Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ باب ٧٣ / ح ٤٣٨٦ - ٤٣٩٠ كتاب المغازي ٤٣٨٦ - حدَّثني عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا أبو عاصم، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا أبو صَخْرةَ جامِعُ ابنُ شَدّادٍ، حدَّثنا صَفْوانُ بنُ مُحرِزِ المازِنِيُّ، حدَّثنا عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، قال: جاءت بنو تَمِيمٍ إلى رسولِ الله ◌ََّ، فقال: ((أبشِروا يا بني تَمِيمٍ)) قالوا: أمّا إذ بَشَّرْتَنَا فأعطِنا، فَتَغيَّرَ وجه رسولِ الله وَيُّه، فجاء ناسٌ من أهلِ اليَمَنِ، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((اقبَلوا البُشْرَى إذ لم يَقبَلْها بنو تَمِيم)) قالوا: قد قَبِلْنا يا رسولَ الله. الحديث الثالث: حديث عمران، أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم بتمامه في بَدْء الخلق (٣١٩١)، والغرض منه قوله: فجاء ناس من أهل اليمن فقال: ((اقبَلُوا الْبُشرَى)). واستُشكِلَ بأنَّ قُدوم وفد بني تميم كان سنة تسع، وقُدوم الأشعَريّينَ كان قبل ذلك عَقِب فتح خَيْبَر سنة سبع، وأُجيبَ باحتمال أن يكون طائفة من الأشعَریّينَ قَدِموا بعد ذلك. ٤٣٨٧ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفيُّ، حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِير، حدَّثْنا شُعْبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازِمٍ، عن أبي مسعودٍ، أنَّ النبيَّ وَّم قال: ((الإيمانُ هاهنا - وأشارَ بَيَدِه إلى اليَمَنِ - والجفاءُ وغِلَظُ القلوبِ في الفَدّادِينَ، عندَ أُصولِ أذْنابِ الإبلِ، من حيثُ يَطْلُعُ قَرْنا الشَّيطان: رَبِيعةَ ومُضَرَ)). ٤٣٨٨ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن ذَكْوانَ، عن أبي هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((أَتَاكُم أهلُ اليَمَنِ، هم أرَقُّ أَفِئِدةً وأليَنُ قلوباً، الإيمانُ يَمَانٍ، والحِكْمَةُ يَانِيَّةٌ، والفَخْرُ والخُيَلاءُ في أصحابِ الإبلِ، والسَّكِينَةُ والوَقَارُ في أهلِ الغنمِ)). وقال ثُندَرٌ: عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، سمعتُ ذَكْوانَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ أَێ. ٩٩/٨ ٤٣٨٩ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن ثَوْرِ بنِ زيدٍ، عن أبي الغَيثِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ◌َِّقال: ((الإيمانُ يَمَانٍ، والفِتْنَةُ هاهنا، هاهُنا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيطان)». ٤٣٩٠- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ◌َ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((أتاكُم أهلُ اليَمَنِ أَضْعَفُ قلوباً وأرَقُّ أَفِئِدةً، الفِقْه مَكانٍ، والحِكْمةُ يَمَانٍ». ٦٨٢ باب ٧٣ / ح ٤٣٨٧-٤٣٩٠ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الرابع: حديث أبي مسعود: ((الإيمان هاهنا؛ وأشارَ بَيَدِه إلى اليمن)) أي: إلى جهة اليمن، وهذا يدلُّ على أنَّه أراد أهل البَلَد لا مَن يُنسَب إلى اليمن، ولو كان من غير أهلها. الحديث الخامس: حديث أبي هريرة. قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش، وذَكْوانُ: هو أبو صالح. قوله: ((وقال غُندَر عن شُعْبة ... )) إلى آخره، أورَدَه لوقوع التَّصريح بقولِ الأعمَش: سمعت ذَكْوانَ. وقد وَصَلَه أحمد (١٠٢٢٢) عن محمَّد بن جعفر غُندَر، بهذا الإسناد. قوله: ((حدّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أويس، وأخوه: هو أبو بكر عبد الحميد، وسلیمان: هو ابن بلال، وثَور بن زيد: هو المدنيّ، وأمَّا نَور بن يزيد الشّاميّ فأبوه بزيادة تحتانيّة مفتوحة في أوَّله، وأبو الغيث اسمه: سالم. قوله: ((الإيمان يَمانٍ)) في رواية الأعرَج الّتي بعدها: ((الفقه يَمان)) وفيها وفي رواية ذَكْوانَ: ((والحكمة يمانية))، وفي أوَّلها وأوَّل رواية ذَكْوانَ: ((أتاكُم أهل اليمن)) وهو خِطاب للصَّحابة الذينَ بالمدينة، وفي حديث أبي مسعود: ((والجفاء وغِلَظ القلوب في الفَدّادينَ ... )) إلى آخره، وفي رواية ذَكْوانَ عن أبي هريرة: ((والفَخر والخُيَلاء في أصحاب الإبل))، وزاد فيها: ((والسَّكينة والوقار في أهل الغنم)). وزاد في رواية أبي الغَيث: ((والفتنة ها هنا حيثُ يَطلُع قَرن الشَّيطان)) وهذا هو الحديث السادس، وسيأتي شرحه في كتاب الفتن (٧٠٩٢-٧٠٩٥) إن شاء الله تعالى. وتقدَّم شرح سائر ذلك في أوَّل المناقب (٣٤٩٨ و٣٤٩٩)، وفي بَدْء الخلق (٣٣٠١ و٣٣٠٢)، وأشرت هناكَ إلى أنَّ الرِّواية الَّتي فيها: ((أتاكُم أهل اليمن)) تَرُدّ قول مَن قال: إنَّ المراد بقولهِ: (الإيمان يَمان)): الأنصار وغير ذلك. وقد ذكر ابن الصَّلاح قول أبي عبيد وغيره: إنَّ معنى قوله: ((الإيمان يَمان)): أنَّ مَبدَأ الإيمان من مكَّة، لأنَّ مكّة من تِهامة، وتِهامة من اليمن، وقيلَ: المراد مكَّة والمدينة، لأنَّ هذا الكلامِ صَدَرَ وهو مِ لهِ بتَبوك، فتكون المدينة حينئذٍ بالنّسبة إلى المحَلّ الذي هو فيه يَانيَّةً، ٦٨٣ باب ٧٣ / ح ٤٣٨٧ - ٤٣٩٠ كتاب المغازي والثّالث واختارَه أبو عُبيد: أنَّ المراد بذلك الأنصار، لأَّهم يَمانِيُونَ في الأصل، فَنَسَبَ الإيمان إليهم لكَوْنِهِم أنصارَه. وقال ابن الصَّلاح: ولو تأمَّلوا ألفاظ الحديث لما احتاجوا إلى هذا التَّأويل، لأنَّ قوله: ((أتاكُم أهل اليمن)) خِطاب للنّاس ومنهم الأنصار، فيَتَعيَّن أنَّ الذينَ جاؤوا غيرهم، قال: ومعنى الحديث: وصف الذينَ جاؤوا بقوّة الإيمان وكماله، ولا مفهوم له، قال: ثمَّ المراد الموجودونَ حينئذٍ منهم، لا كلّ أهل اليمن في كلّ زمان، انتهى. ولا مانع أن يكون المراد بقولهِ: ((الإيمان يَمان)) ما هو أعَمّ ممّا ذكره أبو عُبيد وما ذكره ابن الصَّلاح، وحاصله أنَّ قوله: ((يَمَانٍ)) يَشمَل مَن يُنسَب إلى اليمن بالسُّكنَى وبالقبيلة، لكن گوْن المراد به