Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
باب ٤٣ / ح ٣٨٩٠ -٣٨٩١
أبواب المبعث
أسعَد بن زُرَارة ورافع بن مالك والبراء بن معرور وعُبَادةُ بن الصّامت وعبد الله بن عَمْرو
ابن حَرَام وسعد بن الرَّبيع وعبد الله بن رَوَاحة وسعد بن عُبَادة والمنذِر بن عَمْرو بن
خُنَيَس(١) وأُسَيد بن حُضَير وسعد بن خَيْئمةَ وأبو الهَثَم بن التَّيِّهان، وقيل بَدَلُه: رِفاعة بن
عبد المنذر.
وفي ((المستدرَك)) (١٨١/٣) عن ابن عبّاس: كان البراء بن معرور أوَّل مَن بايعَ النبيّ ◌ِّـ
ليلة العَقَبة. قال ابن إسحاق(٢): حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم، أنَّ رسول الله وَ لَه قال
للنُّقَباءِ: ((أنتم كُفَلاء على قومكم كَكَفالة الحَوارِّين لعيسى ابن مريم»، قالوا: نعم، وذكر
أيضاً: أنَّ قُرَيشاً بَلَغَهم أمر البيعة فأنكروا عليهم، فحَلَفَ المشركونَ منهم وكانوا أكثر منهم
- قيل: كانوا خمسَ مئةٍ نَفْسٍ - أنَّ ذلك لم يقع، وذلك لأنَّهم ما عَلِموا بشيءٍ مَّا جَرَى.
الحديث الثاني: حديث جابر.
٣٨٩٠- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: كان عَمْرٌو يقول: سمعتُ جابرَ بنَ
عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: شَهِدَ بي خالايَ العَقَبَةَ.
قال أبو عبد الله: قال ابنُ عُبَينَةَ: أحدُهما البراءُ بنُ مَعْرورٍ.
[طرفه في: ٣٨٩١]
٣٨٩١- حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهم، قال عطاءٌ:
قال جابرٌ: أنا وأبي وخالايَ من أصحابِ العَقَبَةِ.
قوله: «کان عَمْرو) هو ابن دینار.
قوله: ((شَهِدَ بي خالايَ العَقَبة)) لم يُسمِّهما في هذه الرِّواية، ونُقِلَ عن عبد الله بن محمد
- وهو الجُعْفيُّ - أنَّ ابن عُيَينةَ قال: أحدهما البراء بن مَعْرور، كذا في رواية أبي ذرٍّ، ولغيره:
(١) تحرف في (س): إلى ((حُبيش)).
(٢) ومن طريقه أخرجه ابن هشام في ((السيرة النبوية)) ٤٤٦/١، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٤/ ٥٩٧،
والبيهقي في ((الدلائل) ٢/ ٤٥٢، وليس عندهما في آخره قولهم: ((نعم)).

٤٢٢
باب ٤٣ / ح ٣٨٩٠ -٣٨٩١
فتح الباري بشرح البخاري
((قال أبو عبد الله))؛ يعني: المصنَّف، فعلى هذا فتفسير المبهم من كلامه، لكنَّه ثَبَتَ أنَّه من
كلام ابن عُيَينةَ من وجهٍ آخَر عند الإسماعيليّ، فَتَرَجَّحَت رواية أبي ذرٍّ. ووَقَعَ في رواية
الإسماعيليّ: قال سفيان: خالاه البراء بن معرور وأخوه ولم يُسمِّه.
والبراء: بتخفيف الراء، ومَعْرور: بمُهمَلات، يقال: إنَّه كان أوَّل مَن أسلَمَ من الأنصار،
وأوَّل مَن بايعَ في العَقَبة الثانية كما تقدَّم، وماتَ قبل قدوم النبيِّ وَ ﴿ المدينة بشهرٍ واحد،
وهو أوَّل مَن صَلَّى إلى الكعبة في قِصّة ذكرها ابن إسحاق وغيره، وقد تَعقَّبَه الدِّمياطيّ
/٢٢٢ فقال: أمّ جابر: هي أُنْيسة بنت غَنَمة بن عَدِيّ، وأخَواها/ ثَعْلبة وعَمْرو وهما خالا جابر،
وقد شَهِدا العَقَبة الأخيرة. وأمَّا البراء بن مَعْرور فليس هو من أخوال جابر. قلت: لكن
من أقارب أمّه، وأقارب الأُمّ يُسَمّونَ أخوالاً مجازاً، وقد روى ابن عساكر(١) بإسنادٍ حَسَن عن
جابر قال: «حَلَني خالي الجَدُّ بن قيس في السّبعین راكباً الذین وَفَدوا على رسول الله ێ من
الأنصار، فخرج إلينا معه العبَّاس عمُّه فقال: يا عَمّ، خُذْلي على أخوالك))، فسَمَّى الأنصارَ
أخوالَ العبّاس لكَونِ جَدَّته أمّ أبيه عبد الطَّلِب منهم، وسَمَّی الجَدَّبن قیس خاله لگونه من
أقارب أمّه وهو ابن عمِّ البراء بن معرور، فلعلَّ قول سفيان: ((وأخوه)) عَنَى به الجَدَّ بن
قيس، وأطلقَ عليه أخاً وهو ابن عمِّ لأنَّهما في مَنِزِلة واحدة في النَّسَب، وهذا أَوْلى من
توهيم مثلٍ ابن عُيَينة، لكن لم يَذكُر أحد من أهل السِّيَر الجدَّ بن قيس في أصحاب العَقَبة،
فكأنَّه لم يكن أسلم، فعلى هذا فالخال الآخر لجابر إمّا تَعْلبة وإمّا عَمْرو، والله أعلم.
قوله في الطَّريق الثانية: ((أخبرنا هشام)) هو ابن يوسف الصَّنعانيّ، وعطاء: هو ابن أبي رَباح.
(١) في ((تاريخ دمشق)) ٢١٩/١١، وهذا الأثر أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٥٧) وفي ((الصغير))
(١٠٧٦)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٢٢/٢، وقد فات الحافظ - رحمه الله - أن ينسبه إليهما، وقد تحرَّف في
(س) اسم الجد بن قيس في المواضع الأربعة المذكورة في الأثر إلى: الحُرّ بن قيس، وبينهما فرق كبير؛ فالجدُّ
ابن قيس - بالجيم والدال - أنصاري من بني سَلِمة، وكان ممّن يُذكَر بالنفاق من أصحاب رسول الله وَّهه
وأما الحُرُّ بن قيس - بالحاء والراء - بن حِصْن الفَزَاري، فكان أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله وَه
من فزارة مرجعَه من تبوك. انظر ترجمتهما في ((الإصابة)).

٤٢٣
باب ٤٣ / ح ٣٨٩٢-٣٨٩٣
أبواب المبعث
قوله: ((أنا وأبي)) عبد الله بن عَمْرو بن حَرام بالمهمَلَتَينِ، وقد تقدَّم أنَّه كان من النُّقُباء.
قوله: ((وخالايَ)) تقدَّم القول فيهما، وقرأت بخَطِّ مُغَلْطاي: يريد عيسى بن عامر بن
عَديّ بن ◌ِنان، وخالد بن عَمْرو بن عَديّ بن سِنان لأنَّ أمّ جابر أُنيسة بنت غَنَمة بن عَديّ
ابن سنان؛ يعني: فكلّ منهما ابن عمّها بمَنزِلة أخيها، فأطلقَ عليهما جابر أنَّهما خالاه مجازاً.
قلت: إن مُلَ على الحقيقة تَعَّنَ ما قاله الدِّمياطيّ، وإلّا فتغليط ابن عُيَينةَ مع أنَّ كلامه
يُمكِن ◌َملُه على المجاز بأمرٍ فيه مَجَاز ليس بمُتَّجِهٍ، والله المستعان.
ووَقَعَ عند ابن التِّين: ((وخاليّ)) بغير ألف وتشديد التحتانيَّة، وقال: لعلَّ الواو واو
المعيّة، أي: مع خاليَّ، ويحتمل أن يكون بالإفراد بكسر اللّام وتخفيف الياء.
٣٨٩٢ - حدَّثني إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ
شِهابٍ، عن عَمِّه، قال: أخبرني أبو إذْرِيسَ عائذُ الله بنُ عبد الله: أنَّ عُبَادةَ بنَ الصّامِتِ مِنَ
الَّذِينَ شَهِدوا بَذْراً معَ رسولِ اللهِوَّةِ، ومن أصحابِهِ ليلةَ العَقَبَةِ أخبره: أنَّ رسولَ الله ◌َێ قال
وحَوْلَه عِصابةٌ من أصحابِهِ: ((تَعالَوْا بايِعُوني على أنْ لا تُشِرِكوا بالله شيئاً، ولا تَسْرِقوا، ولا
تَزْنوا، ولا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ، ولا تَأْتوا بُهْتَانٍ تَفْتَرونَه بَینَ ایدیکم وارجُلِكُمْ، ولا تَعْصُوني في
مَعْروفٍ، فمَن وَ مِنْكم فأجْرُه على الله، ومَن أصاب من ذلكَ شيئاً فعُوقِبَ به في الذُّنْيا، فهو
له كفَّارةٌ، ومَن أصاب من ذلك شيئاً فسَتَره الله فأمرُه إلى الله، إن شاءَ عاقَبَه وإن شاءَ عَفَا عنه))
قال: فبایَعْناهُ علی ذلكَ.
٣٨٩٣- حدَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن الصُّنَابِحِيِّ
عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِت ◌َه، أنَّه قال: إنّ مِن النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعوا رسولَ الله ◌َِّ، وقال: بايَعْناهُ
على أن لا نُشِرِكَ بالله شيئاً، ولا نَسِرِقَ، ولا نَزْنِيَ، ولا نَقْتُلَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ الله إلّا بالحقِّ، ولا
تَنْتَهِبَ، ولا نَقْضِيَ بالجنَّةِ إِن فعَلْنا ذلكَ، فإن غَشِيْنا من ذلكَ شيئاً، كان قَضاءُ ذلكَ إلی الله.
الحديث الثالث: حديث عُبَادة بن الصّامت في قِصّة البيعة ليلة العَقَبة.
وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوائل كتاب الإيمان (١٨) مع مباحث نفيسة تتعلّق بقوله في

