Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ باب ٤٦ / ح ٣٩٢٦ أبواب المبعث قوله: ((يَرفَع عَقِيرتَه)) أي: صوته بيكاءٍ أو بغِناءِ، قال الأصمعيّ: أصله أنَّ رجلاً انعَقَرَت رِجِلُهُ فَرَفَعَها على الأُخرَى وجَعَلَ يصيح، فصارَ كلّ مَن رَفَعَ صوته يقال: رَفَعَ عَقيرَته، وإن لم يَرفَعْ رِجلَه. قال ثَعلَب: وهذا من الأسماء التي استُعمِلَت على غير أصلها. قوله: «بوادٍ» أي: بوادي مگَّة. قوله: ((وجلیل» باجیم: نبتٌ ضعیف ◌ُشَی به خصاص البيوت وغيرها. قوله: «میاه مجنّة)) بالجیم موضع على أميال من مگّة و کان به سوق، تقدَّم بيانه في أوائل الحجّ(١). وقوله: «یَبدُوَنْ)) أي: يَظهَر. و((شامة)) و((طَفيل)): جبلان بقُرب مكَّة، وقال الخطَّبيُّ: كنت أحسِب أنَّهما جَبَلان حتَّى ثبت عندي أُنَّهما عَینان. وقوله: ((أَرِدَنْ)) و((أَبْدُوَنْ)) بنون التأكيد الخفيفة، و((شامة)) بالمعجَمة والميم مُفَّفاً، وزَعَمَ بعضهم أنَّ الصواب بالموحّدة بَدَل الميم والمعروف بالميم، وزاد المصنّف آخِر كتاب الحجّ (١٨٨٩) من طريق أبي أُسامة عن هشام، به: ثُمَّ يقول بلال: اللهمَّ العن عُتبة بن ربيعة وشَيْبة بن ربيعة وأُميَّة بن خَلَف كما أخرَجونا إلى أرض الوَباء، ثمّ قال رسول الله وَلّه: ((اللهمَّ حَبِّب إلينا المدينة)) الحديث. وقوله: ((كما أخرَجونا)) أي: أخرِجْهم من رَحَتَك كما أخرَجُونا من وَطَننا، وزاد ابن إسحاق(٢) في روايته عن هشام وعبد الله بن عُرْوة جميعاً عن عُرْوة عن عائشة عَقِبَ قول أبيها: فقلت: والله ما يَدري أبي ما يقول، قالت: ثُمَّ دَنَوت إلى عامر بن فُهَيرة - وذلك قبل (١) في باب (١٥٠): التجارة أيام الموسم. (٢) ومن طريقه أخرجه ابن هشام في ((السيرة النبوية)) ١/ ٥٨٨-٥٨٩، ورواية عبد الله بن عروة أخرجها أحمد في «المسند» (٢٤٣٦٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٤٧٧) بنحو رواية ابن إسحاق وليس عندهما في آخره قول عائشة: ((يا رسول الله، إنهم ليهذون ... )). وقوله في البيت الثاني: ((مجاهدٌ بطَوْقه) أي: أقصى غايته، والمراد: أن كل امرئ مكلّف ما أطاق، وقوله: «برَوْقه)) أي: قرنه. ٥٠٢ باب ٤٦ / ح ٣٩٢٧ فتح الباري بشرح البخاري أن يُضْرَبَ علينا الحِجاب - فقلت: كيف تَجِدُك يا عامر؟ فقال: لقد وَجدتُ الموتَ قبل ذَوقهِ إِنَّ الجبان حَتْفُه مِنْ فَوقِهِ كلُّ امرِئٍ مجاهدٌ بطَوقِهِ كالثَّورِ يَجِمي جِسمَه بَرَوْقِهِ وقالت في آخره: فقلت: يا رسول الله، إنَّهم لَيَهذونَ وما يَعْقِلونَ من شِدّة الْحُمَّى. والزّيادة في قول عامر بن فُهَيرة رواها مالك أيضاً في ((الموطأ)) (٨٩١/٢) عن يحيى بن سعيد عن عائشة مُنقَطِعاً، وسيأتي بقيّة ما يتعلَّق بهذا الحديث في كتاب الدَّعَوات(١) إن شاء الله تعالى، وقد تقدَّم في الباب الذي قبله من حديث البراء (٣٩١٨): أنَّ عائشة أيضاً وعَكَت، وكان أبو بكر يدخل عليها، وكان وصول عائشة إلى المدينة مع آلِ أبي بكر، هاجَرَ بهم أخوها عبد الله، وخرج زيد بن حارثة وأبو رافع ببنتَي النبيّ وَ ل فاطمة وأُمّ كُلثوم وأُسامة بن زيد وأُمُّه أمِّ أيمَن وسودة بنت زمعة، وكانت رُقيَّة بنت النبيّ ◌َّ﴿ سَبَقَت مع زوجها عثمان، وأخرجت زينب وهي الكُبرَى عند زوجها أبي العاص بن الرَّبيع. ٣٩٢٧- حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، حدَّثني عُزْوةُ، أنَّ عُبيد الله بنَ عَدِيٍّ أخبَرَه: دَخَلْتُ على عُثْمانَ. ح وقال بِشرُ بنُ شُعَيْبٍ: حدَّثني أبي، عن الزُّهْريِّ، حدَّثني عُزْوةُ بنُ الزُّبيِرِ: أنَّ عُبيد الله بنَ عَدِيٍّ بنِ الخِيارِ أخبَرَه قال: دَخَلْتُ على عُثْمَانَ فَتَشَهَّدَ، ثمَّ قال: أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ الله بَعَثَ محمَّداً وَّهِ بالحقِّ، وكنتُ ثَمَّنِ اسْتَجابَ الله ولِرسولِه، وآمَنَ بما بُعِثَ به محمَّدٌ وَّةِ، ثمَّ هاجَرْتُ هِجْرَتَيْنٍ، ونِلْتُ صِهْرَ رسولِ الله ◌ِّ﴾ وبايعتُهُ، فوالله ما عَصَيتُهُ ولا غَشَشْتُهُ حتَّى تَوَفّاه الله. تابَعَه إسحاقُ الكَلْبِيُّ، حدَّثني الزُّهْريّ ... مِثلَه. ٣٩٢٨- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثني ابنُ وَهْب، حدَّثنا مالكٌ. (ح) وأخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أخبَرَه: أنَّ عبد الرَّحمن بنَ عَوْفٍ رَجَعَ إلى أهلِهِ وهو بمِنَّى في آخِرِ حَجّةٍ حَجَّها عمرُ، فَوَجَدَني، فقال عبدُ الرَّحمن فقلتُ: ٢٦٤/٧ (١) عند باب الدعاء برفع الوباء والوجع، الحديث (٦٣٧٢). ٥٠٣ باب ٤٦ / ح ٣٩٢٧ -٣٩٣١ أبواب المبعث يا أميرَ المؤمنينَ، إِنَّ المَوْسِمَ يَجِمَعُ رَعاعَ الناسِ وغَوْغاءَهُم، وإنّ أَرَى أن تُمْهِلَ حتَّى تَقْدَمَ المدينةَ، فإنَّها دارُ الهِجْرةِ والسُّنّةِ والسَّلامَةِ، وتَخلُصَ لأهلِ الفِقْهِ، وأشرافِ الناسِ، وذَوي رأيِهِمْ، قال عمرُ: لأقومَنَّ في أوَّلِ مقامٍ أقومُه بالمدينةِ. ٣٩٢٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، أخبرنا ابنُ شِهاب، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ: أنَّ أَّ العلاءِ، امرأةً من نسائهم، بايعَتِ النبيَّ ◌َ أخبَرَتْه: أنَّ عُثْمانَ ابنَ مَظْعونٍ طارَ لهم في السُّكْنَى حينَ قَرَعَتِ الأنصارُ على سُكنَى المهاجِرِينَ، قالت أمُّ العلاءِ: فاشتَكَى عُثْمانُ عندَنا، فمرَّضْتُهُ حتَّى تؤُفِّ، وَجَعَلْناه في أثْوابه، فدَخَلَ علينا النبيُّ ◌َّةِ، فقلتُ: رحمةُ الله عليكَ أبا السائبِ، شهادتي عليكَ لقد أكرَمَكَ الله، فقال النبيُّ ◌َ: ((وما يُدْرِيكِ أنَّ الله أكرَمَه؟)) قالت: قلتُ: لا أدري، بأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ الله، فمَنْ؟ قال: ((أمَّا هو فقد جاءَه والله اليقينُ، والله إنّ لَأرجو له الخيرَ، وما أدري والله وأنا رسولُ الله ما يُفْعَلُ بي؟)) قالت: فوالله لا أُزَكّي أحداً بعدَه، قالت: فأحزَنَني ذلكَ، فَنِمْتُ فرأيتُ لِعُثْمَانَ عَيناً تَجْرِي، فحِثْتُ رسولَ الله وَّةِ، فأخبَرْتُه، فقال: ((ذلكِ عَمَلُه)). ٣٩٣٠ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان يومُ بُعاثٍ يوماً قَدَّمَه الله عزَّ وجلَّ لِرسولِهِ وَّةِ، فَقَدِمَ رسولُ الله وَّ المدينةَ وقَدِ افتَرَقَ مَلَؤُّهمْ، وقُتِلَت سَراتُهم في دُخولِم في الإسلامِ. ٣٩٣١- حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ: أَنَّ أبا بَكْرٍ دَخَلَ عليها والنبيُّ ◌َ ﴿ِعندَها يومَ فِطْرٍ أو أضْحَى، وعندَها قَيْتَتَان تُغَنِّان بما تَعازَفَتِ الأنصارُ يومَ بُعاثٍ، فقال أبو بَكْرٍ: مِزْمارُ الشَّیطان! مرَّتَينِ، فقال النبيُّ ێ: ((دَعْھما یا أبا بَكْرٍ، إنَّ لكلِّ قومٍ عِيداً، وإنَّ عِيدَنا هذا اليومُ)). الحديث الثالث: قوله: «حدّثنا هشام)) هو ابن یوسف الصَّنعانيّ، ذکر حدیث عثمان في شأن الوليد بن عُقْبة، وقد تقدَّم شرحه في مناقب عثمان مُستَوفَّى (٣٦٩٦)، والغرض منه قوله: ((وهاجَرْتُ ٥٠٤ باب ٤٦ / ح ٣٩٢٧ -٣٩٣١ فتح الباري بشرح البخاري الهجرتَينِ))، وكان عثمان ممَّن رَجَعَ من الحبشة، فهاجَرَ من مكَّة إلى المدينة ومعه زوجته رُقيَّة بنت النبيّ وَ لِ﴾. ٢٦٥/٧ قوله: ((وقال بشر بن شُعَيب ... )) إلى آخره، وَصَلَه أحمد بن / حَنْبَل في ((مُسنَده)) (٤٨٠) عنه بتمامه. قوله: ((تابَعَه إسحاق الكَلْبِيّ)) وَصَلَه أبو بكر بن شاذان فيما روِّيناه من طريقه بإسناده إلى يحيى بن صالح عن إسحاق الكَلْبيّ عن الزُّهْرِيِّ، فذكره بتمامه وفيه: أنَّه جَلَدَ الوليدَ أربعين، وقد تقدّم البحث في ذلك في مناقب عثمان. الحديث الرابع: ذكر طَرَفاً من قِصّة عبد الرحمن بن عَوْف مع عمر، وفيه خُطبة عمر، والغرض منه قول عبد الرحمن حتَّى تَقْدَمَ المدينة، فإنَّهَا دار الهجرة والسُّنّة، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((والسَّلامة)) بَدَل: السُّنّة. الحديث الخامس: قوله: ((أنَّ أمّ العلاء» هي والدة خارجة بن زيد بن ثابت الراوي عنها، وقد روى سالم أبو النَّضر هذا الحديث عن خارجة بن زيد عن أمّه نحوه ولم يُسمِّ هذه، فكأنَّ اسمَها كُنْتُها، وهي بنت الحارث بن ثابت بن خارجة الأنصاريَّة الخَزْرَجيَّة. قوله: ((طارَ لهم) أي: خرج في القُرعة لهم، وتقدَّم بيانه آخِرِ الشَّهادات (٢٦٨٧). قوله: ((حين قَرَعَت)) بالقاف، كذا وَقَعَ ثُلاثيّاً، والمعروف: أقرَعَت، من الرُّباعيّ، وتقدَّم في الجنائز(١) بلفظ: اقتَرَعَت. قوله: ((أبا السائب)) هي كُنْية عثمان بن مظعون المذكور، وكان عثمان من فُضَلاء الصحابة (١) برقم (١٢٤٣) ولفظه هناك: ((اقتسم المهاجرون قُرعةً))، ولفظ ((اقترعت)) إنما وقع في حديث هذا الباب في غير رواية أبي ذرِّ الهروي، وفي كتاب التعبير برقم (٧٠١٨). ٥٠٥ باب ٤٦ / ح ٣٩٣٢ أبواب المبعث السابقين، وقد تقدَّم خَبَرَه مع لَبيدٍ في أوَّل المبعَث(١). الحديث السادس: قوله: ((كان يوم بُعاث)) تقدَّم بيانه في مناقب الأنصار (٣٧٧٧)، ووَقَعَ عند أبي سعد (٢) في قِصّة العَقَبة الأولى ما يدلّ على أنَّ يوم بُعاث كان بعد المبعَث بعشرٍ سِنين، وتقدّم نحوه في («باب وُفود الأنصار))(٣). وقوله: ((في دخولهم)) مُتعلِّق بقوله: قَدَّمَه الله. الحديث السابع: قوله: ((بما تَعازَفَت)) بالمهمَلة والزّاي، أي: قالته من الأشعار في هِجاء بعضهم بعضاً وألقَته على المغَنّيات فغَنَّين به، والمعازف: آلات الملاهي الواحدة مِعزَفة، وقال الخطَّابيُّ: يحتمل أن يكون من عَزْف اللَّهْو: وهو ضرب المعازف على تلك الأشعار المحَرِّضة على القتال، ويحتمل أن يكون المراد بالعَزفِ: أصوات الحرب، شَبَّهَها بعَزِيفِ الرّياح وهو ما يُسمَع من دَويُّها، وفي رواية: (تَقاذَفَت)) بالقاف والذّال المعجَمة، أي: تَرامَت به. الحديث الثامن: ٢٦٦/٧ ٣٩٣٢- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدّثنا عبدُ الوارثِ. ح وحدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا عبدُ الصَّمَد، قال: سمعتُ أبي يُحدِّثُ، حَدَّثنا أبو التَّح ◌َزِيدُ بنُ مُميدِ الضُّبَعِيُّ، قال: حدَّثني أنسُ ابنُ مالكٍ ◌ُ، قال: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ وَّهِ المدينةَ نزلَ في عُلْوِ المدينةِ، في حَيٍّ يقال لهمْ: بنو عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، قال: فأقامَ فيهم أربعَ عَشْرَةَ ليلةً، ثمَّ أرسَلَ إلى مَلإِ بني النَّجّار، قال: فَجاؤوا مُتَقَدِّدي سُيوفِهِمْ، قال: وكأنِّي أَنظُرُ إلى رسولِ الله وََّ على راحلَتِهِ وأبو بَكْرِ رِدْفَه، ومَلأُ بني (١) في شرح الحديث (٣٨٤١)، وهو في باب (٢٦) أيام الجاهلية. (٢) تحرفت في الأصلين إلى: أبي سعيد، وفي (س) إلى ابن سعد، وإنما هو أبو سعد النيسابوري صاحب كتاب («شرف المصطفى))، وقد قدّمنا التنبيه على ذلك مراراً. (٣) رقم الباب (٤٣) من هذا الكتاب. ٥٠٦ باب ٤٦ / ح ٣٩٣٢ فتح الباري بشرح البخاري النَّجّارِ حَوْلَهِ، حتَّى ألقَى بفِناءِ أبي أيوبَ، قال: فكان يُصلِّ حَيثُ أدْرَ كَتْهِ الصَّلاةُ، ويُصلِّ في مَرابضِ الغَنَمِ، قال: ثمَّ إِنَّه أمَرَ ببناءِ المسجدِ، فأرسَلَ إلى مَلأٍ بني النَّجّار، فَجاؤوا فقال: ((يا بني النَّجّار، ثامِنُوني بحائِطكُم هذا)) فقالوا: لا والله، لا نَطْلُبُ ثَمَنَه إلا إلى الله، قال: فكان فيه ما أقولُ لُمْ، كانت فيه قُبُورُ المشْرِكِينَ، وكانت فيه خِرَبٌ، وكان