مَن يُنسب بالسُّكنَی أظهر، بل هو المشاهد في کلّ عَصر من أحوال سُكّان چِهة اليمن وجِهة الشَّمال، فغالب مَن يُوجَد من جهة اليمن رِقاق القلوب والأبدان، وغالب مَن يُوجَد من جهة الشَّمال غلاظ القلوب والأبدان. وقد قَسَمَ في حديث أبي مسعود أهلَ الجِهات الثلاثة: اليمن والشّام والمشرق، ولم يَتعرَّض للمغرب/ في هذا الحديث، وقد ذكره في حديث آخر، فلعلّه كان فيه، ولم يذكره ١٠٠/٨ الراوي إمّا لنسيانٍ أو غيره، والله أعلم. وأورَدَ البخاريّ هذه الأحاديث في الأشعَريّينَ لأنَّهم من أهل اليمن قطعاً، وكأنَّه أشارَ إلى حديث ابن عبّاس: بَيْنا رسول الله وَّه بالمدينة إذ قال: ((الله أكبر، إذا جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن نَقيَّةً قلوبُهم، حَسَنَةً طاعَتُهم، الإيمان يَمان والفقه يمان والحكمة يمانية)) أخرجه البزَّار(١). وعن جُبَير بن مُطعِم عن النبيّ ◌َّه قال: ((يَطْلُع عليكُم أهل اليمن كأنَّهم السَّحاب، هم خير أهل الأرض)) الحديث. أخرجه أحمد (١٦٧٧٩) وأبو يَعْلى (٧٤٠١) والبزَّار (٣٤٢٩) والطبرانيُّ (١٥٤٩). (١) كما في ((كشف الأستار)) (٢٨٣٧)، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٠/ ٥٥، وقال: فيه الحسين بن عيسى ابن مسلم الحنفي، وثّقه ابن حبان وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح. ٦٨٤ باب ٧٣ / ح ٤٣٩١ فتح الباري بشرح البخاري وفي الطبرانيّ(١) من حديث عَمْرو بن عَبَسةَ: أنَّ النبيّ وَّه قال لعُيَينَةَ بن حِصْن: ((أيُّ الرِّجال خير؟)) قال: رجال أهل نَجد، قال: ((كَذَبت، بل هم أهل اليمن، الإيمان يَمان)) الحديث. وأخرجه أيضاً من حديث معاذ بن جبل (٢٠/ ١٩٢). قال الخَطّابيُّ: قوله: ((هم أرَقّ أفئِدةً وألين قلوباً)) أي: لأنَّ الفُؤاد غِشاء القلب، فإذا رَقَّ نَفَذَ القولُ وخَلَصَ إلى ما وراءَه، وإذا غَلُظَ بَعُدَ وصوله إلى داخلِ، وإذا كان القلب لَيِّناً عَلِقَ كلّ ما يُصادِفه. الحديث السابع: ٤٣٩١- حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ: قال: كنَّا جُلوساً معَ ابنِ مسعودٍ، فجاء خَبّابٌ، فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، أيستطيعُ هؤلاءِ الشَّبابُ أن يقرؤوا كما تَقْرَأ؟ قال: أمَا إِنَّكَ إِنْ شئتَ أُمَرْتُ بعضھم فیقْراُ علیك، قال: أجَلْ، قال: اقرَأ یا عَلْقمةُ، فقال زيدُ بنُ حُدَيرٍ - أخو زيادِ بنِ خُدَيرٍ -: أتأمُرُ عَلْقمةَ أن يقرأ، وليس بأقرَئِنا؟ قال: أمَّا إِنَّكَ إن شئتَ أخبَرَتُكَ بما قال النبيُّ ◌َّهِ في قومِكَ وقومِهِ، فقرأتُ خمسينَ آيَةً من سورةٍ مَرْيَمَ، فقال عبدُ الله: كيفَ تَرَى؟ قال: قد أحسنَ، قال عبدُ الله: ما أقرَأُ شيئاً إلا وهو يَقْرَؤُه، ثَّ التَّفَتَ إلى خَبّابٍ وعليه خاَمٌ من ذهبٍ، فقال: ألم يأنِ لهذا الخاتَم أن يُلْقَى؟ قال: أمَّا إِنَّكَ لَن تَراه عليَّ بعدَ اليومِ، فألقاه. رواه غُنْدَرٌ، عن شُعْبَةَ. قوله: ((فجاء خَبّابٌ)) بالمعجَمة والموخَّدتَينِ الأولى ثقيلة: وهو ابن الأرَتّ الصَّحابيّ المشهور. قوله: «یا أبا عبد الرحمن» هي كُنیة ابن مسعود. قوله: ((أمَرْت بعضهم فيقرأ عليك)» في رواية الكُشْمِيهنيِّ: فقرأ، بصيغة الفِعل الماضي. قوله: ((فقال زيد بن حُدَيرٍ)) بمُهمَلٍ مُصغّر ((أخو زیاد بن خُدَیرٍ))، وزياد من كبار التابعينَ أدرَكَ عمر، وله رواية في «سُنَن أبي داود)» (٣٠٤٠)، ونزلَ الكوفة، ووَلِيَ إمرَتَها مرَّة، وهو (١) لم نقف عليه فيما هو مطبوع من ((معجم الطبراني الكبير))، وهو في ((مسند أحمد)) برقم (١٩٤٥٠). ٦٨٥ باب ٧٣ / ح ٤٣٩١ كتاب المغازي أسَديّ من بني أسد بن خُزيمةَ بن مُدرِكة بن الياس بن مُضَر، وأمَّا أخوه زيد فلا أعرف له روایة. قوله: ((أما)) بتخفيفِ الميم ((إِنكَ إن شئت أخبَرْتُك بما قال النبيّ ◌َّه في قومك وفي قومه)) كأنَّه يشير إلى ثَناء النبيّ وَله على النَّخَع، لأنَّ عَلقَمة نَخَعِيٌّ، وإلى ذَمّ بني أسد، وزياد بن حُدَيرٍ أسَديٌّ. فأمَّا ثَنَاؤُه على النَّخَع ففيما أخرجه أحمد (٣٨٢٦)، والبزَّار (١٨٤٨) بإسنادٍ حَسَن، عن ابن مسعود قال: شَهِدتُ رسول الله وَ﴿ يَدعُو لهذا الحيّ من النَّخَع أو يُثني عليهم، حتَّى تَنَّيت أنّ رجل منهم. وأمَّا ذَمّه لبني أسَد فتقدَّم في المناقب (٣٥٢٣) حديث أبي هريرة وغيره: ((إنَّ جُهَينة وغيرها خير من بني أسَد وغَطَفانَ)). وأمَّا النَّخَعِيُّ فمَنسوب إلى النَّخَعِ: قبيلة مشهورةٌ من اليمن، واسم النَّخَع: حبيب(١) بن عَمْرو بن عُلَةَ، بضمٌ المهمَلة وتخفيف اللّام، ابن جَلْد بن مالك بن أُدَد بن زيد، وقيلَ له: النَّخَع، لأَنَّ نَخَعَ عن قومه، أي: بَعُدَ. وفي رواية شُعْبة عن الأعمَش عند أبي نُعَيم في ((المستَخرَج)): لَتَسكُتَنَّ أو لَأُحدُثنَّكَ/ بما قیلَ في قومك وقومه. ١٠١/٨ قوله: ((فقرأت خمسينَ آية من سورة مَريَم)» في رواية شُعْبة: فقال عبد الله: رَتِّل فِداك أبي وأُتّي. قوله: ((وقال عبد الله: كيف تَرَى؟)) هو موصول بالإسناد المذكور، وخاطَبَ عبد الله بذلك خَبّاباً، لأنَّه هو الذي سألَه أوَّلاً، وهو الذي قال: قد أحسنَ، وكذا ثَبَتَ في رواية أحمد (٤٠٢٥) عن يَعْلى عن الأعمَش، ففيه: فقال خَبّابٌ: أحسنت. قوله: ((قال عبد الله)) هو موصول أيضاً. قوله: ((ما أقرَأْ شيئاً إلّا وهو يقرؤه)) يعني: عَلَقَمة، وهي مَنقَبة عظيمة لعَلقَمةَ، حيثُ شَهِدَ له ابن مسعود أنَّه مِثلُه في القراءة. (١) كذا سماه الحافظُ رحمه الله حبيباً، ولم تقع لنا تسميته بذلك إلّا في ((عُجالة المبتدي)) للحازمي، وفي سائر كتب التراجم والأنساب والتاريخ أنَّ اسم النخع جَسْر، وهو في نسخة من نسخ ((العجالة)) كذلك، فهذا هو الأصح في اسمه، والله أعلم. ٦٨٦ باب ٧٤ / ح ٤٣٩٢- ٤٣٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ التَفَتَ إلى خَبّابٍ وعليه خاتَم من ذهب، فقال: ألم يأنِ لهذا الخاتم أن يُلْقَى)) بضمِّ أوَّله وفتح القاف، أي: يُرمَی به. قوله: ((رواه ثُندَر