Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة البقرة / ح ٤٥٣٣
كتاب التفسير
٤١ - ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]
٤٥٣٣- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يَزِيدُ، أخبرنا هشامٌ، عن محمَّدٍ، عن عَبِيدةَ، عن
عليٍّ ◌َ، قال النبيُّ ◌َلِّ (ح)
وحدَّثني عبدُ الرَّحمنِ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا محمَّدٌ، عن
عَبِيدةَ، عن علِيٍّ ◌َّه، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال يومَ الخندَقِ: ((حَبَسونا عن صلاةِ الوُسْطَى، حتَّى غابَتِ
الشمسُ: مَلأ الله قُبُورَهم وبُيوتَهم - أو أجْوافَهم - ناراً)). شَكَّ يحيى.
قوله: ((﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾)) هي تأنيث الأوسط، والأوسط:
الأعدَل من كلّ شيء، وليس المراد به التوَسُّط بين الشَّيئينِ؛ لأنَّ فُعْلَى معناها التَّفضيل، ولا
يَنبني للتَّفضيلِ إلّا ما يقبل الزّيادة والنَّقص، والوَسَط بمعنى الخيار والعدل يقبلهما، بخِلاف
المتوسّط فلا يقبلهما؛ فلا يُبنَى منه أفعَل تفضيل.
قوله: «حدثني عبد الله بن محمّد» هو الجُعْفيُّ، ویزید: هو ابن هارون، وهشام: هو ابن
حسَّان، ومحمّد: هو ابن سِيرِين، وعَبيدةُ - بفتح العين -: هو ابن عَمْرو، وعبد الرَّحمن في
الطَّريق الثّانية: هو ابن بشر بن الحَكَم، ويحيى بن سعيد: هو القَطّان.
قوله: ((حَبَسونا عن صلاة الوُسْطَى)) أي: مَنَعونا عن صلاةِ الصلاة(١) الوُسطَى، أي:
عن إيقاعها، زاد مسلم (٦٢٧ /٢٠٥) من طريق شُتَير بن شَكَلِ عن عليّ: ((شَغَلونا عن
الصلاة الوُسطَى صلاة العصر))، وزاد في آخره: ثمَّ صَلّاها بين المغرب والعشاء، ولمسلمٍ
(٦٢٨) عن ابن مسعود نحو حديث عليّ، وللتِّمِذيِّ(٢)، والنَّسائيِّ (ك٣٥٨) من طريق زِرّ
ابن حُبَيشٍ عن عليٍّ مثله، ولمسلم (٦٢٧) أيضاً من طريق أبي حسَّان الأعرج عن عَبيدة
السَّلمانيِّ عن عليّ، فذكر الحديث بلفظ: ((كما حَبَسونا عن الصلاة الوُسطَى حَتَّى غَرَبَت
الشمس)) يعني: العصر، وروى أحمد (٢٠١٢٩)، والتِّرمِذيّ (٢٩٨٣) من حديث سَمُرة
(١) لفظة ((الصلاة)) سقطت من (س).
(٢) بل هو عند ابن ماجه (٦٨٤)، وهو في الترمذي (٢٩٨٤) من طريق أبي حسان الأعرج عن علي، ولیس
من طریق زر بن حبيش.

٨٢
سورة البقرة / ح ٤٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
رَفَعَه قال: ((صلاة الوُسطَى صلاة العصر))، وروى ابن جَرِير (٥٥٩/٢) من حديث أبي
هريرة رَفَعَه: ((الصلاة الوُسطَى صلاة العصر))، ومن طريق كُهَيل بن حَرمَلة: سُئِلَ أبو
هريرة عن الصلاة الوُسطَى فقال: اختَلَفنا فيها ونحنُ بفِناءِ بيت رسول الله وَّةٍ، وفينا أبو
هاشم بن عُتبةَ فقال: أنا أعلم لكُم، فقامَ فاستأذَنَ على رسول الله ێ، فدخل ثمَّ خرج إلينا
فقال: أخبَرَنا أنَّها صلاة العصر. ومن طريق عبد العزيز بن مروان: أنَّه أرسَلَ إلى رجل
فقال: أيّ شيءٍ سمعتَ من رسول الله وَ ل﴿ في الصلاة الوُسطَى؟ فقال: أرسَلَني أبو بكر
وعمر أسأله وأنا غلامٌ صغير، فقال: ((هي العصر))، ومن حديث أبي مالك الأشعريّ
رَفَعَه: ((الصلاة الوُسطَى صلاة العصر))، وروى التِّرمِذيّ (١٨١) وابن حِبّان (١٧٤٦) من
حديث ابن مسعود مثله، وروى ابن جَرِير من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: كان في
مُصحَف عائشة: ((حافظوا على الصَّلَوات والصلاة الوُسطَى وهي صلاة العصر))، وروى
ابن المنذر من طريق مِقسَم عن ابن عبّاس قال: شَغَلَ الأحزابُ النبيَّ ◌َّه يوم الخندق عن
١٩٦/٨ صلاة العصر حتَّى غَرَبَت الشمس فقال: ((شَغَلونا عن الصلاة/ الوُسطَى)).
وأخرَج أحمد من حديث أمّ سَلَمةَ(١) وأبي أيوب(٢) وأبي سعيد(٣) وزيد بن ثابت (٢١٧٩٢)
وأبي هريرة(٤) وابن عبَّاس (٢٧٤٥) من قولهم(٥): إنَّها صلاة العصر، وقد اختَلَفَ السَّلَف
في المراد بالصلاة الوُسطَى، وجَمَعَ الدِّمياطيّ في ذلك جُزءاً مشهوراً سَمّاه (كَشف الغطاء عن
(١) حديث أم سلمة لم يخرجه أحمد، وإنما أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٢٠٤)، وابن أبي شيبة (٨٦٨٩)،
والطبري في ((التفسير)) ٢/ ٥٥٥.
(٢) وكذلك حديث أبي أيوب، فقد أخرجه الطبري ٢/ ٥٥٧.
(٣) وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه الطبري ٢/ ٥٥٥، والطحاوي ١/ ١٧٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢١٩٧) وسعيد بن منصور في التفسير من ((السنن)) (٣٩٥)، والطبري
في «التفسير» ٢/ ٥٥٤ و ٥٥٥، والبيهقي ١ /٤٦٠.
(٥) وقد نسب هذا القول لهم البيهقي في ((السنن الكبرى)) ١/ ٤٦١ فقال: وهذا قول علي بن أبي طالب في
أصح الروايتين عنه، وقول أبي بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن
العاص، وإحدى الروايتين عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة رضي الله عنهم.

٨٣
سورة البقرة / ح ٤٥٣٣
كتاب التفسير
الصلاة الوُسطَى)) فَبَلَغَ سبعة عشر(١) قولاً، أحدها الصُّبح أو الظَّهر أو العصر أو المغرب
أو جميع الصَّلَوات.
فالأوَّل: قول أبي أمامةَ وأنس وجابر وأبي العاليَة وعُبيد بن عُمَير وعطاء وعِكْرمة
ومجاهد وغيرهم، نَقَلَه ابن أبي حاتم عنهم (٤٤٨/٢)، وهو أحد قولي ابن عمر وابن
عبَّاس، ونَقَلَه مالك (١٣٩/١) والتِّرمِذيّ (٢) عنهما، ونَقَلَه مالك بلاغاً عن عليّ، والمعروف
عنه خِلَافه، وروى ابن جَرِير (٢/ ٥٦٤) من طريق عَوف الأعرابيِّ عن أبي رَجَاء العُطارديِّ
قال: صَلَّيت خَلف ابن عبّاس الصُّبح، فَقَنَتَ فيها ورَفَعَ يَدَيه ثمَّ قال: هذه الصلاة الوُسطَى
التي أُمِرنا أن نقوم فيها قانتينَ، وأخرجه أيضاً من وجه آخر عنه وعن ابن عمر، ومن
طريق أبي العالية (٢/ ٥٦٥): صَلَّيت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة
الغَداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوُسطَى؟ قالوا: هي هذه الصلاة. وهو قول مالك والشافعيّ
فيما نَصَّ عليه في ((الأُمّ))، واحتَجّوا له بأنَّ فيها القُنوت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَنِتِينَ ﴾، وبأنَّها لا تُقصَر في السَّفَر، وبأنَّها بین صَلاتَي جَھٍ وصَلاتَي سِرّ.
والثّاني: قول زيد بن ثابت، أخرجه أبو داود (٤١١) من حديثه قال: كان النبيّ وَلّ
يُصَلّي الظُّهر بالهاجِرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحاب رسول الله وَّه منها، فنزلت:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ﴾ الآية، وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول بأنَّها الظُّهر، أخرجه
ابن المنذر وغيره(٣)، وروى مالك في ((الموطَّأ)) (١٣٩/١) عن زيد بن ثابت الجزم بأنّها
الظُّهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية، وروى الطَّيالسُّ (٦٦٢) من طريق زُهْرة بن مَعبَد قال:
كنَّا عند زيد بن ثابت فأرسَلوا إلى أُسامة فسألوه عن الصلاة الوُسطَى فقال: هي الظّهر،
ورواه أحمد (٢١٧٩٢) من وجه آخر وزاد: كان النبيّ وَلَه يُصَلّي الظّهر بالھَجیر فلا یکون
(١) في (س): تسعة عشر، والمثبت من الأصلين، وقد ذكر شمس الدين الرعيني في ((مواهب الجليل في شرح
مختصر خليل)) ١ / ٤٠١ أنها في كتاب الدمياطي سبعة عشر قولاً. قلنا: وقد عدَّ الحافظ هنا عشرين قولاً.
(٢) بإثر الحديث (١٨٢).
(٣) أخرج أثر عائشة هذا عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٢٠٠).

٨٤
سورة البقرة / ح ٤٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وراءَه إلّ الصَّفّ أو الصَّفّان، والناس في قائلَتهم وفي تِجارَتهم، فنزلت.
والثّالث: قول عليّ بن أبي طالب، فقد روى التِّرمِذيّ (١) والنَّسائيُّ من طريق زِرّ بن
حُبَشٍ قال: قلنا لعَبيدة: سَلْ عليّاً عن الصلاة الوُسطَى، فسألَه فقال: كنّا نُرَى أنَّهَا الصُّبح،
حتَّى سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول يوم الأحزاب: ((شَغَلونا عن الصلاة الوُسطَى صلاة
العصر)) انتهى، وهذه الرِّواية تَدفَع دَعوَى مَن زَعَمَ أنَّ قوله: صلاة العصر مُدرَج من تفسیر
بعض الرُّواة، وهي نَصِّ في أنَّ كَوْنها العصر من كلام النبيّ ◌َّهِ، وأنَّ شُبهة مَن قال: إنَّها
الصُّبح قويّة، لكن كَوْنها العصر هو المعتمد، وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصَّحيح
من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد، والذي صارَ إليه مُعظَم الشافعيَّة لصِحّة الحديث فيه، قال
التِّرمِذيّ: هو قول أكثر علماء الصَّحابة. وقال الماوَرْديُّ: هو قول ◌ُهور التابعينَ. قال ابنُ
عبد البَرّ: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكيَّة ابنُ حبيب وابنُ العربيّ وابنُ عَطيَّة،
ويُؤيِّده أيضاً ما روى مسلم (٦٣٠) عن البراء بن عازِب قال: نزلَ: حافظوا على الصَّلَوات
وصلاة العصر، فقرأناها ما شاءَ الله، ثمَّ نُسِخَت فنزلت: حافظوا على الصَّلَوات والصلاة
الوُسطَى، فقال رجل: فهي إذَن صلاة العصر، فقال: أخبَرَتُك كيفَ نزلت.
والرّابع: نَقَلَه ابن أبي حاتم (٤٤٨/٢) بإسنادٍ حسن عن ابن عبَّاس قال: صلاة الوُسطَى
هي المغرِب. وبه قال قَبيصة بن ذُؤَيب، أخرجه ابن جَرِير (٢/ ٥٦٤)، وحُجَّتهم أنَّهَا مُعتَدِلة
في عَدَد الرَّكَعات، وأنَّها لا تُقصَر في الأسفار، وأنَّ العَمَل مضى على المبادرة إليها والتَّعجيل لها
في أوَّل ما تَغْرُب الشمس، ولأنَّ قبلها صَلَاتا سِرّ وبعدها صَلاتا جَهْر.
والخامس: وهو آخر ما ◌َعه(٢) ابنُ أبي حاتم أخرجه أيضاً بإسنادٍ حسن عن نافع قال:
سُئِلَ ابن عمر فقال: هي كلّهنَّ، فحافظوا عليهنَّ. وبه قال معاذ بن جبل، واحتَجَّ له بأنَّ
١٩٧/٨ قوله: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ﴾ يَتَنَاوَل الفرائض / والنَّوافل، فعُطِفَ عليه الوُسطَى وأُريد
(١) سلف التعليق عليه قريباً، وأنه ليس في الترمذي من هذا الطريق.
(٢) تحرفت في (س) إلى: صححه.

٨٥
سورة البقرة / ح ٤٥٣٣
كتاب التفسير
بها كلَّ الفرائض تأكيداً لها، واختارَ هذا القول ابن عبد البَرّ.
وأمَّا بَقيَّة الأقوال: فالسادس: أنَّها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكيَّة، واحتَجَّ بما
اختَصَّت به من الاجتماع والخُطبة، وصَحَّحَه القاضي حُسَين في صلاة الخوف من تعليقه،
ورَجَّحَه أبو شامة(١).
السابع: الظُّهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة.
الثّامن: العِشاء، نَقَلَه ابن التِّين والقُرطُبيّ، واحتَجَّ له بأنَّها بين صَلاَتَينِ لا تُقصَران،
ولأنَّها تقع عند النَّوم، فلذلك أُمِرَ بالمحافظة عليها، واختارَه الواحديّ.
التاسع: الصُّبح والعِشاء(٢)، للحديثِ الصَّحيح في أنَّهما أثقَل الصلاة على المنافقينَ، وبه
قال الأبهريُّ من المالكيَّة.
العاشر: الصُّبح والعصر لقوّة الأدلّة في أنَّ كلَّا منهما قيل إنَّه الوُسطَى، فظاهر القرآن
الصُّبح، ونَصُ السُّنّة العصر.
الحادي عشر: صلاة الجماعة.
الثّانيَ عشر: الوِتر، وصَنَّفَ فيه عَلم الدّينِ السَّخاويّ جُزءاً، وَرَجَّحَه القاضي تَقيّ
الدّين الأخنائيُّ واحتَجَّ له في جُزء رأيته بخَطِّه.
الثّالث عشر: صلاة الخوف.
الرّابعَ عشر: صلاة عيد الأضحَى.
الخامس عشر: صلاة عيد الفِطْر.
السادسَ عشر: صلاة الضُّحَى.
(١) تحرفت في الأصلين إلى: أبو أسامة، والمثبت من (س)، وهو الصواب، وأبو شامة اسمه: عبد الرحمن ابن
إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، شهاب الدين المقدسي الدمشقي، كان أحد الأئمة، وبرع في فنون العلم،
وقيل: بلغ رتبة الاجتهاد، وهو صاحب كتاب ((الروضتين))، وله اختيارات فقهية، نقل بعضها الحافظ
ابن حجر في ((الفتح)). وانظر: ((طبقات الشافعية)) للسبكي ٨/ ١٦٥.
(٢) في الأصلين: أو العشاء، والمثبت من (س)، وهو الصواب.
٠:

