Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث قوله: ((فلم يَرِزَآني)) براءٍ ثمَّ زاي، أي: لم يَنقُصاني ممَّا معي شيئاً، وفي رواية أبي خليفة: وهذه كِنانتي فخُذْ سهماً منها، فإنَّك تَمُرُّ على إبلي وغَنَمي بمكانٍ كذا وكذا، فخُذْ منها حاجتك، فقال لي: ((لا حاجة لنا في إبلك)» ودَعَا له. قوله: ((أَخْفِ عَنّا)) لم يَذْكُر جوابه، ووَقَعَ في رواية البراء (٣٦١٥): فدعا له فنَجا، فجَعَلَ لا يَلقَى أحداً إلّا قال له: قد كُفيتُم ما هاهنا، فلا يَلقَى أحداً إلّا رَدَّه، قال: ووَفَ لَنا. وفي حديث أنس: فقال: يا نبيّ الله، مُرني بما شِئت، قال: ((فِقِفْ مكانك لا تَتْرُكنَّ أحداً يَلحَق بنا»، قال: فكان أوَّل النَّهار جاهداً على رسول الله وَّةِ، وكان آخِرِ النَّهار مَسلَحة له؛ أي: حارساً له بسلاحهِ. وذكر ابن سعد (١/ ٢٣٢): أنَّه لمَّا رَجَعَ قال لقُرَيشٍ: قد عَرَفْتُم بَصَري بالطَّريق وبالأثرٍ، وقد استَبرأت لكم فلم أرَ شيئاً، فرجعوا. قوله: ((كتابَ أمنٍ)) بسكون الميم، وفي رواية الإسماعيليّ: كتاب موادَعة، وفي رواية ابن إسحاق: كتاباً یکون آیةً بيني وبينك. قوله: «فأمَرَ عامر بن فُهَيرة فكَتَبَ في رُقعة من أَدیم)» وفي رواية ابن إسحاق: فكَتَبَ لي كتاباً في عَظْم - أو رُقعَةٍ(١) أو خِرقة - ثمَّ ألقاه إليّ، فأخذته فجَعَلته في کِنانتي ثمَّ رجعت، وفي رواية موسى بن عُقْبة نحوُه وعندهما: فرجعت فسُئِلت فلم أذكُر شيئاً مما كان، حتَّى إذا فَرَغَ من حُنَين بعد فتح مكَّة خَرَجت لألقاه ومَعي الكتاب، فَلَقيته بالجِعرانة حتَّى دَنَّوت منه فَرَفَعتَ يَدي بالكتاب فقلت: يا رسول الله، هذا كتابك فقال: ((يومُ وفاءٍ ویِرٌّ، اذْنُ)) فأسلَمت، وفي رواية صالح بن كَيْسان نحوه، وفي رواية الحسن عن سُرَاقة قال: فَبَلَغَني أنَّه يريد أن يَبعَث خالد بن الوليد إلى قومي، فأتيتُه فقلت: أُحِبّ أن تُوادِعٍ قومي، فإن أسلَمَ قومك أسلَموا وإلّا أمِنت منهم، ففَعَلَ ذلك، قال: ففيهم نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُم مِثَقُ﴾ الآية [النساء: ٩٠]، قال ابن إسحاق: قال أبو جهل لمَّا بَلَغَه ما لَقِيَ سُرَاقة لامَه في تَرْكهم، فأنشَدَه: (١) تحرف في (س) إلى: ورقة. ٤٦٢ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ فتح الباري بشرح البخاري أبا حَكَم واللّاتِ لو كنتَ شاهداً لأمر جَوادي إذ تَسِيخ قوائمُهْ عَجِبتَ ولم تَشكُكْ بأنَّ محمداً نبيٌّ وبُرهانٌ فمَن ذا يُكاتِمُهْ وذكر ابن سعد أنَّ سُرَاقة عارَضَهم يوم التُّلاثاء بقُدَيدِ. ٢٤٣/٧ الحديث الثالث عشر: قوله: ((قال ابن شهاب: فأخبرني عُرْوة بن الزُّبَير: أنَّ رسول الله وَ﴿ لَقِيَ الزُّبیرَ في رَكْب» هو مُتَّصِل إلی ابن شهاب بالإسناد المذكور أوّلاً، وقد أفرده الحاكم(١) من وجه آخر عن یحیی بن بُكَير بالإسناد المذكور، ولم يَستَخرِجه الإسماعيليّ أصلاً وصورته مُرسَل، لكن وَصَلَه الحاكم أيضاً (٣/ ١١) من طريق مَعمَر عن الزّهْريِّ قال: أخبرني عُرْوة أنَّه سمعَ الزُّبَير، به، وأفادَ أنَّ قوله: ((وسمعَ المسلمونَ ... )) إلى آخره، من بقيَّة الحديث المذكور. وأخرجه موسى بن عُقْبة (٢) عن ابن شِهاب به وأتمَّ منه، وزاد: قال: ويقال: لمَّا دَنَا من المدينة كان طلحة قَدِمَ من الشّام، فخرج عائداً إلى مكَّة، إمّا مُتَلَقّياً لهما وإمّا مُعتَمِراً، ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشّام، فلمَّا لَقِيَه أعطاه فَلَبِسَ منها هو وأبو بكر. انتهى، وهذا إن كان محفوظاً احتُمِلَ أن يكون كلّ من طلحة والزُّبَير أهدَى لهما من الثّياب، والذي في السّيِّرِ هو الثاني، ومالَ الدِّمياطيّ إلى ترجيحه على عادته في ترجيح ما في السّيَرِ على ما في ((الصحيح))، والأَوْلى الجمع بينهما، وإلّا فما في ((الصحيح)) أصحّ، لأنَّ الرّواية التي فيها طلحة من طريق ابن ◌َهِيعة عن أبي الأسوَد عن عُزْوة (٣)، والتي في ((الصحيح)) من طريق عُقيل عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة. ثمَّ وجدت عند ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٣٣٥) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه نحو رواية أبي الأسوَد، وعند ابن عائذ في ((المغازي)) من حديث ابن عبّاس: خرج عمر والزُّبَير وطلحة وعثمان وعيّاش بن ربيعة نحو المدينة، فتَوجَّهَ عثمان وطلحة إلى الشّام، فتَعيَّنَ تصحیح القولينِ. (١) يعنى في كتاب ((الإكليل)) كما قيّده به الحافظ في أول شرح الحديث (٣٩٠٦)، ولم نقف عليه مطبوعاً. (٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ٤٩٨/٢-٥٠١. (٣) لم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من المصادر. ٤٦٣ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث قوله: ((وسمعَ المسلمونَ بالمدينة)) في رواية مَعمَر: فلمَّا سمعَ المسلمونَ. قوله: (يَغْدونَ)) بسكون الغَين المعجمة، أي: يَخْرُجونَ غُدْوةً، وفي رواية الحاكم(١) من وجه آخر عن عُرْوة عن عبد الرحمن بن عُوَيم بن ساعدة عن رجال من قومه قال: لمَّا بَلَغَنا ◌َخَرَجُ النبيِّ وََّ كنَّا نَخرُج فَنَجلِس له بظاهرِ الحَرّة نَلجَأ إلى ظِلّ المدَر، حتَّى تَغْلِبَنا علیه الشمس، ثمَّ نرجع إلى ڕِحالنا. قوله: ((حتَّى يَرُدّهم)) في رواية مَعمَر: ((يُؤذيهم))، وفي رواية ابن سعد (١/ ٢٣٣): فإذا أحرَقَتهم الشَّمسُ رجعوا إلى منازلهم. ووَقَعَ في رواية أبي خليفة في حديث البراء: حتَّى أتينا المدينة ليلاً. قوله: ((فانقَلَبوا يوماً بعدَما طالَ انتِظارُهم)) في رواية عبد الرحمن بن عُوَیم: حتَّى إذا كان اليوم الذي جاء فيه جَلَسْنا كما كنَّا نَجلِس حتَّى إذا رَجَعنا جاء. قوله: ((أولَ رجل من يهود) أي: طَلَعَ إلى مكان عالٍ فأشرَفَ منه، ولم أقِف على اسم هذا اليهوديّ. قوله: ((أُطُم)) بضمِّ أوَّله وثانيه: هو الحِصن، ويقال: كلَّ بناءٍ من حجارة كالقصرِ. قوله: ((مُبَيَّضين)) أي: عليهم الثّياب البيض التي كَسَاهم إيّاها الزُّبَير أو طلحة، وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكون معناه مُستَعجِلين، وحَكَى عن ابن فارس: يقال: بايِضٌ، أي: مُستَعچِل. قوله: ((يَزُول بهم السَّراب)) أي: يَزول السَّراب عن النَّظَر بسبب عُروضهم له، وقيل: معناه ظَهَرَت حَرَكَتهم للعين. قوله: ((يا مَعاشرَ العرب)» في رواية عبد الرحمن بن عُوَيم: ((يا بني قَيْلة)) وهو بفتح القاف وسكون التحتانيَّة: وهي الجدّة الكُبرَى للأنصار والدة الأوس والخَزْرَج، وهي قَيلة بنت كاهِل بن عُذْرة. (١) في كتاب ((الإكليل))، ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ٢/ ٥٠٢. ٤٦٤ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((هذا جَدُّكُمْ)) بفتح الجيم، أي: حَظَّكم وصاحب دَولَتِكم الذي تَتَوَقَّعونَه، وفي رواية معمَر: هذا صاحبُکم. قوله: ((حتَّى نزلَ بهم في بني عَمْرو بن عَوْف)) أي: ابن مالك بن الأوس بن حارثة، ٢٤٤/٧ ومنازلهم بقُباء، وهي على فَرْسَخ من المسجد النَّبويّ/ بالمدينة، كان نزوله على كُلثوم بن الهِدْمِ، وقيل: كان يومَئذٍ مُشِرِكاً، وجَزَم به محمد بن الحسن بن زَبَالة في «أخبار المدينة)). قوله: ((وذلك يومَ الاثنين من شهر ربيع الأوَّل)) وهذا هو المعتَمَد، وشَذَّ مَن قال يومَ الجمعة، في رواية موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: قَدِمَها لهلال ربيع الأوَّل؛ أي: أوَّل يوم منه، وفي رواية جَرِير بن حازم عن ابن إسحاق: قَدِمَها لليلتَينِ خَلَتا من شهر ربيع الأوَّل، ونحوه عند أبي مَعشَر، لكن قال: ليلة الاثنين، ومثله عند ابن البَرْقيّ، وثَبَتَ كذلك في أواخر ((صحيح مسلم))(١)، وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق: قَدِمَها لاثنتَي عشرة ليلة خَلَت من ربيع الأوَّل، وعند أبي سعيد في ((شَرَف المصطفى)) من طريق أبي بكر ابن حَزْم: قَدِمَ لثلاثَ عشرةَ من ربيع الأوَّل، وهذا يُجمَع بينه وبين الذي قبله بالحَمْلِ على الاختلاف في رُؤية الهلال، وعنده من حديث عمر: ثُمَّ نزلَ على بني عَمْرو بن عَوْف يوم الاثنين لليلَتَينِ بَقيَتا من ربيع الأوَّل، كذا فيه ولعلَّه كان فيه: ((خَلَتا)) ليوافق رواية جَرِير بن حازم، وعند الزُّبَير في ((خَبَر المدينة)) عن ابن شهاب: في نصف ربيع الأوَّل، وقيل: كان قُدومه في سابعِه. وجَزَمَ ابن حَزْم بأنَّه خرج من مكَّة لثلاثِ لَیالٍ بَقِينَ من صَفَر، وهذا یوافق قول هشام ابن الكَلْبِيّ: أنَّه خرج من الغار ليلة الاثنين أوَّل يوم من رَبيع الأوَّل، فإن كان محفوظاً فلعلَّ قُدومه قُباء كان يوم الاثنين ثامن ربيعِ الأَوَّل، وإذا ضُمَّ إلى قول أنس: أنَّه أقامَ بقُباءَ أربعَ عشرةَ ليلةٌ، خرج منه أنَّ دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكَلْبِيّ جَزَمَ بأنَّه دَخَلَها لاثنتَي عشرة خَلَت منه، فعلى قوله تكون إقامته بقُباء أربع لَيالٍ فقط، وبه جَزَمَ (١) برقم (٢٠٠٩) (٧٥م) بلفظ : ... فقدمنا المدينة ليلاً. ٤٦٥ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث ابن حِبّان(١) فإنَّه قال: أقامَ بها الثّلاثاء والأربعاء والخميس؛ يعني: وخرج يوم الجمعة، فكأنَّه لم يَعتَّ بيومِ الخروج، وكذا قال موسى بن عُقْبة: أنَّه أقامَ فيهم ثلاث لَيالٍ فكأنَّه لم يَعْتَدّ بيومِ الخروج، ولا الدُّخول، وعن قوم من بني عَمْرو بن عَوْف أنَّه أقامَ فيهم اثنين وعشرين يوماً، حكاه الزُبير بن بكّار، وفي مُرسَل ◌ُزْوة بن الزُّبَير ما يَقُبُ منه كما يُذكَر عَقِب هذا، والأكثر أنَّه قَدِمَ نهاراً، ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٠٠٩): ((ليلاً))، ويُجمَع بأنَّ القدوم كان آخِرِ اللَّيل فدَخَلَ نهاراً. قوله: ((فقام أبو بكر للناسِ)) أي: يَتَلَقّاهم. قوله: ((فطَفِقَ)) أي: جَعَلَ ((مَن جاء من الأنصار ممَّن لم يَرَ رسول الله ◌َ يُحْيِّي أبا بكر)) أي: يُسلِّم عليه. قال ابن التِّين: إنَّما كانوا يَفعَلونَ ذلك بأبي بكر لكَثْرة تَرَدُّده إليهم في التِّجارة إلى الشّام فکانوا یعرِفونه، وأمَّا النبيّ پټ فلم يأتِها بعد أن کېِر. قلت: ظاهر السّياق يقتضي أنَّ الذي يُحِّي مَمَّن لا يَعرِف النبيّ ◌َّهِ يَظُنّه أبا بكر فلذلك يَبدَأْ بالسَّلام عليه، ويدلّ عليه قوله في بقيّة الحديث: فأقبَلَ أبو بكر يُظَلِّل عليه بِدائِهِ، فَعَرَفَ الناس رسول الله وبَّةِ، ووَقَعَ بيان ذلك في رواية موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب قال: وجَلَسَ رسول الله وَلَه صامتاً، فطَفِقَ مَن جاء من الأنصار مَّن لم يكن رآه يَحسِبه أبا بكر، حتَّى إذا أصابته الشمس أقبَلَ أبو بكر بشيءٍ أظَّه به، ولعبد الرحمن بن عوَيم في رواية ابن إسحاق: أناخَ إلى الظُّلّ هو وأبو بكر، والله ما أدري أیّهما هو، حتَّى رأینا أبا بكر ينحاز له عن الظِّ فعَرَ فناه بذلك. قوله: ((فَلَبِثَ رسول الله وَِّ في بني عَمْرو بن عَوْفٍ بِضِعَ عشرةَ ليلةً)) في حديث أنس الآتي في الباب الذي يَليه (٣٩٣٢): أنَّه أقامَ فيهم أربعَ عشرةَ ليلة، وقد ذكرت قبله ما (١) في ((الثقات)) له ١/ ١٣٣، إلّا أنه وقع في المطبوع منه: أنه وال﴿ أقام في بني عوف بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، بزيادة يوم الاثنين. ٤٦٦ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ فتح الباري بشرح البخاري يُخالفه، والله أعلم. قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: أقام فيهم ثلاثاً، قال: وروی ابن شهاب عن مُجَمِّع بن جاريةَ: ((أنَّه أقامَ اثنين وعشرين ليلة))، وقال ابن إسحاق: أقامَ فيهم خمساً، وبنو عَمْرو بن