Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
باب ٢٩ / ح ٤١٢١
كتاب المغازي
وهذا كلَّه يَدِفَعُ ما وَقَعَ عندَ الكِرْمانيّ: ((بحُكمِ المَلَكِ)) بفتح اللام، وفَسَّرَه بجِبْرِيل،
لأَنَّه الذي يَنزِل بالأحكام.
قال السُّهَيليُّ: قوله: ((من فوق سبع سماواتٍ)) معناه: أنَّ الحُكمَ نزلَ من فوق، قال:
ومثلُه قول / زينب بنت جَحْش: زَوَّجَني الله من نبيِّه من فوق سبع سماوات(١)، أي: نزلَ ٤١٣/٧
تَزويجُها من فوقُ، قال: ولا يَستَحيلُ وصفُه تعالى بالفَوقِ على المعنى الذي يَليُ بجَلاله، لا
على المعنى الذي يَسِقُ إلى الوَهْمِ من التحديدِ الذي يُفضي إلى التشبيه، وبقيّة الكلام على
هذا الحديث في الذي بعده.
الحديث السادس: حديث عائشة.
قوله: ((أُصيبَ سعد)) في الرِّواية التي في المناقب(٢): سعد بن معاذ.
قوله: ((حِبّان)) بكسرِ المهمَلة وتشديد الموحّدة ((ابن العَرِقة)) بفتح المهمَلة وكسرِ الراءِ ثمَّ
قافٌ.
قوله: ((وهو حِبّانُ بنُ قيسٍ)) يعني: أن العَرِقَةَ أُّه، وهي بنتُ سعيد بن سعدِ بن سهمٍ.
قوله: ((من بني مَعِيصٍ)) بفتح الميم وكسرِ المهمَلة ثمَّ تحتانيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ مُهمَلٌ: وهو حِبّانُ
ابنُ قيسٍ، ويقال: ابن أبي قيسٍ بن عَلَقَمة بن عبد منافٍ.
قوله: ((رَماه في الأكحَلِ)) بفتح الهمزة والمهمَلةَ، بينهما كافٌ ساكنةٌ، وهو عِرِقٌ في وسَطِ
الذِّراع، قال الخليل: هو عِرق الحياة، ويقال: إن في كلِّ عُضوٍ منه شُعْبةً، فهو في اليدِ:
الأكحَلِ، وفي الظَّهْرِ: الأَبهَرِ، وفي الفَخِذِ: النَّسا، إذا قُطِعَ لم يَرقَا الدَّمُ.
قوله: (خَيْمة في المسجد)» تقدَّم بيانها في الذي قبله.
قوله: ((فلمَّا رَجَعَ النبيّ ◌َِّ من الخندق وَضَعَ السِّلاحَ واغتَسَلَ، فأتاه جِبْرِيل)) هذا السّياق
(١) سيأتي برقم (٧٤٢٠).
(٢) يعني: من حديث أبي سعيد الخدري برقم (٣٨٠٤)، لأنَّ كلًّا من عائشة وأبا سعيد قد رويا قصة إصابة
سعد يوم الخندق.

٢٨٢
باب ٢٩ / ح ٤١٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
يُبيِّ أنَّ الواو زائدة في الطَّريق التي في الجهاد (٢٨١٣)، حيثُ وَقَعَ فيه بلفظ: لمَّا رَجَعَ يومَ
الخندقِ ووَضَعَ السِّلاحَ فأتاه جِبْريل. وهو أولى من دَعوَى القُرطُبيِّ أنَّ الفاءَ زائدةٌ، قال:
وكأنَّها زيدَت كما زيدَت الواوُ في جواب لمَّا. انتهى.
ودَعوَى زيادة الواو في قولِه: وضَعَ، أولى من دَعوَى زيادة الفاءِ لكَثْرة مَجَيءٍ الواو
زائدةً، ووَقَعَ في أوَّل هذه الغَزاة (٤١١٧): لمَّا رَجَعَ من الخندقِ ووَضَعَ السِّلاحَ واغتَسَلَ
أتاه جِبْريلٍ. فمن هنا اذَّعَى القُرطُبيُّ أنَّ الفاءَ زائدةٌ، ووَقَعَ عندَ الطبرانيِّ والبيهقيّ(١) من
طريق القاسم بن محمد عن عائشةَ، قالت: سَلَّمَ علينا رجلٌ ونحنُ في البيت، فقامَ
رسول الله وَّ فِزِعاً، فَقُمت في أثَره، فإذا بدِحيةَ الكَلْبِيّ، فقال: ((هذا جِبْريل يأمرني(٢) أن
أذهَبَ إلى بني قُرَيظَةَ)) وذلك لمَّا رَجَعَ من الخندقِ، قالت: فكأنّ برسولِ الله ◌َ﴿ يَمِسَحُ
الغُبارَ عن وجه جِبْريل، وفي حديثٍ عَلَقَمةَ بن وقّاصٍ عن عائشةَ عند أحمد (٢٥٠٩٧)
والطبرانيِّ: فجاءه جِبْرِيلُ وإِنَّ على ثَناياه لَنْعُ الغُبار. وفي مُرسَلٍ يزيدَ بن الأصَمِّ عند ابن
سعد (٧٥/٢): فقال له جِبْريلُ: عَفا الله عنك! وضَعت السِّلاحَ ولم تَضَعه ملائكة الله.
وفي رواية حَمَّاد بن سَلَمة عن هشام بن عُرْوة(٣) في حديث الباب: قالت عائشة: لقد رأيته
من خَلَلِ الباب قد عَصَبَ التُّرابُ رأسَه. وفي رواية جابر عندَ ابن عائٍ: فقال: قُم فشُدَّ عَلَيك
سِلاحَك، فوالله لَأَدُقَّنَّهم دَقَّ البَيْضِ على الصفا.
قوله: ((فأتاهم رسولُ الله ◌َليّ)) أي: فحاصَرَهم. وروى ابن عائذٍ من مُرسَلٍ فَتَادة،
قال: بَعَثَ رسولُ اللهِوَ لِّ مُنادياً ينادي، فنادَى: يا خَيلَ الله اركَبي. وفي رواية أبي الأسوَدِ
عن عُروةَ عند الحاكم والبيهقيّ(٤): وبَعَثَ عليّاً على المقدِّمة ودَفَعَ إليه اللُّواء، وخرج
(١) هو عند الطبراني في «الأوسط)) (٨٨١٨)، والبيهقي في ((الدلائل) ٨/٤.
(٢) وقع في (س): ((هذا جبريل، وفي حديث علقمة: يأمرني)) بزيادة: ((وفي حديث علقمة))، وهي زيادة
مقحمة، ولم ترد عندنا في الأصلين، لأنَّ اللفظ المذكور من قوله ◌َ لل هو تمام لفظ القاسم عن عائشة.
(٣) روايته عند البَلاذُري في ((فتوح البلدان)) ص ٣٢، والبيهقي في ((الدلائل)) ٦٦/٧.
(٤) هو عند البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٤/٤، وأما الحاكم فالظاهر أنه أخرجه في ((الإكليل))، والله أعلم.