عن شُعْبة)) أي: عن الأعمَش بالإسناد المذكور، وقد وَصَلَها أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) من طريق أحمد بن حَنبَل: حدَّنا محمَّد بن جعفر، وهو غُندَر بإسناده هذا. وكأنَّه في (الُّهد)) لأحمد، وإلّا فلم أرَه في ((مُسنَد أحمد) إلّا من طريق يَعْلى بن عُبيد عن الأعمَش. وَهِمَ بعض مَن لَقيناه، فَزَعَمَ أنَّ هذا التَّعليقِ مُعادٌ في بعض النُّسَخ، وأنَّ محلّه عَقِب حديث أبي هريرة، وقد ظَهَرَ لي أن لا إعادة، وأنَّه في جَميع النُّسَخ، وأنَّ الذي وَقَعَ في الموضعينِ من رواية غُندَر عن شُعْبة صَواب، وأنَّ المراد في الموضع الثّاني أنَّ شُعْبة رواه عن الأعمَش، بالإسناد الذي وَصَلَه به من طريق أبي حمزة عن الأعمَش، وقد أثبَتَ الإسماعيليّ في ((مُستَخرَجه)) رواية غُندَر عن شُعْبة، فقال بعد أن أخرجه من طريق ابن شِهاب عن الأعمَش: رواه جماعة عن الأعمَش، ورواه غُندَر عن شُعْبة. وفي الحديث مَنقَبة لابنِ مسعود وحُسن تأَتِيهِ في الموعِظة والتَّعليم، وأنَّ بعض الصّحابة كان يَخْفَى عليه بعض الأحكام، فإذا نُبِّهَ عليها رَجَعَ، ولعلَّ خَبّاباً كان يَعتَقِد أنَّ النَّهي عن لُبس الرِّجال خاتَم الذَّهَب للتَّنزيهِ، فَنَبَّهَه ابن مسعود على تحريمه، فَرَجَعَ إليه مُسرِعاً. ٧٤ - باب قصّة دَوْسٍ والطَّفيل بن عمرو الدَّوسيّ ٤٣٩٢- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ ذَكْوانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: جاء الطَّفَيلُ بنُ عَمرِو إلى النبيِّ ◌َِّ، فقال: إنَّ دَوْساً قد هَلَكَتْ، عَصَتْ وأبَتْ! فادعُ الله عليهم، فقال: ((اللهمَّ اهْدِ دَوْساً وأْتِ بهم)). ٤٣٩٣ - حدَّثْني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن قيسٍ، عن أبي هريرةَ، قال: لَّا قَدِمْتُ على النبيِّ وَّةِ، قلتُ في الطَّريقِ: يا ليلةً من طُولِها وعَنائِها على أنَّها من دارَةِ الكُفرِ نَجَّتِ ٦٨٧ باب ٧٤ / ح ٤٣٩٢ - ٤٣٩٣ كتاب المغازي وأبَقَ غلامٌ لي في الطَّرِيقِ، فلمَّا قَدِمْتُ على النبيِّ وَّهِ فبايعتُهُ، فَبَيْنا أنا عندَه إذ طَلَعَ الغلامُ، فقال ليَ النبيُّ ◌َّ: ((يا أبا هريرةَ، هذا غلامُكَ))، فقال: هو لِوَجْه الله، فأعتَقَه. قوله: ((قِصّة دَوْس والطَّفَيل بن عَمْرو الدَّوْسيّ)) بفتح المهمَلة وسكون الواو بعدها مُهمَلة، تقدَّم نَسَبهم في غزوة ذي الخَلَصة (٤٣٥٥). والطُّفَيل بن عَمْرو، أي: ابن طَريف ابن العاص بن ثَعْلبة بن سُلَيٍ بن فَهْم بن غَنْم بن دَوس، كان يقال له: ذو النّور، آخره راء، لأنَّه لمَّا أتى النبيَّ وَّه وأسلَمَ بَعَثَه إلى قومه، فقال: اجعَل لي آية، فقال: «اللهمَّ نَوِّر له))/ ١٠٢/٨ فسَطَعَ نور بين عينَيِهِ، فقال: يا رَبّ، أخاف أن يقولوا: إنَّه مُثلة، فَتَحوَّلَ إلى طَرَف سَوطه، وكان يُضيء في اللَّيلة المظلمة. ذكره هشام بن الكَلْبِيّ في قِصّة طَويلة، وفيها: أنَّه دَعًا قومه إلى الإسلام فأسلَمَ أبوه ولم تُسلم أمّه، وأجابَه أبو هريرة وحده. قلت: وهذا يدلُّ على تَقَدُّم إسلامه، وقد جَزَمَ ابن أبي حاتم بأنَّه قَدِمَ معَ أبي هريرة بخَيبَرَ، وكأنَّهَا قَدْمَتُه الثّانية. قوله: ((عن ابن ذَكْوانَ)» هو عبد الله أبو الزناد. قوله: ((اللهمَّ اهْدِ دَوْساً وائْتِ بهم) وَقَعَ مِصداق ذلك، فذكر ابن الكَلْبِيّ: أنَّ جندب(١) ابن عَمْرو بن حُمَمة (٢) الدَّوسيَّ كان حاكماً على دَوْس، وكذا كان أبوه من قبله، وعُمِّرَ ثلاث مئة سنة، وكان جندب(٣) يقول: إنّ لَأعلم أنَّ للخلقِ خالقاً، لكنّي لا أدري مَن هو، فلمَّا سمعَ بالنبي ◌َّ خرج إليه ومعه خمسة وسبعونَ رجلاً من قومه، فأسلَمَ وأسلَموا. وذكر ابن إسحاق: أنَّ النبيّ ◌َّهِ أَرسَلَ الطُّفَيل بن عَمْرو فأحرِقَ صَنَم عَمْرو بن حُمَمَةَ(٤ الذي كان يقال له: ذو الكَفِينِ - بفتح الكاف وكسر الفاء - فأحرَقَه. (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: حبيب، والتصويب من ((الإصابة)) للحافظ ٥١٠/١ , ٥٢٢/٣. (٢) تحرف في (أ) إلى: حيمة، وفي (س) إلى: حثمة، وجاء على الصواب في (ع) موافقاً لما في ((الإصابة)) ١/ ٥١٠، ولما سيأتي في كلام الحافظ قريباً من تسمية صنم عمرو، والد جندب. (٣) تحرف في الأصلين و(س) إلى: حبيب، والتصويب من ((الإصابة)) للحافظ ٥١٠/١ , ٥٢٢/٣. (٤) تحرف في (أ) إلى: حمة، وفي (س) إلى: حثمة، وجاء على الصواب في (ع) موافقاً لما في ((الإصابة)) ٥٢١/٣. وانظر ((سيرة ابن هشام)) ٣٨٥/١. ٦٨٨ باب ٧٥ / ح ٤٣٩٤ فتح الباري بشرح البخاري وذكر موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: أنَّ الطُّفَيل بن عَمْرو استُشهِدَ بأجنادِينَ في خلافة أبي بكر. وكذا قال أبو الأسوَد عن عُرْوة. وجَزَمَ ابن سعد بأنَّه استُشهِدَ باليَمَامة. وقيلَ: باليرموكِ. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)» هو ابن أبي خالد ((عن قيس)) هو ابن أبي حازم. قوله: ((لمَّا قَدِمْت)) أي: أردت القُدوم. قوله: ((قلت في الطَّريق)) تقدَّم شرحه مُستَوقّى في كتاب العِتق (٢٥٣٠). وقوله في هذه الرِّواية: ((وأبَقَ غلام لي)) لا يُغايِرِ قوله في الرّواية الماضية في العِتق: فأضَلَّ أحدهما صاحبه. لأنَّ رواية ((أبَقَ)) فسَرَّت وجهَ الإضلال، وأنَّ الذي أضَلَّ هو أبو هريرة، بخِلاف غلامه، فإنَّه أَبَقَ وأضل(١) أبو هريرة مكانه لِهَرَبه، فلذلك أطلقَ أنَّه أضَلَّه، فلا يُلتَفَت إلى إنكار ابن التِّين أنَّه أَبَقَ، وأمَّا كَوْنه عادَ فحَضَرَ عند النبيّ ◌َّ فلا يُنافيه أيضاً، لأنَّه يُحمَل على أنَّه رجع عن الإباق، وعادَ إلى سَيِّده ببَرَكة الإسلام. ويُحتمل أن يكون أطلقَ أَبَقّ بمعنى أنَّه أضَلَّ الطَّريق، فلا تَتَنَافَى الرِّوايتان. ٧٥- وفد طمئ وحديث عدي بن حاتم ٤٣٩٤- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، حذَّثنا عبدُ الملِكِ، عن عَمْرِو بنِ حُرَيثٍ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتمٍ، قال: أتينا عمرَ في وَقْدٍ، فجَعَلَ يَدْعو رجلاً رجلاً ويُسمِّيهم، فقلتُ: أما تَعْرِفُني يا أمِيرَ المؤمنينَ؟ قال: بَلَى، أسلَمْتَ إذ كفروا، وأقبَلْتَ إِذْ أَدْبَروا، ووَفَيتَ إِذ غَدَروا، وعَرَفْتَ إذ أنكروا، فقال عَدِيٌّ: فلا أُبالي إذاً. قوله: ((وَفْد طَيِّي وحديث عَديّ بن حاتم)) أي: ابن عبد الله بن سعد بن الحَشرَج، بمُهمَلة ثُمَّ مُعجَمة ثمَّ راء ثمَّ جیم، بوزنٍ جعفر، ابن امرئ القيس بن عَديّ الطائيّ، منسوب إلى طِّّي، بفتح المهملة وتشديد التَّحتانيّة المكسورة بعدها همزة، ابن أُدَد بن زيد بن یَشجُب بن عَرِيب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأ، يقال: كان اسمه جُلْهُمة، فسُمَّ طَيِّئاً، لأنَّه أوَّل من طَوَى بئراً، ويقال: أوَّل من طَوَى المناهِل. (١) قوله: ((وأضل)) سقط من (أ) و(س)، وأثبتناه من (ع)، وبه يتم المعنى. ٦٨٩ باب ٧٥ / ح ٤٣٩٤ كتاب المغازي وأخرج مسلم (٢٥٢٣) من وجه آخر عن عَدّي بن حاتم قال: أتيت عمر فقال: إنَّ أوَّل صَدَقة بَيَّضَت وجهَ رسول اللهَوَ له ووجوه أصحابه صَدَقة طَيِّ، جِئتُ بها إلى النبيّ ◌َّل. وزاد أحمد (٣١٦) في أوَّله: أتيت عمر في أُناس من قومي، فجَعَلَ يُعرِض عنِّي، فاستَقبَلتُه، فقلت: أتعرِفُني؟ فذكر نحو ما أورَدَه البخاريّ ونحو ما أورَدَه/ مسلم جميعاً. ١٠٣/٨ قوله: ((حدَّثْنا عبد الملِك)) هو ابن عُمَير، وعَمْرو بن حُرَيثٍ، بالمهمَلة وبالمثلّثَة مُصغَّر: هو المخزوميّ، صَحابيّ صغير، وفي الإسناد ثلاثة من الصَّحابة في نَسَق. قوله: ((أتيت عمر)) أي: في خِلافَته. قوله: ((فجَعَلَ يَدْعو رجلاً رجلاً يُسَمّيهم(١)) أي: قبل أن يَدعوهم. قوله: ((بَلَى أَسلَمْت إذ كفروا .. )) إلى آخره، يشير بذلك إلى وفاء عَديّ بالإسلام والصَّدَقة بعد موت النبيّ ◌َّةِ، وأَنَّه مَنَعَ مَن أطاعَه من الرِّة، وذلك مشهور عند أهل العلم بالفُتوح. قوله: ((فقال عَديّ: فلا أُبالي إذا) أي: إذا كنتَ تَعرِف قَدْري فلا أُبالي إذا قَدَّمتَ عليَّ غيري. وفي (الأدب المفرد)) (١٠٢٩) للبخاريِّ: أنَّ عمر قال لعَديِّ: حَيّاك الله من مَعِرِفٍ. وروى أحمد (١٨٢٦٠) في سبب إسلام عَديّ، أنَّه قال: لمَّا بُعِثَ النبيّ وَّلَ كَرهتُه، فانطَلَقت إلى أقصى الأرض ممّا يَلي الرّوم، ثمَّ كَرهتُ مكاني، فقلت: لو أتيتُه، فإن كان كاذِباً لم يَخْفَ عليَّ، فأتيته، فقال: ((أسلِم تَسلَم)) فقلت: إنَّ لي ديناً. وكان نصرانياً، فذكر إسلامه. وذكر ذلك ابن إسحاق مُطوَّلاً، وفيه: أنَّ خيل النبيّ وَلّ أصابت أُخت عَديّ، وأنَّ النبيّ وَِّ مَنَّ عليها فأطلقَها بعد أن استَعطَفَتْه بإشارة عليّ عليها، فقالت له: هَلكَ الوالد وغابَ الوافد، فامنُن عليَّ مَنَّ الله عليك، فقال: ((ومَن وافِدُك؟)) قالت: عَديّ بن حاتم، قال: ((الفارُّ من الله ورسوله؟)) فلمَّا قَدِمَت ابنةُ حاتم على عَديّ أشارَت عليه بالقُدومِ على رسول الله وَلّ، فَقَدِمَ وأسلَمَ. (١) کذا في الأصلین و(س): يُسمیھم، دون ذکر الواو قبلها، مع أنها ثابتة في الیونینیة، دون حكاية خلاف بين رواه البخاري في ثبوتها. ٦٩٠ باب ٧٦ فتح الباري بشرح البخاري وروى التِّرمِذيّ (٢٩٥٣م) من وجه آخر عن عَديّ بن حاتم قال: أتيت النبيّ أَّ في المسجد فقال القوم: هذا عَديّ بن حاتم، وكان النبيّ ◌َ ﴿ قبل ذلك يقول: ((إنّي لَأرجو الله أن يجعل يده في يدي )). ٧٦ - باب حجّة الوداع قوله: ((باب حِجّة الوَداع)) بكسر الحاء المهمَلة وبفتحها، وبكسرِ الواو وبفتحها، ذكر جابر في حديثه الطّويل في صِفَتها كما أخرجه مسلم وغيره(١): أنَّ النبيّ ◌َّ مَكَثَ تسع سنينَ - أي: مُنذُ قَدِمَ المدينة - لم يَحُجّ، ثمَّ أذَّنَ في الناس في العاشرة أنَّ النبيّ ◌َّ حاجٌ، فَقَدِمَ المدينة بَشَر كثير كلّهم يَلْتَمِس أن يأتمّ برسولِ الله وَِّ، الحديث. ووَقَعَ في حديث أبي سعيد ١٠٤/٨ الخُدْريِّ ما يُوهِم أنَّه وَلِ﴿ حَجَّ قبل أنَّ يُهاجِر غير حَجّة الوَداع، ولفظه ... (٢)/ وعند التِّرمِذيّ (٨١٥) من حديث جابر: حَجَّ قبل أن يُهاجِر ثلاث حِجَج (٣)، وعن ابن عبّاس مِثله، أخرجه ابن ماجه (٣٠٧٦)، والحاكم (٥٥/٣). قلت: وهو مَبنيّ على عَدَد وُفود الأنصار إلى العَقَبة بمِنَّى بعد الحجّ، فإنَهم قَدِموا أوَّلاً فَتَواعَدوا، ثمَّ قَدِموا ثانياً فبايعوا البيعة الأولَى، ثمَّ قَدِموا ثالثاً فبايعوا البيعة الثّانية كما تقدَّم بيانه أوَّل الهجرة، وهذا لا يقتضي نَفْي الحجّ قبل ذلك. وقد أخرج الحاكم (٣/ ٥٥) بسندٍ صحيح إلى الثَّوريّ: أنَّ النبيّ ◌َِّ حَجَّ قبل أن يُهاجِرِ حِجَجاً(٤). وقال ابن الجَوْزيّ: حَجَّ حِجَجاً لا يُعرَف عَدَدها. وقال ابن الأثير في ((النِّهاية)): كان يَحُجّ كلّ سنة قبل أن يُهاچِر. (١) أخرجه أحمد (١٤٤٤٠)، ومسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤). (٢) كذا بيّض له الحافظ في الأصل، فكأنه كان وقف عليه، ثم لم يهتد إليه فبيّض له، والله أعلم. (٣) لفظه: حج ثلاث حجج: حجتین قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر. و کذا لفظه من حديث ابن عباس عند ابن ماجه، أما رواية الحاكم فبلفظ: حج قبل أن يهاجر حججاً وحج بعدما هاجر. (٤) رواية الثوري هذه، هي نفسها رواية ابن عباس التي أشار إليها قريباً وعزاها لابن ماجه والحاكم، ففي آخر الحديث: قيل للثوري: من ذكره؟ فقال: جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، وابن أبي ليلى عن مقسم عن ابن عباس. قلنا: وابن أبي ليلى هذا ضعيف سئ الحفظ. ٦٩١ باب ٧٦ / ح ٤٣٩٥ كتاب المغازي وفي حديث ابن عبّاس: أنَّ خروجه من المدينة كان لخمسٍ بَقِينَ من ذي القَعْدة، أخرجه المصنّف في الحجّ (١٥٤٥)، وأخرجه هو (١٧٠٩) ومسلم (١٢٥/١٢١١) من حديث عائشة مِثْله. وجَزَمَ ابن حَزْم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر لأنَّ أوَّل ذي الحِجّة(١) كان يوم الخميس قطعاً لمَا ثَبَتَ وتَواتَرَ أنَّ وقوفه بعَرَفة كان يوم الجمعة، فتَعيَّنَ أنَّ أوَّل الشَّهر يوم الخميس، فلا يَصِحّ أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة. لكن ثَبَتَ في (الصحيحينِ))(٢) عن أنس: صَلَّينا الظُّهر معَ النبيّ وَّر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحُلَيفة ركعتَينٍ. فدَلَّ على أنَّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقيَ إلّا أن يكون خروجهم يوم السَّبت، ويُحمَل قول مَن قال: لخمسٍ بَقِينَ، أي: إن كان الشَّهر ثلاثينَ فاتَّفَقَ أن جاء تسعاً وعشرينَ فيكون يوم الخميس أوَّل ذي الحِجّة بعد مُضيّ أربع لَيالٍ لا خمس، وبهذا تَتَّفِقِ الأخبار. هكذا جَمَعَ الحافظ عِماد الدّين بن كثير بين الرِّوايات، وقَويَ هذا الجمع بقولِ جابر: إنَّه خرج لخمسٍ بَقينَ من ذي القَعدة أو أربع. وكان دُخوله ◌َّ﴿ مِكَّة صُبح رابعةٍ كما ثَبَتَ في حديث عائشة، وذلك يوم الأحد، وهذا يُؤيِّد أنَّ خروجه من المدينة كان يوم السَّبت كما تقدَّم، فيكون مُكْثُه في الطَّريق ثمان لَیالٍ، وهي المسافة الوُسطَى. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب سبعة عشر حديثاً، تقدَّم غالبها في كتاب الحجّ مشروحةً، وسأُبيُِّ ذلك معَ مَزید فائدة. ٤٣٩٥ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزَّبَيِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: خَرَجْنا معَ رسولِ الله وََّ فِي حَجّةِ الوَداعِ، فأهلَلْنا بِعُمْرةٍ، ثمَّ قال رسولُ الله ◌َّهَ: «مَن كان معه هَذْيٌّ فليُهِلَّ بالحجِّ معَ العُمْرةِ، ثمَّ لا يَحِلَّ حتَّى يَحِلَّ منهما جميعاً)) فقَدِمْتُ معه مكَّةَ وأنا حائضٌ، ولم أَطُف بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، فشَكَوْتُ إلى (١) جاء في الأصلين: أول ذي القعدة، والمثبت من (س) هو الصواب، كما يدل عليه سياق كلام الحافظ. (٢) عند البخاري (١٠٨٩)، وعند مسلم (٦٩٠). ٦٩٢ باب ٧٦ / ح ٤٣٩٥-٤٣٩٧ فتح الباري بشرح البخاري رسولِ اللهِ وَ﴾، فقال: ((انقُضي رأسَكِ وامتَشِطي، وأُهِلِي بالحجِّ، ودَعي العُمْرةَ)) ففَعَلْتُ، فلمَّا قَضَينا الحجّ أرسَلَني رسولُ اللهَ بِّهِ معَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ إلى التَّعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ، فقال: ((هذه مكانَ عُمْرَتِكِ)) قالت: فطافَ الَّذينَ أهَلّوا بالعُمْرةِ بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمَرْوةِ، ثُمَّ حَلّوا، ثمَّ طافوا طَوافاً آخَرَ بعدَ أن رجعوا من مِنَّى، وأمَّا الَّذينَ جمَعوا الحجّ والعُمْرةَ، فإنّما طاقُوا طَوافاً واحداً. ٤٣٩٦- حدَّثْني عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: حذَّثني عطاءٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ: إذا طافَ بالبيتِ فقد حَلَّ، فقلتُ: من أينَ قال هذا ابنُ عبَّاسٍ؟ قال: من قولِ الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ومن أمرِ النبيِّ ◌َّ أَصْحابَه أن يَحِلّوا في حَجّةِ الوَداعِ، قلتُ: إنَّما كان ذلك بعدَ المُعَرَّفِ؟ قال: كان ابنُ عبَّاسٍ يراه قبلُ وبَعْدُ. الحديث الأول: حديث عائشة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقّى في ((باب التَّمَتُّع والقِران)) (١٥٦١) من كتاب الحجّ. الحديث الثاني: قوله: ((عن ابن عبّاس: إذا طافَ بالبيتِ فقد حَلَّ. فقلت: من أينَ قال هذا ابن عبّاس؟)) القائل: هو ابن جُرَيج والمقُول له عطاء، وذلك صريح في رواية مسلم، والمراد بالمعَرَّفِ، وهو بتشديد الرّاء: الوقوف بعَرَفة. وهو ظاهر في أنَّ المراد بذلك مَن اعتَمَرَ مُطلَقاً سواء كان قارناً أو مُتَمَتِّعاً، وهو مذهب مشهور لابنِ عبَّاس، وقد تقدَّم البحث فيه في أبواب الطَّواف في («باب مَن طافَ بالبيت إذا قَدِمَ)) من كتاب الحجّ (١٦١٤ -١٦١٧). ٤٣٩٧ - حدَّثني بيانٌ، حدَّثنا النَّضْرُ، أخبرنا شُعْبةُ، عن قيسٍ، قال: سمعتُ طارقاً، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ صُه، قال: قَدِمْتُ على النبيِّ لَهُ بِالبَطْحاءِ، فقال: ((أحَجَجْتَ؟)) قلتُ: ١٠٥/٨ نعم، قال: ((كيفَ أهلَلْتَ؟)»/ قلتُ: لَبِّكَ بإِهْلالٍ كَإِهْلال رسولِ الله وَلِّ، قال: «طُف بالبيتِ، وبالصَّفا والمَرْوةِ، ثمَّ حِلَّ)) فطُفْتُ بالبيتٍ وبالصَّفا والمَرْوةِ، وأتيتُ امرأةً من قيسٍ، فقَلَتْ ٦٩٣ باب ٧٦ / ح ٤٣٩٨-٤٣٩٩ كتاب المغازي رأسِي. ٤٣٩٨ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، أخبرنا أنسُ بنُ عِياضٍ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافعٍ، أنَّ ابنَ عمرَ أخبَرَه، أنَّ حفصةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ وَّهِ أخبَرَتْه: أنَّ النبيَّ وَِّ أَمَرَ أزْواجَه أن يَخْلِلنَ عامَ حَجّةِ الوَداعِ، فقالت حفصةُ: فما يَمْنَعُكَ؟ فقال: ((لَبَّدْتُ رأسي، وقَلَّدْتُ هَذْيِي، فَلَسْتُ أحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَذْيِي)). الحدیث الثالث: حديث أبي موسى. قوله: ((حدَّثنا بَيَان)) بفتح الموحّدة وتخفيف التَّحتانيَّة: هو ابن عَمْرو البخاريّ، والنَّضر: هو ابن شُمَيلٍ، وقيس: هو ابن مسلم، وطارق: هو ابن شِهاب. وقد تقدَّم شرح المتن في ((باب مَن أهَلَّ في زمن النبيّ ◌َِِّكَإِهلال النبيّ ◌َلُ)) (١٥٥٩). الحديث الرابع: حديث حفصة، وقد تقدَّم شرحه في ((باب التَّمَتُّع والقِران)) (١٥٦٦). ٤٣٩٩- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ (ح) وقال محمَّدُ بنُ يوسفَ: حَدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: أخبرني ابنُ شِهابٍ، عن سليمانَ بنِ یَسارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ امرأةً من خَفْعَمَ استَفْتَتْ رسولَ الله ◌ِوَّهِ فِي حَجّةِ الوَداع - والفَضْلُ بنُ عبَّاسِ رَدِيفُ رسولِ اللهِ وَّهِ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ فِيضةَ الله على عِبادِه أدْرَكَت أبي شيخاً كَبِيراً، لا يستطيعُ أن يَسْتَوِيَ على الراحلةِ، فَهَل يَقْضي أن أُحُجَّ عنه؟ قال: (نعمْ)). الحديث الخامس: حديث ابن عبّاس: أنَّ امرأة من خَثعَم استَقْتَتْ رسول الله وَلي في حجّة الوَداع، الحديث في أمرها بالحجِّ عن أبيها، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ (١٨٥٥)، وفيه الكلام على اسمها واسم أبيها. وأورَدَه هُنا لتصريح الراوي بأنَّ ذلك كان في حجّة الوداع. وقوله في أوَّل الإسناد: ((وقال محمَّد بن يوسف)) هو الفِرْيابيُّ، وهو من شيوخ البخاريّ، وكأنَّه لم يَسمَع هذا الحديث منه، وقد وَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) من طريقه، وساقَ ٦٩٤ باب ٧٦ / ح ٤٤٠٠ فتح الباري بشرح البخاري المصنِّف الحديث هُنا على لَفظه، وأمَّا لَفظ شُعَيب فسيأتي في كتاب الاستئذان (٦٢٢٨)، وهو أتمّ سياقاً من رواية الأوزاعيِّ. ٤٤٠٠- حدَّثني محمَّدٌ، حدَّثنا سُرَيجُ بنُ النُّعْمان، حدَّثْنَا فُلَيِحٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: أقبَلَ النبيُّ وَِّ عامَ الفتحِ، وهو مُرْدِفٌ أُسامةَ على القَصْواءِ، ومعه بلالٌ وعثمانُ بنُ طَلْحَةَ، حتَّى أناخَ عندَ البيتِ، ثمَّ قال لِعثمانَ: ((اثْتِنا بالمِفْتَاحِ)) فجاءه بالمِفْتَاحِ، ففَتَحَ له البابَ، فَدَخَلَ النبيُّ نَّهِ وأسامةُ وبِلالٌ وعثمانُ، ثمَّ أغلَقوا عليهمُ البابَ، فمَكَثَ نهاراً طويلاً، ثمَّ خرج فانْتَدَرَ الناسُ الدُّخولَ، فسَبَقْتُهم، فَوَجَدْتُ بلالاً قائماً وراءَ الباب، فقلتُ له: أينَ صَلَّى رسولُ اللهِهِ؟ فقال: صَلَّى بينَ ذَينِكَ العَمودَينِ المقدَّمَينِ. ١٠٦/٨ وكان/ البيتُ على سِتّةٍ أعمِدةٍ سَطْرَينٍ، صَلَّى بينَ العَمودَينِ مِن السَّطْرِ المقدَّمِ، وجَعَلَ باب البيتِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، واستَقبَلَ بوَجْهِه الذي يَسْتَقْبِلُكَ حِين تَلِجُ البیتَ بينَه وبينَ الجِدار، قال: ونَسِيتُ أن أسألَه كَمْ صَلَّى، وعندَ المكان الذي صَلَّى فيه مَرْمَرةٌ حمراءُ. الحديث السادس: حديث ابن عمر في دُخول النبيّ وَّ الكعبة. تقدَّم شرحه مُستَوقّى في ((باب إغلاق البيت)) (١٥٩٨) من أبواب الطَّواف في كتاب الحجّ. وقوله في أوَّل الإسناد: ((حدَّثني محمَّد)) هو ابن رافع، كما تقدَّم في الحجّ (١٦٠٤)، وتقدَّم هناكَ بیان الاختلاف فيه. وقوله: (سَطَرَينٍ)) بالمهمَلة، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيِّ: بالمعجَمة، وخَطَّاه عياض. وقوله: ((عند المكان الذي صَلَّى فيه مَرمَرة» بسكونِ الرّاء بين الميمَينِ المفتوحَتَينِ: واحدة المرمَر، وهو جِنس من الرُّخام نفيس معروف، وكان ذلك في زمن النبيّ ◌ََّ، ثمَّ غُيَِّ بناء الكعبة بعده في زمن ابن الزُّبَير، كما تقدَّم بسطُه في كتاب الحجّ (١٥٨٦). وقد أشكَلَ دُخول هذا الحديث في ((باب حجّة الوَداع))، لأنَّ فيه التَّصريح بأنَّ القِصّة كانت عام الفتح، وعام الفتح كان سنة ثمان، وحجّة الوداع كانت سنة عشر، وفي أحاديث ٦٩٥ باب ٧٦ / ح ٤٤٠١ - ٤٤٠٣ كتاب المغازي هذا الباب جميعها التَّصريح بحَجّة الوَداع أو بحَجّة النبيّ ◌َّ، وهي حجّة الوداع. ٤٤٠١- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، حدَّثَنِي عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ ◌ََّ أَخْبَرْهما: أنَّ صَفِيَةَ بنتَ حُبَيٍّ زَوْجَ النبيِّ وَلـ حاضَت في حَجّةِ الوَداع، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((أحابسَتُنا هي؟)) فقلتُ: إنَّها قد أفاضَت يا رسولَ الله، وطافَت بالبيتِ، فقال النبيُّ وَّ: ((فَلْتَنْفِرْ)). الحديث السابع: حديث عائشة في قِصّة صَفيَّة. وقد تقدَّم شرحه في (باب إذا حاضَت بعدَما أفاضَت)) (١٧٥٧) من كتاب الحجّ. ٤٤٠٢- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني عمرُ بنُ محمَّدٍ، أنَّ أباه حدَّثه، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: كنَّا نَتَحَدَّثُ بحَجّةِ الوَدَاعِ والنبيُّ نَّهِ بِينَ أَظْهُرِنا، ولا نَذْري ما حَجّةُ الوَدَاعِ، فحَمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثمَّ ذَكَر المسيحَ الدَّجّالَ، فأطْنَبَ في ذِكْرِه، وقال: ((ما بَعَثَ الله من نبيٍّ إلَّا أَنْذَرَ أَمَّتَه، أنذَرَه نوحٌ والنبيّونَ من بَعْدِه، وإِنَّه يَخْرُجُ فيكُم فما خَفِيَ عليكُم من شأنِهِ، فليس يَخْفَى عليكُم أنَّ رَبَّكُم ليس على ما يَخْفَى عليكُم ثلاثاً: إنَّ رَبَّكُمْ ليس بأعوَرَ، وإِنَّه أعوَرُ العَينِ الْيُمْنَى، كأنَّ عينَه عِنَةٌ طافيةٌ)). ٤٤٠٣۔ («ألا إنَّ الله خَرَّمَ علیگُم دماءًگُم وأموالگُمْ، کُزمةِ یومِگُم هذا، في بَلَدِكُم هذا، في شَهْرِكُم هذا، ألا هل بَلَّغْت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهمَّ اشهَدْ)» ثلاثاً. ٤٤٠٣ م - ((وَيلَكُم - أو وَيُحَكُم - انظُرُوا، لا تَرْجِعوا بَعْدي كفَّاراً، يَضْرِبُ بعضُكُمْ رِقَابَ بعض». الحديث الثامن: قوله: ((حدَّثني عمر بن محمَّد)) أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر. قوله: ((كنَّا نَتَحَدَّث بحَجّةِ الوَدَاع/ والنبيّ ◌َلّ بین أظْهُرنا» في رواية أبي عاصم عن عمر ١٠٧/٨ ابن محمَّد عند الإسماعيليّ: كنَّا نَسمَع بحَجّة الوَدَاعِ. ٦٩٦ باب ٧٦ / ح ٤٤٠٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولا نَذْري ما حجّة الوداع)) كأنَّه شيء ذكره النبيّ وَّةِ، فَتَحَدَّثوا به، وما فهموا أنَّ المراد بالوَداع وداع النبيّ وَّةِ، حَتَّى وقَعَت وفاته وَّر بعدها بقليل، فعَرَفوا المراد، وعَرَفوا أنَّه وَذَّعَ الناس بالوَصَّة الَّتي أوصاهم بها أن لا يَرجِعوا بعده كفَّاراً، وأكَّدَ التوديع بإشهادِ الله عليهم بأنَّهم شَهِدوا أنَّه قد بَلَّغَ ما أُرسِلَ إليهم به، فعَرَفوا حينئذٍ المراد بقولهم: حجّة الوَداع. وقد وَقَعَ في الحجّ في ((باب الخُطبة بمِنْی)) (١٧٤٢) من روایة عاصم بن