Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
باب ٥٣
كتاب المغازي
قوله: ((حدَّثنا أبو عاصم)) هو النبيل، وهو من شيوخ البخاريّ، ورُبَّما حدَّث عنه
بواسطةٍ کما هنا.
قوله: ((عن مجاهد: أنَّ رسول الله وَّ)) هذا مُرسَل، وقد وَصَلَه في الحجِّ (١٨٣٤) والجهاد
(٣١٨٩) وغيرهما، من رواية منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عبّاس، وأورَدَه ابن
أبي شَيْبة (١٤/ ٤٩٧-٤٩٨) من طريق يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عبّاس، والذي
قبله أَولَى.
قوله: ((وعن ابن جُرَيج)) هو موصول بالإسناد الذي قبله، وعبد الكريم: هو ابن مالك
الجَزَريّ، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من وجه آخر عن أبي عاصم عن ابن جُرَيج: سمعت
عبد الكريم سمعت عِكْرمة. / وقد تقدَّم شرح هذا الحديث في كتاب الحجّ.
٢٧/٨
الحديث الحادي عشر:
قوله: ((رواه أبو هريرة عن النبيّ (وَ لَ)) أي: الخُطبة المذكورة، وقد وَصَلَها في كتاب
العلم (١١٢) من طريق أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة، وأوَّل الحديث عنده: ((إنَّ الله حَبَسَ
عن مكَّة الفيل، وسَلَّطَ عليهم رسوله والمؤمنينَ)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه هناكَ، ولله
الحمد.
٥٣- باب قول الله عز وجل:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥]
قوله: («باب قول الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَنُكُمْ﴾ إلى قوله:
﴿غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره إلى قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾، ثمَّ قال: إلى
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ووَقَعَ في رواية النَّسَفيّ: باب غزوة حُنَينٍ، وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَوْمَ
حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ
بِمَا رَحُبَتْ﴾ إلى: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾)) وحُنين، بمُهمَلةٍ ونونٍ مُصغَّر: وادٍ إلى جنب ذي
المجاز قریب من الطائف، بینه وبین مگّة بضعة عشر میلاً من چھة عرفات، قال أبو عُبید

٥٤٢
باب ٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
البحريّ: سُمِّيَ باسم حُنين بن قانية(١) بن مهلائیل.
قال أهل المغازي: خرج النبيّ ◌َّه إلى حُنَينٍ لِستُّ خَلَت من شوّالٍ، وقيلَ: لليلَتَيْنِ بَقيتا
من رمضان. وجمعَ بعضهم بأنَّه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسارَ سادس شوّال، وكان
وصوله إليها في عاشره.
وكان السَّبَب في ذلك أنَّ مالك بن عَوْف النَّصْرِيّ (٢) جَعَ القبائل من هَوازِن، ووافَقَه
على ذلك الثَّقَفيّونَ، وَقَصَدوا مُحارَبة المسلمينَ، فَبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َِّ، فخرج إليهم.
قال عمر بن شَبّة في ((كتاب مكَّة)): حدَّثنا الحِزاميّ - يعني إبراهيم بن المنذر - حدَّثنا
ابن وَهْب عن ابن أبي الزِّناد عن أبيه عن عُرْوة: أنَّ كَتَبَ إلى الوليد: أمَّا بعد، فإنَّك كَتَبت
إليَّ تسألني عن قِصّة الفتح، فذكرها وفيها(٣)، فأقامَ عامَئذٍ بمگّة نصف شهر، ولم یَزِد على
ذلك حتَّى أتاه أنَّ هوازن وثَقیفاً قد نزلوا حُنَيناً يريدونَ قتالَ رسول الله ێے، وكانوا قد
جَعوا له (٤)، ورئيسهم عَوْف بن مالك(٥).
ولأبي داود (٢٥٠١) بإسنادٍ حَسَن من حديث سَهْل ابن الحَنظَليَّة: أنَّهم ساروا معَ
النبيّ ◌ََّ إلى حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبوا السّير، فجاء رجل فقال: إنّ انطَلَقت من بين أيديكُم حتَّى
طَلَعتُ جبلَ كذا وكذا، فإذا أنا بهَوازِنَ عن بَكْرة أبيهم بُعُنِهِم ونَعَمِهم وشائِهم، قد
اجتَمَعوا إلى حُنَينٍ، فَتَبَسَّمَ رسول الله وَّهِ وقال: ((تلكَ غَنِيمة المسلمينَ غَداً إن شاء الله
تعالى))، وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدلّ على أنَّ هذا الرجل هو عبد الله بن أبي
حَدْرَدٍ الأسلميّ.
(١) تصحفت في (أ) و(س) إلى: ثابتة، والمثبت على الصواب من (ع).
(٢) تصحفت في (أ) و(س) إلى: النضري، بالضاد المعجمة ولم يظهر ضبطها في (ع)، والمثبت هو الصواب، لأنه
منسوب إلى نَصْر بن معاوية بن بكر بن هوازن. انظر ((جمهرة أنساب العرب)» لابن حزم ص٢٦٩.
(٣) تحرف في (س) إلى: فذكر له وقتها.
(٤) في (ع) و(س): إليه.
(٥) كذا سُمِّ في بعض الروايات، قال الحافظ في ((الإصابة)) ٧٤٣/٤ بعد أن سماه كذلك عن خليفة: كأنه
انقلب علیه، والمعروف مالك بن عوف.

٥٤٣
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
كتاب المغازي
قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ روى يونس بن بُكَير في ((زيادات
المغازي)) عن الرَّبيع بن أنس قال: قال رجل يوم حُنَينٍ: لَن نُغلَب اليوم من قِلّة، فشَقَّ ذلك
على النبيّ وَّ فكانتِ الهَزيمةَ. وقوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ إلى آخِر الآيات، يأتي بيان
ذلك في شرح أحاديث الباب.
ثم ذكر المصنف فيه خمسة أحاديث:
٤٣١٤ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمَير، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا إسماعيلُ: رأيتُ
بَيَدِ ابنِ أبي أوْفَ ضَرْبةً، قال: ضُرِبتُها معَ النبيِّ وَله يومَ حُنَينٍ، قلتُ: شَهِدْتَ حُنَيناً؟ قال: قبلَ
ذلك.
٤٣١٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ ظُه،
وجاءه رجلٌ، فقال: يا أبا عُمارةَ، أنوَلَّيْتَ يومَ حُنَينٍ؟ قال: أمَّا أنا، فأشهَدُ على النبيِّ وَّ أَنَّه لم
يُؤَلِّ، ولكنْ/ عَجِلَ سَرَعانُ القومِ، فَرَشَقَتْهم هَوازِنُ، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ آخِذٌ برأسٍ بَغْلَتِه ٢٨/٨
البيضاءِ يقول: «أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطلَّبْ)).
٤٣١٦- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ: قيل للبراءِ وأنا أسمَعُ: أَوَلَّيْتُم
معَ النبيِّ ◌َّهِ يومَ حُنَينٍ؟ فقال: أمَّا النبيُّ نَّه فلا، كانوا رُمَاةً، فقال ◌َّ:((أنا النبيُّ لَا كَذِبْ أنا
ابنُ عبدِ المطلَّبْ)).
٤٣١٧ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بَّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، سمعَ البراءَ،
وسألَه رجلٌ من قيسٍ: أَفَرَرْتُم عن رسولِ الله وَلَه يومَ حُنَينٍ؟ فقال: لكنْ رسولُ اللهَ وَّ لم
يَفِرَّ، كانت هَوازِنُ رُماةً، وإنّا لمَّا كَمَلْنا عليهم انكَشَفُوا، فَأَكْبَيْنا على الغنائمِ، فاستُقْبِلْنا
بالسِّهامِ، ولقد رأيتُ النبيَّ ◌َله على بَغْلَتِهِ البيضاءِ، وإنَّ أبا سفيان آخِذٌ بزِمامِها، وهو يقول: ((أنا
النبيُّ لا گَذِبْ».
قال إسرائيلُ وزُهَيْرٌ: نزلَ النبيُّ وَّهِ عِن بَغْلَتِهِ.