٢٨٣
باب ٢٩ / ح ٤١٢٢
كتاب المغازي
رسولُ اللهِ وَِّ على أثره. وعندَ موسى بن عُقْبةَ نحوه، وزاد: وحاصَرَهم بضعَ عشرةَ ليلةً.
وعندَ ابنِ سعدٍ: خمسَ عشرةَ. وفي حديثٍ عَلقَمةَ بن وقّاصِ المذكورِ: خمساً وعشرين.
ومثلَها عندَ ابنِ إسحاقَ(١) عن أبيه عن مَعبَدِ بن كعبٍ قال: حاصَرَهم خمساً وعشرين ليلةً
حتَّى أجهَدَهم الحِصارُ، وقُذِفَ في قلوبهم الرُّعب، فعَرَضَ عليهم رئيسُهم كعبُ بنُ أَسَدٍ
أن يُؤمِنوا، أو يَقتُلوا نساءَهم وأبناءَهم ويَخْرُجوا مُستَقْتِلين، أو يُبِّتوا المسلمين ليلةَ
السَّبتِ. فقالوا: لا نُؤْمِن، ولا نَستَحِلُّ ليلةَ السَّبتِ، وأُّ عَيشٍ لنا بعدَ أبنائنا ونسائنا؟
فأرسَلوا إلى أبي لُبابةَ بن عبدِ المنذِرِ، وكانوا حُلَفاءَه، فاستَشاروه في النُّزولِ على حُكمِ النبيِّ
وَّهِ، فأشارَ إلى حَلْقِه - يعني الذَّبِحَ - ثمَّ نَدِم، فَتَوَجَّهَ إلى المسجد النبوي(٢)، فارتَبَطَ به
حتَّی تابَ الله علیه.
قوله: ((فنزلوا على حُكمِهِ، فَرَدَّ الحُكمَ إلى سعدٍ)) كأنَّهم أَذْعَنوا للنّزولِ علی حُكمِه
فلمَّا سألَه الأنصارُ فيهم رَدّ الحُكمَ إلى سعدٍ.
وَسـ
ووَقَعَ بيانُ ذلك عندَ ابنِ إسحاقَ(٣)، قال: لمَّا /اشتَدَّ بهم الحِصارُ، أذعَنوا أن يَنزِلوا ٤١٤/٧
على حُكمٍ رسولِ اللهِوَّهِ فَتَواثَبَتِ الأوسُ، فقالوا: يا رسولَ الله، قد فَعَلتَ في موالي الخَزَرَجِ
- أي: بني قَيْنُقَاع - ما عَلِمتَ، فقال: ((ألا تَرضَونَ أن يَحِكُمَ فيهم رجلٌ منكم؟)) قالوا: بَلَى،
قال: «فذلك إلی سعد بن معاذ»(٤).
وفي رواية عَلقَمَةَ بن وقّاصٍ المذكورة: فلمَّا اشتَدَّ بهم البلاءُ، قيل لهم: انزِلوا على حُكم
رسول الله وٍَّ، فلمَّا استَشاروا أبا لُبابةَ، قالوا: نَنزِلُ على حُكم سعد بن معاذ. ونحوه في
(١) كما في («سيرة ابن هشام)) ٢٣٥/٢.
(٢) المثبت من الأصلين، وفي (س): مسجد النبي ◌َليل.
(٣) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢٣٩/٢.
(٤) جاء بعد هذا في (ع): وفي كثير من السير أنهم أبوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، ويجمع بأنهم نزلوا
على حكمه أن يحكم فيهم سعد. وجاءت العبارة في (س) مغايرة لعبارة (ع)، حيث جاء فيها ما نصه:
وفي كثير من السير أنهم نزلوا على حكم سعد، ويجمع بأنهم نزلوا على حكمه قبل أن يحكم فيهم سعد.
ولم تَرِد هذه العبارة برمّتها في (أ) و(د).

٢٨٤
باب ٢٩ / ح ٤١٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
حديثٍ جابر عندَ ابن عائذ. فحَصَلَ في سبب رَدِّ الحُكمِ إلى سعد بن معاذ أمران: أحدهما:
سؤالُ الأوسِ، والآخرُ: إشارةٌ أبي لُبابة، ويحتملُ أن تكونَ الإشارةُ إثرَ تَوَقُّفِهم، ثمَّ لمَّا
اشتَدَّ الأمرُ بهم في الحِصار عَرَفوا سؤالَ الأوسِ، فأذعَنوا إلى النّزولِ على حُكمِ النّبِّ وَّ،
وأيقنوا بأنَّه يَرُدُّ الْحُكمَ إلى سعدٍ. وفي رواية عليٍّ بن مُسهِر عن هشام بن عُرْوة عند مسلم(١):
فَرَدَّ الحُكم فيهم إلى سعد وكانوا حُلَفاءَه.
قوله: ((فإنّ أحكم فيهم)) أي: في هذا الأمر، وفي رواية النَّسَفيّ: إنّي(٢) أحكم فيهم.
قوله: ((أن تُقْتَلَ المقاتلةُ)» قد تقدَّم في الذي قبلَه بيانُ ذلك. وذكر ابن إسحاق أنَّهم حُبسوا في
دار بنتِ الحارثِ. وفي رواية أبي الأسودِ عن عُرْوةَ: في دار أُسامةَ بن زيد. ويُجمَعُ بينهما بأنَّهم
جُعِلوا في بيتَينِ. ووَقَعَ في حديث جابر عند ابن عائذ التصريحُ بأنَّهم جُعِلوا في بيتَينِ.
قال ابن إسحاق: فخندَقوا لهم خَنادِقَ، فضُرِبَت أعناقُهم، فجَرَى الدَّم في الحَنَادِقِ،
وقَسَمَ أموالهَم ونساءَهم وأبناءَهم على المسلمين، وأسهَمَ للخيلِ. فكان أوَّلَ يومٍ وقَعَت فيه
السُّهمان لها. وعندَ ابنِ سعدٍ (٢/ ٧٧ -٧٨) من مُرسَلِ حُميدٍ بن هلالٍ: أَنَّ سعدَ بنَ معاذ حَكَمَ
أيضاً أن تكونَ دارهم للمهاجرين دون الأنصار، فلامَه الأنصارُ(٣)، فقال: إنّ أحببت أن
يستَغْنُوا عن دُوركم(٤).
واختُلِفَ في عَّتِهِم: فعندَ ابن إسحاق: أنَّهم كانوا ستَّ مئة، وبه جَزَمَ أبو عُمر(٥) في
(١) لم نقف عليه عند مسلم من هذا الطريق، بل ولا في شيء من مصادر التخريج من الطريق المذكور، وإنما
هو ثابت في رواية علقمة بن وقاص عند أحمد (٢٥٠٩٧) وغيره.
(٢) المثبت من الأصلین، وفي (س): وإني. بزيادة الواو.
(٣) قوله: ((الأنصار)) سقط من (س).
(٤) تحرفت العبارة في (س) إلى: تَستغْنُوا عن دورهم.
(٥) تحرف في الأصلين و(س) إلى: أبو عمرو، وأثبتناه على الصواب من ((سبل الهدى والرشاد)) للصالحي
٢٠/٥، ومن ((نيل الأوطار)) للشوكاني ٢١٢/٨، وقيده الشوكاني بقوله: ابن عبد البر. لكننا لم نجد
ذلك في ((الاستيعاب)) في ترجمة سعد، وإنما الذي فيه من رواية جابر أنهم كانوا أربع مئة، ولم يذكر قولاً
غيره، فالله تعالى أعلم.

٢٨٥
باب ٢٩ / ح ٤١٢٢
كتاب المغازي
ترجمة سعد بن معاذ. وعند ابن عائذٍ من مُرسَلٍ قَتَادة: كانوا سبعَ مئة. وقال السُّهَيلِيُّ:
المكثِرُ يقول: إنَّهم ما بين الثمان مئة إلى التِّسع مئة. وفي حديث جابر عند التِّرمِذيّ (١٥٨٢)،
والنَّسائيِّ (ك٨٦٢٦)، وابن حِبّان (٤٧٨٤) بإسنادٍ صحيحٍ: أنَّهم كانوا أربع مئة مُقاتلٍ.
فيُحتملُ في طريق الجمع أن يقال: إنَّ الباقين كانوا أتباعاً، وقد حَكَى أبو إسحاقَ أنَّه قيل:
إِنَّهم كانوا تسعَ مئة.
قوله: ((قال هشام: فأخبَرَني أبي)) هو موصولٌ بالإسناد المذكورِ أوَّلاً، وقد تقدَّم هذا
القَدْرُ من هذا الحديث موصولاً من طريقٍ أُخرَى عن هشامٍ في أوائلِ الهجرة(١). وفي رواية
عبد الله بن نُمير عن هشام عند مسلم (٦٧/١٧٦٩) قال: قال سعد - وتَحَجََّ كَلْمُه للبُّرْءِ -:
اللهمَّ إِنَّك تَعلَمُ ... إلى آخره، أي: أنَّه دَعَا بذلك لمَّا كادَ جُرحُه أن يَبرأ، ومعنى ((تَحَجََّ))
أي: يَبِس.
قوله: «فإِنّي أَظُنُّ أَنَّك قد وضَعتَ الحربَ بيننا وبينهم)) قال بعض الشُّراح: ولم يُصِب في
هذا الظَّنِّ لمَا وَقَعَ من الحروب في الغَزَواتِ بعدَ ذلك. قال: فُيُحمَل على أنَّه دَعَا بذلك،
فلم تقع الإجابة، وادُّخِرَ له ما هو أفضل من ذلك كما ثَبَتَ في الحديث الآخر في دعاء
المؤمِن(٢)، أو أنَّ سعداً أراد بوضع الحرب، أي: في تلك الغزوة الخاصّة لا فيما بعدها.
وذكر ابن التِّين عن الدّاووديّ أنَّ الضَّميرَ لقُرَيظة، قال ابن التِّين: وهو بعيد جدّاً لنَصِّه
على قُریشٍ.
قلت: وقد تقدَّم الردُّ عليه أيضاً في أوَّل الهجرة (٣٩٠١) في الكلام على هذا الحديث،
والذي يَظهَرُ لي أنَّ ظنَّ سعدٍ كان مُصيباً، وأنَّ دعاءَه في هذه القِصّة كان مُجاباً، وذلك أنَّه لم
يقع بين المسلمين وبين قُرَيش من بعد وقعة الخندقِ حربٌ يكون ابتداء القصد فيها من
المشركين، فإنَّه ◌َلّه تَجِهَّزَ إلى العمرة فصَدّوه عن دخولِ مكَّةَ وكادَ الحربُ أن يقعَ بينهم، فلم
(١) تقدم هذا القدر من الحديث برقم (٣٩٠١) بإسنادين: الأول منهما موصول، وهو إسناد المصنف هنا،
والثاني معلّق عن أبان بن يزيد عن هشام به، فليس هو من الطريق الثانية موصولاً!
(٢) سيخرِّجه الحافظ في شرحه على كتاب ((الدعوات)) (٨٠) وقول الله تعالى: ﴿أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ .. ﴾.