فيه نَخْلٌ، فأمَرَ رسولُ اللهِ وَ بقُبُورِ المشركينَ فُتُبِشَتْ، وبالِرَبٍ فسُوِّيَتْ، وبالنَّخْلِ فَقُطِعَ، قال: فصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المسجدِ، قال: وجَعَلوا عِضادَتَيهِ حجارةً، قال: جَعَلوا يَنقُلونَ ذاكَ الصَّخْرَ، وهم يَرَّْجِزِونَ ورسولُ الله معهم یقولون: اللّهمَّ إِنَّه لا خيرَ إلا خيرُ الآخِرَهُ فانصُرِ الأنصارَ والمهاجِرَةْ قوله: «أخبرنا عبد الصمد» هو ابن عبد الوارث بن سعید. قوله: ((في عُلْو المدينة)) كلّ ما في جهة نَجد يُسَمَّى العاليَة، وما في جهة تهامة يُسَمَّی السافلة، وقُباء من عَوالي المدينة، وأُخِذَ من نزول النبيّ ◌َّهِ التفاؤُل له ولدينِهِ بالعُلُوِّ. قوله: ((يقال لهم: بنو عَمْرو بن عَوْف)) أي: ابن مالك بن الأسوَد بن حارثة. قوله: ((وأبو بكر رِدْفَه)) تقدَّم ما فيه في الباب الذي قبله في الحديث الثامن عشر (٣٩١١). قوله: ((ومَلَأُ بني النَّجّار)) أي: جماعتهم. قوله: ((حتَّى ألقَى)) أي: نزلَ، أو المراد ألقَى رَحْلَه. قوله: ((بفِناءِ) بكسر الفاء وبالمدِّ: ما امتَدَّ من جَوانب الدّار. قوله: ((أبي أيوب)) هو خالد بن زيد بن كُلَيب الأنصاريّ من بني مالك بن النَّجّار. قوله: (ثُمَّ إِنَّه أمُرَ)) تقدَّم ضبطه في أوائل الصلاة (٤٢٨). قوله: ((ثامِنُوني)) أي: قَرِّروا مَعي ثَمَنه، أو ساوِموني بِثَمَنِهِ، تقول: ثامَنْت الرجل في كذا: إذا ساومته. قوله: ((بحائطِكُم)) أي: بُستانكم، وقد تقدَّم في الباب قبله (٣٩٠٥): أنَّه كان مِربَداً، فلعلَّه كان أوَّلاً حائطاً ثمَّ خَرِبَ فصارَ مِربَداً، ويُؤيِّده قوله: إنَّه كان فيه نَخل وخِرَبٌ، ٥٠٧ باب ٤٦ / ح ٣٩٣٢ أبواب المبعث وقيل: كان بعضه بستاناً وبعضه مِربَداً، وقد تقدَّم في الباب الذي قبله تَسميةٌ صاحبي المكان المذكور، ووَقَعَ عند موسى بن عُقْبة عن الزُّهْريِّ: أنَّه اشتَراه منهما بعشرة دنانير، وزاد الواقديّ: أنَّ أبا بكر دَفَعَها لهما عنه. قوله: «فکان فیه» فَسَّرَه بعد ذلك. قوله: ((خِرَب)) بكسر المعجَمة وفتح الراء والموخَّدة، وتقدَّم توجيهٌ آخرُ في أوائل الصلاة (٤٢٨) بفتح أوَّله وكسر ثانِيهِ، قال الخطَّبيُّ: أكثر الرُّواة بالفتح ثمَّ الكسر، وحدَّثَناه الخَيّام بالكسر ثمَّ الفتح، ثمَّ حَكَى احتمالات: منها الخُرْب بضمٍّ أوَّله وسكون ثانيه، قال: هي الخُروق المستديرة في الأرض، والجِرَف بكسر الجيم وفتح الراء بعدها فاء: ما تَجُرُفه السُّيول وتأكُله من الأرض، والحَدَب بالمهمَلة وبالدّال المهمَلة أيضاً: المرتَفِع من الأرض، قال: وهذا لائقٌ بقوله: ((فسُوِّيَت)) لأنَّه إنَّما يُسوَّى المكان المُحدَوْدِب، وكذا الذي جَرَفَته السُّيول، وأمَّا الْخَرَاب فيُبنَى ويُعمَر دون أن يُصلَح وُسوَّى. قلت: وما المانع من تسوية الخَراب بأن يُزال ما بَقيَ منه ويُسوَّى أرضه، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرِّواية الصحيحة. قوله: ((فأمَرَ رسول الله ◌َله بِقُبُورِ المشركين فنُبشَت)) قال ابن بَطّال: لم أجِد في نَبش قُبُور المشركين لتُتَّخَذ مسجداً نَصّاً عن أحدٍ من العلماء، نعم اختَلَفوا هل تُنْبَش لطَلَب المال؟ فأجازَه الجمهور ومَنَعَه الأوزاعيّ، وهذا الحديث حُجّة للجواز، لأنَّ المشرِك لا حُرمةَ له حَيّاً ولا ميِّاً، وقد تقدَّم في المساجد (٤٢٨) البحث فيما يتعلَّق بها. قوله: ((وبالنَّخلِ فقُطِعَ)) هو محمولٌ على أنَّه لم يكن يُثمِر، ويحتمل أن يُثمِر لكن دَعَت الحاجة إليه لذلك. وقوله: ((فصَفُّوا النَّخل)) أي: موضع النَّخل. وقوله: ((عِضادَتَيهِ)) بكسر المهملة وتخفيف المعجمة تثنية عِضادة: وهي الخشبة التي على ٥٠٨ باب ٤٧ / ح ٣٩٣٣ فتح الباري بشرح البخاري كَتِفِ الباب، ولكلِّ باب عِضادَتان، وأعضاد كلّ شيء: ما يَشُدُّ جَوانبه. قوله: ((يَرْتَجِزونَ)) أي: يقولون رَجَزاً، وهو ضَرْبٌ من الشِّعر على الصحيح. قوله: «فانصُر الأنصار والمهاجرة)» كذا رواه أبو داود (٤٥٣) بهذا اللَّفظ، وسَبَقَ ما فيه في أبواب المساجد (٤٢٨)، واحتَجَّ مَن أجازَ بيع غير المالك بهذه القِصّة، لأنَّ المساوَمة وَقَعَت من غير الغلامَينِ، وأُجيبَ باحتمال أنَّهما كانا من بني النَّجّار فساوَمَهما وأشرَكَ معهما في المساومة عَمَّهما الذي كانا في حِجْره كما تقدَّم في الحديث الثاني عشر (٣٩٠٥). ٤٧- باب إقامة المهاچِر بمكّة بعد قضاء نُسُكِهِ ٢٦٧/٧ ٣٩٣٣- حدَّثني إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا حاتمٌّ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ مُميدِ الزُّهْرِيِّ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يَسْألُ السائبَ ابنَ أُخْتِ النَّمِرِ: ما سمعتَ في سُكْنَى مكََّ؟ قال: سمعتُ العلاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ، قال: قال رسولُ الله ◌ِ: ((ثلاثٌ للمُهاجِرِ بعدَ الصَّدَرِ)). قوله: ((باب إقامة المهاجر بمكَّة بعد قَضاء نُسُكه)) أي: من حَجِّ أو عمرة. قوله: ((حدَّثنا حاتم)» هو ابن إسماعيل المدنيّ. قوله: ((سمعت عمرَ بن عبد العزيز يسأل السائب)» أي: ابن یزید. قوله: ((ابن أُخت النَّمِر)) تقدَّم ذِكْره قريباً في المناقب النّبويّة (٣٥٤١). قوله: ((العلاء بن الحَضرَميّ)) اسمه عبد الله بن عِماد، وكان حَليف بني أُميَّة، وكان العلاء صحابيّاً جَليلاً، ولّاه النبيّ وَّ البحرَينِ، وكان مجابَ الدَّعوة، وماتَ في خلافة عمر، وما له في البخاريّ إلّا هذا الحديث. قوله: ((ثلاث للمُهاجرِ بعد الصَّدَر)) بفتح المهمَلَتَينِ، أي: بعد الرُّجوع من مِنِّى. وفِقْهُ هذا الحديث أنَّ الإقامة بمكَّة كانت حَراماً على مَن هاجَرَ منها