٤٢٤
باب ٤٣ / ح ٣٨٩٢ - ٣٨٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث: ((فعُوقِبَ به فهو كفَّارة له))، وأوضَحتُ هناكَ أنَّ بيعة العَقَبة إنَّما كانت على الإيواء
والنَّصر، وأمَّا ما ذكره من الكفَّارة فتلك بيعةٌ أُخرَى وقَعَت بعد فتح مكَّة، ثمَّ رأيت ابن
إسحاق جَزَمَ بأنَّ بيعة العَقَبة وقَعَت بما صَدَرَ في الرِّواية الثانية التي في هذا الباب فقال:
((حدَّثني يزيد بن أبي حبيب)) فذكر بسندِ الباب عن عُبَادة قال: كنت فيمن حَضَرَ العَقَبة
الأولَى، فكنَّا اثني عشر رجلاً، فبايعْنا رسولَ الله وَليهِ على بيعة النِّساء؛ أي: على وَفْق بيعة
النِّساء التي نزلت بعد ذلك عند فتح مكَّة، وهذا مُحْتَمَل، لكن لَيست الزيادة في طريق اللَّيث
بن سعد عن يزيد في ((الصحيحَينِ))(١)، وعلى تقدير ثبوتها فليس فيه ما يُنافي ما قَرَّرته من أنَّ
قوله: ((فهو له كفَّارة) إِنَّمَا وَرَدَ بعد ذلك، لأنَّه يعارضه حديث أبي هريرة: «ما أدري الحدودُ
كفَّارةٌ لأهلِها أم لا))(٢) مع تأخّر إسلام أبي هريرة عن ليلة العَقَبة، كما استَوفَيَت مباحثه هناكَ.
وَمَّن ذكر صورة بيعة العَقَبة كعب بن مالك كما أسلَفته آنِفاً عنه، وروى البيهقيُّ (٣) من
طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن إسماعيل بن عبد الله بن رِفاعة عن أبيه قال: قال
عُبَادةُ بن الصّامت: بايَعْنا رسولَ اللهِوَّرَ على السَّمع والطاعة في النَّشاط والكَسَل، فذكر
الحديث، وفيه: وعلى أن نَنصُرَ رسول الله وَه إذا قَدِمَ علينا يَثِرِبَ بما نَمنَع به أنفُسَنا
وأزواجَنا وأبناءَنا ولَنا الجنَّة. فهذه بيعة رسول الله وَّر التي بايعناه عليها، وعند أحمد
(١٤٤٥٦) بإسنادٍ حَسَن وصَحَّحَه الحاكم (٦٢٤/٢-٦٢٥) وابن حِبّان (٦٢٧٤) عن جابر
مثلُه وأوَّله: مَكَثَ رسول الله وَّر عشر سنين يَتَّبع الناس في منازلهم في المواسم بمِنِّى
وغيرها يقول: ((مَن يُؤْويني، مَن يَنصُرني حتَّى أُبلِّغ رسالة رَبِّ وله الجنَّة؟)) حتَّى بَعَثَنَا الله
له من يَئِرِب فصَدَّقناه، فذكر الحديث، حتَّى قال: فَرَحَلَ إليه منّا سبعونَ رجلاً، فَوَاعَدْناه
شِعْبَ(٤) العَقَبة، فقلنا: علامَ نُبابِعك؟ فقال: ((على السَّمع والطاعة في النَّشاط والكَسَل،
(١) طريق الليث بن سعد عند مسلم برقم (١٧٠٩) (٤٤).
(٢) أخرجه البزار (٨٥١٩)، والحاكم ٣٦/١ وغيرهما.
(٣) في ((الدلائل)) ٢/ ٤٥١ -٤٥٢.
(٤) في (س): ((فوعدنا بيعة))، وهو تحريف.

٤٢٥
باب ٤٣ / ح ٣٨٩٢ -٣٨٩٣
أبواب المبعث
وعلى النَّفَقة في العُسر واليُسر،/ وعلى الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، وعلى أن ٢٢٣/٧
تَنصُروني إذا قَدِمتُ عليكم يَثْرِبَ، فَتَمنَعوني ممَّا تَنَعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءَكُم،
ولكم الجنَّةُ)) الحديث. ولأحمد (١٤٦٧٧) من وجه آخر عن جابر قال: كان العبَّاس آخِذاً
بَيَدِ رسول الله وَ ◌ّ﴾، فلمَّا فرغنا قال رسول الله: ((أخَذتُ وأعطَيْتُ)).
وللبزَّار(١) من وجه آخر عن جابر قال: قال رسول الله وَلَه للنَّقَباءِ من الأنصار: «تُؤُوني
وَمَنَعوني؟)) قالوا: نعم، فما لنا؟ قال: ((الجنَّة))، وروى البيهقيُّ (٢/ ٤٥١) بإسنادٍ قويّ عن
الشَّعبيّ، ووَصَلَه الطبرانيُّ (٧١٠/١٧) من حديث أبي مسعود (٢) الأنصاريّ قال: انطَلَقَ
رسول الله وَ ل﴿ معه العبَّاس عَمّه إلى السَّبعين من الأنصار عند العَقَبة فقال له أبو أُمامةَ
- يعني أسعَد بن زرارة -: سَلْ يا محمد لرَبِّك ولنفسِك ما شِئت، ثمَّ أخِرْنا ما لنا من
الثَّواب. قال: ((أسألكم لرَبّي أن تَعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئاً، وأسألكم لنفسي ولأصحابي
أن تُؤوونا وتَنصُرونا وتَمنَعونا ممّا تَمَنَعونَ منه أنفُسَكُمْ))، قالوا: فما لَنا؟ قال: ((الجنَّة)). قالوا:
ذلك لك، وأخرجه أحمد (١٧٠٧٨ و١٧٠٧٩) من الوجهَينِ جميعاً.
قوله في الرِّواية الثانية: ((ولا نَقضي)) بالقاف والضّاد المعجَمة للأكثر، وفي بعض النُّسَخ
عن شيوخ أبي ذرٍّ: ((ولا نَعصي)) بالعين والصّاد المهمَلَتَينِ، وقد بيَّنت الصواب من ذلك في
أوائل كتاب الإيمان (١٨).
وذكر ابن إسحاق: أنَّ النبيّ ◌َّهِ بَعَثَ مع الاثني عشر رجلاً مُصعَب بن عُمير العَبدَريّ،
وقيل: بَعَثَه إليهم بعد ذلك بطلبهم ليُفقِّهَهم ويُقرِئهم، فنزلَ على أسعد بن زرارة، فروى
أبو داود (١٠٦٩) من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان أبي إذا سمعَ الأذان
للجُمعة استَغْفَرَ لأسعَد بن زُرَارة، فسألته، فقال: كان أوَّل مَن ◌َمَّعَ بنا بالمدينة، وللدّارَ قُطْنيّ(٣)
(١) كما في ((كشف الأستار) برقم (١٧٥٥).
(٢) في (أ): ابن مسعود، وفي (ع) و(س): أبي موسى، وكلاهما خطأ وتحريف.
(٣) في ((غرائب مالك)) فيما يغلب على ظنِنا، فقد أورده السُّهيلي في ((الروض الأنف)) ٢/ ١٩٧ عن الدار قطني
بإسناده إلى مالك مسنَداً عن ابن عباس، وإسناد الدار قطني إلى مالك ضعيف.