٢٨٦
باب ٢٩ / ح ٤١٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
يقع، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ
عَلَيَّهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، ثمَّ وقَعَت الهدنةُ واعتَمَرَ وَلهمن قابِلٍ، واستَمرَّ ذلك إلى أن نَقَضوا
العَهد، فَتَوَجَّهَ إليهم غازياً ففُتِحَت مكَّة. فعلى هذا فالمرادُ بقولِه: أظنُّ أَنَّك وضَعت الحربَ،
٤١٥/٧ أي:/ أن يَقصِدونا محارِبين، وهو كقولِهِ بَ له في الحديث الماضي قريباً (٤١١٠) في أواخر
غزوة الخندق: «الآن نَغزوهم، ولا يَغْزُونَنا».
قوله: ((فأبقِني لَه)) أي: للحرب، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: فأيقِني لهم.
قوله: «فافجرها» أي: الجِراحة.
قوله: ((فانفَجَرَت من لَّتِهِ)) بفتح اللّام وتشديد الموحّدة: هي موضعُ القِلادة من
الصدْرِ، وهي روايةٌ مسلم (٦٧/١٧٦٩) والإسماعيليّ. وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: من ليلَتِه.
وهو تصحيف، فقد رواه حمّاد بن سَلَمة عن هشام فقال في روايتِهِ: فإذا لَبَّتُه قد انفَجَرَت
من كَلْمِه،. أي: من جُرحِه، أخرجه ابن خُزيمة (١٣٣٣)، وكأن موضعَ الجُرِحِ ورِمَ حتَّى
اتَّصَلَ الوَرَمُ إلى صَدره، فانفَجَرَ من ثَمّ.
قوله: ((فانفَجَرَت)) بُيِّن سببُ ذلك في مُرسَلٍ مُيدٍ بن هلال عندَ ابن سعد (٧٧/٢ -٧٨)
ولفظه: أنَّه مَرَّت به عَنْزٌ وهو مُضطَجِع فأصاب ظَلِفُها موضعَ الْجُرحِ فانفَجَرَ حتَّى ماتَ.
قوله: ((فلم يَرُعْهم) بالمهمَلة، أي: أهلُ المسجد، أي: لم يُفِعْهم.
قوله: ((وفي المسجد خيمة)) هي جُملة حاليَّة.
قوله: ((خيمة من بني غِفار)) تقدَّم أنَّ ابن إسحاق ذكر أنَّ الخيمةَ كانت لرُفَيدة الأسلَميَّة.
فيُحتمل أن يكون كان لها زوج من بني غِفار.
قوله: ((يَغذو)» بغَینٍ وذالٍ مُعجَمَتَينٍ، أي: یسیل.
قوله: ((فماتَ منها)» في رواية ابن خُزيمةَ في آخِرِ هذه القِصّة: فإذا الدَّمُ له ◌َدیرٌ. ووَقَعَ في
رواية عَلقَمةَ بن وقّاصٍ عن عائشةَ عندَ أحمد (٢٥٠٩٧): فانفَجَرَ كَلْمُه، وكان قد بَرَأَ(١) إلّا
(١) في (س): بَرِئ، وكلاهما صحيح، إذ هو من بابي نفع وتعب، كما قال الفيومي.

٢٨٧
باب ٢٩ / ح ٤١٢٢
كتاب المغازي
مثلَ الخُرصِ. وهو بضمِّ المعجَمة وسكونِ الراءِ ثمَّ مُهمَلة، وهو من حُليِّ الأَذُنِ. ولمسلم
(٦٨/١٧٦٩) من طريق عَبدة بن سليمان عن هشام بن عُرْوةَ: فما زالَ الدَّمُ يسيلُ حتَّى
ماتَ قال: فذلك حين يقول الشّاعرُ:
ألا يا سعدُ سعدَ بني مُعاذ لما فعَلَت قُرَيظةُ والنَّضيرُ
لَعمرُكَ إِنَّ سعدَ بني معاذ غداة تَحمَّلوا لهُوَ الصَّبورُ
تَرَكُمْ قِدْرَكم لا شيءَ فيها وقِدْرُ القوم حاميةٌ تَفورُ
وقد قال الكريمُ أبو حُبابٍ(١) أقيموا قينُفَاعُ ولا تَسيروا
وقد كانوا ببَلدَتِهِم ◌ِثِقالاً كما ثَقُلت بمِيطانَ الصُّخورُ
وقوله: أبو حُباب، بضمِّ المهمَلة وتخفيفِ الموخَّدة وآخِرُها مثلُها(٢): هو عبد الله بن
أبيّ، رئيس الخَزْرَج، وكان شَفَعَ في بني قَيْنُفَاع، فوَهَبَهم النبيّ ◌َّ له، وكانوا ◌ُلَفاءَه،
وكانت قُرَيظة حُلَفاء سعد بن معاذ فحَكَمَ بقتلِهِم، فقال هذا الشّاعر يوَبِّخُه بذلك. وقوله:
(تَرَكُمْ قِدَرَكُمْ)) أراد به ضربَ المثَل، ومِيطان: موضع في بلاد مُزَينةَ من الحِجاز كثير
الأوعار(٣). وأشارَ بذلك إلى أنَّ بني قُرَيظةَ كانوا في بلادِهم راسخين من كَثْرة ما لَم من
القوّة والنَّجدة والمال، كما رَسَخَتِ الصُّخورُ بتلك البلدة.
وذكر ابنُ إسحاقَ أنَّ هذه الأبيات لجبلِ بن جَوّال الثَّعلَبيّ، وهو بفتح الجيم والموحّدة،
وأبوه بالجيم وتشديد الواو، والثَّعلَبيّ بمُئلَّئة ومُهمَلة ثمَّ موخَّدة، ووَقَعَ عندَه بَدَل قوله:
وقد قال الكريم ... البيت:
وأمَّا الْخَزرجيُّ أبو حُبابٍ فقال لقَيتُقَاعَ لا تَسِيروا
(١) تصحف في (س) في هذا الموضع والمواضع التالية إلى: حباث.
(٢) تحرف في (س) إلى: مثلثة.
(٣) وهو لابةٌ سوداء من وجه حَرّة المدينة الشرقية، تُفيء على العقيق الشرقي، وهي اليوم من ديار عوفٍ من
حَرْب.

