Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
باب ٣٧ / ح ٤١٩٥ - ٤١٩٦
كتاب المغازي
بقولِ الشّاعرِ: ((لولا أنتَ)) النبيّ وَّ ... إلى آخره، ويُعِّرُ عليه قولُه بعدَ ذلك:
فأَنْزِلَنْ(١) سَكِينَةً علينا وثبِّتِ الأقدامَ إِن لاقَينا
فإنَّه دُعاءٌ لله تعالى. ويحتمل أن يكونَ المعنى: فاسأل رَبَّك أن يُنزِلَ ويُثَبِّتَ، والله أعلم.
وأمَّا قوله: ((ما أَنَّقَينا)) فبتشديد المثنّة بعدَها قافٌ للأكثر، ومعناه. ما تَرَكْنا من الأوامرِ،
أو (٢) ((ما)) ظَرفيَّة، وللأَصِيلِيّ والنَّسَفيِّ: بهمزة قطع، ثمَّ موخَّدة ساكنة، أي: ما خَلّفْنا وراءَنا
ممّا اكتَسَبْنا من الآثام، أو ما أبقَيناه وراءَنا من الذُّنوب فلم نَتُب منه. وللقابسيّ: ما لَقينا.
باللّام وكسرِ القاف، والمعنى: ما وجدنا من المناهي. ووَقَعَ في رواية قُتَيبَةَ عن حاتمٍ بن
إسماعيلَ / كما سيأتي في الأدب (٦١٤٨): ما اقتَفَينا، بقاف ساكنةٍ ومُثنّاةٍ مفتوحةٍ ثمَّ تحتانيَّة ٤٦٦/٧
ساكنة، أي: تَبِعنا من الخطايا، مِن: قَفَوتُ الأثرَ: إذا تَبِعتُه، وكذا لمسلم (١٢٣/١٨٠٢) عن
قُتَيِبةَ، وهي أشهَرُ الرِّوايات في هذا الرَّجَز.
قوله: ((وأَلْقِيَنْ سَكينةً علينا)) في رواية النَّسَفيّ: وألقي(٣) السَّكينةَ علينا. بحذف النّونِ
وبزيادة ألفٍ ولامٍ في السَّكينة، بغير تنوينٍ، وليس بمَوزونٍ، وإنما الجزء الأخير ◌َخُبُون (٤).
قوله: ((إنّا إذا صِيحَ بنا أتينا)) بمُثنّاةٍ، أي: جِئنا إذا دُعينا إلى القتال، أو إلى الحقِّ، ورويَ
بالموخَّدة، كذا رأيت في رواية النَّسَفيّ، فإن كانت ثابتة، فالمعنى: إذا دُعينا إلى غير الحقِّ
امتَنَعْنا.
(١) هذا لفظ رجز عبد الله بن رواحة الذي سلف برقم (٣٠٣٤)، وأما لفظ رجز عامر بن الأكوع هنا:
وألقِيَنْ.
(٢) المثبت من الأصول الثلاثة، وفي (س): و((ما)) ظرفية: بالواو، بدل: أو، فجعلها مترتبة على المعنى الذي
ذكره، وهو خطأ، لأنها على المعنى الذي ذكره تكون اسماً موصولاً، وأما على كونها ظرفية فيكون المعنى:
اغفر لنا إذا اتقينا وتركنا ما كنا نفعله من المعاصي.
(٣) تحرفت في (س) إلى: وألق. بحذف الياء والنون، وإنما هو عند النسفي بحذف النون فقط.
(٤) قوله: ((وإنما الجزء الأخير محبون)) سقط من (س)، واستدركناه من أصولنا الخطية، لكن تحرف في (أ) إلى:
مخبور. والخَبْن الذي حصل هنا هو أنَّ آخر تفعيلة من بحر الرجز يصحُّ أن يكون لها وزنان، وهما:
مستفعلن أو مفعولن، والذي حصل هنا أنه حذف الحرف الثاني الساكن من مفعولن فأصبحت فَعُولُن.

٣٨٢
باب ٣٧ / ح ٤١٩٥ - ٤١٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وبالصّياح عَوَّلوا علينا)) أي: قَصَدونا بالدُّعاءِ بالصوتِ العالي، واستعانُوا(١)
علينا، تقولُ: عَوَّلت على فلانٍ، وعَوَّلت بفلانٍ بمعنى: استعنتُ(٢) به.
وقال الخطَّبيُّ: المعنى: أجَلَبوا علينا بالصوتِ، وهو من العَويلِ. وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّ
عَوَّلوا بالتثقيلِ من التعويلِ، ولو كان من العَويلِ لكان أَعْوَلوا. ووَقَعَ في رواية إياس بن
سَلَمة عن أبيه عند أحمد (١٦٥٣٨) في هذا الرَّجَزِ من الزّيادة:
إنَّ الذين قد بَغَوْا علينا
إذا أرادوا فِتنةً أَبَينا
ونحنُ عن فَضلِك ما استَغْنَينا
وهذا القسمُ الأخيرُ عندَ مسلمٍ (١٨٠٧) أيضاً.
قوله: ((مَن هذا السائق؟!)) في رواية أحمد: فجَعَلَ عامر يَرَجِزُ ويَسوقُ الرِّكابَ. وهذه
كانت عادَتُهم إذا أرادوا تَنشيطَ الإبلِ في السَّيرِ، يَنزِلُ بعضُهم فيَسوقُها، ويَحَدُو في تلك
الحال.
قوله: ((قال: يرحمه الله)) في رواية إياس بن سَلَمة: قال: ((غَفَرَ لك رَبُّك)) قال: وما
اسْتَغْفَرَ رسولُ الله ◌َّهِ لإنسانٍ يَخُصُّه إلّا استُشهِد. وبهذه الزّيادة يَظهَرُ السِّرُّ في قولِ الرجلِ:
لولا أمتَعْتَنا به.
قوله: ((قال رجل من القوم: وَجَبَت يا نبيّ الله، لولا أمتَعْتَنا به)) اسم هذا الرجل عمر،
سَّاه مسلم في رواية إياس بن سَلَمة، ولفظه: فنادَى عمرُ بن الخطّاب، وهو على جمل له: يا
نبيّ الله، لولا أمتَعتَنَا بعامر. وفي حديث نَصر بن دُهْر عند ابن إسحاق: فقال عمر: وَجَبَت
يا رسولَ الله. ومعنى قوله: لولا، أي: هَلّا، وأمتَعتَنَا، أي: مَتَّعْتنا، أي: أبقَيته لنا لنَتمَتَّع به،
أي: بشجاعتهِ، والتمَتُّعُ: الترقُّه إلى مُدّةٍ، ومنه: أمتَعَني الله ببقائِك.
(١) تصحفت في (س) إلى: واستغاثوا، وضُبطت في (د). وانظر ((أساس البلاغة)) للزمخشري.
(٢) تصحفت في (س) إلى: استغثت، وضُبطت في (د).

٣٨٣
باب ٣٧ / ح ٤١٩٥ - ٤١٩٦
كتاب المغازي
قوله: ((فأتينا خَيَبَ(١)) أي: أهلَ خَيْبَرَ.
قوله: ((فحاصَرناهم)) ذكر ابن إسحاق أنَّ أوَّل شيء حاصَروه ففُتِحَ حِصنُ ناعم، ثمَّ
انتَقَلوا إلى غیرهِ.
قوله: ((حتَّى أصابتنا مَخْمَصٌ)) بمُعجَمة ثمَّ مُهمَلة، أي: مجاعة شديدة، وسيأتي شرح
قِصّة الحُمُرِ الأهليَّة في كتاب الذَّبائح(٢) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وكان سيف عامِر قصيراً، فتَناوَلَ به ساقَ يهوديٌّ لِيَضِرِبَه))، في رواية إياس بن
سَلَمة: فلمَّا قَدِمنا خَیبَرَ خرج مَلِكُهم مَرحَبُ نَخطِرُ بسيفه، يقول:
قد عَلِمَت خَيبَرُ أنّ مَرَحَبُ
شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجرَّبُ
إذا الحروبُ أقبَلَت تَلَهَّبُ
قال: فبَرَزَ إلیه عامر، فقال:
قد عَلِمَت خَيْبَرُ أنّ عامرُ شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغامِرُ
فاختَلَفا ضربَتَينٍ، فَوَقَعَ سيف مَرحَب في تُرسِ عامٍ، فذهب عامر يَسفُلُ له - أي: يَضِبُه
من أسفَلَ - فَرَجَعَ سيفُه - أي: عامر - على نفسِهِ.
قوله: ((ويَرجِعُ ذُبابُ سيفِهِ)) أي: طَرَفُه الأعلى، وقيل: حَدُّه.
قوله: «فأصاب عینَ رُکبةٍ عامر» أي: طَرَف رُکبتِه الأعلى، فماتَ منه، وفي رواية يحيى
القَطّان (٦٣٣١): فأُصيبَ عامر بسيفِ نفسِه فماتَ، وفي رواية إياس بن سَلَمة عند مسلم
(١٨٠٧): فقُطِعَ أكحَلُه، فكانت فيها نفسُه، وفي رواية ابنِ إسحاقَ: فَكَلَمَه كَلْماً شديداً،
فماتَ منه.
(١) في (س): خيبراً، بصرفه، وهو جائز باعتبار البُقْعة والمكان.
(٢) في باب لحوم الحمر الإنسية، عند شرح الأحاديث (٥٥٢١-٥٥٢٩).

