Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
باب ٥٥ / ح ٤٣٢٦-٤٣٢٧
كتاب المغازي
رَمَى بِسَهْمٍ في سبيلِ الله، وأمَّا الآخَرُ فنزلَ إلى النبيِّ وَ ثالثَ ثلاثةٍ وعِشْرِينَ مِن الطّائِفِ.
[طرفاه في: ٦٧٦٦، ٦٧٦٧]
الحديث الثالث:
قوله: ((عن عاصم)) هو ابن سليمان، وأبو عثمان: هو النَّهْديّ. وشرح المتن يأتي في
الفرائض (٦٧٦٦ و٦٧٦٧)، والغرض منه ذِكْر أبي بكرة واسمه: نُفَيع بن الحارث، وكان
مَولَى الحارث بن كَلَدة الثَّقَفيّ، فتَدَلَّ من حِصن الطائف بَكْرةٍ، فَكُنّي أبا بكرة لذلك،
أخرج ذلك الطبرانيُ(١) بسندٍ لا بأس به من حديث أبي بكرة.
وكان ممَّن نزلَ من حِصن الطائف من عَبيدهم فأسلَمَ، فيما ذكر أهل المغازي، منهم معَ
أبي بكرة: المنبَعِث، وكان عبداً لعثمان بن عامر بن مُعَتِّب، / وكذا مرزوق، والأزرَق زوج ٤٦/٨
سُميَّة والدة زياد بن عُبيد الذي صارَ يقال له: زياد ابن أبيه، والأزرَق أبو عُقْبة وكان لكَلَدَة
الثَّقَفَيّ، ثمَّ حالَفَ بني أُميَّةً لأنَّ النبيّ ◌َِّ دَفَعَه لخالِدِ بن سعيد بن العاص ليُعلِّمه الإسلام،
ووَرْدان وكان لعبد الله بن ربيعة، ويُحُنِّسُ النَّال وكان لابنِ مالك الثّقَفيّ، وإبراهيم بن
جابر وكان لَخَرَشة الثّقَفيّ، ويَسَار(٢) وكان لعثمانَ بن عبد الله، ونافع مَولَى الحارث بن
كَلَدَة، ونافعٌ مَولَى غَيْلان بن سَلَمَةَ الثّقَفيّ، ويقال: كان معهم زياد ابن سُميَّة، والصَّحيح
أنَّه لم يَخْرُج حينئذٍ لصِغَرِهِ، ولم أعرِف أسماء الباقينَ.
قوله: (تَسوَّرَ)) أي: صَعِدَ إلى أعلاه، وهذا لا يُخالف قوله: تَلَّ، لأَنَّه تَسوَّرَ من أسفَله إلى
أعلاه ثمَّ تَدَلَّ منه.
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((معاجمه)) ومصنفاته، وأخرجه البزار في ((مسنده)) (٣٦٨٤). وقد أورده
الهيثمي في ((المجمع)) ٦/ ١٩٠ وعزاه للطبراني، ثم أورده بعد ذلك ٩/ ٤٠٠ وقال: رواه البزار، وفيه أبو
المنهال البكراوي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. قلنا: جاء مسمَّى في رواية الحاكم ٢٧٨/٤ -٢٧٩
عبد الرحمن بن معاوية، ولم نتبينْه.
(٢) تصحفت في (س) إلى: بشار، وأورده الحافظ في ((الإصابة)) ٦/ ٦٨٣ فيمن اسمه يسار غير أنه قال: مولى
آل عمر بن عمير الثقفي.

٥٨٢
٥٥ / ح ٤٣٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: (وقال هشام)) هو ابن يوسف الصَّنعانيّ، ولم يقع لي موصولاً إليه، وقد أخرجه
عبد الرَّزّاق (٩٦٨٢) عن مَعمَر، لكن عن أبي عثمان وحده عن أبي بكرة وحده بغير شَكّ.
وغَرَض المصنّف منه ما فيه من بيان عَدَد مَن أُبهم في الرِّواية الأولَى فإنَّ فيها: تَسوَّر من(١)
حصن الطائف في أُناس. وفي هذا: فنزلَ إلى النبيّ وَّ ثالث ثلاثةٍ وعشرينَ من الطائف.
وفيه رَدُّ على مَن زَعَمَ أنَّ أبا بكرة لم ينزِل من سور الطائف غيرُه، وهو شيء قاله موسى بن
عُقْبة في ((مغازيه)) وتَبِعَه الحاكم، وجَمَعَ بعضهم بين القولَينِ بأنَّ أبا بكرة نزلَ وحده أوَّلاً ثمَّ
نزلَ الباقونَ بعده، وهو جمع حَسَن.
وروى ابن أبي شَيْبة (٥٠٩/١٤) وأحمد (١٩٥٩) من حديث ابن عبّاس قال: أعتَقَ
رسول الله وَ ل﴿ يوم الطائف كلَّ مَن خرج إليه من رَقيق المشركينَ. وأخرجه ابن سعد (١٥٩/٢)
مُرسَلاً من وجه آخر.
٤٣٢٨ - حدَّثني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدةَ،
عن أبي موسى ، قال: كنتُ عندَ النبيِّ وَّةِ، وهو نازِلٌ بالجِعرانةِ، بينَ مكَّةَ والمدينةِ، ومعه
بلالٌ فأتى النبيَّ وَ﴿ أَعرابٌّ، فقال: ألا تُنْجِزُ لي ما وعَدْتَني؟ فقال له: ((أبشِرْ)) فقال: قد أكثَرْتَ
عليَّ من أبشِرْ، فأقبَلَ على أبي موسى وبِلالٍ كَهَيئةِ الغَضْبان، فقال: ((رَدَّ البُشْرَى فاقبَلا أنتما)»
قالا: قَبِلْنا، ثمَّ دَعَا بقَدَح فيه ماءٌ، فَغَسَلَ يَدَيه ووَجْهَه فيه، ومَجَّ فيه، ثمَّ قال: ((اشرَبا منه،
وأفرِغا على وجوهِكُما ونُحورِكُما، وأبشِرا)) فأخَذا القَدَحَ، فَفَعَلا فنادَت أمُّ سَلَمَةَ من وراءِ
السِّتْرِ: أن أفضِلا لأُمُّكُما، فأفضَلا لها مِنْه طائفةً.
الحديث الرابع: وهو أول الأحاديث في قسمة غنائم حُنين بالجعرانة.
قوله: ((وهو نازِلٌ بالجِعرانةِ بين مكَّة والمدينة)) أمَّا الجِعِرّانة فهي بكسرِ الجيم والعين المهمَلة
وتشديد الّاء وقد تُسكّن العين، وهي بين الطائف ومگّة، وإلى مگَّة أقرب(٢)، قاله عياض،
(١) الرواية ليس فيها ((من)) كما في اليونينية دون حكاية خلاف.
(٢) تقع شمال شرقي مكة، في صدر وادي سَرِف، ولا زال الاسم معروفاً.