٥٤٤
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الأول:
قوله: ((عن(١) إسماعيل)) هو ابن أبي خالد، وكذا هو مَنسوب في رواية أحمد(٢) عن يزيد
ابن هارون.
قوله: ((ضَرْبة)) زاد أحمد: فقلت: ما هذه؟ وفي رواية الإسماعيليّ: ضربةً على ساعِده.
وفي رواية له: أثر ضربة.
قوله: «شَهِدْتَ خُنَیناً؟ قال: قبل ذلك)) في رواية أحمد: قال: نعم، وقبل ذلك. ومُراده بما
قبل ذلك: ما قبل حُنَينٍ من المشاهد، وأوَّل مَشاهده الحُدَيبية فيما ذكره مَن صَنَّفَ في
الرِّجال، ووَقَفتُ في بعض حديثه على ما يدلّ أنَّه شَهِدَ الخندق(٣)، وهو صحابيٌّ ابن
صحابيّ.
الحديث الثاني: حديث البراء.
قوله: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبِيعيُّ، ومَدار هذا الحديث عليه، وقد تقدَّم في الجهاد
(٢٨٧٤) من وجه آخر عن سفيان، وهو الثَّوريّ، قال: حدَّثني أبو إسحاق.
قوله: ((وجاءه رجل)) لم أقِفْ على اسمه، وقد ذُكِرٍ في الرِّواية الثّالثة أنَّه من قيس.
قوله: ((يا أبا عُمارة)) هي كُنية البراء.
قوله: ((أنوَلَّيت يوم حُنين؟)) الهمزة للاستفهام، وتَوَلَّيتَ، أي: انهزَمتَ، وفي الرِّواية
الثّانية: أوَّلَّيْتُم مِعَ النبيّ ◌َله يوم حُنَينٍ؟ وفي الثّالثة: أَفَرَرتُم عن رسول الله وََّ؟ وكلّها
بمعنی.
(١) كذا قال الحافظ، وإنما هو في الرواية: أخبرنا إسماعيل. كما في اليونينية دون حكاية أي خلاف.
(٢) هو في ((مسند أحمد)) (١٩١٣١) عن يزيد بن هارون، لكنه لم يقع منسوباً، وإنما وقع منسوباً في رواية ابن
أبي شيبة ١٤/ ٥٢٥ عن يزيد بن هارون، فلعله وقع في نسخة الحافظ للمسند منسوباً، والله أعلم.
(٣) وذلك في حديث عن يزيد بن هارون أخرجه البخاري (٢٩٣٣)، ومسلم (١٧٤٢) عنه، قال: دعا
رسول الله ﴿ على الأحزاب، فقال: ((اللهم منزلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اهزمهم
وزلزلهم)).

٥٤٥
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
كتاب المغازي
قوله: ((أمَّا أنا فأشهَد على النبيّ وَِّ أنَّه لم يوَلِّ)) تَضَمَّنَ جوابُ البراء إثباتَ الفِرار
لهم، لكن لا على طريق التَّعميم، وأراد أنَّ إطلاق السائل يَشمَل الجَميع حتَّى النبيَّ وَّل
لظاهرِ الرِّواية الثّانية، ويُمكِن الجمع بين الثّانية والثّالثة بحَملِ المعيّة على ما قبل
الهزيمة، فبادَرَ إلى استثنائه، ثمَّ أوضَحَ ذلك وخَتَمَ حديثه بأنَّه لم يكن أحدٌ يومئذٍ أشدّ
منه الله.
قال النَّوَويّ: هذا الجواب من بَديع الأدب، لأنَّ تقدير الكلام: فرَرتُم كلَّكُم؟ فيَدخُل
فيهم النبيُّ وَّةَ، فقال البراء: لا والله ما فَّ رسول الله وَّهَ، ولكن جَرَى كَيت وكَيت،
فأوضَحَ أنَّ فِرار مَن فَرَّ لم يكن على نيَّة الاستمرار في الفِرار، وإنَّما انكَشَفوا، من وقْع السِّهام،
وكأنَّه لم يَسْتَحِضِرِ الرِّواية الثّانية.
وقد ظَهَرَ من الأحاديث الواردة في هذه القِصّة أنَّ الجَميع لم يَفِرّوا كما سيأتي بيانه.
ويُحتمل أنَّ البراء فهمَ من السائل أنَّه اشتَبَهَ عليه حديث سَلَمةَ بن الأكوع الذي أخرجه
مسلم (١٧٧٧) بلفظ: ومَرَرت برسولِ اللهِ ◌ّ مُنهَزِماً. فلذلك حَلَفَ أنَّ النبيّ ◌َّ لم يوَلِّ،
ودَلَّ ذلك على أنَّ ((مُنَزِما) حال من ((سَلَمَةَ))، ولهذا وَقَعَ/ في طريق أُخرى(١): ومَرَرت ٢٩/٨
على رسولِ الله وَّهِ مُنهَزِماً، وهو على بَغلَته، فقال: ((لقد رأى ابنُ الأكوَع فَزَعاً)). ويحتمل
أن يكون السائل أخَذَ التَّعميم من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدِبِينَ﴾ فبيَّن له أنَّه من
العُموم الذي أُريدَ به الخُصوصُ.
قوله: ((ولكن عَجِلَ سَرَعانُ القوم، فَرَشَقَتْهم هَوازِنُ)) فأمَّا سَرَعان: فبفتح المهمَلة والرّاء،
ويجوز سكون الرّاء، وقد تقدَّم ضبطه في سُجود السَّهو في الكلام على حديث ذي اليَدَينِ
(١٢٢٩)، والرَّشْق، بالشّينِ المعجَمة والقاف: رَمي السِّهام، وأمَّا هَوازن: فهيَ قبيلة كبيرة
من العرب فيها عِدّة بُطون يُنسَبونَ إلى هَوازِن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفة، بمُعجَمة
ثمَّ مُهمَلةٍ ثمَّ فاءٍ مفتوحات، ابن قيس بن عَيْلانَ بن الیاس بن مُضَر.
(١) رواية مسلم المذكورة نفسها، فلم يخرجه مسلم إلّا من طريق واحدة.