٨٦
سورة البقرة / ح ٤٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
السابعَ عشر: واحدة من الخمس غير مُعيَّنَة، قاله الرَّبيع بن خُثَيم، وسعيد بن جُبَير،
وشُرَيحُ القاضي، وهو اختيار إمام الحَرَمَينِ(١) من الشافعيّة، ذكره في ((النِّهاية)) قال: كما
أُخفيت ليلة القدر.
الثّامن عشر: أنَّها الصُّبح أو العصر على التَّرديد، وهو غير القول المتقدِّم الجازم بأنَّ كلَّا
منهما يقال له: الصلاة الوُسطَى.
التاسعَ عشر: التوقّف، فقد روى ابن جَرِير بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن المسيّب قال:
كان أصحاب رسول الله وَّهِ مُخْتَلِفِينَ في الصلاة الوُسطَى هكذا، وشَبَّكَ بين أصابعه.
العِشرونَ: صلاة اللَّيل، وَجَدتُه عندي وذَهَلْتُ الآن عن معرفة قائله.
وأقوَى شُبهة لمن زَعَمَ أنَّها غير العصر معَ صِحّة الحديث: حديثُ البراء الذي ذكرته
عند مسلم، فإنَّه يُشعِر بأنّهَا أُبهمَت بعدَما عُيَِّت، كذا قاله القُرطُبيّ، قال: وصارَ إلى أنَّها
أُبهمَت جماعةٌ من العلماء المتأخّرينَ، قال: وهو الصَّحيح لتَعارُضِ الأدلّة وعُسر التَّرجيح.
وفي دَعَوَى أنَّهَا أُبهمَت ثمَّ عُيِّئَت من حديث البراء نظرٌ، بل فيه أنَّهَا عُيِّنْت ثمَّ وُصِفَت،
ولهذا قال الرجل: فهي إذاً العصر، ولم يُنكِرِ عليه البراء، نعم جواب البراء يُشعِرِ بالتوَقُّفِ
لمَا تطرَّقَه(٢) من الاحتمال، وهذا لا يَدِفَع التَّصريح بها في حديث عليّ.
ومن حُجَّتهم أيضاً ما روى مسلم (٦٢٩) وأحمد (٢٤٤٤٨) من طريق أبي يونس عن
عائشة أنَّها أمَرَته أن يَكتُب لها مُصحَفاً، فلمَّا بَلَغَت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوةِ
اُلْوُسْطَى﴾ قال: فأملَتْ عليَّ: ((وصلاة العصر)) قالت: سمعتُها من رسول الله وَال. وروى
مالك عن عَمْرو بن رافع قال: كنت أكتُب مُصحَّفاً لحفصةَ فقالت: إذا بَلَغتَ هذه الآية
فآَذِنِّي، فَأَمْلَت عليَّ: ((حافظوا على الصَّلَوات والصلاة الوُسطَى وصلاة العصر))، وأخرجه
ابن جَرِیر (٢/ ٥٦٣) من وجه آخر حسن عن عَمْرو بن رافع. وروى ابنُ المنذر من طريق
(١) هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجُويني، شيخ الشافعية، صاحب التصانيف، توفي سنة
(٤٧٨ هـ).
(٢) تحرفت في (س) إلى: نظر فيه.

٨٧
سورة البقرة / ح ٤٥٣٣
كتاب التفسير
عُبيد الله بن رافع: أمَرَتني أمّ سَلَمةَ أن أكتُب لها مُصحَفاً، فذکر مِثل حديث عَمْرو بن رافع
سواء، ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر: أنَّ حفصة أمَرَت إنساناً(١) أن يَكتُب لها
مُصحَفاً نحوه، ومن طريق نافع: أنَّ حفصة أمَرَت مَولَّى لها أن يَكتُب لها مُصحَفاً، فذكر
مثله وزاد: كما سمعت رسول الله وَ لهيقولها، قال نافع: ((فقرأت ذلك المصحَف فوجدت
فيه الواو))، فَتَمَسّك قومٌ بأنَّ العَطْف يقتضي المغايرة، فتكون صلاة العصر غير الوُسطَى،
وأُجيبَ بأنَّ حديث عليّ ومَن وافَقَه أصحّ إسناداً وأصرَح، وبأنَّ حديث عائشة قد عورِضَ
برواية عُرْوة(٢) أنَّه كان في مُصحَفها: ((وهيَ العصر)).
فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويُؤيِّده ما رواه أبو عُبيد(٣) بإسنادٍ صحيح عن أُبيِّ بن
كعب أنَّه كان يقرؤُها: ((حافظوا على الصَّلَوات والصلاة الوُسطَى صلاة العصر)) بغير
واو، أو هي عاطِفة لكن عَطف صفةٍ لا عَطف ذات، وبأنَّ قوله: والصلاة الوُسطَى
والعصر لم يقرأ بها أحد، ولعلَّ أصل ذلك ما في حديث البراء أنَّها نزلت أوّلاً: والعصر، ثمَّ
نزلت ثانياً بَدَلها: والصلاة الوُسطَى، فجَمَعَ الراوي بينهما، ومع وجود/ الاحتمال لا يَنْهَض ١٩٨/٨
الاستدلال، فكيفَ يكون مُقدَّماً على النَّصّ الصَّريح بأنَّها صلاة العصر.
قال شيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدّين العَلائيّ: حاصل أدلّة مَن قال إنَّها غير العصر
يَرجِع إلى ثلاثة أنواع: أحدها: تَنصيص بعض الصَّحابة، وهو مُعارَضٌ بمِثلِه ثمَّن قال منهم
إِنَّهَا العصر، ويَتَرَجَّح قول العصر بالنَّصِّ الصَّريح المرفوع، وإذا اختَلَفَ الصَّحابة لم يكن
قولُ بعضهم حُجّةً على غيره، فتَبقَى حُجّة المرفوع قائمة. ثانيها: مُعارضةُ المرفوع بوُرودِ
التَّأكيد على فِعْل غيرها كالحثِّ على المواظَبة على الصُّبح والعِشاء وقد تقدَّم في كتاب
الصلاة (٥٦٦ و٥٧٣)، وهو مُعارَضٌ بما هو أقوى منه وهو الوعيد الشَّديد الوارد في تَرك
صلاة العصر، وقد تقدَّم أيضاً (٥٧٣). ثالثها: ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة
(١) تحرفت في (ع) إلى: أنساً، والمثبت من (س) وهو الصواب.
(٢) وهي عند الطبري في ((التفسير)) ٥٥٥/٢.
(٣) في ((فضائل القرآن)) ص ٢٩٣.