٥٨٣
باب ٥٥ / ح ٤٣٢٩
كتاب المغازي
وقال الفاكِهِيّ: بينها وبين مكَّة بَريد. وقال الباجيّ: ثمانية عشر ميلاً. وقد أنكَرَ الدّاووديُّ
الشّارح قوله: إنَّ الجِعرانة بين مكَّة والمدينة، وقال: إنَّما هيَ بين مكَّة والطائف، وكذا جَزَمَ
النَّوَويّ بأنَّ الجِعرانة بين الطائف ومكَّة. وهو مُقْتَضَى ما تقدَّم نَقْلُه عن الفاكِهيّ وغيره.
قوله: ((أعرابيّ)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((ألا تُنجِزُ لي ما وعَدْتني)) يحتمل أنَّ الوَعد كان خاصّاً به، ويُحتمل أن يكون عاماً،
وكان طلبه أن يُعَجِّل له نصيبه من الغنيمة، فإِنَّه وَ لَّكان أمَرَ أن تُجمَع غنائم حُنَينٍ بالجِعرانة،
وتَوَجَّهَ هو والعسكرُ إلى الطائف، فلمَّا رَجَعَ منها فَسَمَ الغنائم حينئذٍ بالجِعرانة، فلهذا وَقَعَ في
كثير مَمَّن كان حديث عَهد بالإسلام استبطاءُ الغنيمة واستنجازُ قِسمَتها.
قوله: ((أبشِرْ)) بهمزة قطع، أي: بقُرب القسمة، أو بالثَّواب الجزيل على الصَّبِرِ.
قوله: ((فنادَت أمّ سَلَمَةَ)) هي زوج النبيّ، وهي أمّ المؤمنينَ، ولهذا قالت: لأُمَُّما.
قوله: ((فأفضَلا لها منه طائفةً)) أي: بَقيَّة.
وفي الحديث مَنقَبة لأبي عامر(١) ولأبي موسى ولِبلال ولأُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهم.
٤٣٢٩- حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني
عطاءٌ: أنَّ صَفْوانَ بنَ يَعْلَى بنِ أُميَّةَ أخبَرَهُ: أنَّ يَعْلَى كان يقول: لَيْتَنِي أَرَى رسولَ اللهِوَّ الِ حِينَ
يُنْزَلُ عليه، قال: فبينا النبيُّ ◌َّ بالجِعرانةِ، وعلیه ثوبٌ قد اُظِلَّ به معه فيه ناس من أصْحابه، إذ
جاءه أعرابٌّ عليه ◌ُبَةٌ مُتَضَمِّخٌ بطِيبٍ، فقال: يا رسولَ الله، كيفَ تَرَى في رجلٍ أحرَمَ بِعُمْرةٍ
في حُبّةٍ بعدَما تَضَمَّخَ بالطِّيبِ؟ فأشارَ عمرُ إلى يَعْلَى بَيَدِهِ: أن تَعالَ، فجاء يَعْلَى، فأدْخَلَ رأسَه
فإذا النبيُّ ◌َِّ مُحْمَرُّ الوَجْهِ، يَغِطُّ كذلك ساعةً، ثمَّ سُرِّيَ عنه، فقال: ((أينَ الذي يَسْألُني عن
العُمْرةِ آَنِفاً؟)) فالتُمِسَ الرجلُ، فَأَتِيَ به، فقال: ((أمَّا الطِّيبُ الذي بكَ فاغسِلْه ثلاثَ مرّاتٍ، وأمَّا
الْجُبَّةُ فانزِعْها، ثمَّ اصْنَع في عُمْرَتِكَ كما تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ)).
٤٧/٨
(١) أبو عامر هذا هو الأشعري، الذي سلف ذكره في حديث أبي موسى الأشعري بالإسناد نفسه برقم (٤٣٢٣) في
قصة استشهاده بعد حنين في غزوة أوطاس ودعائه و ل﴿ له. فالظاهر أنَّ محمد بن العلاء قد روى هذا الحديث
مطولاً بذكر أوطاس والنزول بالجِعرانة بعد حنين، فقطّعهُ البخاري رحمه الله على عادته، ولم يُورده بتمامه.

٥٨٤
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الخامس:
قوله: ((حدّثنا إسماعيل)) هو ابن إبراهيم المعروف بابنٍ عُلَيَّة، ويَعْلى: هو ابن أُميَّةُ التَّميميّ.
وقد تقدَّم شرح حديثه مُستَوفَّى في أبواب العمرة(١).
٤٣٣٠ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا عَمْرو بنُ يحيى، عن عبّادِ بنِ
تَمِيمٍ، عن عبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ، قال: لمَّا أفاءَ الله على رسولِه يومَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ في الناسِ
في المؤلّفةِ قلوبُهم، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئاً، فكأنَّهم وَجَدُوا إذ لم يُصِبْهم ما أصاب الناسَ،
فخَطَبَهم، فقال: ((يا مَعْشَرَ الأنصار، ألم أجِدْكُمْ ضُلّالاً فهَداكُمُ الله بي؟ وكنتُم مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ
الله بي؟ وكنتُم عالةً فأغناكُمُ الله بي؟)) كلَّما قال شيئاً قالوا: الله ورسولُه أمَنُّ، قال: ((ما يَمْنَعُكُم
أن تُجِيبوا رسولَ الله؟)) كلَّما قال شيئاً قالوا: الله ورسولُه أمَنُّ، قال: ((لو شئتُم قلتُمْ: جِئْتَنا كذا
وكذا، أترضَوْنَ أن يَذْهَبَ الناسُ بالشّاةِ والبَعيِ، وتذهبونَ بالنبيِّ إلى رِحالِكُم؟ لولا الهِجْرةُ
لكنتُ امرَأَ مِن الأنصار، ولو سَلَكَ الناسُ وادياً وشِعْباً لَسَلَكْتُ واديَ الأنصار وشِعْبَها،
الأنصارُ شِعارٌ، والناسُ دِثارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَونَ بَعدي أَثْرَةً، فاصِروا حتَّى تَلْقَوني على الحَوْضِ».
[طرفه في: ٧٢٤٥]
الحديث السادس:
قوله: «حدّثنا وُھیب)» هو ابن خالد.
قوله: ((عن عَمْرو بن يحيى)) في رواية أحمد (١٦٤٧٠) عن عَفّانَ عن وُهَيب: حدَّثْنَا عَمْرو
ابن يحيى. وهو المازِنيّ الأنصاريّ المدنيّ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند مسلم (١٠٦١):
عن عَمْرو بن يحيى بن عُمارة.
قوله: ((لمَّا أفاءَ الله على رسوله يوم حُنَينٍ)) أي: أعطاه غَنائم الذينَ قاتَلَهم يوم حُنَينٍ،
وأصل الفَيء: الردّ والرُّجوع، ومنه سُمّيَ الظُّلّ بعد الزّوال فيئاً لأنَّه رَجَعَ من جانب إلى
جانب، فكأنَّ أموال الكفَّار سُمّيَت فيئاً لأنَّها كانت في الأصل للمؤمنينَ، إذ الإيمان هو
(١) بل شرحه في باب غسل الخلوق من أبواب الحج (١٥٣٦)، وقد مرَّ الحديث في أبواب العمرة برقم (١٧٨٩).

٥٨٥
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
كتاب المغازي
الأصل والكفر طارئٌ عليه، فإذا غَلَبَ / الكفّار على شيء من المال فهو بطريق التعدّي، فإذا ٤٨/٨
غَنِمَه المسلمونَ منهم فكأنَّه رَجَعَ إليهم ما كان لهم، وقد قَدَّمنا قريباً أنَّه وَِّ أمر بحَبسٍ
الغنائم بالجِعرانة (١)، فلمَّا رَجَعَ من الطائف وَصَلَ إلى الجِعرّانة في خامس ذي القَعْدة،
وكان السَّبَب في تأخير القسمة ما تقدَّم في حديث المِسوَر رَجاءَ أن يُسلِموا، وكانوا ستّة
آلاف نفس من النِّساء والأطفال، وكانت الإبل أربعة وعشرينَ ألفاً، والغنم أربعينَ ألف
شاة.
قوله: ((فَسَمَ في الناس)) حَذَفَ المفعول، والمراد به الغنائم، ووَقَعَ في رواية الزّهْريِّ عن
أنس في الباب: يُعطي رجالاً المئة من الإبل (٢).
وقوله: ((في المؤلّفة قلوبهم) بَدَل بعضٍ من كلٍّ. والمراد بالمؤلّفة: ناس من قُرَيش أسلموا
يوم الفتح إسلاماً ضعيفاً. وقيل: كان فيهم مَن لم يُسلم بعدُ، كَصفوان بن أُميَّة. وقد
اختُلِفَ في المراد بالمؤلّفة قلوبهم الذينَ هم أحد المستَحقّينَ للزَّكاة، فقيلَ: كفَّار يُعطَونَ
ترغيباً في الإسلام، وقيلَ: مسلمونَ لهم أتباع كفَّار يتألَّفونهم، وقيلَ: مسلمونَ أوَّلَ ما
دخلوا في الإسلام ليتمكَّن الإسلام من قلوبهم.
وأمَّا المراد بالمؤلّفة هنا، فهذا الأخير، لقوله في رواية الزُّهْريِّ في الباب: «فإنّي أُعطي
رجالاً حديثي عَهدٍ بكفرٍ أتألَّفهم)). ووَقَعَ في حديث أنس الآتي (٤٣٣٢) في الباب(٣) قَسمُ
الغنائم في قُرَيش. والمراد بهم: مَن فُتِحَت مكَّة وهم فيها. وفي رواية له (٤٣٣٣): فأعطَى
الطُّلقاء والمهاجِرِينَ. والمراد بالطُّلَقاءِ، وهو جمع طَليق: مَن حَصَلَ من النبيّ وَّ المنّ عليه
يوم فتح مكَّة من قُرَيش وأتباعهم، والمراد بالمهاجِرينَ: مَن أسلَمَ قبل فتح مكَّة، وهاجَرَ إلى
المدينة.
(١) قبل شرح الحديث (٤٣١٨) و(٤٣١٩).
(٢) هو الحديث التالي.
(٣) تحرف في (س) إلى: في باب، وليس في البخاري باب بهذا العنوان، وإنما أراد الحافظ في هذا الباب الذي
هو بصدد شرحه.