٢٨٨
باب ٢٩ / ح ٤١٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
وزاد فيها أبياتاً منها:
أقيموا يا سَراةَ الأوسِ فيها كأَنَّكمُ من المَخْزاة عُورُ(١)
وأراد بذلك توبيخَ سعد بن معاذ، لأنَّه رئيس الأوس، وكان جبلُ بنُ جَوّالٍ حينئذٍ كافراً.
ولعلَّ قصيدة كعب بن مالكِ التي قَدَّمناها في غزوة بني النَّضير (٢) كانت جواباً لجبلِ، والله
أعلم.
وذكر ابن إسحاق لحسَّان بن ثابت قصيدةً/ على هذا الوزن والقافية يقول فيها:
٤١٦/٧
تَفاقَدَ مَعشَرٌ نَصَروا قُرَيشاً وليس لهم بَلْدَتِهِم نَصيرُ
وهمْ أوتُوا الكتابَ فضَيَّعوه فهم عُمْيٌ عن التوراة بُورُ
وهي من ◌ُملة قصيدتِه التي تقدَّم بعضُها في غزوة بني النَّضير (٤٠٣٢)، وأجابَه أبو سفيان بن
الحارث عنها.
وفي قِصّة بني قُرَيظةَ من الفوائدِ وخبر سعد بن معاذ: جواز تَمنّي الشَّهادة، وهو مخصوص
من عُموم النَّهي عن تَمنّي الموت. وفيها تَحكيم الأفضل مَن هو مفضول. وفيها جواز
الاجتهاد في زمن النبيّ وََّ، وهي خِلافيَّة في أُصول الفقه، والمختار الجواز سواء كان بحضورِ
النبيّ وَّه أم لا، وإِنَّمَا اسْتَبْعَدَ المانعُ وقوعَ الاعتماد على الظَّنّ مع إمكان القطع، ولا يَضُرّ
ذلك، لأنَّه بالتقرير يصير قطعيّاً، وقد ثَبَتَ وقوع ذلك بحَضرَتِهِ وَّه كما في هذه القِصّة،
وقِصّة أبي بكر الصِّدِّيق ◌ُه في قَتيل أبي قَتَادة كما سيأتي في غزوة حُنَينِ (٤٣٢١)، وغير ذلك،
وسيأتي مزيد له في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى.
٤١٢٣ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، أخبرنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَدِيٌّ، أَنَّه سمعَ البراءَ مَلُه
قال: قال النبيُّ نَّهَ لحسَّانَ: ((اهْجُهم - أو هاجِهِم - وجِبْرِيلُ مَعَكَ)).
(١) تصحف في (س) إلى: غور.
(٢) عند شرح الحديث (٤٠٣٢).

٢٨٩
باب ٣٠ / ح ٤١٢٤-٤١٢٥
كتاب المغازي
٤١٢٤ - وزادَ إبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ، عن الشَّيبانيِّ، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ،
قال: قال النبيُّ وَّهِ يومَ قُرَيظَةَ لِحِسَّانَ بنِ ثابتٍ: ((اهْجُ المشركينَ، فإنَّ حِبْرِيلَ مَعَكَ)).
الحديث السابع: حديث البراء.
قوله: (عَديّ)) هو ابن ثابت.
قوله: ((اهجُهم أو هاجِهم)) بالشكِّ، والثاني أخَصُّ من الأوَّلِ.
قوله: ((وزادَ إبراهيم بن طَهْمان)) وصلَه النَّسائيُّ (ك٨٢٣٦)، وإسناده على شرط
البخاريّ. وأبو إسحاق(١): هو الشَّيبانيُّ، واسمه سليمان، وزيادته في هذا الحديث مُعيِّنة أنَّ
الأمر له بذلك وَقَعَ يومٍ قُرَيظة.
ووَقَعَ في حديث جابر ﴾ عند ابن مَرْدويه: لمَّا كان يوم الأحزاب، ورَدَّهم الله
بِغَيظِهِم، قال النبيّ ◌َّ: ((مَن يَجِمي أعراض المسلمين؟)) فقامَ كعب وابن رواحة وحسَّان،
فقال لحسَّان: ((نعم، اهجُهم أنتَ، فإنَّه سَيُعينُك عليهم روحُ القُدسِ))، فهذا يُؤيِّد زيادة
الشَّيبانيِّ المذكورة، فإنَّ يوم بني قُرَيظةَ مُسَبَّب عن يوم الأحزاب، والله أعلم. ولا مانع أن
يَتَعَدَّد وقوع الأمر له بذلك. وأورَدَ ابن إسحاق لحسَّان في شأن بني قُرَيظة عِدّة قصائدَ،
وقد تقدَّمت الإشارة إلى شيء من ذلك في الحديث الذي قبله.
٣٠ - باب غزوة ذات الرّقاع
وهيَ غَزْوةُ مُحَارِبٍ خَصَفةَ من بني ثَعْلَبَةَ من غَطَفانَ، فنزلَ نَخْلاً. وهي بعدَ خَيْبرَ، لأنَّ أبا
موسی جاء بعدَ خَیْبرَ.
٤١٢٥- قال أبو عبد الله: وقال لي عبدُ الله بنُ رَجاءٍ، أخبرنا عِمْرانُ القَطّانُ، عن يحيى بنِ
أبي كثير، عن أبي سَلَمَةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َلِّ صَلَّى بأصْحابه في
الخوفِ في غَزْوةِ السابعةِ، غَزْوةٍ ذات الرِّقاع.
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف أنَّ المذكور هنا في إسناد الحديث
نسبة أبي إسحاق لا کنیته، فلعله سبق قلم.

٢٩٠
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥ -٤١٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابنُ عبَّاسٍ: صَلَّى النبيُّ ◌َّهِ الخوفَ بذي قَرَدٍ.
٤١٧/٧
[أطرافه في: ٤١٢٦، ٤١٢٧، ٤١٣٠، ٤١٣٧]
٤١٢٦- وقال بَكْرُ بنُ سَوَادَ: حدَّثني زيادُ بنُ نافعٍ، عن أبي موسى: أنَّ جابراً حدَّثهم:
صَلَّى النبيُّ ◌َّهِ بهم يومَ تُحَارِبٍ وَثَعْلَبَةَ.
٤١٢٧ - وقال ابنُ إسحاقَ: سمعتُ وَهْبَ بنَ كَيْسانَ، سمعتُ جابراً: خَرَجَ النبيُّ ◌َّ إلى
ذات الرِّقاع من نَخْلٍ، فَلَقِيَ جمعاً من غَطَفانَ، فلم يكن قتالٌ، وأخافَ الناسُ بعضُهم بعضاً،
فِصَلَّى النبيُّ ◌َ﴿ رَ كْعَتَيِ الخوفِ.
وقال يزيدُ، عن سَلَمَةَ: غَزَوتُ معَ النبيِّ نَّهِ يومَ القَرَدِ.
٤١٢٨ - حدَّثني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بُرْدَ، عن
أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى ، قال: خَرَجْنَا معَ النبيِّ وَّهِ فِي غَزَاةٍ ونحنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بيتَنَا بَعِيرٌ
نَعْتَقِبُهُ، فَتَقِبَت أقدامُنا، ونَقِبَت قَدَماي، وسَقَطَت أظْفاري، وكنَّا نَلُفُّ على أرْجُلِنا الِرَقَ،
فسُمِّيَت غَزْوَةَ ذات الرِّقاع، لَا كنَّا نَعْصِبُ مِن الْخِرَقِ على أرجُلِنا.
وحدَّث أبو موسى بهذا، ثمَّ كَرِهَ ذاكَ، قال: ما كنتُ أَصْنَعُ بأن أذكُرَه، كأنَّ كَرِهَ أن يكونَ
شيءٌ من عَمَلِه أفشاهُ.
قوله: ((باب غزوةٍ ذات الرِّقاع)) هذه الغزوة اختُلِفَ فيها متى كانت، واختُلِفَ في سبب
تسميتها بذلك. وقد جَنّحَ البخاريّ إلی أنَّها كانت بعد خيبر، واستَدَلَّ لذلك في هذا الباب
بأُمور سيأتي الكلام عليها مُفصَّلاً، ومع ذلك فذكرها قبلَ خَيبَرَ، فلا أدري هل تَعَمَّدَ ذلك
تَسليماً لأصحاب المغازي أنَّها كانت قبلها كما سيأتي، أو أنَّ ذلك من الرُّواة عنه، أو إشارةً
إلى احتمال أن يكون ذاتُ الرِّقاع اسماً لغزوتَينِ مُتَلِفِتَينِ، كما أشارَ إليه البيهقيّ.
على أنَّ أصحاب المغازي مع جَزْمهم بأنّها كانت قبل خَيْبَرَ مُتَلِفُونَ في زمانها: فعند ابن
إسحاق أنَّها بعد بني النَّضير وقبل الخندقِ سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقامَ رسول الله وَله
بعد غزوة بني النَّضير شهرَ ربيعٍ وبعض هَادَى - يعني من سنته - وغزا نَجداً يريد بني تُحارب