٨٨
سورة البقرة / ح ٤٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
((حافظوا على الصَّلَوات والصلاة الوُسطَى وصلاة العصر))، فإنَّ العَطْف يقتضي المغايرة،
وهذا يَرِد عليه إثباتُ القرآن بخَيَرِ الآحاد وهو تُمْتَنِعِ، وكَوْنه يَتَنَزَّلُ مَنزِلَة خَبَر الواحد
◌ُتَلَف فيه، سَلَّمنا، لكن لا يَصلُح مُعارضاً للمنصوصِ صريحاً، وأيضاً فليس العَطْف
صريحاً في اقتِضاء المغايرة لوُرودِه في نَسَق الصِّفات كقوله تعالى: ﴿اَلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ
وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] انتهى مُلخَّصاً.
وقد تقدَّم شرح أحوال يوم الخندق في المغازي (٤٠٩٧-٤١١٦) وما يَتَعلَّق بِقَضاءِ
الفائتة في المواقيت من كتاب الصلاة (٥٩٥-٥٩٨).
قوله: ((مَلَأ الله قُبورهم وبيوتهم - أو أجْوافَهم - ناراً، شَكَّ يحيى)) هو القَطّانُ راوي
الحديث، وأشعَرَ هذا بأنَّه ساقَ المتن على لفظه، وأمَّا لفظ يزيد بن هارون فأخرجه أحمد
(١٢٢١) عنه بلفظ: ((مَلَأ الله بيوتهم وقُبُورهم ناراً))، ولم يَشُكّ، وهو لفظ رَوْح بن عُبَادة
كما مضى في المغازي (٤١١١)، وعيسى بن يونس كما مضى في الجهاد (٢٩٣١)، ولمسلم
(٢٠٢/٦٢٧) مثله عن أبي أسامة عن هشام، وكذا له (٦٢٧ /٢٠٣) من رواية أبي حسَّان
الأعرَج عن عَبيدة بن عَمْرو، ومن طريق شُتَير بن شَكَلٍ عن عليٍّ مثله (٢٠٥/٦٢٧)، وله
(٢٠٤/٦٢٧) من رواية يحيى بن الجزّار عن عليٍّ: ((قُبورهم وبيوتهم - أو قال : - قُبورهم
وبُطونهم))، ومن حديث ابن مسعود (٦٢٨): ((مَلَأ الله أجوافهم وقُبُورَهم(١) ناراً، أو حَشَا الله
أجوافهم وقُبورهم ناراً)، ولابنِ حِبّان من حديث حُذَيفة: ((مَلَأ الله بيوتهم وقُبُورهم ناراً أو
قلوبهم(٢))، وهذه الرِّوايات التي وَقَعَ فيها الشكّ مَرجوحةٌ بالنِّسبة إلى التي لا شَكّ فيها.
وفي هذا الحديث جواز الدُّعاء على المشرِكينَ بمِثلِ ذلك.
قال ابن دقيق العيد: تَرَدُّد الراوي في قوله: ((مَلَأ)) أو ((حَشا)) يُشعِر بأنَّ شرط الرِّواية
بالمعنى أن يَتَّفِقِ(٣) المعنى في اللَّفْظَينِ، ومَلَأ ليس مُرادِفاً حَشَا، فإنَّ حَشَا يقتضى التَّرَاكُم
(١) في (س): ((أو قبورهم)) على الشك، وهو خطأ، والمثبت من الأصلين، وكذا هو في ((صحيح مسلم)).
(٢) قوله: ((أو قلوبهم)) ليست في مطبوع ((ابن حبان)) (٢٨٩١)، وهي ثابتة في ((موارد الظمآن)) (٢٧٠) للهيثمي.
(٣) کذا في (أ) و (س)، وفي (ع): يستوي.

٨٩
سورة البقرة / ح ٤٥٣٤
كتاب التفسير
وكَثْرة أجزاء المحشوِّ بخِلَاف مَلَأ، فلا يكون في ذلك مُتَمَسَّك لمن مَنَعَ الرِّواية بالمعنى.
وقد استُشكِلَ هذا الحديث بأنَّه تَضَمَّنَ دعاءً صَدَرَ من النبيّ ◌ِ لَّ على مَن يَستَحِقّه وهو
مَن ماتَ منهم مُشرِكاً، ولم يقع أحد الشِّقَّينِ ظاهراً (١) وهو البيوت، أمَّا القُبور فوَقَعَ في حَقّ
مَن ماتَ منهم مُشِرِكاً لا محالة. ويُجاب بأن تُحمل البيوت(٢) على سُكّانها، وبه يَتَبِيَّن رُجْحان
الرّواية بلفظ: قلوبهم وأجوافهم(٣).
٤٢- بابٌ
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: مُطِيعِين
٤٥٣٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الحارثِ بنِ شُبَيلٍ،
عن أبي عَمرِو الشَّيبانيِّ، عن زيدِ بنِ أرقَمَ قال: كنَّا نَتَكلَّمُ في الصلاةِ يُكلِّمُ أحدُنا أخاه في
حاجَتِهِ، حتَّى نزلت هذه الآيةُ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾
فَأُمِرْنا بالسُّكوتِ.
قوله: ((باب ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدْنِتِينَ﴾، أي: مُطيعينَ)) هو تفسير ابن مسعود، أخرجه ابن
أبي حاتم بإسنادٍ صحيح، ونَقَلَه أيضاً عن ابن عبّاس وجماعة من التابعينَ. وذُكر من وجه
آخر عن ابن عبّاس قال: قانتينَ، أي: مُصَلّينَ. وعن / مجاهد قال: من القُنوت الزُّكوع ١٩٩/٨
والخُشوع وطول القيام وغَضُّ البَصَر وخَفْض الجناح والرَّهبة لله. وأصحّ من ذلك(٤) ما
دَلَّ عليه حديث الباب - وهو حديث زيد بن أرقَم - في أنَّ المراد بالقُنوتِ في الآية:
السُّكوت، وقد تقدَّم شرحه في أبواب العَمَل في الصلاة من أواخر كتاب الصلاة (١٢٠٠)،
والمراد به السُّكوت عن كلام الناس لا مُطلَق الصَّمت، لأنَّ الصلاة لا صَمت فيها بل
جميعها قرآن وذِكْر، والله أعلم.
(١) قوله: ((ظاهراً)) سقط من (س) ..
(٢) لفظة ((البيوت)) سقطت من (س).
(٣) في (س): أو أصوافهم، والمثبت من الأصلين.
(٤) قوله: ((من ذلك)) سقط من (أ) و(س).

٩٠
سورة البقرة / ح ٤٥٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
٤٣- باب قوله:
فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٩]
وقال ابنُ جُبَيرٍ: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾ [٢٥٥]: عِلْمُه.
يقال: ﴿بَسْطَةً﴾ [٢٤٧]: زيادةً وفَضْلاً.
﴿أَفْرِعْ﴾ [٢٥٠]: أنْزِلْ.
﴿وَلَا يُودُهُ﴾ [٢٥٥]: لا يُثْقِلُه. آدَني: أَثْقَلَني، والآَدُ والأيدُ: القوّةُ.
السّنةُ: التُّعاسِّ.
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [٢٥٩]: لم يَتغيَّرْ.
﴿فَبُّهِتَ﴾ [٢٥٨]: ذهبَت حُجَّتُه.
﴿خَاوِيَةٌ﴾ [٢٥٩]: لا أنِيسَ فيها.
عُروشُها: أبنيتُها.
((نُنْشِرُها)) [٢٥٩]: نُخْرِجُها.
﴿إِعْصَارٌ﴾ [٢٦٦]: رِيحُ عاصفٌ، تَهُبُّ منَ الأرضِ إلى السماءِ، گعمودٍ فیه نارٌ.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿صَلْدًا﴾ [٢٦٤]: ليس عليه شيءٌ.
وقال عِكْرمةُ: ﴿وَابِلٌ﴾ [٢٦٥]: مَطَرٌ شديدٌ، الطَّلُّ: النَّدَى، وهذا مَثَلُ عَمَلِ المؤمنِ.
﴿يَتَسَنَّهُ﴾: يَتغيَّرْ.
٤٥٣٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا مالكٌ، عن نافع: أنَّ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله
عنهما كان إذا سُئِلَ عن صلاةِ الخوفِ، قال: يَتقدَّمُ الإمامُ وطائفةٌ منَ الناسِ، فيُصَلّي بهمُ الإمامُ
رَكْعَةً، وتكونُ طائفةٌ منهم بينَهم وبينَ العدوِّ لم يُصَلّوا، فإذا صَلّوا الَّذِينَ معه رَكْعَةٌ اسْتَأْخَروا
مكان الَّذِينَ لم يُصَلّوا، ولا يُسَلِّمونَ، ويَتقدَّمُ الَّذِينَ لم يُصَلّوا فِيُصَلّونَ معه رَكْعَةً، ثمَّ يَنْصَرِفُ
الإمامُ، وقد صَلَّى رَكْعَتَينٍ، فيقومُ كلُّ واحدٍ منَ الطّائِفَتَيْنِ فِيُصَلّونَ لأنفُسِهِم رَكْعَةً بعدَ أن