٥٨٦
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقد سَرَدَ أبو الفضل بن طاهر في ((المُبهَمات)) له أسماء المؤلّفة وهم: أبو سفيان بن
حَرْب، وسُهَيل بن عَمْرو، وحُوَيطِب بن عبد العُزَّى، وحَكيم بن حِزام، وأبو السّنابل بن
بِعَكَكِ، وصفوان بن أُميَّة، وعبد الرَّحمن بن يَربوع، وهؤلاءِ من قُرَيش، وعُيَينة بن حِصْنٍ
الفَزَارِيّ، والأقرع بن حابس التَّميميّ، وعَمْرو بن الأَهتَم (١) التَّميميّ، والعبَّاس بن مِرداس
السُّلمَيّ، ومالك بن عَوْف النَّصْري(٢)، والعلاء بن جارية(٣) الثَّقَفيّ، وفي ذِكْر الأخيرَين
نَظَرٌ، فقيل: إنَّهما جاءا طائعَينِ من الطائف إلى الجِعرانة.
وذَكَر الواقدي في المؤلَّفة: معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وأَسيد بن جارية(٤) ((س))،
وَخْرمة بن نَوفَل ((س))، وسعيد بن يَربُوع ((س))، وقيسَ بن عَدِي ((س))، وعَمْرو بن وَهْب
((س))، وهشام بن عمرو ((س)).
وذَكَر ابن إسحاق من ذكرتُ عليه علامة ((س))، وزادَ: النَّضر بن الحارث، والحارث
ابن هشام، وجُبَير بن مُطْعِم.
ومَمَّن ذَكَره أبو عمر فيهم: سفيان بن عبد الأسَد، والسائب بن أبي السائب، ومُطيع بن
الأسوَد، وأبو جَهْم بن حُذَيفة.
وذَكَر ابن الجَوْزيّ فيهم: زيد الخيل، وعَلقَمة بن عُلاثة، وحَكيم بن طَليق(٥) بن
سفيان بن أُميَّة، وخالد بن قيس السَّهْميّ، وعُمَیر بن مِرداس.
وذَكَر غيرُهم فيهم: قيس بن مَرَمة، وأُحَيحة بن أُميَّةً بن خَلف، وأُبِيّ بن(٦) شَريق، وحَرمَلة
ابن ھَوْذة، وخالد بن هَوذة، وعِكْرمة بن عامر العَبدَريّ، وشَيْبة بن عثمان(٧)، وعَمْرو بن
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: الأيهم.
(٢) تصحف في (س) إلى: النضري، وإنما هو من نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن.
(٣) تصحف في (س) إلى: حارثة. وقد ضبط اسمَه صاحب ((السيرة الشامية)) ٤٠٠/٥.
(٤) تصحف في (س) أيضاً إلى: حارثة. وضبطه الحافظ في ((الإصابة)) ١ / ٨٠.
(٥) تحرف في (س) إلى: طلق.
(٦) تحرف في (س) إلى: وابن أبي. وإنما هو أُبيّ بن شَريق، المعروف بالأخنس.
(٧) تحرف في (أ) و(س) إلى: عمارة، وجاء على الصواب في (ع). وهو شيبة بن عثمان القرشي العَبْدريُّ.

٥٨٧
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
كتاب المغازي
وَرَقة، ولَبِيدَ بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزوميّ. فهؤلاءِ زيادة
على أربعينَ نفساً.
قوله: ((ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً)) ظاهر في أنَّ العَطيَّة المذكورة كانت من جَميع الغنيمة.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): الإجراء على أُصول الشَّريعة أنَّ العطاء المذكور كان من الخُمُس،
ومنه كان أكثر عطاياه، وقد قال في هذه الغزوة للأعرابيّ: ((ما لي ممّا أفاءَ الله عليكُم إلّا
الخُمُس، والخُمُس مردود فيكُم))، أخرجه أبو داود (٢٦٩٤) والنَّسائيُّ (٣٦٨٨) من حديث
عبد الله بن عَمْرو. وعلى الأوَّل فيكون ذلك مخصوصاً بهذه الواقعة.
وقد ذكر السَّبَبَ في ذلك في رواية قَتَادة عن أنس في الباب (٤٣٣٤) حيثُ قال: ((إِنَّ
قُرَيشاً حديثُ عَهِدٍ بجاهليّةٍ ومُصيبة، وإنّ أردت أن أجبُرَهم وأتألَّفَهم».
قلت: الأوَّل هو المعتمَد، وسيأتي ما يُؤَكِّده. والذي رَجَّحَه القُرطُبيّ جَزَمَ به الواقديّ،
ولكنَّه ليس بحُجّةٍ إذا انفَرَدَ فكيف إذا خالَفَ؟!
وقيلَ: إِنَّمَا كان تَصَرَّفَ في الغنيمة، لأنَّ الأنصار كانوا انهزموا، فلم يَرجِعوا حتَّى وقَعَتِ ٤٩/٨
الهزيمة على الكفَّار فرَدَّ الله أمرَ الغنيمة لنبيِّه. وهذا معنى القول السابق بأنَّه خاصّ بهذه
الواقعة. واختارَ أبو عُبيد أنَّه كان من الخُمُس.
وقال ابن القَيِّم: اقتَضَت حكمة الله أنَّ فتح مكَّة كان سبباً لدُخولِ كثير من قبائل
العرب في الإسلام وكانوا يقولون: دَعوه وقومه، فإن غَلَبَهم دَخَلنا في دينه، وإن غَلَبوه
كَفَونا أمره. فلمَّا فَتَحَ الله عليه استَمرَّ بعضهم على ضَلاله فجَمَعوا له وتأهَّبوا لحربه، وكان
من الحكمة في ذلك أن يَظهَر أنَّ الله نَصَرَ رسوله لا بكَثْرة مَن دَخَلَ في دينه من القبائل ولا
بانكِفاف قومه عن قتاله، ثمَّ لمَّ قَدَّرَ الله عليه مِن غَلَبَتْه إيّاهم قَدّر وقوع هزيمة المسلمينَ
معَ كَثْرَةٍ عَدَدهم وقوّة عُدَدهم، لِيَتَبيَّن لهم أنَّ النَّصر الحقَّ إنَّما هو من عنده لا بقوَّتِهِم، ولو قَدَّرَ
أن لا يَغْلِوا الكفَّار ابتداءً لَرَجَعَ مَن رَجَعَ منهم شامخ الرَّأس مُتَعَاظِماً، فقَدَّرَ هزيمتهم ثمَّ
أعقَبَهم النَّصر ليَدخُلوا مكَّة كما دَخَلَها النبيّ وَ ◌ّ يوم الفتح مُتَواضعاً مُتَخَشِّعاً.