٥٤٦
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
والعُذر لمن انهزَمَ من غير المؤلّفة أنَّ العَدوّ كانوا ضِعْفَهم في العَدَد وأكثَرَ من ذلك، وقد
بَيَّن شُعْبة في الرِّواية الثّالثة السَّبَب في الإسراع المذكور قال: كانت هَوازِنُ رُماةً، قال: وإنّا
لمَّا حَمَلْنا عليهم انكَشَفوا.
وللمصنّفِ في الجهاد (٢٨٦٤): انهَزَموا، قال: فأكبينا. وفي روايته في الجهاد في ((باب
مَن قادَ دابّة غيره في الحرب)): فأقبَلَ الناس على الغنائم، فاستَقبَلونا بالسِّهام. وللمصنِّف
في الجهاد أيضاً (٢٩٣٠) من رواية زُهَير بن معاوية عن أبي إسحاق تكملة السَّبَب المذكور
قال: خرج شُبّانُ أصحابه وأخِفَاؤُهم حُسَّراً - بضمِّ المهمَلة وتشديد السّين المهمَلة - ليس
عليهم ◌ِلاح، فاستَقْبَلَهم جمعُ هَوازِنَ وبني نَصْر(١) ما يَكادُونَ يَسقُط لهم سهم، فَرَشَقُوهم
رَشقاً ما يَكادونَ يُخْطِئُونَ، الحديث، وفيه: فنزلَ واستَنصَرَ، ثمَّ قال: ((أنا النبيّ لا كَذِبْ، أنا
ابن عبد المطَّلِبْ)) ثمَّ صَفَّ أصحابَه.
وفي رواية مسلم (١٧٧٦/ ٧٩) من طريق زَكَريًا عن أبي إسحاق: فَرَمَوهم برَشْقٍ من
نَبْل كأنَّهَا رِجُلٌ مِن (٢) جَراد فانكَشَفوا. وذكر ابن إسحاق(٣) من حديث جابر وغيره في
سبب انكِشافهم أمراً آخر، وهو: أنَّ مالك بن عَوْف سَبَقَ بهم إلى حُنَينٍ، فأعَدّوا وتَهيّؤوا
في مَضائِق الوادي، وأقبَلَ النبيّ وَّ وأصحابه حتَّى انحَطَّ بهم الوادي في عَمَاية الصُّبْح،
فثارَت في وجوههم الخيلُ، فشَدَّت عليهم، وانكَفَأ الناس مُنهَزِمينَ.
وفي حديث أنس عند مسلم وغيره(٤) من رواية سليمان التَّيْميِّ عن السُّمَيطِ عن أنس
قال: افتَتَحنا مكَّة، ثمَّ إنّا غَزَونا حُنَيناً، قال: فجاء المشركونَ بأحسن صُفوف رأيتُ: صَفّ
الخيل، ثمَّ المقاتلة، ثمَّ النِّساء من وراء ذلك، ثمَّ الغَنَم، ثمَّ النَّعَم. قال: ونحنُ بَشَر كثير،
(١) تصحف في (س) إلى: نصر.
(٢) لفظة ((من)) سقطت من (أ) و(س). وأثبتناها من (ع).
(٣) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ١٢٦/٥-١٢٧.
(٤) أخرجه أحمد (١٢٦٠٨) ومسلم (١٠٥٩) (١٣٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٥٨٢).

٥٤٧
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
كتاب المغازي
وعلى مُجُنِّةٍ (١) خيلِنا خالد بن الوليد، فجَعَلَت خيلنا تَلُوذ خلف ظُهورنا، فلم نَلبَث أن
انكَشَفَت خيلنا، وفَرَّت الأعراب ومَن تعلَمُ من الناس.
وسيأتي للمصنّفِ قريباً (٤٣٣٧) من رواية هشام بن زيد عن أنس قال: أقبَلَت مَوازِنُ
وغَطَفانُ بِذَراريِّهم ونَعَمهم، ومع رسول الله وَّ عشرة آلاف ومعه الطَّلَقاء، قال: فأدَبَروا
عنه حتَی بقيَ وحده، الحديث.
ويُجمع بين قوله: حتَّى بَقيَ وحده، وبين الأخبار الدّالّة على أنَّه بَقيَ معه جماعة بأنَّ
المراد: بَقَيَ وحده مُتَقَدِّماً مُقبلاً على العَدوّ، والذينَ ثَبَتوا معه كانوا وراءَه. أو الوحدة
بالنِّسبة إلى مباشرة القتال، وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يَخْدُمونَه في إمساك البَغلة
ونحو ذلك.
ووَقَعَ في رواية أبي نُعَيم في ((الدَّلائل)) تفصيل المئة: بضعة وثلاثونَ من المهاجِرِينَ،
والبَقيَّة من الأنصار، ومن النِّساء: أمّ سُلَيم وأُمّ حارثة.
قوله: ((وأبو سُفْيان بن الحارث)) أي: ابن عبد المطَّلِب بن هاشم، وهو ابن عمّ النبيّ
◌َى اللّه
وكان إسلامه قبل فتح مكَّة، لأنَّه خرج إلى النبيّ وَّهِ فَلَقيَه في الطَّريق، وهو سائر إلى فتح
مكَّة، فأسلَمَ وحَسُنَ إسلامه، وخرج إلى غزوة حُنَينٍ، فكان فيمَن ثَبَتَ.
وعند ابن أبي شَيْبة (٥٢٦/١٤) من مُرسَل الْحَكَم بن عُتَيبة، قال: لمَّا فَرَّ الناس يوم
◌ُنَينٍ جَعَل النبيّ وَّهِ يقول: ((أنا النبيّ لا كَذِبْ، أنا ابن عبد المطَّلِّبْ))، فلم يَبقَ معه إلّ
أربعة نَفَر، ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم: عليّ والعبَّاس بين يَدَيهِ، وأبو سفيان بن
الحارث آخِذٌ بالعِنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر. قال: وليس يُقبِلُ نحوَه أحدٌ إلّا
قُتِلَ.
(١) في (ع) و(س): ميمنة، والمثبت من (أ) موافقاً لرواية المشار إليهم. قال النووي: المجنبة، بضم الميم، وفتح الجيم
وكسر النون. قال شمر: هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق الأيمن، وهما مجنبتان ميمنة وميسرة
بجانبي الطريق والقلب بينهما.

٥٤٨
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وروى التِّرمِذيّ (١٦٨٩) من حديث ابن عمر، بإسنادٍ حَسَن، قال: لقد رأيتُنا يوم
٣٠/٨ حُنَيْنٍ وإِنَّ الناس / لَمُوَلِينَ، وما معَ رسول الله وَ ل مئة رجل. وهذا أكثر ما وقفت عليه مِن
عَدَد مَن ثَبَتَ يوم حُنَيْنٍ.
وروى أحمد (٤٣٣٦) والحاكم (١١٧/٢) من حديث عبد الرّحمن بن عبد الله بن
مسعود عن أبيه قال: كنتُ معَ النبيّ ◌َّهِ يوم حُنَينٍ، فَوَلَّى عنه الناس، وثَبَتَ معه ثمانونَ
رجلاً من المهاجِرِينَ والأنصار، فكنًّا على أقدامنا، ولم نوَّمُ الدُّبُرَ، وهم الذينَ أنزَلَ الله
عليهم السَّكينة. وهذا لا يُخالف حديث ابن عمر، فإنَّه نَفَى أن يكونوا مئة، وابن مسعود
أثبت أنَّهم كانوا ثمانينَ.
وأمَّا ما ذكره النَّوَويّ في ((شرح مسلم)): أنَّ ثَبَتَ معه اثنا عشر رجلاً، فكأنَّه أخَذَه ممّا
ذكره ابن إسحاق(١) في حديثه: أنَّه تَبَتَ معه العبّاس وابنه الفضل وعليّ وأبو سفيان بن الحارث
وأخوه ربيعة وأُسامة بن زيد وأخوه من أمّه أيمَن ابن أمّ أيمَن، ومن المهاجِرِينَ أبو بكر وعمر،
فهؤلاءِ تسعة، وقد تقدَّم ذِكْر ابن مسعود في مُرسَل الحَكَم(٢)، فهؤلاءِ عشرة.
ووَقَعَ في شِعر العبَّاس بن عبد المطَّلِّب أنَّ الذينَ ثَبَتوا كانوا عشرةً فقط، وذلك قوله:
نَصَرْنا رسولَ الله في الحرب تسعةٌ وقد فرَّ مَن قدفرَّ عنه وأقْشَعُوا
لِمَا مَسَّه في الله لا يَتَوجَّعُ
وعاشِرُنا لاقَى (٣) الحِمامَ بنفسِهِ
ولعلَّ هذا هو الثَّبت، ومَن زاد على ذلك يكون عَجِل في الرُّجوع، فعُدَّ فيمَن لم يَنْهَزِم.
وثمَّن ذكر الزُّبَير بن بَكّارٍ وغيره أنَّه ثَبَتَ يوم حُنَينٍ أيضاً: جعفر بن أبي سفيان بن الحارث،
(١) جاء في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٤٤٣ أنَّ ممن ثبت أيضاً ابن أبي سفيان بن الحارث، قال ابنُ هشام:
اسمه جعفر. وعليه يكون عدد المذكورين في ((سيرة ابن هشام)) - وهي برواية زياد بن عبد الله
البكائي عن ابن إسحاق - عشرة. ولم يذكر أحمد في روايته (١٥٠٢٧) لحديث ابن إسحاق هذا
المذكور في رواية البكائي.
(٢) تحرف في (س) إلى: الحاكم.
(٣) في (س): وائَى، وكلاهما بمعنَى.