٣٨٤
باب ٣٧ / ح ٤١٩٥ - ٤١٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فلمَّا قَفَلوا من خَيْبَرَ)) أي: رجعوا.
٤٦٧/٧
قوله: ((وهو آخِذٌ يَدِي)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: بِيَدِي. وفي رواية قُتَيبة/ (٦١٤٨): رآني
رسول الله وَل﴿ شاحباً، بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلة وموخَّدة، أي: مُتَغيِّر اللَّون، وفي رواية إياس:
فأتيت النبيَّ وَّم وأنا أبكي.
قوله: ((زَعَموا أنَّ عامراً حَبِطَ عملُه) في رواية إياس: بَطَلَ عمل عامر، قَتل نفسَه. وسُمَّ
من القائلين أُسَيد بن حُضَير، في رواية قُتَيبةَ الآتية في الأدب (٦١٤٨)، وعندَ ابن إسحاقَ:
فكان المسلمونَ شَگّوا فیه، وقالوا: إنّما قتله سِلاحُه. ونحوه عند مسلم (١٢٤/١٨٠٢) من
وجهٍ آخرَ عن سَلَمة.
قوله: ((كَذَبَ مَن قالَه)) أي: أخطأ.
قوله: ((إنَّ له أجرَينٍ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: لَأجرَينِ. وكذا في رواية قُتَيبة، وكذا في
رواية ابن إسحاق: إنَّه لَشهيد، وصَلَى عليه.
قوله: ((إنَّه ◌َجَاهِدٌ مُجاهدٌ)) كذا للأكثر باسم الفاعلِ فيهما وكسرِ الهاءِ والتنوينِ، والأوَّل:
مرفوع على الخَبَرِ. والثاني: إتباعٌ للتأكيدِ، كما قالوا: جادٌّ مُجِدٌّ. ووَقَعَ لأبي ذرِّ عن الحَمّويِّ
والمُستَمْلي: بفتح الهاء والدّال، وكذا ضَبَطَه الباجيّ. قال عياض: والأوَّل هو الوجه.
قلت: يُؤْيِّدُه رواية أبي داود (٢٥٣٨) من وجهٍ آخرَ عن سَلَمة: ماتَ جاهِداً مُجاهداً.
قال ابن دُرَيد: رجل جاهِدٌ، أي: جادٌّ في أُمورهِ، وقال ابن التِّين: الجاهدُ: مَن يَرتَكِب المشَقّة،
ومُجاهدٌ، أي: لأعداءِ الله تعالى.
قوله: ((قَلَّ عربيٍّ مَشَى بها مثله)) كذا في هذه الرِّواية، بالميمِ والقصرِ من المشي، والضَّمير
للأرضِ أو المدينة أو الحرب أو الخَصْلة.
قوله: ((قال قُتَبة (١): نَشَأ)) أي: بنون وبهمزةٍ، والمراد أنَّ قُتَيبَةَ رواه عن حاتم بن إسماعيل
(١) كذا وقعت رواية قتيبة للحافظ رحمه الله معلقة، ولهذا أحال إلى وصلها في كتاب الأدب. مع أنَّ الذي في اليونينية
و ((إرشاد الساري)) دون حكاية خلاف بين رواة البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم، قال: ((نشأ بها))!

٣٨٥
باب ٣٧ / ح ٤١٩٧ - ٤١٩٩
كتاب المغازي
بهذا الإسناد، فخالَفَ في هذه اللَّفظة. وروايته موصولة في الأدب عنده (٦١٤٨). وغَفَلَ
الكُشْمِيهنيّ فرواها هنالكَ بالميمِ والقصر، وحَكَى السُّهَيلِيُّ أنَّه وَقَعَ في روايةٍ: ((مُشابهاً))
بضمِّ الميمِ اسم فاعل من الشَّبَهِ، أي: ليس له مُشابهٌ في صِفات الكمال في القتال، وهو
منصوبٌ بفِعلِ محذوفٍ تقديرُه: رأيته مُشابهاً، أو على الحال من قولِه: ((عربيّ). قال السُّهَيليُّ:
ے
والحالُ مِن النَّكِرة يجوزُ إذا كان في تصحيح معنًى، قال السُّهَيلِيُّ أيضاً: ورُوي: ((قَلَّ عربيّاً
نَشَأ بها مثله))، والفاعل مثله، وعربيّاً منصوب على التمييزِ لأنَّ في الكلام معنى المدحِ، على
حَدِّ قولهم: عَظُم زيدٌ رجلاً، وقَلَّ زيدٌ أدَباً.
٤١٩٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن مُميدِ الطَِّيلِ، عن أنسِ عَّهِ: أنَّ
رسولَ الله ◌َ﴿ أتى خَيْرَ ليلاً - وكان إذا أتى قوماً بليلٍ لم يُغِرْ بهم حتَّى يُصْبِحَ - فلمَّا أَصْبَحَ
خَرَجَتِ اليهودُ بمَساحِيْهم ومَكاتلِهِم، فلمَّا رَأوه قالوا: محمَّدٌ واللَّهِ، محمَّدٌ والخَمِيسُ! فقال
النبيُّ ◌َّ: ((خَرِبَت خَيْبرُ، إنّا إذا نزلْنا بساحةِ قومٍ ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾)).
٤١٩٨ - حدَّثْنا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُيَينَةَ، حذَّثنا أيوبُ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ،
عن أنسٍ بنِ مالكٍ عَّ، قال: صَبَّحْنا خَيْبِرَ بُكْرَةَ، فخَرَجَ أهلُها بالمَساحِيْ، فلمَّا بَصُروا بالنبيِّ
وَ﴿ قالوا: محمَّدٌ والله، محمَّدٌ والخَمِيسُ! فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اللهُ أكبرُ خَرِبَت خَيْرُ، إِنّا إذا نزلْنا
بساحةِ قومٍ ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾))، فأصَبْنا من لُومِ الحُمُرِ، فنادَى مُنادي النبيِّ وََّ: إِنَّ
اللهَ ورسولَه يَنْهاكُم عن لحُومِ الُمُرِ، فإنَّا رِجْسٌ.
٤١٩٩- حدَّثني عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن محمَّدٍ،
عن أنسِ بنِ مالكٍ ◌ُ: أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُرُ، فسَكَت، ثمَّ أتاه الثّانيةَ
فقال: أُكِلَتِ الحُمُرُ، / فسَكَتَ، ثمَّ أتاه الثّالثةَ فقال: أُفْنِيَتِ الحُمُرُ، فأمَرَ مُنادِياً فنادَى في الناسِ: ٤٦٨/٧
إنَّ الله ورسولَه يَنْهَيَانِكم عن لُومِ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ، فَأُكْفِئَتِ القُدُورُ، وإِنَّا لَتَفُورُ باللَّحْم.
الحديث الثالث: حديث أنس ذكره من ثلاثة طرق.
قوله: ((عن أنس)) في رواية أبي إسحاقَ الفَزَاريِّ عن حُميدٍ: سمعت أنساً. كما تقدَّم في
الجهاد (٢٩٤٣).

