Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
باب ٤٥ / ح ٣٩١١
أبواب المبعث
فِهَيَّا، وقد وَقَعَ صريحاً في رواية الحاكم وأبي سعْد(١) قال: ((فانطَلَقَ فهَيَّأْ لهما مَقيلاً ثمَّ جاء))،
وفي حديث أبي أيوب عند الحاكم وغيره (٢): أنَّه أَنزَلَ النبيّ ◌َّهُ في السُّفْلِ ونزلَ هو وأهله
في العُلْو، ثمَّ أشفَقَ من ذلك، فلم يزل يسأل النبيّ وَلِّ حَتَّى تَحوَّلَ إلى العُلْو ونزلَ أبو أيوب
إلى السُّفل(٣)، ونحوه في طريق عبد العَزيز بن صُهَيب عن أنس عند أبي سعْد (١) في ((شَرَف
المصطَفَى))، وأفادَ ابن سعد: أنَّه أقامَ بمَنزِلِ أبي أيوب سبعة أشهر حتَّى بَنَى بُيوته، وأبو
أيوب هو خالد بن زيد بن كُلَيب من بني النَّجّار، وبنو النَّجّار من الخَزَرَج بن حارثة،
ويقال: إنَّ تُبَّعاً لمَّا غزا الحِجاز واجتازَ یَثِرِب خرج إليه أربعُ مئةِ حَبْر فأخبروه بما يجب من
تعظيم البيت، وأنَّ نبيّاً سَيُبعَثُ يكون مَسكَنه يَثْرِب، فأكرَمهم وعَظَّمَ البيت بأن کَساه،
وهو أوَّل مَن كَساه، وكَتَبَ كتاباً وسَلَّمَه لرجلٍ من أولئكَ الأحبار، وأوصاه أن يُسلِّمه
للنبيِّ وَّهِ إِن أدرَكَه، فيقال: إنَّ أبا أيوب من ذُرِّيَّة ذلك الرجل، حكاه ابن هشام في
((التّيجان))، وأورَدَه ابن عساكر(٤) في ترجمة تُبَّع.
قوله: ((فلمَّا جاء رسول الله وَّ) أي: إلى مَنزِل أبي أيوب ((جاء عبد الله بن سَلَام)) أي:
إلیه «فقال: أشهد أنَّك رسول الله)) زاد في روایة مُميدٍ عن أنس كما سيأتي قريباً قبل كتاب
المغازي (٣٩٣٨): أنَّه سألَه عن أشياء، فلمَّا أعلمَه بها أسلَم، ولفظه: فأتاه يسأله عن أشياء
فقال: إنّي سائلُك عن ثلاثٍ لا يَعلَمهنَّ إلّا نبيّ: ما أوَّلُ أشراط الساعة؟ وما أوَّلُ طعام
يأكله أهل الجنَّة؟ وما بالُ الولد يَنزِع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ فلمَّا ذكر له جواب مسائله قال:
أشهَد أنَّك رسول الله، ثمَّ قال: إنَّ اليهود قومٌ بُهْتُ، الحديث.
(١) تحرف في (ع) إلى: سعيد.
(٢) هو في كتاب (الإكليل)) كما سلف التنبيه عليه غير مرة، وقد فات الحافظ - رحمه الله ـ أن يعزوه لأحمد،
فالحديث في ((مسنده) برقم (٢٣٢٠٥)، وفيه: ((فذهب فهَيّأ لهما مقيلاً، ثم جاء)».
(٣) قصة نزول النبي ◌َّه في بيت أبي أيوب وتحوُّله من السُّفْل إلى العُلْو أخرجها مسلم برقم (٢٠٥٣)، وأحمد
في «مسنده» برقم (٢٣٥١٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري.
(٤) ((تاريخ دمشق)) ٣/١١-٢٠.

٤٨٢
باب ٤٥ / ح ٣٩١١
فتح الباري بشرح البخاري
وعند البيهقيِّ(١) من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم عن يحيى بن عبد الله عن رجل
من آلِ عبد الله بن سَلام عن عبد الله بن سَلَام قال: سمعت برسولِ اللهِوَُّ وعَرَفت
صفتَه واسمَه، فكنت مُسِرّاً لذلك حتَّى قَدِمَ المدينة، فسمعت به وأنا على رأس نخلة،
فكَبَّرت، فقالت لي عَمَّتي خالدة بنت الحارث: لو كنت سمعت بموسى ما زِدت، فقلت:
والله هو أخو موسى، بُعِثَ بما بُعِثَ به، فقالت لي: يا ابن أخي، هو الذي كنّا نُخبَرَ أنَّه
سَيُعَثُ مع نفس الساعة؟ قلت: نعم. قالت: فذاكَ إذاً، ثمَّ خَرَجت إليه فأسلَمت، ثمَّ
جئت إلى أهل بيتي فأمَرتهم فأسلموا، ثمَّ جئت إلى رسول الله وَّه فقلت: إنَّ اليهود قوم
يُبْتُ، الحديث.
٢٥٣/٧
قوله: ((ولقد عَلمَت/ يهودُ أنّي سَيِّدهم)) في الرواية الآتية (٣٩٣٨) قریباً: قال: یا
رسول الله، إنَّ اليهود قوم بُهت، وسيأتي شرح ذلك ثَمّ.
قوله: ((قالوا فيَّ ما ليس فيَّ) في الرِّواية الآتية عند أبي نُعَيم: بَهَتوني عندك.
قوله: ((فأرسَلَ نبِيُّ الله وَ لِ﴿)) أي: إلى اليهود فجاؤوا.
قوله: ((فدخلوا عليه)) أي: بعد أن اختبأ لهم عبد الله بن سَلام كما سيأتي بيانه هناك. وفي
رواية يحيى بن عبد الله المذكور: فأدخِلني في بعض بُيوتك ثمَّ سَلْهم عنِّي، فإنَّهم إن عَلموا
بذلك بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني بعض بيوته.
قوله: ((سَيِّدنا وابن سَيِّدنا، وأعلَمُنا وابنُ أعلَمِنا)) في الرِّواية الآتية: ((خَيرُنا وابنُ خَيرِنا،
وأفضلُنا وابنُ أفضلِنا)»، وفي ترجمة آدم: ((أخيَرُنا))(٢) بصيغة أفعَل، وفي رواية يحيى بن عبد الله:
((سَيِّدُنا، وأخيَرُنا، وعالِمُنا)) ولعلَّهم قالوا جميع ذلك أو بعضه بالمعنى.
قوله: ((فقالوا: شَرُّنا)) وفي رواية يحيى بن عبد الله: فقالوا: كَذَبت، ثمَّ وقَعوا فيَّ.
قوله: ((فقالوا: كَذَبت فأخرَجَهم رسول الله وَّ)) في رواية يحيى بن عبد الله: فقلت:
(١) في ((الدلائل)) ٥٣٠/٢-٥٣١.
(٢) سلفت عند المصنف برقم (٣٣٢٩).