٩١
سورة البقرة / ح ٤٥٣٥
كتاب التفسير
يَنْصَرِفَ الإمامُ، فيكونُ كلُّ واحدٍ مِنَ الطّائِفَتَينِ قد صَلَى رَكْعَتَينٍ، فَإن كان خَوْفٌ هو أشَدَّ من
ذلك صَلَّوْا رجالاً قياماً على أقدامِهم، أو رُكْباناً مُسْتَقِلي القِبْلةِ، أو غيرَ مُسْتَقِلِيها.
قال مالكٌ: قال نافعٌ: لا أُرَى عبد الله بنَ عمرَ ذكر ذلك، إلا عن رسولِ الله وَلّد.
قوله: ((باب قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية)) ذكر فيه حديث
ابن عمر في صلاة الخوف، وقد تقدَّم البحث فيه في أبواب صلاة الخوف (٩٤٢)، مبسوطاً.
قوله: ((وقال ابن جُبَيَر: كُرْسيُّه: عِلْمه)) وَصَلَه سفيان الثَّوريّ في «تفسيره)) (١٢٥) في
رواية أبي حُذَيفة عنه بإسنادٍ صحيح، وأخرجه عبد بن حُميدٍ وابن أبي حاتم (٢/ ٤٩٠) من
وجه آخر عن سعيد بن جُبَير، فزاد فيه: ((عن ابن عبّاس))، وأخرجه العُقَيلُّ من وجه آخر
عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس عن النبيّ وََّ، وهو عند الطبرانيِّ في ((كتاب السُّنّة)) من
هذا الوجه مرفوعاً، وكذا رُوِّيناه في ((فوائد أبي الحسن عليّ بن عمر الحَرْبيّ(١)) مرفوعاً،
والموقوف أشبَهَ، وقال العُقَيلِيُّ: إنَّ رفعه خطأ، ثمَّ هذا التَّفسیر غريب، وقد روى ابن أبي
حاتم من وجه آخر عن ابن عبّاس أنَّ الكُرسيّ مَوضعُ القَدَمَینِ. وروى ابن المنذر بإسنادٍ
صحيح عن أبي موسى مثله، وأخرجا عن الشُّدّيِّ: أنَّ الگرسيّ بین يَدَي العَرش، ولیس
ذلك مُغايِراً لمَا قبله، والله أعلم.
قوله: ((يقال: بَسْطةً، زيادةً وفَضْلاً)) هكذا ثَبَتَ لغير أبي ذرٍّ، وهو تفسير أبي عُبيدة، قال
في قوله: ﴿بَسْطَةٌ فِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: زيادة وفضلاً وگثْرة، وجاء عن ابن عبّاس
نحوه، وذكره ابن أبي حاتم (٤٦٦/٢) من طريق السُّدّيِّ عن أبي مالك عن/ ابن عبّاس ٢٠٠/٨
قال في قوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةٌ﴾(٢) يقول: فضيلة.
(١) تحرف في (ع) إلى: الجبرتي، والمثبت من (أ) و(س)، وهو علي بن عمر بن محمد بن الحسن الحربي أبو
الحسن المعروف بابن القزويني، توفي سنة (٤٤٢هـ)، قال الخطيب البغدادي: کتبنا عنه، وكان أحد
الزهاد المذكورين، من عباد الله الصالحين، يقرئ القرآن، ويروي الحديث، ولا يخرج من بيته إلا
للصلاة، وكان وافر العقل صحيح الرأي. انظر: ((تاريخ بغداد)» ٤٣/١٢.
(٢) وقع بدل هذه الآية في (أ) و(س) آية ﴿وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وما أثبتناه من (ع)،
يعني آية البقرة (٢٤٧) ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِ الْعِلْمِ وَالْحِسْمِ﴾، وهو كذلك في ((تفسير ابن أبي حاتم)».

٩٢
سورة البقرة / ح ٤٥٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أفرِغْ: أَنْزِل)) ثَبَتَ هذا أيضاً لغير أبي ذرٍّ، وهو تفسير أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى:
﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] أي: أنزِل علينا.
قوله: ((ولا يَؤُودُه: لا يُتْقِله)) هو تفسير ابن عبّاس، أخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٤٩٢) من
طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وذُكِرَ مثله عن جماعة من التابعينَ، ولِسُقوطٍ ما
قبله من رواية أبي ذرِّ صارَ كأنَّه من كلام سعيد بن جُبَير لعَطفِه على تفسير الكُرسيّ، ولم أرَه
منقولاً عنه.
قوله: ((آدَني: أَثْقَلَني، والآدُ والأيدُ: القوّة)) هو كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا
يَئُودُهُ﴾، أي: لا يُثِقِله، تقول: آدَني هذا الأمر: أثقَلَني، وتقول: ما آدَك فهو لي آيِد، أي: ما
أثقَلك فهو لي مُثِقِل، وقال في قوله تعالى: ﴿ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُ دَذَا الْأَيْدِ﴾ [ص:١٧] أي: ذا القوّة.
قوله: ((السّنة: النُّعاس)) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس.
قوله: ((لم يَتَسَنَّه: لم يَتغيَّر)) أخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٥٠٤) من وجهَينِ عن ابن عبّاس،
وعن السُّدّيِّ مثله قال: لم يَحِمُض التّين والعِنَب ولم يَخْتَمِر العَصير بل هما حُلوان كما هما،
وعلى هذا فالهاء فيه أصليّة، وقيل: هي هاء السَّكت، وقيل: أصله يَتَسَنَّن، مأخوذ من الحَمأ
المسنون، أي: المُنْتِن(١)، وفي قراءة يعقوب: ((لم يَتَسَنَّ) بتشديد النُّون بلا هاء، أي: لم تَمَضِ
عليه السُّنونَ الماضیة کأنَّه ابنُ لیلةٍ.
قوله: ((فُبُهِتَ: ذهبَت حُجَّته)) هو كلام أبي عبيدة، قاله في قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ﴾
قال: انقَطَعَ وذهبَت حُجَّته.
قوله: ((خاوية: لا أنيسَ فيها)) ذكره ابن أبي حاتم بنحوِه من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة
عن قَتَادة في قوله: ﴿وَهِىَ خَاوِيةٌ﴾ قال: ليس فيها أحد.
قوله: «عُروشها: أبنيتها)) ثَبَتَ هذا والذي بعده لغیر أبي ذرٍّ، وقد ذكره ابن أبي حاتم من
طريق الضَّحّاك والسُّدّيِّ بمعناه.
(١) تحرفت في (س) إلى: المستن، والمثبت من الأصلين.