٤٢٦
باب ٤٤ / ح ٣٨٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
من حديث ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ وَِّ كَتَبَ إلى مُصعَب بن عُمير: أن يُجمِّع بهم. انتهى،
فأسلَمَ خلق كثير من الأنصار على يد مُصعَب بن عُمير بمُعاوَنة أسعَد بن زرارة حتَّى فَشَا
الإسلام بالمدينة، فكان ذلك سبب رِحلَتهم في السَّنة المقبلة، حتَّى وافَى منهم العَقَبة سبعونَ
مسلماً وزيادة، فبايعوا كما تقدَّم، والله أعلم.
٢٢٤/٧
٤٤- باب تزویج النبيّ ټ عائشةَ وقُدومها المدینةَ وبنائه بها
٣٨٩٤- حدَّثني فَرْوةُ بنُ أبي المَغْراءِ، حدَّثنا عليٌّ بنُ مُسْهِرٍ، عن هشام، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: تزوَّجَني النبيُّنَّهِ وأنا بنتُ سِتُّ سِنِينَ، فقَدِمْنا المدينةَ، فَنَزَلْنا في
بني الحارثِ بنِ خَزْرَجٍ، فوُعِكْتُ فَتَمَّقَ شَعَرِي، فَوَلَ مُمَيمَةً فَأَتَتْني أُمّي أُمّ رومانَ، وإنّ لَفي
أُرجوحةٍ ومَعي صَوَاحبُ لي، فصَرَخَت بي فأتيتُها لا أدري ما تريدُ بي، فأخَذَتْ بيَدي حتَّى
أوْ قَفَشْني على باب الدّار وإنّي لأُنْهِجُ، حتَّى سَكَنَ بعضُ نَفَسي، ثمَّ أَخَذَت شيئاً من ماءٍ فَمَسَحَت به
وَجهي ورأسي، ثمَّ أدْخَلَتْني الدّارَ فإذا نِسْوةٌ مِن الأنصار في البيتِ، فقُلْنَ: على الخيرِ والبَرَكَةِ،
وعلى خيرٍ طائرٍ، فأسلَمَتْني إليهِنَّ، فأصْلَحْنَ من شأني، فلم يَرُعْني إلا رسولُ الله ێ ضُحى،
فأسلَمَتْني إليه وأنا يومَئذٍ بنتُ تسعٍ سِنينَ.
[أطرافه في: ٣٨٩٦، ٥١٣٣، ٥١٣٤، ٥١٥٦، ٥١٥٨، ٥١٦٠]
قوله: ((باب تزويج النبيِّ وَّ عائشةَ)) سَقَطَ لفظ ((باب)) لأبي ذرٍّ.
قوله: ((وقُدومها المدينة)) أي: بعد الهجرة.
قوله: ((وبنائه بها))، أي: بالمدينة. وكان دخولها عليه في شَوّال من السَّنة الأولى، وقيل: من
الثانية، وقد تُعقّبَ قوله: ((بنائه بها)) اعتماداً على قول صاحب ((الصِّحاح)): العامّة تقول: بَنَى بأهلِه
وهو خطأ، وإنَّما يقال: بَنَى على أهله. والأصل فيه أنَّ الدّاخل على أهله يَضرِبُ عليها قُبَّةً ليلةً
الدُّخول، ثمَّ قيل لكلِّ داخل بأهلِه بانٍ. انتَهى، ولا معنى لهذا التغليط لكَثْرة استعمال الفُصحاء
له، وحَسبُك بقولِ عائشة: ((بَنَى بي)) وبقولِ عُرْوة في آخِرِ الحديث الثالث: ((وبَنَى بها)).
قولها في الحديث: ((تزوَّجَني النبيُّ نَّهِ وأنا بنت ستّ سِنين)) أي: عَقَدَ عليّ.

٤٢٧
باب ٤٤ / ح ٣٨٩٥
أبواب المبعث
وقولها: ((فنزلنا في بني الحارث بن الخَزرَج)) أي: لمَّا قَدِمَت هي وأُمّها وأُختها أسماء بنت
أبي بكر كما سأُبيِّنُه، وأمَّا أبوها فقَدِمَ قبل ذلك مع النبيّ ◌َّ .....
قوله: ((فَتَمَرَّقَ شَعَري)) بالزّاي، أي: تَقَطَّع، وللكُشْمِيهنيِّ: ((فتَمَرَّقَ)) بالراء، أي: انتَتَف.
قوله: ((فَوَفَ)) أي: كَثُر، وفي الكلام حذف تقديره: ثمَّ نَصَلْتُ(١) من الوَعْكَ فَتَرَّبَّى
شعري فکثُر.
وقولها: ((جُمَيمة)) بالجيم مُصغَّر الجُمّة بالضَّمِّ: وهي مُجْتَمَع شَعر الناصية، ويقال للشَّعِرِ
إذا سَقَطَ عن المنكِبِينِ: جُمّة، وإذا كان إلى شَحمة الأُذُنَينِ: وَفْرَة.
وقولها: ((في أُرجوحة)) بضمِّ أوَّله معروفة: وهي التي تَلعَب بها الصِّبيان.
وقوله: ((أَنْهَج)) بالنُّن؛ أي: أتَنَفَّس تَنَّفُّساً عالياً.
وقولهنَّ: ((على خير طائرٍ)) أي: على خير حَظٍّ ونصيب.
وقولها: ((فلَم يَرُعْني)) بضمِّ الراء وسكون العين، أي: لم يُفْزِ عني شيء إلّا دخولُه عليَّ،
وكَنَّت بذلك عن المفاجأة بالدُّخولِ على غير عالِم بذلك، فإنَّه يُفَّع غالباً.
وروى أحمد (٢٥٧٦٩) من وجه آخر هذه القِصّة مُطوَّلة، قالت عائشة: قَدِمْنا المدينة
فنزلنا في بني الحارث، فجاء رسول الله وَ لاه فدَخَلَ بيتنا، فجاءت بي أمّي وأنا في أُرجوحة ولي
جُمَيمة، فَفَرَقَتها، ومَسَحَت وجهي بشيءٍ من ماء، ثمَّ أقبَلَت بی تَقُودني حتَّى وقَفَت بي عند
الباب حتَّى سَكَنَ نَفَسي، الحديث، وفيه: فإذا رسول الله وَّ جالس على سرير وعنده رجال
ونساء من الأنصار فأجلَسَتني في حِجْره، ثمَّ قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله، بارَكَ الله
لك فيهم، فوَثَبَ الرِّجال والنِّساء، وبَنَى بي رسول الله وَّه في بيتنا وأنا يومَئذٍ بنت تِسع سِنين.
الحديث الثاني:
٣٨٩٥- حدَّثنا مُعلَّى، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
(١) كذا وقع في الأصلين و((عمدة القاري)) ٣٤/١٧، ومعناه: خرجت من حالة المرض وزالت عني آلامه.
وتحرف في (س) إلى: ((فصلت)) بالفاء.

٤٢٨
باب ٤٤ / ح ٣٨٩٥-٣٨٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
عنها، أنَّ النبيَّ وٍَّ قال لها: «أُرِيتُكِ في المنامِ مرَّتَينٍ، أَرَى أَنَّكِ في سَرَقةٍ من حَرِيرٍ، ويقول: هذه
امرأتُكَ فاكْشِفْ، فإذا هي أنتِ، فأقولُ: إن يَكُ هذا من عندِ الله يُمْضِهِ)).
[أطرافه في: ٥٠٧٨، ٥١٢٥، ٧٠١١، ٧٠١٢]
قوله: ((أُرِيتُك)) بضمِّ أوَّله.
قوله: ((سَرَقة)) بفتح المهمَلة والراء والقاف، أي: قِطعة، أي: يُريه صُورتَها.
قوله: ((ويقول)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وقال))، ويأتي في النكاح (٥١٢٥) بلفظ: ((فقال
لي: هذه امرأتك».
قوله: ((فإذا هي أنتِ)) سيأتي الكلام على شرحه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث:
٣٨٩٦- حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، قال: تُوُقِّيَت
خَدِيجَةُ قبلَ تَخْرَج النبيِّ ◌َِّهِ إلى المدينةِ بثلاثٍ سِنِينَ، فَبِثَ سنتینِ أو قريباً من ذلك، ونَكَحَ
عائشةَ وهي بنتُ سِتِّ سِنِينَ، ثمَّ بَنَى بها وهي بنتُ تسعِ سِنِينَ.
قوله: «عن أبیه» هذا صورته مُرسل، لكنّه لمّا كان من رواية عزوة مع گثرة خبرته بأحوال
عائشة يُحمَل على أنَّه ◌َمَلَه عنها.
قوله: ((تُوُفَّت خديجة قبل تَخَرَج النبيّ وَِّ بثلاثِ سِنين، فَلَبِثَ سنتَينِ أو قريباً من ذلك،
ونگحَ عائشة وهي بنت ◌ِتّ ◌ِنین، ثمَّ بَنَی بها وهي بنت تسع ◌ِنین)) فيه إشكال، لأنَّ ظاهره/
٢٢٥/٧ يقتضي أنَّه لم يَبنِ بها إلّا بعد قُدومه المدينة بسنتَينٍ ونحو ذلك، لأنَّ قوله: فلَبَثَ سنتَينٍ أو
نحو ذلك؛ أي: بعد موت خديجة، وقوله: ونَكَحَ عائشة؛ أي: عَقَدَ عليها لقولِه بعد ذلك
((وبَنَى بها وهي بنت تِسع)) فيَخرُجُ من ذلك أنَّه بَنَى بها بعد قدومه المدينة بسنتَينٍ، وليس
كذلك، لأنَّ وَقَعَ عند المصنِّف في النكاح (٥١٣٣) من رواية الثَّوريّ عن هشام بن عُرْوة
في هذا الحديث: ومَكَثَت عنده تِسعاً، وسيأتي ما قيل من إدراج النكاح في هذه الطَّريق،
وهو في الجملة صحيح، فإنَّ عند مسلم (١٤٢٢/ ٧١) من حديث الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن

٤٢٩
باب ٤٤ / ح ٣٨٩٦
أبواب المبعث
عائشة في هذا الحديث: وزُفَّت إليه وهي بنت تِسع ولُعبَتُها معها، ومات عنها وهي بنت
ثمان عشرة، وله (١٤٢٢/ ٧٢) من طريق الأسوَد عن عائشة نحوه، و(١٤٢٣) من طريق
عبد الله بن عُزْوة عن أبيه عن عائشة: تزوَّجَني رسول الله وَّلَهُ فِي شَوّال، وبَنَّى بي في شَوّال،
فعلى هذا فقوله: فلَبثَ سنتَينِ أو قريباً من ذلك؛ أي: لم يدخل على أحد من النِّساء، ثمّ
دَخَلَ على سودة بنت زَمعة قبل أن يُهاجر، ثمَّ بَنَى بعائشة بعد أن هاجَر، فكأنَّ ذِكْر سَوْدة
سَقَطَ على بعض رُواته.
وقد روى أحمد (٢٥٧٦٩) والطبرانيُّ (٥٧/٢٣) بإسنادٍ حَسَن عن عائشة قالت: لمَّا
تؤُفّيَّت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مَظعُون: يا رسول الله، ألا تَزوَّجُ؟
قال: ((نعم، فما عندك؟)) قالت: بِكْرٌ وثيِّب، البكر بنت أحَبِّ خَلْق الله إليك عائشةُ،
والثَّيِّب سَوْدة بنت زَمْعة، قال: «فاذهَبي فاذكُریهما عليّ)، فدَخَلَت على أبي بكر فقال: إنَّما
هي بنت أخيه، قال: ((قولي له: أنتَ أخي في الإسلام، وابنَتَك تَصلُح لي)) فجاءه فأنكَحَه،
ثمَّ دَخَلَت على سَوْدة فقالت لها: أخبري أبي، فذكرت له، فَزَوَّجَه، وذكر ابن إسحاق
وغيره: أنَّه دَخَلَ على سَوْدة بمكّة.
وأخرج الطبرانيُّ (٦٠/٢٣) من وجه آخر عن عائشة قالت: لمَّا هاجَرَ رسول الله عَليه
وأبو بكر خَلَّفَنا بمكَّة، فلمَّا استَقَرَّ بالمدينة بَعَثَ زيد بن حارثة وأبا رافع، وبَعَثَ أبو بكر
عبدَ الله بن أُرَيقِط، وكَتَبَ إلى عبد الله بن أبي بكر أن يَحمِل معه أمَّ رُومان وأُمَّ أبي بكر وأنا
وأُختي أسماء، فخرج بنا، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأُمِّ كُلثوم وسَوْدة بنت زَمْعة،
وأخَذَ زيد امرأته أمّ أيمَن ووَلَدَيها أيمَن وأُسامة، واصطَحَبَنا، حتَّى قَدِمنا المدينة فنزلت في
عِيال أبي بكر، ونزلَ آلُّ النبيّ ◌َِّ عنده، وهو يومَئذٍ يبني المسجد وبُيوتَه، فأدخَلَ سَوْدة
بنت زَمْعة أحدَ تلك البيوت، وكان يكون عندها، فقال له أبو بكر: ما يَمنَعُك أن تَبنيَ
بأهلِك؟ فبَنَی بي، الحديث.
قال الماورديّ: الفقهاء يقولون: تزوَّجَ عائشة قبل سَوْدة، والمحدِّثونَ يقولون: تزوَّجَ

٤٣٠
باب ٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
سَوْدة قبل عائشة، وقد يُجمَع بينهما بأنَّه عَقَدَ على عائشة ولم يدخل بها ودَخَلَ بسَوْدة.
قلت: والرِّواية التي ذكرتها عن الطبرانيِّ(١) تَرفَع الإشكال وتوَجِّه الجمع المذكور، والله
أعلم.
وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى عن هشام عن أبيه: أنَّه
كَتَبَ إلى الوليد: إِنَّك سألتني متى تُوُفّيَت خديجة؟ وإنَّها تُؤُفّيَت قبل تَخَرَج النبيّ ◌َِّ من
مكَّة بثلاثٍ سِنين أو قريب من ذلك، نَكَحَ النبيّ وَِّ عائشة بعد مُتَوََّى خديجة، وعائشةٌ
بنت ستّ سِنين. ثمَّ إِنَّ النبيّ وَّ بَنَى بها بعدَما قَدِمَ المدينة وهي بنت تسع سنين، وهذا
السّياق لا إشكال فيه، ويَرتَفِع به ما تقدَّم من الإشكال أيضاً، والله أعلم.
وإذا ثَبَتَ أنَّه بَنَى بها في شَوّال من السَّنة الأولى من الهجرة قَوَّى قول مَن قال: إنَّه دَخَلَ
بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد وهّاه النَّوَويّ في ((تهذيبه))، وليس بواوٍ إذا عددناه من رَبيع
الأوَّل، وجَزمُه بأنَّ دخوله بها كان في السَّنة الثانية يُخالف ما ثَبَتَ كما تقدَّم أنَّه دَخَلَ بها بعد
خديجة بثلاثٍ سِنين. وقال الدِّمياطيّ في ((السِّيرة)) له: ماتت خديجة في رمضانَ، وعَقَدَ على
سَودة في شَوّال ثمَّ على عائشة، ودَخَلَ بسَوْدة قبل عائشة.
٤٥ - باب هجرة النبيِّ وَّةٍ وأصحابِه إلى المدينة
٢٢٧/٧
وقال عبدُ الله بنُ زيدٍ وأبو هريرةَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ: ((لولا الهِجْرةُ لكنتُ امْرَأَ
من الأنصار)).
1
وقال أبو موسى، عن النبيِّ وَّ: ((رأيتُ في المنامِ أنّ أُهاجِرُ من مكَّةَ إلى أرضٍ بها نَخْلٌ،
فَذَهَب وَهَلي إلى أنَّهَا البَامةُ أو هَجَرُ، فإذا هي المدينةُ، يَئِبُ)).
قوله: ((باب هِجْرة النبيِّوَّهِ وأصحابِه إلى المدينة)) أمَّا النبيُّ ◌َله فجاء عن ابن عبّاس: أنَّه
أُذِنَ له في الهجرة إلى المدينة بقوله تعالى: ﴿ وَقُل رٍَّّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ
صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًّا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]، أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٣٩)
(١) لكن في إسناده محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي، وهو متروك متهم بالكذب.

