Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٦
أبواب المبعث
((رأسِها)): نابِها، وتارةً قال: ما مُؤمِنو الجِنّ ككُفَّارها. وعندهم من الزّيادة أيضاً أنَّه في كلّ
مرّة يقول له: ((قد بُعِثَ محمد، فانهض إليه تَرشُد))، وفي الرِّواية المرسَلة قال: ((فارتَعَدَت
فرائصي حتَّى وَقَعت))، وعندهم جميعاً: أنَّه لمَّا أصبَحَ تَوَجَّهَ إلى مَّة فوَجَدَ النبيَّ ◌َلّ قد
هاجر، فأتاه فأنشَدَه أبياتاً يقول فيها:
أتاني رَئِيُّ بعد ليلِ وهَجْعَةٍ ولم يَكُ فيما قدبَلَوتُ بكاذِبٍ
ثلاثَ لَيالٍ قولُه كلَّ ليلةٍ أتاك نبيٌّ من لُؤَيِّ بنِ غالبٍ
يقول في آخرها:
فَكُنْ لي شَفيعاً يوم لا ذو شفاعةٍ سِواكَ بمُّغنٍ عن سَوَادِبنِ قاربٍ
وفي آخِرِ الرِّواية المرسَلة: فالتَزَمَه عمرُ، وقال: لقد كنت أُحِبّ أن أسمع هذا مِنك.
قوله: ((ولحُوقها بالقِلاص وأحلاسِها)) القِلاص - بكسرِ القاف وبالمهمَلة - جمع قُلُص
بضمَّتَينِ وهو جمع قَلُوص، وهي الفَتَيَّة من النِّياق، والأحلاس: جمع حِلْس بكسرٍ أوَّله وسكون
ثانيه وبالمهمَلتَينِ: وهو ما يُوضَع على ظُهور الإبل تحت الرَّحل، ووَقَعَ هذا القَسيم / غير ١٨١/٧
موزون. وفي رواية الباقر: ((وَرَحِلِها العِيسَ بأحلاسِها)) وهذا موزون، والعِيْس بكسر أوَّله
وسكون التحتانيَّة وبالمهمَلتَينِ: الإبل.
قوله: ((قال عمر: صَدَقَ، بينما أنا عند آلهتهم)) ظاهر هذا أنَّ الذي قَصَّ القِصّة الثانية هو
عمر، وفي رواية ابن عمر وغيره: أنَّ الذي قَصَّها هو سَوَاد بن قارب، ولفظ ابن عمر عند
البيهقيِّ(١): قال: لقد رأى عمر رجلاً - فذكر القِصّة - قال: فأخبرني عن بعض ما رأيت،
قال: إنّ ذاتَ ليلةٍ بوادٍ إذ سمعت صائحاً يقول: يا جَليح، خبرٌ نَجِيح، رجلٌ فَصيح،
يقول: لا إله إلّ الله، عَجِبت للجِنِّ وإبلاسِها)) فذكر القِصّة، ثمَّ ساقَ من طريق أُخرَى
مُرسَلة: قال: مرَّ عمر برجلٍ فقال: لقد كان هذا كاهناً ... الحديثَ، وفيه: فقال عمر:
(١) في ((الدلائل)) ٢/ ٢٤٥، ووقع في المطبوع أول البيت الثاني: ((فانهض)) بدل («فاسْمُ))، وفي رواية أبي جعفر
الباقر عند أبي نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٣٥٥١) ورواية محمد بن كعب عند الطبراني (٦٤٧٥): فارحَل.

٣٤٢
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
أخبرني، فقال: نعم، بينا أنا جالس إذ قالت لي: ألم تَرَ إلى الشَّياطين وإبلاسها ... الحديثَ،
قال عمر: الله أكبر، فقال: أتيت مكَّة فإذا برجلٍ عند تلك الأنصاب؛ فذكر قِصّة العِجل،
وهذا يحتمل فيه ما احتُمِلَ في حديث ((الصحيح)) أن يكون القائل: «أتیت مگَّة» هو عمر أو
صاحب القِصّة.
قوله: ((عند آلهتهم)) أي: أصنامهم.
قوله: ((إذ جاء رجل)) لم أقِفْ على اسمه لكن عند أحمد (١٥٤٦٢) من وجه آخر أنَّه ابن
عَبْس، فأخرج من طريق مجاهد عن شيخ أدرَكَ الجاهليَّة يقال له ابن عَبس قال: كنت
أسوق بقرة لَنا، فسمعت من جَوفها، فذكر الرَّجَز قال: فقَدِمنا فَوَجَدنا النبيّ وَّهِ قد بُعِثَ؛
ورجاله ثقات(١)، وهو شاهد قويّ لمَا في رواية ابن عمر، وأنَّ الذي حدَّث بذلك هو
سواد بن قارب، وسأذكر بعد هذا ما يُقوِّي أنَّ الذي سمعَ ذلك هو عمر، فيُمكِن الجمعُ
بينهما بتعدُّدِ ذلك لهما.
قوله: ((يا جَليح)) بالجيم والمهمَلة بوَزنٍ عظيم، ومعناه: الوَقِح المكافح بالعَداوة، قال
ابن التِّين: يحتمل أن يكون نادَى رجلاً بعَينِهِ، ويحتمل أن يكون أراد مَن كان بتلك الصِّفة،
قلت: ووَقَعَ في مُعظَم الرِّوايات التي أشرت إليها: ((يا آلَ ذَريح)) بالذّال المعجَمة والراء
وآخره مُهمَلة، وهم بطن مشهور في العرب.
قوله: ((رجلٌ فَصيح)) من الفَصاحة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بتحتانيَّةِ أوَّله بَدَل الفاء من
الصّياح، ووَقَعَ في حديث ابن عَبس: قول فصيح رجل يصيح.
قوله: ((يقول: لا إله إلّا أنتَ)) وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لا إله إلّا الله)) وهو الذي في بقيَّة
الرِّوايات.
قوله: ((فما نَشِبْنا)) بكسر المعجَمة وسكون الموحّدة، أي: لم نَتَعلَّق بشيءٍ من الأشياء حتَّى
(١) بل فيه عبيد الله بن أبي زياد وهو القدّاح، وهو ممن لا يحتمل تفرُّده، ضعّفه غير واحد، وقال عنه الحافظ
في «التقریب»: ليس بالقوي.