٣٨٦
باب ٣٧ / ح ٤١٩٧ - ٤١٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أتى خَيْبَرَ ليلاً)) أي: قَرُبَ منها. وذكر ابنُ إسحاقَ أنَّه نزلَ بوادٍ يقال له: الرَّجیعُ،
بينهم وبين غَطَفان لَّا يُمِدّوهم، وكانوا حُلَفاءَهم، قال: فبَلَغَني أنَّ غَطَفان تَجَهَّزوا
وقَصَدوا خَيْبَرَ، فسمعوا حِسّاً خَلفَهم فظَنّوا أنَّ المسلمين خَلَفوهم في ذَراريِّهم، فرجعوا
فأقاموا، وخَذَلوا أهلَ خَیبَر.
قوله: (لم يُغِرْ بهم حتَّى يُصبحَ)) كذا للأكثر من الإغارة، ولأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي: لم
يَقْرَبْهم، بفتح أوَّله وسكونِ القاف وفتح الراءِ وسكونِ الموحّدة، وتقدَّم في الجهاد (٢٩٤٥)
بلفظ: ((لا يُغيرُ عليهم)) وهو يُؤيِّد روايةَ الجمهور، وتقدَّم في الأذان (٦١٠) من وجهٍ آخرَ
عن حُميدٍ، بلفظ: كان إذا غزا لم يَغْزُ بنا حتَّى يُصبحَ ويَنظُر، فإن سمعَ أذاناً كَفَّ عنهم، وإلّا
أغار، قال: فخَرَجنا إلى خَيْبَرَ، فانتَهَينا إليهم ليلاً فلمَّا أصبَحَ ولم يَسمَع أذاناً رَكِبَ.
وحَكَى الواقدُّ: أنَّ أهَلَ خَيْبَرَ سمعوا بقصدِه لهم، فكانوا يَخْرُجونَ في كلِّ يومٍ
مُتَسَلِّحين مُستَعِدّين، فلا يَرَونَ أحداً. حتَّى إذا كانت اللَّيلة التي قَدِمَ فيها المسلمونَ ناموا
فلم تَتَحرَّك لهم دابةٌ ولم يَصِحْ لهم ديكٌ، وخَرَجوا بالمساحِيْ طالبين مَزارعَهم، فوَجَدوا
المسلمين.
قوله: ((خَرَجَت يهود (١)) زاد أحمد (١٢٦٧١) من طريق قَتَادة عن أنس: إلى زُروعِهم.
قوله: ((بمَساحِيهم)) بمُهمَلتَينِ، جمعُ مِسحاةٍ: وهي من آلات الحَرثِ ((ومَكاتِلِھم)» جمعُ
مِكتَلِ: وهو القُفّةُ الكبيرةُ التي يُحوَّلُ فيها التُرابُ وغيرُه. وعندَ أحمد من حديثِ أبي طلحةَ،
في نحو هذه القِصّة: حتَّى إذا كان عندَ السَّحَرِ، وذهب ذو الَّرع إلى زَرعِه، وذو الضَّرْع إلى
ضَرْعِه أغارَ عليهم.
قوله: ((محمدٌ والخميس)) تقدَّم في أوائل الصلاة (٣٧١) من طريق عبد العزيز بن صُهَيب
عن أنس بلفظ: خرج القوم إلى أعمالهم فقالوا: محمدٌ. قال عبد العزيز: قال بعض أصحابنا
(١) كذا وقع للحافظ تنكير لفظة ((يهود)) هنا، مع أنَّ الذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون حكاية خلاف: اليهود،
مُعرّفة! وإن كانت قد جاءت في بعض الروايات عن مالك خارج البخاري بالتنكير.

٣٨٧
باب ٣٧ / ح ٤١٩٧ - ٤١٩٩
كتاب المغازي
عن أنس: والخميس، يعني: الجيشَ. وعُرِفَ المرادُ ببعض أصحابه من هذا الطَّريقِ، وتقدَّم
في صلاة الخوفِ (٩٤٧) من طريق حمّاد بن زيد عن ثابتٍ وعبد العزيز عن أنس، نحوه، وفيه:
يقولون: محمد والخميس. قال: والخميس: الجيش. وعُرِفَ من سياق هذا الباب أنَّ اللَّفظَ هناكَ
الثابتٍ. وقد بيَّنتُ ما في هذا الموضع من الإدراج في أوائلٍ كتاب الصلاة (٣٧١)، وزاد في الجهاد
(٢٩٩١) من وجهٍ آخرَ عن أيوبَ: فلجؤوا إلى الحِصنِ؛ أي: تَحصَّنوا به.
قوله: (خَرِبَت خَيبَ)) زاد في الجهاد (٢٩٩١): فَرَفَعَ يَدَيه وقال: ((الله أكبر، خَرِبَت خَيْبَرَ))،
وزيادة التكبير في مُعظَمِ الطّرقِ عن أنسٍ وعن حُميدٍ. قال السُّهَيلِيُّ: يُؤخَذ من هذا الحديث
التفاؤُل، لأَنَّهََِّ لِمَّا رأى آلات الهدم - مع أنَّ لفظ المِسحاة من سَحَوتُ: إذا قَشَرْت - أَخَذَ
منه أنَّ مدينتَهم ستَخْرَب. انتهى، ويُحتمل أن يكون قال: ((خَرِبَت خَيْبَرَ)) بطريق الوحي،
ويُؤْيِّدُه قوله بعد ذلك: ((إنّا إذا نزلنا بساحة قومٍ، فساءَ صباحُ المنذَرين)).
وقوله في رواية محمدِ بن ◌ِيرِين عن أنسٍ (٤١٩٨): صَبَّحْنا خَيْبَرَ بُكْرةً. لا يُغاير قوله
في رواية مُميدٍ عن أنس: أنَّهم قَدِموها ليلاً. فإنَّه يُحمَل على أنَّهم لمَّا قَدِموها، وناموا دونَها
رَكِبوا إليها بُكرة فصَبَّحوها بالقتال والإغارة. وقد وَقَعَ ذلك في رواية إسماعيلٍ بن جعفر
عن حُميدٍ واضحاً (٦١٠)، زاد في رواية محمدِ بن سِيرِين قِصّة الحُمُرِ الأهليَّة، وسيأتي شرحُها
مُستَوقَى في كتاب الذَّبائح (٥٥٢٨) إن شاءَ الله تعالى.
قوله: ((حدَّثنا عبد الوهّاب)) هو ابنُ عبدِ المجيد الثّقَفيّ، وليس هو والد الراوي عنه
عبد الله بن عبد الوهّاب، فإنَّ الراوي عنه عبدَريّ حَجَبَيّ، لا تَقَفيٌّ.
قوله: ((يَنْهَيانِكُم)) في رواية سفيان للأكثر (١): ((يَنهاكُمْ)) بالإفراد، وفي رواية عبد الوهّاب
بالتثنية،/ وهو دالٌّ على جواز جمع اسم الله مع غيره في ضميرٍ واحدٍ، فيُرُدُّ به على مَن زَعَمَ ٤٦٩/٧
أنَّ قوله للخطيب: ((بئسَ خطيبُ القومِ أنتَ)) لكَونِه قال: ((ومَن يَعصِهما فقد غَوَى))(٢).
(١) تحرف في (س) إلى: الآتية.
(٢) أخرجه مسلم (٨٧٠).

٣٨٨
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٠ -٤٢٠١
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى مباحثِ ذلك في كتاب الصلاة(١).
قوله: ((فأُكِفِئَت القُدور)) قال ابن التِّينِ: صوابُه: فكُفِئت، قال الأصمَعِيُّ: كَفَأْتُ الإناءَ:
قَلَبْتُه، ولا يقال: أكفَأته، ويحتمل أن يكون المرادُ: أُميَت حتَّى أُزيلَ ما فيها، قال الكِسائيُّ:
أكفَأْتُ الإناءَ: أمَلْته.
٤٢٠٠- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ ◌ُه، قال: صَلَّى
النبيُّ ◌َّهِ الصُّبْحَ قريباً من خَيْرَ بِغَلَسٍ، ثمَّ قال: ((اللهُ أكبرُ، خَرِبَت خَبِيرُ، إِنّا إذا نَزلْنا بساحةِ قومٍ
﴿فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾) فَخَرَجوا يَسْعَوْنَ في السِّكَكِ، فَقَتَلَ النبيُّنَّهِ المقاتِلَةَ، وَسَى النُّرِّيَّةَ.
٤٢٠٠م- وكان في السَّبْي صَفِيَّةُ، فصارَت إلى دِخْيَةَ الكَلْبِيِّ، ثمَّ صارَت إلى النبيِّ لِّ،
فجَعَلَ عِنْقَها صَداقَها.
فقال عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ لِثابتٍ: يا أبا محمَّدٍ، أنْتَ قلتَ لأنسِ: ما أصْدَقَها؟ فحَرَّكَ
ثابتٌ رأسه تَصْدِیقاً له.
٤٢٠١- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ
مالكٍ ◌ُ يقول: سَبَى النبيُّنَّهِ صَفِيَّةَ، فأعتَقَها وتَزوَّجَها.
قال ثابتٌ لأنسٍ: ما أصْدَقَها؟ قال: أصْدَقَها نفسَها، فأعتَقَها.
قوله: ((حدَّثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس)) تقدَّم في صلاة الخوفِ (٩٤٧) مع ثابتٍ
عبد العزيز بن صُهَیب.
قوله: ((فَخَرَجوا يَسعَونَ في السِّكَكِ، فقتَلَ النبيُّ وَّهِ المقاتِلَةَ وسَبَى الذُّرَّّةَ)) فیه اختصارٌ
كبير، لأنَّه يُوهِم أنَّ ذلك وَقَعَ عَقِبَ الإغارة عليهم، وليس كذلك، فقد ذكر ابن إسحاقَ
أنَّ النبيَّ وََّ أَقامَ على مُحاصَرَتِهِم بضعَ عشرةَ ليلةً، وقيل: أكثر من ذلك. ويُؤْيِّدُه قوله في
الحديث الذي قبله (٢): أنَهم أصابتهم مَخَمَصةٌ شديدةٌ؛ فإنَّه دالٌّ على طولٍ مُدّة الحِصار، إذ لو
(١) بل في كتاب الإيمان عند شرح الحديث (١٦)، وفي كتاب البيوع عند شرح الحديث (٢٢٣٦).
(٢) يعني في حديث سلمة بن الأكوع السالف برقم (٤١٩٦).