٤٣١
باب ٤٥
أبواب المبعث
وصَحَّحَه هو والحاكم (٣/٣)(١)، وذكر الحاكم: أنَّ خروجه وَ لِّ من مكَّة كان بعد بيعة
العَقَبة بثلاثة أشهر أو قريباً منها، وجَزَمَ ابن إسحاق بأنَّه خرج أوَّل يوم من ربيع الأوَّل،
فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرَينٍ وبضعةَ عشرَ يوماً، وكذا جَزَمَ به الأُمويّ في ((المغازي))
عن ابن إسحاق فقال: كان تَخَرَجه من مكَّة بعد العَقَبة بشهرَینِ ولَیالٍ، قال: وخرج هلال
ربيع الأوَّل وقَدِمَ المدينة لاثنتَي عشرة خَلَت من ربيع الأوَّل.
قلت: وعلى هذا خرج يوم الخميس، وأمَّا أصحابه فتَوَجَّهَ معه منهم أبو بكر الصِّدِّيق
وعامر بن فُهَيرة، وتَوَجَّهَ قبل ذلك بين العَقَبَتَينِ جماعة منهم ابن أمّ مكتوم، ويقال: إنَّ أوَّل
مَن هاجَرَ إلى المدينة أبو سَلَمة بن عبد الأسد المخزوميّ زوج أمّ سَلَمة، وذلك/ أنَّه أُوذيَ ٢٢٨/٧
لمَّا رَجَعَ من الخَبَشة، فَعَزَمَ على الرُّجوع إليها، فَبَلَغَه قِصّةُ الاثنَي عشر من الأنصار فَتَوَجَّهَ
إلى المدينة، ذكر ذلك ابن إسحاق، وأسنَدَ عن أمّ سَلَمة: أنَّ أبا سَلَمة أخَذَها معه فرَدَّها
قومُها فحَبَسوها سنةً، ثمَّ انطَلَقَت فَتَوجَّهَت في قِصّة طويلة وفيها: فقَدِمَ أبو سَلَمة المدينة
بُكرة، وقَدِمَ بعده عامر بن ربيعة حَليف بني عَديّ عَشيَّةً؛ ثمَّ تَوَجَّهَ مُصعَب بن عُمير كما
تقدَّم آنِفاً ليُفَقِّه مَن أسلَمَ من الأنصار، ثمَّ كان أوَّل مَن هاجَرَ بعد بيعة العَقَبة عامر بن
رَبيعة حَليف بني عَديّ على ما ذكر ابن إسحاق، وسيأتي ما يُخالفه في الباب الذي يَليه
(٣٩٢٥) وهو قول البراء: أوَّل مَن قَدِمَ علينا من المهاجرين مُصعَب بن عُمير ... إلى
آخِرِه، ثمَّ تَوَجَّهَ باقي الصحابة شيئاً فشيئاً كما سيأتي في الباب الذي يَليه. ثمَّ لمَّ تَوَجَّهَ
النبيّ وَّهِ واستَقْرَّ بها خرج مَن بَقِيَ من المسلمين، وكان المشرِكونَ يَمنَعونَ مَن قَدَروا على
مَنِعِه منهم، فكان أكثرُهم يَخْرُج ◌ِرّاً إلى أن لم يَبقَ منهم بمكَّة إلّا مَن غُلِبَ على أمره من
المستَضعَفين.
ثمَّ ذکر المصنِّف في الباب أحاديث:
الأوَّل والثاني: قوله: ((وقال عبد الله بن زيد وأبو هريرة عن النبيّ وَّ: لولا الهجرة لكنت
(١) وفي إسناده عندهما كما عند أحمد في ((مسنده)) (١٩٤٨) قابوس بن أبي ظبيان، وهو ضعيف.

٤٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
امرأً من الأنصار)) أمَّا حديث عبد الله بن زيد فيأتي موصولاً في غزوة حُنَينٍ (٤٣٣٠)، وأمَّا
حديث أبي هريرة فتقدَّم موصولاً في مناقب الأنصار (٣٧٧٩).
وقوله: ((من الأنصار)) أي: كنت أنصاريّاً صِرْفاً فما كان لي مانعٌ من الإقامة بمگَّة، لكنّني
اتَّصَفت بصِفة الهجرة، والمهاجر لا يُقيم بالبَلَدِ الذي هاجَرَ منها مُستَوطِناً، فينبغي أن يَحصُل
لكم الطُّمأنينة بأنّي لا أتحوَّل عنكم، وذلك أنَّه إنَّما قال لهم ذلك في جواب قولهم: أمَّا الرجل
فقد أحَبَّ الإقامة بمَوطِنِهِ، وسيأتي لذلك مَزيدٌ في غزوة حُنَينٍ (٤٣٣٠) إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث: قوله: ((وقال أبو موسى ... )) إلى آخره، يأتي شرحه مُستَوقَى في غزوة
أُحُد (١).
وقوله فيه: ((فذهب وَهَلي)) بفتح الواو والهاء، أي: ظَنّي، يقال: وهَلَ بالفتح يَهِلُ بالكسرِ
وَهْلاً بالسُّكونِ: إذا ظنَّ شيئاً فَتَبَّن الأمر بخلافه.
وقوله: ((أو هَجَرُ)) بفتح الهاء والجيم: بلد معروف من البحرَينِ، وهي من مَساكن عبد
القيس، وقد سَبَقوا غيرهم من القُرى إلى الإسلام كما سَبَقَ بيانُه في كتاب الإيمان (٥٣).
ووَقَعَ في بعض نُسَخ أبي ذرّ: ((أو الهَجَر)) بزيادة ألف ولام والأوَّل أشهر، وزَعَمَ بعض
الشُّراح أنَّ المراد بهَجَرَ هنا: قرية قريبة من المدينة وهو خطأ، فإنَّ الذي يناسب أن يُهاجَر
إليه لا بدَّ وأن يكون بلداً كبيراً كثير الأهل، وهذه القرية التي قيل: إنَّها كانت قُرْب المدينة
يقال لها: هَجَر، لا يَعرِفها أحد، وإنَّما زَعَمَ ذلك بعض الناس في قوله: ((قِلَال هَجَرَ)) أنَّ
المراد بها قرية كانت قُرب المدينة كان يُصنَع بها القِلَال، وزَعَمَ آخرون بأنَّ المراد بها هَجَرُ
التي بالبحرَينِ، كأنَّ القِلال كانت تُعمَل بها وتُجُلَب إلى المدينة وعُمِلَت بالمدينة على مِثالها،
وأفادَ ياقوت: أنَّ هَجَرَ أيضاً بلد باليمن، فهذا أَوْلِى بالتردُّدِ بينها وبين اليَمامة، لأَنَّ الْيَمامة
بین مگّة والیمن.
(١) عند الحديث رقم (٤٠٨١) ولم يستوف شرحه في هذا الموضوع كما ذكرَ - رحمه الله - وإنما تمَّ هذا في
كتاب التعبير، ((باب إذا رأى بقراً تنحر)) عند الحديث رقم (٧٠٣٥).

٤٣٣
باب ٤٥ / ح ٣٨٩٧
أبواب المبعث
وقوله: ((فإذا هي المدينة يَثْرِب)) كان ذلك قبل أن يُسَمِّيَهَا وَلَ طَيْبة، ووَقَعَ عند
البيهقيِّ(١) من حديث صُهَيب رَفَعَه: ((أُريت دار هِجرَتكم سَبْخة بين ظَهْرانَي حَرَّتَيْنِ،
فإمّا أن تكون هَجَرَ أو يَثِرِب)) ولم يَذكُر اليمامة، وللِّرمِذيِ (٣٩٢٣) من حديث جَرِیر
قال: قال رسول الله وَلّ: ((إنَّ الله تعالى أوحَى إليَّ: أيَّ هؤلاء الثلاثةِ نزلت فهي دار
هِجْرَتك: المدينةَ أو البحرَينِ أو قِنَّرِينَ))، استَغرَبَه الثِّرمِذيّ(٢)، وفي ثبوته نظر لأنَّه
مخالف لمَا في ((الصحيح)) من ذِكْر اليمامة، لأنَّ قِنَّسرين من أرض الشّام من جِهة
حَلَب، وهي بكسر القاف وفتح النُّون الثَّقيلة بعدها مُهمَلة ساكنة، بخلاف اليمامة
فإنّها إلى جِهة اليمن، إلّا إن حُلَ على اختلاف المأخَذ، فإنَّ الأوَّل جَرَى على مُقْتَضَى
الرُّؤيا التي أُربها، والثاني يُخيَّر بالوحي، فيَحتمل أن يكون أُريَ أوَّلاً ثمَّ خُيِّرَ ثانياً
فاختارَ المدينة.
٣٨٩٧- حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ أبا وائلٍ، يقول:
عُدْنا خَبّاباً، فقال: هاجَرْنا معَ النبيِّ وَّه ◌ُرِيدُ وجهَ الله، فَوَقَعَ أجْرُنا على الله، فمِنّا مَن مَضَى لم
يأخُذْ من أجْرِه شيئاً، منهم مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ، قُتِلَ يومَ أُحُدٍ وتَرَكَ نَمِرةً، فكنّا إذا غَطَّينا بها
رأسَه بَدَت رِجْلاهُ، وإذا غَطَّيْنا رِجْلَيه بَدا رأسُه، فأمَرَنا رسولُ اللهِ وَّهِ أَن نُغَطَِّ رأسَه، ونَجْعَلَ
على رِجْلَيه شيئاً من إذْخِرٍ، ومِنّا مَن أينَعَت له ثَمَرَتُه فهو يَهْدِبُها.
الحديث الرابع: حديث خَبّاب: ((هاجَرنا مع النبيّ وَّ)) أي: بإذنِهِ، وإلّا فلم يُرافِق
النبيَّ وَّه ◌ِوَى أبي بكر وعامر بن فُهَيرة كما تقدَّم، وقد أعادَ/ المصنّف هذا الحديث في ٢٢٩/٧
هذا الباب، وستأتي الإشارة إليه بعد بضعة عشر حديثاً (٣٩١٣ و ٣٩١٤)، وسيأتي شرح
هذا الحديث مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٨)، ومَضَى شيء منه في كتاب الجنائز
(١٢٧٦).
(١) في ((الدلائل)) ٢/ ٥٢٢، وهو أيضاً عند البزار (٢٠٨٥)، والطبراني (٧٢٩٦)، والحاكم ٤٠٠/٣.
(٢) في إسناده غيلان بن عبد الله العامري، قال عنه الذهبي: ما علمت روى عنه سوى عيسى بن عبيد الكندي،
حديثه منكر، ما أقدم الترمذي على تحسينه، بل قال: غريب. انظر ((ميزان الاعتدال)) ٣٣٨/٣.