٢٩١
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥-٤١٢٨
كتاب المغازي
وبني ثَعْلبة من غَطَفان، حتَّى نزل نَخْلاً، وهي غزوة ذات الرِّقاع. وعند ابن سعد وابن
حِبّان: أنَّها كانت في المحرَّم سنة خمس. وأمَّا أبو مَعشَر فجَزَمَ بأنَّها كانت بعد بني قُرَيظة
والخندق، وهو موافق لصَنيع المصنِّ. وقد تقدَّم أنَّ غزوة قُرَيظة كانت في ذي القَعدة سنة
خمس، فتكون ذاتُ الرِّقاع في آخِرِ السَّنة أو أوَّل التي تليها.
وأمَّا موسى بن عُقْبة فجَزَمَ بتقدُّم وقوع غزوة ذات الرِّقاع، لكن تَرَدَّدَ في وقتِها، فقال:
لا ندري کانت قبل بدر أو بعدها، أو قبل أُحد أو بعدها، وهذا التردُّد لا حاصلَ له، بل
الذي ينبغي الجزم به أنَّها بعد غزوة بني قُرَيظةَ، لأنَّه تقدَّم أنَّ صلاة الخوف في غزوة
الخندق لم تكن شُرِعَت، وقد ثَبَتَ وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرِّقاع، فدَلَّ على
تأخّرها بعد الخندق، وسأذكر بيان ذلك واضحاً في الكلام على رواية هشام عن أبي الزُّبَير
عن جابر، في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وهي غزوة مُحارِب خَصَفة)) كذا فيه، وهو مُتابع في ذلك لروايةٍ مذكورةٍ/ في ٤١٨/٧
أواخر الباب، وخَصَفة، بفتح الخاء المعجَمة والصّاد المهمَلة ثمَّ الفاءِ: هو ابن قيس بن
عَيْلان بن الياسَ بن مُضَرَ، ومحارب: هو ابن خَصَفة، والمحاربيّون من قيس يُنسَبونَ إلى
مُحارب بن خَصَفة هذا، وفي مُضَر مُحاربيّون أيضاً، لكَونِهِم يُنسَبونَ إلى مُحارب بن فِهِ بن
مالك بن النَّضرِ بن كِنانة بن خُزيمةَ بن مُدرِكة بن الياسَ بن مُضَر، وهم بطن من قُرَيش،
منهم حبيب بن مَسلَمةَ الذي ذُكِر في أواخر غزوة الخندق.
ولم يُحرِّر الكِرْمانيُّ في هذا الموضع، فإنَّه قال: قوله: محارب: هي قبيلة من فِهْرٍ، وخَصَفة:
هو ابن قيس بن عَيْلان. وفي شرح قول البخاريّ: مُحارب خَصفة، بهذا الكلام من الفساد
ما لا يَخْفَى، ويُوضحه أنَّ بني فِهِرٍ لا يُنسَبونَ إلى قيسٍ بوجهٍ، نعم وفي العَنَزيّين(١) مُحارِب بن
صُبِاحِ، وفي عبدِ القيسِ مُحارب بن عَمْرو. ذكر ذلك الدِّمياطيّ وغيره، فلهذه النُّكتة أُضيفَت
(١) تحرف في (أ) و(د) و(س) إلى: العُرنيين، وفي (ع) إلى: العنبريين، وليس محارب بن صُباح المذكور من
عرينة، ولا من بني العنبر، وإنما هو من ولد عَنَزَة بن أسد. انظر ((عجالة المبتدي)» للحازمي ص١١١
نسبة المحاربي، و((جامع الأصول)) لابن الأثير، قسم التراجم ص٩٣٣.

٢٩٢
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥ -٤١٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
مُحارب إلى خَصفة لقصدِ التمييزِ عن غيرهم من المحاربيّين، كأنَّه قال: مُحاربٌ الذين يُنسَبونَ
إلى خَصفة لا الذين يُنسَبونَ إلى فِهر ولا غيرهم.
قوله: ((من بني ثَعْلبة بن(١) غَطَفان)) بفتح الغَين المعجَمة والطاء المهمَلة بعدها فاء، كذا
وَقَعَ فيهِ، وهو يقتضي أنَّ ثَعْلبة جَدٌّ لمحاربٍ وليس كذلك. ووَقَعَ في رواية القابِسِيّ: خَصَفة
ابن ثَعْلبة، وهو أشدّ في الوَهْم، والصواب ما وَقَعَ عند ابن إسحاق وغيره: وبني ثَعْلبة،
بواو العَطْف، فإنَّ غَطَفان: هو ابن سعد بن قيس بن عَيْلان، فمُحارِب وغَطَفان ابنا عَمِّ(٢)،
فكيف يكون الأعلى منسوباً إلى الأدنى؟! وسيأتي في الباب من حديث جابر (٤١٢٦)
بلفظ: مُحَارِب وثَعْلبة، بواوِ العَطف على الصواب، وفي قوله: ثَعْلبة بن غَطَفان، بیاءٍ موحّدةٍ
ونونٍ نظرٌ أيضاً. والأَوْلى ما وَقَعَ عندَ ابن إسحاق: وبني ثَعْلبة من غَطَفان، بميمٍ ونون،
فإِنَّهِ ثَعْلبة بن سعد بن ذُبيان(٣) بن بَغِيض(٤) بن رَيْث بن غَطَفان. على أنَّ لقولِه: ابن
غَطَفان، وجهاً بأن يكون نَسَبَه إلى جَدِّه الأعلى. وسيأتي في الباب (٤١٢٦) من رواية بكر
ابن سَوَادة: يوم مُحارب وثَعْلبة فغايَرَ بينهما، وليس في جميع العرب من يُنسَب إلى بني
ثَعْلبة، بالمثلَّثة والمهمَلة الساكنة واللّام المفتوحة بعدها موحّدة إلّا هؤلاء، وفي بني أسد بنو
ثَعْلبة بن دُودان بن أسَد بن خُزَیمةً، وهم قليل.
والثَّعَبّون يَشْتَبَهونَ بالتَّغْلِّين بالمثنّة ثمَّ المعجَمة واللّام المكسورة، فأولئك قبائل أُخرى
يُنسَبونَ إلى تَغلِب بن وائل أخي بكر بن وائل، وهم من ربيعة إخوة مُضَر.
(١) كذا وقع للحافظ، وكذلك وقع من قبله لابن الأثير في ((جامع الأصول)) في قسم التراجم ص٩٢١، وأما
ما وقع للحافظ وابن الأثير فالنسبة إلى الجد. وهو جائز.
(٢) وعند بعض النسابين: هو غطفان بن سعد بن خصفة بن قيس، فيكون محارب عم غطفان، كما وقع لابن
الأثير في ((جامع الأصول)) قسم التراجم ص٩٢١.
(٣) تحرف في الأصول و(س) إلى: دينار، والتصويب من مصادر النسب، وانظر ((الاشتقاق)) لابن دريد
ص٢٧٥.
(٤) تحرف في (ع) و(س) إلى: معيص، وتصحف في (د) إلى: بقيص، وضبطه ابن الأثير في ((جامع الأصول))
في قسم التراجم ص٢٥١ في نسبة الثعلبي.

٢٩٣
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥-٤١٢٨
كتاب المغازي
قوله: ((فنزلَ)) أي: النبيّ ◌َلّ.
قوله: (نَخلاً)) هو مكان من المدينة على يومينٍ، وهو بوادٍ يقال له: شَدخ(١)، بشينٍ مُعجَمة
بعدها مُهمَلة ساكنة ثمَّ خاء مُعجَمة، وبذلك الوادي طَوائف من قَيس من بني فَزارة وأَنّْمارٍ
وأشجع - ذكره أبو عُبيد البكريّ.
تنبيه: جمهور أهل المغازي على أنَّ غزوةَ ذات الرِّقاع هي غَزوةُ محارب، كما جَزَمَ به ابن
إسحاق. وعند الواقديِّ أنَّهما ثِنتان، وتَبِعَه القُطب الحَلَبَيّ في ((شرحِ السِّيرة)). والله أعلمُ
بالصواب.
قوله: ((وهي)) أي: هذه الغزوة ((بعد خَيبَرَ، لأنَّ أبا موسى جاء بعد خَيبَ)) هكذا استَدَلَّ
به، وقد ساقَ حديث أبي موسى بعد قليل، وهو استدلال صحيح، وسيأتي الدّليل على أنَّ
أبا موسى إنَّما قَدِمَ من الحَبَشة بعد فتح خَيْبَر في ((باب غزوة خيبر)) (٤٢٣٠) ففيه في حديث
طَويل: قال أبو موسى: فوافَقْنا النبيَّ وَّهِ حين افتَتَحَ خَيبَرَ. وإذا كان كذلك ثَبَتَ أنَّ أبا
موسى شَهِدَ غزوةَ ذات الرِّقاع، ولَزِمَ أنَّها كانت بعدَ خَیبر.
وعَجِبتُ من شيخ شيوخِنا (٢) ابنِ سَيِّد الناس كيف قال: جَعَلَ البخاريّ حديثَ أبي
موسى هذا حُجّة في أنَّ غزوةً ذات الرِّقاع متأخّرة عن خيبر، قال: وليس في خبرِ أبي موسى ما
يدلُّ على شيءٍ من ذلك. انتهى، وهذا النَّفي مردود، والدَّلالةُ من ذلك واضحةٌ كما قَرَّرتُه،
وأمَّا شيخه الدِّمياطيّ فاذَّعَى غَلَط الحديث الصحيح، وأنَّ جميع أهل السِّير على خلافه. وقد
قَدَّمت أنَّهم مُخْتَلِفِونَ في زمانها، فالأَولى الاعتماد على ما ثَبَتَ في الحديث الصحيح، وقد ازدادَ
قوّةً بحديث أبي هريرة(٣) وبحدیثِ ابن عمر (٤) كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(١) هو الوادي الذي تقع فيه بلدة الحناكية شرق المدينة، على مسافة مئة كيلومتر. وقد تحرف في (س) إلى:
شرخ بالراء بدل الدال.
(٢) قوله: ((شیخ شيوخنا)) سقط من (س).
(٣) يعني الحديث الذي علقه البخاري برقم (٤١٣٧)، وذكر الحافظ عند شرحه من وصله.
(٤) يعني الحديث (٤١٣٢) في صلاته مع النبي ◌ّ صلاة الخوف في غزوة نجد، وهي هذه الغزوة.