٩٣
سورة البقرة / ح ٤٥٣٥
كتاب التفسير
قوله: «نُنْشِرُها (١): نُخْرِجها)) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السُّدّيِّ بمعناه في قوله: ((كيف
نُنْشِرُها)) يقول: نُخرِجها، قال: فَبَعَثَ الله ريحاً فحَمَلَت عِظامَه من كلّ مكان ذهب به الطَّير
والسِّباع فاجتَمَعَت، فرُكِّبَ بعضها في بعض وهو يَنظُر، فصارَ عَظماً كلّه لا لحم له ولا دَم.
تنبيه: أخرج ابن أبي حاتم من حديث عليّ أنَّ هذه القِصّة وَقَعَت لعُزَيرٍ، وهو قول
عِكْرمة وقَتَادة والسُّدّيِّ والضَّحّاك وغيرهم، وذكر بعضهم قِصّةً في ذلك، وأنَّ القرية بيتُ
المَقْدس، وأنَّ ذلك لمَّا خَرَّبَه بُخْتُ نَصَّرَ. وقال وَهْب بن مُنبِّه ومَن تَبعَه: هي إرمياء، وساقَ
ابن إسحاق قِصّةً في ((المبتَدَأ)).
تَكْمِلة: استَدَلَّ بهذه الآية بعض أئمّة الأُصول على مشروعيّة القياس؛ بأنَّها تَضَمَّنَت
قياس إحياء هذه القرية وأهلها وعِمارَتها بما فيها من الرِّزق بعد خَرابها، على إحياء هذا
المارِّ وإحياء حِمَارِهِ بعدَ موتهما بما كان معَ المارّ من الرِّزق.
قوله: ((إِعْصار: ريح عاصف ◌َهبُّ من الأرض إلى السماء كَعَمودٍ فيه نار)) ثَبَتَ هذا لأبي
ذرِّ عن الحَمُّوِيِّ وحده، وهو كلام أبي عُبيدة، قال في قوله: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ﴾
[البقرة: ٢٦٦] قال: الإعصار: ريح عاصف ... إلى آخره، وروى ابن أبي حاتم (٥٢٤/٢)
عن ابن عبّاس قال: الإعصار: ريح فيها سُموم شديدة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: صَلْداً: ليس عليه شيء)) سَقَطَ من هنا إلى آخر الباب من رواية أبي
ذرِّ، وتفسير قوله: ﴿صَلْدًا﴾ وصَلَه ابن جَرِير (٦٧/٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه،
وروى ابن أبي حاتم (٥١٨/٢) من وجهٍ آخر عن ابن عبّاس قال: فَتَرَكَه يابساً لا يُنبت شيئاً.
قوله: ((وقال عِكْرمة: وابل: مَطَر شديد، الطَّلّ: النَّدَى، وهذا مَثَل عَمَل المؤمن)) وَصَلَه عبد
ابن ◌ُمیدٍ عن روح بن عُبادة عن عثمان بن غياٹ: سمعت عكرمة بهذا، وسيأتي حديث ابن
(١) بضم النون الأولى وبالراء، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو من السبعة، وقرأ عاصم وابن عامر
وحمزة والكسائي ((تُنْشِزُها)» بالزاي، وقد روى أبان عن عاصم ((نَنْشُرُها)) بفتح النون الأولى وضم الشين
والراء. انظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص١٨٩.

٩٤
سورة البقرة / ح ٤٥٣٦-٤٥٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
عبَّاس معَ عمر في ذلك(١) قريباً (٤٥٣٨).
قوله: ((يَتَسَنَّه: يَتغيّر)) تقدَّم تفسيره عن ابن عبّاس، وأمَّا عن عِكْرمة فذكره ابن أبي
حاتم من روايته.
٢٠١/٨
٤٤- بابٌ
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]
٤٥٣٦ - حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثنا مُميدُ بنُ الأسوَدِ وَزِيدُ بنُ زُرَيع، قالا:
حدَّثنا حبيبُ بنُ الشَّهِيدِ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ قال: قال ابنُ الزُّبَيرِ: قلتُ لِعثمانَ: هذه الآيةُ التي
في البقرةِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ إلى قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قد نَسَخَتْها
الأُخرَى، فلِمَ تَكْتُبُها؟ قال: تَدَعُها يا ابنَ أخي، لا أُغَيِّرُ شيئاً مِنْه من مكانه.
قال مُميدٌ: أو نحوَ هذا.
قوله: ((باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾)) ذكر فيه حديث ابن الزُّبَير معَ
عثمان، وقد تقدَّم قبل بابينٍ(٢) (٤٥٣٠)، وسَقَطَت التَّرجمة لغير أبي ذرِّ فصارَ من الباب
الذي قبله عندهم.
٤٥- بابٌ
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]
﴿فَصُرْهُنَ ﴾: قَطِّعُهُنَّ.
٤٥٣٧ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي
سَلَمَةَ وسعيدٍ، عن أبي هريرةَ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((نحنُ أحقُّ بالشكِّ من إبراهيمَ إذ
قال: ﴿رَبِّ أَرِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِى﴾)).
قوله: ((باب ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ اَلْمَوْنَى﴾، ﴿فَصُرْهُنَّ﴾: قَطِّعْهُنَّ)) ثَبَتَ
(١) يعني في قول ابن عباس: ضُرِبتْ مثلاً لِعَمَلٍ.
(٢) بل قبل أربعة أبواب.

٩٥
سورة البقرة / ح ٤٥٣٨
كتاب التفسير
هذا لأبي ذرِّ وحده، وقد أخرجه ابنُ أبي حاتم (٢/ ٥١١) من وجهَينٍ عن ابن عبّاس، ومن طرق
عن جماعة من التابعينَ، ومن وجهٍ آخر عن ابن عبّاس قال: صُرهُنَّ، أي: أوْثِقْهُنَّ ثمَّ اذبحهُنَّ.
وقد اختَلَفَ نَقَلةُ القراءات في ضبط هذه اللَّفظة عن ابن عبّاس، فقيلَ بكسرٍ أوَّله كقراءة
حمزة، وقيل بضمِّه كقراءة الجمهور(١)، وقيل بتشديد الرّاء معَ ضَمّ أوَّله وكسره، من صَرَّه
يَصُرُّه: إذا جمعه(٢)، ونَقَلَ أبو البَقَاء تثليث الرّاء في هذه القراءة، وهي شاذّة، قال عِياض:
تفسير صُرْهُنَّ بقَطِّعُهُنَّ غريبٌ، والمعروف أنَّ معناها أمِلُهُنَّ، يقال: صارَه يَصِيرُه ويَصُورُه.
إذا أمالَه، قال ابن التِّين: صُرهُنَّ بضمِّ الصّاد معناها: ضُمَّهُنَّ، وبكسرها: قَطُّعُهُنَّ. قلت:
ونَقَلَ أبو عليٍّ الفارسيّ أنَّهما بمعنّى واحد، وعن الفَرّاء: الضَّمّ مُشتَرَك، والكسر: القطع
فقط، وعنه أيضاً: هي مقلوبة، من قوله: صَرّاه عن كذا، أي: قَطَّعَه، يقال: صُرْتُ الشَّيء
فانصارَ، أي: انقَطَعَ، وهذا يَدِفَع قول مَن قال: يَتَعيَّن حملُ تفسير ابن عبّاس بالقطع على
قراءة كسر الصّاد، وذكر صاحب ((المُغْرب)) أنَّ هذه اللَّفظة بالسُّريانيَّة، وقيل بالنَّبَطِيَّة،
لكن المنقول أوَّلاً يدلّ على أنَّها بالعربيَّة، والعلم عند الله تعالى.
ثم ذكر حديث أبي هريرة: «نحنُ أحقّ بالشكِّ من إبراهيم)) وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّ
في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٢).
٤٦ - باب قوله: ﴿أَيَوَدُ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَادٍ﴾
إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]
٤٥٣٨- حدَّثنا إبراهيمُ، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَيج، سمعتُ عبد الله بنَ أبي مُلَيكةً،
يُحدِّثُ عن ابنِ عبَّاسٍ.
قال: وسمعتُ أخاه أبا بكرٍ بنَ أبي مُلَيكةَ يُحدِّثُ، عن عُبيدٍ بنِ عُمَيٍ، قال: قال عمرُ ظُه
يوماً / لأصحاب النبيِّ وَِّ، فيمَ تُرَوْنَ هذه الآيةَ نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَّهُ جَنَّةٌ ﴾؟ ٢٠٢/٨
(١) انظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص ١٩٠.
(٢) ذكر ذلك عنه الزمخشري في ((الكشاف)) ١/ ٣١٠، والسمين الحلبي في ((الدر المصون)) ٥٧٦/٢.

