Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة البقرة / ح ٤٥١٦ كتاب التفسير مَن يَخِرُج عن طاعة الإمام جهاداً، وسوَّى بينه وبين جهاد الكفَّار بحَسَب اعتقاده، وإن كان الصَّواب عند غيره خِلَافه، وأنَّ الذي وَرَدَ في التَّرغيب في الجهاد خاصٌّ بقتال الكفّار، بِخِلَاف قتال البُغاة، فإنَّه وإن كان مشروعاً لكنَّه لا يَصِل الثَّواب فيه إلى ثواب مَن قاتَلَ الكفَّار، ولا سيّما إن كان الحامل إيثار الدُّنيا. قوله: ((إمّا قَتَلوه وإمّا يُعذِّبونَه)) كذا فيه، الأوَّل بصيغة الماضي لكَوْنِه إذا قُتِلَ ذهبَ، والثّاني بصيغة المضارع لأنَّ يَبقَى أو يَتَجَدَّد له التَّعذيب. قوله: (فكَرِهْتُم أن يَعْفو)) بالتَّحتانيَّة أوَّله وبالإفرادِ: إخبار عن الله، وهو الأوجَه، وبالمثنّة من فوق والجمع خطاباً للجماعة (١) وهو الأكثر. قوله: ((وخَتَنْه)) بفتح المعجَمة والمثّة من فوق ثمَّ نون، قال الأصمَعيّ: الأختان من قِبَل المرأة، والأحماء من قِبَل الَّوج، والصِّهر يَجمعُهُمَا(٢). وقيل: اشتُقَّ الخَتَن مَّا اشتُقَّ منه الخِتان وهو التِقاء الخِتانَينِ. ١٨٥/٨ ٣٠- باب قولهِ: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلّ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَُّكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] التَّهْلُكةُ والهلاكُ واحدٌ. ٤٥١٦ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا النَّضْرُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، قال: سمعتُ أبا وائلٍ، عن خُذَيفةَ ﴿وَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَّ تُلْقُوا بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ قال: نزلت في النَّفَقةِ. قوله: ((باب قوله: ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلّقُوا بِأَيْدِيَكُمْإِلَى النَُّكَةِ﴾)) ساقَ إلى آخر الآية. قوله: ((التَّهْلُكة والهلاك واحد)) هو تفسير أبي عُبيدة، وزادَ: ((والهَلْك(٣) والهُلْك)) يعني: (١) قوله: ((خطاباً للجماعة)) من (ع)، والسياق يقتضيه، وسقط من (أ) و(س). (٢) كذا في (ع)، وفي (أ) و(س): جمعهما، بالماضي. (٣) تحرفت في (س) إلى: والهلاك. ٦٢ سورة البقرة / ح ٤٥١٦ فتح الباري بشرح البخاري بفتح الهاء وبضمِّها واللّام ساكنة فيهما، وكلّ هذه مصادرُ هَلَكَ بلفظ الفعل الماضي، وقيل: التَّهلُكة: ما أمكنَ التَّحَرُّز منه، والهلاك بخِلَافه، وقيل: التَّهلُكة نفس الشَّيء المُهلِك، وقيل: ما تَضُرُّ عاقبتُه، والمشهور الأوَّل. ثم ذكر المصنف حديث حُذَيفة في هذه الآية، قال: ((نزلت في النَّفَقة))، أي: في تَرك النَّفَقة في سبيل الله عزَّ وجلَّ، وهذا الذي قاله حُذَيفة جاء مُفَسَّراً في حديث أبي أيوب الذي أخرجه(١) النَّسائيُّ (ك١٠٩٦٢)، وأبو داود (٢٥١٢)، والتِّرمِذيّ (٢٩٧٢)، وابن حِبّان (٤٧١١)، والحاكم (٢/ ٢٧٥) من طريق أسلَمَ بن عِمران قال: كنَّا بالقُسطَنطِينَيَّةِ، فخرج صَفِّ عظيم من الرّوم، فحَمَلَ رجل من المسلمينَ على صَفِّ الرّوم حتَّى دَخَلَ فيهم، ثمَّ رَجَعَ مُقبلاً، فصاحَ الناس: سبحان الله، ألقَى بَيَدِه إلى التَّهلُكة! فقال أبو أيوب: أيّها الناس، إِنَّكُم تُؤَوِّلونَ هذه الآية على هذا التّأويل، وإنَّما نزلت هذه الآية فينا مَعشَر الأنصار؛ إنّ لمَّا أعَزّ الله دينَه وكَثُرَ ناصروه، قلنا بيننا سِرّاً: إنَّ أموالنا قد ضاعَت، فلو أنّا أَقَمنا فيها وأصلَحنا ما ضاعَ منها، فأنزَلَ الله هذه الآية، فكانت التَّهلُكُ الإقامةَ التي أرَدناها. وصَحَّ عن ابن عبّاس وجماعة من التابعينَ نحو ذلك في تأويل الآية. وروى ابن أبي حاتم (٣٣١/١) من طريق زيد بن أسلَمَ أنَّها كانت نزلت في ناس كانوا يَغْزُونَ بغير نَفَقة، فَيَلْزَم على قوله اختلاف المأمورينَ، فالذينَ قيل لهم: أنفقوا وأحسِنوا، أصحاب الأموال، والذينَ قيل لهم: ﴿وَلَا تُلْقُوا﴾ الغُزاة بغير نَفَقة، ولا يَخْفَى ما فيه. ومن طريق الضَّحّاك بن أبي جَبِيرةٍ(٢): كان الأنصار يَتَصَدَّقونَ، فأصابتهم سَنةٌ فأمسكوا، فنزلت. وروى ابن جَرِير (٣) وابن المنذر (١٩٩٨) بإسنادٍ صحيح عن مُدرِك بن عَوْف قال: (١) زادهنا في (أ) و(س): مسلم، والصواب حذفها كما في (ع)، فمسلم لم يخرج هذا الحديث في ((صحيحه). (٢) تحرف في (ع) إلى: ((الضحاك عن ابن جُبَير)) وهو خطأ، والمثبت من (أ) و(س)، وجَبِيرة بفتح الجيم وكسر الباء، ويقال له: أبو جَبِيرة بن الضحاك، له صحبة. انظر: ((الإصابة)) لابن حجر ٣٨٣/٣، و((توضيح المشتبه)) لابن ناصر الدين ٢/ ١٨٧. (٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((تفسيره))، ولعله في (تهذيب الآثار)) الذي لم يطبع كاملاً، وبالجملة فهذا الأثر أخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٣٠٣/٥ و٦/١٣، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٤٥/٩. ٦٣ سورة البقرة / ح ٤٥١٧ كتاب التفسير إنّي لَعندَ عمر، فقلت: إنَّ لي جاراً رَمَى بنفسِه في الحرب فقُتِلَ، فقال ناس: ألقَى بَيَدِه(١) إلى التَّهلُكة، فقال عمر: كَذَبوا، لكنَّه اشتَرَى الآخِرة بالدُّنيا. وجاء عن البراء بن عازِب في الآية تأویل آخر أخرجه ابن جَرِیر (٢٠٢/٢ و ٢٠٣) وابن المنذر وغيرهما عنه بإسنادٍ صحیح عن أبي إسحاق قال: قلت للبراءِ: أرأيت قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَلَّا تُلْقُوا بِأَيَدِيكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ هو الرجل يَحمِل على الكتيبة فيها ألف؟ قال: لا، ولكنَّه الرجل يُذْنِب فيُلقي بَيَدِه فيقول: لا تَوبة لي. وعن النُّعمان بن بشير نحوه، والأوَّل أظهَر لتصدير الآية بذِكْر النَّفَقة، فهو المعتمد في نزولها، وأمَّا قصرها عليه ففيه نظر، لأنَّ العِبرة بعموم اللَّفظ، على أنَّ أحمد (١٨٤٧٧) أخرج الحديث المذكور من طريق أبي بكر - وهو ابن عيّاش - عن أبي إسحاق بلفظٍ آخر قال: قلت للبراءِ: الرجل يَحمِل على المشرِكِينَ، أهو ممَّن ألقَى بَيَدِه إلى التَّهلُكة؟ قال: لا، لأنَّ الله تعالى قد بَعَثَ محمَّداً فقال: ﴿فَقَئِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، فإنَّما ذلك في النَّفَقة. فإن كان محفوظاً فلعلَّ للبراءِ فيه جوابينٍ، والأوَّل من رواية الثَّوريّ وإسرائيل وأبي الأحوَص ونحوهم، وكلٌّ منهم أتقنُ من أبي بكر، فکیفَ معَ اجتماعهم وانفراده، انتهى(٢). وأمَّا مسألة حَمْل الواحد على العَدَد الكثير من العدوّ، فصَرَّحَ الجمهور بأنَّه إن كان لفَرطِ شَجاعَته وظنّه أنَّه يُرهِب العدوّ بذلك أو يُجُرِّئ المسلمينَ عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصَّحيحة/ فهو حسن، ومَتَى كان مُجرَّد تَهُوُّرٍ فممنوع، ولا سيّما إن تَرَتَّبَ على ١٨٦/٨ ذلك وَهَن في المسلمينَ، والله أعلم. ٣١- باب قوله: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِ يضًا أَوْ بِهِ، أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ٤٥١٧ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الأصبَهانيِّ، قال: سمعتُ عبد الله ابنَ مَعْقِلٍ قال: فَعَدْتُ إلى كعبٍ بنِ عُجْرةَ في هذا المسجدِ - يعني: مسجد الكوفة - فسألته عن (١) في (أ) و(ع): بنفسه، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في مصادر التخريج. (٢) من قوله: ((على أن أحمد)) إلى هنا لم يرد في الأصلين، وأثبتناه من (س) وحدها. ٦٤ سورة البقرة / ح ٤٥١٨-٤٥١٩ فتح الباري بشرح البخاري ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ فقال: مُمِلْتُ إلى النبيِّ ◌َّهِ، والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ على وجهي، فقال: ((ما كنتُ أُرَى أنَّ الجَهْدَ قد بَلَغَ بكَ هذا، أما تَجِدُ شاءً؟)) قلتُ: لا، قال: ((صُم ثلاثةَ أيامٍ، أو أطْعِم ◌ِنَّةً مَساكِينَ، لكلِّ مِسْكينٍ نِصْفُ صاعٍ من طعامٍ، واحلِقٍ رأسَك)) فنزلت فيَّ خاصّةً، وهيَ لُم عامة. قوله: ((باب قوله: ﴿فَن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ بِهِ، اَذَّ مِّن رَأْسِهِ، ﴾)) ذکر فیه حدیث کعب ابن عُجْرة في سبب نزول هذه الآية، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الحجّ (١٨١٤- ١٨١٨). ٣٢- بابٌ ﴿فَنَ تَمَنَعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٦] ٤٥١٨ - حدّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عِمْرانَ أبي بكرٍ، حدَّثنا أبو رَجاءٍ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ رضي الله عنهما قال: أُنْزِلَت آيةُ المتْعةِ في كتاب الله، ففَعَلْناها معَ رسولِ الله ◌َّ، ولم يُنْزَل قرآنٌ يُحرِّمُه، ولم يَنْهَ عنها حتَّى ماتَ، قال رجلٌ برأيه ما شاء. قوله: ((باب ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ﴾) ذكر فيه حديث عِمران بن حُصَينٍ: ((أُنْزِلَت آية المتعة في كتاب الله)) يعني: مُتعة الحجّ، وقد تقدَّم شرحه (١٥٧١) وأنَّ المراد بالرجلِ في قوله هنا: «قال رجل برأيه ما شاءً» هو عمر. ٣٣- بابٌ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] ٤٥١٩ - حدَّثني محمَّدٌ، قال: أخبرني ابنُ عُبِينَةَ، عن عَمٍو، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كانت عُكَاظُ، وَجَنَّةُ، وذو المَجازِ أسواقاً في الجاهليَّةِ، فتَأَثَّموا أن يَتَّجِروا في المواسمِ، فنزلت: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾: في مَواسمِ الحجِّ. قوله: ((باب ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الحجّ (١٧٧٠). ٦٥ سورة البقرة / ح ٤٥٢٠-٤٥٢١ كتاب التفسير ٣٤- بابٌ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] ٤٥٢٠ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا محمَّدُ بنُ خازِمٍ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: كانت قُرَيشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفونَ بالمزْدَلِفِةِ، وكانوا يُسَمَّوْنَ الخُمْسَ، وكان سائرُ العربِ يَقِفُونَ بعَرَفَاتٍ، / فلمَّا جاء الإسلامُ أَمَرَ الله نبيَّهِ وَلِ أَن يأتيَ عَرَفَاتٍ، ثمَّ يَقِفَ بها، ١٨٧/٨ ثمَّ يُفِيضَ منها، فذلك قولُه تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. ٤٥٢١- حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، أخبرني كُرَيبٌ، عن ابنِ عبَّاسِ قال: يَطَّوَّفُ الرجلُ بالبيتِ ما كان حلالاً حتَّى يُِّلَّ بالحجِّ، فإذا رَكِبَ إِلى عَرَفَةَ فَمَن تيسَّر له هَدِيَّةٌ منَ الإبلِ، أو البقرِ، أو الغنمِ ما تيسّر له من ذلك أيَّ ذلك شاءَ، غيرَ إن لم يَتَسَّر له فعليه ثلاثةُ أيامٍ في الحِّ، وذلك قبلَ يومٍ عَرَفَةَ، فإن كان آخِرُ يومٍ منَ الأيامِ الثَّلاثةِ يومَ عَرَفَةَ، فلا جُناحَ عليه، ثمَّ لِيَنْطَلِقِ حتَّى يَقِفَ بعَرَفاتٍ من صلاةِ العَصْرِ إلى أن يكونَ الظَّلامُ، ثمَّ ليَدْفَعوا من عَرَفاتٍ إذا أفاضوا منها، حتَّى يَبْلُغوا جَمْعاً الذي يُتَبَرَّرُ فيه، ثمَّ ليَذكُرُوا اللهَ كثيراً، أو أكثروا التَّكْبِيرَ والتَّهْلِيلَ قبلَ أن تُصْبِحوا، ثمَّ أفيضوا فإنَّ الناسَ كانوا يُفِيضونَ، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْالَه إِنَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: حتَّى تَرْموا الجمْرةَ. قوله: ((باب ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾)) ذكر فيه حديث عائشة: كانت قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفونَ بالمزدَلِفِة .. الحديث، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ أيضاً (١٦٦٥). ثمَّ ذکر فیه حدیث ابن عبّاس: قوله: ((يَطَّوف الرجل بالبيتِ ما كان حلالاً)) أي: المقيم بمكَّة، أو الذي دَخَلَ بعمرةٍ وتَحَلَّلَ منها. قوله: ((فعليه ثلاثة أيام في الحجّ، وذلك قبل يوم عَرَفة)) هو تقييد من ابن عبّاس لِمَا أُطلِقَ في الآية. ٦٦ سورة البقرة / ح ٤٥٢٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ لِيَنْطَلِقِ)) وَقَعَ بحذفِ اللّم في رواية المُستَمْلي. وقوله: ((من صلاة العصر إلى أن يكون الظَّلام)) أي: يَحَصُل الظَّلام بغروب الشمس، وقوله: ((من صلاة العصر)) يحتمل أن يريد من أوَّل وقتها، وذلك عند مَصير الظِّلّ مثله، وكان ذلك الوقت بعد ذهاب القائلة وتمام الرّاحة ليَقِف بنَشاطٍ، ويحتمل أن يريد مِن بعد صَلاتها، وهي تُصَلَّى عَقِب صلاة الظُّهر جمع تقديم، ويقع الوقوف عَقِب ذلك، ففيه إشارة إلى أوَّل مشروعيَّة الوقوف، وأمَّا قوله: ويُخْتَلِطِ الظَّلام، ففيه إشارة إلى الأخذ بالأفضلِ، وإلّا فوقت الوقوف يَمتَدّ إلى الفجر. قوله: ((حتَّى يَبْلُغوا بَمْعاً)) بفتح الجيم وسكون الميم، وهو المزدَلِفة. وقوله: (يُتَبَرَّر فيه)) براءَينِ مُهمَلتَينِ، أي: يُطلَب فيه البِرّ. وقوله: («ثمَّ ليَذْكُرُوا الله كثيراً، أو أكثروا التَّكبير والتَّهليل)) هو شَكّ من الراوي. قوله: ((ثمَّ أفيضوا فإنَّ الناسَ کانوا یُفیضونَ» قد تقدَّم بيانه وتفصيله في حديث عائشة الذي قبله. وقوله: ((حتَّى تَرِمُوا الجَمْرة)) هو غاية لقوله: ((ثمَّ أفيضوا))، ويحتمل أن يكون غاية لقوله: ((أكثروا التكبير والتَّھلیل)). ٣٥- بابٌ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآيةَ [البقرة: ٢٠١] ٤٥٢٢- حدّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيزِ، عن أنس قال: كان النبيُّ وَّلـ ١٨٨/٨ يقول: / ((اللهمَّ ﴿ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾)). [طرفه في: ٦٣٨٩] قوله: ((بابٌ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَاَ ءَانِنَا فِ الدُّنْيَاحَسَنَةُ ﴾ الآيةَ)) ذکر فیه حديث أنس في قوله ذلك، وسيأتي بأتمّ من هذا في كتاب الدَّعَوات (٦٣٨٩). وعبد العزيز الراوي عنه: هو ابن ◌ُھیپٍ. ٦٧ سورة البقرة / ح ٤٥٢٣ كتاب التفسير ٣٦- بابٌ ﴿وَهُوَ أَلَذُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] وقال عطاء: النَّسْل: الحَيَوان. ٤٥٢٣- حدَّثنا قَبيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي أَبِي مُلَيكة، عن عائشةَ ترفعُه قال: ((أبغضُ الرِّجال إلى الله الألَدُّ الخَصِم)). وقال عبد الله: حذَّثنا سفيانُ، حدثني ابن جُريج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وٍَّ. قوله: ((باب ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾)) ألَدُّ أَفعَلُ تفضيل من اللَّدَد: وهو شِدّة الخصومة، والخِصام جمع خَصْم وزن كَلب وكِلاب، والمعنى: وهو أشدّ المخاصمينَ مُخَاصَمة، ويحتمل أن يكون مصدراً، تقول: خاصَمَ خِصاماً كَقاتَلَ قِتالاً، والتَّقدير: وخِصامُه(١) أشدُّ الخِصام، أو هو أشدُّ ذوي الخصام مُخَاصَمةً، وقيل: أفعَل هنا ليست للتفضيل، بل بمعنى الفاعل، أي: وهو لَدِيد الخِصام، أي: شديد المخاصمة، فيكون من إضافة الصِّفة المشَبَّهة. قوله: ((وقال عطاء: النَّسْل: الحيوان)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٣١٨/٢) من طريق ابن جُرَيج(٢): قلت لعطاءٍ في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قال: الحَرث: الَّرع، والنَّسل: من الناس والأنعام. وزَعَمَ مُغَلْطاي أنَّ ابن أبي حاتم أخرجه من طريق العَوْفيِّ عن عطاء، ووَهِمَ في ذلك، وإنَّما هو عند ابن أبي حاتم (٣٦٧/٢) وغيره، رواه عن العَوْفيِّ عن ابن عبَّاس. قوله: ((عن عائشة تَرْفَعُه)) أي: إلى النبيّ وَـ قوله: (الألَُّّ: الخَصِم)) بفتح الخاء المعجَمة وكسر الصّاد، أي: الشَّديد اللَّدَد الكثير الخصومة، وسيأتي شرح الحديث في كتاب الأحكام (٧١٨٨). (١) تحرفت في (س) إلى: وخاصَمَه. (٢) تحرفت في (س) إلى: ابن جرير. ٦٨ سورة البقرة / ح ٤٥٢٤ -٤٥٢٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال عبد الله)) هو ابن الوليد العَدَنيّ، وسفيان: هو الثَّوريّ. وأورَدَه لتصريحِه برفع الحديث عن النبيّ وَّي، وهو موصول بالإسناد في ((جامع سفيان الثَّوريّ)) من رواية عبد الله بن الوليد هذا، ويحتمل أن يكون عبد الله: هو الجُعْفيُّ شيخ البخاريّ، وسفيان: هو ابن عُبَينَةَ، فقد أخرج الحديث المذكور التِّرمِذيّ وغيره(١) من رواية ابن عيينة(٢)، لكن بالأوَّل جَزَمَ خَلَف والمِّيّ، وقد تقدَّم هذا الحديث في كتاب المظالم (٢٤٥٧). ٣٧ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤] ٤٥٢٤- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَيِج، قال: سمعتُ ابنَ أبي مُلَيكَةَ، يقول: قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿ حَتََّ إِذَا أُسْتَيْتَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفةً، ذهب بها هناكَ وتَلا: ﴿حَتَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيرِ، فَذَكَرْتُ له ذلك. ٤٥٢٥- فقال: قالت عائشةُ: مَعاذَ الله، والله ما وعَدَ الله رسولَه من شيءٍ قَطُّ إلا عَلَمَ أنَّه ١٨٩/٨ كائنٌ/ قبلَ أن يموتَ، ولكن لم يزلِ البلاءُ بالرُّسُلِ، حتَّى خافوا أن يكونَ مَن معهم يُكذِّبونَهم، فكانت تَقْرَؤُها: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مُثقَّلةً(٣). قوله: ((﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآية)) ذكر فيه حديث ابن أبي مُلَيكةً عن ابن عبّاس، وحديثه عن عُرْوة عن عائشة في قوله: ((﴿حََّ إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾، وسيأتي شرحه في تفسير سورة يوسف (٤٦٩٥) إن شاء الله