قبلَ الفتح، لكن أُبِيحَ لمن قَصَدَها منهم بحَجِّ أو عُمْرة أن يُقيم بعد قضاء نُسُكه ثلاثةَ أيام لا يزيد عليها، ٥٠٩ باب ٤٨ / ج ٠٣٩٣٤ ٠. أبواب المبعث وبهذا رَفَى النبيّ ◌َّ لسعدِ ابن خَوْلة أن ماتَ بمكَّة، ويُستَنَبَط من ذلك أنَّ إقامة ثلاثة أيام لا تُخرِج صاحبها عن حُكم المسافر، وفي کلام الداووديّ اختصاص ذلك بالمهاجرين الأوَّلين، ولا معنى لتقييدِه بالأوَّلین. قال النَّوَويّ: معنى هذا الحديث أنَّ الذين هاجروا تَجِرُم عليهم استیطانُ مگّة، وحَگی عياض أنَّه قول الجمهور، قال: وأجازَه لهم جماعة، يعني: بعد الفتح، فحَمَلوا هذا القول على الَّمَن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه، قال: واتَّفَقَ الجميع على أنَّ الهجرة قبلَ الفتح كانت واجبةً عليهم، وأنَّ سُكنَى المدينة كان واجباً لنُصرة النبيّ وَّهِ ومواساتِهِ بالنَّفْسِ، وأمَّا غیر المهاجرین فیجوز له سُكنَی أيِّ بَلَد أراد، سواءٌ مگّة وغیرُها بالاتّفاق. انتهى كلام القاضي، ويُستَنَى من ذلك مَن أذِنَ له النبيّ وَلّ بالإقامة في غير المدينة. واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ طَواف الوداع عبادةٌ مُستَقِلّة ليست من مناسك الحجّ، وهو أصحّ الوجهَينِ في المذهَب، لقولِه في هذا الحديث: ((بعد قَضاء نُسُكه))، لأنَّ طَواف الوداع لا إقامةَ بعدَه، ومَتَّى أقامَ بعدَه خرج عن كَونِه طواف الوداع، وقد سَمّاه قبلَه قاضياً لمناسكِهِ، فخرج طَوافُ الوداع عن أن يكون من مناسك الحجّ، والله أعلم. وقال القُرطُبيُّ: المراد بهذا الحديث: مَن هاجَرَ من مكَّة إلى المدينةِ لنَصرِ النبيِّ يٍَّ ولا يعني به مَن هاجَرَ من غيرها، لأنَّه خرج جواباً عن سؤالهم لمَا تَحرَّ جوا من الإقامة بمگَّة إذ كانوا قد تَرَكوها لله تعالى، فأجابَهم بذلك، وأعلَمَهم أنَّ إقامة الثلاث ليس بإقامةٍ، قال: والخلاف الذي أشارَ إليه عياض كان فيمَن مَضَى، وهل ينبني عليه خلافٌ فيمَن فَّ بدينه من موضعٍ يَخاف أن يُقْتَن فيه في دِينِهِ، فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يُمكِّن أن يقال: إنْ كان تَرَكَها لله كما فعَلَه المهاجرونَ فليس له أن يَرجِع لشيءٍ من ذلك، وإن كان تَرَكَها فِراراً بدينِه لَيَسلَمَ له ولم يَقصِدْ إلى تركها لذاتها فله الرُّجوعُ إلى ذلك. انتَهَى، وهو حَسَنٌ مُتَّجِهٌ، إلّا أنَّه خَصَّ ذلك بمَن تَرَكَ رِباعاً أو دُوراً، ولا حاجة إلى تخصيص المسألة بذلك، والله أعلم. ٥١٠ باب ٤٨ / ح ٣٩٣٤-٣٩٣٥ فتح الباري بشرح البخاري ٤٨ - باب التاريخ، مِن أين أرَّخُوا التاريخَ؟ ٣٩٣٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أبيه، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: ما عَدُّوا من مَبْعَثِ النبيِّوَّرُ ولا من وَفاتِهِ، ما عَدُّوا إلا من مَقْدَمِه المدينةَ. ٣٩٣٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيِعٍ، حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: قالت: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكَعَتَينِ، ثمَّ هَاجَرَ النبيُّ وَّهِ فَقُرِضَت أربعاً، وتُرِكَت صلاةُ السَّفَرِ على الأُولَى. تابَعَه عبدُ الرَّزّاق، عن مَعْمَرٍ. ٢٦٨/٧ قوله: ((باب التاريخ)) قال الجَوْهريّ: التاريخ تعريفُ الوقت، والتَّوريخ مثلُه، تقول: أرَّخت ووَرَّخت. وقيل: اشتقاقه من الأَرْخِ: وهو الأُنثَى من بَقَر الوَحْش، كأنَّه شيءٌ حَدَثَ كما يَحدُث الولد، وقيل: هو مُعرَّب، ويقال: أوَّل ما أحدث التاريخ من الطّوفان. قوله: «من أین أُرَّخوا التاریخَ؟» کأنَّه یشیر إلى اختلاف في ذلك، وقد روی الحاکم في ((الإكليل)) من طريق ابن جُريج عن أبي سَلَمة عن ابن شِهاب الزُّهْرِيِّ: أنَّ النبيَّ وَِّ لمَّا قَدِمَ المدينة أمَرَ بالتاريخِ فَكُتِبَ في رَبيع الأوَّل، وهذا مُعضَل، والمشهور خلافُه كما سيأتي، وأنَّ ذلك كان في خلافة عمر. وأفادَ السُّهَيلِيّ: أنَّ الصحابة أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ [التوبة: ١٠٨]، لأنَّه من المعلوم أنَّه ليس أوَّلَ الأيام مُطلَقاً، فتَعيَّنَ أنَّه أُضيفَ إلى شيء مُضمَر، وهو أوَّل الَّمَن الذي عَّ فيه الإسلامِ، وعَبَدَ فيه النبيُّوَّهِ رَبَّه آمِناً، وابتَدَأ بناءَ المسجد، فوافقَ رأيُ الصحابة ابتداءَ التاريخ من ذلك اليومِ، وفَهِمنا من فِعلهم أنَّ قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أنَّه أوَّل أيام التاريخ الإسلاميّ، كذا قال، والمتبادَر أنَّ معنى قوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي: دَخَلَ فيه النبيُّ ◌َّهِ وأصحابُه المدينة، والله أعلم. قوله: «حدّثنا عبد العزیز)) أي: ابن أبي حازم سَلَمة بن دينار. ٥١١ باب ٤٨ / ح ٣٩٣٥ أبواب المبعث قوله: ((ما عَدُّوا من مَبعَث النبيّ وَّ)) في رواية الحاكم(١) من طريق مُصعب الزُّبَيريّ عن عبد العزيز: أخطأ الناس العدد، ولم يَعُدّوا من مَبعَئه ولا من قُدومه المدينة، وإنَّما عَدُّوا من وفاته. قال الحاكم: وهو وَهْمٌ، ثمَّ ساقَه على الصواب بلفظ: ولا من وفاته، إنَّما عَدّوا من مَقْدَمِه المدينة. والمراد بقوله: ((أخطَأ الناس العَدَدَ)) أي: أغفَلوه وتَرَكوه ثمَّ استَدرَكوه، ولم يُرِد أنَّ الصواب خلاف ما عَمِلوا. ويحتمل أن يريده وكان يرى أنَّ البِداءة من المبعَث أو الوفاة أولَى، وله اتّجاه لكنَّ الراجح خلافه، والله أعلم. قوله: ((مَقدمه)) أي: زمن قُدومه، ولم يُرِد شهر قُدومه، لأنَّ التاريخ إنَّمَا وَقَعَ من أوَّل السَّنة. وقد أبدَى بعضهم للبِداءة بالهجرة مُناسَبة فقال: كانت القضايا التي اتُّفِقَت له ويُمكِن أن يُؤَرَّخ بها