٩٦
سورة البقرة / ح ٤٥٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
قالوا: الله أعلم، فغَضِبَ عمرُ فقال: قولوا: نَعْلَمُ أو لا نَعْلَمُ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: في نفسي منها
شيءٌ يا أمِيرَ المؤمنينَ، قال عمرُ: يا ابنَ أخي، قُلْ ولا تَحِقِرْ نفسَكَ، قال ابنُ عبَّاسٍ: ضُرِبَت مثلاً
لِعَمَلٍ، قال عمرُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قال ابنُ عبَّاسٍ: لِعَمَلٍ، قال عمرُ: لِرجلٍ غنيٌّ يَعمَلُ بطاعةِ الله عزَّ
وجلَّ، ثمَّ بَعَثَ الله له الشَّيطانَ فَعَمِلَ بالمعاصي، حتَّى أغرَقَ أعمالَه.
قوله: ((باب قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾ إلى قوله:
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾)» كذا لجميعِهم.
قوله: ((حدَّثنا إبراهيم)) هو ابن موسى، وهشام: هو ابن يوسف.
قوله: ((وسمعت أخاه)) هو مَقُول ابن جُرَيج، وأبو بكر بن أبي مُلَيكةَ لا يُعرَف اسمه،
وعُبيد بن عُمَير وُلِدَ في عَهْد النبيّ وََّ، وسماعه من عمر صحيح، وقد بيَّن الإسماعيليّ
والطَّبَرِيُّ (٣/ ٧٥-٧٦) من طريق ابن المبارَك عن ابن جُرَيج أنَّ سياق الحديث له، فإنَّه
ساقَه على لفظه، ثمَّ عَقَّبَه برواية ابن جُرَيج عن ابن أبي مُلَيكةً عن ابن عبّاس به.
قوله: ((فِيمَ)) بكسرِ الفاء وسكون التَّحتانيَّة، أي: في أي شيء؟ و((تُرَونَ)) بضمٍّ أوَّله.
قوله: ((حتَّى أغرَقَ أعماله)) بالغَينِ المعجَمة، أي: أعماله الصالحة.
وأخرج ابنُ المنذِر هذا الحديث من وجه آخر عن ابن أبي مُلَيكةَ، وعنده بعد قوله: أيُّ
عَمَل؟: ((قال ابن عبّاس: شيءٌ أُلقي في رُوعي، فقال: صَدَقْتَ يا ابن أخي))، ولابنِ جَرِیر
من وجه آخر عن ابن أبي مُلَيكةَ: عَنَى بها العَمَل، ابنُ آدم أفقَر ما يكون إلى جَنَّتَه إذا كَبِرَ
سِنّه وكَثُرَ عياله، وابن آدم أفقَر ما يكون إلى عَمَله يوم يُبعَث، صَدَقت يا ابن أخي. ولابنِ
جَرِير من وجه آخر عن ابن أبي مُلَيكةً عن عمر قال: هذا مَثَل ضُرِبَ للإنسان يعمل صالحاً
حتَّى إذا كان عند آخر عُمُره أحوج ما يكون إلى العَمَلِ الصالحِ عَمِلَ عَمَل السّوء، ومن
طريق عطاء عن ابن عبّاس: معناه: أيَوَدُّ أحدُكُم أن يعملَ عُمَرَه بعَمَلِ الخير، حتَّى إذا كان
حين فَنِيَ عمرُه خَتَمَ ذلك بعمل أهل الشَّقاء فأفسَدَ ذلك!
وفي الحديث قوّة فهم ابن عبّاس، وقُرْب مَنِزِلَته من عمر، وتقديمُه له من صِغَره،

٩٧
سورة البقرة / ح ٤٥٣٩
كتاب التفسير
وتحريض العالم تِلميذَه على القول بحَضرة مَن هو أسَنُّ منه إذا عَرَفَ فيه الأهليَّة؛ لما فيه
من تنشيطِه وبسط نفسه وترغيبه في العلم.
٤٧- بابٌ
﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]
يقال: ألحَفَ عليَّ، وألَخَّ، وأحفاني بالمسألةِ.
٤٥٣٩ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثني شَرِيكُ بنُ أبي نَمِرٍ، أنَّ
عطاءَ بنَ يَسارٍ وعبد الرَّحمنِ بنَ أبي عَمْرةَ الأنصاريَّ، قالا: سمعْنا أبا هريرةَ ﴾ يقول: قال
النبيُّ وََّ: ((ليس الِسْكِينُ الذي تَرُدُّه التَّمْرةُ والتَّْرَتان، ولا اللُّقْمةُ ولا اللُّقْمَتان، إنَّما المِسْكينُ
الذي يَتَعَفَّفُ، واقرَؤُوا إن شئْتُم)) يعني قولَه: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾.
قوله: ((باب ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، يقال: ألحَفَ عليَّ، وألَخَّ، وأحْفاني
بالمسألةِ)) زاد في نُسخة الصَّغَانيّ:/ (﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد:٣٧]: يجهِدْكُم)) هو تفسير أبي ٢٠٣/٨
عُبيدة قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ (٦) إِن يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ ﴾
[محمد: ٣٦-٣٧] يقال: أحفاني بالمسألة وألحَفَ عليَّ وألَحَّ عليَّ بمعنَى واحد، واشتِقاق ألْحَفَ
من اللِّحاف، لأنَّ يَشتَمِل على وجوه الطََّب في المسألة كاشتمال اللِّحاف في التَّغطية، وقال
أبو عُبيدة في قوله: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ قال: إلحاحاً. انتهى.
وانتَصَبَ ﴿إِلْحَافًا﴾ على أنَّه مصدر في موضع الحال، أي: لا يسألونَ في حال الإلحاف،
أو مفعول لأجله، أي: لا يسألونَ لأجلِ الإلحاف، وهل المراد نفيُ المسألة فلا يسألونَ أصلاً،
أو نفيُ السُّؤال بالإلحاف خاصّةً فلا يَنتَفي السُّؤال بغير إلحاف؟ فيه احتمال، والثّاني أكثر في
الاستعمال، ويحتمل أن يكون المراد: لو سألوا لم يسألوا إلحافاً، فلا يَستَلِزِم الوقوع.
ثمَّ ذكر المصنِّف حديث أبي هريرة: ((ليس المِسْكين الذي تَرُدّه التَّمرة)) الحديث، وقد
تقدَّم شرحه في كتاب الزكاة (١٤٧٦).
وقوله: ((اقرَؤوا إن شِئْتُم، يعني قوله: ﴿لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلحَافًا﴾)) ووَقَعَ عند