٥٨٨
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
واقتَضَت حِكمَته أيضاً أنَّ غَنائم الكفَّار لمَّ حَصَلَت ثمَّ قُسِّمَت على مَن لم يتمكَّن
الإيمانُ من قلبه لمَا بَقَيَ فيه من الطَّعِ البشريّ في ◌َحَبّة المال، فقَسَمَه فيهم لتَطْمَئِنّ قلوبهم
وَجَتَمِع على ◌َبَّته، لأنَّهَا جُبلَت على حُبّ مَن أحسن إليها، ومَنَعَ أهل الجهاد من أكابر
المهاجِرِينَ ورُؤَساء الأنصار معَ ظُهور استحقاقِهِم الجَميعِها، لأنَّه لو قَسَمَ ذلك فيهم لكان
مقصوراً عليهم، بخِلاف قِسمَته على المؤلَّفة، لأنَّ فيه استجلابَ قلوب أتباعهم الذينَ
كانوا يَرضَونَ إذا رضي رئيسهم، فلمَّا كان ذلك العطاء سبباً لدُخولِهِم في الإسلام، ولتقوية
قلب مَن دَخَلَ فيه قبلُ، تَبِعَهم مَن دونهم في الدُّخول، فكان في ذلك عظيم المصلَحة.
ولذلك لم يقسِم فيهم من أموال أهل مكَّة عند فتحها قليلاً ولا كثيراً معَ احتياج الجيوش
إلى المال الذي يُعينهم على ما هم فيه، فحَرَّكَ الله قلوب المشركينَ لغَزوِهم، فرأى كبيرهم(١)
أن يَخْرُجوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، فكانوا غنيمة للمسلمينَ، ولو لم يَقذِف الله في
قلب رئيسهم أنَّ سَوْقَهُم معه هو الصَّواب، لكان الرَّأي ما أشارَ ابن دُرَيد، فخالَفَه فكان
ذلك سبباً لتَصيرهم غنيمةً للمسلمينَ، ثمَّ اقْتَضَت تلكَ الحكمة أن تُقْسَم تلكَ الغنائم في
المؤلّفة، ويُؤْكَل مَن قلبه ◌ُمتَلِئ بالإيمان إلى إيمانه. ثمَّ كان من تمام التَّأليف رَدّمَن سُبيَ منهم إليهم،
فانشَرَحَت صُدورهم للإِسلام، فدخلوا طائعينَ راغِبِينَ، وجَبَرَ ذلك قلوبَ أهل مكَّة بما نالَم
من النَّصر والغنيمة عمَّا حَصَلَ لهم من الكسر والرُّعب، فصَرَفَ عنهم شَرّ مَن كان يُجاوِرهم من
أشدّ العرب من هَوازِن وثَقيف بما وَقَعَ بهم من الكسرة وبما قَيَّضَ لهم من الدُّخول في
الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهلُ مكّة يُطيقونَ مُقاومة تلك القبائل معَ شِدَّتها و گثرتها.
وأمَّا قِصّة الأنصار وقول مَن قال منهم، فقد اعتَذَرَ رُؤَساؤهم بأنَّ ذلك كان من بعض
أتباعهم، ولّا شَرَحَ لهُم ◌َِّ مَا خَفيَ عليهم من الحكمة فيما صَنَعَ رجعوا مُذْعِنِينَ، ورأوا
أنَّ الغنيمة العُظمَى ما حَصَلَ لهم من عَوْد رسول الله إلى بلادهم، فسَلَوا عن الشّاة والبعير،
والسّبايا من الأُنثَى والصَّغير، بما حازوه من الفَوز العظيم، ومُجاورة النبيّ الكريم لهم حيّاً
وميّاً، وهذا دَأْب الحكيم يُعطي كلَّ أحد ما يناسبه. انتَهَى مُلخَّصاً.
(١) تصحف في (س) إلى: كثيرهم. وإنما هو كبيرهم مالك بن عوف النَّضري.

٥٨٩
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
كتاب المغازي
قوله: ((فكأنَّهم وَجَدوا إذ لم يُصِبْهم ما أصاب الناس)) كذا للأكثرِ مرَّة واحدة، وفي رواية
أبي ذرٍّ: فكأنَّهم وُجُدُ إذ لم يُصِبهم ما أصاب الناس، أو كأنَّهم وَجَدُوا إذ لم يُصِبْهم ما
أصاب الناس؛ أورَدَه على الشكّ: هل قال: وُجُدٌ، بضمَّتَينِ جمع واجِد، أو وَجَدُوا، على أنَّه
فعل ماضٍ، ووَقَعَ له عن الكُشْمِيهنيّ وحدَه: وجدوا، في الموضعين، فصارَ تَكراراً بغير
فائدة، وكذا رأيته في أصل النَّسَفيّ.
ووَفَعَ في رواية مسلم كذلك(١)، قال عياض: وَقَعَ في نُسخة في الثّاني: ((أن لم يُصِبهم))
يعني: بفتح الهمزة وبالنّون، قال: وعلى هذا تَظهَر فائدة الشّكرار.
وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن يكون الأوَّل من الغضب والثّاني من الحُزن، / والمعنى: أنَّهم غَضِبوا، ٥٠/٨
والمَوجِدة: الغضب، يقال: وَجَدَ في نفسه: إذا غَضِبَ، ويقال أيضاً: وَجَدَ: إذا حَزِن،
ووَجَدَ: ضِدّ فَقَدَ، ووَجَدَ: إذا استفادَ مالاً، ويَظهَر الفَرق بينهما بمَصادِرهما: ففي الغضب
موجِدة، وفي الحُزْن وَجْداً بالفتح، وفي ضِدّ الفَقْد وِجداناً، وفي المال وُجْداً، بالضَّمِّ، وقد
يقع الاشتراك في بعض هذه المصادر، وموضع بسط ذلك غير هذا الموضع.
وفي ((مغازي سليمان التَّيْميِّ)): أنَّ سبب حُزنهم أنَّهم خافوا أن يكون رسول الله وَل
يريد الإقامة بمكّة. والأصحّ ما في ((الصَّحيح)) حيثُ قال: إذ لم يُصِبهم ما أصاب الناس.
على أنَّه لا يَمتَنِعِ الجمع، وهو أولَى.
ووَقَعَ في رواية الزُّهْريِّ عن أنس في الباب: فقالوا: يَغِفِر الله لرسولِهِ، يُعطي قُرَيشاً
ويَترُكنا وسُيوفنا تَقطُر من دِمائهم!
وفي رواية هشام بن زيد عن أنس آخِر الباب: إذا كانت شديدةٌ فنحن نُدعَى، ويُعطَى
الغنيمةَ غيرُنا. وهذا ظاهر في أنَّ العطاء كان من صُلْب الغنيمة بخِلاف ما رَجَّحَه
القُرطُبيّ.
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وتبعه العيني! والذي وقفنا عليه فيما بين أيدينا من نسخ خطيةٍ لـ ((صحيح
مسلم)): فبلغه أنَّ الأنصار مُحِبُّون أن يصيبوا ما أصاب الناس.

٥٩٠
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فخَطَبَهم)) زاد مسلم (١٠٦١) من طريق إسماعيل بن جعفر عن عَمْرو بن يحيى:
فحَمِدَ الله وأثنَی علیه.
وسيأتي في الباب في رواية الزُّهْريِّ: فحُدِّثَ رسول الله وَّل بمقالتهم، فأرسَلَ إلى
الأنصار فجمعهم في قُبّة من أَدَم، فلم يَدعُ معهم غيرَهم، فلمَّا اجتَمَعوا قامَ فقال: ((ما
حديثٌ بَلَغَني عنكُم؟!)) فقال فقهاء الأنصار: أمَّا رُؤَساؤنا فلم يقولوا شيئاً، وأمَّا ناس مِنّا
حديثةٌ أسنانُهم فقالوا.
وفي رواية هشام بن زيد: فجمعهم في قُبّة(١) فقال: ((يا مَعشَر الأنصار، ما حديثٌ
بَلَغَني؟!)) فسَكَتوا، ويُحمَل على أنّ بعضهم سَكَتَ وبعضهم أجابَ. وفي رواية أبي التَّيّاح
عن أنس عند الإسماعيليّ: فجمعهم فقال: ((ما الذي بَلَغَني عنكُم؟!)) قالوا: هو الذي
بَلَغَك، وكانوا لا يَكذِبونَ.
ولأحمد (١٣٥٧٤) من طريق ثابت عن أنس: أنَّ النبيّ وَّوَ أَعطَى أبا سفيان وعُيَينَةَ
والأقرَع وسُهَيل بن عَمْرو في آخرينَ يوم خُنَينٍ، فقالت الأنصار: سُيوفنا تَقطُر من دِمائهم،
وهم يذهبونَ بالمغنَمِ؟! فذكر الحديث، وفيه: ثمَّ قال: ((أقلتُم كذا وكذا؟!)) قالوا: نعم.
وإسناده على شرط مسلم.
وكذا ذكر ابن إسحاق(٢) عن أبي سعيد الخُدْريِّ: أنَّ الذي أخبر النبيّ وَّ بمقالتهم
سعد بن عُبَادة، ولفظه: لمَّا أعطَى رسول الله وَّ ما أعطَى من تلكَ العطايا في قُرَيش وفي
قَبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيءٌ، وجَدَ هذا الحيُّ من الأنصار في أنفُسهم حتَّى
كَثُرَت منهم القالةُ، فَدَخَلَ عليه سعد بن عُبَادة، فذكر له ذلك، فقال له: ((فأين أنتَ من
ذلك يا سعد؟!)) قال: ما أنا إلّا من قومي، قال: ((فاجمَع لي قومك)) فخرج فجمعهم،
الحديث، وأخرجه أحمد (١١٧٣٠) من هذا الوجه. وهذا يُعكِّر على الرِّواية الَّتي فيها: أمَّا
(١) أُقحم بعدها في (س): من أدم. وإنما هي في رواية الزهري التي ذكرها الحافظ قبلُ.
(٢) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٤٩٨/٢.

