب، وسبب الخطأ في رواية الأَصِيلِّ أنَّ في السِّياق حذفاً
بيَّنه ابن السَّكَن في روايته حيثُ جاء فيها: «في بيت، وفي الحُجرة حُدّاثٌ)) فالواو عاطِفة، أو
الجملة حاليَّة، لكن المبتَدَأ محذوف، وحُدّاثٌ بضمِّ المهمَلة والتَّشديد وآخره مُثَلَّثة، أي:
ناسٌ يَتحدَّثونَ.
وحاصله أنَّ المرأتينِ كانتا في البيت وكان في الحُجْرة المجاورة للبيت ناس يَتحدَّثونَ،
فسَقَطَ المبْتَدَأ من الرِّواية فصارَ مُشكِلاً، فعَدَلَ الراوي عن ((الواو)) إلى ((أو)) التي للتَّرديدِ؛ فِراراً
من استحالة كَوْن المرأتينِ في البيت وفي الحُجرة معاً. على أنَّ دَعوَى الاستحالة مردودة، لأنَّ له
وجهاً ويكون من عَطْف الخاصّ على العامّ، لأنَّ الحُجرة أخَصّ(١) من البيت، لكن رواية ابن
السَّكَن أفصَحَت عن المراد فأغنَت عن التَّقدير، كذا ثَبَتَ مثله في رواية الإسماعيليّ، والله أعلم.
٤- باب قوله تعالی:
﴿ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآَ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٤]
سواءً: قَصْداً.
٤٥٥٣ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، عن هشام، عن مَعمَر (ح) وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ،
حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ،
(١) في (ع): بعض، والمثبت من (أ) و(س).

١١٩
سورة آل عمران / ح ٤٥٥٣
كتاب التفسير
قال: حدَّثْني ابنُ عبَّاسٍ، قال: حدَّثني أبو سفيانَ من فيهِ إلى فيَّ، قال: انطَلَقْتُ في المدّةِ التي كانت
بيني وبينَ رسولِ اللهَِّ، قال: فَبَيْنا أنا بالشَّامِ إذ جِي ءَ بكتابٍ منَ النبيِّ وَّهِ إلى هِرَقْلَ، قال: وكان
دَحْيَةُ الكَلْبِيُّ جاء به، فَفَعَه إلى عظيمٍ بُصْرَى، فَفَعَه عظيمُ بُصْرَى إلى هِرَقْلَ، قال: فقال حِرَقْلُ:
هل هاهنا أحدٌ من قومِ هذا الرجلِ الذي يَزعُمُ أَنَّه نبيٌّ؟ فقالوا: نعم، قال: فَدُعِيتُ في نَفَرٍ من
قُريشٍ، فَدَخَلْنا على هِرَقْلَ، فَأُجْلِسْنا بِينَ يَدَيهِ، فقال: أيُّكُمْ أَقَرَبُ نَسَباً من هذا الرجلِ الذي يَزعُمُ
أَنَّه نبيٌّ؟ فقال أبو سفيانَ: فقلتُ: أنا، فأجْلَسوني بينَ يَدَيه، وأجْلَسوا أصحابي خَلْفي.
ثَمَّ دَعَا بتَرْجُمانِه، فقال: قل لهم: إنّ سائلٌ هذا عن هذا الرجلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نبيٌّ، فإن
كَذَبَنِي فَكَذِّبوه، قال أبو سفيانَ: وايمُ الله لولا أن يُؤْثَرَ عليَّ الكَذِبُ لكَذَبتُ، ثمَّ قال لِتَرْجُمانه:
سَلْه كيفَ حَسَبُهُ فيكم؟ قال: قلتُ: هو فينا ذو حَسَبٍ، قال: فَهَل كان من آبائه مَلِكٌ؟ قال:
قلتُ: لا، قال: فَهَل كنتُم تَتَّهمونَه بالكَذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال؟ قلتُ: لا، قال: أيَتَّبِعُه
أشرافُ الناسِ أم ضُعَفاؤُهم؟ قال: قلتُ: بل ضُعَفاؤهم، قال: يَزِيدونَ أم يَنقُصونَ؟ قال:
قلتُ: لا، بل يَزِيدونَ، قال: هل يَرْتَدُّ أحدٌ منهم عن دِينِه بعدَ أن يَدخُلَ فيه سَخْطَةً له؟ قال:
قلتُ: لا، قال: فَهَل قاتَلْتُموه؟ قال: قلتُ: نعم، قال: فكيفَ كان قتالُكُمْ إِّه؟ قال: قلتُ:
تكونُ الحربُ بينَنَا وبينَه سِجالاً، يُصِيبُ مِنّا ونُصِيبُ منه، قال: فَهَل يَغْدِر؟ قال: قلتُ: لا،
ونحنُ مِنْه في هذه المدّةِ لا نَذْري ما هو صانعٌ فيها، قال: والله ما أمكَنَني من كلمةٍ أُدْخِلُ فيها
شيئاً غيرَ هذه، قال: فَهَلْ قال هذا القولَ / أحدٌ قبلَه؟ قلتُ: لا.