تعالى. (١) أخرجه الترمذي (٢٩٧٦)، والنسائي في ((المجتبى)) (٥٤٢٣). (٢) تحرفت في (س) إلى: علية. (٣) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وقرأ عاصم وحمزة: (كُذِبوا)) خفيفة، وكلهم ضمَّ الكاف. انظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٣٥١-٣٥٢. ٦٩ سورة البقرة / ح ٤٥٢٦-٤٥٢٧ كتاب التفسير ٣٨ - ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْتُ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْقَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ٤٥٢٦ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا النَّصْرُ بنُ شُمَيلٍ، أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، عن نافعٍ قال: كان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما إذا قرأ القرآنَ، لم يتكلَّم حتَّى يَفْرُغَ منه، فأخَذْتُ عليه يوماً فقرأ سورةَ البقرةِ، حتَّى انتهى إلى مكانٍ قال: تَدْري فيما أُنزِلَت؟ قلتُ: لا، قال: أُنزِلَت في كذا وكذا، ثمَّ مضى. [طرفه في: ٤٥٢٧] ٤٥٢٧- وعن عبدِ الصَّمَد، حدَّثني أَبي، حدَّثني أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ﴿فَأَتُواْ حَرْئَكُمْ أَ شِئْتُم﴾ قال: يأتيها في .. رواه محمَّدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ، عن أبيه، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ. قوله: (﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾)) اختُلِفَ في معنى ﴿أَنَّ﴾ فقيلَ: كيفَ، وقيل: حيث، وقيل: مَتَى، وبحَسَب هذا الاختلاف جاء الاختلاف في تأويل الآية. قوله: «حدثني إسحاق» هو ابن راهويه. قوله: ((فأخَذْت عليه يوماً)) أي: أمسَكت المصحَف وهو يقرأ عن ظَهر قَلْبِه، وجاء ذلك صريحاً في رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسِك عليَّ المصحَف يا نافع، فقرأ. أخرجه الدّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك)). قوله: ((حتَّى انتهى إلى مكان قال: تَذْري فيما أُنزِلَت؟ قلت: لا. قال: أُنزِلَت في كذا وكذا، ثمَّ مضى)» هكذا أورَدَه مُبهماً لمكان الآية والتَّفسير، وسأذكرُ ما فيه بعدُ. قوله: ((وعن عبد الصَّمَد)) هو معطوف على قوله: ((أخبرنا النَّضر بن شُمَيلٍ))، فهو(١) عند المصنّف أيضاً عن إسحاق بن راهويه عن عبد الصَّمَد - وهو ابن عبد الوارث بن سعيد -، وقد أخرج أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) هذا الحديث من طريق إسحاق بن راهويه عن النَّضر ابن شُمَيلٍ بسندِهِ، وعن عبد الصَّمَد بسندِه. (١) وقع في الأصول: وهو، بالواو، والفاء هنا أوجه، ليستقيم الكلام. ٧٠ سورة البقرة / ح ٤٥٢٦-٤٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((يأتيها في)) هكذا وَقَعَ في جميع النُّسَخِ؛ لم يَذْكُر ما بعد الظَّرف وهو المجرور، ووَقَعَ في ((الجمع بين الصحيحينِ)) للحُميديِّ: يأتيها في الفَرْج، وهو من عنده بحَسَب ما فَهِمَه. ثمَّ وقَفت على سَلَفِه فيه وهو البَرْقانيُّ فرأيت في نُسخة الصَّغَانِيِّ: ((زاد البَرْقانيُّ: يعني الفَرْج)) وليس مُطابقاً لمَا في نفس الرِّواية عن ابن عمر لمَا سأذكرُه، وقد قال أبو بكر بن العربيّ في ((سِراج المُريدينَ)): أورَدَ البخاريّ هذا الحديث في التَّفسير فقال: ((يأتيها في)) وتَرَكَ بياضاً، والمسألة مشهورة صَنَّفَ فيها محمّد بن سَحنونٍ جُزءاً، وصَنَّفَ فيها محمد بن شعبان كتاباً، ١٩٠/٨ وبيَّن أنَّ حديث ابن عمر في/ إتيان المرأة في دُبُرها. قوله: ((رواه محمَّد بن يحيى بن سعيد)) أي: القَطّانُ ((عن أبيه، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر» هكذا أعادَ الضَّمير على الذي قبله، والذي قبله قد اختَصَرَه كما تَرَى. فأمَّا الرِّواية الأولى وهي رواية ابن عَوْن فقد أخرجها إسحاق بن راهويه في «مُسنَده)) وفي (تفسيره)) بالإسناد المذكور، وقال بَدَل قوله: ((حتَّى انتهى إلى مكان)): ((حتَّى انتهى إلى قوله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرَّتَكُمْ أَنَ شِئْتُمْ﴾، فقال: أتدرونَ فيما أُنزِلَت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ»، وهكذا أورَدَه ابن جَرِير (٣٩٤/٢) من طريق إسماعيل ابن عُليَّة عن ابن عَوْن مثله، ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم الكَرَابيسيِّ عن ابن عَوْن نحوه، وأخرجه أبو عُبيد(١) في ((فضائل القرآن)) (ص ١٩٠-١٩١) عن معاذ عن ابن عَوْن فأبهَمَه، فقال: في كذا وكذا. وأمَّا رواية عبد الصَّمَد فأخرجها ابن جَرِير (٢/ ٣٩٥) في ((التَّفسير)) عن أبي قِلابةَ الرَّقاشِيِّ عن عبد الصَّمَد بن عبد الوارث حدَّثني أبي، فذكره بلفظ: يأتيها في الدُّبُر، وهو يُؤيِّد قول ابن العربيّ ويَرُدّ قول الحميديِّ. وهذا الذي استعملَه البخاريّ نوعٌ من أنواع البديع يُسمَّى الاكتِفاء، ولا بُدّ له من نُكْتة يَحسُن بسببها استعمالُه. (١) تحرف في (س) إلى: عبيدة. ٧١ سورة البقرة / ح ٤٥٢٦-٤٥٢٧ كتاب التفسير وأمَّا رواية محمَّد بن يحيى بن سعيد القَطّان فوَصَلَها الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٨٢٧) من طريق أبي بكر الأعيَن عن محمَّد بن يحيى المذكور بالسَّنَدِ المذكور إلى ابن عمر قال: ((إنّما نزلت على رسول الله وَّ﴿ ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ رُخصةً في إتيان الدُّبُر))، قال الطبرانيُّ: لم يَروِه عن عبد الله بن عمر إلّا يحيى بن سعيد، تفرَّد به ابنه محمَّد. كذا قال، ولم يَتفرَّد به يحيى ابن سعيد، فقد رواه عبد العزيز الدَّراورديُّ عن عبيد الله بن عمر أيضاً كما سأذكرُه بعد، وقد رَوی هذا الحديث عن نافع أيضاً جماعةٌ غیر من ذكرنا، ورواياتهم بذلك ثابتة عند ابن مَرْدويه في ((تفسيره))، وفي ((فوائد