٤٨٣
باب ٤٥ / ح ٣٩١٢-٣٩١٤
أبواب المبعث
يا رسول الله، ألَم أُخبرْك أنَّهم قوم بُهْتٍ، أهلُ غَدْر وكَذِب وفُجور، وفي الرِّواية الآتية (٣٩٣٨):
فنَقَصوه فقال: هذا ما كنت أخاف یا رسول الله.
الحديث العشرون:
٣٩١٢ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني عُبیدُ الله
ابنُ عمَرَ، عن نافعٍ، عن عمرَ بنِ الخطَّبِ عُه، قال: كان فَرَضَ للمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أربعةَ
آلافٍ في أربعةٍ، وفَرَضَ لابنِ عمرَ ثلاثةَ آلافٍ وخمسَ مئةٍ، فقِيلَ له: هو مِن المهاجِرِينَ، فلمَ
نَقَصْتَه من أربعةِ آلافٍ؟ فقال: إنَّما هاجَرَ به أَبُواهُ. يقول: ليس هو كمَن هاجَرَ بنفسِه.
٣٩١٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن خَبّابٍ،
قال: هاجَرْنا مع رسولِ الله ێ ...
٣٩١٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن الأعمَشِ، قال: سمعتُ شَقِيقَ بنَ سَلَمةَ، قال:
حدَّثْنَا خَبّابٌ، قال: هاجَرْنا معَ رسولِ الله ◌َِّ نَبْتَغِي وجهَ الله، ووَجَبَ أجْرُنا على الله، فمِنّا مَن
مَضَى لم يأكلْ من أجْرِه شيئاً، منهم مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ، قُتِلَ يومَ أُحُدٍ، فلم نَجِدْ شيئاً نُكَفِّئُه فيه إلا
نَمِرةٌ، كنَّا إذا غَطَّيْنا بها رأسَه خَرَجَتِ رِجْلاهُ، فإذا غَطَّيْنَا رِ جْلَيهِ خَرَجَ رأسُه، فأمَرَنا رسولُ الله
وَلّه أن نُغَطِّيَ رأسَه بها، ونَجْعَلَ على رِجْلَيهِ من إِذْخِرٍ، ومِنّا مَن أينَعَت له ثَمَرَتُه فهو يَهْدِبُها.
قوله: ((أخبرنا هشام)) هو ابن يوسف الصَّنعانيّ.
قوله: ((عن عمر: كان فَرَضَ للمُهاجرين)) هذا صُورته مُنقَطِع، لأنَّ نافعاً لم يَلحَق عمر،
لكن سياق الحديث يُشعِر بأنَّ نافعاً حَلَه عن ابن عمر. ووقَعَ في روایة غیر أبي ذرٍّ هنا: ((عن
نافع؛ يعني: عن ابن عمر)) ولعلَّها من إصلاح بعض الرُّواة، واغتَرَّ بها شيخنا ابن الملَقِّن
فأنكَرَ على ابن التِّين قوله: إنَّ الحديث مُرسَل، وقال: لعلَّ نُسخَته التي وَقَعَت له ليس فيها
ابن عمر، وقد روى الدَّرَاوَزْديّ عن عبيد الله بن عمر فقال: عن نافع عن ابن عمر، قال:
فَرَضَ عمر لأُسامة أكثر ممَّا فَرَضَ لي، فذكر/ قِصّة أُخرى شبيهة بهذه، أخرجها أبو نُعَيم في ٢٥٤/٧
((المستخرج)» هنا.

٤٨٤
باب ٤٥ / ح ٣٩١٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((المهاجرينَ الأوَّلينَ)) هم الذين صَلَّوا للقِبلَتَينِ أو شَهِدوا بدراً.
قوله: ((أربعةَ آلاف في أربعة)) كذا للأكثر، وسَقَطَت لفظة ((في)) من رواية النَّسَفيّ وهو الوجه،
أي: لكلِّ واحد أربعة آلاف، ولعلَّها بمعنى اللّام، والمراد إثبات عدد المهاجرين المذكورين.
قوله: ((إنَّما هاجَرَ به أبَوَاه، يقول: ليس هو كمَن هاجَرَ بنفسِه)) وفي رواية الدَّراورديّ
المذكورة: ((قال عمر لابنٍ عمر: إنَّما هاجَرَ بك أبَواك))، والمراد أنَّه كان حينئذٍ في كَنَف أبيه،
فليس هو كمَن هاجَرَ بنفسِه، وكان لابن عمرَ حين الهجرة إحدى عشرةَ سنةً، ووَهِمَ مَن
قال: اثنتا عشرة وكذا ثلاثَ عشرة، لمَا ثَبَتَ في ((الصحيحَينِ))(١): أنَّه عُرِضَ يوم أُحُد وهو
ابن أربعَ عشرةَ، و کانت أُحُد في شوّال سنة ثلاث.
تنبيه: أعادَ المصنّف هنا حديث خَبّاب بعد أن ذكره في أوائل الباب (٣٨٩٧)، فأورَدَه
من وجهَينٍ، ساقَه على لفظ الرِّواية الثانية وهي رواية مُسدَّد، وسأذكر شرحه في غزوة أُحُد
(٤٠٤٧) إن شاء الله تعالى.
الحديث الحادي والعشرون:
٣٩١٥- حدَّثنا يحيى بنُ بِشْرِ، حدَّثنا رَوْحٌ، حدَّثنا عَوْفٌ، عن مُعاوِيةَ بنِ قُرّةَ، قال:
حدَّثني أبو بُرْدَةَ بنُ أبي موسى الأشعَرِيِّ، قال: قال لي عبدُ الله بنُ عمرَ: هل تَذْري ما قال أبي
لأَبِيكَ؟ قال: قلتُ: لا، قال: فإنَّ أبي قال لأبِيكَ: يا أبا موسى، هل يَسُرُّكَ إسلامُنا معَ
رسولِ الله وَّهِ وهِجْرتُنا معه، وجِهادُنا معه، وعَمَلُنا كلُّه معه بَرَدَ لَنا، وأنَّ كلَّ عَمَلٍ عَمِلْناه
بعدَه نَجَوْنا منه كَفافاً رأساً برأسٍ؟ فقال أبي: لا، والله قد جاهَدْنا بعدَ رسولِ الله ◌َێِ، وصَلَّينا
وصُمْنا، وعَمِلْنا خيراً كثيراً، وأسلَمَ على أيدِينا بَشَرٌّ كَثِيرٌ، وإنّا لَنَرْجو ذلكَ، فقال أبي: لكنّي
أنا والَّذِي نَفْسُ عمرَ بَيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أنَّ ذلكَ بَرَدَ لَنا، وأنَّ كلَّ شيءٍ عَمِلْناه بَعْدُ نَجَوْنا منه كَفافاً،
رأساً برأسٍ، فقلتُ: إنَّ أباكَ والله خيرٌ من أبي.
قوله: «قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري» وَقَعَت في هذا الحدیث زیادة من رواية سعيد
(١) البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨) من حديثه.

٤٨٥
باب ٤٥ / ح ٣٩١٦-٣٩١٧
أبواب المبعث
ابن أبي بُرْدة عن أبيه قال: صَلَّيت إلى جنب ابن عمر، فسَمعتُه حين سَجَدَ يقول، فذكر ذِكْراً
وفيه: ما صَلَّيت صلاةً مُنذُ أسلَمت إلّا وأنا أرجو أن تكون كفَّرةً، وقال لأبي بُرْدة: عَلمت
أنَّ أبي، فذكر حديث الباب رُوِّيناه في الجزء السادس من ((فوائد أبي محمد بن صاعد)).
قوله: (بَرَدَ)) بفتح الموحّدة والراء ((لَنا)) أي: ثَبَتَ لنا ودام، يقال: بَرَدَ لي على الغريم حَقّ،
أي: ثَبَت، وفي رواية سعيد بن أبي بُرْدة ((خَلَصَ)) بَدَل: بَرَدَ.
وقوله: ((كَفافاً)) أي: سواءً بسواءٍ، والمراد لا موجِباً ثواباً ولا عقاباً، وفي رواية سعيد بن
أبي بُرْدة: لا لك ولا عليك.
قوله: ((قال أبي: لا والله)) كذا وَقَعَ فيه، والصواب ((قال أبوك)»، لأنَّ ابن عمر هو الذي
يحكي لأبي بُرْدة ما دار بين عمر وأبي موسى، وهذا الكلام الأخیر کلام أبي موسى، وقد
وَقَعَ في رواية النَّسَّفيّ على الصواب ولفظه: فقال أبوك: لا والله ... ، إلى آخره، ووَقَعَ عند
القابِسِيّ والمُستَمْلي: ((فقال: إي والله)) بكسر الهمزة بعدها تحتانيَّة ساكنة بمعنى نعم معها
القَسَم مثل قوله: ﴿قُلْ إِى وَرَبٍِ﴾ [يونس: ٥٣]، وعند عَبْدوس: ((إنّ والله)) بنونٍ ثقيلة بعد
الهمزة المكسورة ثمَّ تحتانيَّة، وكلّه تصحيف إلّا رواية النَّسَفيّ، ووَقَعَ في رواية داود بن أبي
هِند عن أبي بُرْدة في ((تاريخ الحاكم)) هذا الحديث، قال/ أبو موسى: لا، قال: لِمَ؟ قال: ٢٥٥/٧
لأنَّ قَدِمت على قوم جُهّال فعَلَّمتهم القرآن والسُّنّة، فأرجو بذلك.
قوله: ((فقال أبي: لكنّي والذي نفسي بيده)) هذا كلام عمر غشه.
قوله: ((فقلت)) القائل هو أبو بُرْدة، وخاطَبَ بذلك ابن عمر، فأراد أنَّ عمر خيرٌ من
أبي موسى، وأراد من الحيثيّة المذكورة وإلّا فمِن المقَرَّر أنَّ عمر أفضل من أبي موسى عند جميع
الطَّوائف، لكن لا يَمْتَنِعِ أن يَفوق بعض المفضولين بخَصْلةٍ لا تَستَلِزِم الأفضليَّة المطلَقة، ومع
هذا فعُمر في هذه الخَصْلة المذكورة أيضاً أفضل من أبي موسى، لأنَّ مقام الخوف أفضل من
مقام الرَّجاء، فالعلم مُحيط بأنَّ الآدميّ لا يخلو عن تقصيرٍ ما في كلِّ ما يريد من الخير، وإنَّما
قال عمر ذلك مَضاً لنفسِه، وإلّا فمقامه في الفضائل والكلمات أشهر من أن يُذكر.