٥٤٩
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
كتاب المغازي
وقُثَم بن العبّاس، وعُتبة ومُعَتِّب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزُّبَير بن عبد المطَّلِب، ونَوفَل
ابن الحارث بن عبد المطَّلِب، وعَقيل بن أبي طالب، وشَيْبة بن عثمان الحَجَبَيُّ، فقد ثَبَتَ
عنه أنَّه لمَّا رأى الناس قد انهَزَ موا استَدبَرَ النبيَّ ◌ََّ لِيَقْتُله، فأقبَلَ عليه، فضَرَبَه في صدره،
وقال له: ((قاتِل الكفَّار))، فقاتَلَهم حتَّى انهزموا.
قال الطَّبَرَيُّ: الانِهِزام المنهيّ عنه هو ما وَقَعَ على غير نيَّةِ العَود، وأمَّا الاستطراد للكَرِّ (١)
فهو كالمتحيِّز إلى فئة.
قوله: ((آخِذٌ برأسٍ بَغْلَته)) في رواية زُهَير: فأقبلوا - أي: المشركونَ - هُنالكَ إلى النبيّ وَالـ
وهو على بَغْلَته البيضاء، وابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلِب يقود به، فنزلَ
واستنصَرَ.
قال العلماء: في رُكوبه بَّهِ البَغلة يومئذٍ دلالة على النّهاية في الشَّجاعة والثَّبات. وقوله:
فنزلَ، أي: عن البَغلة. فاستَنَصَرَ، أي: قال: اللهمَّ أنزِل نَصَرَك. كذا وَقَعَ مُصَرَّحاً به في
رواية مسلم من طريق زَكَريّا عن أبي إسحاق. وفي حديث العبَّاس عند مسلم (١٧٧٥):
شَهِدت معَ رسول الله وَّهَ يوم ◌ُنَينٍ، فَلَزِمْتُه أنا وأبو سفيان بن الحارث فلم نُفارقه،
الحديث، وفيه: ولَّ المسلمونَ مُدبِرينَ، فطَفِقَ رسول الله وَّهِ يَركُض بَغلَتَه قِبَل الكفَّار،
قال العبّاس: وأنا آخِذٌ بلِجام بغلة رسول الله وَّةِ، أكُفُّها إرادة أن لا تُسرِع، وأبو سفيان
آخذٌ بر کابه.
ويُمكِن الجمع بأنَّ أبا سفيان كان آخِذاً أوَّلاً بزِمامها، فلمَّا رَكَضَها النبيُّ ◌َّه إلى جهة
المشركينَ خَشِيَ العبّاس، فأخَذَ بلِجام البَغلة يَكُفّها، وأخَذَ أبو سفيان بالرِّكاب وتَرَكَ
اللِّجام للعبَّاس إجلالاً له لأنَّه كان عَمَّه.
قوله: ((بَغْلَته)) هذه البَغلة هي البيضاء. وعند مسلم (٢) من حديث العبّاس: وكان على بَغلة
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: للكثرة.
(٢) يا عجباً للحافظ رحمه الله كيف غفل عن رواية حديث الباب التي فيها التنصيص على أنها البيضاء!

٥٥٠
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
له بيضاء، أهداها له فروة بن نُفاثة الجُذاميّ. وله من حديث سَلَمةَ (١٧٧٧): وكان على
بَغْلَتِهِ الشَّهْباء.
ووَقَعَ عند ابن سعد وتبعه جماعة مَّنْ صَنَّفَ السِّيرة: أَنَّهِوََّ كان على بَغْلَته دُلْدُل، وفيه
نظر، لأنَّ دُلدُل أهداها له المقَوقِس.
وقد ذكر القُطب الحَلَبيّ أنَّه استَشكَلَ عند الدِّمياطيّ ما ذكره ابنُ سعد، فقال له: كنت
تَبعتُه فذكرت ذلك في «السِّيرة)) وكنت حينئذٍ سِيْرِيّاً محضاً، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخِلاف.
قال القُطب الحَلَبَيّ: يُحتمل أن يكون يومئذٍ رَكِبَ كلَّ من البَغْلَتَيْنِ إن ثَبَتَ أنَّها كانت
صَحِبَتَه، وإلّا فما في الصَّحيح أصحَ.
ودَلَّ قولُ الدِّمياطِيّ أنَّه كان يَعتَقِد الرُّجوع عن كثير / ممّا وافَقَ فيه أهلَ السّيَرَ وخالَفَ
٣١/٨
الأحاديث الصَّحيحة، وأنَّ ذلك كان منه قبل أن يَتَضَلَّع من الأحاديث الصَّحيحة، ولِخُروجِ
نُسخ من کتابه وانتشاره لم یتمگَّن من تغييره.
وقد أغرَب النَّوَويّ فقال: وَقَعَ عند مسلم: على بَغلَته البيضاء. وفي أُخرى: الشَّهباء.
وهي واحدة ولا نَعرِف له بَغلةً غيرها. وتُعُقِّب بدُلدُل، فقد ذكرها غير واحد، لكن قيلَ:
إِنَّ الاسمَينِ لِواحدةٍ.
قوله: ((أنا النبيّ لا كَذِبْ، أنا ابن عبد المطَّلِّبْ)) قال ابن التِّين: كان بعض أهل العلم
يقوله بفتح الباء، من قوله: ((لا كَذِب)) ليُخرِجه عن الوزن. وقد أُجيب عن مقالته ◌َّ هذا
الرَّجَزَ بأجويةٍ:
أحدها: أنَّ نَظمُ غيرِه، وأنَّه كان فيه: أنتَ النبيّ لا كَذِبْ أنتَ ابن عبد المطَّلِب، فذكره
بلفظ: ((أنا)) في الموضعينِ.
ثانيها: أنَّ هذا رَجَز، وليس من أقسام الشِّعر. وهذا مردود.
ثالثها: أنَّه لا يكون شِعراً حتَّى يُتِمّ قِطعةً، وهذه كلمات يسيرة لا تُسَمَّى شِعراً.

٥٥١
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
كتاب المغازي
رابعها: أنَّه خرج موزوناً ولم يَقصِد به الشِّعر. وهذا أعدَل الأجوبة، وقد تقدَّم هذا
المعنى في غير هذا المكان(١)، ويأتي تامّاً في كتاب الأدب(٢).
وأمَّا نِسبته إلى عبد المطَّلِب دون أبيه عبد الله، فكأنَّها لشُهرة عبد المطَّلِّب بين الناس لمَا رُزِقَ
من نَبَاهة الذِّكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنَّه ماتَ شاباً، ولهذا كان كثير من العرب
يَدْعونَه ابنَ عبد المطَّلِب، كما قال ضِمام بن نَعْلبة، لمَّا قَدِمَ: أَيْكُم ابن عبد المطَّلِّب؟(٣)
وقيلَ: لأنَّه كان اشتَهَرَ بين الناس أنَّه يَخْرُج من ذُرَيَّة عبد المطَّلِّب رجل يَدعُو إلى الله
ويَهدي اللهُ الخلقَ على يَدَيه، ويكون خاتم الأنبياء، فانتَسَبَ إليه، لِيَتَذَكَّر ذلك مَن كان
يَعِرِفه، وقد اشتَهَرَ ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديماً لعبد المطَّلِب قبل أن يَتزوَّج
عبد الله آمِنة(٤). وأراد النبيُّ وَّ تنبيه أصحابه بأنَّه لا بدَّ من ظُهوره، وأنَّ العاقبة له، لتَقوَى
قلوبِهِم إذا عَرَفوا أنَّه ثابت غير مُنْهَزِم.
وأمَّا قوله: ((لا كَذِبْ)) ففيه إشارة إلى أنَّ صفة النُُّوّة يَستَحيل معها الكَذِب، فكأنَّه قال:
أنا النبيّ، والنبيّ لا يَكذِب، فلست بكاذِبٍ فيما أقول حتَّى أنهزِمَ، وأنا مُتَّقِّن بأنَّ الذي
وعَدَني الله به من النَّصر حَقّ، فلا يجوز عليَّ الفِرار.
وقيل: معنى قوله: ((لا كَذِب)) أي: أنا النبيّ حَقّاً، لا كَذِب في ذلك.
تنبيهان:
أحدهما: ساقَ البخاريّ الحديث عالياً عن أبي الوليد عن شُعْبة، لكنَّه مختصر جدّاً. ثمَّ
ساقَه من رواية غُندَر عن شُعْبة مُطوَّلاً بنزولِ دَرَجة. وقد أخرجه الإسماعيليّ عن أبي خليفة
الفضل بن الحُبَاب عن أبي الوليد مُطوَّلاً، فكأنَّه لمَّا حدَّث به البخاريّ حدَّث به مختصراً.
(١) انظر شرح الحديث (٣٩٠٦) و(٤٠٩٨).
(٢) انظر باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء، وما يكره منه وهو ترجمةُ الأحاديث: (٦١٤٥ -٦١٤٩).
(٣) تقدم حديثه عند البخاري برقم (٦٣).
(٤) ورد ذلك في خبر رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) ١/ ١٥٢، وأبو نعيم في «دلائل النبوة)) (٥٠)، وفي إسناده
ضعفاء ومجاهیل.