أربعة: مَولِده ومَبعَثه وهِجرَته ووَفاته، فَرَجَحَ عندهم جَعلها من الهجرة، لأنَّ المولِد والمبعَث لا يخلو واحد منهما من النِّراع في تعيين السَّنة. وأمَّا وقت الوفاة فأعرَضوا عنه لمَا تُوُقُّعَ بذِكْره من الأسَف عليه، فانحَصَرَ في الهجرة، وإنَّمَا أَخَّروه من ربيع الأوَّل إلى المحَرَّم، لأنَّ ابتداء العَزْم على الهجرة كان في المحَرَّم، إذ البيعة وقَعَت في أثناء ذي الحِجّة وهي مُقدِّمة الهجرة، فكان أوَّلَ هلال استَهَلَّ بعد البيعة والعَزْم على الهجرة هلالُ المحرَّم، فناسَبَ أن يُجُعَل مُبتَدَأً، وهذا أقوى ما وَقفتُ عليه من مُناسَبة الابتداء بالمحَزَّمِ. وذكروا في سبب عمل عمرَ التاريخَ أشياءً: منها ما أخرجه أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين في ((تاريخه)) ومن طريقه الحاكم من طريق الشَّعبيّ: أنَّ أبا موسى كَتَبَ إلى عمر: إنَّه يأتينا مِنك كتب ليس لها تاريخ، فجَمع عمرُ الناس، فقال بعضهم: أرِّخ بالمبعَثِ، وبعضهم: أرِّخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرَّقَت بين الحقّ والباطِل فأرِّخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة. فلمَّا اتَّفَقوا قال بعضهم: ابدؤوا برمضان، فقال عمر: بل بالمحَرَّمِ، فإنَّه مُنصَرَف (١) هذا في كتابه ((الإكليل)) الذي قدّم ذكره قريباً، وأخرج نحوه في ((المستدرك)» ١٣/٣ لكن عن أبي معمر إسماعيل ابن إبراهيم الهذلي عن عبد العزيز بن أبي حازم. ٥١٢ باب ٤٨ / ح ٣٩٣٥ فتح الباري بشرح البخاري الناس من حَجّهم، فاتَّفَقوا عليه(١). وقيل: أوَّل مَن أَرَّخَ التاريخ يَعْلى بن أُميَّة حيثُ كان باليمن، أخرجه أحمد بن حَنبَل(٢) بإسنادٍ صحيح، لكن فيه انقطاع بين عَمْرو بن دينار ويَعْلى، وروى أحمد(٣) وأبو عَرُوبة في ((الأوائل)) (١٢٧) والبخاريّ في ((الأدب)) والحاكم من طريق ميمون بن مِهْران قال: رُفِعَ لعمر صَكٌّ مَحِلّه شَعْبان فقال: أيُّ شعبان، الماضي أو الذي نحنُ فيه، أو الآتي؟ ضَعُوا للناس شيئاً يَعرِفونَه، فذكر نحوَ الأوَّل. وروى الحاكم (١٤/٣) عن سعيد بن المسيّب قال: جمعَ عمرُ الناس فسألهَم عن أوَّل ٢٦٩/٧ يوم يَكتُب التاريخ، / فقال عليٌّ: من يوم هاجَرَ رسول الله وَله وتَرَك أرض الشِّرك، ففَعَلَه عمر. وروى ابن أبي خيثمةَ من طريق ابن سِيرِين قال: قَدِمَ رجل من اليمن فقال: رأيت باليمن شيئاً يُسَمّونَه التاريخ يَكتُبُونَه من عام كذا وشهر كذا، فقال عمر: هذا حَسَن فأرِّخوا، فلمَّا جَمَع على ذلك قال قوم: أرّخوا للمَولِد، وقال قائلٌ: للمَبعَثِ، وقال قائلٌ: من حين خرج مهاجراً، وقال قائل: من حين تولّي، فقال عمر: أرخوا من خُروجه من مكَّة إلى المدينة. ثمَّ قال: بأيِّ شهر نَبدَأ؟ فقال قوم: من رَجَب، وقال قائلٌ: من رَمَضان، فقال عثمان: أرِّخوا المحَرَّم، فإنَّه شهرٌ حرام وهو أوَّل السَّنة ومُنصَرَفُ الناس من الحجّ، قال: وكان ذلك سنة سبعَ عشرةَ - وقيل: سنة ستَّ عشرةَ - في ربيع الأوَّل، فاستَفَدنا من مجموع هذه الآثار: أنَّ الذي أشارَ بالمحَرَّمِ عمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم. (١) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» ١/ ٤٢. (٢) يغلب على ظننا أن هذا أخرجه أحمد في ((تاريخه)»، ولم يقع لنا مطبوعاً، ومن طريق أحمد أخرجه الطبري في «تاريخه)» ٣٩٠/٢، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٢٤/٣. (٣) هو في ((تاريخه)) كما يغلب على ظننا، وأخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١/ ٤٠ من رواية حنبل بن إسحاق عنه، ولم نقف عليه في ((الأدب المفرد)» للبخاري، وأما الحاكم فاخرجه في ((الإکلیل) کما قيد به الحافظ في أول هذا الباب. ٥١٣ باب ٤٩ / ح ٣٩٣٦ أبواب المبعث قوله: ((فُرِضَت الصلاة رَكْعَتَينٍ)) أي: بمكَّة. وقوله: ((تُرِكَت)) أي: على ما كانت عليه من عَدَم وُجوب الزّائد، بخلاف صلاة الحَضَر فإنَّهَا زِيدَ في ثلاثٍ منها ركعتان، فالمعنى: أُقِرَّت صلاة السَّفَر على جواز الإتمام وإن كان الأحبّ القَصْرَ، وقد تقدَّم ما فيه من الإشکال في أوَّل کتاب الصلاة (١٠٩٠). قوله: ((تابَعَه عبد الرَّزّاق عن مَعمَر)) وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق فيّاض بن زُهَير عن عبد الرَّزّاق بلفظه، وذكر ابن جَرِير عن الواقديّ: أنَّ الزّيادة في صلاة الحَضَر كانت بعد قدوم النبيّ وَّهِ المدينة بشهرٍ واحد، قال: وزَعَمَ أنَّه لا خلاف بين أهل الحجاز في ذلك. ٤٩ - باب قول النبيِّ وَّةِ: ((اللّهمَّ أَمْضِ لأصحابيِ هِجْرتَهم)) ومَرْثیته لمن مات بمكّة ٣٩٣٦ - حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن الزُّهْريِّ، عن عامرِ بنِ سَعْدِ بنِ مالكِ، عن أبيه، قال: عادَني النبيُّ نَّهِ عامَ حَجّةِ الوَدَاعِ من مرضٍ أشفَيَتُ منه على الموتِ، فقلتُ: يا رسولَ الله، بَلَغَ بي مِن الوَجَعِ ما تَرَى، وأنا ذو مالٍ ولا يَرِثُني إلا ابنةٌ لي واحدةٌ، أَفْأَتَصَدَّقُ بُثُلُثَى مالٍ؟ قال: ((لا))، قال: فأتصَدَّقُ بِشَطْرِه؟ قال: ((الثُّلُثُ يا سَعْدُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌّ، إِنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرَفَتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم عالَةً، يَتَكَفَّفونَ الناسَ، ولستَ بِنافقٍ نَفَقةٌ تَبْتَغي بها وجهَ الله، إلا آجَرَكَ الله بها، حتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُها في في امرأتِكَ)) قلتُ: يا رسولَ الله، أُخَلَّفُ بعدَ أصْحابٍ؟ قال: ((إِنَّكَ لَن تُخُلَّفَ فَتَعمَلَ عَمَلاً تَبْتَغي به وجهَ الله، إلا ازْدَدْتَ به دَرَجةً ورِفْعَةً، ولعلَّكَ تُخُلَّفُ حتَّى يَنْتَفِعَ بكَ أقوامٌ، ويُضَرَّ بكَ آخَرونَ، اللهمَّ أَمضٍ لأصحابِ هِجْرتهم، ولا تَرُدَّهم على أعقابهم، لكنِ البائسُ سَعْدُ ابنُ خَوْلَةَ))، يَرْئي له رسولُ الله ◌َّهِ أَن تُوفِّيَ بمكَّةَ. وقال أحمدُ بنُ يونُسَ وموسى، عن إبراهيمَ: ((أن تَذَرَ وَرَثَتَكَ)). قوله: ((باب قول النبيِّ ◌َّ: اللهمَّ أمضٍ لأصحابي هِجَتَهم، ومَرئيَّتِه لمَن ماتَ بمگَّة)» بتخفيف التحتانيَّة وهو عَطفٌ على قولٍ. والمرئيَّةُ: تعديدُ محاسن الميّت، والمراد هنا: التوَجُّع له لكَونِهِ ماتَ في البلد التي هاجَرَ منها، وقد تقدَّم بيان الحكمة في ذلك قبلُ بیابٍ (٣٩٣٣). ٥١٤ باب ٥٠ / ح ٣٩٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وَرَثَتَك)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيِّ والقابِسيّ: ((ذُرِّيَّتك))، ورواية الجماعة أَوْلى، لأنَّ هذه اللَّفظة قد بيَّن البخاريّ أنَّها لغير يحيى بن قَزَعة شيخِه هنا. ٢٧٠/٧ قوله: ((ولستَ بنافقٍ)) كذا هنا،/ وللكُشْمِيهنيٍّ: ((بمُنِفِقِ)) وهو الصواب. قوله: ((أنْ ماتَ بمكَّة)) هو بفتح الهمزة للتعليل، وأغرَبَ الدّاووديّ فَتَرَدَّدَ فيه فقال: إن کان بالفتح ففيه دلالة على أنَّه أقام بمگّة بعد الصَّدَر من حَجَّته ثمَّ مات، وإن كان بالکسر ففيه دليلٌ على أنَّه قيل له: إنَّه يريد التخَلُّف بعد الصَّدَر، فخَشْيَ عليه أن يُدرِكَه أجَلُه بمكّة. قلت: والمضبوط المحفوظ بالفتح، لكن ليس فيه دلالة على أنَّه أقامَ بعد حَجّه، لأنَّ السّياق يدلّ على أنَّه ماتَ قبل الحجّ، والله أعلم. قوله: ((وقال أحمد بن يونس وموسى عن إبراهيم)) يعني: ابن سعد: ((أن تَذَرَ ورَثَتَك)) أمَّا رواية أحمد بن يونس، فأخرجها المصنِّف في حَجّة الوداع في آخِرِ المغازي (٤٤٠٩)، وأمَّا رواية موسى - وهو ابن إسماعيل - فأخرجها المؤلِّف في الدَّعَوات (٦٣٧٣). ٥٠- بابٌ كيف آخى النبيُّ ◌َ لام بين أصحابه وقال عبدُ الرَّحمن بنُ عَوْفٍ: آخَى النبيُّ ◌َّهِ بَيْنِي وَبَينَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ لمَّا قَدِمْنا المدينةَ. وقال أبو جُحَيفةً: آخَى النبيُّنَ لِ بَيْنَ سَلْمَانَ وأبي الدَّرْداءِ. ٣٩٣٧- حدَّثْنا محمّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن مُميدٍ، عن أنسِ ﴾، قال: قَدِمَ عبدُ الرَّحمن بنُ عَوْفٍ، فَآَخَى النبيُّ ◌َّ بِينَهُ وبَينَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ الأنصاريِّ، فعَرَضَ عليه أن يُناصِفَه أهلَه ومالَه، فقال عبدُ الرَّحمن: بارَكَ الله لكَ في أهلِكَ ومالكَ، دُلَّني على السُّوقِ، فَرَبِحَ شيئاً من أَقِطِ وسَمْنٍ، فرآه النبيُّ ◌َغِ بعدَ أيامٍ وعليه وَضَرٌّ من صُفْرةٍ، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((مَهْيَمْ يا عبدَ الرَّحمن؟» قال: يا رسولَ الله، تزوَّجتُ امرأةً مِن الأنصار، قال: «فا سُفْتَ فيها؟» فقال: وَزْنَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ، فقال النبيُّ ◌َلِ: ((أَوْلِمْ ولو بشاةٍ». قوله: ((باب كيف آخَى النبيّ ◌َ لّ بين أصحابه)) تقدَّم في مناقب الأنصار («باب آخَى النبيّ ٥١٥ باب ٥٠ / ح ٣٩٣٧ أبواب المبعث وَ ◌ّ بين المهاجرين والأنصار))(١). قال ابن عبد البَرِّ: كانت المؤاخاة مرَّتَينِ: مَرّةً بين المهاجرين خاصّة وذلك بمكَّة، ومَرّةً بين المهاجرين والأنصار، فهي المقصودة هنا. وذكر ابن سعد (٢٣٨/١) بأسانيد الواقديّ إلى جماعة من التابعين قالوا: لمَّا قَدِمَ النبيّ وَّهِ المدينة آخَى بين المهاجرين، وآخَى بين المهاجرين والأنصار على المواساة، وكانوا يَتَوارَثون، وكانوا تسعين نفساً بعضُهم من المهاجرين وبعضُهم من الأنصار، وقيل: كانوا مئةً، فلمَّا نزلَ: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ﴾ [الأنفال: ٧٥] بَطَلَت المواريث بينهم بتلك المؤاخاة. قلت: وسيأتي في الفرائض (٦٧٤٧) من حديث ابن عبّاس: لمَّا قَدِموا المدينة كان يَرِث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذَوِي رَحِمه بالأُخوّة التي آَخَى رسولُ الله وَلّه بينهما، فنزلت. وعند أحمد(٢) من رواية عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه نحوُه. قال السُّهَيليّ: آخَى بين أصحابه ليُذهِب عنهم وحشةَ الغُربة، ويَتأَنَّسوا من مُفارَقة الأهل والعَشيرة، ويَشُدَّ بعضهم أَزْرَ بعض، فلمَّا عَزَّ الإسلام واجتَمع الشَّمل وذهبت الوَحْشة، أبطَلَ المواريثَ وجَعَلَ المؤمِنين كلَّهم إخوة، وأنزَلَ الله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]، يعني: في التوادُد وشُمول الدَّعوة. واختَلَفوا في ابتدائها: فقيل بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل: بتسعةٍ، وقيل: وهو يبني المسجد، وقيل: قبل بنائه، وقيل: بسنةٍ وثلاثة أشهر قبل/ بدر، وعند أبي سعيد في ((شَرَف ٢٧١/٧ المصطَفَى)): كان الإخاء بينهم في المسجد. وذكر محمد بن إسحاق المؤاخاة، فقال: قال رسول الله وَله لأصحابه بعد أن هاجَرَ: (١) باب رقم (٣). (٢) في ((المسند)) برقم (٣٤٤٣) و(٦٩٠٤) بلفظ: أن رسول الله و لل كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار على أن يَعْقِلوا مَعاقِلَهم، ويَفْدُوا عانِيَهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين. وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو كثير الخطأ والتدليس. ٥١٦ باب ٥٠ / ح ٣٩٣٧ فتح الباري بشرح البخاري ٨ (تَآَخَوا أَخَوَينٍ أَخوَينٍ))، فكان هو وعليٌّ أَخَوَينٍ، وحمزة وزيد بن حارثة أخَوَينٍ، وجعفر