٤٨٦
باب ٤٥ / ح ٣٩١٦ -٣٩١٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((خيرٌ من أبي)) في رواية سعيد بن أبي بُرْدة: أفقَهُ من أبي.
٢٥٦/٧
الحديث الثاني والعشرون:
٣٩١٦- حدَّثني محمَّدُ بنُ صَبّاح، أو بَلَغَني عنه، حدَّثنا إسماعيلُ، عن عاصمِ، عن أبي
عُثْمانَ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما إذا قيلَ له: هاجَرَ قبلَ أبيه، يَغْضَبُ، قال:
وقَدِمْتُ أنا وعمرُ على رسولِ الله ◌ِ، فَوَجَدْناه قائلاً، فَرَجَعْنا إلى المنزِلِ، فأرسَلَني عمرُ وقال:
اذهبْ فانظُرُ هلِ استَقَظَ، فأتيتُهُ فَدَخَلْتُ عليه، فبايعتُهُ، ثمَّ انطَلَقْتُ إلى عمرَ، فأخبَرَتُه أنَّه قد
اسْتَيْقَظَ، فانطَلَقْنا إليه نُهَروِلُ هَرْوَلَةً، حتَّى دَخَلَ علیه فبايعَه، ثمَّ بایعتُه.
[طرفاه في: ٤١٨٧،٤١٨٦]
٣٩١٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ عُثْمانَ، حدَّثْنَا شُرَيحُ بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسُفَ، عن
أبيه، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ يُحدِّثُ، قال: ابْتاعَ أبو بَكْرٍ من عازِبٍ رَحْلاً، فحَمَلْتُه
معه، قال: فسألَه عازِبٌ عن مَسِيرِ رسولِ الله وَلهَ؟ قال: أُخِذَ علينا بالرَّصَدِ، فخَرَجْنا ليلاً،
فأحثَثْنا ليلَنا ويومَنا، حتَّى قامَ قائمُ الظَّهِيرةِ، ثمَّ رُفِعَت لنا صَخْرَةٌ، فأتيناها ولها شيءٌ من ظِلِّ،
قال: فَفَرَشْتُ لِرسولِ اللهِوَ ◌ّهِ فَرْوةً مَعي، ثمَّ اضْطَجَعَ عليها النبيُّ ◌َهِ، فانطَلَقْتُ أنْفُضُ ما
حَوْلَه، فإذا أنا براعٍ قد أقبَلَ في غُنَيمةٍ، يُرِيدُ مِن الصَّخْرَةِ مِثلَ الَّذِي أُرَدْنا، فسألتُه: لمَن أنتَ يا
غلام؟ فقال: أنا لِفلانٍ، فقلتُ له: هل في غَنَمِكَ من لَبَنِ؟ قال: نعمْ، فقلتُ له: هل أنتَ حالبٌ؟
قال: نعمْ، فأخَذَ شاةً من غَتَمِه، فقلتُ له: انفُضِ الضَّرْعَ، قال: فَحَلَبَ كُثْبةً من لَبَنٍ، ومعي إِدَاوَةٌ
من ماءٍ عليها خِرْقَةٌ، قد رَوَّأْتُهَا لِرسولِ الله وَّةِ، فصَبَتُ على اللَّبَنِ حتَّى بَرَدَ أسفَلُه، ثمّ أتيتُ به
النبيَّ نَّهِ، فقلتُ: اشرَبْ يا رسولَ الله، فشَرِبَ رسولُ اللهِ وَلَهُ حتَّى رَضِيتُ، ثمَّ ارتَحَلْنا
والطَّبُ في إِثْرِنا.
٣٩١٨- قال البراءُ: فدَخَلْتُ معَ أبي بكرٍ على أهلِه، فإذا عائشةُ ابنتُهُ مُضْطَجِعةٌ قد
أصابتْها حُمَّى، فرأيتُ أباها يُقَبِّلُ خَدَّها، وقال: كيفَ أنتِ يا بُنيَّةُ؟
قوله: ((حدَّثْني محمد بن الصبّاح أو بَلَغَني عَنه)) أمَّا محمد: فهو محمد بن الصَّبّاح

٤٨٧
أبواب المبعث
الدُّولابِيّ البَزّاز - بمُعجَمَتَينِ - نزيل بغداد، مُتَّفَق على توثيقه. وقد روى عنه البخاريّ في
الصلاة (٨٢٣) وفي البيوع (٢١١٨) جازماً بغير واسطة، وأمَّا مَن بَلَّغَ البخاريَّ عنه
فيحتمل أن يكون هو عبّاد بن الوليد، فقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريقه عن
محمَّد بن الصبّاح بلفظه، وعبّاد المذكور يُكنَى أبا بدر، وهو غُبَريّ، بضمِّ المعجَمة وفتح
الموحّدة الخفيفة، روى عنه ابن ماجه وابن أبي حاتم وقال: صَدوق، ومات قبل سنة ستّين
أو بعدها.
وإسماعيل شيخ محمد فيه: هو ابن إبراهيم المعروف بابن عُليَّة، وعاصم: هو ابن
سليمان الأحوَل، وأبو عثمان: هو النَّهْديّ، والإسناد كله بصریّون.
قوله: ((إذا قيل له: هاجَرَ قبل أبيه يَغضَب)) يعني أنَّه لم يُهاجر إلّا صُحْبةَ أبيه كما تقدَّم،
وأخرج الطبرانيُّ (١٣٧٠١) من وجه آخر عن ابن عمر أنَّه كان يقول: لَعَنَ الله مَن يَزِعُم
أنَّني هاجَرت قبل أبي، إنَّمَا قَدَّمَني في ثَقَلِهِ، وهذا في إسناده ضعف، والجواب الذي أجابَ
به في حديث الباب أصحُّ منه، وقد استُشكِلَ ذِكْر أبُوَيهِ، فإنَّ أمّه زينب بنت مَظعُون كانت
بمگّة فیما ذكره ابن سعد.
قوله: (قَدِمتُ أنا وعمرُ على رسول الله ◌َلا)) يعني: عند البيعة، ولعلَّها بيعة الرِّضوان،
وزَعَمَ الدّاووديّ أنَّها بيعة صَدَرَت حين قَدِمَ النبيّ وَِّ المدينة، وعندي في ذلك بُعدٌ، لأنَّ
ابن عمر لم يكن حينئذٍ في سِنّ مَن يُبايع، وقد عُرِضَ على النبيّ ◌َ ل# بعد ذلك بثلاث سِنين
يومَ أُحُد فلم تُجِزِه، فيحتمل أن تكون البيعة حينئذٍ على غير القتال، وإنَّما ذكرها ابن عمر
لِيُبيِّنَ سَببَ وَهْمِ مَن قال: إِنَّه هاجَرَ قبل أبيه، وإنَّما الذي وَقَعَ له أنَّه بايعَ قبل أبيه، فلمَّا
كانت بيعَته قبل بيعة أبيه تَوهَّمَ بعض الناس أنَّ هِجرته كانت قبل هِجرة أبيه، ولیس
كذلك، وإنَّما بادَرَ إلى البيعة قبلُ حِرصاً على تحصيل الخير، ولأنَّ تأخيره لذلك لا يَنفَع
عمر، أشارَ إلى ذلك الدّاووديّ، وعارَضَه ابن التِّين بأنَّ مثله يَرِد في الهجرة التي أنكَرَ كَونها
كانت سابقة، والجواب أنَّه أنكَرَ وقوع ذلك لا كراهيته لو وَقَع، أو الفَرق أنَّ زمن البيعة