٤٣٤
باب ٤٥ / ح ٣٨٩٨-٣٨٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣٨٩٨- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّدٌ، هو ابنُ زيدٍ، عن يحيى، عن محمَّدٍ بنِ إبراهيمَ، عن
عَلْقمةَ بنِ وَقّاصٍ، قال: سمعتُ عمرَ ◌َُ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ أُراهُ يقول: ((الأعمالُ بالنَِّةِ،
فمَن كانت هِجْرتُه إلى دُنْيا يُصِيبُها، أو امرأةٍ يَتزوَّجُها، فِهِجْرتُه إلى ما هاجَرَ إليه، ومَن كانت
هِجْرتُه إلى الله ورسوله، فهِجْرتُه إلى الله ورسوله)، وَل}.
الحديث الخامس: حديث عمر: ((الأعمال بالنّيَّة)). أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى
في أوَّل الکتاب (١).
ويحيى: هو ابن سعيد الأنصاريّ، وهو الذي لا يَثبُت هذا الحديث إلّا من طريقه.
الحديث السادس:
٣٨٩٩- حدَّثني إسحاقُ بنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ، قال: حدَّثني أبو عَمرٍو
الأوزاعيُّ، عن عبدةَ بنِ أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ بنِ جَيْرِ المكِّيِّ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما
كان يقول: لا هِجْرةَ بعدَ الفَتْحِ.
[أطرافه في: ٤٣٠٩، ٤٣١٠، ٤٣١١]
قوله: ((حدَّثني إسحاق بن يزيد الدِّمَشقيّ)) هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الفَراديسيّ
الدِّمشقيّ أبو النَّضر، نَسَبَه هنا إلى جَدّه، وكذلك في الزكاة (١٤٠٥) وفي الجهاد (٢٩٢٤)،
وجَزَمَ بأنَّه الفَراديسيّ الكَلاباذيّ وآخرون، وتفرَّد الباجيّ فأفرَدَه بترجمةٍ ونَسَبَه خُراسانیّاً،
ولم يُعرَف مِن حاله زيادةً على ذلك، وقول الجماعة أولَى.
قوله: ((عن عَبْدة بن أبي لُبابة)) بضمِّ اللّام والموخَّدتَينِ الأولى خفيفة، الأسديّ، کوفيّ نزلَ
دِمَشق، وكُنْيته أبو القاسم، ولا يُعرَف اسم أبيه. قال الأوزاعيُّ: لم يَقْدَم علينا من العراق
أفضلُ منه.
قوله: «إنَّ عبد الله بن عمر كان يقول: لا هجرة بعد الفتح» هذا موقوف، وسيأتي شرحه
في الذي بعده.

٤٣٥
باب ٤٥ / ح ٣٩٠٠
أبواب المبعث
الحديث السابع:
٣٩٠٠- قال يحيى بنُ حمزةَ: وحدَّثني الأوزاعيُّ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحِ، قال: زُرْتُ
عائشةَ معَ عُبيدٍ بنِ عُمَيرِ اللَّيْنِيِّ، فسَألَها عن الهِجْرةِ؟ فقالت: لا هِجْرةَ اليومَ، كان المؤمنونَ يَفِرُّ
أحدُهم بدِينِهِ إلى الله تعالى وإلى رسولِهِ وََّ، ◌َخافةَ أن يُفْتَنَ عليه، فأمَّا اليومَ فقد أظهَرَ الله
الإِسلامَ، واليومَ يَعْبُدُ رَبَّه حيثُ شاءَ، ولكنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ.
قوله: ((قال يحيى بن حمزة: وحدَّثني الأوزاعيّ)) هو معطوف على الذي قبله، وقد أفرَدَهما
في أواخر غزوة الفتح (٤٣١٢ و٤٣١٢)، وأورَدَ كلّ واحد منهما عن إسحاق بن يزيد المذكورِ
بإسنادِهِ، وأخرج ابن حِبّان (٤٨٦٧) الثاني من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعيِّ قال: سألته
عن انقطاع فضيلة الهجرة إلى الله ورسوله فقال؛ فذكره.
قوله: ((عن عطاء)) في رواية ابن حِبّان: حدَّثنا عطاء.
قوله: ((زرت عائشة مع عُبيد بن عُمير اللَّيْثِيّ)) تقدَّم في أبواب الطَّواف من الحجّ (١٦١٨):
أنها كانت حينئذٍ مجاورة في جبل ثَبیر.
قوله: ((فسألها عن الهجرة)) أي: التي كانت قبل الفتح واجبةً إلى المدينة ثمَّ نُسِخَت
بقوله: ((لا هِجرةَ بعد الفتح))، وأصل الهجرة: هَجْر الوَطَن، وأكثر ما يُطلَق على مَن رَحَلَ
من البادية إلى القرية، ووَقَعَ عند الأُمويّ في ((المغازي)) من وجه آخر عن عطاء: فقال: إنَّما
كانت الهجرة قبل فتح مكَّة والنبيّ ◌َلّم بالمدينة.
قوله: ((لا هِجرة اليومَ)) أي: بعد الفتح.
قوله: ((كان المؤمِنونَ يَفِرّ أحدُهم بدينِهِ ... )) إلى آخره، أشارَت عائشة إلى بيان مشروعيَّة
الهجرة وأنَّ سببها خَوفَ الفتنة، والحُكم يَدور مع عِلَّته، فمُقْتَضاه: أنَّ مَن قَدَرَ على عبادة
الله في أيّ موضع اتَّفَقَ لم تجب عليه الهجرةُ منه وإلّا وَجَبَت، ومن ثَمَّ قال الماوَرْديّ: إذا قَدَرَ
على إظهار الدّين في بَلَد من بلاد الكفر فقد صارت البَلَد به دارَ إسلام، فالإقامة فيها
أفضل من الرِّحلة عنها لمَا يُتَرَجَّى من دخول غيره في الإسلام، وقد تقدَّمت الإشارة إلى