٣٨٩
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٠-٤٢٠١
كتاب المغازي
وَقَعَ الفتحُ من یومِهم لم يقع لهم ذلك.
وفي حديثٍ سَلَمة بن الأكوع وسهل بن سعد الآتيَينِ (٤٢٠٩ و٤٢١٠) قريباً في قِصّة
عليٍّ ما يُؤَكِّدُ ذلك، وكذا في حديثِ سَهلِ وأبي هريرة في قِصّة الذي قتل نفسَه (٤٢٠٢
و٤٢٠٣)، وكذا في حديثِ عبدِ الله بن أبي أوَى أنَّهم حاصَروهم(١).
الحديث الرابع: حديث أنس أيضاً في ذِكْر صَفيَّة. ذكره من طريقَينِ، وسيأتي في الباب
(٤٢١١) من وجهٍ ثالثٍ بأتمَّ من هذين سياقاً. وصفيَّة: هي بنتُ حُبَيِّ بن أخطَبَ بن سَعيةً
- بفتح المهمَلة وسكونِ العين المهمَلة بعدَها تحتانيَّة ساكنة(٢) - ابن عامر بن عُبيد بن كعبٍ،
من ذُرِيَّة هارونَ بن عِمران أخي موسى عليهما السَّلام. وأُمُّها بَرّةُ بنتُ سَمَوْأل(٣)، من بني
قُرَيظة، وكانت تحتَ سَلَام(٤) بن مِشكَمِ القُرَظيّ، ثمَّ فارَقَها، فتزوَّجَها كِنانةُ بنُ الرَّبيع بن
أبي الحُقَيقِ النَّضيريّ، فَقُتِلَ عنها يومَ خَيْبَ. ذكر ذلك ابن سعد، وأسنَدَ بعضَه من وجهٍ
آخر مُرسَل.
قوله: ((وكان في السَّبِي صَفيَّة)) بنت حُبَيِّ ((فصارَت إلى دِحية، ثمَّ صارَت إلى النبيِّ ێ)) في
رواية عبدِ العزيزِ (٣٧١) عن أنسٍ: فجاء دِحيةُ، فقال: أعطِني يا رسولَ الله جاريةً من
السَّبْي، قال: ((اذهَب فخُذ جارية)) فأخَذَ صَفيَّةَ، فجاء رجل، فقال: يا نبيّ الله أعطَيت
دِحْيةَ صَفيَّةَ، سيِّدةَ قُريظةَ والنَّضير، لا تَصلُحُ إلّ لك، قال: ((ادعُوه بها)) فجاء بها، فلمَّا نظرَ
إليها النبيّ ◌َل﴿ قال: ((خُذ جاريةً من السَّبْي غيرَها)). وعندَ ابن إسحاق: أنَّ صَفيَّةَ سُبَيَت
من حِصنِ القَمُوصِ، وهو حِصنُ بني أبي الحُقَيِقِ، وكانت تحتَ كِنانة بن / الرَّبيع بن أبي ٤٧٠/٧
الحقيق، وسُبَيَ معها بنتُ عمِّ(٥) لها - وعندَ غيره بنتُ عَمِّ زوجِها - فلمَّا استَرجَعَ النبيُّ ◌َله
(١) لقوله في الرواية (٣١٥٥): أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ...
(٢) كذا ضبطه الحافظ بسكون التحتانية، وهو سبق قلم منه رحمه الله، وإنما هو بفتح التحتانية. وربما أراد
الحافظ أن يقول: تحتانية مخففة، فسبق قلمه فقال: ساكنة، والله أعلم.
(٣) تصحفت في (س) إلى: شموال. وقد ضبطه الحافظ في اسم رفاعة أخي بَرَّة عند شرح الحديث (٥٣١٧).
(٤) كذا هو المشهور بتخفيف اللام، كما حققه الحافظ في ((تبصير المنتبه)) ٢/ ٧٠٤.
(٥) الذي في ((سيرة ابن إسحاق)): ابنتا عم، كذلك في ((سيرة ابن هشام)) ٣٣١/٢ وغيرها.

٣٩٠
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
صَفيَّة من دِحية أعطاه بنتَ عَمِّها. قال السُّهَيليُّ: لا مُعارضة بين هذه الأخبار، فإنَّه أخَذَها
من دِحِية قبل القَسْمِ، والذي عَوَّضَه عنها ليس على سبيلِ البيع، بل على سبيلِ النَّفَلِ.
قلت: وَقَعَ في رواية حَمَّادِ بن سَلَمة عن ثابت عن أنس عند مسلم (١٤٢٧ / ٨٧): أنَّ
صَفيَّة وقَعَت في سهم دِحية، وعندَه أيضاً فيه: فاشتَراها من دِحيةَ بسبعة أرؤُسٍ. فالأَولى في
طريق الجمع أنَّ المرادَ بسهمِه هنا: نَصيبُه الذي اختارَه لنفسِهِ. وذلك أنَّه سألَ النبيَّ وَّ أن
يُعطيَه جاريةً، فأذِنَ له أن يأخُذَ جاريةً، فأخَذَ صَفيَّة، فلمَّا قيل للنبيِّ وَّ: إنَّهَا بنت مَلِكٍ
من ملوكِهم، ظَهَرَ له أنَّها ليست ممَّن تُوهَبُ لِدِحيةَ لكَثْرة مَن كان في الصحابة مثلَ دِحیة
وفوقه، وقِلّة مَن كان في السَّبْي مثل صَفيَّة في نَفاسَتِها، فلو خَصَّه بها لَأَمكَنَ تَغيُّرُ خاطِرٍ
بعضهم، فكان من المصلحة العامّة ارتجاعها منه واختصاص النبيّ وَ له بها، فإنَّ في ذلك رِضا
الجميعِ. وليس ذلك من الرُّجوع في الحِبَة من شيء.
وأمَّا إطلاق الشِّراءِ على العِوَضِ، فعلى سبيلِ المجاز، ولعلَّه عَوَّضَه عنها بنت عَمّها أو
بنت عَمِّ زوجها فلم تَطِب نفسُه، فأعطاه من جُملة السَّبي زيادةً على ذلك.
وعند ابن سعد (١٢٣/٨ - ١٢٤) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس - وأصله
في مسلم (١٤٢٧ /٨٨) -: صارت صَفيَّة لِحية، فجَعَلوا يَمدَحونَهَا، فَبَعَثَ رسول الله وَلِّ،
فأعطَى بها دِحية ما رَضِيَ. وقد تقدَّم شيءٌ من هذا في أوائل الصلاة (٣٧١)، ويأتي تمام
قِصَّتِها في الحديث الثاني عشر (٤٢١١)، ويأتي الكلام على قوله في الحديث: وجَعَلَ عِتقَها
صَداقَها. في كتاب النكاح (٥٠٨٦) إن شاء الله تعالى.
٤٢٠٥(١) - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدّثنا عبدُ الواحدِ، عن عاصم، عن أبي عُثْمَانَ،
عن أبي موسى الأشعَرِيِّ ﴾، قال: لمَّا غَزَا رسولُ الله ◌ِّهِ خَيْبرَ - أو قال: لمَّا تَوَجَّهَ رسولُ الله
﴿ِ * - أشَرَفَ الناسُ على وادٍ فَرَفَعوا أصْواتَهم بالتَّكْبِيرِ، الله أكبرُ، لا إلهَ إلَّ اللهُ، فقال رسولُ الله
وَلَّه: ((ازْبَعُوا على أنفُسِكُم، إنَّكم لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غائباً، إِنَّكم تَدْعُونَ سَمِيعاً قريباً، وهو
(١) كذا جاء هذا الحديث في ترتيب أبي ذر الهروي، وهو الذي اعتمده الحافظ في ترتيب شرحه، وعند الباقين جاء
عقب الحديث (٤٢٠٤) ص ٣٩٢، وعلى ترتيبهم رَقَمَ محمد فؤاد عبد الباقي، وقد أبقينا على ترقيمه لاشتهاره.