٤٨٨
باب ٤٥ / ح ٣٩١٦ -٣٩١٨
فتح الباري بشرح البخاري
يسيرٌ جدّاً بخلاف زمن الهجرة، وأيضاً فلعلَّ البيعة لم تكن عامّة بخلاف الهجرة، فإنَّ ابن
عمر خَشِيَ أن تَفوتَه البيعة فبادَرَ إلى تحصيلها، ثمَّ أسرَعَ إلى أبيه فأخبَرَه فسارَعَ إلى البيعة
فبايع، ثمَّ أعادَ ابن عمر البيعة ثاني مَرّة.
قوله: (فُهَرَوِل)) الهَرَوَلة: ضَرْبٌ من السَّير بين المشي على مَهَل والعَدْو.
تنبيه: ذكر المصنِّف هنا حديث البراء عن أبي بكر في قِصّة الهجرة، وقد تقدَّم التَّنبيه
عليه في أوائل هذا الباب وساقَه هنا أتمَّ، وقد تقدَّم شرحه في علامات النُّبوّة (٣٦١٥) وفي
مناقب أبي بكر (١)، وبقيَّته في أوائل الباب في حديث سُرَاقة (٣٩٠٨).
وقوله هنا: «فأحيَينا ليلَتنا)) بتحتانيَّتَينِ من الإحياء، ولبعضهم بمُثنّةٍ ثمَّ مُثلَّثة من الحَثّ.
قوله: ((ففَرَشت لرسولِ اللهِ وَ ﴿﴿ فَرْوة)) فَسَّرَها صاحب ((النّهاية)): بأنَّها الأرض اليابسة،
وقيل: التِّبْن اليابس، قال: وقيل: أراد بالفَرْوة: اللِّبَاسَ المعروف.
قلت: وهذا هو الراجح بل هو الظّاهر من قوله: ((فروة مَعي)).
وقوله هنا: ((قد رَوَّأْتُها)) أي: تأنَّيْتُ بها حتَّى صَلَحَت، تقول: رَوَّأْتُ في الأمر: إذا نظرتَ
فيه ولم تَعجل.
قوله: ((قال البراء: فدَخَلتُ مع أبي بكر على أهله، فإذا بنتُه عائشة مُضطَجِعة قد أصابتها
حُمَّى، فرأيتُ أباها يُقْبِّل خَذَّها وقال: كيفَ أنتِ يا بُنيَّة؟)) هذا القَدْر من الحديث لم يَذْكُرُه
المصنّف إلّا في هذا الموضع، وسأُشيرُ إليه في الباب الذي يَليه، وكان دخول البراء على أهل
أبي بكر قبل أن يَنزِل الحجاب قطعاً، وأيضاً فكان حينئذٍ دون البلوغ وكذلك عائشة.
الحديث الثالث والعشرون:
٢٥٧/٧
٣٩١٩- حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، حدَّثنا محمَّدُ بنُ حِمْيَرَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي
عَبْلَةَ، أَنَّ عُقْبَةَ بنَ وَسّاجِ حدَّثه، عن أنسٍ خَادِمِ النبيِّ وَّ، قال: قَدِمَ النبيُّ ◌َّه وليس في
(١) بل في ((باب مناقب المهاجرين وفضلهم)) الحديث (٣٦٥٢).

٤٨٩
باب ٤٥ / ح ٣٩٢١
أبواب المبعث
أصْحابه أشمَطُ غيرَ أبي بكرٍ، فغَلَفَها بالحِنّاءِ والكَتَمِ.
[طرفه في: ٣٩٢٠]
٣٩٢٠- وقال دُحَيمٌ: حدَّثنا الوليدُ، حدَّثنا الأوْزاعيُّ، حدَّثني أبو عُبيدٍ، عن عُقْبَةَ بنِ
وَسّاجٍ، حدَّثني أنسُ بنُ مالكِ عُ، قال: قَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ المدينةَ، فكان أسَنَّ أصحابِهِ أبو بكرٍ،
فَغَلَفَها بالحِنّاءِ والكَثَمِ، حتَّى قَتَأَ لُونُها.
قوله: ((حدَّثنا محمد بن حِمْيَرَ)) بكسر المهمَلة وسكون الميم وفتح التحتانيَّة، ووَقَعَ في رواية
القابِسيّ عن أبي زيد بمُعجَمةٍ مُصغَّر وهو تصحيف، وشيخُه إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ(١) قد سمعَ
مِنْ أنس، وحدَّث عنه هنا بواسطةٍ، واسم أبيه يقظان ضِدّ النائم.
و((عُقْبة بن وَسّاج)) بفتح الواو وتشديد المهمَلة وآخره جيم، وأبو/ عُبيد في الإسناد الثاني: ٢٥٨/٧
هو حُبَيّ، بضمِّ المهمَلة وفتح التحتانيَّة بعدها أُخرَى ثقيلة، ويقال: حَيّ بلفظ ضِدّ ميِّت، وكان
حاجبَ سليمان بن عبد الملك.
قوله: ((فغَلَفَها)) بالمعجَمة، أي: خَضَبَها، والمراد اللِّحية وإن لم يقع ها ذِكْر.
قوله: ((والكَتَم)) بفتح الكاف والمثنّة الخفيفة وحُكيَ تثقيلها: وَرَق ◌ُضَبُ به كالآسِ
من نبات يَنْبُت في أصعب الصُّخور، فيَتَدَلَّى خِيطاناً لِطافاً، وُجُتَنَاه صعبٌ ولذلك هو قليل،
وقيل: إنَّه يُخْلَط بالوَسِمَةِ(٢)، وقيل: إنَّه الوَسِمَة، وقيل: هو النِّيل، وقيل: هو حِنّاء قُرَيش
وصِبْغُه أصفَر.
قوله في الرِّواية الثانية: ((وقال دُخَيم)) هو عبد الرحمن بن إبراهيم الدِّمَشقيّ، وَصَلَه الإسماعيليّ
عن الحسن بن سفيان عنه.
قوله: ((فكان أسَنَّ أصحابه أبو بكر)) أي: الذين قَدِموا معه حينئذٍ وقبلَه كما تقدَّم.
قوله: ((حتَّى قَنأَ) بفتح القاف والنُّون والهمزة، أي: اشتَدَّت حُرَتها، وستأتي زيادةٌ في
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: علية.
(٢) والوَسِمَة: شجر له ورق يُخْتَضب به. ((اللسان)» (وسم).

٤٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
الكلام على خضاب الشَّعر في كتاب اللِّباس(١) إن شاء الله تعالى.
الحديث الرابع والعشرون:
٣٩٢١- حدَّثنا أصْبَغُ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ
الزُّبَيرِ، عن عائشةَ : أَنَّ أبا بَكْرٍ ﴾ تزوَّجَ امرأةً من كَلْبٍ يقال لها: أمُّ بَكْرٍ، فلمَّا هاجَرَ أبو
بَكْرٍ طَلَّقَها، فتزوَّجَها ابنُ عَمِّها هذا الشّاعرُ الَّذي قال هذه القَصِيدَةَ، رَفَى كَفَّارَ قُرَيشٍ:
وماذا بالقَلِيبِ قَلِيبٍ بَذْرٍ مِنَ الشِّيزَى تُزِيَّنُ بِالسَّنَامِ
مِنَ القَينات والشَّرْبِ الكِرامِ
وماذا بالقَلِيبِ قَلِيبٍ بَذْرٍ
فَهَلْ لي بعدَ قومي من سَلامِ
تُحَيِّنا السَّلامَةَ أُمُّ بَكْرٍ
يُحدِّثُنَا الرّسولُ بأنْ سَنَحْيا وكيفَ حياةُ أصْداءٍ وهامٍ
قوله: ((أنَّ أبا بكر تزوَّجَ امرأة من كَلْب)) أي: من بني كَلب، وهو گَلب بن عَوْف بن
عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كِنانة، ويدلّ عليه ما وَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ الحَكيم(٢)
من طريق الزُّبَيديّ عن الزُّهْريِّ في هذا الحديث: ثُمَّ من بني عَوْف، وأمَّا الكَلْبِيّ المشهور
فهو من بني كلب بن وَبْرة بن تَغْلِب بن قُضاعة.
قوله: ((أُمّ بكر)) لم أقِفْ على اسمها، وكأنَّه كُنْيتها المذكورة.
قوله: ((فلمَّا هاجَرَ أبو بكر طَلَّقَها، فتزوَّجَها ابن عمّها هذا الشّاعِر)) هو أبو بكر شَدّاد بن
الأسوَد بن عبد شمس بن مالك بن جَعْوَنة، ويقال له: ابن شَعُوب - بفتح المعجَمة وضمّ
المهمَلة وسكون الواو بعدها موحّدة - قال ابن حبيب: هي أمّه وهي خُزاعيَّة، لكن سَمّاه
عَمْرو بن شَمِر، وأنشَدَ له أشعاراً كثيرة قالها في الكُفر، قال: ثمَّ أسلم. وذكر مثله ابن
الأعرابيّ في كتاب ((مَن نُسِبَ إلى أمّه))، وزَعَمَ أبو عُبیدة أنَّه ارتَدً بعد إسلامه، حكاه عنه
ابن هشام في «زَوائد السِّيرة» والأوَّل أَولی.
(١) في باب ((ما يذكر في الشيب))، وباب ((الخضاب))، وهما البابان رقم (٦٦) و(٦٧).
(٢) في ((نوادر الأصول)) (٢٨١).