الأصبهانيِّين)) لأبي الشَّيخ، و((تاريخ نَيسابور)) للحاكمِ و((غرائب مالك)) للدّارَقُطنيٍّ، وغيرها. وقد عابَ الإسماعيليّ صنيعَ البخاريّ فقال: جميع ما أخرجَ عن ابن عمر مُبهَم لا فائدة فيه، وقد رَوَيناه عن عبد العزيز - يعني: الدَّراوَرديَّ - عن مالك وعُبيد الله بن عمر وابن أبي ذِئْب، ثلاثَهم عن نافع بالتَّفْسيِرِ، وعن مالك من عِدّة أوجُه، انتهى كلامه. ورواية الدَّراوَرديِّ المذكورة قد أخرجها الدّارَقُطْنيُّ في ((غرائب مالك» من طريقه عن الثلاثة عن نافع نحو رواية ابن عَوْن عنه، ولفظه: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دُبُرها، فأعظَمَ الناس في ذلك، فنزلت. قال: فقلت له: من دُبُرها في قُبُلها، فقال: لا إلّا في دُبُرها. وتابَعَ نافعاً على ذلك زيد بن أسلمَ عن ابن عمر، وروايته عند النَّسائيِّ (ك٨٩٣٢) بإسنادٍ صحيح، وتَكلَّمَ الأزديُّ في بعض رواته، ورَدَّ عليه ابن عبد البَرّ فأصاب قال: ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحة مشهورة من رواية نافع عنه فغيرُ(١) نَكِير أن يَرويها عنه زيد بن أسلَمَ. قلت: وقد رواه عن عبد الله بن عمر أيضاً ابنه عُبيد الله(٣)، أخرجه النَّسائيُّ أيضاً (ك٨٩٣١)، وسعيد بن يَسار وسالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مثل ما قال نافع، وروايتهما عنه عند النَّسائيِّ (ك ٨٩٣٠) وابن جَرِير (٣٩٣/٢) ولفظه: عن عبد الرَّحمن بن القاسم قلت لمالك: إنَّ ناساً يَرْوونَ عن سالم: كَذَبَ العبدُ على (١) تحرفت في (س) إلى: بغیر. (٢) في الأصلين و(س): عبد الله، وهو خطأ، والصواب: عُبيد الله، مصغراً كما في ((سنن النسائي)) و((تحفة الأشراف)» (٧٣١٤). ٧٢ سورة البقرة / ح ٤٥٢٦-٤٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري أَبِي، فقال مالك: أشهد على يزيد (١) بن رُومان أنَّه أخبرني عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه مِثل ما قال نافع، فقلت له: إنَّ الحارث بن يعقوب يَروي عن سعيد بن يسار عن ابن عمر أنَّه قال: أُفٍّ، أَوَيقول ذلك مسلم؟ فقال مالك: أشهَد على ربيعة لَأخبرني عن سعيد ابن يسار عن ابن عمر مِثل ما قال نافع. وأخرجه الدّارَقُطنيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم عن مالك، وقال: هذا محفوظ عن مالك صحیح، انتھی. وروى الخطيب في ((الرُّواة عن مالك)) من طريق إسرائيل بن رَوْح قال: سألتُ مالكاً عن ذلك فقال: ما أنتم قومٌ عَرَب؟! هل يكون الحَرث إلّا موضعَ الزَّرع؟ وعلى هذه القِصّة اعتَمَدَ المتأخّرونَ من المالكيَّة، فلعلَّ مالكاً رَجَعَ عن قوله الأوَّل، أو كان يرى أنَّ العَمَل على ١٩١/٨ خِلاف حديث ابن / عمر فلم يعمل به، وإن كانت الرِّواية فيه صحيحة على قاعِدَته. ولم يَنْفَرِد ابن عمر بسبب هذا التُّزول، فقد أخرج أبو يَعْلى (١٠٣٨)، وابن مَرْدويه، وابن جَرِير (٣٩٥/٢): والطَّحاويُّ (٤٠/٣) من طريق زيد بن أسلمَ عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخُذْريِّ أنَّ رجلاً أصاب امرأته في دُبُرها، فأنكَرَ الناس ذلك عليه وقالوا: أَتْفَرَها(٢)، فَأَنزَلَ الله عزَّ وجلَّ هذه الآية. وعَلَّقَه النَّسائيُّ (ك٨٩٣٢) عن هشام بن سعد(٣) عن زيد، وهذا السبب في نزول هذه الآية مشهور. وكأنَّ حديث أبي سعید لم يبلغ ابن عبّاس وبَلَغَه حديث ابن عمر فوقَّمَه فیه، فروى أبو داود (٢١٦٤) من طريق مجاهد عن ابن عبّاس قال: ((إنَّ ابن عمر وهِمَ واللهُ يَغْفِر له، إنَّما كان هذا الحيّ من الأنصار وهم أهلُ وتَن معَ هذا الحيّ من يهود وهم أهلُ كتاب، فكانوا (١) تحرف في (س) إلى: زید. (٢) تحرفت في (س) إلى: نعيرها، وفي المطبوع من ((مسند أبي يعلى)): أبعر، وفي المطبوع من ((شرح المعاني)): أتعزبها، والمثبت من الأصلين، وهي كذلك في ((تفسير الطبري)) ونسخة من ((شرح المعاني)). ومعنى أثفرها: مأخوذ من تَفَر الدابة: وهو السير الذي في مؤخرة السرج، وأثفر الدابة: عمل لها ثفراً أو شدها به. وفي الحديث: أمر النبي ◌َّ المستحاضة أن تستثفر وتُلجم إذا غلبها سيلان الدم، وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة تمنع سيلان الدم. وهو كناية هنا عن إتيان المرأة في دبرها. (٣) تحرف في (س) إلى: سعيد. ٧٣ سورة البقرة / ح ٤٥٢٦-٤٥٢٧ كتاب التفسير يأخُذونَ بكثيرٍ من فِعلهم، وكان أهل الكتاب لا يأتونَ النِّساء إلّا على حَرْف، وذلك أستُر ما تكون المرأة، فأخَذَ ذلك الأنصار عنهم، وكان هذا الحيّ من قُرَيش يَتَلَذَّذونَ بنسائهم مُقْبِلاتٍ ومُدبراتٍ ومُستَلقياتٍ، فتزوَّجَ رجلٌ من المهاجِرِينَ امرأةً من الأنصار فذهب يَفْعَل فيها ذلك فامتَنَعَت، فَشَرِيَ(١) أمرُهما حتَّى بَلَغَ رسولَ اللهِ وَِّ، فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مُقبلاتٍ ومُدبراتٍ ومُستَلقياتٍ، في الفَرِج)»، وأخرجه أحمد (٢٧٠٣) والتِّرمِذيّ (٢٩٨٠) من وجهٍ آخر صحيح عن ابن عبّاس قال: جاء عمر فقال: يا رسول الله، هَلكتُ، حَوَّلتُ رَحليَ البارحة، فَأُنزِلَت هذه الآية ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْقَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ((أَقِلْ وأدْبر، واَّقِ الدُّبُر والحيضة))، وهذا الذي حَ عليه ابنُ عباس الآية موافق لحديث جابر المذكور في الباب في سبب نزول الآية كما سأذكرهُ عند الكلام عليه. وروى الرَّبيع في ((الأُمّ)) عن الشافعيّ قال: احتَمَلَت الآية مَعنيَينِ: أحدهما أن تُؤْنَى المرأة حيثُ شاءَ زوجها، لأَنَّ((أَنَّى)) بمعنى: أين شِئْتُم، واحتَمَلَتْ أن يُراد بالحَرثِ موضع النَّبَات، والموضع الذي يُراد به الولد هو الفَرج دون ما سواه، قال: فاختَلَفَ أصحابنا في ذلك، وأحسِب أنَّ كلَّا من الفريقَينِ تأوَّلَ ما وصَفتُ من احتمال الآية، قال: فطلبنا الدّلالة