٩٨
سورة البقرة / ح ٤٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
الإسماعيليّ بيان قائل ((يعني))، فإنَّه أخرجه عن الحسن بن سفيان عن حُميدٍ بن زَنجَوَيه عن
سعيد بن أبي مريم بسندِه، وقال في آخره: قلت لسعيد بن أبي مريم: ما تقرأ؟ قال:
لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، فيُستَفاد منه أنَّ قائل ((يعني)) هو
سعيد بن أبي مريم شيخ البخاريّ فيه. وقد أخرج مسلم (١٠٢/١٠٣٩) والإسماعيليّ هذا
الحديث من طريق إسماعيل بن جعفر عن شَرِيك بن أبي نَمِر بلفظ: اقرَؤوا إن شِئْتُم ﴿لَا
يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ فدَلَّ على صِحّة ما فَشَّرَها به سعيد بن أبي مريم. وكذا
أخرجه الطَّبَرِيُّ(١) من طريق صالح بن سُوَيدٍ عن أبي هريرة، لكنَّه لم يَرفَعه. وروى أحمد
(١١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٢٨)، والنَّسائيُّ (٢٥٩٥)، وصَخَّحَه ابن خُزَيمةَ (٢٤٤٨)، وابن
حِبّان (٣٣٩٠) من طريق عبد الرَّحمن بن أبي سعيد عن أبيه مرفوعاً: ((مَن سألَ وله قيمة
أُوقِيَّةٍ فقد ألحَفَ)) وفي رواية ابن خُزَيمةَ: ((فهو مُلحِفٌ)) والأوقيَّة: أربعونَ دِرِهَماً،
ولأحمد (١٦٤١١) من حديث عطاء بن يَسار عن رجل من بني أسَد رَفَعَه: «مَن سألَ وله
أوقيَّةٌ أو عِدْلها فقد سألَ إلحافاً)، ولأحمد (٢) والنَّسائيِّ (ك٢٣٨٦) من حديث عَمْرو بن
◌ُعَيب عن أبيه عن جَدّه رَفَعَه: ((مَن سألَ وله أربعونَ دِرهَماً فهو مُلحِف)).
٤٨- بابٌ
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوْاْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]
المَسُّ: الجنون.
٤٥٤٠ - حدّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا مسلمٌ، عن
مَسْروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: لمَّا نزلتِ الآياتُ من آخِرِ سورة البقرةِ في الرِّبا،
فقَرأها رسولُ الله ◌ِّل على الناسِ، ثمَّ حَرَّمَ التِّجارةَ في الخمرِ.
(١) في ((تفسيره)) ٣٢/٥ (طبعة دار هجر - وقد سقط من سائر طبعاته)، وصالح بن سويد هذا في عداد
المجاهيل، ولم نقف له على رواية عن أبي هريرة في الكتب المعتبرة.
(٢) الحديث ليس في ((المسند)) من حديث عبد الله بن عمرو، وقد صححه ابن خزيمة (٢٤٤٨).

٩٩
سورة البقرة / ح ٤٥٤١
كتاب التفسير
قوله: ((باب ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَواْ﴾)) إلى آخر الآية.
قوله: ((المَسّ: الجنون)) هو تفسير الفَرّاء، قال في قوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: أي: لا يقوم في الآخِرة، قال: والمسّ: الجنون، والعرب تقول:
ممسوس، أي: مَجَنُون. انتهى، وقال أبو عبيدة: المسّ: اللَّمَم من الجِنّ. وروى ابن أبي حاتم
(٢/ ٥٤٤) عن ابن عبّاس قال: آكِلُ الرِّبا يُبعَث يوم القيامة مجنوناً، ومن طريق ابن عبد الله بن
مسعود عن أبيه: أنَّ كان يقرأ: إلّا كما يقوم الذي يَتَخَبَّطه الشَّيطان من المسّ يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِبَواْ﴾ يحتمل أن يكون من تمام اعتراض الكفّار
حيثُ قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواْ﴾ أي: فَلِمَ أُحلَّ هذا وحُرِّمَ هذا؟ ويحتمل أن يكون رَدّاً
عليهم ويكون اعتراضهم بحُكمِ العَقْل، والردّ عليهم بحُكمِ الشَّرع الذي لا مُعَقِّب
لِحُكمِه، وعلى الثّاني أكثر المفسِّرِينَ، واستَبعَدَ بعضُ الْحُذّاق الأوَّل، وليس ببعيدٍ إلّا من
جهة أنَّ جوابهم بقوله: ((﴿فَمَنْ جَّةُ مَوْعِظَةٌ﴾ إلى / آخره، يحتاج إلى تقدير، والأصل عَدمُه. ٢٠٤/٨
قوله: ((فقرأها)) أي: الآيات، وفي رواية شُعْبة التي بعد هذه: ((في المسجد)) وقد مضى ما
يَتَعلَّق به في المساجِد من كتاب الصلاة (٤٥٩)، واقتَضَى صنيع المصنِّف في هذه التَّراجِم أنَّ
المراد بالآيات: آيات الرِّبا كلّها إلى آية الدَّین.
قوله: ((ثمَّ حَرَّمَ التِّجارة في الخمر)) تقدَّم توجيهه في البيوع (٢٢٢٦)، وأنَّ تحريم التِّجارة
في الخمر(١) وَقَعَ بعد تحريم الخمر بمُدّةٍ، فَيَحصُل به جواب مَن استَشكَلَ الحديث بأنَّ آيَات
الرِّبا من آخر ما نزلَ من القرآن، وتحريم الخمر تقدَّم قبل ذلك بمُدّةٍ.
٤٩- بابٌ
يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٦]: يُذْهِبِه
٤٥٤١ - حدَّثنا بِشرُ بنُ خالدٍ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، سمعتُ أبا
الضُّحَى يُحدِّثُ، عن مَسْروقٍ، عن عائشةَ، أنَّهَا قالت: لمَّا أَنْزِلَتِ الآياتُ الأواخرُ من سورةِ
(١) تحرف في (س) إلى: الربا.

١٠٠
سورة البقرة / ح ٤٥٤٢ - ٤٥٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
البقرةِ خرج رسولُ الله ◌َّةِ، فَتَلاهُنَّ في المسجدِ، فحَرَّمَ التِّجارةَ في الخمرِ.
قوله: ((باب ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَوْ﴾: يُذْهِبه)) هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى:
يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَوْأَ﴾: أي: يُذْهِبِه. وأخرج أحمد (٣٧٥٤)، وابن ماجه (٢٢٧٩)، وصَحَّحَه
الحاكم (٢/ ٣٧) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((إنَّ الرِّبا وإن كَثُرَ، فإنَّ عاقبَتَه إلى قِلَّة)».
ثم ذكر المصنف حديث عائشة المذكور قبله من وجهٍ آخر عن الأعمش، ومُراده الإشارة
إلى أنَّ هذه الآية من جُملة الآيات التي ذكرتها عائشة.
٥٠- بابٌ
﴿ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ [البقرة: ٢٧٩]: فاعلموا
٤٥٤٢- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى،
عن مَسْروقٍ، عن عائشةَ قالت: لمَّا أُنْزِلَتِ الآياتُ من آخِرِ سورةِ البقرةِ قرأهُنَّ النبيُّ ◌ََّ فِي
المسجدِ، وحَرَّمَ الِّجارةَ في الخمرِ.
قوله: ((باب ﴿فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾: فاعلَموا)) هو تفسير ﴿فَأْذَنُواْ﴾ على
القراءة المشهورة بإسكان الهمزة وفتح الذّال(١)، قال أبو عُبيدة: معنى قوله: ﴿فَأَذَنُواْ﴾:
أيقنوا، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: ((فآذِنوا)» بالمدِّ وكسر الذّال، أي: آذِنوا غيرَكُم
وأعلِموهم، والأوَّل أوضح في مُراد السّياق.
ثم ذكر المصنف حديث عائشة عن شيخ له آخر.
٥١- بابٌ
﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]
٤٥٤٣- وقال محمَّدُ بنُ يوسفَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ والأعمَشِ، عن أبي الضُّحَى،
عن مَسْروقٍ، عن عائشةَ قالت: لمَّا أُنزِلَتِ الآياتُ من آخِرِ سورةِ البقرةِ، قامَ رسولُ اللهِوَل
-
(١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية حفص. انظر: ((السبعة))
لابن مجاهد ص١٩١ و١٩٢.