عَوْف يَزْعُمونَ أكثر من ذلك. قلت: ليس أنس من بني عَمْرو بن عَوْف، فإنَّهم من الأوس وأنس من الخَزْرَج، وقد جَزَمَ بما ذكرته فهو أوْلى بالقَبُولِ من غيره. ٢٤٥/٧ قوله: ((وأُسِّسَ المسجد الذي أُسّسَ / على التقوَى)) أي: مسجد قُباء، وفي رواية عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن ابن شِهاب عن عُرْوة قال: الذين بَنَى فيهم المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى هم بنو عَمْرو بن عَوْف، وكذا في حديث ابن عبّاس عند ابن عائذ ولفظه: ومَكَثَ في بني عَمْرو بن عَوْف ثلاث لَيالٍ، وانَّخَذَ مكانه مسجداً فكان يُصلِّ فيه، ثمَّ بناه بنو عَمْرو بن عَوْف فهو الذي أُسِّسَ على التقوَى. وروى يونس بن بُكَير في ((زيادات المغازي)) عن المسعوديّ عن الحَكَم بن عُتَيبة قال: لِمَّا قَدِمَ النبيّ ◌َ ◌ّه فنزلَ بقُباءَ قال عَّار بن ياسر: ما لرسولِ اللهِوَلَ بُدُّ من أن يَجِعَل له مكاناً يَسْتَظِلّ به إذا استَيِقَظَ ويُصلِّ فيه، فجَمع حجارة فبَنَى مسجد قُباء، فهو أوَّل مسجد ◌ُنيَ، يعني: بالمدينة، وهو في التحقيق أوَّل مسجد صَلَّى النبيّ وَلِّ فيه بأصحابه جماعةً ظاهراً، وأوَّل مسجد بُنيَ لجماعة المسلمين عامّة، وإن كان قد تقدَّم بناء غيره من المساجد لكن لمتُصوصِ الذي بناها كما تقدَّم في حديث عائشة (٣٩٠٥) في بناء أبي بكر مسجده. وروى ابن أبي شَيْبة (١٤/ ١١٠) عن جابر قال: لقد لَبثنا بالمدينة قبل أن يَقدَم علينا رسول الله وَله بسنتين نَعمُر المساجد ونُقيم الصلاة (٢). وقد اختُلِفَ في المراد بقوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فالجمهور على أنَّ المراد به: مسجد قُباء هذا وهو ظاهر الآية، وروى مسلم (١٣٩٨) من (١) في ((مصنفه)) برقم (٩٧٤٣). (٢) وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضعيف. ٤٦٧ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه: سألت رسول الله وَ ل﴿ عن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوَى فقال: ((هو مسجدُكم هذا»، ولأحمد (١١٨٦٤) والتِّرمذيّ (٣٢٣) من وجه آخر عن أبي سعيد: اختَلَفَ رجلان في المسجد الذي أُسِّسَ على التقوَى فقال أحدهما: هو مسجد النبيِّ وَّةَ، وقال الآخر: هو مسجد قُباء، فأتَيا رسولَ الله وَليل فسألاه عن ذلك فقال: ((هو هذا، وفي ذلك - يعني مسجد قُباء - خيرٌ كثير))، ولأحمد (٢١١٠٧) عن سهل بن سعدٍ نحوه، وأخرجه (٢١١٠) من وجه آخر عن سهل بن سعد عن أُبيّ بن كعب مرفوعاً. قال القُرطُبيّ: هذا السُّؤال صَدَرَ مَمَّن ظَهَرَت له المساواةُ بين المسجدَينِ في اشتراكهما في أنَّ كلَّ منهما بناه النبيّ وَّهِ، فلذلك سُئِلَ النبيُّ نَّهِ عنه فأجابَ بأنَّ المراد مسجدُه، وكأنَّ المَزَّة التي اقتَضَت تَعيينَه دون مسجد قُباء لكونِ مسجد قُباء لم يكن بناؤه بأمرٍ جَزمٍ من الله لنبيِّه، أو كان رأياً رآه بخلاف مسجده، أو كان حَصَل له أو لأصحابه فيه من الأحوال القلبِيَّة ما لم يَحَصُل لغيرهِ. انتَهَى، ويحتمل أن تكون المَزِيَّة لمَا اتُّفِقَ من طول إقامته وَيّ بمسجدِ المدينة، بخلاف مسجد قُباءَ فما أقامَ به إلّا أياماً قَلائل، وكَفَى بهذا مَزِيَّة من غير حاجة إلى ما تَكلَّفَه القُرطُبيّ، والحقّ أنَّ كلَّ منهما أُسِّسَ على التقوى، وقوله تعالى في بقيّة الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَنَطَهَّرُواْ﴾: يُؤيِّد كَون المراد مسجدَ قُباءَ، وعند أبي داود (٤٤) بإسنادٍ صحيح(١) عن أبي هريرة عن النبيّ وَ لّ قال: ((نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنْطَهَرُواْ﴾: في أهل قُباء))، وعلى هذا فالسِّ في جوابه وَلَه بأنَّ المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى مسجدُهُ رَفَعَ تَوهُّم أنَّ ذلك خاصٌّ بمسجدٍ قُباءَ، والله أعلم. قال الدّاووديّ وغيره: ليس هذا اختلافاً، لأنَّ كلَّ منهما أُسِّسَ على التقوى، وكذا قال السُّهَيليّ، وزاد غيره أنَّ قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يقتضي أنَّه مسجد قُباء، لأنَّ تأسيسَه كان في أوَّل يومٍ حَلَّ النبيّ وَّ بدار الهجرة، والله أعلم. (١) بل ضعيف فيه يونس بن الحارث الثقفي وهو ضعيف، والراوي عنه إبراهيم بن أبي ميمونة مجهول، وقد ضعَّف الحافظ نفسه الحديث في ((التلخيص الحبير)) ١ / ١١٢، وأخرجه أيضاً بالإسناد نفسه ابن ماجه (٣٥٧) والترمذي (٣١٠٠)، لكن له شواهد يتقوَّى بها كما هو مبيَّن في التعليق على ((السُّنن)». ٤٦٨ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ رَكِبَ راحلتَه)) وَقع عند ابن إسحاق وابن عائذ: أنَّه رَكِبَ من قُبَاءَ يومَ الجمعة، فأدرَكَته الجمعة في بني سالم بن عَوْف فقالوا: يا رسول الله، هَلُمَّ إلى العَدَد والعُدَد والقوّة، انزِل بين أظهرنا. وعند أبي الأسوَد عن عُرْوة نحوُه، وزادَ: وصاروا يَتَنَازَعونَ زِمامَ ناقته، وسَمَّى ثمّن سألَه النُّزول عندهم عِثْبانَ بن مالك في بني سالم، وفَرْوةَ بن عَمْرو في بني بَيَاضة، وسعد بن عُبادة والمنذر بن عَمْرو وغيرهما في بني ساعدة، وأبا سَليط وغيره في بني عَديّ، يقول لكلُّ منهم: ((دَعُوها فإنَّا مأمورة))، وعند الحاكم(١) من طريق إسحاق ٢٤٦/٧ ابن أبي طلحة عن أنس: جاءت الأنصار فقالوا: إلينا يا رسول الله،/ فقال: ((دَعُوا الناقة، فإنَّها مأمورة))، فبَرَگت على باب أبي أيوبَ. قوله: ((حتَّى بَرَكَت عند مسجد الرّسول ◌َّر بالمدينة)) في حديث البراء (٢) عن أبي بكر: ((فَتَنَازَعَه القوم أيّهم يَنزِل عليه فقال: إنّ أنزل على أخوال عبد المطَّلِب)) أُكرمهم بذلك، وعند ابن عائذ عن الوليد بن مسلم وعند سعيد بن منصور، كلاهما عن عَطّف بن خالد: أَّهَا استَناخَت به أوَّلاً فجاءه ناس فقالوا: المنزل يا رسول الله، فقال: ((دَعوها))، فانبَعَثَت