٤٩١
باب ٤٥ / ح ٣٩٢١
أبواب المبعث
وزاد الفاكِهِيّ(١) في هذا الحديث من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ: قالت عائشة:
والله ما قال أبو بكر بيت شِعر في الجاهليّة ولا الإسلام، ولقد تَرَكَ هو وعثمان شُرب الخمر في
الجاهليّة))، وهذا يُضَعِّف ما أخرجه الفاكِهِيّ أيضاً من طريق عَوْف عن أبي القَمُوص قال:
(شَرِبَ أبو بكر الخمر قبل أن تُحرَّم وقال هذه الأبيات، فبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّهِ فَغَضِب، فَبَلَغَ
ذلك عمر فجاء فقال: نعوذ بالله من غَضَب رسول الله، والله لا تَلِج رُؤوسنا بعد هذا أبداً،
قال: وكان أوَّل مَن حَرَّمَها، فهذا قد عارَضَه قولُ عائشة، وهي أعلم بشأنِ أبيها من غيرها.
وأبو القَمُوص لم يُدرِك أبا بكر، فالعُهدة على الواسطة، فلعلَّه كان من الرَّوافض، ودَلَّ
حديث عائشة على أنَّ لنسبة أبي بكر إلى ذلك أصلاً وإن كان غير ثابت عنه، والله أعلم.
قوله: ((رَفَى كَفَّارِ قُريش)) يعني: يوم بدر لمَّا قُتِلوا وألقاهم النبيّ وَّه في القَليب، وهي
البئر التي لم تُطْوَ.
قوله: ((من الشِّيزَى)) بكسر المعجمة وسكون التحتانيّة بعدها زاي مقصور، وهو شَجَر
يُتَّخَذ منه الجِفانُ والقِصاعُ الْخَشَبُ التي يُعمَل فيها الثَّريد. وقال الأصمعيّ: هي من شَجَر
الجَوز تَسْوَدُّ بالدَّسَمِ، والشِّيزَى جمع شِيْزِ، والشِّيْزِ يَغْلُظ حتَّى يُنحَت منه، فأراد بالشِّيزَى:
ما يُتَّخَذ منها، وبالجَفْنة: صاحبَها كأنَّه قال: ماذا بالقَليب من أصحاب الجِفان المَلْأَى
بلحومٍ أسنِمة الإبل، وكانوا يُطلِقونَ على الرجل المِطعام ((جَفْنة)) لكَثْرة إطعامه الناس فيها.
وأغرَبَ الدّاووديّ فقال: الشِّيزَى: الجِمال، قال: لأنَّ الإبل إذا سَمِنَت تَعظُم أسنِمَتها
ويَعظُم ◌َمالها. وغَلَّطَه ابن التِّين قال: وإنَّما أراد أنَّ الجَفْنة من الثَّريد تُزِيَّن بِقِطَع اللَّحم من
السَّنامِ.
قوله: ((القَيْنات)) جمع قَيْنة بفتح القاف وسكون التحتانيّة بعدها نون: هي المغنِّية، وتُطلَق
أيضاً على الأَمَة مُطلَقاً.
و(الشَّرْب)) بفتح المعجَمة وسكون الراء جمع شارِب، وقيل: هو اسم جمع، وجَزَمَ ابن
(١) وكذا الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (٢٨١).

٤٩٢
باب ٤٥ / ح ٣٩٢١
فتح الباري بشرح البخاري
٢٥٩/٧ التِّين / بالأوَّل فقال: هو كمَتجَرٍ وتاجِر، والمراد بهم النَّامَى.
قوله: «تحيّینا)) في رواية الگُشْمِيهنيّ: «تُحَیّني» بالإفراد.
وقوله: «فهل» في رواية الگُشْمِيهنيّ: «وهل لي» بالواو.
وقوله: ((من سَلام)) أي: من سَلامة، وفيه قوّة لمن قال: المراد من السَّلام الدَّعاء بالسَّلامة
أو الإخبار بها.
قوله: ((أصداءٍ)) جمع صَدَى: وهو ذَكَرُ البُوم، و((هامٍ)) جمع هامَة: وهو الصَّدَى أيضاً وهو
عطف تفسيريّ، وقيل الصَّدَى: الطائر الذي يَطير باللَّيلِ، والهامة: جُجُمة الرّأس وهي
التي يَخْرُج منها الصَّدَى بزَعمِهم، وأراد الشّاعر إنكار البعث بهذا الكلام كأنَّه يقول: إذا
صارَ الإنسان كهذا الطائر كيف يصير مَرّة أُخرَى إنساناً!
وقال أهل اللُّغة: كان أهل الجاهليّة يَزْعُمونَ أنَّرُوح القتيل الذي لا يُدرَك بثَأره تَصير
هامَةً فَتَزْقُو(١) وتقول: اسقوني اسقُوني، وإذا أُدرِكَ بثَارِه طارَت فذهبَت، قال الشّاعر (٢):
يا عَمرُو إلّا تَذَرْ شَتْمي ومَنْقَصَتي أضرِبْك حتَّى تقولَ الهامَةُ اسْقُوني
وقد أورَدَ ابن هشام هذه الأبيات في ((السِّيرة)) بزيادة خمسة أبيات.
ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من طريق أُخرَى عن ابن وَهْب، وعن عَنبَسةَ بن خالد أيضاً،
كلاهما عن يونس بالإسناد المذكور: أنَّ عائشة كانت تَدعُو على مَن يقول: إنَّ أبا بكر قال
القَصيدة المذكورة؛ فذكر الحديث والشِّعر مُطوَّلاً، وعند التِّرمِذيّ الحكيم من طريق
الزُّبَيديّ عن الزُّهْريِّ مثله وزادَ: قالت عائشة: فَنَحَلَها الناس أبا بكر الصِّدِّيق من أجل
امرأته أمّ بكر التي طَلَّق، وإنَّما قائلها أبو بكر بن شَعُوب. قلت: وابن شَعُوب المذكور هو
(١) مِنَ الزَّقْو والزَّقْي: وهو الصِّياح. («اللسان» (زقا).
(٢) هو ذو الإصبع العدواني، واسمه حُرْثان بن الحارث بن محرِّث من قيس عَيلان، سمّي بذي الإصبع لأن
حيّة نهشت أصبعه فقطَعَها فسمّي بذلك، وهو أحد حكام العرب في الجاهلية. انظر ((الاشتقاق))
ص٢٦٨ لابن دريد، و((الأغاني)) الأصبهاني ٨٦/٣.