٥٩١
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
كتاب المغازي
رُؤَساؤُنا فلم يقولوا شيئاً. لأنَّ سعد بن عُبَادة من رُؤَساء الأنصار بلا ريب، إلّا أن يُحِمَل
على الأغلب الأكثَر، وأنَّ الذي خاطَبَه بذلك سعد بن عُبَادة، ولم يُرِد إدخال نفسه في
النَّفي، أو أنَّه لم يَقُل ذلك(١) لَفظاً، وإن كان رضي بالقولِ المذكور، فقال: ما أنا إلّا من
قومي، وهذا أو جَه، والله أعلم.
قوله: ((ألم أجِدْكُمْ ضُلّالاً)) بالضَّمِّ والتَّشديد، جمع ضالٌّ، والمراد هُنا: ضَلالة الشِّرك،
وبالهِداية: الإيمان. وقد رَتَّبَ النبيِوََّما مَنَّ الله عليهم به على يده من النِّعَم ترتيباً بالغاً،
فَبَدَأ بنعمة الإيمان الَّتي لا يوازيها شيء من أمر الدُّنيا، وثَنَّى بنعمة الأُلفة، وهي أعظَم من
نِعمة المال، لأنَّ الأموال تُبذَل في تحصيلها وقد لا تُحَصَّل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة
في غاية التَّنَافُر والتَّقاطُعِ لمَا وَقَعَ بينهم من حرب بُعاث وغيرها، كما تقدَّم في أوَّل الهجرة
(٣٧٧٧)، فزالَ ذلك كلّه بالإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا
أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهُ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
قوله: ((عالةً)) بالمهمَلة، أي: فُقَراء لا مال لهم، والعَيلة: الفَقر.
قوله: ((كلَّما قال شيئاً قالوا: اللهُ ورسولُه أمَنّ)) بفتح الهمزة والميم والتَّشديد: أفعَل
تفضيل من المنّ، وفي حديث أبي سعيد: فقالوا: ماذا نُجيبك يا رسول الله، ولله ولِرسولِه
المنّ والفضل؟!
قوله: ((قال: لو شئتُم قلتُم جِثْنا كذا وكذا)) في رواية إسماعيل/ بن جعفر: ((لو شِئتُم أن ٥١/٨
تقولوا: جِئتنا كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا)» لأشياء زَعَمَ عَمْرو - أي: ابن أبي يحيى
المازِنيّ راوي الحديث - أنَّه لا يَحَفَظها. وفي هذا رَدّ على مَن قال: إنَّ الراوي كَنَى عن ذلك
عَمداً على طريق التَّأْدُّب.
وقد جَوَّزَ بعضهم أن يكون المراد: چِئتنا ونحنُ على ضلالة فهُدينا بك وما أشبه ذلك، وفيه
بُعد، فقد فَسَّرَ ذلك في حديث أبي سعيد، ولَفظه: فقال: «أما والله لو شِئْتُم لَقلتُم فصَدَقْتُم
(١) لفظة ((ذلك)) سقطت من (س).

٥٩٢
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
وصُدِّقْتُم: أتيتَنَا مُكَذَّباً فصَدَّقناك، وتَخَذولاً فنَصَرناك، وطَريداً فآويناك، وعائلاً فواسَيناك)).
ونحوه في («مغازي أبي الأسوَد)) عن عُرْوة مُرسَلاً، وابن عائذ من حديث ابن عبّاس موصولاً.
وفي («مغازي سليمان التَّيْميِّ)): أنَّهم قالوا في جواب ذلك: رَضينا عن الله ورسوله. وكذا
ذکر موسى بن عُقْبة في «مغازیه)) بغير إسناد.
وأخرجه أحمد (١٢٠٢١) عن ابن أبي عَديّ عن حُميدٍ عن أنس بلفظ: ((أَفَلا تقولون: چِئتنا
خائفاً فآمَنّاك، وطَرِيداً فآوَيناك، وتَذولاً فنَصَرناك؟)) فقالوا: بل المنّ علينا لله ولِرسولِه.
وإسناده صحيح.
وروى أحمد (١١٨٤٢) من وجه آخر عن أبي سعيد قال: قال رجل من الأنصار
لأصحابه: لقد كنت أُحدِّثكُم أن لو استَقَامَتِ الأُمورُ لقد آثَرَ عليكُم، قال: فَرَدّوا عليه رَدّاً
عَنِيفاً، فبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّ، الحديث.
وإنَّما قال ◌َِّ ذلك تَواضُعاً منه وإنصافاً، وإلّا ففي الحقيقة الحُجّة البالغة والِنّة الظّاهرة
في جميع ذلك له عليهم، فإنَّه لولا هِجرَته إليهم وسُكناه عندهم لمَا كان بينهم وبين غيرهم
فرق، وقد نَبَّهَ على ذلك بقوله بَّهِ: ((ألا تَرضَونَ ... )) إلى آخره، فَنَبَّهَهم على ما غَفَلُوا عنه
من عظيم ما اختُصّوا به منه بالنِّسبة إلى ما حَصَلَ عليه غيرهم من عَرَض الدُّنيا الفانية.
قوله: (بالشّاةِ والبعير)) اسم جِنس فيهما، والشّاة تقع على الذَّكَر والأُنْثَى. وكذا البعير.
وفي رواية الزُّهْريِّ: ((أن يذهب الناس بالأموال))، وفي رواية أبي التَّاح بعدها، وكذا قَتَادة:
((بالدُّنيا».
قوله: ((إلى رِحالِكُم)) بالحاءِ المهمَلة، أي: بُيُوتِكُم، وهي رواية قَتَادة، زاد في رواية الزُّهْرِيِّ
عن أنس: ((فوالله لَمَا تَنْقَلِبونَ به خیر ممّا یَنقَلِبونَ به)»، وزاد فيه أيضاً: قالوا: يا رسول الله، قد
رَضِينا. وفي رواية قَتَادة: قالوا: بلى. وذكر الواقديُّ: أنَّه حينئذٍ دَعاهم ليَكتُب لهم بالبحرَينِ
تكون لهم خاصّةً بعده دون الناس، وهي يومئذٍ أفضل ما فُتِحَ عليه من الأرض، فأبَوا
وقالوا: لا حاجة لنا بالدُّنيا.

٥٩٣
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
كتاب المغازي
قوله: (لولا الهِجْرةُ لكنتُ امْرَأَ من الأنصار)) قال الخطّابِيُّ: أراد بهذا الكلام تألَّف
الأنصار واستطابةَ نفوسهم، والثَّناء عليهم في دينهم، حتَّى رضي أن يكون واحداً منهم
لولا ما يَمنَعُه من الهجرة الَّتي لا يجوز تَبديلها. ونسبة الإنسان تقع على وجوه: منها
الولادة، والبلاديَّة، والاعتقاديَّة، والصِّناعيَّة. ولا شَكَّ أنَّه لم يُرِد الانتقال عن نَسَب آبائه،
لأنَّه ◌ُمْتَنِعِ قطعاً. وأمَّا الاعتقاديّ فلا معنى للانتقال فيهِ، فلم يَبقَ إلّا القسمان الأخيران،
وكانت المدينة دار الأنصار، والهجرةُ إليها أمراً واجباً، أي: لولا أنَّ النِّسبة الهجريَّة لا
يَسعُني تَرِكُها لانتَسَبت إلى داركُم. قال: ويحتمل أنَّه لمَّا كانوا أخوالَه لكَوْنِ أمّ عبد المطَّلِب
منهم أراد أن يَنتَسِب إليهم بهذه الولادة لولا مانع الهجرة.
وقال ابن الجَوْزيّ: لم يُرِدِ وَ لّه تَغْيُرُ نَسَبه ولا مَحَو هِجرَته، وإنَّما أراد أنَّه لولا ما سَبَقَ
من كَوْنه هاجَرَ لانتَسَبَ إلى المدينة وإلى نُصرة الدّين، فالتَّقدير: لولا أنَّ النِّسبة إلى الهجرة
نِسبٌ دینیّة لا یَسَع تَرُها لانتسبت إلى دارگُم.
وقال القُرطُبيّ: معناه لَتَسَمَّيت باسمِكُم وانتَسَبت إليكُم، كما كانوا يَتَنَاسُبُون(١) بالحِلْفِ،
لكن خصوصيَّ الهجرة وترتيبها(٢) سَبَقَت، فمَنَعَت من ذلك، وهي أعلى وأشرَف، فلا تَتَبدَّل
بغيرها.
وقيلَ: معناه لكنت من الأنصار في الأحكام والعِداد. وقيلَ: التَّقدير: لولا أنَّ ثواب
الهجرة أعظَمُ لاختَرتُ أن يكون ثوابي ثوابَ الأنصار، ولم يُرِدْ ظاهرَ النَّسَب أصلاً.
وقيلَ: لولا التِزامي بشروطِ الهجرة، ومنها ترك الإقامة بمكَّة فوق ثلاث، لاختَرت أن
أكون من الأنصار فيباح لي ذلك.
٥٢/٨
قوله: ((وادي الأنصار))/ هو المكان المنخَفِض، وقيل: الذي فيه ماء، والمراد هنا بلدهم.
وقوله: ((شِعْب الأنصار)) بكسرِ الشّين المعجمة، وهو اسم لمَا انفَرَجَ بين جبلَينٍ، وقيلَ:
(١) في (س): ينتسبون، والمثبت من الأصلين يوافق ما في ((المفهم)) للقرطبي.
(٢) تصحفت في (س) إلى: وتربيتها.