٤٣٦
باب ٤٥ / ح ٣٩٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك في أوائل الجهاد في ((باب وُجوب النَّغير))(١) في الجمع بين حديث ابن عبَّاس (٢٨٢٥):
((لا هِجرةَ بعد الفتح)) وحديث عبد الله بن السَّعديّ: ((لا تَنقَطِع الهجرة))(٢).
وقال الخطَّبيُّ: كانت الهجرة - أي: إلى النبيّ وَّهـــ في أوَّل الإسلام مطلوبةً، ثمَّ
افتُرِضَت لمَّ هاجَرَ إلى المدينة إلى حَضرَته للقتال معه وتَعلَّم شَرائع الدّين، وقد أكَّدَ الله
ذلك في عِدّة آيات حتَّى قَطَعَ الموالاة بين مَن هاجَرَ ومَن لم يُهاجر فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَلَمْ يُهَاِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلمَّا فُتِحَت مكَّة ودَخَلَ
الناس في الإسلام من جميع القبائل سَقَطَت الهجرة الواجبة وبَقيَ الاستحبابُ.
وقال البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)): يحتمل الجمع بينهما بطريقٍ أُخرَى بقولِه: ((لا هِجرة
بعد الفتح))؛ أي: من مكَّة إلى المدينة، وقوله: ((لا تَنقَطِع)) أي: من دار الكفر في حَقّ مَن
أسلَمَ إلى دار الإسلام، قال: ويحتمل وجهاً آخر وهو أنَّ قوله: ((لا هِجرة))؛ أي: إلى النبيّ
اللّه
◌ِحيثُ كان بنيّة عَدَمِ الرُّجوع إلى الوَطَن المهاجَر منه إلّا بإذنٍ، وقوله: ((لا تَنْقَطِع))؛ أي:
هِجرةُ مَن هاجَرَ على غير هذا الوصف من الأعراب ونحوهم.
قلت: الذي يَظهَر أنَّ المراد بالشِّقِّ الأوَّل - وهو المنفيّ - ما ذكره في الاحتمال الأخير،
وبالشِّقِّ الآخر المثبت ما ذكره في الاحتمال الذي قبلَه، وقد أفصَح ابن عمر بالمراد فيما
٢٣٠/٧ أخرجه / الإسماعيليّ بلفظ: ((انقَطَعَت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله بَّه، ولا تَنقَطِع
الهجرة ما قُوتِلَ الكفَّارِ))، أي: ما دامَ في الدُّنيا دارُ كُفر، فالهجرة واجبة منها على مَن أسلَمَ
وَخَشِيَ أن يُفْتَن عن دينه، ومفهومه: أنَّه لو قَدَرَ أن لا يَبقَى في الدُّنيا دار كفر أنَّ الهجرة
تَنْقَطِع لانقطاع موجِبها، والله أعلم.
وأطلقَ ابن التِّين أنَّ الهجرة من مكَّة إلى المدينة كانت واجبة، وأنَّ مَن أقامَ بمكَّة بعد
هِجرة النبيّ وَّه إلى المدينة بغير عُذر كان كافراً، وهو إطلاقٌ مردود، والله أعلم.
(١) عند الحدیث رقم (٢٨٢٥).
(٢) جزء من حديث صحيح أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٢٣٢٤)، والنسائي (٤١٧٢) و(٤١٧٣)، وابن
حبان في «صحيحه» (٤٨٦٦).

٤٣٧
باب ٤٥ / ح ٣٩٠١ -٣٩٠٢
أبواب المبعث
الحديث الثامن:
٣٩٠١- حدَّثْنِي زَكَرِيّا بنُ يحيى، حدَّثنا ابنُ ثُمَير، قال هشامٌ: فأخبرني أبي، عن عائشةً
رضي الله عنها، أنَّ سَعْداً قال: اللهمَّ إِنَّكَ تعلمُ أنَّه ليس أحدٌ أحَبَّ إليَّ أن أُجاهدَهم فيكَ من
قومٍ كَذَّبوا رسولَكَ لَّهِ، وأخرَ جوه، اللهمَّ فإنّ أظُنُّ أَنَّكَ قد وَضَعْتَ الحربَ بَيْتَنَا وبينَهم.
وقال أبانُ بنُ يَزِيدَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، أخبَرَتْني عائشةُ: من قوم كَذَّبوا نَبَّكَ، وأخرَجوه
من قُریشٍ.
قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة.
قوله: ((أنَّ سعداً)) هو ابن معاذ، وسيأتي شرح هذا في غزوة بني قُرَيظة (٤١٢٢)، وأورَدَه هنا
مختصراً لما يتعلَّق بقُرَيشٍ الذين أحوجوا النبيَّ ◌َّ إلى الخروج عن وطنه.
قوله: ((وقال أبانُ بن يزيد: هو العَطّار ... )) إلى آخره، يعني أنَّ أبان وافق ابنَ نُمير في
روايته عن هشام لهذا الحديث وأفصَحَ بتعيينِ القوم الذين أُبهموا وأَّهم قُريش، وزَعَمَ
الدّاووديّ أنَّ المراد بالقوم: قُرَيظةُ، ثمَّ قال في الرّواية المعَلَّقة: هذا ليس بمحفوظٍ، وهو
إقدامٌ منه على رَدّ الرِّوايات الثابتة بالظَّنِّ الخائب، وذلك أنَّ في رواية ابن نُمير أيضاً ما يدلّ
على أنَّ المراد بالقوم: قُرَيش، وإنَّما تفرَّد أبانُ بِذِكْر قُرَيش في الموضع الأوَّل، وإلّا فسيأتي في
المغازي (٤١٢٢) في بقيّة هذا الحديث من كلام سعد وقال: ((اللهمَّ فإن كان بَفيَ من
حرب قُرَيش شيء فأبقِني له)) الحديث، وأيضاً ففي الموضع الذي اقتَصَرَ الدّاووديّ على
النَّظَر فيه ما يدلّ على أنَّ المراد قُرَيش، لأنَّ فيه: «مِن قوم كَذَّبوا رسولَك وأخرجوه»، فإنَّ
هذه القصَّة(١) مُخْتَصّة بقُرَيشٍ لأنَّهم الذين أخرَ جوه، وأمَّا قُرَيظة فلا.
الحديث التاسع:
٣٩٠٢- حدَّثْنَا مَطَرُ بنُ الفَضْلِ، حَدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا عِكْرمةُ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: بُعِثَ رسولُ الله ◌َِّ لأربعينَ سَنةً، فمَكَثَ بمكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ
(١) في (أ) وحدها: الصبغة.

٤٣٨
باب ٤٥ / ح ٣٩٠٣ - ٣٩٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
سَنةً يُوحَى إليه، ثمَّ أُمِرَ بالهِجْرةِ، فهاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وماتَ وهو ابنُ ثلاثٍ وِسِتِّينَ.
٣٩٠٣ - حدَّثْني مَطَرُ بنُ الفَضْلِ، حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، حدَّثنا زكريّا بنُ إسحاقَ، حدّثنا
عَمْرو بنُ دِينارٍ عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: مَكَثَ رسولُ اللهِ وَلِّ بِمِكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ، وتُوفِّيَ وهو ابنُ
ثلاثٍ ويسِتِينَ.
قوله: ((حدّثنا هشام)) هو ابن حسَّان.
قوله: ((فمَکَثَ بمكَّة ثلاثَ عشرةَ)) هذا أصحّ ممَّا أخرجه أحمد (٢٠١٧) عن يحيى بن
سعيد عن هشام بن حسَّان بهذا الإسناد قال: أُنزِلَ على النبيّ وَلِّ وهو ابن ثلاث وأربعين،
فمَكَثَ بمكَّة عشراً، وأصحّ ممّا أخرجه مسلم (١٢٣/٢٣٥٣) من وجه آخر عن ابن
عبَّاس: أنَّ إقامة النبيّ وَله بمكّة كانت خمسَ عشرةَ سنةً، وقد تقدَّم بيان ذلك في كتاب
المبعَث (٣٨٥١)، وسيأتي بقيَّة الكلام عليه في الوفاة (٤٤٦٤) إن شاء الله تعالى.
وقوله هنا: ((فهاجَرَ رسولُ الله ◌ِوَلِّ عشر سنين)) أي: أقامَ مُهاجراً عشر سنين، وهو كقوله
تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
الحديث العاشر: حديث أبي سعيد، تقدَّم شرحه في مناقب أبي بكر (٣٦٥٤) مُستَوفَّى.
٣٩٠٤- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ
عُبيدِ الله، عن عُبيدٍ، يعني ابنَ حُنَينٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ ﴾: أنَّ رسولَ الله وَّ﴿ جَلَسَ
على المِنْبِرِ، فقال: ((إنَّ عبداً خَيَّرَه الله بينَ أن يُؤْتِيَه من زَهْرةِ الدُّنْيا ما شاءَ، وبينَ ما عندَه،
فاختارَ ما عندَه))، فبَكَى أبو بكرٍ، وقال: فَدَيناكَ بآبائنا وأُمَّهاتنا، فعَجِبْنا له، وقال الناسُ:
انظُرُوا إلى هذا الشيخ، يُخِرُ رسولُ اللهِوَّهِ عن عبدٍ خَيَّرَه الله بينَ أن يُؤْتِيَه من زَهْرةِ الدُّنْيا،
وبينَ ما عندَه، وهو يقول: فَدَيناكَ بآبائنا وأُمَّهاتنا! فكان رسولُ اللهِ وَلِّ هو المخَيَّرَ، وكان أبو
بكرٍ هو أعلَمَنا به، وقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ من أمَنِّ الناسِ عليَّ في صُحْبَتِه ومالِه أبا بَكْرٍ،
ولو كنتُ مُتَّخِذَاً خَليلاً من أمَّتِي لاَتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ، إلا خُلّةَ الإسلامِ، لا يَبْقَيَنَّ في المسجدِ
خَوْخٌ إلا خَوْخُ أبي بَكْرٍ».