٢٩٤
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥ -٤١٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
٤١٩/٧
وقد قيل: إنَّ الغزوةَ التي شَهِدَها أبو موسى / وسُمّيَت ذات الرِّقاع غير غزوة ذات
الرِّقاع التي وقَعَت فيها صلاة الخوف، لأنَّ أبا موسى قال في روايته (٤١٢٨): إنَّهم كانوا
ستّة أنفُس. والغزوة التي وَقَعَت فيها صلاة الخوف كان المسلمونَ فيها أضعاف ذلك،
والجواب عن ذلك أنَّ العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على مَن كان موافقاً له من
الَّامَةِ (١) لا أنَّه أراد جميعَ مَن كان مع النبيِّ ◌َّهِ. واستُدِلَّ على التعدُّدِ أيضاً بقولِ أبي موسى: إنّها
سُمّيَت ذاتَ الرِّقاع لمَا لَفَّوا في أرجُلِهِم من الخِرَقِ، وأهل المغازي ذكروا في تسميتها بذلك
أُموراً غيرَ هذا.
قال ابن هشام وغيره: سُمّيت بذلك لأنَّهم رَقَّعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجرةٍ بذلك
الموضع، يقال لها: ذات الرِّقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان
تُشبه الرِّقاع، وقيل: لأنَّ خَيلَهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حِبّان. وقال الواقديُّ:
سُمّيَت بجبلِ هناكَ فيه بُقَعٌ، وهذا لعلَّه مُستَنَد ابن حِبّان، ويكون قد تَصَخَّفَ جبلٌ بِخَيلِ.
وبالجملة فقد اتَّفَقوا على غير السَّبَب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس ذلك مانعاً من اتّحاد
الواقعة ولازماً للتعدُّدٍ، وقد رَجَّحَ السُّهَيلِيُّ السَّبَب الذي ذكره أبو موسى، وكذلك
النَّوَويّ، ثمّ قال: ويُحتمل أن تكون سُمّيَت بالمجموعِ. وأغرَبَ الدّاووديُّ فقال: سُمّيَت
ذاتَ الرِّقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسُمّيَت بذلك لتَرقيع الصلاة فيها.
ومما يدلّ على التعدُّد أنَّه لم يَتعرَّض أبو موسى في حديثه إلى أنَّهم صَلَّوا صلاة الخوف،
ولا أنَّهم لَقوا عدوّاً، ولكنَّ عَدَمَ الذِّكرِ لا يدلُّ على عَدَمِ الوقوع، فإنَّ أبا هريرة في ذلك
نَظيرُ أبي موسى لأنَّه إنَّما جاء إلى النبيِّوَلِهِ فأسلَمَ والنبيّ ◌َّ بِخَيَبَرَ، كما سيأتي هناك، ومع
ذلك فقد ذكر في حديثه أنَّه صَلَّى مع النبيّ وَّ صلاة الخوف في غزوة نَجْد، كما سيأتي في
أواخرِ هذا الباب (٤١٣٧) واضحاً، وكذلك عبد الله بن عمر ذكر أنَّه صَلَّى مع النبيّ ◌ِّل
صلاة الخوف بنَجدٍ (٤١٣٢)، وقد تقدَّم أنَّ أوَّلَ مَشاهِدِه الخندق (٤٠٩٧)، فتكون ذات
الرِّقاع بعد الخندق.
(١) تصحفت في (س) إلى: الرامة، بالراء المهملة، وإنما هي بالزاي المعجمة بمعنى الفِرقة.

٢٩٥
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥-٤١٢٨
كتاب المغازي
قوله: ((وقال لي عبد الله بن رَجاء)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: قال عبد الله بن رجاء. ليس
فيه: لي. وعبد الله بن رَجاء هذا: هو الغُدَانيّ البصري، قد سمعَ منه البخاريّ، وأمَّا عبد الله
ابن رَجاء المكّ فلم يُدرِكه. وقد وَصَلَه أبو العَبَّاس السَّاج في «مُسنَدِه)) المبَوَّب (١٥٦٠)
فقال: حدَّثنا جعفر بن هشام(١)، حدّثنا عبد الله بن رجاء فذكره.
قوله: ((أخبرنا عِمرانُ القَطّان)) هو بصريٌّ، لم يُخْرِّج له البخاريُّ إلّا استشهاداً.
قوله: ((أنَّ النبيَّ وَّهِ صَلَّى بأصحابه في الخوف)) زاد السَّاجُ: أربعَ رَكَعاتٍ، صَلَّى بهم
ركعتَينِ، ثمَّ ذهبوا، ثمَّ جاء أولئكَ فصَلَّى بهم ركعتَينِ. وسيأتي في آخِرِ الباب (٤١٣٦) من
وجهٍ آخرَ عن يحيى بن أبي كثيرٍ بسنده هذا (٢)، بزيادةٍ فيهِ، وذلك كلَّه في غزوة ذات الرِّقاع.
وجابر حديثٌ آخرُ فیه ذِكرُ صلاة الخوفِ على صِفةٍ أُخرى، سيأتي الكلام فيه قريباً.
قوله: ((في غزوةِ السابعة)) هي من إضافة الشَّيءٍ إلى نفسِه على رأي، أو فيه حذفٌ تقدیرُه:
غزوةُ السَّفْرة السابعة.
وقال الكِرْمانيُّ وغيره: تقديره: غزوة السَّنة السابعة، أي: من الهجرة. قلت: وفي هذا
التقدير نظر، إذ لو كان مُراداً لكان هذا نَصّاً في أنَّ غزوة ذات الرِّقاع تأخّرَت بعد خَيْبَرَ، ولم
يَحْتَج المصنّ إلى تكلَّفِ الاستدلال لذلك بقِصّة أبي موسى وغير ذلك ممّا ذكره في الباب.
نعم في التنصيص على أنَّها سابع غزوة من غَزَوات النبيِّ ◌َّ تأييد لما ذهب إليه البخاريّ
من أنَّها كانت بعد خَيْبَرَ، فإنَّه إن كان المراد الغَزَواتِ التي خرج النبيّ وَّهِ فيها بنفسِه مُطلَقاً
وإن لم يقاتل، فإنَّ السابعةَ منها تقع قبل أُحُد، ولم يذهب أحَدٌ إلى أنَّ ذات الرِّقاع قبل أُحُدٍ،
إلّا ما تقدَّم من تَرَدُّدِ موسى بن عُقْبة، وفيه نظر لأنَّهم مُتَّفِقونَ على أنَّ صلاة الخوف
مُتأخِّرة عن غزوة الخندق، فَتَعيَّنَ أن تكون ذات الرِّقاع بعد بني قُرَيظة، فَتَعيَّنَ أنَّ المرادَ
(١) كذا في (ع): هشام، وهو الموافق لما في مطبوع ((مسند السرّاج)) وفي (أ) و(د) و(س): هاشم، وهو كذلك
في مصادر الترجمة، لكن السرّاج روى له عدة أحاديث، كل ذلك كان يسميه جعفر بن هشام، وكذلك
سمي في بعض مصادر التخريج، فلذلك أثبتناه. وانظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٧/ ١٨٣.
(٢) في (س): وهذا، بإقحام حرف الواو.