٢١٥/٨
ثَّ قال لِتَرْجمانه: قل له: إنّي سألتُكَ عن حَسَبِهِ فيكم، فَزَعَمْتَ أنَّه فيكم ذو حَسَبٍ،
وكذلك الرُّسُلُ تُبعَثُ في أحساب قومِها، وسألتُكَ: هل كان في آبائه مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أن لا،
فقلتُ: لو كان من آبائه مَلِكٌ، قلتُ: رجلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبائه، وسألتُكَ عن أتباعه: أضُعَفاؤُهم أم
أشرافُهم؟ فقلتَ: بل ضُعَفاؤهم، وهم أتباعُ الرّسُلِ، وسألتُكَ هل كنتُم تَتَّهمونَه بالكَذِبِ قبلَ أن
يقولَ ما قال؟ فَزَعَمْتَ أن لا، فعَرَفْتُ أَنَّه لم يكن ليَدَعَ الكَذِبَ على الناسِ، ثمَّ يَذْهَبَ فَكذِبَ على
الله، وسألتُكَ: هل يَرْتَدُّ أحدٌ منهم عن دِينِهِ بعدَ أن يَدخُلَ فيه سَخْطَةً له؟ فَزَعَمْتَ أن لا، وكذلك
الإيمانُ إذا خالَطَ بَشَاشةَ القلوبِ، وسألتُكَ: هل يَزِيدونَ أم يَنقُصونَ؟ فَزَعَمْتَ أنَّهم يَزِيدونَ

١٢٠
سورة آل عمران / ح ٤٥٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
وكذلك الإيمانُ حتَّى يَتِمَّ، وسألتُكَ: هل قاتَلْتُمُوه؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُم قاتَلْتُموه، فتكونُ الحربُ بينَكُم
وبينَه سِجالاً يَنالُ منكم، وتَنالونَ منه، وكذلك الرُّسُلُ تُبَلَى، ثمَّ تكونُ لهمُّ العاقبةُ، وسألتُكَ:
هل يَغْدِر؟ فَزَعَمْتَ أَنَّه لا يَغْدِرُ، وكذلك الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ، وسألتُكَ: هل قال أحدٌ هذا القولَ
قبلَه؟ فَزَعَمْتَ أن لا، فقلتُ: لو كان قال هذا القولَ أحدٌ قبلَه، قلتُ: رجلٌ اقْتَمَّ بقولٍ قيل قبلَه.
قال: ثمَّ قال: بِمَ يأمرُكُم؟ قال: قلتُ: يأمُنا بالصلاةِ، والزكاةِ، والصِّلةِ، والعَفاف، قال: إن يَكُ
ما تقولُ فيه حَقَّ، فإنَّه نبيٌّ، وقد كنتُ أعلم أنَّه خارجٌ، ولم أكُ أظنُّه منكم، ولو أنّ أعلم أنّ أخلُصُ
إليه لأحبَبتُ لِقَاءَه، ولو كنتُ عندَه لَغَسَلْتُ عن قَدَمَيهِ، ولَيَبْلُغَنَّ مُلْكُه ما تحتَ قَدَميَّ، قال: ثمَّ دَعَا
بكتاب رسولِ اللهِ وَّ، فقرأه فإذا فيه: ((بِسْم الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ من محمَّدٍ رسولِ الله إلى هِرَقْلَ
عظيمِ الرّومِ، سَلامٌ على مَنِ أَّبَعَ الهُدَى، أمَّا بَعْدُ، فإنّي أدعوكَ بدِعايةِ الإسلامِ، أسلم تَسْلَم، وأسلم
يُؤْتِكَ الله أجْرَكَ مَرَّتَينٍ، فإن تَوَلَّيْتَ فإنَّ عليكَ إِثْمَ الأرِيسِيِّينَ و﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْأَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّهَ﴾ إلى قوله: ﴿اَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ))).
فلمَّا فرغَ من قراءةِ الكتاب ارتَفَعَتِ الأصواتُ عندَه، وكَثُرَّ اللَّغَطُ، وأُمِرَ بنا فأُخرِجْنا،
قال: فقلتُ لأصحابي حينَ خَرَجْنا: لقد أَمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبْشَةَ، إنَّه لَيَخافُه مَلِكُ بني الأصفَرِ.
فما زِلْتُ موقِناً بأمرِ رسولِ الله وٍَّ أَنَّهِ سَيَظْهَرُ حتَّى أَدْخَلَ الله عليَّ الإسلامَ.
قال الزّهْريُّ: فدَعَا هِرَقْلُ عُظَماءَ الرّومِ، فجمعهم في دارٍ له، فقال: يا مَعْشَرَ الرّومِ هل لَكُم
في الفَلاح والرَّشَدِ آخِرَ الأَبدِ وأن يَثْبُتَ لكُم مُلْكُكُم؟ قال: فحاصوا حَيصةَ مُرِ الوَحْشِ إلى
الأبواب، فوَجَدوها قد غُلِّقَت، فقال: عليَّ بهم، فدَعَا بهم فقال: إنّ إنَّما اختَبَرْتُ شِدَّتَكُم على
دِینگُم، فقد رأیتُ منكمُ الذي أحبَبتُ، فسجدوا له ورَضُوا عنه.
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْتَكُمْ أَلَّا
٢١٦/٨
نَصْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾)) كذا للأكثرِ، ولأبي ذرٍّ: ((وَبَيْنَكُزْ .. الآية)).
قوله: ((سواءً: قَصْداً)) كذا لأبي ذرِّ بالنَّصب، ولغيره بالجرِّ فيهما، وهو أظهر على الحكاية،
لأنَّه يُفسِّر قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآَ﴾، وقد قُرِئَ في الشَّواذَ: ((سواءً)) بالنَّصب، وهي قراءة