٥٥٢
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
الثّاني: اتَّفَقَت الطّرق الَّتي أخرجها البخاريّ لهذا الحديث من سياق هذا الحديث إلى
قوله: ((أنا النبيّ لا كَذِبْ، أنا ابن عبد المطَّلِبْ)) إلّا رواية زُهَير بن معاوية (٢٩٣٠) فزاد في
آخرها: ثمَّ صَفّ أصحابه. وزاد مسلم (٧٩/١٧٧٦) في حديث البراء من رواية زَكَريّا عن
أبي إسحاق: قال البراء: كنَّ والله إذا احمرَّ البَأس نَتَّقي به، وإنَّ الشُّجاع مِنّ لَلَّذي يحاذي به.
يَعني: النبيّ ◌ِهِ.
ولمسلم (١٧٧٥) من حديث العبّاس: أنَّ النبيّ ◌َّهِ حينئذٍ صارَ يَركُض بَغلَته إلى جهة
الكفَّار. وزاد فقال: ((أي عبَّاس، نادِ أصحاب الشَّجَرة)) وكان العبّاس صيِّئاً، قال: فناديت
بأعلى صوتي: أين أصحاب الشَّجَرة؟ قال: فوالله لكأنَّ عَطْفَتَهم حين سَمِعوا صوتي عَطْفَةً
البقر على أولادها، فقالوا: يا ◌َبَّيكَ يا لبَّكَ. قال: فاقتَتَلوا والكفَّارَ، فَنَظَرَ رسول الله وَل
وهو على بَغلَته كالمتطاوِلِ إلى قتالهم، فقال: ((هذا حين خَيَ الوَطيس)) ثمَّ أخذ حَصَيات
فَرَمَى بهنَّ وجوه الكفّار، ثمَّ قال: ((انهزَمُوا ورَبِّ الكعبة)) قال: فما زلت أرَى حَدَّهم كَليلاً،
وأمرَهم مُدبراً.
ولابنِ إسحاق(١) نَحوه، وزاد: فجَعَلَ الرجل يَعطِف بعيرَه، فلا يَقدِر، فيَقْذِف دِرِعَه،
ثُمَّ يأخُذ سيفَه ودَرَقَتَه، ثمَّ يَؤُمّ الصَّوتَ.
قوله في آخر الرواية الثالثة: ((قال إسرائيل وزُهَير: نزلَ النبيُّ وَّهِ عن بَغْلَته)) أي: إنَّ
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق وزُهَير بن معاوية الجُعْفيَّ رَوَيا هذا الحديث عن أبي
٣٢/٨ إسحاق عن البراء فقالا في آخره: / نزلَ النبيّ نَّ عن بَغْلَته. فأمَّا رواية إسرائيل فوَصَلَها
المصنِّف (٣٠٤٢) في ((باب مَن قال: خُذها وأنا ابن فلان)) من كتاب الجهاد، ولفظه: كان
أبو سفيان بن الحارث آخِذاً بعِنان بَعلَته، فلمَّا غَشيَه المشركونَ نزلَ. وقد تقدَّم شرح ذلك.
وأمَّا رواية زُهَير فَوَصَلَها أيضاً (٢٩٣٠) في ((باب مَن صَفّ أصحابه عند الهزيمة))، وقد
ذكرتُ لفظه قريباً.
(١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٤٤٤ -٤٤٥.

٥٥٣
باب ٥٣ / ح ٤٣١٤-٤٣١٧
كتاب المغازي
ولمسلم (١٧٧٧) من حديث سَلَمَةَ بن الأكوع: لمَّا غَشُوا النبيّ ◌َلِّ نزلَ عن البَغلة، ثمَّ
قَبَضَ قَبضة من تراب، ثمَّ استَقبَلَ به وجوههم فقال: ((شاهَتِ الوجوهُ)) فما خَلَقَ الله منهم
إنساناً إلّا مَلَأَ عِينَيَه تراباً بتلكَ القَبضة، فوَلَّوا مُنهَزِمينَ.
ولأحمد (٢٢٤٦٧) وأبي داود (٥٢٣٣) والدارميِّ(١) (٢٤٥٢) من حديث أبي عبد الرَّحمن
الفِهريّ في قِصّة حُنَينٍ قال: فَوَلَّى المسلمونَ مُدبرينَ كما قال الله تعالى، فقال رسول الله وَله:
((أيا عِباد الله، أنا عبد الله ورسوله)) ثمَّ اقتَحَمَ عن فرَسه، فأخَذَ كَفّاً من تراب، قال:
فأخبرني الذي كان أدنَى إليه منِّي أنَّه ضَرَبَ به وجوههم، وقال: ((شاهَت الوجوه)) فَهَزَمَهم.
قال يَعْلى بن عطاء راويه عن أبي همَّام عن أبي عبد الرّحمن الفِهريّ: قال: فحدَّثني أبناؤُهم
عن آبائهم أنَهم قالوا: لم يَبقَ مِنّا أحد إلّا امتَلَأت عيناه وفَمه تراباً.
ولأحمد (٤٣٣٦) والحاكم (١١٧/٢) من حديث ابن مسعود: ورسول الله وَ ل﴾ على
بَغْلَته قُدُماً، فحادَت به بَغلَتُه، فمال عن السَّرْج، فقلت: ارتَفِعِ رَفَعَك اللهُ، فقال: ((ناوِلني
كَفّاً من تراب)» فضَرَبَ به وجوههم، فامتَلَأت أعينهم تراباً، وجاء المهاجِرونَ والأنصار
سيوفهم بأيمانهم كأنَّهَا الشُّهُب، فوَلَّى المشركونَ الأدبار.
وللبزَّار (٤٧١٧) من حديث ابن عبّاس: أنَّ عليّاً ناوَلَ النبيّ وَِّ التُراب، فَرَمَى به في
وجوه المشركينَ يوم حُنَينٍ.
ويُجمَع بين هذه الأحاديث أنَّه وَّهِ أَوَّلاً قال لصاحبه: ((ناولني)) فناوَلَه، فَرَماهم، ثمَّ
نزلَ عن البَغلة فأخَذَ بَيَدِه فَرَماهم أيضاً. فيُحتمل أنَّ الحَصَى في إحدى المرّتَينِ، وفي الأُخرى
التُراب، والله أعلم.
وفي الحديث من الفوائد: حُسن الأدب في الخِطاب، والإرشاد إلى حُسن السُّؤال بحُسنِ
الجواب. وذَمّ الإعجاب.
وفيه جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهليَّة، والنَّهي عن ذلك محمول على ما
(١) تحرف في (س) إلى: الترمذي، وليس هو في ((جامعه)).