٢٩٦
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥-٤١٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
الغَزَواتُ التي وَقَعَ فيها القِتال، والأُولى منها بدر، والثانية أُحُدٌ، والثالثة الخندقُ، والرابعةُ
٤٢٠/٧ قُرَيظةُ، والخامسةُ المُرَيسيعُ، والسادسةُ خَيْبَرَ، فيَلزَم من هذا أن تكون ذات الرِّقاع بعد/
خَيْبَرَ، للتنصيصِ على أنَّها السابعة، فالمراد تاريخ الوَقعة لا عدد المغازي، وهذه العِبارة
أقرَب إلى إرادة السَّنة من العِبارة التي وقَعَت عند أحمد (١٤٧٥١) بلفظ: وكانت صلاة
الخوف في السابعة(١). فإنَّه يَصِحّ أن يكون التقدير: في الغزوة السابعة، كما يَصِحّ في غزوة
السَّنة السابعة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: صَلَّى النبيّ ◌َّهِ الخوفَ(٢) بذي قَرَدٍ)) بفتح القاف والراءِ: هو
موضع على نحو يومٍ من المدينة ممّا يَلي بلاد غَطَفان(٣) وحديث ابن عبّاس هذا وَصَلَه
النَّسائيُّ (١٥٣٣) والطبري(٤) (٢٤٨/٥) من طريق أبي بكر بن أبي الجَهم عن عُبيد الله بن
عبد الله بن عُتبةَ عن ابن عبّاس: أنَّ رسول الله وَّهِ صَلَّى بذي قَرَدٍ صلاة الخوف. مثل
صلاة حُذَيفةَ(٥). وأخرجه أحمد (٢٠٦٣) وإسحاق من هذا الوجه بلفظ: فصَفّ الناسُ
خَلفه صَفَّيْنِ: صَفّ موازي العدوّ وصَفّ خَلفه، فصَلَّى بالذي يَليه ركعة، ثمَّ ذهبوا إلى
مصافِّ الآخرین، وجاء الآخرون فضَلَّ بہم رکعة أُخرى، انتھی.
وقد تقدَّم حديث ابن عبّاس في ((باب صلاة الخوف)) (٩٤٤) من طريق الزُّهْريِّ عن
عُبيد الله، به، نحو هذا، لكن ليس فيه: بذي قَرَدٍ. وزاد فيه: والناس كلَّهم في صلاة، ولكن
يَجِرُس بعضهم بعضاً. وحَمَلَه الجمهور على أنَّ العدوّ كانوا في جهة القِبلة، كما سيأتي بعد
(١) الذي في مطبوع ((مسند أحمد)): في السنة السابعة. بالتنصيص على ذكر السَّنة، والله أعلم!
(٢) في (س): يعني صلاة الخوف، بزيادة: يعني صلاة، وليست في شيء من روايات البخاري هنا حسب ما
في الیونینیة، و «إرشاد الساري)).
(٣) هو جبل أسودُ بأعلى وادي النَّقَمى، شمال شرقي المدينة، على قرابة (٣٥) كيلومتراً.
(٤) تحرف في (د) و(ع) و(س) إلى: الطبراني، وكانت في (أ) الطبري، ثم أُصلِحَت إلى: الطبراني والصحيحُ
المثبت كما في أصل (أ)، لأنه يوافق ما قاله الحافظ في ((التغليق)) ١١٦/٤، حيث نسبه للنسائي وابن جرير
الطبري.
(٥) يعني مثل حديث حذيفة في صلاة الخوف. وإلاّ فليس في حديث ابن عباس ذكر حذيفة.

٢٩٧
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥-٤١٢٨
كتاب المغازي
قليل. وهذه الصِّفة تُخالف الصِّفةَ التي وَصَفَها جابر، فيَظهَر أنَّهما قِصَّتان، لكنَّ البخاريّ
أراد من إيراد حديث ابن عبّاس وحديث سَلَمة بن الأكوع الموافق له في تسميته الغزوةَ،
الإشارةَ أيضاً إلى أنَّ غزوة ذات الرِّقاع كانت بعد خَيبَرَ، لأنَّ في حديث سَلَمة التنصيص
على أنَّها كانت بعد الحُدَيبية، وخيبر كانت عقب الحُدَيبية. لكن يُعكِّرُ عليه اختلاف السَّبَب
والقصد، فإنَّ سبب غزوة ذات الرِّقاع ما قيل لهم: إنَّ محاربَ يجمعونَ لهم، فخَرَجوا إليهم
إلى بلاد غَطَفان، وسبب غزوة القَرَدِ إغارة عبد الرحمن بن عُيَينةَ على لقاح المدينة، فخَرَجوا
في آثارهم، ودَلَّ حديث سَلَمة على أنَّه بعد أن هَزَمَهم وحدَه واستَنقَذَ اللّقاحَ منهم أنَّ
المسلمين لم يَصِلوا في تلك الخَرْجة إلى بلادٍ غَطَفان، فافتَرَقا. وأمَّا الاختلاف في كيفيَّة
صلاة الخوفِ بمُجرَّدِهِ فلا يدلّ على التغاير، لاحتمال أن تكون وقَعَت في الغزوة الواحدة
علی کیفیتینِ في صَلاتَينِ في یومینِ، بل في يومٍ واحدٍ.
قوله: ((وقال بكر بن سَوَادةَ: حدَّثني زياد بن نافع، عن أبي موسى، أنَّ جابراً حدَّثهم قال:
صلّى النبيُّ وَ لّهِ يوم تُحارب وثَعْلبة)) أمَّا بكر بن سوادة: فهو الجُذاميّ المِصريّ، يُكْنى أبا
ثُمامة، وكان أحد الفقهاءِ بمصر، وأرسَلَه عمر بن عبد العزيز إلى أهلِ إفريقيَّةَ ليُفْقِّهَهم،
فماتَ بها سنة ثمانٍ وعشرين ومئة، وثَّقه ابن مَعِين والنَّسائيّ، وليس له في البخاريّ سوى
هذا الموضع المعَلَّق، وقد وَصَلَه سعيد بن منصور (٢٥٠٥) والطَّبَريُّ (٢٤٨/٥) من طريقه
بهذا الإسناد. وأمَّا زياد بن نافع: فهو التُّجِيبيّ المِصريّ، تابعيّ صغير، وليس له أيضاً في
البخاريّ سوى هذا الموضع. وأمَّا أبو موسى فيقال: إنَّه عُلَيّ بن رَباح، وهو تابعيّ معروف،
أخرج له مسلم، ويقال: هو الغافقيّ: واسمه مالك بن عُبَادة، وهو صحابيّ معروف أيضاً.
ويقال: إنَّهِ مِصريّ لا يُعرَف اسمه، وليس له في البخاريّ أيضاً إلّا هذا الموضع.
وقوله: ((يوم ◌ُحارب وثَعْلبة)) يُؤيِّد ما وَقَعَ من الوَهم في أوَّل الترجمة.
قوله: ((وقال ابن إسحاق: سمعت وَهبَ بن كَيْسان سمعت جابراً قال: خرج النبيّ وَّ إلى
ذات الرّقاع من نَخلٍ، فَلَقيَ جمعاً من غَطَفان ... )) إلى آخره. لم أرَ هذا الذي ساقَه عن ابن إسحاق