٣٩١
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٢
كتاب المغازي
مَعَكُمْ)) وأنا خَلْفَ دابّةِ رسولِ الله وَّةِ، فسمعَني وأنا أقولُ: لا حَولَ ولا قوّةَ إلَّا بالله، فقال لي:
(يا عبدَ الله بنَ قيسٍ)) قلتُ: لَبَّكَ يا رسولَ الله، قال: ((ألا أدُلُّكَ على كلمةٍ من كَنْزِ الجنَّةِ؟))
قلتُ: بلى يا رسولَ الله، فِداكَ أبي وأُمّي، قال: ((لا حَوْلَ ولا قوّةَ إِلَّا بالله)).
الحديث الخامس: حديث أبي موسى الأشعري:
قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)) هو ابن زياد، وعاصم: هو الأحوَل، وأبو عثمان: هو النَّهْديّ.
والإسناد کلّه إلى أبي موسى بصریّون.
قوله: (لمََّ غزا النبيّ ◌َّهِ خَيَبَرَ أو قال: لمَّا تَوَجَّهَ)) هو شَكّ من الراوي.
قوله: ((أشَرَفَ الناس على وادٍ)) فذكر الحديث إلى قول أبي موسى: ((فسمعَني وأنا أقول:
لا حول ولا قوّة إلّا بالله)) هذا السّياق يُوهِم أنَّ ذلك وَقَعَ وهم ذاهبونَ إلی خیبر، ولیس
كذلك، بل إنَّما وَقَعَ ذلك حالَ رُجوعهم، لأنَّ أبا موسى إنَّما قَدِمَ بعد فتح خَيبَر مع جعفر،
كما سيأتي في الباب (٤٢٣٠) من حديثه واضحاً، وعلى هذا ففي السّياق حذفٌ تقديره: لمَّا
تَوَجَّهَ النبيّ وَّ إلى خَيْبَرَ، فحاصَرَها ففَتَحها فَفَرَغَ فَرَجَعَ أشرَفَ الناس ... إلى آخره،
وسيأتي شرح المتن في كتاب الدَّعَوات (٦٣٨٤ و٦٦١٠) إن شاء الله تعالى.
٤٢٠٢- حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثنا يعقوبُ، عن أبي حازِمِ، عن سَهْلِ بنِ سعدِ الساعدِيِّ﴾: أنَّ ٤٧١/٧
رسولَ الله ◌ِّهِ التَّقَى هو والمشركونَ، فاقتَتَلوا، فلمَّا مالَ رسولُ اللهِ وَّهِ إلَى عَسْكَرِه، ومالَ
الآخَرونَ إلى عَسْكَرِهم، وفي أصْحاب رسولِ اللهِ وَّهَ رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذّةً ولا فاذّةً إلا
اتَّبَعَها يَضْرِبُها بسيفِه، فقال: ما أجْزَأْ منّ اليومَ أحدٌ كما أجْزَأْ فلانٌ، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((أما
إنَّه من أهلِ النار)) فقال رجلٌ مِن القومِ: أنا صاحبُه، قال: فخَرَجَ معه كلَّما وقَفَ وقَفَ معه،
وإذا أسرَعَ أسرَعَ معه، قال: فجُرِحَ الرجلُ جُرْحاً شديداً، فاستَعْجَلَ الموتَ، فَوَضَعَ سيفَه
بالأرضِ، وذُبابَه بينَ تَدْيَيه، ثمَّ تَحَامَلَ على سيفِه فقَتَلَ نفسَه، فخَرَجَ الرجلُ إلى رسولِ الله ◌ِّه
فقال: أَشهَدُ أَنَّكَ رسولُ الله؟ قال: ((وما ذاكَ؟)) قال: الرجلُ الَّذي ذَكَرْتَ آنِفاً أنَّه من أهلِ
النار، فأعظَمَ الناسُ ذلكَ، فقلتُ: أنا لكم به، فخَرَجْتُ في طَلَبِهِ، ثمَّ جُرِحَ جُرْحاً شديداً،

٣٩٢
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٢ - ٤٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
فاستَعْجَلَ الموتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سيفِه في الأرضِ وذُبابَه بينَ ثَدْيَيه، ثمَّ تَحامَلَ عليه، فقَتَلَ نفسَه،
فقال رسولُ اللهِ وَهِ عندَ ذلكَ: ((إنَّ الرجلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهلِ الجنَّةِ، فيما يَبْدو للناسِ، وهو من
أهلِ النار، وإنَّ الرجلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهلِ النار، فيما يَبْدو للناسِ، وهو من أهلِ الجنَّةِ)).
٤٢٠٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسیّبِ،
أنَّ أبا هريرةَ عُه قال: شَهِدْنا خَيْرَ، فقال رسولُ الله ◌َّه لِرجلٍ ممَّن معه يَدَّعي الإسلامَ: «هَذا
من أهلِ النار)) فلمَّا حَضَرَ القتالُ قاتَلَ الرجلُ أشَدَّ القتالِ، حتَّى كَثُرَت به الجِراحةُ، فكادَ
بعضُ الناسِ يَرْتَابُ، فَوَجَدَ الرجلُ أَلَ الجِراحةِ، فأهوَى بِيَدِه إلى كِنانَتِهِ، فاستَخْرَجَ منها أسهُماً،
فَتَحَرَ بها نفسَه، فاشتَدَّ رجالٌ مِن المسلمينَ، فقالوا: يا رسولَ الله صَدَّقَ الله حديثَكَ، انتَحَرَ
فلانٌ فقَلَ نفسَه، فقال: ((قُم يا فلانُ فأذِّن أنَّه لا يَدخُلُ الجنَّةَ إِلَّ مُؤْمِنٌ، إنَّ اللهَ يُؤْيِّدُ الدِّينَ
بالرجلِ الفاچِرِ».
تابَعَه مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ.
٤٢٠٤- وقال شَبِيبٌ: عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني ابنُ المسيّبٍ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ
عبدِ الله بنِ كَعْبٍ، أنَّ أبا هريرةَ قال: شَهِدْنا معَ النبيِّ وَّ حنيناً.
وقال ابنُ المبارَكِ: عن يونُسَ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ، عن النبيِّ وَّل.
تابَعَه صالحٌ، عن الزُّهْرِيِّ.
وقال الزُّبَيدِيُّ: أخبرني الزُّهْريُّ، أنَّ عبد الرّحمنِ بنَ كَعْبٍ أخبَرَه: أنَّ عُبيد الله بنَ كَعْبٍ
قال: أخبرني مَن شَهِدَ معَ النبيِّ ◌َلِّ خَيْرَ.
قال الزُّهْريُّ: وأخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله وسعيدٌ، عن النبيِّ وَلَد.
الحديث السادس: حديث سهل بن سعد في قصة الذي قتل نفسَه.
قوله: ((حدَّثنا يعقوب)) هو ابن عبد الرحمن الإسكَنْدَرانيّ، وأبو حازم: هو سَلَمة بن
دینار.

٣٩٣
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٢ - ٤٢٠٤
كتاب المغازي
قوله: ((التَّقَى هو والمشركونَ)) في رواية ابن أبي حازم الآتية بعد قليل (٤٢٠٧): في بعض ٤٧٢/٧
مغازيه. ولم أقِفْ على تعيين كَونها خَيبَ، لكنَّ مَبنيٍّ على أنَّ القِصّةَ التي في حديثِ سَهلٍ
مُتَّحِدةٌ مع القِصّة التي في حديث أبي هريرة، وقد صَرَّحَ في حديث أبي هريرة أنَّ ذلك كان
بِخَيَبَرَ، وفيه نظرٌ، فإنَّ في سياق سَهلِ أنَّ الرجلَ الذي قتل نفسَه اتَّكأ على حَدِّ سيفِه حتَّى
خرج من ظَهْرهِ، وفي سياق أبي هريرة: أنَّه استَخرج أسهماً من كِنانِهِ فَنَحَرَ بها نفسَه. وأيضاً
ففي حديث سَهل: أنَّ النبيَّ نَّه قال لهم لمَّا أخبروه بقِصَّتِه: ((إنَّ الرجل ليعملُ بعملِ أهلِ
الجنَّة)) الحديث، وفي حديث أبي هريرة: أنَّه قال لهم لمَّا أخبَروه بقِصَّتِهِ: ((قُم يا بلال فأذِّن:
أنَّه لا يدخل الجنَّة إلّا مُؤْمن)). ولهذا جَنَحَ ابن الِّين إلى التعدُّدِ.
ويُمكِنُ الجمعُ بأنَّه لا مُنافاةً في المغايرة الأخيرة، وأمَّا الأولى فيحتمل أن يكون نَحَرَ
نفسَه بأسهمِه فلم تَزْهَق روحُه، وإن كان قد أشرَفَ على القتلِ، فاتَّكأ حينئذٍ على سيفِه
استعجالاً للموتِ. لكن جَزَمَ ابن الجوزيّ في «مُشكِلِه)) بأنَّ القِصّةَ التي حكاها سَهل بن
سعد وقَعَت بأُحُدٍ، قال: واسم الرجلِ قُزمانُ الظَّفَريّ، وكان قد تَخَلَّفَ عن المسلمين يومَ
أُحُدٍ فِعَيَّرَه النِّساء، فخرج حتَّى صارَ في الصفِّ الأوَّل، فكان أوَّلَ مَن رَمَی بسهمِ، ثمَّ صارَ
إلى السَّيفِ، ففَعَلَ العَجائب، فلمَّ انكَشَفَ المسلمونَ كَسَرَ جَفْنَ سيفِه، وجَعَلَ يقول:
الموت أحسن من الفِرار، فمرَّ به قَتَادةُ بن النُّعمان، فقال له: هَنيئاً لك بالشَّهادة، قال: إنّ والله
ما قاتَلتُ على دينٍ، وإنَّما قاتَلت على حَسَب قومي. ثمَّ أقلَقَته الجِراحةُ فقَتَلَ نفسَه.
قلت: وهذا الذي نَقَلَه أخَذَه من «مغازي الواقديِّ)) وهو لا يُحْتَجُّ به إذا انفَرَدَ، فكيفَ
إذا خالَف، نعم أخرج أبو يَعْلى (٧٥٤٤) من طريق سعيد بن عبد الرحمنِ القاضي عن أبي
حازم حديثَ الباب، وأوَّلُه أنَّه قيل لرسولِ الله وَ لَهَ يومَ أُحُدٍ: ما رأينا مثلَ ما أبلَى فلانٌ،
لقد فرَّ الناسُ وما فرَّ، وما تَرَكَ للمُشِرِكين شاذّةً ولا فاذّةً، الحديث بطولِه على نحو ما في
((الصحيح))، وليس فيه تسميَتُه، وسعيد مُتَلَفٌ فيه، وما أظنُّ روايتَه خَفيَت على البخاريّ،
وأظنُّه لم يَلْتَفِت إليها؛ لأنَّ في بعض طرقِه عن أبي حازمٍ: غَزَونا مع رسولِ الله ◌َّهِ. وظاهرُه