٥٩٤
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
الطَّريق في الجبل. وأراد ◌َّ بهذا وبما بعده التَّنبيهَ على جَزيل ما حَصَلَ لهم من ثواب
النُّصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدُّنيا، ومَن هذا وَصْفه فحَقّه أن يُسلَك طريقُه ويُتْبَع
حالُه.
قال الخطّابُّ: لمَّا كانت العادة أنَّ المرء یکون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض
الحِجاز كثيرة الأودية والشِّعاب، فإذا تَفرَّقَت في السَّفَرِ الطّرقُ سَلكَ كلّ قوم منهم وادياً
وشِعباً، فأراد أنَّ معَ الأنصار. قال: ويُحتمل أن يريد بالوادي: المذهبَ، كما يقال: فلان في
وادٍ وأنا في وادٍ.
قوله: ((الأنصار شِعارٌ، والناس دِثارٌ)) الشِّعار، بكسرِ المعجَمة بعدها مُهمَلة خفيفة:
الثَّوب الذي يَلي الجلد من الجسد. والدِّثار، بكسرِ المهمَلة ومُثَلَّثة خفيفة: الذي فوقه. وهي
استعارة لطيفة لفَرْطِ قُربهم منه. وأراد أيضاً أنَّهم بِطانتُه وخاصَّته، وأنَهم ألصَقُ به وأقرب
إليه من غيرهم.
زاد في حديث أبي سعيد: «اللهمَّ ارحَم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)) قال:
فَبَكَى القوم حتَّى أخضَلُوا لِحَاهم، وقالوا: رَضِينا برسولِ الله قَسْما وحَظّاً.
قوله: ((إِنَّكُمُ ستَلْقَوْنَ بَعْدي أُثْرة)) بضمِّ الهمزة وسكون المثلَّثة وبِفَتحَتَينٍ، ويجوز كسر
أوَّله معَ الإسكان، أي: الانفِراد بالشَّيءِ المشتَرَك دون مَن يَشْرَكُه فيه.
وفي رواية الزُّهْريِّ: ((أُثرة شديدة)) والمعنى: أنَّه يُستأثَر عليهم بما لهم فيه اشتراكٌ في
الاستحقاق، وقال أبو عُبيد: معناه يُفَضِّل غيرُكُم (١) نفسَه عليكُم في الفَيء. وقيل: المراد
بالأُثرة الشِّدّة، ويَرُدّه سياق الحديث وسَببه.
قوله: ((فاصْبِروا حتَّى تَلْقَوْني على الحَوْض)) أي: يوم القيامة. وفي رواية الزُّهْريِّ: ((حتّى
تَلقوا الله ورسوله، فإنّ على الحوض)) أي: اصبروا حتَّى تَموتوا، فإنَّكُم سَتَجِدونَني عند
الحوض، فيَحصُل لكُم الانتِصاف ممَّن ظَلَمَكُم، والثَّوابُ الجزيل على الصَّبر.
(١) لفظة ((غيركم)) سقطت من (س).

٥٩٥
باب ٥٥ / ح ٤٣٣١
كتاب المغازي
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: إقامة الحُجّة على الخَصم وإفحامه بالحقِّ عند
الحاجة إليهِ، وحُسن أدَب الأنصار في تَرْكِهم المماراة، والمبالَغة في الحياء، وبيان أنَّ الذي
نُقِلَ عنهم إنَّما كان عن شُبّانهم لا عن شيوخهم وكُهولهم.
وفيه مناقب عظيمة لهم لمَا اشتَمَلَ من ثَناء الرَّسول البالغ عليهم. وأنَّ الكبير يُبِّه الصَّغير
على ما يَغْفُل عنه، ويوضِّح له وجه الشُّبهة لِيَرجِع إلى الحقّ.
وفيه المعاتَبة واستعطاف المعاتَب، وإعتابه عن عَتْبه بإقامة حُجّة مَن عَتَبَ عليه، والاعتذار
والاعتراف.
وفيه عَلَمٌّ من أعلام النُّبّة لقوله: ((سَتَلقَونَ بعدي أُثْرة)) فكان كما قال. وقد قال الزُّهْريُّ في
روايته عن أنس في آخِر الحديث: قال أنس: فلم يَصبروا.
وفيه أنَّ للإمام تفضيلَ بعض الناس على بعض في مَصارف الفَيء، وأنَّ له أن يُعطي
الغني منه للمَصلَحة. وأنَّ مَن طلبَ حَقّه من الدُّنيا لا عَتْبَ عليه في ذلك. ومشروعيَّة
الخُطبة عند الأمر الذي يَحدُث سواء كان خاصّاً أم عامّاً. وفيه جواز تخصيص بعض المخاطَبين
في الخطبة.
وفيه تَسلية مَن فاتَه شيء من الدُّنيا ممّا حَصَلَ له من ثواب الآخرة. والحَضّ على طلب
الِداية والأُلفة والغِنَى. وأنَّ الِّة لله ورسوله على الإطلاق. وتقديم جانب الآخِرة على الدُّنيا،
والصَّبر عمَّا فاتَ منها ليُدَّخَر ذلك لصاحبه في الآخِرة، والآخِرة خير وأبقَى.
٤٣٣١- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني
أنسُ بنُ مالكِ ظُ، قال: قال ناسٌ مِن الأنصار، حينَ أفاءَ الله على رسوله ما أفاءَ من أموال هَوازِنَ،
فِطَفِقَ النبيُّ ◌َّهِ يُعْطِي رجالاً المئةَ مِن الإبلِ، فقالوا: يَغْفِرُ الله لِرسولِ اللهِ، يُعْطِي قُرَيشاً
ويَتْكُنا وسُيوفُنَا تَقْطُرُ من دِمائهمْ! قال أنسٌ: فحُدِّثَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِمَقالتهم، فأرسَلَ إلى
الأنصار، فجَمَعَهم في قُبَةٍ/ من أَدَم، ولم يَدْعُ معهم غيرَهم، فلمَّا اجْتَمَعوا قامَ النبيُّ ◌َله فقال: ٥٣/٨
((ما حديثٌ بَلَغَنِي عنكم؟» فقال فُقَهاءُ الأنصار: أمَّا رُؤَساؤُنا يا رسولَ الله فلم يقولوا شيئاً،