٢٩٨
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥ -٤١٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
هكذا في شيء من كتب المغازي ولا غيرها، والذي في ((السِّيرة)) تهذيب ابن هشام
(٢٠٦/٢): قال ابن إسحاق: حدَّثني وَهْب بن كَيْسان عن جابر بن عبد الله قال: خَرَجت
مع النبيّ بَّه إلى غزوة ذات الرِّقاع من نَخل على جملٍ لي صَعبٍ، فساقَ قِصّة الْجَمَلِ. وكذلك
أخرجه أحمد (١٥٠٢٦) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق.
وقال ابن إسحاق قبل ذلك(١): وغزا نَجداً يريد بني مُحارب وبني ثَعْلبة من غَطَّفان
حتَّى نزلَ نَخلاً، وهي غزوة ذات الرِّقاع فلَقيَ بها جمعاً من غَطَفان، فتَقارَبَ الناس ولم يكن
٤٢١/٧ بينهم حَربٌ، وقد أخاف الناس بعضهم بعضاً، حتَّى صَلَّى رسول الله وَّ/ بالناس صلاة
الخوف ثمَّ انصَرَفَ الناس. وهذا القَدر هو الذي ذكره البخاريّ تَعليقاً مُدرَجاً بطريق
وَهْب بن كَيْسان عن جابر، وليس هو عند ابن إسحاق عن وَهْب كما أوضحتُه إلّا أن يكون
البخاريّ الطَّلَعَ على ذلك من وجهٍ آخرَ لم نَقِف عليهِ(٢)، أو في النُّسخة تقديم وتأخير، فظَنَّه
موصولاً بالخَيَرِ المسنَدِ، فالله أعلم. ولم أرَ مَن نَبَّهَ على ذلك في هذا الموضع.
ونَخلُ بالخاءِ المعجَمة كما تقدَّم: موضع من نَجْد من أراضي غَطَفان، قال أبو عُبيد
البَكْريّ: لا يُصرَف(٣). وغَفَلَ مَن قال: إنَّ المراد نَخل بالمدينة. واستَدل به على مشروعيَّة
صلاة الخوفِ في الحَضَرِ، وليس كما قال. وصلاة الخوف في الحَضَرِ قال بها الشّافعيُّ والجمهورُ
إذا حَصَلَ الخوف، وعن مالك: تَّخْتَصّ بالسَّفَرِ. والحُجّة للجمهورِ قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ
فِيهِمْ فَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾ [النساء: ١٠٢] فلم يُقَيِّد ذلك بالسَّفَرِ، والله أعلم.
قوله: ((وقال يزيد عن سَلَمَةَ: غَزَوت مع النبيّ وَّهِ يومِ القَرَدِ)) أمَّا يزيد: فهو ابن أبي عُبيد،
وأمَّا سَلَمة: فهو ابن الأكوع، وسيأتي حديثه هذا موصولاً قبلَ غزوة خَيبَ (٤١٩٤)، وتَرجَمَ له
(١) يعني من قوله، مقطوعاً بغير إسناد.
(٢) ويؤيد هذا الاحتمال أنَّ الواقدي أخرج في ((المغازي)) ٢/ ٥٨٣ عن ربيعة بن عثمان عن وهب بن كيسان
عن جابر، قال: صلى رسول الله وَ ل﴿ أول صلاة الخوف في غزوة الرقاع، ثم صلاها بعدُ بِعُسْفان.
(٣) كذا اقتصر الحافظ على نقل قول أبي عبيد البكري في منع الصرف، وهو قول محمول على الجواز، لأنه
يجوز أيضاً صرفه، بوصفه ثلاثياً ساكن الوسط، وعلى صرفه جری في الیونینیة، دون حكاية خلاف بين
رواه البخاري.

٢٩٩
باب ٣٠ / ح ٤١٢٥ -٤١٢٨
كتاب المغازي
المصنّف: غزوة ذي قَرَدٍ، وهي الغزوةُ التي أغاروا فيها على لِقَاح النبيِّ وَّهِ. ثمَّ ساقَه
مُطوَّلاً. وليس فيه لصلاة الخوفِ ذِكْرٌ، وإنَّما ذكره هنا من أجل حديث ابن عبّاس المذكور
قبلُ أنَّهِ وَّهِ صَلَّى صلاة الخوف بذي قَرَدٍ، ولا يَلزَم من ذِكْر ذي قَرَدٍ في الحديثَينِ أن تَتَّحِد
القِصّة، كما لا يَلزَم من كَونِهِ وََّ صَلَّى الخوفَ في مكانٍ أن لا يكون صَلّاها في مكانٍ آخر.
قال البيهقيُّ: الذي لا نَشُكّ فيه أنَّ غزوةَ ذي قَرَد كانت بعد الحُدَيبية وخَيبَرَ، وحديث
سَلَمة بن الأكوَعِ مُصَرِّح بذلك، وأمَّا غزوة ذات الرِّقاع فمُختَلَف فيها. فظَهَرَ تَغايُر
القِصَّتَينِ، كما حَّرتُه، واضحاً.
قوله: ((عن أبي موسى)) هو الأشعريّ.
قوله: (خَرَجنا مع النبيِّ وََّ فِي غَزاةٍ ونحنُ سِتَّةُ نَفَرِ)) لم أقِفْ على أسمائهم، وأظنُّهم من
الأشعریین.
قوله: ((بيننا بعيرٌ نَعتَقِبُه)) أي: نَركَبُه عُقْبةَ عُقْبةَ، وهو أن يَركَبَ هذا قليلاً، ثمَّ يَنِزِلُ
فيَرَكَبَ الآخَرُ بالنَّوْبة، حتَّى يأتي على سائرهم.
قوله: ((فَتَقِبَت أقدامُنا)) بفتح النّونِ وكسرِ القاف بعدَها موحّدة، أي: رَقَّت، يقال: نَقِبَ
البعيرُ: إذا رَقَّ خُفُّه.
قوله: ((لما كُنّا)) أي: من أجلِ ما فعلناه من ذلك.
قوله: ((نَعصِب)) بفتح أوَّلِهِ وكسرِ الصّادِ المهمَلة.
قوله: ((وحدَّث أبو موسى بهذا)) هو موصول بالإسناد المذكور، وهو مَقُولُ أبي بُرْدة بن
أبي موسى.
قوله: ((ثم كَرِهَ ذلك)) أي: لمَّا خافَ من تزكية نفسِه.
قوله: ((كأنَّه كَرِهَ أن يكونَ شيءٌ من عمله أفشاه)) وذلك أنَّ كِتمان العملِ الصالح أفضلُ
من إظهارهِ، إلّا لمصلحةٍ راجحةٍ كمَن يكون مَمَّن يُقتَدى به، وعندَ الإسماعيليِّ في روايةٍ
مُنقَطِعةٍ، قال: والله يجزي به.

٣٠٠
باب ٣٠ / ح ٤١٢٩ - ٤١٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
٤١٢٩ - حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن يَزِيدَ بنِ رُومانَ، عن صالحِ بنِ خَوّاتٍ،
عَمَّن شَهِدَ مع رسولَ اللهَ وَّهِ يومَ ذات الرّقاع صلاةَ الخوفِ: أنَّ طائفةً صَفَّت معه وطائفةٌ
وِجاهَ العَدِّ، فصَلَّ بالتي معه رَكْعةً، ثمَّ ثَبَتَ قائماً، وأتمّوا لأنفُسِهِم، ثمَّ انصَرَفُوا فصَقُّوا وِجاهَ
العَدوِّ، وجاءتِ الطّائفةُ الأُخرَى فصَلَّى بهمُ الرَّكْعَةَ التي بَقِيَت من صَلاته، ثمَّ ثَبَتَ جالساً،
وأتمُّوا لأَنفُسِهم، ثمَّ سَلَّمَ بهم.
قال مالكٌ: وذلكَ أحسنُ ما سمعتُ في صلاةِ الخوفِ.
٤١٣٠- وقال معاذٌ: حدَّثنا هشامٌ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، قال: كنَّا معَ النبيِّ وََّ بِنَخْلِ ...
فذکر صلاةَ الخوفِ.
تابَعَه اللَّيثُ، عن هشام، عن زيدِ بنِ أسلَمَ: أنَّ القاسمَ بنَ محمَّدٍ حدَّثه: صَلَّى النبيُّ ◌َلّ في
غَزْوةٍ بني أنْمارٍ.
٤٢٢/٧
٤١٣١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن يحيى، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن صالحٍ بنِ
خَوّاتٍ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، قال: يقومُ الإمامُ مُستَقِلَ القِبْلِةِ، وطائفةٌ منهم معه، وطائفةٌ
من قِبَلِ العَدِّ، وجوهُهم إلى العَدِّ، فيُصلِّ بالَّذِينَ معه رَكْعَةً، ثمَّ يقومونَ فيَرَكَعونَ لأنفُسِهم
رَكْعَةً، ويَسجُدونَ سَجْدتَينِ في مكانهم، ثمَّ يذهبُ هؤُلاءِ إلى مَقامِ أولئكَ، فَيَجِيءُ أولئكَ،
فيَركَعُ بهم رَكْعَةٌ، فله ثِنْتان، ثمَّ يَرْكَعونَ ويَسجُدونَ سَجْدتَينِ.
حدَّثنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن صالحٍ
ابنِ خَوّاتٍ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، عن النبيِّ وَِّ، مثلَه.
حدَّثني محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله، قال: حدَّثني ابنُ أبي حازِمٍ، عن يحيى، سمعَ القاسمَ، أخبرني
صالِحُ بِنُ خَوّاتٍ، عن سَهْلٍ، حدَّثه ... قولَه.
٤١٣٢ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني سالمٌ، أنَّ ابنَ عمرَ
رضي الله عنهما قال: غَزَوْتُ معَ رسولِ اللهِوَّهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فوازَينا العَدوَّ، فصافَفْنا لهم.
٤١٣٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثْنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم بنِ