٣٩٤
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٢ - ٤٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
يقتضي أنَّها غيرُ أُحُدٍ، لأنَّ سَهلاً ما كان حينئذٍ مَمَّن يُطلِقُ على نفسِه ذلك لصِغَرهِ، لأنَّ
الصّحيحَ أنَّ مَولِدَه قبلَ الهجرة بخمسٍ سِنين، فيكون في أُحُدٍ ابنَ عشرةٍ أو إحدى عشرة،
على أنَّه قد حَفِظَ أشياء من أمر أُحُدٍ مثل غَسل فاطمةَ جِراحةَ النبيِّ ◌ََِّ(١)، ولا يَلَزَم من
ذلك أن يقول: غَزَونا. إلّا أن يُحُمَل على المجاز كما سيأتي لأبي هريرة، لكن يَدفَعُه ما سيأتي
من رواية الكُشْمِيهنيّ قريباً.
قوله: ((فلمَّا مال رسول الله وَّه إلى عَسكَرِهِ)) أي: رَجَعَ بعد فراغ القتال في ذلك اليوم.
قوله: ((وفي أصحاب رسول الله وَ ل﴿ رجل)) وَقَعَ في كلام جماعة ممَّن تَكلَّمَ على هذا
الكتاب أنَّ اسمَه قُزْمان، بضمِّ القاف وسكونِ الزّاي، الظَّفَرِيُّ بفتح(٢) المعجَمة والفاءِ،
نسبة إلى بني ظَفَرٍ، بطن من الأنصار، وكان يُكنى أبا الغَيْداق، بمُعجَمةٍ مفتوحةٍ وتحتانيَّةٍ
ساکنةٍ وآخره قاف. ويُعگِّر علیه ما تقدَّم.
قوله: «شاذّة ولا فاذّة)) الشّاذّة، بتشديد المعجَمة: ما انفَرَدَ عن الجماعة، وبالفاءِ مثلُه ما لم
يَخْتَلِط بهم، ثمَّ هما صِفة لمحذوفٍ، أي: نَسَمةً، أو(٣) الهاء فيهما للمُبالَغة، والمعنى: أنَّه لا
يَلقَى شيئاً إلّا قتله. وقيل: المراد بالشّاذِّ والفاذٌ: ما كَبُرَ وصَفُّر. وقيل: الشّاذُّ: الخارجُ، والفاذّ:
المنفَرِد. وقيل: هما بمعنَّى. وقيل: الثاني إتباعٌ.
قوله: ((فقال)) أي: قائل، وتقدَّم في الجهاد (٢٨٩٨) بلفظ: فقالوا. ويأتي بعد قليل من طريقٍ
أُخرَى بلفظ: فقيل. ووَقَعَ هنا للكُشْمِيهنيّ: فقلت. فإن كانت محفوظة عُرِفَ اسم قائل ذلك.
قوله: ((ما أجزَا)) بالهمزة، أي: ما أَغنى.
قوله: ((فقال: إنَّه من أهلِ النار)) في رواية ابن أبي حازم (٤٢٠٧) المذكورة: فقالوا: أيّنا
من أهلِ الجنَّة إن كان هذا من أهلِ النار. وفي حديث أكثَم بن أبي الجَونِ الخُزَاعِيّ عند
(١) سلف عند البخاري برقم (٢٤٣) و(٢٩٠٣).
(٢) تحرف في (س) إلى: بضم.
(٣) في (د) و(س): والهاء بواو العطف، بدل: أو. والمثبت من (أ) و(ع) هو الصواب، لأنه وجهٌ آخر في سبب وجود
الهاء في هاتين الكلمتين، كما أوضحه العيني في ((عمدة القاري)) ٢٣٩/١٧.

٣٩٥
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٢ - ٤٢٠٤
كتاب المغازي
الطبرانيّ (٨٧٢): قال. قلنا: يا رسول الله، فلان/ يُجْزِئُ في القتال، قال: ((هو في النار)) قلنا: ٤٧٣/٧
يا رسول الله، إذا كان فلان في عبادَته واجتهاده ولينٍ جانبه في النار، فأين نحن؟! قال:
((ذلك إخباتُ(١) النِّفاق)) قال: فكنّا نَتحقَّظُ عليه في القتال (٢).
قوله: ((فقال رجل من القوم: أنا صاحبه)) في رواية ابن أبي حازم: لأَتَّبِعَنَّهُ. وهذا الرجلُ
هو أكثَمُ بنُ أبي الجَونِ، كما سَيَظهَرُ من سياق حديثِهِ.
قوله: ((فجُرِحَ جُرحاً شديداً)) زاد في حديثٍ أكثَمَ: فقلنا: يا رسولَ الله، قد استُشهِدَ فلانٌ،
قال: «هو في النار)).
قوله: ((فَوَضَعَ سيفَه بالأرضِ وذُبابَه بين ثَديَيِهِ)) في رواية ابن أبي حازمٍ: فَوَضَعَ نِصابَ
سيفِه بالأرض، وفي حديثٍ أكثَمَ: أَخَذَ سيفَه فَوَضَعَه بین ثَدیَبه، ثمَّ انَّكأ عليه حتَّى خرج
من ظَهرِه، فأتيت النبيَّ ◌َّ فقلت: أشهدُ أنَّك رسولُ الله.
قوله: ((وهو من أهلِ الجنَّة)) زاد في حديثِ أكثَمَ: «تُدرِكُه الشَّقاوة والسَّعادة عند خروجٍ
نفسِه فيُختَمُ له بها)»، وسيأتي شرحُ الكلام الأخير في كتاب القَدَر (٦٥٩٤) إن شاء تعالى.
الحديث السابع: حديث أبي هريرة.
قوله: ((شَهِدْنا خَيبَرَ)) أراد جيشها من المسلمين، لأنَّ الثابتَ أنَّه إنَّما جاء بعدَ أن فُتِحَت
خَيْبَرَ. ووَقَعَ عندَ الواقديِّ أنَّه قَدِمَ بعدَ فتح مُعظَمٍ خَيْبَرَ، فحَضَرَ فتحَ آخرها، لکن مضى في
الجهاد (٢٨٢٧) من طريق عَنبَسةَ بن سعيد عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله وَّه وهو
بِخَيَبَرَ بعدَما افتَتَحَها، فقلت: يا رسول الله، أسهِم لي. وسيأتي البحثُ في ذلك في حديثٍ
آخرَ لأبي هريرة آخِرَ هذا الباب (٤٢٣٧-٤٢٣٩).
قوله: ((فلمَّا حَضَرَ القتال)) بالرَّفع والنَّصب.
(١) تصحفت في (س) إلى: أخبات.
(٢) في إسناده محمد بن إسماعيل بن علي الوساوسي، نقل العقيلي في ((الضعفاء)) ٢٢/٤ عن البزار أنه قال: كان
يضع الحديث. وقد ضعفه الدارقطني وغيره. والعجب من الحافظ الهيثمي كيف حسن إسناده في ((مجمع
الزوائد» ٢١٣/٧-٢١٤!