٥٥٤
باب ٥٣ / ح ٤٣١٨-٤٣١٩
فتح الباري بشرح البخاري
هو خارج الحرب. ومثله الرُّخصة في الخُيَلاء في الحرب دون غيرها.
وجواز التَّعرُّض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال: كان النبيّ وَّ مُتَيَقِّناً للنَّصِرِ لوَعِدِ الله
تعالى له بذلك، وهو حَقّ، لأنَّ أبا سفيان بن الحارث قد ثَبَتَ معه آخذاً بلجام بغلته، وليس
هو في اليقين مِثْل النبيّ بَّه، وقد استُشهِدَ في تلكَ الحالة أيمَن ابن أمّ أيمَن كما تقدَّمت
الإشارة إليه في شِعر العبّاس.
وفيه رُكوب البَغلة إشارةً إلى مَزيد الثَّبات، لأنَّ رُكوب الفُحولة مَظِنّة الاستعداد
للفِرار والتوَلّي، وإذا كان رأس الجيش قد وطَّنَ نفسه على عَدَم الفِرار وأخَذَ بأسباب ذلك،
كان ذلك أدعَى لَأَتْباعه على الثَّبات.
وفيه شُهرة الرَّئيس نفسه في الحرب مُبالَغة في الشَّجاعة وعَدَم المبالاة بالعَدوِّ.
٤٣١٨، ٤٣١٩ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حَدَّثَنَي الليثُ، حدَّثني عُقَلٌ، عن ابنِ شِهابٍ
(ح) وحدَّثني إسحاقُ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ شِهابٍ، قال: قال محمَّدُ
ابنُ مُسلِمٍ بنِ شِهابٍ: وزَعَمَ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ مَرْوانَ والِسْوَرَ بنَ مَخَرَمةَ أخبَرَاه: أنَّ رسولَ الله
وَِّ قامَ حينَ جاءه وَفْدُ هَوازِنَ مسلِمينَ، فسألوه أن يَرُدَّ إليهم أموالهم وسَبْيَهم، فقال لهم
رسولُ الله ◌ََّ: ((معي مَن تَرَوْنَ، وأحَبُّ الحديثِ إليَّ أصْدَقُه، فاختاروا إحدَى الطّائِفَتَينِ: المالَ
وإما السَّبْيَ، وقد كنتُ استَأنَيتُ بِكُمْ)) وكان أنظَرَهم رسولُ الله ◌ِّهِ بِضْعَ عشرةَ ليلةً حينَ قَفَلَ
مِن الطّائِفِ، فلمَّا تَبَيَّن لهم أنَّ رسولَ اللهَ وَِّ غيرُ رادٌّ إليهم إلا إحدَى الطّائفَتَينِ، قالوا:/ فإنّا
٣٣/٨ نَخْتارُ سَبْيَنَا، فقامَ رسولُ الله ◌َِّ في المسلمينَ، فأثْنَى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: ((أمَّا بَعْدُ، فإنَّ
إخْوانَكُم قد جاؤونا تائبِينَ، وإنّ قد رأيتُ أن أرُدَّ إليهم سَبْيُهم، فمَن أحَبَّ مِنْكُم أن يُطيِّبَ
ذلك فلْيَفْعَلْ، ومَن أحَبَّ مِنْكُم أن يكونَ على حَظُّه، حتَّى نُعْطِبَه إيّاه من أوَّلِ ما يُفِي ءُ اللهُ علينا،
فَلْيَفْعَلْ)) فقال الناسُ: قد طَّنا ذلك يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله وَّةِ: ((إنّا لا نَذْرِي مَن أَذِنَ
مِنْكُم في ذلك ممَّن لم يأذَنْ، فارجِعوا حتَّى يرفعَ إلينا عُرَفاؤُكُمْ أَمَرَكُمْ)) فَرَجَعَ الناسُ فَكَلَّمَهم
عُرَفاؤُهم، ثمَّ رجعوا إلى رسولِ الله وَّةِ، فأخبروه أنَّهم قد طَيِّبُوا وأذِنُوا.
هذا الذي بَلَغَني عن سَبٍْ هَوازِنَ.

٥٥٥
باب ٥٣ / ح ٤٣١٨-٤٣١٩
كتاب المغازي
الحديث الثالث: حديث المِسوَر ومروان. تقدَّم ذِكْره من وجهَينٍ عن الزُّهْريِّ، وقد
تقدَّم في أوَّل الشُّروط (٢٧١١ و ٢٧١٢) في قِصّة صُلح الحُدَيبية أنَّ الزُّهْريَّ رواه عن عُرْوة
عن المِسوَر ومروان عن أصحاب النبيّ وَّة، فدَلَّ على أنَّه في بَقيَّة المواضع حیثُ لا یذُر
عن أصحاب النبيّ وَِّ، أَنَّه يُرسِله، فإنَّ المِسوَر يَصغُر عن إدراك القِصّة ومروان أصغَر
منه. نعم كان المِسوَر في قِصّة حُنَينٍ تُميِّزاً، فقد ضَبَطَ في ذلك الأوان قِصّة خِطبة عليّ لابنة
أبي جهل(١)، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا ابن أخي ابن شهاب، قال: قال محمَّد بن مسلم بن شِهاب)» هو الزُّهْريّ،
وسَقَطَ: ابن مسلم، من بعض النُّسَخ.
قوله: ((وزَعَمَ عُرْوة بن الزُّبَير)) هو مَعطوف على قِصّة صُلح الحُدَيبية، وقد أخرجه
موسى بن عُقْبة عن الزّهْرِيِّ بلفظ: حدَّثني عُرْوة بن الزُّبَير ... إلى آخره، وسيأتي في الأحكام
(٧١٧٦ و ٧١٧٧).
قوله: ((قامَ حين جاءه وَفْد هَوازِن مسلمينَ)) ساقَ الزّهْريُّ هذه القِصّة من هذا الوجه
مختصرةً، وقد ساقَها موسى بن عُقْبة في ((المغازي)) مُطوَّلة، ولفظه: ثمَّ انصَرَفَ رسول الله وَل
من الطائف في شوّالٍ إلى الجِعْرانة، وبها السَّبْيُ - يَعني: سَبِيَ هَوازِن - وقَدِمَت عليه وفود
هَوازِن مسلمينَ، فيهم تسعة نَفَر من أشرافهم فأسلموا وبايَعوا، ثمَّ كَلَّموه فقالوا: یا
رسول الله، إنَّ فيمَن أصَبْتُم الأُمَّهات والأخَوات والعَمّات والخالات، وهُنَّ تَحازي
الأقوام، فقال: ((سَأطلُبُ لِكُم، وقد وقَعَتِ الَقَاسِم، فأيّ الأمرَينِ أحَبّ إليكُم: السَّبي أم
المال؟)) قالوا: خَيَّرْتَنا يا رسول الله بين الحَسَب والمال، فالحَسَب أحَبّ إلينا، ولا نَتَكلَّم في
شاة ولا بعير. فقال: ((أمَّ الذي لِبني هاشم فهو لكُم، وسوفَ أُكلِّم لكُم المسلمينَ، فَكَلِّمُوهم
وأظهِروا إسلامَكُم)) فلمَّا صَلَّى رسول الله وَّر الهاجِرَ قاموا فتَكلَّمَ خُطَبَاؤُهم فأبلَغُوا،
ورَغِبوا إلى المسلمينَ في رَدّ سَبْيهم، ثمَّ قامَ رسول الله وَ له حين فرَغوا فشَفَعَ لهم، وحَضَّ
المسلمينَ عليه، وقال: ((قد رَدَدتُ الذي لبني هاشم عليهم)).
(١) أخرج البخاري حديثه برقم (٣١١٠) و(٣٧٢٩)، وهو أيضاً عند مسلم (٢٤٤٩).