٤٩٣
باب ٤٥ / ح ٣٩٢٢ -٣٩٢٣
أبواب المبعث
الذي يقول فيه أبو سفيان:
ولو شِئتُ نَجَّتْني كُمَيتُ طِمِرّةٌ ولم أحمِلِ النَّعماءَ لابنِ شَعُوبٍ
وكان حَنظَلة بن أبي عامر حَمَلَ يومٍ أُحُد على أبي سفيان فكادَ أن يَقتُلُه، فحَمَلَ ابنُ شَعُوب
على حَنظَلة من ورائه فقَتَلَه، فنَجَا أبو سفيان، فقال في ذلك أبياتاً منها هذا البيت(١).
٣٩٢٢- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّامٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن أبي بَكْرٍ
قال: كنتُ معَ النبيِّوَّه في الغار، فَرَفَعْتُ رأسي فإذا أنا بأقدامِ القومِ، فقلتُ: يا نبيَّ الله، لو أنَّ
بعضَهم طَأْطَأَ بَصَرَه رآنا! قال: ((اسكُتْ يا أبا بكرٍ، اثنانِ اللهُ ثالثُهما)).
الحديث الخامس والعشرون: حديث أنس، تقدَّم شرحه في مناقب أبي بكر (٣٦٥٣).
ومعنى قوله: ((اللّهُ ثالثهما)) أي: مُعاوِنهما وناصرُهما، وإلّا فهو مع كلّ اثنين بعِلمِه كما قال:
﴿مَا يَكُونُ مِن تَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧].
٣٩٢٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مسلم، حدَّثنا الأوْزاعيُّ (ح)
وقال محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا الأَوْزاعيُّ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ يَزِيدَ
اللَّيثيُّ، قال: حدَّثني أبو سعيدٍ ، قال: جاء أعرابٌّ إلى النبيِّ وَّهِ، فسألَه عن الهِجْرةِ؟ فقال:
((وَيَحَكَ! إِنَّ الهِجْرةَ شأنُها شديدٌ، فَهَلْ لكَ من إبلٍ؟)) قال: نعمْ، قال: ((فُتُعْطِي صَدَقَتَها؟)) قال:
نعمْ، قال: ((فَهَل تَنَحُ منها؟)) قال: نعمْ، قال: ((فَتَحْلُبُها يومَ وُرودِها؟)) قال: نعمْ، قال:
((فاعْمَلْ من وراءِ البحار، فإنَّ اللهَ لن يَتِرَكَ من عَمَلِكَ شيئاً».
الحديث السادس والعشرون: حديث أبي سعيد: ((جاء أعرابيّ إلى النبيّ وَلم يسأله عن
(١) ذكر قصة أبي سفيان مع حنظلة بن أبي عامر الراهب الشافعيُّ في ((الأم)» ٢٥٩/٤ وساق فيها ثلاثة أبيات
لأبي سفيان. وقوله: ((كميت)) الكُميت من الفرس والإبل: ما خالط لونه حُمرة مع سواد، وإنما صغِّر لأنه
لم يَخلُص لواحد منهما، فأرادوا بالتصغير أنه قريب منهما، وقوله: ((طِمِرَّة)): الطِّمرة من الخيل: الطويلة
الخفيفة القوائم، وأراد بقوله: ((النَّعماء)) أي: إنعامه عليه باستنقاذه. انظر ((الزاهر في غريب ألفاظ
الشافعي)) ص٣٩٣ لمحمد بن أحمد الهروي.

٤٩٤
باب ٤٦ / ح ٣٩٢٤ -٣٩٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
الهجرة)) الحديث، أورَدَه من طريقَينِ موصولٍ ومُعلَّقٍ، والموصول أخرجه في كتاب الزكاة
(١٤٥٢)، والمعلَّق أخرجه في كتاب الهِبة (١٦٣٣) بالإسنادَينِ المذكورَينِ هنا، ومَرَّ شرحه
في کتاب الزكاة.
والأعرابيُّ ما عَرَفتُ اسمَه، والهجرة المسؤول عنها: مُفارَقةٌ دار الكُفر إذ ذاكَ والتِزام
أحكام المهاجرين مع النبيّ وَّةِ، وكان ذلك وَقَعَ بعد فتح مكَّة، لأنَّها كانت إذ ذاكَ فَرْض
عَيْنٍ، ثمَّ نُسِخَ ذلك بقولِه وَّةِ: ((لا هِجرة بعد الفتح))(١).
وقوله: ((اعمَل من وراء البحار)» مُبالَغةٌ في إعلامه بأنَّ عمله لا يضيع في أيِّ موضع كان.
وقوله: ((لن يَتِرَك)) بفتح التحتائيَّة وكسر المثنّة ثمَّ راء وكاف، أي: يَنقُصَكَ.
٤٦ - باب مَقدَم النبيِّ وَّ وأصحابه المدينةَ
٣٩٢٤- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبَةُ، قال: أنْبَأنا أبو إسحاقَ، سمعَ البراءَ ﴾، قال:
أوَّلُ مَن قَدِمَ علينا مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ وابنُ أمّ مكتومٍ، ثمَّ قَدِمَ علينا عَّارُ بنُ ياسِرٍ ويِلالٌ رضي
الله عنهم.
٣٩٢٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثْنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ
٢٦٠/٧ البراءَ بنَ عازِبٍ / رضي الله عنهما، قال: أوَّلُ مَن قَدِمَ علينا مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ وابنُ أمِّ مكتومٍ،
وكانوا يُقْرِؤونَ الناسَ، فقَدِمَ بلالٌ وسَعْدٌ وعَّارُ بنُ ياسِرٍ، ثمَّ قَدِمَ عمرُ بنُ الخطّاب في عِشْرِينَ
من أصْحاب النبيِّ وَّهِ، ثُمَّ قَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ، فما رأيتُ أهلَ المدينةِ فَرِحُوا بشيءٍ فَرَحَهم
برسولِ اللهِوَلَ، حتَّى جَعَلَ الإماءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رسولُ اللهِهِ، فما قَدِمَ حتَّى قرأْتُ: ﴿َسَبِ أَسْمَ
رَبِّكَ اْأَعْلَى﴾ في سُوَرٍ مِن المفَصَّلِ.
قوله: (باب مَقدَم النبيّ وَّرِ وأصحابِهِ المدينةَ)) تقدَّم بيان الاختلاف فيه في آخِر شرح
حديث عائشة الطّويل (٣٩٠٥) في شأن الهجرة، ثمَّ أخرج(٢) من طريق مُعتَمِر بن سليمان
(١) سلف برقم (٢٧٨٣).
(٢) كذا وقعت العبارة في الأصلين و(س)، ولم نتبين وجه العطف فيه بـ((ثم))، ولا مرجع الضمير في قوله : =

٤٩٥
باب ٤٦ / ح ٣٩٢٤ -٣٩٢٥
أبواب المبعث
عن أبيه قال: قَدِمَ رسول الله وَله وأبو بكر وعليهما ثيابٌ بيضٌ شاميّة، فمرَّ على عبد الله بن
أُبِيّ، فَوَقَفَ عليه ليَدعُوَه إلى النُّزول عنده، فنظر إليه فقال: انظُر أصحابك الذين دَعَوك
فانزِل عليهم، فنزلَ على سعد بن خَيْئمة. قال الحاكم: الأوَّل أرجَح، وابن شِهاب أعرَف
بذلك من غيره.
قلت: ويُقوِّي قول ابن شهاب ما أخرجه أبو سعْد (١) في ((شَرَف المصطَفَى)) من طريق
الحاكم من طريق ابن مُجُمِّع: لمَّا نزلَ رسول الله ◌َ ◌ّر على كُلثوم بن الهِدْمِ هو وأبو بكر
وعامر بن فُهَيرة قال كُلثوم: يا نَجِيحُ - لمولّى له - فقال النبيّ وَّ: ((أنجَحْتَ)).
وذكر محمد بن الحسن بن زَبَالة في ((أخبار المدينة)»: أنَّه نزلَ على كُلثوم وهو يومئذٍ مُشرِك،
ويُؤيِّد قولَ التَّيميِّ ما أخرجه أبو سعْد(٢) أيضاً من طريق أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم:
قَدِمَ رسول الله وَّ﴿ قُباء يومَ الاثنين فنزلَ على سعد بن خَيْئمةَ، وجُمع بين الخَبَرَينِ بأنَّه نزلَ
على كُلثوم، وكان يَجلِس مع أصحابه عند سعد بن خَيْئمةَ، لأنَّه كان أعزَبَ، وإِن ثَبَتَ قول
ابن زبالة فكانَّ مَنزِل کُلثوم یختصّ بالمَبیت وسائر إقامته عند سعد لگونه کان أسلم.
ثمَّ ذكر المصنِّف فيه أحاديث:
الأول: حديث البراء.
قوله في الطريق الأولى: ((أبو إسحاق سمعَ البراء)) حَذف قوله: ((أَنَّه)) كما حَذَفَ ((قال)»
من الطَّريق الثاني: ((عن أبي إسحاق سمعت البراء))، وكان شُعْبة يرى أنَّ((أنبأنا)) و((أخبرنا))
و((حدَّثنا)) واحد، وقد تقدَّم البحث فيه في كتاب العلم (٣).
= أخرج. إلا أن يكون الحافظ أراد الحاكم؛ فقد أخرج الحاكم روايات الهجرة في كتاب ((الإكليل)) كما يشير
إليه صنيعه عند أول شرح الحديث (٣٩٠٦) حيث قيَّد بذكر كتاب ((الإكليل))، وسيذكره قريباً، والله
تعالى أعلم.
(١) تحرف (أ) و(ع) إلى: ابن سعد، وفي (س) إلى: أبو سعيد.
(٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: أبو سعيد.
(٣) في ((باب قول المحدِّث: حدَّثنا أو أخبرنا، وأنبأنا)) بين يدي الحديث (٦١).