محمّد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر في هذا الحديث: فَوَذَّعَ الناس. وقَدَّمت هناكَ ما وَقَعَ عند البيهقيِّ: أنَّ سورة ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ نزلت في وسَط أيام التَّشريق، فعَرَفَ النبيّ ◌َّ أَنَّه الوَدَاعِ، فَرَكِبَ واجتَمَعَ الناس فذكر الخُطبة. قوله: ((فحَمِدَ الله وأثْنَى عليه)) في رواية أبي نُعَيم في ((المستَخرَجِ)): فحَمِدَ رسولُ اللهِوَّلِ الله وحده وأثنَى عليه، الحديث، وذَكَر فيه قِصّة الدَّجّال، وفيه: ((ألا إنَّ الله حَرَّمَ عليكُم دِماءَكُم)) وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الخُطبة كلّها كانت في حجّة الوداع، وقد ذكر الخُطبة في حِجّة الوداع جماعة من الصَّحابة(١)، لم يذكر أحد منهم قِصّة الدَّجّال فيها إلّا ابن عمر، بل اقْتَصَرَ الجَميع على حديث: ((إنَّ أموالكُم عليكُم حَرام)) الحديث. وقد أورَدَ المصنِّف منها حديث جَرِير وأبي بكرة هُنا، وحديث ابن عبّاس في الحجّ. وقد تقدَّم في الحجّ من رواية عاصم بن محمّد بن زید، وهو أخو عمر بن محمّد بن زید عن أبيه عن ابن عمر بدونها، وزيادة عمر بن محمَّد صحيحة، لأنَّه ثقة، وكأنَّه حَفِظَ ما لم يَحَفَظه غيره، وسيأتي شرح ما تَضَمَّنَتَه هذه الزيادة في كتاب الفتن (٧١٢٣) إن شاء الله تعالى. ٤٤٠٤ - حدَّثنا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا زُهَيٌ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، قال: حدَّثني زيدُ بنُ أرقَمَ: أنَّ النبيَّ وَ غَزَا تسعَ عشرةَ غزوةً، وأنَّه حَجَّ بعدَما هاجَرَ حَجّةً واحدةً، لم يَحُجَّ بعدَها، حَجّةَ الوداع. (١) منهم أبو بكرة، وحديثه عند البخاري في هذا الباب، وابن عباس، وحديثه سلف عند البخاري (١٧٣٩)، وجابر وحديثه عند مسلم (١٢١٨) وغيرهم. ٦٩٧ باب ٧٦ / ح ٤٤٠٥ كتاب المغازي قال أبو إسحاقَ: وبِمگَّةَ أُخرَى. الحديث التاسع: حديث زيد بن أرقَم، تقدَّم شرحه في أوَّل الهجرة(١). وقوله: ((وأَنَّه حَجَّ بعدَما هاجَرَ حجّة واحدة، لم يَحُجّ بعدها، حجّة الوَداع)) يَعني: ولا حَجَّ قبلها، إلّا أن يريد نفي الحجّ الأصغر، وهو العمرة، فلا، فإنَّه اعتَمَرَ قبلها قطعاً. قوله: ((قال أبو إسحاق: وبمكَّة أُخرَى)) هو موصول بالإسناد المذكور، وغَرَضُ أبي إسحاق أنَّ لقوله: ((بعدَما هاجَرَ)) مفهوماً، وأنَّه قبل أن يُهاجِر كان قد حَجَّ، لكن اقتِصاره على قوله: ((أُخرى)) قد يُوهم أنَّه لم يَحُجّ قبل الهجرة إلّ واحدة، وليس كذلك بل حَجَّ قبل أن يُهاجِر مِراراً، بل الذي لا أرتاب فيه أنَّه لم يَترُك الحجّ وهو بمكّة قَطّ، لأنَّ قُرَيشاً في الجاهليَّة لم يكونوا يَترُكونَ الحجّ، وإنَّما يَتأخّر منهم عنه مَن لم يكن بمگَّة أو عاقَه ضعف، وإذا كانوا - وهم على غير دين - يَجِرِصونَ على إقامة الحجّ، ويَرَونَه من مَفاخرهم الَّتي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيفَ يُظَنّ بالنبيِّ ◌َّ أَنَّ یَترُكه؟! وقد ثبت من حديث جُبَير بن مُطعِمٍ: أَنَّه رآه في الجاهليَّة واقفاً بعَرَفة(٢)، وأنَّ ذلك من تَوفيق الله له، وثَبَتَ دُعاؤُه قبائل العرب إلى الإسلام بمِنَّى ثلاث سنينَ مُتَوالية، كما بيَّتُه في الهجرة إلى المدينة(٣). ٤٤٠٥ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عليٍّ بنِ مُدْرِكٍ، عن أبي زُرْعةَ بنِ عَمْرِو ابنِ جَرِير، عن جَرِير: أنَّ النبيَّ بِّهِ قال في حَجّةِ الوَدَاعِ لِجَريرٍ: ((استَنْصِتِ الناسَ)) فقال: ((لا تَرْجِعوا بَعْدي كفَّاراً، يَضْرِبُ بعضُكُمْ رِقَابَ بعضٍ». الحديث العاشر: ١٠٨/٨ قوله: ((عن عليّ بن مُدْرِك)) بضمِّ الميم وسكون الدّال وكسر الرّاء، وهو نَخَعيٌّ كوفيّ ثقة، ذَكَرِه ابن حِبّان في ثِقات التابعينَ، وما له في ((البخاريّ)) سِوَى هذا الحديث، لكنَّ (١) بل في أول المغازي (٣٩٤٩). (٢) سلف برقم (١٦٦٤). (٣) في ((باب وفود الأنصار إلى النبي وَلقر بمكة، وبيعة العقبة)) (٣٨٨٩-٣٨٩٤). ٦٩٨ باب ٧٦ / ح ٤٤٠٦ فتح الباري بشرح البخاري أورَدَه في مواضع (١)، والله أعلم. قوله: ((استَنْصِتِ الناس)) فيه دليل على وهم مَن زَعَمَ أنَّ إسلام جَرِير كان قبل موت النبيّ وَ﴿ بأربعينَ يوماً، لأنَّ حجّة الوداع كانت قبل وفاته بأكثر من ثمانين يوماً. وقد ذكر جَرِير أنَّه حَجَّ معَ النبيّ ◌َّ حجّة الوَداع. ٤٤٠٦- حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حذَّثنا أيوبُ، عن محمَّدٍ، عن ابنِ أبي بَكْرةَ، عن أبي بَكْرةَ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((الزَّمانُ قد استَدَارَ كَهَيئةٍ يومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عَشَرَ شهراً، منها أربعةٌ حُرُمٌ: ثلاثةٌ مُتَوالياتٌ: ذو القَعْدِةِ، وذو الِحِجّةِ، والمحرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بينَ مُمادَى وشَعْبانَ، أيُّ شَهْرِ هذا؟)) قُلْنا: اللهُ ورسولُه أعلم، فسَكَتَ حتَّى ظَنَّا أَنَّه سَيُسمِّيه بغيرِ اسمِه، قال: ((أليس ذا الحِجّةِ؟)) قُلْنا: بَلَى، قال: ((فأيُّ بَدٍ هذا)) قُلْنا: الله ورسولُه أعلم، فسَكَتَ حتَّى ظَنَنًا أنَّه سَيُسمِّيه بغيرِ اسمِهِ، قال: ((أليس البَلْدةَ؟» قُلْنا: بَلَى، قال: ((فأيُّ يوم هذا؟)) قُلْنا: اللهُ ورسولُه أعلم، فسَكَتَ حتَّى ظَنَنًا أنَّه سَيُسمِیه بغيرِ اسمِه، قال: ((أليس يومَ النَّحْرِ؟)) قُلْنا: بَلَى، قال: ((فإنَّ دِماءًُم وأموالُم - قال محمَّدٌ: وأحسِبُه قال: وأعراضگُم ۔ علیگم حرامٌ، کُزمةِ یومِگُم هذا، في بَلَدِكُم هذا، في شَهْرِكُم هذا، وسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فيسألُكُم عن أعمالكُمْ، ألا فلا تَرْجِعوا بَعْدي ضُلّالاً، يَضْرِبُ بعضُكُم رِقابَ بعضٍ، ألا لِيُبلِّغِ الشّاهدُ الغائبَ، فلعلَّ بعضَ مَن يُبلَّغُه أن يكونَ أوْعَى له من بعضٍ مَن سمعَه)) - فكان محمَّدٌ إذا ذكره يقول: صَدَقَ النبيُّنَّه ◌ِ ثُمَّ قال: ((ألا هل بَلَّغْت؟)) مرَّتَيْنِ. الحديث الحادي عشر: حديث أبي بكرة. قوله: ((عبد الوهّاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقَفيّ، ومحمَّد: هو ابن سِيرِين، وابن أبي بكرة: هو عبد الرَّحمن، وقد تقدَّم شرح الحديث في العلم (٦٧)، وفي الحجّ (١٧٤١)، وقوله في الآية: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾. قيلَ: الحكمة في جَعْل المحرَّم أوَّل السَّنة أن يَحِصُل الابتداء بشهرٍ حَرام ويُخْتَم بشهرِ حَرام، وتُتَوَسَّط السَّنة بشهرٍ حَرام، وهو رَجَب، وإنّما تَوالَى شهران في الآخِر لإرادة تفضيل الخِتام، والأعمال بالخواتيمِ. (١) انظر (١٢١). ٦٩٩ باب ٧٦ / ح ٤٤٠٧-٤٤٠٨ كتاب المغازي ٤٤٠٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ الثَّوْرِيُّ، عن قیسِ بنِ مسلم، عن طارقٍ ابنِ شِهابٍ: أَنَّ أُناساً مِن اليهودِ قالوا: لو نزلت هذه الآيةُ فينا، لاتَّخَذْنا ذلك اليومَ عِيداً، فقال عمرُ: أيَُّ آيةٍ؟ فقالوا: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْخَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فقال عمرُ: إنّي لأعلم أيَّ مكانٍ أَنْزِلَتْ: أَنْزِلَت ورسولُ الله ◌ِه واقفٌ بعَرَفةً. الحديث الثاني عشر: قوله: ((أنَّ أناساً من اليهود)) تقدَّم في كتاب الإيمان بلفظ: إنَّ رجلاً من اليهود. وبيَّنت أنَّ المراد به كعب الأحبار، وفيه إشكال من جهة أنَّه كان أسلَمَ، ويجوز أن يكون السُّؤال صَدَرَ قبل إسلامه، لكن قد قيلَ: إِنَّه أسلَمَ وهو باليمن في حياة النبيّ وَِّ على يد عليّ، فإن ثَبَتَ احْتُمِلَ أن يكون الذينَ سألوا جماعةٌ من اليهود / اجتَمَعوا معَ كعب على السُّؤال، وتَوَلَّى ١٠٩/٨ هو السُّؤْالَ عن ذلك عنهم، فتَجتَمِع الرّوايات كلّها، وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان (٤٥) بأوضح من هذا معَ بقيّة شرحه. ٤٤٠٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن أبي الأسوَدِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ نَوْفَلٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِوَّةِ، فمِنّا مَن أهَلَّ بِعُمْرةٍ، ومِنّا مَن أهَلَّ بِحَجّةٍ، ومِنّ مَن أهَلَّ بحَجِّ وعُمْرةٍ، وأهَلَّ رسولُ اللهِ وَّرِ بالحجِّ، فَأَمَّا مَن أهَلَّ بالحجِّ، أو ◌َمَعَ الحجّ والعُمْرةَ، فلم يَحِلّوا حتَّى يومِ النَّحْرِ. حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، وقال: معَ رسولِ الله وَّهِ فِي حَجّةِ الوَداع. حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا مالكٌ، مِثْلَه. ثم أورَدَ المصنِّف حديث عائشة، قالت: خَرَجنا معَ رسول الله ◌ََّ، فمِنّا مَن أهَلَّ بعمرةٍ، الحديث. أورَدَه من طرق عن مالك بسندِه في طريقَينِ، منها في حجّة الوَداع وهو مقصود التَّرجمة، وقد تقدَّم من وجه آخر في أوَّل الباب عن شيخٍ آخرَ لمالك، بأتمّ مِن السّياق المذکور مُنا. ٧٠٠ باب ٧٦ / ح ٤٤٠٩-٤٤١٤ فتح الباري بشرح البخاري ٤٤٠٩- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا إبراهيمُ، هو ابنُ سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن عامٍ ابنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: عادَني النبيُّ ◌َّهِ فِي حَجّةِ الوَداعِ، مِن وجَعِ أشقَيتُ مِنْه على الموتِ، فقلتُ: يا رسولَ الله، بَلَغَ بي مِن الوَجَعِ ما تَرَى، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرِثُنِي إِلَّ ابنةٌ لي واحدةٌ، أفأتصَدَّقُ بُثُلُثَي مالٍ؟ قال: ((لا)) قلتُ: أَفْتُصَدَّقُ بِشَطْرِه؟ قال: ((لا)) قلتُ: فالثُّثِ؟ قال: ((و الثُّثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أن تَذَرَ ورَثْنَكَ أغنياءَ، خيرٌّ من أن تَذَرَهم عالةٌ يَتَكَفَّفونَ الناسَ، ولَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغي بها وجه الله، إلَّا أُجِرْتَ بها، حتَّى اللُّغْمَةَ تَجْعَلُها في فِي امرأتِكَ)) قلتُ: يا رسولَ الله، أَأُخَلَّفُ بعدَ أصْحابٍ؟ قال: ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغي به وجهَ الله، إلَّ ازْدَدْتَ به دَرَجةٌ ورِفْعَةٌ، ولعلَّكَ تُخَلَّفُ حتَّى يَنَفِعَ بِكَ أقوامٌ، ويُضَرَّ بِكَ آخَرونَ، اللهمَّ امضِ لأصْحابِ هِجْرتَهم، ولا تَرُدَّهم على أعقابهم، لكنِ البائسُ سعدُ بنُ خَوْلَةَ)) رَى له رسولُ اللهِِّ أَن توفِّيَ بمكَّةَ. ٤٤١٠- حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافعٍ: أنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما أخبَرَهمْ: أنَّ رسولَ الله وَّهَ حَلَقَ رأسَه في حَجّةِ الوَداع. ٤٤١١- حدّثنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَكْرٍ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، أخبرني موسى بنُ عُقْبَةَ، عن نافعٍ، أخبَره ابنُ عمَرَ: أنَّ النبيَّ ◌ِ ﴿ حَلَقَ في حَجّةِ الوَداع، وأُناسٌّ من أصْحابه، وقَصَّرَ بعضُهمْ. ٤٤١٢- حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ (ح) وقال اللَّيثُ: حدّثني ١١٠/٨ يونسُ، عن ابنِ / شِهابٍ، حدَّثني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبَرَه: أَنَّه أقبَلَ يَسِيرُ على حِمارٍ، ورسولُ الله وَِّ قائمٌ بِمِنَّى فِي حَجّةِ الوَداعِ، يُصَلّي بالناسِ، فسارَ الِحِمَارُ بينَ يَدَي بعضِ الصَّفِّ، ثمَّ نزلَ عنه فصَفَّ معَ الناسِ. ٤٤١٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: حدَّثني أبي، قال: سُئِلَ أُسامةُ - وأنا شاهدٌ - عن سَيرِ رسولِ الله وَ لَ فِي حَجَّتِهِ؟ فقال: العَنَقَ، فإذا وَجَدَ فَجْوةً نَصَّ. ٤٤١٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمةَ، عن مالكِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَديِّ بن ثابتٍ، عن عبد الله بن يزيدَ الخَطْميِّ، أن أبا أيوب أخبره: أنه صَلّى مع رسول الله وَلّه فِي حَجَّة الوداع المغربَ والعشاءَ جميعاً.