٥٥٦
باب ٥٣ / ح ٤٣١٨-٤٣١٩
فتح الباري بشرح البخاري
فاستُفِيدَ من هذه القِصّة عَدَد الوفد وغير ذلك مّا لا يَخْفَى.
وقد أغفَلَ محمّد بن سعد لمَّا ذكر الوُفود وفد هَوازِن هؤلاءِ، معَ أنَّه لم يجمع أحد في
الوُفود أكثَرَ مَّا جَمَعَ.
وثمَّن سُمّيَ من وفد هَوازِن: زُهَير بن صُرَدٍ كما سيأتي، وأبو مروان - ويقال: أبو ثَرْوان
أوَّله مثلَّثة بَدَل الميم، ويقال: بموخَّدة وقاف - وهو عَمّ النبيّ ◌َلَّ من الرَّضاعة، ذكره ابن
سعد. وفي رواية ابن إسحاق(١): حدَّثني عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه، تعيينُ الذي
خَطَبَ لهم في ذلك، ولفظه: وأدرَكَه وفد هَوازِن بالجِعْرَانة وقد أسلموا، فقالوا: يا
رسول الله، إنّا أهلٌ وعَشيرة، قد أصابنا من البلاء ما لم يَخْفَ عليك، فامنُن علينا، مَنّ الله
عليك، وقامَ خطيبهم زُهَير بن صُرَد، فقال: يا رسول الله، إنَّ اللَّواتي في الحظائر من السَّبايا
خالاتك وعَّتك وحَواضِنُك اللّتي كُنَّ يَكفُلنَك، وأنتَ خير مَكفول، ثمَّ أَنشَدَه الأبياتَ
المشهورة التي(٢) أوَّلها:
٣٤/٨
امنُنْ علينا رسولَ الله في کَرَم فإنَّك المرءُ نرجوهُ ونَدَّخِرُ
يقول فيها:
امنُن على نِسوةٍ قد كنتَ تَرضَعُها إذفُوكَ تَلَؤُه من مَحَضِها الدُّرَرُ
ثمَّ ساقَ القِصّة نحوَ سياق موسى بن عُقْبة. وأورَدَ الطبرانيُّ (٥٣٠٣) شِعر زُهَير بن صُرَد
من حديثه، فزاد على ما أورَدَه ابنُ إسحاق خمسة أبيات. وقد وَقَعَ لنا عالياً جدّاً في ((المعجم
الصَّغير)) (٦٦١) عُشاري الإسناد، ومَن بين الطبرانيِّ فيه وزُهَير لا يُعرَف، لكن يقوَى
حديثه بالمتابعة المذكورة، فهو حَسَن. وقد بَسَطت القول فيه في ((الأربعينَ المتباينة)) (٢٢)،
وفي (الأمالي))، وفي ((الصَّحابة))، وفي ((العشرة العَشاريَّة)) (١)، وبيَّنْتُ وهمَ مَن زَعَمَ أنَّ الإسناد
مُنقَطِع، والله الموفّق.
(١) وأخرجه من طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ١٩٤/٥-١٩٥.
(٢) لفظة ((التي)) سقطت من (س).

٥٥٧
باب ٥٣ / ح ٤٣١٨-٤٣١٩
كتاب المغازي
قوله: ((وقد كنت استَأنَيتُ بكم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لكُم)). ومعنى ((استأنَيت)):
انتظرتُ، أي: أخّرتُ قَسْم السَّبي لتَحضُروا، فأبطَأْتُم، وكان تَرَكَ السَّبيَ بغير قِسمة
وتَوَجَّهَ إلى الطائف فحاصَرَها، كما سيأتي، ثمَّ رَجَعَ عنها إلى الْجِعْرَانة، ثمَّ قَسَمَ الغنائم
هناك، فجاءه وفد هَوازِنَ بعد ذلك، فبيَّن لهم أنَّه أخَّرَ القَسْم ليَحضُروا فأبطَؤوا.
وقوله: ((بِضْع عشرة ليلة)) فيه بيان مُدّة التأخير.
وقوله: (قَفَلَ)) بفتح القاف والفاء، أي: رَجَعَ.
وذكر الواقديُّ أنَّ وفد هَوازِن كانوا أربعة وعشرينَ بيتاً، فيهم أبو بَرْقان السَّعْديّ،
فقال: يا رسول الله، إنْ في هذه الحظائر إلّا أمَّهاتُك وخالاتُك وحَواضنُك ومُرضِعاتُك
فامنُن علينا، مَنَّ الله عليك. فقال: ((قد استأنَيت بكُم حتَّى ظَنَنت أنَّكُمْ لا تَقْدَمونَ، وقد
قَسَمتُ السَّبْيَ)).
قوله: ((فمَن أحَبَّ أن يُطيِّب ذلك)) بفتح الطاء المهمَلة وتشديد الياء التَّحتانيَّة، أي: يُعطيه
عن طيب نفس منه من غیر عِوَض.
قوله: ((على حَظّه)) أي: بأن يَرُدّ السَّبي بشرطِ أن يُعطَى عِوَضَه. ووقع في رواية موسی
ابن عُقْبة: ((فمَن أَحَبَّ منكم أن يُعطي غير مُكرَه فليَفعَل، ومَن كَرِهَ أن يُعطي فَعليّ
فِداُهم».
قوله: ((فقال الناس: قد طَيَّيْنا ذلك)) في رواية موسى بن عُقْبة: فأعطَى الناس ما
بأيديهم، إلّا قليلاً من الناس سألوا الفِداء. وفي رواية عَمْرو بن شُعَيب المذكورة: فقال
المهاجِرونَ: ما كان لنا فهو لرسولِ الله، وقالت الأنصار كذلك، وقال الأقرع بن حابس:
أمَّا أنا وبنو تَميم فلا، وقال عُيَينةُ: أمَّا أنا وبنو فَزارة فلا، وقال العبّاس بن مِرداس: أمَّا أنا
وبنو سُليم فلا، فقالت بنو سُليم: بل ما كان لنا فهو لرسولِ الله، قال: فقال رسول الله
وَلَّهِ: (مَن تَمَسّك منكم بحَقِّه فله بكلِّ إنسان ستُّ فرائضَ من أوَّل فَيءٍ نُصيبه)) فَرَدّوا إلى
الناس نساءَهم وأبناءهم.

٥٥٨
باب ٥٣ / ح ٤٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فقال: إنّا لا نَدْرِي مَن أذِنَ مِنكُم)) إلى آخره، يأتي الكلام عليه في ((باب العُرَفاء))
من كتاب الأحكام (٧١٧٦ و٧١٧٧) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((هذا الذي بَلَغَني عن سَبْي هَوازِن)) بيَّن المصنّف في الهِبة (٢٦٠٧ و٢٦٠٨) أنَّ
الذي قال: هذا ... إلى آخره، هو الزُّهْريّ، قال ذلك(١) بعد أن أخرج هذا الحديث عن يحيى
بن بُكَير عن اللَّيث بسندِه.
٤٣٢٠- حدَّثنا أبو الثُّعْمان، حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، أنَّ عمر قال: یا
رسولَ الله (ح)
وحدَّثني محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما، قال: لمَّا قَفَلْنا من حُنَينٍ، سألَ عمرُ النبيَّ ◌َ ◌ّ عن نَذْرٍ كان نَذَرَه في
الجاهلِيَّةِ اغْتِكَافُ، فأمَرَه النبيُّ أَآلژ بوَفائِه.
وقال بعضُهم: حَّدٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ.
ورواه جَرِيرُ بنُ حازِمٍ وخَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌َ
الحديث الرابع:
٣٥/٨
قوله: ((عن نافع: أنَّ عمر قال: يا رسول الله)) هكذا ذكره مُرسَلاً مختصراً، ثمَّ عَقَّبَه برواية
مَعمَّر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولاً تاماً. وقد عابَ عليه الإسماعيليّ جمعَهما
لأنَّ قوله: لمَّا قَفَلْنا من حُنَينٍ. لم يقع في رواية حَمَّد بن زيد، أي: الرّواية الأولَى المرسَلة.
والجواب: أنَّ البخاريّ إنَّما نظرَ إلى أصل الحديث لا إلى النَّقص والزّيادة في ألفاظ الزُّواة،
وإنَّما أورَدَ طريق حمّاد بن زيد المرسَلة للإشارة إلى أنَّ روايته مَرجوحة، لأنَّ جماعة من
أصحاب شيخه أيوب خالَفوه فيه فوَصَلوه، بل بعض أصحاب حمّاد بن زيد رواه عنه
موصولاً، كما أشارَ إليه البخاريّ أيضاً هنا، على أنَّ رواية حمّاد بن زيد وإن لم يقع فيها ذِكْر
القُفولِ من حُنَينٍ صريحاً، لكنَّه فيها ضِمْناً، كما سأُبيِّنُه، وقد وَقَعَ في رواية بعضهم ما ليس
(١) في (س): قال: وذلك. بإقحام حرف الواو.