٤٩٦
باب ٤٦ / ح ٣٩٢٤ -٣٩٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أوَّل مَن قَدِمَ علينا مُصعَب)) في رواية عن شُعْبة عند الحاكم في ((الإكليل))، وعن
عبد الله بن رجاء في روايته: من المهاجرين.
قوله: ((مُصعَب بن عُمير)) زاد ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٣٣٠): ((أوَّل مَن قَدِمَ علينا المدينة))، زاد في
رواية عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عند الإسماعيليّ: ((أخو بني عبد الدّار بن
قُصِيّ والده عُمير)) هو ابن هاشم بن عبد منافٍ بن عبد الدّار، زاد عبد الله بن رَجاء: ((فقلنا
له: ما فعَلَ رسول الله وَلَ؟ فقال: هو مكانه وأصحابه على أَثَري))، وذكر موسى بن عُقْبة
أَنَّه لمَّا قَدِمَ المدينة نزلَ على حبيب بن عَديّ، وذكر ابن إسحاق: أنَّ النبيّ وَ أَرسَلَ مُصعَباً مع
أهل العَقَبة يُعلِّمهم.
قوله: ((وابن أمّ مكتوم)) هو عَمْرو - ويقال: عبد الله - العامريّ من بني عامر بن لُؤَيّ،
ووَقَعَ في رواية ابن أبي شَيْبةٍ (٢٢٩/١٤ -٣٣٠): ثُمَّ أتانا بعده عَمْرو ابن أمّ مكتوم الأعمَى
أخو بني فِهْر، فقلنا: ما فعَلَ رسول الله وَّهِ وأصحابه؟ قال: هم على أَثَري، وفي رواية
عبد الله بن رَجاء: من وراءَك؟ زاد في رواية غُندَر عن شُعْبة: ثُمَّ عامر بن ربيعة ومعه
امرأته ليلى بنت أبي خيثمة(١)، وهي أوَّل مُهاجرة، وقيل: بل أوَّل مُهاجِرة أمّ سَلَمة لقولها
لمَّا ماتَ أبو سَلَمة: أوَّلُ بيتٍ هاجَرَ))(٢)، ويُجمَع بأنَّ أوَّلِيَّة أمّ سَلَمة بقَيدِ البيت وهو ظاهر
من إطلاقها.
قوله: ((ثُمَّ قَدِمَ علينا عَّار بن ياسِر وبلال)) في رواية غُندَر: ((فقَدِمَ))، وقد تقدَّم الاختلاف
في عَّار هل هاجَرَ إلى الحَبَشة أم لا؟(٣) فإن يكن، فكأنّه أيضاً مَمَّن قَدِمَ إلى مكّةَ منَ الحبشةِ،
٢٦١/٧ فحَصَّل له الهجرتَينِ(٤)، فقد كان مَّن تقدَّمهم إلى مكَّة، ثمَّ هاجَرَ/ إلى المدينة. وأمَّا بلال
فكان لا يُفارِق النبيَّ ◌َّهِ وأبا بكر، لكن تقدَّمهما بإذنٍ وتأخَّرَ معهما عامر بن فُهَيرة.
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: حثمة.
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم برقم (٩١٨).
(٣) انظر باب (٣٧): هجرة الحبشة.
(٤) من قوله: ((فكأنه أيضاً) إلى هنا سقط من (ع) و(س).

٤٩٧
باب ٤٦ / ح ٣٩٢٤-٣٩٢٥
أبواب المبعث
قوله في الرِّواية الثانية عن غُندَر عن شُعْبة: ((وكانوا يُقرِئونَ الناس)) في رواية الأَصِيلِيّ
وكَرِيمة: فكانا يُقرِئان الناس، وهو أوجَه، ويوَجِّه الأوَّل: إمّا على أنَّ أقلّ الجمع اثنان، وإمّا
على أنَّ مَن كان يُقرِئانه كان يقرأ معهما أيضاً.
قوله: (وسعد)) زاد في رواية الحاكم: ((ابن مالك)) وهو ابن أبي وقّاص، وروى الحاكم
من طريق موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب قال: ((وزَعَموا أنَّ من آخِرِ مَن قَدِمَ سعد بن أبي
وقّاص في عشرة فنزلوا على سعد بن خَيْئمةَ، وقد تقدَّم في أوَّل الهجرة(١): أنَّ أوَّل مَن قَدِمَ
المدينة من المهاجرين عامر بن ربيعة ومعه امرأته أمّ عبد الله بنت أبي خيثمة(٢)، وأبو سَلَمة
بن عبد الأسَد وامرأته أمّ سَلَمة، وأبو حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة، وشِماسُ بن عثمان بن
الشَّريد، وعبد الله بن جَحش، ولعلَّ هؤلاءِ كانوا في العشرينَ الذين قَدِموا مع عمرَ (٣).
فُيُجمَع بينه وبين حديث البراء بحَمْلِ الأوَّليّة في أحدهما على صِفة خاصّة، فقد جَزَمَ
ابن عُقْبة: بأنَّ أوَّل مَن قَدِمَ المدينة من المهاجرين مُطلَقاً أبو سَلَمة بن عبد الأسَد، وكان
رجع من الحبشة إلى مكَّة فأُوذيَ بمكَّة فَبَلَغَه ما وَقَعَ للاثنَي عشر من الأنصار في العَقَبة
الأولى، فَتَوَجَّهَ إلى المدينة في أثناء السَّنة، فيُجمَع بين ذلك وبين ما وَقَعَ هنا: بأنَّ أبا سَلَمة
خرج لا لقصدِ الإقامة بالمدينة بل فِراراً من المشركين، بخلاف مُصعَب بن عُمير فإنَّه خرج
إليها للإقامة بها، وتَعليم مَن أسلَمَ من أهلها بأمر النبيّ وَّةِ، فلكلِّ أوَّلِيَّةٌ من جِهة.
قوله في الرِّواية الثانية: ((ثمَّ قَدِمَ عمر بن الخطّاب في عِشرين من أصحاب النبيّ وَّ) في
رواية عبد الله بن رجاء: ((في عشرين راكبا))، وقد سَمَّى ابن إسحاق منهم: زيد بن الخطّاب
وسعيد بن زيد بن عَمْرو وعَمْرو بن سُرَاقة وأخاه عبد الله وواقد بن عبد الله وخالداً وإياساً
وعامراً وعاقلاً بني البُكَير وخُنَيَس بن حُذافة - بمُعجَمةٍ ونون ثمَّ سین مُصغّر - وعيّاش بن
رَبيعة وخَوْلِيّ بن أبي خَوليّ وأخاه، هؤلاء كلّهم من أقارب عمر وحُلَفائهم، قالوا: فنزلوا
(١) في باب (٤٥): هجرة النبي وَل﴿ وأصحابه إلى المدينة، قبل الحديث (٣٨٩٧).
(٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: حثمة.
(٣) من قوله: ((ولعل هؤلاء)) إلى هنا سقط من (س) و(ع).