٣٩٦
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٢ - ٤٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فقال لرجلٍ ممَّن معه)) أي: عن رجلٍ، واللّام قد تأتي بمعنى: عن، مثل قوله تعالى:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ [العنكبوت: ١٢]. ويحتمل أن تكون بمعنى: في، أي: في
شأنه، أو سببية(١)، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
قوله: «فکادَ بعضُ الناس يرتابُ)» في رواية معمر (٣٠٦٢) في الجهاد: فکادَ بعض الناس
أن يَرتاب. ففيه دخول ((أنْ)) على خَرِ ((كاد))، وهو جائز مع قِلَتِهِ.
قوله: ((قُم يا فلان)) هو بلال كما وَقَعَ مُفَسَّراً في كتاب القَدَرِ (٦٦٠٦).
قوله: ((إنَّ الله يُؤيِّد)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لَيُؤْيِّد)) قال النَّوَويُّ: يجوزُ في ((أنْ)) فتحُ
الهمزة وكسرُها.
قوله: ((بالرجلِ الفاجرِ)) يحتملُ أن تكونَ اللّامُ للعَهدِ، والمراد به قُزمانُ المذكور. ويحتملُ
أن تكونَ للچِنسِ.
قوله: ((تابَعَه مَعمَر)) أي: تابَعَ شُعَيباً عن الزُّهْريِّ، أي: بهذا الإسناد، وهو موصولٌ عندَ
المصنّف في آخِرِ الجهاد (٣٠٦٢) مقروناً برواية شُعَيبٍ عن الزُّهْريِّ(٢).
قوله: ((وقال شَبيب)) أي: ابنُ سعيد ((عن يونس)) أي: ابن يزيد ((عن ابن شِهاب)) أي:
الزُّهْريّ، بهذا الإسناد.
قوله: ((شَهِدنا حُنَيناً) يريد أنَّ يونُسَ خالَفَ مَعمراً وشُعَيباً، فذكر بَدَل: خَيْبَرَ، لفظةَ:
حُنَينٍ. ورواية شَبيب هذه وَصَلَها النَّسائيُّ (ك٨٨٣٢) مُقْتَصِراً على طَرَفٍ من الحديث،
وأورَدَها الذُّهْلِيُّ في ((الزّهْريّات)) ويعقوب بن سفيان في ((تاريخِه)) كلاهما عن أحمد بن شبيب
عن أبيه، بتمامهِ، وأحمد من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج عنه غير هذا.
(١) تحرفت في (س) إلى: أي: سببه.
(٢) لكن وقع في رواية مسلم (١١١) من طريق معمر، قال: شهدنا حنيناً. قال القاضي عياض فيما نقله عنه
النووي في ((شرح مسلم)) ٢/ ١٢٢: كذا وقع في الأصول، وصوابه خيبر. قلنا: وبذلك قيده الأصيلي في
روايته لرواية معمر عند البخاري (٣٠٦٢) كما في اليونينية.

٣٩٧
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٢ -٤٢٠٤
كتاب المغازي
وقد وافق يونسُ مَعمراً وشُعَيباً في الإسناد، لكن زاد فيه مع سعيد بن المسيّب عبد الرحمن
ابن عبد الله بن كعب بن مالك، وساقَ الحديث عنهما عن أبي هريرة.
قوله: ((وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزُّهْريِّ، عن سعيد، عن النبيّ ◌َِّ)) يعني: وافق
شَبيباً في لفظ: حُنَينٍ، وخالَفَه في الإسناد، فأرسَلَ الحديث. وطريق ابن المبارَك هذه وَصَلَها
في ((الجهاد)»، ولم أرَ فيها تعيين الغزوة.
قوله: ((وتابَعَه صالح)) يعني: ابن كَيْسان ((عن الزُّهْريِّ» وهذه المتابعة ذكرها البخاريّ
في «تاريخه)» (٣٠٧/٥) قال: قال لي عبد العزيز الأويسيّ عن إبراهيم بن سعد عن صالح
ابن كَيْسان عن ابن شِهاب أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أنَّ بعض مَن
شَهِدَ مع النبيّلنَّ قال: إنَّ النبيّ ◌َّ قال لرجلٍ معه: ((هذا من أهلِ النار)) الحديث، فَظَهَرَ
أنَّ المرادَ بالمتابعة أنَّ صالحاً تابَعَ روايةَ ابن المبارَكِ عن يونس في تَركِ ذِكْر اسم الغزوة، لا في
بقيَّة المتنٍ ولا في الإسناد. وقد رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد(١)/ عن أبيه عن صالح ٤٧٤/٧
عن الزُّهْريِّ فقال: عن عبد الرحمنِ بن المسيّب، مُرسَلاً، ووَهِمَ فيه، وكأنَّه أراد أن يقول:
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب وسعيد بن المسيّب، فذَهِل.
قوله: ((وقال الزُّبَيديُّ: أخبَرَني الزُّهْرِيُّ أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ كعبٍ أخبَرَه أنَّ ◌ُبيد الله بن
كعب قال: أخبَرَني مَن شَهِدَ مع النبيّ ◌َلّهِ خَيبَرَ. قال الزُّهْريُّ: وأخبرني عُبيد الله بن عبد الله
وسعيد عن النبيّ ◌َّ)) وفي رواية النَّسَفيّ: عبد الله بن عبد الله، هكذا أورَدَ البخاريّ طريق
الزُّبَيدِيِّ هذه مُعلَّقة مختصرة، وأجحَفَ فيها في الاختصار، فإنَّه لم يَفصِل بين رواية الزُّهْرِيِّ
الموصولة عن عبد الرحمن، وبين روايتِه المرسَلة عن سعيد وعُبيد الله بن عبد الله. وقد أوضَحَ
ذلك في (التاريخ)) (٣٠٧/٥)، وكذلك أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) والذُّهْلِيّ في ((الزُّهْرِيّات))،
فأخرَجوه من طريق عبد الله بن سالم الحِمصيّ عن الزُّبَيدِيِّ، فساقَ الحديثَ الموصولَ بالقِصّة،
ثمَّ ساقَ بعدَه: قال الزُّبَيدِيُّ: قال الزُّهْرِيُّ: وأخبرني عبدُ الله بنُ عبدِ الله وسعيد بن المسيّب: أنَّ
(١) هذه الرواية خرَّجها مسلم في ((التمييز)) كما سيبيّه الحافظ قريباً.

٣٩٨
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٢ - ٤٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
رسولَ الله وَّه قال: ((يا بلالُ قُم فأذِّن أنَّه لا يدخلُ الجِنَّة إلّا مُؤمِن، واللهُ يُؤيِّدُ هذا الدّين
بالرجلِ الفاجِرِ)). هذا سياقُ البخاريّ، وفي سياق الذُّهْليِّ: قال الزُّهْريُّ: وأخبرني عبد الرحمنِ
ابن عبدِ الله. وهذا أصوَبُ(١) من عُبيد الله بن عبد الله، نَبَّهَ عليه أبو عليّ الجَيّانيّ.
وقد اقتَضَى صَنِيعُ البخاريّ ترجيح رواية شُعَيب ومَعمَر، وأشار إلى أنَّ بقيَّةَ الرِّوايات
مُحْتَمَلةٌ، وهذه عادَتُه في الرّوايات المختلفة إذا رَجَحَ بعضُها عندَه اعتَمَدَه، وأشارَ إلى البقيَّة،
وأنَّ ذلك لا يَستَلِزِمُ القَدحَ في الرِّواية الراجحة لأنَّ شرطَ الاضطِراب أن تَتَساوَى وجوه
الاختلاف فلا يَرجَحُ شيءٌ منها. وذكر مسلم في كتاب ((التمييزِ)) فيه اختلافاً آخرَ على الزُّهْرِيِّ
فقال: حدَّثنا الحسن بن علي الحُلْوانيّ عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد [عن أبيه] (٢) عن صالح
ابن كَيْسان عن ابن شِهاب أخبرني عبد الرحمن بن المسيّب أنَّ النبيَّ وَّم قال: «يا بلالُ: قُم فأذِّن
أَنَّه لا يدخل الجنَّةَ إلّا مُؤمِن)). قال الحلوانيّ: قلت ليعقوب بن إبراهيم: مَن عبد الرحمن بن
المسيِّب هذا؟ قال: كان لسعيد بن المسيّب أخٌ اسمه عبد الرحمن، وكان رجلٌ من بني كِنانةَ
يقال له: عبد الرحمن بن المسيّب، فأظنّ أنَّ هذا هو الكنانيّ. قال مسلم: وليس ما قال يعقوب
بشيءٍ، وإنَّما سَقَطَ من هذا الإسناد واو واحدة ففَحُشَ خَطَؤُه، وإنَّما هو عن الزُّهْريِّ عن
عبد الرحمنِ وابنِ المسيّب، فعبدُ الرحمنِ: هو ابن عبد الله بن كعب، وابن المسيّب: هو سعيد،
وقد حدَّث به عن الزّهْريِّ كذلك ابن أخيه وموسى بن عُقْبة ويونس بن يزيد، والله أعلم.
وكذا رَجَّحَ الذُّهْلِيُّ روايةَ شُعَيبٍ ومَعمَر، قال(٣): ولا تُدفَعُ روايةُ الآخِرِينَ(٤)، لأنَّ الزُّهْرِيَّ
(١) عبارة الجيّاني كما في ((تقييد المهمل)) في قسم التنبيه على الأوهام الواقعة في البخاري، المطبوع مفرداً
بتحقيق محمد صادق الحامدي ص٢٤٩: الذي وقع في ((الجامع)) في هذا الإسناد من ذكر عبيد الله بن
عبد الله، وهمّ، وإنما صحيحه: عبد الرحمن بن عبد الله. ولم يقل: أصوب.
(٢) عبارة: ((عن أبيه)) سقطت من أصولنا الخطية ومن (س)، وأثبتناها من كلام الحافظ قريباً، ومن قسم الأوهام
الواقعة في ((صحيح البخاري)) المفرد من كتاب ((تقييد المهمل)) للجیاني ص ٢٥٠.
(٣) هذا قول أبي علي الجياني، وليس قول الذهلي، كما هو ظاهر القسم المذكور ص٢٤٧. وكأنه لخّصَه من
كلام الذهلي.
(٤) تحرف في (س) إلى: الأخيرين.