ابن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخَوَينِ. وتَعقَّبَه ابن هشام بأنَّ جعفراً كان يومَئذٍ بالحبشة، وفي هذا نَظَر، وقد تقدَّم. ووَجَّهَها العِماد بن كثير: بأنَّه أرصَدَه لأُخوَّتِهِ حتَّى يَقدَمَ، وفي ((تفسير سُنَيد)): آخَى بين معاذ وابن مسعود. وأبو بكر وخارجة بن زيد أخَوَينٍ، وعمرُ وعِتْبان بن مالك أخَوَينٍ، وقد تقدَّم في أوائل الإيمان (٨٩) قول عمر: ((كان لي أخ من الأنصار)) وفُسِّرَ بعِتْبان، ويُمكِن أن يكون ◌ُخوَّته له تراخت کما في أبي الدَّرداء وسلمان. ومُصعَب بن عُمير وأبو أيوب أخَوَينٍ، وأبو خُذَيفة بن عُتبة وعبّاد بن بِشْر أخَوَينٍ، [وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليَمَان أَخَوَين](١)، ويقال: بل عمّار وثابت بن قيس؛ لأنَّ حُذَیفة إنَّما أسلم زمان ◌ُحُد. وبلال وأبو رُوَيحة أخوين، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوينٍ. قلت: وفي هذا نَظَرِّ، لأن في ((صحيح مسلم)) (٢٥٢٨) من رواية ثابت عن أنس: آخى بين أبي عبيدة وأبي طلحة، انتهى. قال: وعبد الرَّحمن بن عوفٍ وسعد بن الرَّبيع أخوَينٍ، والزُّبیرُ وسَلَمة. قال ابن سعد: آخى بين مئةٍ منهم خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار. وقيل: کان کلُّ فریقِ منهم خمسةٌ وأربعون نَفْساً، وكان ذلك قبل بَدْرٍ بخمسة أشهر في دار أنسٍ كما تقدّم ذلك في آخر الكَفّارة من طريق عاصمٍ عن أنسٍ، وتقدَّم بيانُ المراد به، وقد سَرَد ابن إسحاقَ أسماءً كثيرٍ من المهاجرين والأنصار ممّن آخى بينهم النبيُّ ◌َِّ، وعِدَّةُ من ذكره اثنان وثلاثون رجلاً(٢). وأبو ذرِّ والمنذر بن عمرو أخوَين. وتُعقّبَ بأنَّ أبا ذرٍّ تأخّرَت هِجرَته، والجواب كما في جعفر، وحاطِب بن أبي بَلتَعة وعُوَيم بن ساعدة أخَوَينٍ، وسَلمان وأبو الدَّرداء أخَوَينٍ، (١) ما بين المعقوفين زيادة من ((سيرة ابن هشام)) ٥٠٦/١، ولا بدَّ منه، والظاهر أن الحافظ أراد أن يثبته فذَهَلَ عنه، لأن حرف ((بل)) المذكور بعده يفيد إضراباً عن كلام مذكور يتعلق بأحد المذكورين: عمار أو حذيفة. (٢) هاتان الفقرتان الأخيرتان، من قوله: وبلال وأبو رويحة، أثبتناهما من (أ)، ولم يردا في (ع) و(س)، وهما من تمام كلام ابن إسحاق، وجاء بإثرهما في (أ) كلام سبق بعضه وسيأتي بعضه، فآثرنا حذفه خشية التكرار. ٥١٧ باب ٥٠ / ح ٣٩٣٧ أبواب المبعث وتُعقِّبَ بأنَّ سَلمان تأخَرَ إسلامُه وكذا أبو الدَّرداء، والجواب ما تقدَّم في جعفر. وكان ابتداء المؤاخاة أوائل قُدومه المدينةَ، واستَمرَّ يُجُدِّدها بحَسَب مَن يدخل في الإسلام أو يَحِضُر إلى المدينة، والإخاء بين سَلمان وأبي الدَّرداء صحيح(١) كما في الباب، وعند ابن سعد (٢٨٠/٤): آخَى بين أبي الدَّرداء وعَوْف بن مالك، وسنده ضعيف، والمعتَمَد ما في ((الصحيح))، وعبد الرحمن بن عَوْف وسعد بن الرَّبيع مذكور في هذا الباب، وسَمَّى ابن عبد البَرِّ جماعةً آخرين. وأنكَرَ ابن تيميّة في كتاب ((الردّ على ابن المطهِّر الرافضيّ)) المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصاً مُؤاخاة النبيِّ وَِّ لعليٍّ، قال: لأنَّ المؤاخاة شُرِعَت لإرفاق بعضهم بعضاً ولِتأليفِ قلوب بعضهم، فلا معنى لمؤاخاة النبيِّ وَّرِ لأحدٍ منهم ولا لمؤاخاة مُهاجريّ لمُهاجريّ، وهذا رَدٌّ لِلنَّصِّ بالقياس وإغفالٌ عن حكمة المؤاخاة، لأنَّ بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعَشيرة والقوَى، فَآخَى بين الأعلى والأدنى ليَرتَّفِق الأدنَى بالأعلى ويستعينَ الأعلى بالأدنَى، وبهذا تَظهَر مُؤْاخاتُه ◌َّ لعليٍّ، لأنَّه هو الذي كان يقوم به من عهد الصِّبا من قبلِ البِعْثة واستمرّ، وكذا مُؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، لأنَّ زيداً مولاهم فقد ثَبتَتْ أُخوَّتُهما وهما من المهاجرين، وسيأتي في عُمرة القضاء (٤٢٥١) قول زيد بن حارثة: أنَّ بنت حمزة بنت أخي، وأخرج الحاكم (٣١٤/٣) وابن عبد البَرِّ بسندٍ حَسَن عن أبي الشَّعثاء عن ابن عبّاس: آخَى النبيّ ◌َِّ بين الزُّبَير وابن مسعود، وهما من المهاجرين. قلت: وأخرجه الضّياء في ((المختارة)) من ((المعجم الكبير)) (١٢٨١٦) للطََّرانيّ، وابن تَيمية يُصرِّح بأنَّ أحاديث ((المختارة)) أصحّ وأقوى من أحاديث ((المستدرَك))، وقِصّة المؤاخاة الأولى أخرجها الحاكم (١٤/٣) من طريق جميع بن عُمير عن ابن عمر: آخَى رسول الله وَله بین أبي بكر وعمر، وبین طلحة والزُّبیر، وبین عبد الرحمن بن عَوْف وعثمان - وذكر جماعة قال - فقال عليٌّ: يا رسول الله، إنَّك آخَيت بين أصحابك فمَن أخي؟ قال: ((أنا أخوك))، (١) سلف موصولاً برقم (١٩٦٨)، وسيأتي برقم (٦١٣٩). ٥١٨ باب ٥١ / ح ٣٩٣٧ فتح الباري بشرح البخاري وإذا انضَمَّ هذا إلى ما تقدَّم تَقَوَّى به، وقد تقدَّم في ((باب الكفالة)) قُبَيَل كتاب الوَكالة (٢٢٩٤) الكلام على حديث: ((لا حِلْفَ في الإسلام)) بما يُغني عن الإعادة، وقد سَبَقَ كلام السُّهَيليّ في حكمة ذلك الميراث، وسيأتي في الفرائض (٦٧٤٧) حديث ابن عبّاس: كان المهاجرونَ لمَّا قَدِموا المدينة يَرِث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذَوي رَحِمِه للأُخوّة. الحديث الأوَّل: قوله: ((وقال عبد الرحمن بن عَوْف: آخَى النبيُّ ◌َّ بيني وبين سعد بن الرَّبيع)) هو طَرَف من حديث تقدَّم موصولاً في أوائل البُيوع (٢٠٤٨) من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه - وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف - عن جَدّه قال: قال عبد الرحمن بن عَوْف: لمَّا قَدِمنا المدينة آخَى النبيّ وَّ بيني وبين سعد بن الرَّبيع، فقال ٢٧٢/٧ سعد: إنّي أكثر / الأنصار مالاً فأُقاسِمُك مالي؟ الحديث، وظَنَّ الشَّيخ عِماد الدّين بن كثير: أنَّ البخاريّ أشارَ بهذا التَّعليق إلى حديث أنس(١)، فقال: قِصّة عبد الرحمن لا تُعرَف مُسنَدة عنه، وإنَّما أسنَدَها البخاريّ وغيره عن أنس، قال: فلعلَّ البخاريّ أراد أنَّ أنساً حَمَلَها عن عبد الرحمن ابن عَوْف. انتَهَى، قلت: وطريقُ عبد الرحمن الموصولة من غير طريق أنسٍ(٣)، والذي ادَّعاه مردود، لثبوتِه في ((الصحيح)). الحديث الثاني: قوله: ((وقال أبو جُحَيفةَ: آخَى النبيّ وَِّ بين سَلمان وأبي الدَّرداء)» هو طَرَف من حديث وَصَلَه بتمامه في كتاب الصّيام (١٩٦٨)(٣). والغرض منه التَّنبيه على تَسمية مَن وَقَعَ الإخاء بينهم من المهاجرين والأنصار، فذكر هذا والذي بعده من إخاء سعد بن الرَّبيع وعبد الرحمن بن عَوْف، ولمسلمٍ (٢٥٢٨) من طريق ثابت عن أنس: آخَى النبيّ ◌َّ بين أبي طلحة وأبي عبيدة، وتقدَّم في الإيمان (٨٩) حديث عمر: كان لي أخ من الأنصار وكَّا نَتَنَاوَب التُّزول، وذكر ابن إسحاق: أنَّه (١) حديث أنس هو حديث الباب. (٢) من قوله: ((قلت)) إلى هنا سقط من (ع) و(س). (٣) وفي الأدب كذلك برقم (٦١٣٩). ٥١٩ باب ٥١ / ح ٣٩٣٨ - ٣٩٤٠ أبواب المبعث عِتْبان بن مالك، وكان أبو بكر الصِّدِّيق وخارجةُ(١) بن زيد أخَوَينٍ فيما ذكره ابن إسحاق أيضاً. الحديث الثالث: حديث أنس في قِصّة إخاء سعد بن الرَّبيع وعبد الرحمن بن عَوْف، وسیأتي شرحه في كتاب النكاح (٥٠٧٢ و ٥١٤٨). ٥١- بابٌ ٣٩٣٨- حدَّثني حامِدُ بنُ عمرَ، عن بشْرِ بنِ الفَضَّلِ، حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسٍ: أنَّ عبد الله ابنَ سَلَامٍ بَلَغَه مَقْدَمُ النبيِّ وَّرِ المدينةَ، فأتاه يَسْألُه عن أشياءَ، فقال: إنّي سائلُكَ عن ثلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلا نبيٌّ: ما أوَّلُ أشراطِ الساعةِ؟ وما أوَّلُ طعام يأكلُه أهلُ الجنَّةِ؟ وما بالُ الولدِ يَنْزِعُ إلى أبيه أو إلى أمِّه؟ قال: ((أَخبَرَني به جِبْرِيلُ آنِفً) قال ابنُ سَلَامٍ: ذاكَ عَدوُّ اليهودِ مِن الملائكةِ، قال: ((أمَّا أوَّلُ أشراطِ الساعةِ، فنارٌ تَحَثُرُهم مِن المشرقِ إلى المغربِ، وأمَّا أوَّلُ طعامٍ يأكلُه أهلُ الجنَّةِ، فزيادةٌ كَبِدِ الحوتِ، وأمَّا الولدُ فإذا سَبَقَ ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ نَزَعَ الولدَ، وإذا سَبَقَ ماءُ المرأةِ ماءَ الرجلِ نَزَعَتِ الولدَ)) قال: أَشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأنَّكَ رسولُ الله، قال: يا رسولَ الله، إنَّ اليهودَ قومٌ بُهُتٌّ، فاسأَهْم عنِّي قبلَ أن يَعلَموا بإسلامي. فجاءتِ اليهودُ، فقال النبيُّ وَِّ: ((أيُّ رجلٍ عبدُ الله بنُ سَلَامٍ فيكم؟» قالوا: خَيرُنا وابنُ خَيرِنا، وأفضلُنا وابنُ أفضلِنا، فقال النبيُّ وَّةِ: ((أَرأيتُم إن أسلَمَ عبدُ الله بنُ سَلَامِ؟)) قالوا: أعاذَه الله من ذلكَ، فأعادَ عليهم، فقالوا مِثْلَ ذلكَ، فخَرَجَ إليهم عبدُ الله، فقال: أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، قالوا: شَرُّنا وابنُ شَرِّنا، وتَنَقَّصُوه، قال: هذا كنتُ أخافُ يا رسولَ الله. ٣٩٣٩، ٣٩٤٠- حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمٍو، سمعَ أبا المِنْهال عبدَ الرَّحمن بنَ مُطْعِمٍ، قال: باعَ شَرِيكٌ لي دَراهمَ في السُّوقِ نَسِيئَةً، فقلتُ: سُبْحانَ الله! أُيُصْلُحُ هذا؟ فقال: سُبْحانَ الله! والله لقد بِعْتُها في السُّوقِ فما عابَه أحدٌ، فسألتُ البراءَ بنَ (١) تحرَّف في (س) إلى: وحارثة. ٥٢٠ باب ٥١ / ح ٣٩٣٨ - ٣٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري عازِبٍ، فقال: قَدِمَ النبيُّ وَّهِ ونحنُ نَتَبَائعُ هذا البيعَ، فقال: ((ما كان يداً بيدٍ فليس به بأسُ، وما كان نَسِيئَةً فلا يَصْلُح))، والقَ زيدَ بنَ أرقَمَ فاسأَلْه، فإنَّه كان أعظَمَنا تجارةً، فسألتُ زيدَ بنَ أرقَمَ، فقال ◌ِمِثلَه. وقال سفيانُ مَرّةً: فقال: قَدِمَ علينا النبيُّ ◌َلِّ المدينةَ، ونحنُ نَتَبَائَعُ. وقال: نَسِيئَةً إلى المَوْسِمِ أو الحِّ. قوله: ((بابٌ)) كذا لهم بغير ترجمة، وهو كالفَصْلِ من الباب الذي بعده، ولعلَّه كان بعده. ٢٧٣/٧ قوله: ((عن أنس)) صَرَّحَ به الإسماعيليّ فقال في رواية له عن حُميدٍ: ((حدَّثنا أنس)) أخرجها عن ابن خُزيمةَ عن محمد بن عبد الأعلى عن بشر بن المفضَّل(١). قوله: ((أنَّ عبد الله بن سَلَام بَلَغَه)) تقدَّم بيان ذلك في ((باب مَقْدَم النبيّ وَّ المدينة)) (٣٩١١) من وجهٍ آخر. قوله: ((ذاكَ عدُّ اليهود من الملائكة)) سيأتي شرح هذا في تفسير سورة البقرة (٤٤٨٠). قوله: ((أمَّا أوَّل أشراط الساعة: فنار تَحثُرهم من المشرق إلى المغرب)) في رواية عبد الله بن بكر عن حُميدٍ في التفسير (٤٤٨٠): ((تَحِشُر الناس))، وسيأتي الكلام على ذلك مُستَوفَّى في أواخر كتاب الرِّقاق(٢). قوله: ((وأمَّا أوَّل طعام يأكله أهل الجنَّة: فزيادة كَبِد الحوت)) الزّيادة: هي القِطعة المنفَرِدة المعَلَّقة في الكَبِد، وهي في المطعم في غاية اللَّذّة، ويقال: إنَّهَا أَهناُ طعام وأمرأُه، ووَقَعَ في حديث ثوبان(٣): أنَّ تُحِفَتهم حين يدخلونَ الجنَّة زيادة كَبد النُّون، والنُّون: هو الحوت، ويقال: هو الحوت الذي عليه الأرض، والإشارة بذلك إلى نَفاذ الدُّنيا. في حديث ثوبان زيادة وهي «أنَّه يُنحَر لهم عَقِب ذلك نُونُ الجنَّة الذي كان يأكل من (١) و کذلك جاء في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري في تصریح حمید بسماعه من أنس هنا. (٢) في باب (٤٥): كيف الحشر، قبل الحديث (٦٥٢٢). (٣) أخرجه مسلم (٣١٥).