٤٩٨
باب ٤٦ / ح ٣٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
جميعاً على رِفاعة بن عبد المنذر، يعني: بقُباء. قلت: فلعلَّ بقيَّة العشرين كانوا من أتباعهم.
وروى ابن عائذ في ((المغازي)) بإسنادٍ له عن ابن عبّاس قال: خرج عمر والزُّبَير وطلحة
وعثمان وعيّاش بن ربيعة في طائفة، فتَوَجَّهَ عثمان وطلحة إلى الشّام. انتهى، فهؤلاء ثلاثة
عشر [مع] مَن ذكر ابن إسحاق، وذكر موسى بن عُقْبة أنَّ أكثر المهاجرين نزلوا على بني
عَمْرو بن عَوْف بقُباءَ إلّا عبد الرحمن بن عَوْف، فإنَّه نزلَ على سعد بن الرَّبيع وهو خَزْرَجيّ،
وسيأتي في كتاب الأحكام (٧١٧٥) أنَّ سالم مَولَى أبي حُذيفة بن عُتبة كان يَؤُمّ المهاجرين
الأوَّلين في مسجدَ قُباء، منهم أبو سَلَمة بن عبد الأسَد.
قوله: ((حتَّى جَعَلَ الإِماءَ يَقُلنَ: قَدِمَ رسول الله)) في رواية عبد الله بن رجاء: فخرج الناس
حين قَدِمَ المدينةَ في الطّرق وعلى البيوت، والغِلمان والخَدَم: جاء محمد، جاء رسول الله،
الله أكبر، جاء محمد رسول الله، وَله. وأخرج الحاكم(١) من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن
أنس: فخَرَجَت جَوارٍ من بني النَّجّارِ يَضِرِبنَ بالذُّفِّ وهنَّ يَقُلنَ:
نحنُ جَوَارٍ من بني النَّجّارِ يا حَبَّذا محمَّدٌ من جارٍ
وأخرج أبو سعْد(٢) في (شَرَف المصطفى))، ورؤِّيناه في ((فوائد الخِلَعيّ)) (١٠٢٠) من
طريق عُبيد الله ابن عائشة مُنقَطِعاً: لمَّا دَخَلَ النبيّ ◌َّهِ المدينة جَعَلَ الولائد يَقُلنَ:
من ثَنِيّاتِ(٣) الوَداع
طَلَعَ البدرُ علينا
وَجَبَ الشَّكُرُ علينا ما دَعَالله داع
٢٦٢/٧ وهو سندٌ مُعضَل، ولعلَّ ذلك كان في قُدومه من غزوة تَبُوك (٤).
-
(١) هو في ((الإكليل)) كما صرح به الحافظ قريباً، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٨٩٩) بإسناد صحيح من طريق
ٹمامة بن عبد الله عن أنس.
(٢) تحرف في اع) إلى: ابن سعد، وفي (س) إلى: أبو سعيد.
(٣) تحرف في (س) إلى: ثنية.
(٤) هو عكس ما قرره البيهقي، حيث قال بعد أن أخرج الخبر في ((الدلائل)) ٢٦٦/٥ من الطريق المذكورة:
وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، لا أنه لّا قدم المدينة من ثنية الوداع عند مقدمه من تبوك.

٤٩٩
باب ٤٦ / ح ٣٩٢٦
أبواب المبعث
قوله: ((فما قَدِمَ حتَّى حَفِظتُ ﴿سَبِحٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سُوَرٍ من المفَصَّل)) أي: مع سُوَر،
وفي رواية الحسن بن سفيان عن بُندار شيخ البخاريّ فيه: ((وسُوَراً من المفَصَّل))، ومُقتَضاه
أنَّ ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ مَكّيَّة، وفيه نظر لأنَّ ابن أبي حاتم أخرج من طريق جيِّةٍ: أنَّ
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّّى ( وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِهِ، فَصَلَّى ﴾﴾ نزلت في صلاة العيد وزكاة
الفِطْر، وسنده حَسَن، وكلٌّ منهما شُرِعَ في السَّنة الثانية، فيُمكِن أن يكون نزول هاتَينِ منها
وَقَعَ بالمدينة. وأقوَى منه أن يَتقدَّم نزولُ السّورة كلِّها بمكّة. ثمَّ بَيَّن النبيّ وَِّ أَنَّ المراد
ب﴿فَصَلَّى﴾: صَلَّى صلاة العيد وب﴿ تَزَّى﴾: زكاة الفِطْر، فإنَّ تأخير البيان عن وقت
الخطاب جائز.
والجواب عن الإشكال من وجهينِ:
أحدهما: احتِمال أن تكون السّورة مَكّيَّة إلّا هاتَينِ الآيتينِ.
وثانيهما - وهو أصحُّهما فيه -: يجوز نزولها كلّها بمكَّة. ثمَّ بيَّن النبيّ وَلِّ المراد بقوله:
◌ِقَدْ أَفَحَ مَنْ تَزََّّى ◌َ وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِهِ، فَصَلَّى ٥): صلاة العيد وزكاة الفِطْر، فليس في الآية إلّا
الثَّرغيب في الذِّكر والصلاة من غير بيانٍ للمُراد، فبيَّنْه السُّنّة بعد ذلك.
الحديث الثاني: حديث عائشة.
٣٩٢٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها، أنَّها قالت: لَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ وَّهِ المدينةَ وُعِكَ أبو بكرٍ وبِلالٌ، قالت:
فدَخَلْتُ عليهما، فقلتُ: يا أبتِ، كيفَ تَجِدُكَ؟ ويا بلالُ، كيفَ تَجِدُكَ؟ قالت: فكان أبو بكرٍ إذا
أخَذَتْه الحُمَّی یقول:
كلُّ امرِئٍ مُصنَّحٌ في أهلِهِ والموتُ أدنى من شِرَاكِ نَعْلِهِ
وكان بلالٌ إذا أَقلَعَ عنه الخُمَّى، يُرفعُ عَقِیرتَه ویقول:
ألا لَيتَ شِعْري هل أبِيتَنَّ ليلةً بِوَادٍ وحَوْلِي إِذْخِرٌ وجَلِيلٌ
من تبوك.

٥٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
وهل أرِدَنْ يوماً مِياهَ مَجَنَّةٍ وهل يَبْدُوَنْ لي شامةٌ وطَفِيلُ
قالت عائشةُ: فجِئْتُ رسولَ الله ◌ِّهِ، فأخبَرَتُه، فقال: ((اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنَا مكَّةَ أو
أشَدَّ، وصَحِّحْها، وبارِكْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانقُلْ حُّها فاجْعَلْها بالجُحْفِ)).
قوله: ((قَدِمْنا المدينة)) في رواية أبي أُسامة عن هشام(١): وهي أَوبَأُ أرض الله، وفي رواية
محمد بن إسحاق(٢) عن هشام بن عُرْوة نحوه وزادَ: قال هشام: وكان وباؤُها معروفاً في
الجاهليّة، وكان الإنسان إذا دَخَلَها وأراد أن يَسلَم من وبائها قيل له: انهق، فيَنْهَق كما يَنھَق
الحمار، وفي ذلك يقول الشاعر:
لَعَمْرِي لَئِن غَنَّيِتُ(٣) مِن خِيفَةِ الرَّدَى نَهِيقَ حِمِارٍ إِنَّنِي لَمُرَوَّعُ
قوله: ((وُعِكَ)) بضمٍّ أوَّله وكسر ثانيه، أي: أصابه الوَعْك، وهي الحُمَّى.
قوله: («کیف ◌َجِدُك؟» أي: تَجِد نفسَك أو جسدك.
وقوله: ((مُصَبَّح)) بمُهمَلةٍ ثمَّ موخَّدة وزن محمَّد، أي: مُصاب بالموت صباحاً، وقيل:
المراد أنَّه يقال له وهو مُقيم بأهلِه: صَبَّحَك الله بالخير، وقد يَفجَأه الموت في بقيّة النَّهار وهو
مُقیم بأهلِه.
قوله: ((أدنَى)) أي: أقرَب.
قوله: (شِراك)) بكسر المعجَمة وتخفيف الراء: السّير الذي يكون في وجه النَّعل، والمعنى
٢٦٣/٧ أنَّ الموت أقرب إلى الشّخص من / شِراك نَعْله لِجلِه.
قوله: ((أقلَعَ عنه)) بفتح أوَّله، أي: الوَعك وبضمِّها، والإقلاعُ: الكَفّ عن الأمر.
(١) سلفت عند المصنف برقم (١٨٨٩).
(٢) وهو عند البيهقي في ((الدلائل)) ٢ / ٥٦٧، لكن سقط اسم ابن إسحاق من المطبوع بين يونس بن بكير
وهشام بن عروة.
(٣) هكذا في الأصلين و(س): غنَّيت، وفي ((الدلائل)) و کتب اللغة، و «دیوان عروة بن الورد» ص٢٥ وهو قائله:
عشَرتُ، قال ابن دريد: عشَر الحمارُ: نَق عشراً في طَلَق واحد. وانظر ((المخصص)) لابن سيده ٢/ ٢٧٢.