٣٩٩
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٦
كتاب المغازي
كان يقعُ له الحديثُ من عِدّة طرقٍ، فَيَحمِلُه عنه أصحابُه بحَسَب ذلك. نعم ساقَ من طريق
موسى بن عُقْبة وابن أخي الزُّهْريِّ عن الزُّهْرِيِّ موافقة الزُّبَيديّ على إرسال آخِرِ الحديث.
قال المهلَّبُ: هذا الرجلُ ممّن أعلمنا النبيُّ وَلِّ أَنَّه نَفَذَ عليه الوعيدُ من الفُسّاق، ولا
يَلْزَمُ منه أنَّ كلَّ مَن قتل نفسَه يُقضَى عليه بالنار. وقال ابنُ التِّينِ: يحتملُ أن يكونَ قولُه:
(«هو من أهلِ النار)) أي: إن لم يَغْفِرِ الله لَه.
ويحتملُ أن يكونَ حين أصابته الجِراحة ارتابَ وشَكَّ في الإيمان أو استَحلَّ قَتْلَ نفسه،
فماتَ كافراً. ويُؤيِّده قوله وَّه في بقيّة الحديث: ((لا يدخل الجنَّة إلّا نفس مسلمة)) وبذلك
جَزَمَ ابن المنيّر.
والذي يَظهَر أنَّ المرادَ بالفاجرِ أعَمّ من أن يكون كافراً أو فاسقاً، ولا يعارضُه قولُه ◌َّةِ:
(إنّا لا نَستَعين بمُشِرِكٍ))(١)، لأنَّه محمولٌ على مَن كان يُظهِرُ الكفرَ، أو هو مَنسوخ.
وفي الحديث إخبارُهُ وََّ بالمغَيَّيات، وذلك من مُعجِزاته الظّاهرة. وفيه جواز إعلام
الرجل الصالح بفضيلةٍ تكونُ فیه والجَهُ بها.
تنبيه: المنادي بذلك بلال، ووَقَعَ عند مسلم في رواية (١١٤): ((قُمْ يا ابن الخطّاب))(٢)،
وعند البيهقيّ (٢٠٤/٩)(٣)/ أنَّ المناديَ بذلك عبد الرحمن بن عَوْف. ويُجمَع بأنَهم نادَوْا ٤٧٥/٧
جميعاً في چِهات مُختلفة.
٤٢٠٦ - حدَّثْنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ أبي تُبيدٍ، قال: رأيتُ أَثَرَ ضَرْبةٍ في ساق
سَلَمَةَ، فقلتُ: يا أبا مسلم ما هذه الضَّرْبة؟ فقال: هذه ضَرْبةٌ أصابتْها يومَ خَيْبرَ، فقال الناسُ:
(١) أخرجه مسلم (١٨١٧) من حديث عائشة.
(٢) لكن وقع ذلك في مسلم في قصة رجلٍ غَلَّ بُردة من مغانم خيبر، ثم قُتِل.
(٣) عجباً للحافظ رحمه الله كيف عزاه هنا للبيهقي، مع أنه في ((سنن أبي داود)) (٣٠٥٠)، ومن طريقه أخرجه
البيهقي !! والقصة في رجل قال: یا محمد، ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمارنا وتضربوا نساءنا؟! فغضب
النبي ◌َّ وقال: ((يا ابن عوف، اركب فرسك، ثم ناد: ألا إنَّ الجنة لا تحل إلّا لمؤمن ... )) فالظاهر تعدد
الأحوال التى أمر فيها بالنداء، وليس بحال واحدة كما يُفهَم من كلام الحافظ.

٤٠٠
باب ٣٧ / ح ٤٢٠٦-٤٢٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
أُصِيبَ سَلَمَةُ، فأتيتُ النبيَّ ◌َّةِ، فَنَفَثَ فيه ثلاثَ نَفَئاتٍ، فما اشتَكَيتُها حتَّى الساعةِ.
٤٢٠٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ، عن أبيه، عن سَهْلٍ، قال: التَّقَى
ء
النبيُّ ◌َّهِ والمشركونَ في بعضِ مَغازِيه، فاقتَلُوا، فمالَ كلَّ قومٍ إلى عَسْكَرِهم، وفي المسلمينَ
رجلٌ لا يَدَعُ مِن المشركينَ شاذّةً ولا فاذّةً، إلا أنَّبَعَها فضَرَبَها بسيفِهِ، فِقِيلَ: يا رسولَ الله، ما
أجْزَأْ أحدٌ ما أجْزَأ فلانٌ، فقال: ((إنَّه من أهلِ النار)) فقالوا: أيُّنا من أهلِ الجنَّةِ إن كان هذا من
أهلِ النار؟ فقال رجلٌ مِن القومِ: لأَتَّبِعَنَّه، فإذا أسرَعَ وأبطَاً كنتُ معه، حتَّى جُرِحَ فاستَعْجَلَ
الموتَ، فَوَضَعَ نِصابَ سيفِه بالأرضِ، وذُبابَه بينَ ثَدْيَيه، ثمَّ تَحَامَلَ عليه فقَتَلَ نفسَه، فجاء
الرجلُ إلى النبيِّ وَّةِ، فقال: أشهَدُ أَنَّكَ رسولُ الله، فقال: ((وما ذاكَ؟)) فأخبَرَه، فقال: ((إنَّ الرجلَ
لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ، فيما يَبْدو للناسِ، وإِنَّه لَمِن أهلِ النار، ويَعْمَلُ بعَمَلِ أهلِ النار، فيما
يَبْدو للناسِ، وإنّ من أهلِ الجنَّةِ)).
٤٢٠٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سعيدِ الخُزَاعيُّ، حدَّثنا زيادُ بنُ الرَّبِيعِ، عن أبي عِمْرانَ، قال:
نَظَرَ أنسٌ إلى الناسِ يومَ الجُمُعةِ، فَرَأَى طَيالِسةٌ، فقال: كأنَّهمُ الساعةَ يهودُ خَيْبَرَ.
الحديث الثامن: حديث سلمة بن الأكوع، وهو من ثلاثياته.
قوله: ((فقلت يا أبا مسلم)) هي كُنِيةٌ سَلَمة بن الأكوع.
قوله: (أصابتها يومَ خَيبَ)) أي: أصابت رُكِبَتَه، و((يومَ)) بالنَّصب على الظَّرفيَّة.
قوله: ((فتَفَثَ فيه)) أي: في موضع الضَّربة، وقد تقدَّم أنَّه فوقَ النَّفْخ ودونَ الَّفْلِ(١)، وقد
يكون بغير ريقِ بخلاف التفْل، وقد يكون بِرِيقِ خفيفٍ بخلاف النَّفْخِ.
ثم ذكر المصنف طريقاً لحديث سهل بن سعد الماضي قبلُ، وقد تقدَّم شرحُه في الحديث
السادس (٤٢٠٢).
الحديث التاسع:
قوله: ((حدَّثنا محمد بن سعيد الُزَاعِيّ)) هو: بصريّ، واسم جَدِّه الوليدُ، وهو ثقةٌ من أقران
(١) قبل شرح الحديث (٤١٥).