٥٩٦
باب ٥٥ / ح ٤٣٣١ - ٤٣٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا ناسٌ مِنّا حديثةٌ أسنانُهم فقالوا: يَغْفِرُ الله لِرسولِ الله وَّةِ، يُعْطِي قُرَيشاً ويَترُكُنا وسُيوفُنا
تَقْطُرُ من دِمائهم، فقال النبيُّ ◌َّهِ: «فإنّ أُعْطي رجالاً حديثي عَهْدٍ بِكُفْرِ أَتْلَّفُهم، أما تَرْضَوْنَ
أن يَذْهَبَ الناسُ بالأموال وتذهبونَ بالنبيِّ إلى رِحالِكُم؟ فوالله لَمَا تَنْقَلِبونَ به خيرٌ ممّا يَنْقَلِبونَ
به) قالوا: يا رسولَ الله، قد رَضِينا، فقال لهمُّ النبيُّ ◌َّهِ: ((ستَجِدُون أَثْرَةً شديدةً، فاصْبِرِوا حتّى
تَلْقَوُا الله ورسوله، فإنّي على الحَوْضِ».
قال أنسُّ: فلم يَصْبِروا.
٤٣٣٢ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي التَّاحِ، عن أنسٍ، قال: لمَّا كان
يومُ فَتْحِ مَكَّةَ، قَسَمَ رسولُ اللهِ وَليهِ غَنَائِمَ في قُرَيشٍ، فَغَضِبَتِ الأنصارُ، قال النبيُّ ◌َلّ: ((أما
تَرْضَوْنَ أن يَذْهَبَ الناسُ بالدُّنْيا، وتذهبونَ برسولِ الله؟» قالوا: بلى، قال: ((لو سَلَكَ الناسُ
وادياً - أو شِعْباً - لَسَلَكْتُ وادي الأنصار- أو شِعْبَهمْـ)).
٤٣٣٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أزْهَرُ، عن ابنِ عَوْنٍ، أَنْبَأنا هشامُ بنُ زيدِ بنِ أنْسٍ،
عن أنسٍ ، قال: لمَّا كان يومُ حُنَيْنٍ، التَّقَى هَوَازِنُ ومَعَ النبيِّ وَ عَشَرَةُ آلافٍ، والطَّلَقَاءُ،
فأدْبَروا، قال: ((يا مَعْشَرَ الأنصار)) قالوا: لَبِّكَ يا رسولَ الله وسعدَيكَ، لَبِّيَّكَ نحنُ بينَ يَدَيكَ،
فنزلَ النبيُّ نَّه فقال: ((أنا عبدُ الله ورسولُه)) فانهَزَمَ المشْرِكونَ، فأعطَى الطَّلقاءَ والمهاجِرِينَ، ولم
يُعْطِ الأنصارَ شيئاً، فقالوا: فَدَعاهم فأدْخَلهم في قُبَّةٍ، فقال: ((أما تَرْضَوْنَ أن يَذْهَبَ الناسُ
بالشّاةِ والبَعِيرِ، وتذهبونَ برسولِ الله؟)) فقال النبيُّ ◌َ لّ: (لو سَلَكَ الناسُ وادياً، وسَلَكَتِ
الأنصارُ شِعْباً، لاختَرْتُ شِعْبَ الأنصارِ)).
٤٣٣٤ - حدَّثْني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حذَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ قَتَادةَ، عن أنسِ
قال: ◌َمَعَ النبيُّ وَِّ ناساً مِن الأنصار، فقال: ((إنَّ قُرَيشاً حديثُ عَهْدٍ بجاهِيَّةٍ ومُصِيبَةٍ، وإنّ
أرَدْتُ أن أجْبُرَهم وأتألَّفَهم، أما تَرْضَوْنَ أن يَرجِعَ الناسُ بالدُّنْيا، وتَرْجِعونَ برسولِ الله إلى
بُيُوتِكُمْ؟)) قالوا: بَلَى، قال: ((لو سَلَكَ الناسُ وادياً، وسَلَكَتِ الأنصارُ شِعْباً، لَسَلَكْتُ واديَ
الأنصار، أو شِعْبَ الأنصار)).

٥٩٧
باب ٥٥ / ح ٤٣٣١ -٤٣٣٧
كتاب المغازي
٤٣٣٧ - حدَّثْنا (١) محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا معاذُ بنُ معاذٍ، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن هشامِ بنِ
زيدِ بنِ أنسٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: لمَّا كان يومُ حُنَيْنٍ، أقبَلَت هَوازِنُ وغَطَفانُ وغیرُهم
بَنَعَمِهِم وذَراريِّهم، ومَعَ النبيِّ نَّهَ عَشَرَةُ آلافٍ من الطَّلَقَاءِ، فأدْبَروا عنه حتَّى بَقِيَ وحدَه،
فنادَى يومَئذٍ نِداءَينِ، لم يَخْلِطِ بينَهما، التَفَتَ عن يَمِينِهِ، فقال: ((يا مَعْشَرَ الأنصار)) قالوا: لَبِّكَ
يا رسولَ الله، أبشِر نحنُ مَعَكَ، ثمَّ التَفَتَ عن يساره، فقال: ((يا مَعْشَرَ الأنصار)» قالوا: لَبِّكَ یا
رسولَ الله، أبشِر نحنُ مَعَكَ، وهو على بَغْلةٍ بيضاءَ، فنزلَ فقال: ((أنا عبدُ الله ورسولُه)) فانهَزَمَ
المشركونَ، وأصابَ يومَئذٍ غَنائمَ كَثيرةً، فَقَسَمَ في المهاجِرِينَ والطََّقاءِ، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئاً،
فقالت الأنصارُ: إذا كانت شديدةٌ فنحنُ نُذْعَى، ويُعْطَى الغَنِيمَةَ غيرُنا، فَبَلَغَه ذلك، فجَمَعَهم
في قُبَةِ، فقال: ((يا مَعشَرَ الأنصارِ، ما حديثٌ بَلَغَنِي؟)) فسَكَتوا، فقال: ((يا مَعشَرَ الأنصار، ألا تَرضَوْنَ
أن يَذْهَبَ الناسُ بالدُّنْيا، وتذهبونَ برسولِ الله تَحُوزُونَه إلى بُيوتِكُم؟)) قالوا: بَلَى، فقال النبيُّ ◌َلَّه.
(لو سَلَكَ الناسُ وادياً، وسَلَكَتِ الأنصارُ شِعْباً، لَأخَذْتُ شِعْبَ الأنصارِ)).
وقال هشامٌ: قلتُ: يا أبا حمزةَ، وأنتَ شاهدٌ ذلك؟ قال: وأينَ أَغِيبُ عنه؟!
الحديث السابع: حديث أنس، أورَدَه من رواية الزُّهْريِّ وأبي التَّاح وهشام بن زيد
وقَتَادة كلّهم عن أنس، وفي رواية بعضهم ما ليس في رواية الآخر، وقد ذكرت ما في
روایاتهم من فائدة في الذي قبله.
وهشام في رواية الزُّهْريِّ: هو ابن يوسف الصَّنْعانيّ، وأبو النَّاح: اسمه يزيد بن حُميدٍ،
وإسناده كلّه بصريّونَ. وكذا طريق قَتَادة. وهشام بن زيد: هو ابن أنس بن مالك. وقد أورَدَ
حديثه من طريقَينِ: فالأولَى عن أزهَر، وهو ابن سعد السَّان، والثّانية عن معاذ بن معاذ، وهو
العَنبَريّ، كلاهما عن ابن عَوْن: وهو عبد الله، وجَميعهم بصريّونَ.
قوله في رواية أبي التَّحِ: ((لمَّا كان يومُ فتح مكَّة قَسَمَ رسول الله وَِّ غنائمَ في قُرَيش)) كذا
(١) كذا جاء هذا الحديث هنا في ترتيب الحافظ في شرحه، وذلك خلاف رواية أبي ذر الهروي، حيث جاء فيها هذا
الحديث بعد حديث ابن مسعود الآتي بعده بالرقم (٤٣٣٥) و(٤٣٣٦)، وصوَّب الحافظ تقديمه إلى هنا
لتجتمع طرق حديث أنس.