حتَّى استَنَاخَت عند موضع المِنبَرَ من المسجد، ثمَّ تَحَلحَلَت فنزلَ عنها فأتاه أبو أيوب فقال: إِنَّ منزِلي أقرَبُ المنازل فأذَن لي أن أنقُل رَحْلَك، قال: ((نعم))، فتَقَلَ وأناخَ الناقة في مَنِزِله، وذكر ابن سعد (١/ ٢٣٧): أنَّ أبا أيوب لمَّا نَقل رَحْل النبيّ وَّهَ إلى مَنزِله قال النبيُّ ◌َّ. ((المرءُ مع رَحْلِه))، وأنَّ سعد بن زرارة جاء فأخَذَ ناقَته فكانت عنده، قال: وهذا أثبت، وذكر أيضاً: أنَّ مُدّة إقامته عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر. قوله: ((وكان)) أي: موضع المسجد ((مِرْبَدا)) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحّدة: هو الموضع الذي يُفَّف فيه التمر. وقال الأصمعيّ: المِرِبَد كلّ شيء حُبسَت فيه الإبل أو الغنم، وبه سُمّيَ مِربَد البَصْرة، لأنّه كان موضع سُوق الإبل. قوله: ((لسُهَيلٍ وسهل)) زاد ابن عُيَينةَ في ((جامعه)) عن أبي موسى عن الحسن: ((وكانا من (١) في ((الإكليل)) كما قيده به في أول شرح الحديث (٣٩٠٦)، وأخرجه البيهقي في ((الدلائل)) (٥٠٨/٢). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٩)، وقد سلف في البخاري (٣٦١٥) و(٣٦٥٢) دون هذا الحرف. ٤٦٩ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث الأنصار))، وعند الزُّبَير بن بكّار في ((أخبار المدينة)): أنَّهما ابنا رافع بن عَمْرو، وعند ابن إسحاق: أنَّ النبيَّ وَِّ سألَ: ((لمن هذا؟» فقال له معاذ ابن عَفراء: هو لسُهَيلِ وسَهل ابني عَمْرو، یتیمان لي وسأُرضیهما منه. قوله: ((في حِجْر سعد بن زُرارةَ)) كذا لأبي ذرٍّ وحده، وفي رواية الباقين: ((أسعد)) بزيادة ألف وهو الوجه، وكان أسعَد من السابقين إلى الإسلام من الأنصار، ويُكْنى أبا أُمامة، وأمَّا أخوه سعد فتأخَّرَ إسلامه، ووَقَعَ في مُرسَل ابن سِيرِين عند أبي عُبيد في ((الغريب)): أنَّهما كانا في حِجر معاذ ابن عَفراء، وحَكَى الزُّبَيرِ: أنَّهما كانا في حِجْر أبي أيوب، والأوَّل أثبت، وقد يُجمَع باشتراكِهما أو بانتقال ذلك بعد أسعَد إلى مَن ذكر واحداً بعد واحد، وذكر ابن سعد: أنَّ أسعَد بن زرارة كان يُصلِّيّ فيه قبل أن يَقدَم النبيّ أمّ. قوله: ((فساوَمهما)) في رواية ابن عُيَينةَ: فَكَلَّمَ عَمّهما، أي: الذي كانا في حِجْرِه أن يَبتاعَه منهما فطلبه منهما فقالا: ما تَصنَع به، فلم يَجِدْ بُدّاً من أن يَصدُقَهما. ووَقَعَ لأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيّ: فأبى أن يَقبلَه منهما. قوله: ((حتَّى ابتاعَه منهما) ذكر ابن سعد (٢٣٩/١) عن الواقديّ عن مَعمَر عن الزّهْرِيِّ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَ أبا بكر أن يُعطيهما ثَمَنه، قال: وقال غير مَعمَر: أعطاهما عشرة دنانير، وتقدَّم في أبواب المساجد (٤٢٨) من حديث أنس: أنَّ النبيَّيَّه قال: ((يا بني النَّجّار، ثامِنُوني بحائطِكُم، قالوا: لا والله لا نَطلُب ثَمَنه إلّا إلى الله))، ويأتي مثلُه في آخِرِ الباب الذي يليه (٣٩٣٢)، ولا مُنافاة بينهما، فيُجمَع بأنَّهم لمَّا قالوا: لا نَطلُب ثَمَنه إلّا إلى الله سألَ عَمَّن يختصّ بمِلكِهِ منهم فعَيَّنوا له الغلامَينِ فابتاعه منهما، فحينئذٍ يحتمل أن يكون الذين قالوا له: لا نَطلُب ثَمَنه إلّا إلى الله تَحَمَّلوا عنه للغلامَينِ بالثَّمَنِ، وعند الزُّبَيرِ: أنَّ أبا أيوب أرضاهما عن ثَمَنه. قوله: ((وطَفِقَ رسول الله وَّ) أي: جَعَلَ ((يَنقُل منهم اللَّبن)) أي: الطُّوب المعمول من الطّين الذي لم يُحرَق، وفي رواية عَطّف بن خالد عند ابن عائذ: أنَّه صَلَّى فيه وهو عَريش اثنَي عشرَ يوماً، ثمَّ بناه وسَقَفَه. وعند الزُّبَير في ((خَبَرَ المدينة)) من حديث أنس: أنَّه بناه أوَّلاً بالجَريدِ ٤٧٠ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ فتح الباري بشرح البخاري ثمّ بناه باللِّنِ بعد الهجرة بأربع سنين. قوله: ((هذا الجِمال)) بالمهمَلة المكسورة وتخفيف الميم، أي: هذا المحمول من اللَّبِن ((أبرّ)) عند الله، أي: أبقَى ذُخراً وأكثر ثواباً وأدوَم مَنفَعة وأشدّ طهارة من حِمال خَيبَر، أي: التي يُحِمَل منها التمر والَّبيب ونحو ذلك. ووَقَعَ في بعض النُّسَخ في رواية المُستَمْلي: «هذا الجمال)) بفتح الجيم. وقوله: ((رَبَّنا)) مُنادَی مُضاف. ٢٤٧/٧ قوله: «اللهمَّ إنَّ الأجر أجر الآخِرِهْ، فارحَم الأنصار والمهاجرة» كذا/ في هذه الرِّواية، ويأتي في حديث أنس (٣٩٣٢) في الباب الذي بعده: «اللهمَّ لا خير إلّا خير الآخِرِه، فانصُر الأنصار والمهاجره))، وجاء في غزوة الخندق (٤٠٩٨) بتغييرٍ آخر من حديث سهل بن سعد، ونَقَلَ الكِرْمانيُّ: أنَّه وَّرَ كان يَقِف على ((الآخِرِه)) و((المهاجره)) بالتاء مُرَّكة فيُخرِجه عن الوَزن، ذكره في أوائل كتاب الصلاة ولم يَذْكُر مُستَنَده، والكلام الذي بعد هذا يَرُدّ عليه. قوله: ((فتَمثَّلَ بشِعرِ رجل من المسلمين لم يُسَمَّ لي)) قال الكِرْمانيّ: يحتمل أن يكون المراد الرَّجَز المذكور، ويحتمل أن يكون شِعراً آخر. قلت: الأوَّل هو المعتَمَد، ومُناسَبة الشِّعر المذكور للحال المذكور واضحة، وفيها إشارة إلى أنَّ الذي وَرَدَ في كراهية البناء مُخْتَصّ بما زاد على الحاجة، أو لم يكن في أمرٍ دينيٌّ كَبناءِ المسجد. قوله: ((قال ابن شهاب: ولم يَبلُغنا أنَّ النبيّ ◌َّ تَفَّلَ ببيتٍ شِعر تامّ غیر هذه الأبيات)) زاد ابن عائذ في آخره: ((التي كان يَرتَجِز بهنَّ وهو يَنقُل اللَّبِن لبناءِ المسجد». قال ابن التِّين: أُنكِرَ على الزُّهْرِيِّ هذا من وجهَينِ: أحدهما: أنَّه رَجَز وليس بشِعرٍ، ولهذا يقال لقائلِه راجز، ويقال: أنشَدَ رَجَزاً، ولا يقال له شاعر ولا أنشَدَ شِعراً. والوجه الثاني: أنَّ العلماء اختَلَفوا هل يَنْشُد النبيَّ ◌َلَّ شِعراً أم لا؟ وعلى الجواز هل يَنشُد بيتاً واحداً أو يزيد؟ وقد قيل: إنَّ البيت الواحد ليس بشِعرٍ، وفيه نظر، انتهى. ٤٧١ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث والجواب عن الأوَّل: أنَّ الجمهور على أنَّ الرَّجَز من أقسام الشِّعر إذا كان مَوزوناً، وقد قيل: إنَّه كان ﴿ إذا قال ذلك لا يُطلِقِ القافيةَ بل يقولها مُتَحرِّكةَ التاء، ولا يَثْبُت ذلك، وسيأتي من حديث سَهْل بن سعد في غزوة الخندق (٤٠٩٨) بلفظ: ((فاغفِر للمُهاجرين والأنصار))، وهذا ليس بموزونٍ. وعن الثاني: بأنَّ الممتَنِعِ عنه ◌َّهِ إنشاؤه لا إنشاده، ولا دليل على مَنع إنشاده مُتَمَثُّلاً. وقول الزُّهْرِيِّ: ((لَ يَبلُغنا)) لا اعتراض عليه فيه، ولو ثَبَتَ عنه ◌َِّ أَنَّه أنشَدَ غيرِ ما نَقَلَه الُّهْريّ، لأنَّه نَفَى أن يكون بَلَغَه، ولم يُطلِقِ النَّفي المذكور. على أنَّ ابن سعد روى (٢٤٠/١) عن عَفّان عن مُعتَمِر بن سليمان عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ قال: لم يَقُل النبيّ ◌َلِّ شيئاً من الشِّعر إلّا شيئاً(١) قيل قبلَه أو يُروَى عن غيره إلّا هذا؛ كذا قال. وقد قال غيره: إنَّ الشِّعر المذكور لعبدِ الله بن رَوَاحة، فكأنَّه لم يَبلُّغه، وما في ((الصحيح)) أصحّ، وهو قوله: شِعر رجل من المسلمين. وفي الحديث: جواز قول الشِّعر وأنواعِه خصوصاً الرَّجَز في الحرب، والتعاون على سائر الأعمال الشّاقّة، لما فيه من تحريك الهِمَم وتشجيع النُّفوس وتَحُرُّكها على مُعالجة الأُمور الصَّعبة، وذكر الزُّبَير من طريق مُجُمِّع بن يزيد، قال قائل من المسلمين في ذلك: لَئِن قَعدْنا والنبيُّ يَعملُ فذاكَ منّا العملُ المضَلَّلُ ومن طريق أُخرَى عِن أَبِي سَلَمة نحوُه، وزادَ: قال: وقال عليّ بن أبي طالب: لا يَستَوي مَن يَعمُرُ المساجدا يَدْأَبُ فيها قائماً وقاعدا ومَن يُرَى عن التّراب حائدا وسيأتي كيفيَّة نُزوله على أبي أيوبَ إلى أن أكمَلَ المسجد في حديث أنس في هذا الباب إن شاء الله تعالى. (١) قوله: ((إلا شيئاً)) سقط من (س). ٤٧٢ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٧ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: أخرج المصنِّ هذا الحديث بطوله في ((التاريخ الصغير)) بهذا السَّنَد، فزاد بعد قوله هذه الأبيات: وعن ابن شِهاب قال: كان بين ليلة العَقَبة - يعني الأخيرة - وبين مُهاجَر النبيّ وَّ ثلاثة أشهر أو قريب منها (١). قلت: هي ذو الحِجّة والمحَرَّم وصَفَر، لكن كان مَضَى من ذي الحِجّة عشرة أيام، ودَخَلَ المدينة بعد أن استَهَلَّ رَبيع الأوَّل، فمهما كان(٢) الواقع أنَّه اليوم الذي دَخَلَ فيه من الشَّهر يُعرَف منه القَدْر على التحرير، فقد يكون ثلاثة سواءً، وقد يَنقُص وقد يزيد، لأنَّ أقلّ ما قيل: إنَّه دَخَلَ في اليوم الأوَّل منه، وأكثر ما قيل: إنَّه دَخَلَ الثاني عشر منه. ٣٩٠٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه وفاطمةَ، عن أسماءَ رضي الله عنها: صَنَعْتُ سُفْرَةً للنبيِّ ◌َ﴿ وأبي بَكْرِ حينَ أرادا المدينةَ، فقلتُ لأبي: ما أجِدُ شيئاً أَربِطُه إلا نِطاقي، قال: فشُقِّيه ففَعَلْتُ، فسُمِّيتُ ذاتَ النُّطاقَينِ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: أسماءُ ذاتُ النِّطاقِ. الرابع عشر: قوله: ((عن أبيه)) هو عُرْوة، وفاطمة: هي امرأته بنت المنذر بن الزُّبَير، وأسماء جَدَّتهما جميعاً. ٢٤٨/٧ قوله: ((فقلت لأَبي)) أي: قالت لأبي بكر الصِّدِّيق. قوله: ((أربطُه)) أي: المتاع الذي في السُّفرة أو رأس السُّفرة، أو ذكَّرت باعتبار الظَّرف لأَنَّه مُذكَّر، ويُستَفاد من هذا أنَّ الذي أمَرَها بشَقِّ نِطاقها لتَربطَ به السُّفرة هو أبوها، وتقدَّم تفسير النِّطاق في حديث عائشة قبلُ (٣٩٠٥). الحديث الخامس عشر: قوله: ((وقال ابن عبّاس: أسماء ذات النِّطاق)) وَصَلَه في تفسير براءة في أثناء حديث (٤٦٦٥)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ٣٩٠٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ (١) وأخرج هذه الزيادة مفردةً الحاكم في ((المستدرك)) ٦٢٥/٢ - ٦٢٦، والبيهقي في ((الدلائل)) ٥١١/٢. (٢) تحرف في (أ) إلى: منها فكان. ٤٧٣ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٨ - ٣٩٠٩ أبواب المبعث البراءَ ﴾، قال: لمَّا أقبَلَ النبيُّ نَّه إلى المدينةِ تَبِعَه سُرَاقةُ بنُ مالكِ بنِ جُعْثُم، فدعا عليه النبيُّ وَِّ، فساخَت به فَرَسُه، قال: ادْعُ اللهَ لي ولا أضُرُّكَ، فَدَعا له، قال: فَعَطِشَ رسولُ الله ◌َّهِ، فمرَّ براعٍ، قال أبو بَكْرٍ: فأخَذْتُ قَدَحاً فحَلَبتُ فيه كُثْبَةً من لَبَنِ، فشَرِبَ حتَّى رَضِيتُ. الحديث السادس عشر: حديث البراء في قِصّة الهجرة. أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم مُطوَّلاً في علامات النُّبوّة (٣٦١٥)، وفي مناقب أبي بكر مع شرحه (٣٦٥٢)، وذكر هنا أوَّله عن البراء، وإنَّما هو عنده عن أبي بكر كما تقدَّم بيانه، وفي آخِرِ هذا الحديث هنا ما يشير إلى ذلك، ثمَّ أعادَه المصنِّف في هذا الباب، كما سيأتي بعد أبواب (٣٩١٧) من وجه آخر عن البراء أتمّ ممّا هنا كما سأُنبِّه عليه. الحديث السابع عشر: حديث أسماء بنت أبي بكر: ((أََّا حَت بعبدِ الله بن الزُّبَير)) يعني: بمگَّة. ٣٩٠٩- حدَّثني زَكَرِيّا بنُ يحيى، عن أبي أسامةَ، عن هشام بنِ عُرْوةً، عن أبيه، عن أسماءَ رضي الله عنها: أنَّهَا حَمَلَت بعبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ، قالت: فخَرَجْتُ وأنا مُتِمٌّ، فأتيتُ المدينةَ، فنزلتُ بقُبَاءَ فوَلَدْتُه بِقُبَاءَ، ثمَّ أتيتُ به النبيَّ ◌َّهِ فَوَضَعتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثمَّ دَعَا بِتَمْرةٍ فمَضَغَها، ثمَّ تَفَلَ في فِيهِ، فكان أوَّلَ شيءٍ دَخَلَ جَوْفَهَ رِيقُ رسولِ الله ◌ِِّ، ثمَّ حَنَّكَه بتَمْرةٍ، ثمَّ دَعَا له وبَّكَ عليه، وكان أوَّلَ مولودٍ وُلِدَ في الإسلامِ. تابَعَه خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، عن عليٍّ بنِ مُشْهِرٍ، عن هشام، عن أبيه، عن أسماءَ رضي الله عنها: أنَّها هاجَرَت إلى النبيِّ وَّ وهي حُبْلَى. [طرفه في: ٥٤٦٩] قوله: ((وأنا مُتِمٌّ) أي: قد أتممت مُدّة الحَمل الغالبة وهي تسعة أشهر، ويُطلَق ((مُتِمّ)) أيضاً على مَن ولدت لتمامٍ. قوله: ((فنزلتُ بِقُبَاءَ فوَلَدَته بقُباء)) هذا يُشعِر بأنَّها وصَلَت إلى المدينة قبل أن يَتَحوَّل النبيّ ◌َل﴿ من قُباء، وليس كذلك. ٤٧٤ باب ٤٥ / ح ٣٩١٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ أتيت به النبيَّ ◌َ﴿) أي: بالمدينة. قوله: (ثُمَّ تَفَلَ)) بمُثنّاةٍ ثمَّ فاء، تقدَّم بيانه في أبواب المساجد (٤١٥). قوله: «ثُمَّ حنگه» أي: وضع في فِیهِ التمرة، ودَلَّك حَنَّگه بها. قوله: ((وبَرَّكَ عليه) أي: قال: بارَكَ الله فيكَ، أو: اللهمَّ بارِكْ فيه. قوله: ((وكان أوَّل مَولود وُلِدَ في الإسلام)) أي: بالمدينة من المهاجرين، فأمَّا مَن وُلِدَ بغير المدينة من المهاجرين فقيل: عبد الله بن جعفر بالحَبَشة، وأمَّا من الأنصار بالمدينة فكان أوَّل مَولود وُلِدَ لهم بعد الهجرة مَسلَمة بن تَخَلَد كما رواه ابن أبي شَيْبة (٤٥/١٣)، وقيل: التُّعمان ابن بشير. وفي الحديث: أنَّ مَولِد عبد الله بن الزّبَير كان في السَّنة الأولى وهو المعتَمَد، بخلاف ما جَزَمَ به الواقديّ ومَن تَبعَه بأنَّه وُلِدَ في السَّنة الثانية بعد عشرين شهراً من الهجرة، ووَقَعَ ٢٤٩/٧ عند الإسماعيليّ من الزّيادة/ من طريق عبد الله بن الرُّوميّ عن أبي أسامة بعد قوله: في الإسلام ((ففَرِحَ المسلمونَ فَرَحاً شديداً»، لأنَّ اليهود كانوا يقولون: قد سَحَرناهم حتَّى لا يُولدَ لهم، وأخرج الواقديّ ذلك بسندٍ له إلى سَهل بن أبي حَثْمة، وجاء عن أبي الأسوَد عن عُرْوة نحوُه، ويَرُدُّه أنَّ هِجرة أسماء وعائشة وغيرهما من آلِ الصِّدِّيق كانت بعد استقرار النبيِّ وَّ بالمدينة، فالمسافة قريبة جدّاً لا تحتَمِل تأخّر عشرين شهراً، بل ولا عشرة أشهر. قوله: ((تابَعَه خالد بن تَخَلَد)) وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة عن خالد ابن ◌َلَد بهذا السَّنَد، ولفظه: إنَّها هاجَرَت وهي حُبَى بعبدِ الله، فوَضَعَته بقُباءَ فلم تُرضِعه حتَّى أتت به النبيّ وَّ نحوه، وزاد في آخره: ثُمَّ صَلَّى عليه - أي: دعا له - وسماه عبد الله. ٣٩١٠- حدّثنا قُتَيبةُ، عن أبي أسامةَ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه عن عائشةَ رضي الله عنها: قالت: أوَّلُ مولودٍ وُلِدَ في الإسلامِ عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ، أَتَوْا بِه النبيَّ ◌َِّ، فَأَخَذَ النبيُّ ◌َّهِ تَمْرَةً فلاَكَها، ثمَّ أَدْخَلَها في فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا دَخَلَ بَطْنَهَ رِيقُ النبيِّ ◌ََّ. الحديث الثامن عشر: حديث عائشة في المعنى، هو محمولٌ على أنَّه: عن عُرْوة عن أمّه ٤٧٥ باب ٤٥ / ح ٣٩١٠ أبواب المبعث أسماء وعن خالَته عائشة، فقد أخرجه المصنّف من رواية أبي أسامة عن هشام على الوجهَينِ كما تَرَى، وفي رواية أسماء زيادة تَخْتَصّ بها، وقد ذكر المصنّف لحديث أسماء مُتابعاً وهي الرِّواية المعَلَّقة التي فرَغنا منها، وذكر أبو نُعَيم لحديثِ عائشة مُتابعاً من رواية عبد الله بن محمد بن يحيى عن هشام، وأخرج مسلم (٢١٤٨) من طريق أبي خالد عن هشام مختصراً نحوَه، وأخرج مسلم (٢١٤٦/ ٢٥) من طريق شُعَيب بن إسحاق عن هشام ما يقتضي أنَّه عند عُرْوة عن أمّه وخالَته، ولفظه عن هشام: حدَّثني عُرْوة وفاطمة بنت المنذر قالا: خَرجَت أسماء حين هاجَرَت وهي حُبَلَى بعبد الله بن الزُّبَير، قالت: فقَدِمت قُبَاءَ فنُفِسْتُ به، ثمَّ خَرَجت فأخَذَه رسول الله وَله ليُحَنِّكَه، ثمَّ دَعَا بتمرةٍ، قالت عائشة: فمَكَثنا ساعةً نَلتَمِسَها قبل أن نَجِدها فمَضَغَها، الحديث، فهذا الحديث فيه البيان أنَّه عند عُرْوة عنهما جميعاً، وزاد في آخِر هذا الطَّريق: وسَّمَاه عبدَ الله، ثمَّ جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان ليُبَايِعَ رسول الله وَلُه، وأمَرَه بذلك الُّبَيرِ، فَتَسَّمَ وبایعَه. وقد ذكر ابن إسحاق: أنَّ النبيّ وََّ لمَّا قَدِمَ المدينة بَعَثَ زيد بن حارثة فأحضَرَ زوجته سَوْدة بنت زَمْعة وبنتَه فاطمة وأُمّ كُلثوم وأُمّ أيمَن زوج زيد بن حارثة وابنها أُسامة، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر ومعه أمّه أمّ رُومان وأُختاه عائشة وأسماء، فقَدِموا والنبيُّ ◌َّ يبني مسجده، ومجموع هذا مع قولها: ((فوَلَدَته بقُباء)) يدلّ على أنَّ عبد الله بن الزُّبَيرِ وُلِدَ في السَّنة الأولى من الهجرة كما تقدَّم. قوله: ((أتَوْا به)) يُؤخَذ من الذي قبله أنَّ أمّه هي التي أتت به، ويحتمل أن يكون معها غيرها كَزوجِها أو أُختها. قوله: «فلاكَها)» أي: مَضَغَها. قوله: (ثُمَّ أدخَلَها في فِيهِ)) قال ابن التِّين: ظاهره أنَّ اللَّوك كان قبل أن يُدخِلها في فِیهِ، والذي عند أهل اللُّغة أنَّ اللَّوك في الفَم. قلت: وهو فَهمٌ عَجيب، فإنَّ الضَّمير في قوله: ((في فيهِ) يعود على ابن الزُّبَير، أي: لاكَها النبيّ وَهُ فِي فَمِه ثمَّ أدخَلَها في فِي ابن الزُّبَيرِ، ٤٧٦ باب ٤٥ / ح ٣٩١١ فتح الباري بشرح البخاري وهو واضح لمن تأمَّلَها. ٢٥٠/٧ الحديث التاسع عشر: ٣٩١١- حدَّثني محمَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَدِ، حدَّثْنَا أَبي، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيْبٍ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكِ عُه، قال: أقبَلَ نبِيُّ الله ◌َلَهَ إلى المدينةِ وهو مُرْدِفٌ أبا بَكْرٍ، وأبو بَكْرِ شيخٌ يُعْرَفُ، ونبِيُّ الله ◌َ شابٌّ لا يُعْرَفُ، قال: فَيَلْقَى الرجلُ أبا بَكْرٍ، فيقول: يا أبا بَكْرٍ، مَن هذا الرجلُ الَّذِي بَينَ يَدَيكَ؟ فيقول: هذا الرجلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قال: فَيَحْسِبُ الحاسِبُ أَنَّهَ إِنَّما يعني الطَّرِيقَ، وإنَّما يعني: سبيلَ الخيرِ، فالتَفَتَ أبو بَكْرٍ، فإذا هو بفارسٍ قد لَحِقَهمْ، فقال: يا رسولَ الله، هذا فارسٌ قد لَحِقَ بنا؟ فالتَفَتَ نبِيُّ اللهِوَّه، فقال: ((اللهمَّ اصْرَعْه)) فصَرَعَه الفَرَسُ، ثمَّ قامَت ◌ُحَمْحِمُ، فقال: يا نبيَّ الله، مُرْني بما شئتَ؟ قال: ((فِقِفْ مكانكَ، لا تَتْكَنَّ أحداً بَلْحَقُ بنا))، قال: فكان أوَّلَ النَّهارِ جاهداً على نبيِّ الله ◌َِّ، وكان آخِرَ النَّهار مَسْلَحةً له، فنزلَ رسولُ اللهِوَ لّهِ جانبَ الحَرّةِ، ثمَّ بَعَثَ إلى الأنصار، فجاؤوا إلى نبيِّ الله ◌َّهِ وأبي بَكْرٍ، فسَلَّموا عليهما، وقالوا: اركَبا آمِنَينِ مُطاعَينٍ، فَرَكِبَ نِبِيُّ الله وَّهِ وأبو بَكْرٍ، وحَقُّوا دوتَهما بالسِّلاحِ، فِقِيلَ في المدينةِ: جاء نبيُّ الله، جاء نبيُّ الله وََّ، فأشرَ فوا يَنظُرُونَ ويقولون: جاء نبيُّ الله، فأقبَلَ يَسِيرُ حتَّى نزلَ جانبَ دار أبي أيوبَ، فإنَّه لَيُحدِّثُ أهلَه إذ سمعَ به عبدُ الله بنُ سَلَامٍ، وهو في نَخْلٍ لأَهلِهِ يَخْتَرِفُ لهم، فعَجِلَ أن يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمعَ من نبيِّ الله ◌َّةِ، ثمَّ رَجَعَ إلى أهلِه فقال نبيُّ الله ◌َ الَ: ((أيُّ بُيوتِ أهلِنا أقرَبُ؟» فقال أبو أيوبَ: أنا يا نبيَّ الله، هذه داري وهَذا بابي، قال: ((فانطَلِقْ، فَهَيِّئْ لنا مَقِيلاً)) قال: قُوما على برَ کةِ الله. فلمَّا جاء نبيُّ الله وَله جاء عبدُ الله بنُ سَلَام، فقال: أَشْهَدُ أنَّكَ رسولُ الله، وأنَّكَ جِئْتَ بحَقٌّ، وقد عَلمَت يهودُ أنّ سَيِّدُهم وابنُ سَيِّدِهمْ، وأعلمُهم وابنُ أعلمِهِمْ، فادْعُهم فاسأَلْهم عِنِّي قبلَ أن يَعْلَموا أنّ قد أسلَمْتُ، فإِنَّهم إن يَعْلَموا أنّي قد أسلَمْتُ قالوا فيَّ ما ليس فيَّ، فأرسَلَ نِبِيُّ اللهَوَ ◌ّهِ، فَأقبَلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا مَعْشَرَ اليهودِ، ويلَكُمُ! ٤٧٧ باب ٤٥ / ح ٣٩١١ أبواب المبعث أنَّقوا الله، فوالله الَّذي لا إلهَ إلا هو إنَّكم لَتعلمونَ أنّ رسولُ الله حَقّاً، وأتّي جِئْتُكُم بِحَقٌّ، فأسلِموا)) قالوا: ما نَعْلَمُه؟ قالوا للنبيِّ وَّهِ، قالها ثلاثَ مِرارٍ، قال: ((فأيُّ رجلٍ فيكم عبدُ الله ابنُ سَلام؟» قالوا: ذاكَ سَيِّدُنا وابنُ سَيِّدِنا، وأعلمُنا وابنُ أعلمِنا، قال: ((أفَرأيتُم إن أسلَمَ؟» قالوا: حاشَى لله ما كان لِيُسلمَ! قال: ((أفَرأيتُم إن أسلَمَ؟)) قالوا: حاشَى الله ما كان لِيُسلمَ! قال: ((أَفَرِ أيتُم إن أسلَمَ؟)) قالوا: حاشَى لله ما كان لِيُسْلِمَ! قال: ((يا ابنَ سَلَامٍ، اخرُجْ عليهم)) فخَرَجَ فقال: يا مَعْشَرَ اليهودِ، أنَّقوا الله! فوالله الَّذي لا إلهَ إلا هو إنَّكم لَتعلمونَ أنَّه رسولُ الله، وأنَّه جاء بحَقٌّ، فقالوا: كَذَبْتَ، فأخرَجَهم رسولُ الله ◌ِله. قوله: ((حدَّثني محمَّد)) هو ابن سَلَام، وقال أبو نُعَيم في ((المستخرَج)): أظن أنَّه محمد بن المثنَّى أبو موسى. قوله: «حدّثنا عبد الصَّمَد)» هو ابن عبد الوارث بن سعید. قوله: ((مُردِفٌ أبا بكر)) قال الدّاووديّ: يحتمل أنَّه مُرتَدِف خلفَه على راحلته، ويحتمل أن يكون على راحلة أُخرَى، قال الله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، أي: يَتْلُو بعضُهم بعضاً، وَرَجَّحَ ابن التِّين الأوَّل وقال: لا يَصِحّ الثاني لأنَّه يَلَم منه أن يمشي أبو بكر بين يدي النبيّ ێّ. قلت: إنَّما يَلزم ذلك لو كان الخَبَر جاء بالعكس كأن يقول: والنبيّ ◌َِّ مُرتَدِف خَلف أبي بكر، فأمَّا ولفظه: ((وهو مُردِف أبا بكر)) فلا، وسيأتي في الباب الذي بعده (٣٩٣٢) من وجهٍ آخر عن أنس: فكأنِّي أنظُر إلى النبيّ ◌َِّ على راحلته وأبو بكر رِدْفَه. قوله: ((وأبو بكر شيخ)) يريد أنَّه قد شابَ. وقوله: ((يُعرَف)) أي: لأنَّه كان يَمُرّ على أهل المدينة في سَفَر التِّجارة، بخلاف النبيّ وَّل في الأمرَينِ، فإنَّه كان بعيدَ العَهد بالسَّفَرِ من مكَّة، ولم يَشِبْ، وإلّا ففي نفس الأمر كان هو عليه الصلاة والسّلام أسنَّ من أبي بکر، وسيأتي في هذا الباب (٣٩١٩) من حديث أنس: / أنَّه لم يكن في الذين هاجروا أشمط غیر أبي بكر. ٢٥١/٧ ٤٧٨ باب ٤٥ / ح ٣٩١١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ونبيُّ الله شابٌّ لا يُعرَف)) ظاهره أنَّ أبا بكر كان أسَنَّ من النبيّ ◌َّ وليس کذلك، وقد ذکر أبو عمر من روایة حبیب بن الشَّهید عن میمون بن مهران عن یزید بن الأصَمّ: أنَّ النبيَّ وَ قال لأبي بكر: ((أَيُّما أسَنُّ أنا أو أنتَ؟)) قال: أنتَ أكرَم يا رسول الله مِنِّي وأكبر، وأنا أسَنُّ مِنك))، قال أبو عمر: هذا مُرسَل، ولا أظنّه إلّا وهماً. قلت: وهو كما ظَنّ، وإنَّما يُعرَف هذا للعبَّاس، وأمَّا أبو بكر فثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٢٣٥٢) عن معاوية: أنَّه عاشَ ثلاثاً وستين سنة، وكان قد عاشَ بعد النبيّ وَّ سنتَينِ وأشهراً، فيَلزَم على الصحيح في ◌ِنّ أبي بكر أن يكون أصغر من النبيّ ◌َّ بأكثر من سنتينِ. قوله: ((يَهديني السَّبيل)) بَيَّن سببَ ذلك ابن سعدٍ في رواية له: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال لأبي بكر: ((أَلَّهِ الناس عنِّي))، فكان إذا سُئِلَ: مَن أنتَ؟ قال: باغي حاجة، فإذا قيل: مَن هذا معك؟ قال: هادٍ يَهديني(١)، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبرانيِّ (٢٤/ ٢٨٤): وكان أبو بكر رجلاً معروفاً في الناس فإذا لَقِيَه لاقٍ يقول لأبي بكر: مَن هذا معك؟ فيقول: هادٍ يَديني؛ يريد الهِداية في الدّين ويَحسِبه الآخر دليلاً. قوله: ((فقال: يا رسول الله، هذا فارس)) وهو سُرَاقة، وقد تقدَّم شرح قِصَّته في الحديث الحاديَ عشرَ، وَوَقَعَ للنبيِّ نَّه وأبي بكر في سَفَرهم ذلك قَضايا: منها نزولهم بخَيمَتَي أمّ مَعَبَد، وقِصَّتها أخرجها ابن خُزيمةَ والحاكم (٩/٣ -١٠) مُطوَّلة، وأخرج البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢/ ٤٩١-٤٩٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر الصِّدِّيق شَبيهاً بأصلِ قِصَّتها في لَبَن الشّاة المهزولة دون ما فيها من صفته بَِّ، لكنَّه لم يُسمِّها في هذه الرِّواية ولا نَسَبَها، فاحتَمَلَ التعدُّد. ومَرًا بعبدٍ يَرعَى غَنَماً، وقد تقدَّم في حديث البراء عن أبي بكر (٣٦١٥)، وروى أبو سعْد (٢) في ((شَرَف المصطَفَى)) من طريق إياس بن مالك بن (١) لم نقف على هذه الرواية عند ابن سعد في ((طبقاته))، لكن ذكر نحوها البيهقي في ((الدلائل)) ٤٨٩/٢ بإسناد فيه ضعفٌ عن أبي وهب مولى أبي هريرة عن أبي هريرة. (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: أبو سعيد، وجاء على الصواب في (ع)، وهو أبو سعد عبد الملك بن محمد النيسابوري، له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي ٢٥٦/١٧. ٤٧٩ باب ٤٥ / ح ٣٩١١ أبواب المبعث الأوس الأسلَميّ قال: لمَّا هاجَرَ رسول الله وَّهِ وأبو بكر مَرُّوا بإبل لنا بالجُحفة، فقالا: لمن هذه؟ قال: لرجلٍ من أسلَمَ، فالتَفَتَ إلى أبي بكر فقال: ((سَلمت))، قال: ما اسمك؟ قال: مسعود، فالتَفَتَ إلى أبي بكر فقال: ((سَعِدت))، ووَصَلَه ابن السَّكَن والطبرانيُّ (١/ ٦١١) عن إياس عن أبيهِ عن جَدّه أوس بن عبد الله بن حَجَرٍ، فذكر نحوه مُطوَّلاً، وفيه: أنَّ أوساً أعطاهما فَحْلَ إِيلِهِ، وأرسَلَ معهما غلامه مسعوداً، وأمَرَه أن لا يُفارقهما حتَّى يَصِلا المدينة. وتحديث أنس بقِصّة سُرَاقة من مراسيل الصحابة، ولعلَّه حَمَلها عن أبي بكر الصِّدِّيق، فقد تقدَّم في مناقبه (٣٦٥٣): أنَّ أنساً حدَّث عنه بطَرَفٍ من حديث الغار وهو قوله: قلت: يا رسول الله، لو أنَّ أحدهم نظرَ إلى قَدَمَیه لَأبصرنا، الحديث. وقوله فيه: فصَرَ عَتْه فرسه ثمَّ قامت تُحمحِم؛ قال ابن التِّين: فيه نظرٌّ، لأنَّ الفَرَس إن كانت أُنْثَى فلا يجوز ((فصَرَعَه))، وإن كان ذكراً فلا يقال: ((ثُمَّ قامَت))، قلت: وإنكاره من العَجائب، والجواب أنَّه ذَكَّرَ باعتبار لفظ الفَرَس، وأنَّثَ باعتبار ما في نفس الأمر من أنَّها كانت أُنثَى. قوله: ((ثُمَّ بَعَثَ إلى الأنصار فجاؤوا إلى نبيّ الله وَلّهِ وأبي بكر، فسَلَّموا عليهما وقالوا: اركّبًا آمِنَينِ مُطاعَينٍ، فَرَكِيا)) طَوَى في هذا الحديث قِصّة إقامته عليه الصلاة والسَّلام بقُباء(١)، وقد تقدَّم بيانه في الحديث الثالث عشر، وتقدير الكلام: فنزلَ جانب الحَرّة فأقامَ بقُباء المدّة التي أقامَها، وبَنَى بها المسجد ثمَّ بَعَثَ .... إلى آخره. قوله: ((حتَّى نزلَ جانبَ دار أبي أيوب)) تقدَّم بيانه مُستَوفَّى في الحديث الثالث عشر، وقال البخاريّ في ((التاريخ الصغير)) (٨/١): حدَّثنا موسى بن إسماعيل حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: إنّي لَأسعَى مع الغِلمان إذ قالوا: جاء محمَّد، فنَنطَلِقِ فلا نَرَى شيئاً، حتَّى أقبَلَ وصاحبُه، فَكَمَنّا في بعض خِرَب المدينة وبَعَثنا رجلاً من أهل البادية يُؤَذِّن بهما، فاستَقبَلَه زُهاءُ خمسٍ مئةٍ من الأنصار فقالوا: انطَلِقًا آمِنَينِ مُطاعَينٍ، الحديث. (١) تحرَّف في (س) إلى: هنا. ٤٨٠ باب ٤٥ / ح ٣٩١١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فإِنَّه لَيُحدِّث أهلَه)) الضَّمير للنبيِّ وَّه. ٢٥٢/٧ قوله: ((إذا سمعَ به عبد الله بن سَلَام)) بالتخفيف، ابن الحُوَيرِث / الإسرائيليّ، يُكنَى أبا يوسف، يقال: كان اسمه الحُصَين، فسُمّيَ عبد الله في الإسلام، وهو من حُلَفاء بني عَوْف ابن الخزرج. قوله: ((يَخْتَرِف لهم)) بالخاء المعجمة والفاء، أي: يَجتَني من الفِّمار. قوله: ((فجاء وهي معه)) أي: الثَّمَرة التي اجتناها، وفي بعضها ((وهو))، أي: الذي اجتناه. قوله: ((فسمعَ من نبيِّ اللهِ ﴿ ثمَّ رَجَعَ إلى أهله)) وَقَعَ عند أحمد (٢٣٧٨٤) والتِّرمِذيّ (٢٤٨٥) وصَخَّحَه هو والحاكم (١٣/٣) من طريق زرارة بن أوفَى عن عبد الله بن سَلام قال: لمَّا قَدِمَ رسول الله وَّهِ المدينة انجَفَلَ الناس إليه، فجئت في الناس لأنظُرَ إليه، فلمَّا اسْتَبَنت وَجهَه عَرَفت أنَّ وجهَه ليس بوجه كَذّاب، الحديث. قال العِماد بن كثير: ظاهر هذا السّياق - يعني سياق أحمد - لحديثٍ عبد الله بن سَلام ولفظه: لمَّا قَدِمَ رسول الله وَّ المدينة انجَفَلَ الناس لقدومِه فكُنت فيمَن انجَفَلَ؛ أنَّه اجتمع به لمَّا قَدِمَ قُبَاءَ، وظاهر حديث أنس: أنَّه اجتمع به بعد أن نزلَ بدار أبي أيوب، قال: فيُحمَل على أنَّه اجتمع به مرَّتَينِ. قلت: ليس في الأوَّل تعيين قُباء، فالظّاهر الاتِّاد وحَملُ المدينة هنا على داخلها. قوله: ((أيُّ بُيوت أهلنا أقرَب)) تقدَّم بيان ذلك في أواخر الحديث الثالث عشر، وأطلقَ عليهم أهلَه لقَرابة ما بينهم من النِّساء، لأنَّ منهم والدة عبد المطَّلِب جَدّه وهي سَلمَى بنت عَمرو (١) من بني مالك بن النَّجّار، ولهذا جاء في حديث البراء (٢): أنَّه ◌ِ﴿ ﴿ نزلَ على أخواله أو أجداده من بني النَّجّار. قوله: ((فَهَبِّئْ لنا مَقيلاً)) أي: مكاناً تقع فيه القَيلُولة ((قال: قُوما)) فيه حذف تقديره: فذهب (١) تحرف في (س) إلى: عوف. (٢) سلف عند البخاري برقم (٤٠). وقد ذكر الحافظ طرفاً منه في سياق شرحه للحديث (٣٩٠٦).