٥٥٩
باب ٥٣ / ح ٤٣٢٠
كتاب المغازي
عند مَعمَر أيضاً ممّا هو أَدْخَلُ في مقصود الباب، كما سأُبيِّنُه، فأمَّا بَقيَّة لَفظ الرِّواية الأولَى
فقد ساقَها هو في فرض الخُمُس (٣١٤٤) بلفظ: إنَّ عمر قال لرسولِ الله وَّ: إنَّه كان عليّ
اعتكاف ليلة في الجاهليّة، فأمَرَه أن يَفِي به. قال: وأصاب عمر جاريَتَينِ من سَبْي ◌ُنَينٍ
فَوَضَعَهما في بعض بيوت مكَّة، الحديث. وكذا أورَدَه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن
حَرْب وأبي الرَّبيع الزَّهْراني وخَلَف بن هشام، كلّهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع:
أنَّ عمر كان عليه اعتكاف يوم(١) في الجاهليّة، فلمَّا نزلَ النبيّ ◌َّه بالجِعرانة سألَه عنه،
فأمَرَه أن يَعتَكِف. لفظ أبي الزَّبيع.
قلت: وكان نزول النبيّ وَله بالجِعرانة بعد رجوعه من الطائف بالاتِّفاق، وكذا سَبي
حُنَينٍ إِنَّما قُسمَ بعد الرُّجوع منها، فاتَّحَدَت رواية حَمَّد بن زيد ومَعمَر معنّى، وظَهَرَ رَدّ ما
اعتَرَضَ به الإسماعيليّ.
وأمَّا رواية مَن رواه عن حمّاد بن زيد موصولاً فأشارَ إليه البخاريّ بقولهِ: وقال
بعضهم: عن حَمَّاد ... إلى آخره، فالمراد بحمّادٍ: حمادُ بنُ زيد، فإنَّه ذکر عَقِبَه رواية حمّاد بن
سَلَمَةَ وهي مخالفة لسياقِهِ، والمراد بالبعضِ المُبهَم: أحمد بن عبدة الضَّبّيّ، كذلك أخرجه
الإسماعيليّ من طريقه، فقال: أخبرني القاسم - هو ابن زَكَريّا - حدَّثنا أحمد بن عبدة حدَّثنا
حمّاد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كان عمر نَذَرَ اعتكاف ليلة في الجاهليّة،
فسألَ النبيَّ ◌ََّ، فأمَرَه أن يَفيَ به. وكذا أخرجه مسلم (٢٨/١٦٥٦) وابن خُزَيمةَ (٢٢٢٨)
عن أحمد بن عبْدة، وذَكَرا فيه إنكار ابن عمر عمرة الجِعرانة، ولم يَسُق مسلم لفظَه، وقد
أوضَحته في ((باب ما كان النبيّ ◌َلَّيُعطي المؤلَّفة)) من كتاب فرض الخُمُس.
وأمَّا رواية مَن رواه عن أيوب موصولاً فأشارَ إليه البخاريّ بقوله:/ ورواه جَرِیر بن ٣٦/٨
حازِم وحَمَّاد بن سَلَمَةَ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر. فرواية جَرِير بن حازِم وَصَلَها
مسلم (٢٨/١٦٥٦) وغيره من رواية ابن وَهْب عن جَرِير بن حازِمِ أنَّ أيوب حدَّثه أنَّ نافعاً
(١) في (س): ليلة. وكلاهما وَرَدَ في ((الصحيح)).

٥٦٠
باب ٥٣ / ح ٤٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
حدَّثه أنَّ عبد الله بن عمر حدَّثه: أنَّ عمر بن الخطّاب سألَ رسول الله وَّهَ، وهو بالجِعرانة
بعد أن رَجَعَ من الطائف، فقال: يا رسول الله، إنّي نَذَرت في الجاهليَّة أن أعتَكِف يوماً في
المسجد الحرام فكيف تَرَى؟ قال: ((اذهَب فاعتَكِف يوماً)) وكان رسول الله وَ لّه قد أعطاه
جاريةً من الخُمُس، فلمَّا أعتَقَ رسولُ الله وَ لِّ سَبايا الناس قال عمر: يا عبد الله، اذهب إلى
تلكَ الجارية فخَلِّ سبيلها. فاشتَمَلَ هذا السّياق على فوائدَ زوائدَ، وعُرِفَ وجه دُخول هذا
الحديث في ((باب غزوة حُنَينٍ)).
ورواية حَمَّاد بن سَلَمَةَ وَصَلَها مسلم (٢٨/١٦٥٦) من طريق حَجّاج بن منهال، حدَّثنا
حمّاد بن سَلَمةَ عن أيوب - مقرونة برواية محمَّد بن إسحاق كلاهما - عن نافع عن ابن
عمر، قال: في قِصّة النَّذر. يَعني دون غيره من ذِكْر الجارية والسَّبي.
وقد ذكرت في فرض الخُمُس كلام الدّارَ قُطنيِّ على هذا الحديث، وأنَّه قال: رواه ابن
عُيَينَةَ عن أيوب، فاختَلَفَ الرُّواة عنه، فمنهم مَن أرسَلَه ومنهم مَن وصَلَه، وممّن رواه
موصولاً: محمّد بن أبي خلَف، وهو من شيوخ مسلم. أخرجه الإسماعيليّ من طريقه، وفيه ذِكْر
النَّذْر والسَّبي والجارية كما في رواية جَرِير بن حازم.
وفي ((المغازي)) لابن إسحاق في قِصّة الجارية فائدة أُخرى: قال: حدَّثني أبو وَجْزَة يزيد
ابن عُبيد السَّعديّ: أنَّ رسول الله ◌َ ◌ّهِ أَعطَى من سَبي هَوازِن عليّ بن أبي طالب جاريةً يقال
لها: رَيْطة بنت حيّان(١) بن عُميرة، وأعطَى عثمان جاريةً يقال لها: زَينَب بنت خُناس،
وأعطَى عمر فلانة(٢) فوَهَبَها لابنِهِ، قال ابن إسحاق: فحدَّثني نافع عن ابن عمر قال:
بَعَثتُ جاريَتي إلى أخوالي في بني جُمَح ليُصلِحوا لي منها حتَّى أطوف بالبيت، ثمَّ أتيتهم
فخَرَجت من المسجد فإذا الناس يَشتَدّونَ، قلت: ما شأنُكُم؟ قالوا: رَدّ علينا رسول الله وَّل
نساءَنا وأبناءَنا، فقلتُ: دونَكُم صاحبتَكُم فهيَ في بني جُمَح، فانطَلَقوا فأخَذوها. وهذا لا
(١) تصحفت في (س) إلى: حبان.
(٢) تصحفت في (س) إلى: قلابة.