٥٩٨
باب ٥٥ / ح ٤٣٣١-٤٣٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
لأبي ذرِّ عن شيخيه(١)، وله في رواية الكُشْمِيهنيّ: بين قُرَيش، وهي رواية الأَصِيليِّ، ووَقَعَ
عند القاِسيّ: غَنائم قُرَيش، ولِبَعضِهم: غَنائم من قُريش، وهو خطأ، لأنَّه يُوهِم أنَّ مكَّة
لمَّا فُتِحَت، قُسِّمَت غنائم قُرَيش، وليس كذلك، بل المراد بقوله: يوم فتح مكَّة: زمان فتح مكَّة،
وهو يَشْمَل السَّنة كلّها، ولما كانت غزوة حُنَينٍ ناشئةً عن غزوة مكَّة أُضيفت إليها كما تقدَّم
عَكسُه، وقد قَرَّرَ ذلك الإسماعيليّ فقال: قوله: يعني في رواية: لمَّا افْتُتِحَت مكَّة قُسمَت
الغنائم: يريد غنائم هَوازِن، فإنَّه لم يكن عند فتح مكَّ غَنيمة تُقْسَم، ولكنَّ النبيّ وَِّ غَزَا حُنَيناً
بعد فتح مكَّة في تلكَ الأيام القريبة، وكان السَّبَب في هَوازِن فتح مكَّة، لأنَّ الخُلوص إلى
مُحارَيَتهم كان بفتح مكَّة. وقد خَطَّأ القابِيّ الرِّواية، وقال: الصَّواب: في قُرَيش.
وأخرج أبو نُعيم هذا الحديث من طريق أبي مسلم الگچِّيّ عن سليمان بن حَرْب شيخ
البخاريّ فيه، بلفظ: لمَّا كان يومُ حُنَينٍ قالت الأنصار: والله إنَّ هذا لَهَو العَجَب، إنَّ سُيوفنا
تقطُر من دماء قُریش، الحدیث. فهذا لا إشكال فيه.
قوله: ((أنبأنا هشام بن زيد» في رواية معاذ: عن هشام.
قوله في رواية قَتَادَةَ: ((إنَّ قُرَيشاً حديثُ عَهْدٍ)) كذا وَقَعَ بالإفرادِ في ((الصحيحينِ))،
والمعروف: ((حديثو عَهد))، وكَتبَها الدِّمياطيّ بخَطِّه: حديثو عَهد. وفيه نظر. وقد وَقَعَ عند
الإسماعيليّ: ((إنَّ قُرَيشاً كانوا قريبَ عَهد)).
قوله: ((أن أجْبُرهم)) كذا للأكثَرِ، بفتح أوَّله وسكون الجيم بعدها موحّدة ثمَّ راء مُهمَلة،
وللسَّرَخسِّ والمُستَمْلي: بضمِّ أوَّله وكسر الجيم بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ زاي، من الجائزة.
٥٥/٨ قوله في / رواية معاذ: ((عَشرة آلاف من الطَّلَقاء)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: عشرة آلاف والطَّلَقاء.
وهو أولَى فإنَّ الطُّلقاء لم يَبلُغوا هذا القَدر ولا عُشر عُشره. وقيلَ: إنَّ الواو مُقدَّرة عند مَن
جَوَّزَ تقدير حرف العطف.
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: شيخه. وإنما هو عن شيخيه، يعني السرخسيَّ والمستمليَ، كما يظهر من اليونينية،
وهي عادة الحافظ رحمه الله إذا أراد أن يميز روايتيهما عن رواية الكشميهني الذي هو ثالث شيوخ أبي ذر
الهروي في رواية ((الصحيح)).

٥٩٩
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٥ -٤٣٣٦
كتاب المغازي
قوله في آخره: ((قال هشام: قلت: يا أبا حمزة)) هو موصول بالإسناد المذكور، وأبو حمزة:
هو أنس بن مالك.
وقوله: ((شاهِدُ ذلك)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: شاهد ذاكَ. ((قال: وأين أغيب عنه؟)) هو
استفهام إنكار يُقرِّر أنَّه ما كان ينبغي له أن يَظُنّ أنَّ أنساً يَغيب عن ذلك.
وقوله: ((وتذهبونَ برسولِ الله تَحُوزونَه إلى بُيوتِكُم)) كذا للجميع بالحاءِ المهمَلة والزّاي،
من الخَوز. ووَقَعَ عند الكِرْمانيّ: ((تُجيرونَه)) بالتَّحتانيَّة بَدَل الواو، وضَبَطَه بالجيم والرّاء
المهمَلة، وفَسَّرَه بقوله: أي: تُنقِذونَه. وكلّ ذلك خطأٌ نَقلاً وتفسيراً. وقد أخرجه مسلم
(١٣٥/١٠٥٩) والإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ: ((فتذهبونَ بمحمَّدٍ تَحوزونَه)» كما في
الرِّواية المعتمَدة.
٤٣٣٥ - حدَّثْنَا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، قال: لمَّا
فَسَمَ النبيُّ ◌َّهِ قِسْمَةَ حُنَينٍ، قال رجلٌ مِن الأنصار: ما أرادَ بها وجه الله! فأتيتُ النبيَّ ◌َِّ فأخبَرْتُه،
فَتَغيَّرَ وجهُه، ثمَّ قال: ((رحمةُ الله على موسى، لقد أوذِيَ بأكثر من هذا فصَبَرَ)).
٤٣٣٦- حدّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّنا جَرِيرٌّ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، ـ
قال: لمَّا كان يومُ حُنَيْنٍ آثَرَ النبيُّ ◌َّهِ ناساً، أعطَى الأقرَعَ منَةً مِن الإبلِ، وأعطَى عُيَينَةَ مِثلَ
ذلك، وأعطَى ناساً، فقال رجلٌ: ما أُرِيدَ بهذه القِسْمةِ وجهُ الله، فقلتُ: لأَخْبِرَنَّ النبيَّ ◌َِّ، قال:
((رَحِمَ الله موسى، قد أوذِيَ بأكثر من هذا فصبرَ )).
الحديث الثامن:
قوله: ((عن عبد الله)) هو ابن مسعود.
قوله: ((آثَرَ ناساً، أعطَى الأقرَع)) أي: ابنَ حابس بن عِقال(١) بن محمَّد بن سفيان بن مُجاشِع
التَّميميّ المُجاشِعِيّ، قيلَ: كان اسمه فِراس، والأقرَع لَقَبه.
قوله: ((وأعطَى عُيَينَ)) أي: ابن حِصْن بن حُذَيفة بن بدر الفَزَاريَّ.
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: عثمان. وجاء على الصواب في (ع) موافقاً لما في كتب الصحابة والأنساب.

٦٠٠
باب ٥٥ / ح ٤٣٣٥ - ٤٣٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (وأعطَى ناساً)) تقدَّم ذِكْرهم في الكلام على المؤلَّفة قريباً (١). وفي هذه العَطيَّة يقول
العَبَّاس بن مِرداس السُّلَمَيّ، كما أخرجه أحمد (٢) ومسلم (١٠٦٠) والبيهقيُّ في ((الدَّلائل))
(١٧٨/٥ -١٧٩) من طريق عباية بن رِفاعة بن رافع بن خديج عن جَدّه رافع بن خَديج:
أَنَّ رسول الله وَِّ أعطَى المؤلّفة قلوبُهم من سَبِيٍ حُنَينٍ كلَّ رجل منهم مئةً من الإبل:
فأعطَى أبا سفيان بن حَرْب مئة، وأعطَى صفوان بن أُميَّة مئة، وأعطَى عُيَينةَ بن حِصْن
مئة، وأعطَى مالك بن عَوْف مئة، وأعطَى الأقرَع بن حابس مئة، وأعطَى عَلقَمةَ بن عُلاثة
مئة، وأعطَى العبّاس بن مِر داس دون المئة، فأنشأ يقول:
أتجعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبيـِدِ (٣) بين عُيَينَةَ والأقرَعِ
وما كان حِصْنٌ ولا حابسٌ يَفوقان مِرداسَ في المَجْمَعِ
وما كنتُ دون امرِئٍ منهما ومَن تَضَعِ اليومَ لا يُرفَعِ
٥٦/٨ قال: فأكمَلَ له المئة.
وساقَ ابن إسحاق وموسى بن عُقْبة هذه الأبيات أكثر من هذا.
قوله في رواية منصور: ((فقال رجل» في رواية الأعمَش: فقال رجل من الأنصار. وفي
رواية الواقديّ: أنَّه مُعَتِّب بن قُشَيرٍ من بني عَمْرو بن عَوْف، وكان من المنافقينَ. وفيه
تَعقُّب على مُغَلْطاي حيثُ قال: لم أرَ أحداً قال: إنَّه من الأنصار، إلّا ما وَقَعَ هُنا، وجَزَمَ بأنَّه
حُرقوص بن زُهَيرِ السَّعْديّ، وتَبعَه ابن الملقِّن، وأخطأً في ذلك، فإنَّ قِصّة حُرقوص غير هذه،
كما سيأتي قريباً من حديث أبي سعيد الخُدْريِّ (٤٣٥١).
قوله: ((ما أرادَ بها)) في رواية منصور: ما أُريدَ بها. على البناء للمجهولِ.
قوله: ((فقلت: لَأَخِرَنّ النبيّ ◌َ)) في رواية الأعمَش: فأتيت النبيَّ ◌َّهِ فأخبَرَتُه.
(١) عند شرح الحديث (٤٣٢٩).
(٢) الحديث لم يروه أحمد في ((المسند)) ولم يَعُزُه إليه الحافظ في ((أطراف المسند))، ولا في («إتحاف المهرة)) (٤٥٤٦).
(٣) قال الحافظ في ((الإصابة)) ٦٣٣/٣: العُبيد، بالتصغير: اسم فرس العباس بن مرداس.