٤٣٩
باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥
أبواب المبعث
وقوله فيه: ((فقال الناس: انظُرُوا إلى هذا الشَّيخ)) في حديث ابن عبَّاس عند البَلاذِريّ في
نحو هذه القِصّة: فقال له أبو سعيد الخُذْريُّ: يا أبا بكر، ما يُيكيك؟ فذكر الحديث.
الحديث الحادي عشر:
٢٣٢/٧
٣٩٠٥- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، قال ابنُ شِهابِ: فأخبرني عُرْوةٌ
ابنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ وَ ◌ّ قالت: لم أَعْقِل أبُوَيَّ قَطَّ إلا وهما يَدِینانِ
الدِّينَ، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلَّا يأتينا فيه رسولُ اللهِ وَّ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، فلمَّا ابتُليَ
المسلمونَ خَرَجَ أبو بَكْرٍ مُهاجِراً نحوَ أرضِ الحَبَشِةِ، حتَّى بَلَغَ بَرْكَ الغِمادِ، لَقِيَه ابنُ الدَّغِنَةِ
وهو سَيِّدُ القارَةِ، فقال: أينَ تريدُ يا أبا بَكْرٍ؟ فقال أبو بَكْرٍ: أخرَجَني قومي، فأُرِيدُ أن أسِيحَ في
الأرضِ وأعبُدَ رَبّي، قال ابنُ الدَّغِنَةِ: فإنَّ مِثلَكَ يا أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ، ولا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ
المعْدومَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحمِلُ الكَلَّ، وتَقْري الضَّيفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحقِّ، فأنا لكَ جارٌ،
ارجِع واعْبُدُ رَبَّكَ بَلَدِكَ، فَرَجَعَ وارتَحَلَ معه ابنُ الدَّغِنَةِ، فطافَ ابنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً في أشراف
قُرَيشٍ، فقال لهمْ: إنَّ أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُه ولا يُخْرَجُ، أُخْرِ جونَ رجلاً يَكْسِبُ المعْدومَ، ويَصِلُ
الَّحِمَ، ويَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْري الضَّيفَ، ويُعِينُ على نَوائبِ الحقِّ؟ فلم تُكذِّبْ قُرَيٌ بچِوار ابنِ
الدَّغِنَةِ، وقالوا لابنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدُ رَبَّه في داره، فلْيُصَلِّ فيها ولْيَقْرأْ ما شاءَ، ولا
يُؤْذِينا بذلكَ، ولا يَسْتَعْلِنْ به، فإنّا نَخْشَى أن يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءَنا، فقال ذلكَ ابنُ الدَّغِنَةِ لأبي
بَكْرٍ، فَلَبِثَ أبو بَكْرٍ بذلكَ يَعْبُدُ رَبَّه في داره، ولا يَسْتَعْلِنُ بصَلاتِهِ، ولا يَقْرأُ في غيرِ دارهِ.
ثمَّ بَدَا لأبي بَكْرٍ فَابْتَنَى مسجداً بفِناءِ دارِهِ، وكان يُصلِّي فيه ويَقْرُ القرآنَ، فَيَتَقَذَّفُ عليه
نساءُ المشْرِكِينَ وأبناؤُهُمْ، وهم يَعْجَبونَ منه ويَنظُرُونَ إليه، وكان أبو بَكْرِ رجلاً بَكّاءً لا يَمْلِكُ
عينَيْهِ إذا قرأ القرآنَ، وأفزَعَ ذلكَ أشرافَ قُرَيشٍ مِن المشْرِكِينَ، فأرسَلوا إلى ابنِ الدَّغِنَةِ، فقَدِمَ
عليهم فقالوا: إنّا كنَّا أَجَرْنا أبا بَكْرٍ بجِوَاركَ على أن يَعْبُدَ رَبَّه في داره، فقد جاوَزَ ذلكَ فابْتَنَى
مسجداً بفِناءِ دارِهِ، فأعلَنَ بالصَّلاةِ والقراءةِ فيه، وإنّا قد خَشِينا أن يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءَنا، فانْهَهُ،
فإن أحَبَّ أن يَقْتَصِرَ على أن يَعْبُدَ رَبَّه في داره فعَلَ، وإن أبى إلا أن يُعْلِنَ بذلكَ فسَلْه أن يَرُدَّ

٤٤٠
باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
إليكَ ذِمَّتَكَ، فإنّا قد كَرِهْنا أن نُخْفِرَكَ، ولسنا مُقِرِّينَ لأبي بَكْرِ الاسْتِعْلانَ، قالت عائشةُ: فأتى
ابنُ الدَّغِنَةِ إلى أبي بَكْرٍ، فقال: قد عَلمْتَ الَّذي عاقَدْتُ لكَ عليه، فإمّا أن تَقْتَصِرَ على ذلكَ،
وإمّا أن تَرْجِعَ إليَّ ذِمَّتي، فإنّ لا أُحِبُّ أن تَسْمَعَ العربُ أتّي أُخْفِرْتُ في رجلٍ عَقَدْتُ له، فقال
أبو بَكْرٍ: فإنّي أَرُدُّ إليكَ جِوارَكَ، وأرضَى بجِوار الله عزَّ وجلّ، والنبيُّنَّهِ يومَئذٍ بمكَّةَ، فقال
النبيُّ ◌َ﴿ للمسلمينَ: ((إنّ أُرِيتُ دارَ هِجْرِكم ذاتَ نَخْلِ بَينَ لابَتَينِ)» وهما الحَرَّتان.
فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المدينةِ، وَرَجَعَ عامّةُ مَن كان هاجَرَ بأرضِ الحَبَشِةِ إلى المدينةِ، وَجَهَّزَ
أبو بَكْرِ قِبَلَ المدينةِ، فقال له رسولُ اللهِ وَالَ: ((على رِسْلِكَ، فإنّ أرجو أن يُؤْذَنَ لي))، فقال أبو
بَكْرٍ: وهل تَرْجو ذلكَ بأبي أنتَ؟ قال: ((نعمْ))، فحَبَسَ أبو بَكْرِ نفسَه على رسولِ اللهِ وَلّـ
لِيَصْحَبَهِ، وعَلَفَ راحلَتَينِ كانتا عندَه ورَقَ السَّمُرِ، وهو الخَبَطُ، أربعةَ أشهُرٍ.
قال ابنُ شِهابٍ: قال عُزْوةُ: قالت عائشةُ: فبينما نحنُ يوماً جُلوس في بيتٍ أبي بَكْرٍ في نَحْرِ
الظَّهِيرةِ، قال قائلٌ لأبي بَكْرٍ: هذا رسولُ اللهِ وَيَ مُتَقَتِّعاً في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو
بَكْرِ: فِداءٌ له أبي وأُمّي، والله ما جاء به في هذه الساعةِ إلا أمرٌ! قالت: فجاء رسولُ اللهِ وَلَه
فاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ له، فدَخَلَ فقال النبيُّ ◌َّهِ لأبي بَكْرٍ: ((أخرِجِ مَن عندَكَ)) فقال أبو بَكْرٍ: إنَّما هم
أهلُكَ بأبي أنتَ يا رسولَ الله، قال: ((فإنّي قد أُذِنَ لي في الخروجِ)) فقال أبو بَكْرٍ: الصّحابةَ بأبي
أنتَ يا رسولَ الله؟ قال رسولُ الله وَّهِ: (نَعمْ)) قال أبو بَكْرٍ: فخُذ بأبي أنتَ يا رسولَ الله
إحدَى راحلَتَيَّ هاتَينٍ، قال رسولُ الله ◌ِهِ: (بالثَّمَنِ)) قالت عائشةُ: فجَهَّزْناهما أحَثَّ الجِهازِ،
وصَنَعْنا لهما سُفْرةً في جِرابٍ، فقطَعَت أسماءُ بنتُ أبي بَكْرِ قِطْعةً من نِطاقها، فَرَبَطَت به على فَمِ
الجِراب، فبِذلكَ سُمِّيَتْ: ذاتَ النِّطاق.
قالت: ثمَّ لَحِقَ رسولُ اللهِ وَِّ وأبو بَكْرِ بغارٍ في جبلِ ثَوْرٍ: فَكَمَنا فيه ثلاثَ لَيَالٍ، بَبِيتُ
عندَهما عبدُ الله بنُ أبي بَكْر، وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ، لَقِنٌ، فَيُذْلِجُ من عندِهما بسَحَرٍ، فُصْبِحُ
معَ قُرَيشٍ بمكَّةَ كَبائتٍ، فلا يَسْمَعُ أمراً يُكْتادانِ به إلا وَعاهُ حتَّى يأتيَهما بِخَبِرِ ذلكَ حِينَ يَخْتَلِطُ
الظَّلامُ، ويَرْعَى عليهما عامرُ بنُّ نُهَيرةَ مولى أبي بَكْرٍ مِنْحةً من غَنَمِ، فيُرِيحُها عليهما حينَ تذهبُ