فَوَجَدنا حديثَينِ: أحدهما ثابت، وهو حديث خُزيمةَ بن ثابت في التَّحريم(٢). فقَوَّى عنده التَّحريم. وروى الحاكم في ((مناقب الشافعيّ)) من طريق ابن عبد الحَكَم أنَّه حكى عن الشافعيّ أَنَّه قال: ليس فيه شيء تصح، والقياس أنَّه حلالٌ، ومن طريقٍ ابن عبد الحكم أنَّه حكى عن الشافعي(٣) مُنَاظَرَةً جَرَت بينه وبين محمَّد بن الحسن في ذلك، وأنَّ ابن الحسن احتَجَّ عليه بأنَّ الحَرْث إنَّما يكون في الفَرْج، فقال له: فيكون ما سِوَى الفَرْج مُحُرَّماً، فالتَزَمَه، (١) في (أ) و(س): فسرى، والمثبت من (ع)، وهو الموافق لما في ((سنن أبي داود)) قال الخطابي: شَرِيَ أمرهما، أي: ارتفع وعظم، وأصله من قولك: شَرِيَ البرق: إذا لجَّ في اللمعان، واستشرى الرجل: إذا لجَّ في الأمر. (٢) سيأتي تخريجه بعد قليل .. (٣) من قوله: ((أنه قال: ليس فيه ... )) إلى هنا سقط من (س). ٧٤ سورة البقرة / ح ٤٥٢٦-٤٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري فقال: أرأيت لو وَطِئَها بين ساقيها أو في أعكانها، أفي ذلك حَرث؟ قال: لا. قال: أَفَيَحْرُم؟ قال: لا. قال: فكيفَ تحتجّ بما لا تقول به؟ قال الحاكم: لعلَّ الشافعيّ كان يقول ذلك في القديم، وأمَّا في الجديد فصَرَّحَ بالتَّحريمِ. انتهى، ويحتمل أن يكون ألزم الشافعيُّ محمَّداً بطريق المناظَرة، وإن كان لا يقول بذلك، وإنَّما انتَصَرَ لأصحابه المدنيّينَ، والحُجّة عنده في التَّحريم غير المسلك الذي سَلكَه محمَّد، كما يشير إليه كلامه في ((الأُمّ)). وقال المازَرِيُّ: اختَلَفَ الناس في هذه المسألة، وتَعلَّقَ مَن قال بالحِلِّ بهذه الآية، وانفَصَلَ عنها مَن قال يَحِرُم بأَّها نزلت بالسَّبَب الوارد في حديث جابر في الردّ على اليهود، يعني: كما في حديث الباب الآتي. قال: والعموم إذا خرج على سببٍ قُصِرَ علیه عند بعض الأُصولّينَ، وعند الأكثر: العِبرة بعمومِ اللَّفظ لا بخصوصِ السَّبَب، وهذا يقتضي أن تكون الآية حُجّة في الجواز، لكن ورَدَت أحاديث كثيرة بالمنع فتكون مُخُصِّصة لعمومِ الآية، وفي تخصيص عموم القرآن ببعضٍ خَبَر الآحاد خِلاف، انتهى. وذهب جماعة من أئمّة الحديث ـ كالبخاريِّ والذُّهْلِيِّ والبزَّار والنَّسائيِّ وأبي عليّ النَّيسابوريّ - إلى أنَّه لا يَئُبُت فيه شيء. قلت: لكن طُرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاجِ به، ويُؤيِّد القول بالتَّحريمِ أنّا لو قَدَّمنا أحاديث الإباحة لَلَزِمَ أنَّه أُبِيحَ بعد أن حُرِّم، والأصل عَدمه، فمن الأحاديث الصالحة الإسناد: حديث خُزَيمةَ بن ثابت أخرجه ١٩٢/٨ أحمد (٢١٨٦٥)، والنَّسائيُّ (ك٨٩٣٣-٨٩٣٩)، وابن ماجه (١٩٢٤)،/ وصحَّحه ابن حِبّان (٤١٩٨)، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٩٢٩٠)، والِّرمِذيّ (١٣٥)، وصَخَّحَه ابن حِبّان أيضاً(١)، وحديث ابن عبّاس وقد تقدَّمت الإشارة إليه، وأخرجه التِّرمِذيّ (١١٦٥) (١) ولفظه: ((من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد)» وهناك رواية أخرى عن أبي هريرة بلفظ: ((استحيوا من الله حق الحياء، لا تأتوا النساء في أدبارهن)) عند النسائي في ((الكبرى)) (٨٩٦١). ورواية ثالثة بلفظ: ((لا ينظر الله إلى رجل يأتي امرأته في دبرها)) عند أحمد (٧٦٨٤)، وابن ماجه (١٩٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٩٦٣-٨٩٦٥)، ولفظ آخر: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» عند أبي داود (٢١٦٢)، والنسائي (٨٩٦٦). ٧٥ سورة البقرة / ح ٤٥٢٨ كتاب التفسير من وجه آخر بلفظ: ((لا يَنظُر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأةً في الدُّبُر))، وصَحَّحَه ابن حِبّان أيضاً (٤٢٠٣ و٤٢٠٤)، وإذا كان ذلك صَلُحَ أن يُخْصَّص عموم الآية، ويُحمَلَ على الإتيان في غير هذا المحَلّ بناء على أنَّ معنى ((أنَّى)): حيثُ، وهو المتبادِر من السِّياق، ويُغني ذلك عن حَملها على معنَى آخر غير المتبادِر، والله أعلم. ٤٥٢٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ المنْكَدِرِ، سمعتُ جابراً ﴾ قال: كانتِ اليهودُ تقولُ: إذا جامعها من ورائها جاء الولدُ أحوَلَ، فنزلت: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرََّّكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾. قوله: ((حَّثنا سُفْيان)) هو الثَّورِيُّ. قوله: ((كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحْوَل، فنزلت)) هذا السّياق قد يُوهم أنَّه مُطابق لحديثِ ابن عمر، وليس كذلك، فقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثَّوريّ بلفظ: ((بارِكةً مُدِرةً في فَرْجها ومن ورائِها))، وكذا أخرجه مسلم (١٤٣٥) من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن ابن المنكَدِر بلفظ: ((إذا أتيتَ امرأة من دُبُرها في قُبُلها))، ومن طريق أبي حازم عن ابن المنكَدِر بلفظ: ((إذا أتيت المرأة من دُبُرها فحَمَلَت))، وقوله: ((فحَمَلَت)) يدلّ على أنَّ مُراده أنَّ الإتيان في الفَرج لا في الدُّبُر، وهذا كلّه يُؤيِّد تأويل ابن عبّاس الذي رَدَّ به على ابن عمر، وقد أكذَبَ اللهُ اليهودَ في زعمهم، وأباحَ للرِّجال أن يَتَمَتَّعوا بنسائهم كيفَ شاؤوا، وإذا تَعارَضَ المجمَل والمفَسَّرِ قُدِّمَ المَفَسَّر، وحديث جابرٍ مُفَسَّر فهو أولى أن يُعمَل به من حديث ابن عمر، والله أعلم. وأخرج مسلم أيضاً (١١٩/١٤٣٥) من حديث جابر زيادةً من طريق الزُّهْريّ عن ابن المنكَدِر بلفظ: ((إن شاءَ مُجبِّةً وإن شاءَ غير مُجبِّة، غير أنَّ ذلك في صِمامٍ واحدٍ))، وهذه الزّيادة يُشبه أن تكون من تفسير الزُّهْريّ لخُلِّها من رواية غيره من أصحاب ابن المُنْكَدِر معَ كَثرتهم. وقوله: ((مُجُبِّية)) بجيم ثمَّ موخَّدة، أي: بارِكة، وقوله: ((صِمَام)) بكسرِ المهمَلة والتَّخفيف: هو المنفَذ. ٧٦ سورة البقرة / ح ٤٥٢٩ فتح الباري بشرح البخاري ٣٩- بابٌ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو عامرِ العَقَدِيُّ، حدَّثنا عبّادُ بنُ راشدٍ، حدّثنا الحسنُ، قال: حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: كانت لي أُختُ تُخْطَبُ إليّ. وقال إبراهيمُ، عن يونُسَ، عن الحسنِ: حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ (ح) حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا يونسُ، عن الحسنِ: أنَّ أُختَ مَعْقِلٍ بنٍ يَسارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُها، فتَرَكَها حتَّى انقَضَت عِدَُّها، فخَطَبَها، فأُبَى مَعْقِلٌ، فنزلت: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾. [أطرافه في: ٥١٣٠، ٥٣٣٠، ٥٣٣١] قولُه: ((باب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾)) اتَّفَقَ أهل التَّفسير على أنَّ المخاطَب بذلك الأولياء، ذكره ابن جرير وغيره. وروى ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: هي في الرجل يُطَلِّق امرأته فتَقضي عِدَّتها، فيَبدو له أن يُراجِعها وتريد المرأة ذلك، فيَمنَعُه وليّها. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث مَعقِل بن يسار في سبب نزول الآية، لكنَّه ساقَه مختصراً، وقد أورَدَه في النِّكاح بتمامه (٥١٣٠) وسيأتي شرحه، وكذا ما جاء في تسمية أُخت مَعقِل واسم زوجها هناكَ إن شاء الله تعالی. وقوله: ((وقال إبراهيم عن يونس عن الحسن: حدَّثني مَعْقِل)) أراد بهذا التَّعليق بيان تصريح الحسن بالتَّحديثِ عن مَعِقِل، ورواية إبراهيم هذا - وهو ابن طَهْمانَ - وَصَلَها المؤلِّف في النِّكاح (٥١٣٠) كما سيأتي، وقد صَرَّحَ الحسن بتحديثٍ مَعقِل له أيضاً في رواية عبّاد بن راشد(١) كما سيأتي أيضاً. (١) هو في نفس الحديث الذي أشار إليه، وهو برقم (٥١٣٠)، ولكنه ليس من رواية عباد بن راشد، وإنما من رواية حفص بن عبد الله بن راشد أبو عمرو والد أحمد بن أبي عمرو شيخ البخاري، وهو غير عباد المذكور صاحب روايتنا هذه في هذا الباب، ولعله سبق قلم من الحافظ رحمه الله. ٧٧ سورة البقرة / ح ٤٥٣٠ كتاب التفسير ١٩٣/٨ ٤٠- بابٌ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَثْرَاْ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ﴾ [البقرة: ٢٣٧]: يَهَبنَ. ﴿يَعْفُونَ: ٤٥٣٠ - حدَّثني أُميَّةُ بنُ بِسْطامٍ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَبِعٍ، عن حبيبٍ، عن ابنِ أبِي مُلَيكةً، قال ابنُ الزُّبَيِ: قلتُ لِعثمانَ بنِ عَفّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ قال: قد نَسَخَتْها الآيةُ الأُخرَى، فِلِمَ تَكْتُبُها، أو تَدَعُها؟! قال: يا ابنَ أخي لا أَغَيِّرُ شيئاً مِنْه من مكانه. [طرفه في: ٤٥٣٦] قوله: ((باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾)) ساقَ الآية إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قوله: ((يَعْفُونَ: يَهَبْنَ)) ثَبَتَ هذا هنا في نُسخة الصَّغَانيِّ، وهو تفسير أبي عبيدة قال: يَعفونَ: يَتْرُكنَ، يَهَنَ، وهو على رأي الحميديِّ، خِلَافاً لمحمَّدِ بن كعب، فإنَّه قال: المراد عَفو الرِّجال، وهذه اللَّفظة ونظائرها مُشتَرَكة بين الجمع والمذَكَّر والمؤنَّث، لكن في الرِّجال النُّون علامة الرَّفع، وفي النِّساء النُّون ضمير لهنَّ، ووَزن جمع المذَكَّرِ يَفْعُونَ، وجمع المؤنَّث يَفعَلنَ. قوله: ((عن حبیب)) هو ابن الشَّهیدِ، كما سيأتي بعد بابینِ (٤٥٣٦). قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكةَ)) في رواية الإسماعيليّ من طريق عليّ بن المَدِينيّ عن يزيد بن زُرَيعِ: ((حدَّثْنا حبيب بنُ الشَّهيد حدَّثني عبد الله بن أبي مُلَيكةً)). قوله: ((قال ابن الزُّبَير)) في رواية ابن المَدِينيّ المذكورة: عن عبد الله بن الزُّبیر، وله من وجه آخر عن يزيد بن زُرَيع بسندِهِ: أنَّ عبد الله بن الزُّبَير قال: قلت لعثمان. قوله: ((فِلِمَ تَكْتُبها، أو تَدَعها؟!)) كذا في الأُصول بصيغة الاستفهام الإنكاريّ، كأنَّه قال: لِمَ تَكتُبها وقد عَرَفت أنَّها منسوخة، أو قال: لِمَ تَدَعُها، أي: تَتركها مكتوبة، وهو ٧٨ سورة البقرة / ح ٤٥٣٠ فتح الباري بشرح البخاري شَكّ من الراوي أي اللَّفْظَينِ قاله. ووَقَعَ في الرِّواية الآتية بعد بابينِ (١): «فِلِمَ تَكتُبُها؟ قال: تَدَعُها يا ابن أخي))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((لمَ تَكتُبها وقد نَسَخَتها الآية الأُخرى))، وهو يُؤيِّد التَّقدير الذي ذكرته. وله من رواية أُخرى: قلت لعثمان: هذه الآية ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ قال: نَسَخَتها الآية الأُخرى، قلت: تَكتُبُها أو تَدَعها؟ قال: يا ابن أخي لا أُغَيِّر منه شيئاً عن مكانه. وهذا السّياق أولى من الذي قبله. و((أو)) للتَّخییر لا للشَّكِّ. وفي جواب عثمان هذا دلیل على أنَّ ترتيب الآي توقيفيّ، وكأنَّ عبدَ الله بن الزُّبَير ظنَّ أنَّ الذي يُنسَخ حُكمه لا يُكتَب، فأجابَه عثمان بأنَّ ذلك ليس بلازِمٍ، والمتَّبَع فيه التَّوقيف. وله فوائد: منها ثواب التِّلاوة، والامتثال على أنَّ من السَّلَف مَن ذهب إلى أنَّها ليست منسوخة وإنَّما خُصَّ من الحول بعضه وبَقيَ البعض وصيَّةً لها؛ إن شاءَت أقامَت، كما في الباب عن مجاهد، لكن الجمهور على خِلافه. وهذا الموضع ممَّا وَقَعَ فيه الناسخ مُقدَّماً في ترتيب التِّلاوة على المنسوخ. وقد قيل: إنَّه لم يقع نَظِير ذلك إلّا هنا، وفي الأحزاب (٤٧٨٨) على قول مَن قال: إنَّ إحلال جميع النِّساء هو الناسخ، وسيأتي البحث فيه هناكَ إن شاء الله تعالى. وقد ظَفِرتُ بمواضع أُخرى منها في البقرة أيضاً قوله: ﴿فَأَتِّنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [١١٥]، فإنَّها مُحكَمة في التطوُّع مُخُصِّصة لعُموم قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [١٤٤] كَوْنها مُقدَّمة في التِّلاوة، ومنها في البقرة أيضاً قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [١٠٦] على قول مَن قال: إنَّ سبب نزولها أنَّ اليهود طَعَنوا في تحويل القِبْلة(٢)، فإنَّه يقتضي أن تكون مُقدَّمة في التِّلاوة مُتأخّرة في التُّول، وقد تَتَبَّعَت من ذلك شيئاً كثيراً ذكرته في غير هذا الموضع، ويكفي هنا الإشارة إلى هذا القَدْر. (١) بل بعد أربعة أبواب، حديث رقم (٤٥٣٦). (٢) يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَن قِبْلَئِمُ الَّتِى كَانُواْ عَلَيَّهَأَ قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: ١٤٢]. ٧٩ سورة البقرة / ح ٤٥٣١-٤٥٣٢ كتاب التفسير وقول عثمان لعبد الله: ((يا ابن أخي))، يريد في الإيمان، أو بالنِّسبة إلى السِّنّ، وزاد الكِرْمانيُّ: أو على عادة مُخاطَبة العرب - ويُمكِن أن يَتَّحِدَ معَ الذي قبله - قال: أو لأنَّهما يَجِتَمِعان في قُصَيّ. قال: إلّا أنَّ عثمان وعبد الله في العَدَد إلى قُصَيّ سواء، بین كلٍّ منهما وبينه خمسة(١) آباء، فلو أراد ذلك لَقال: يا أخي. ٤٥٣١- حدَّثني إسحاقُ، حدَّنا رَوْحٌ، حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ قال: كانت هذه العِدّةُ تَعْتَدُّ عندَ أهلِ زَوْجِها واجبٌ، فأنزلَ الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَّرُونَ أَزْوَجَا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجِ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىَ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قال: جَعَلَ الله لها تمامَ السَّنةِ سبعةَ أشهُرٍ وعِشْرِينَ ليلةً وصِيَّةً، إن شاءَت سَكَنَت في وصِيَّتِها، وإن شاءَت خرجت، وهو قولُ الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجِ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالعِدّةُ كما هي واجبٌ عليها، زَعَمَ ذلك عن مجاهدٍ. وقال عطاءٌ: قال ابنُ عبَّاسٍ: نَسَخَت هذه الآيةُ عِدَّتَها عندَ أهلِها، فتَعْتَدُّ حيثُ شاءَت، وهو قولُ الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. قال عطاءٌ: إن شاءَتِ اعْتَدَّت عندَ أهلِهِ، وسَكَنَت في وصِيَّتِها، وإن شاءَت خرجت؛ لقولِ الله تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ ﴾. قال عطاءٌ: ثمَّ جاء الميراثُ، فنَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حيثُ شاءَت، ولا سُكْنَى لها. وعن محمَّدِ بنِ یوسفَ، حدّثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِیح، عن مجاهدٍ ... بهذا. وعن ابنٍ أبي نَجِيح، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: نَسَخَت هذه الآية عِدَّتها في أهلِها، فتعتَدُّ حيثُ شاءَت؛ لقولِ الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ... نحوَه. [طرفه في: ٥٣٤٤] ٤٥٣٢- حدَّثنا حِبّانُ، حدَّثنا عبدُ الله، أخبرنا عبدُ الله بنُ عَوْنٍ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ قال: (١) في (س): أربعة آباء، وهو خطأ، والمثبت من الأصلين، فعثمان: هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وعبد الله: هو ابن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. ٨٠ سورة البقرة / ح ٤٥٣١- ٤٥٣٢ فتح الباري بشرح البخاري جَلَسْتُ إلى مَجلِسِ فيه عُظْمٌ منَ الأنصار، وفِيهم عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي ليلى، فَذَكَرْتُ حديثَ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ في شأنِ سُبيعةَ بنت الحارثِ، فقال عبدُ الرّحمنِ: ولكنَّ عَمَّه كان لا يقول ذلك، فقلتُ: إنّي لَجَرِيءٌ إن كَذَبتُ على رجلٍ في جانبِ الكوفةِ، وَرَفَعَ صوتَه، قال: ثمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مالكَ بنَ عامٍ، أو مالكَ بنَ عَوْفٍ، قلتُ: كيفَ كان قولُ ابنِ مسعودٍ في المتوَقَّى عنها زَوْجُها وهْيَ حامِلٌ؟ فقال: قال ابنُ مسعودٍ: أتَجْعَلونَ عليها التَّغْلِيظَ، ولا تَجْعَلونَ لها الرُّخْصةَ! أُنزِلَتْ سورةُ النِّساءِ القُصْرَى بعدَ الطُّوَى. وقال أيوبُ، عن محمَّدٍ: لَقِيتُ أبا عَطِيَّةَ مالكَ بنَ عامٍ. ١٩٤/٨ [طرفه في: ٤٩١٠] قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن راهويه، و((رَوح)) هو ابن عُبَادة، و((شِبْل)): هو ابن عَبَّاد، و((ابن أبي نَجِيح)): هو عبد الله. قوله: ((زَعَمَ ذلك عن مجاهد)) قائل ذلك هو شِبْل، وفاعل ((زَعَمَ)) هو ابن أبي نَجِیح، وبهذا جَزَمَ الْحُميديُّ في ((جَمْعه)). وقوله: ((وقال عطاء» هو عَطف على قوله: عن مجاهد، وهو من رواية ابن أبي نَجِيح عن / عطاء، ١٩٥/٨ ووَهِمَ مَن زَعَمَ أَنَّه مُعلَّق، وقد أيَّد(١) المصنّف ما نَبَّهتُ عليه برواية وَرْقاء التي ذكرها بعدهذه. وقوله: ((عن محمَّد بن يوسُف)) هو معطوف على قوله: ((حدَّثنا رَوح)) وقد أورَدَ أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) هذا الحديث من طريق محمَّد بن عبد الملك بن زَنجَوَيه عن محمَّد بن يوسف هو الفِرْيابيُّ عن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، وعن عطاء بتمامه، وقال: ذكره البخاريّ عن الفِرْيابيِّ، وهذا يدلُّ على أنَّه فهمَ أنَّ البخاريّ عَلَّقَه عن شيخه، والله أعلم. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث ابن مسعود: ((أُنزِلَت سورة النِّساء القُصرَى بعد الطُّولَى))، وسيأتي شرحه في تفسير سورة الطَّلاق (٤٩١٠). وقوله: ((وقال أيوب)) وَصَلَه هناكَ بتمامه. (١) تحرفت في (س) إلى: أبدى، وفي (أ): نبه، والمثبت من (ع).