٣٤٣
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٧
أبواب المبعث
سمعنا أنَّ النبيّ وَ لَّ قد خَرَج، يريد أن ذلك كان بقُرب مَبعَث النبيّ وَّ.
ـلان
تنبيهان:
أحدهما: ذكر ابن التِّين أنَّ الذي سمعَه سواد بن قارب من الجِنّيِّ كان من أثر استراق
السَّمع، وفي جَزمه بذلك نظر، والذي يَظهَر أنَّ ذلك كان من أثر مَنع الجِنّ من استراق
السَّمع، ويُبيِّ ذلك ما أخرجه المصنّف في الصلاة (٧٧٣) ويأتي في تفسير سورة الجِنّ
(٤٩٢١) عن ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ وَلَهَ لمَّا بُعِثَ مُنِعَ الجِنّ من استراق السَّمع، فضَرَبوا
المشارق والمغارب يَبحَثونَ عن سبب ذلك، حتَّى رأوا النبيّ ◌َلِّ يُصلِّي بأصحابه صلاة
الفجر، الحديث.
التنبيه الثاني: لَمَّحَ المصنِّف بإيرادِ هذه القِصّة في ((باب إسلام عمر)) بما جاء عن عائشة
وطلحة عن عمر من أنَّ هذه القِصّة كانت سببَ إسلامه، فروى أبو نُعَيم في ((الدَّلائل)):
أنَّ أبا جهل جَعَلَ لمن يَقتُل محمداً مئةَ ناقة، قال عمر: فقلت له: يا أبا الحَكَم، الضَّمان
صحيح؟ قال: نعم، قال: فَتَقَلَّدتُ سيفي أُريده، فمَرَرتُ على عِجل وهم يريدونَ أن
يَذْبَحوه، فقمت أنظرُ إليهم، فإذا صائحٌ يصيح من جَوْف العِجل: يا آلَ ذَرِيح، أمرٌ
نَجِيح، رجل يصيح، بلسان فَصِيح، قال عمر: فقلت في نفسي: إنَّ هذا الأمر ما يُراد به إلّا
أنا، قال: فدخلتُ على أُختي فإذا عندها سعيد بن زيد، فذكر القِصّة في سبب إسلامه
بطولها، وتأمَّل ما في إيراده حديث سعيد بن زيد الذي بعد هذا - وهو الحديثُ الخامس -
من المناسبة لهذه القصَّة.
٣٨٦٧ - حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا قيسٌ، قال: سمعتُ
سعيدَ بنَ زيدٍ يقول للقومِ: لو رأيتني مُوثِقِي عمرُ على الإسلامِ أنا وأُختُه وما أسلَمَ، ولو أنَّ
أُحُداً انقَضَّ لِمَا صَنَعْتُم بِعُثْمانَ، لكان تَحقوقاً أن يَنقَضَّ.
قوله: (انقَضَّ» بنونٍ وقافٍ، وللكُشْمِيهنيِّ بفاءٍ بَدَل القاف في الموضعينِ، ولأبي نُعَيم في
(المستخرَج)) بالفاء والراء،/ ومعانيها مُتَقاربة، والله أعلم.
١٨٢/٧

٣٤٤
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨ -٣٨٧١
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: جعل ابنُ إسحاق إسلامَ عمر بعد هِجرة الحَبَشة، ولم يَذكُر انشقاق القمر،
فاقتَضَى صنيعُ المصنِّف أنَّه وَقَعَ في تلك الأيام. وقد ذكر ابن إسحاق من وجهٍ آخَر أنَّ
إسلام عمر كان عَقِبَ هِجْرة الحبشة الأولى.
٣٦ - باب انشقاق القمر
٣٨٦٨- حدَّثني عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفَضَّلِ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي
عَرُوبةَ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ : أنَّ أهلَ مَكَّةَ سألوا رسولَ اللهَ وَّ أَن يُرِيَهم آيَةً فأراهمُ
القمرَ شِقَّتَيْنِ، حتَّى رَأوْا حِراءٌ بينَهما.
٣٨٦٩- حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعْمَرٍ، عن
عبدِ الله ◌ُ قال: انشَقَّ القمرُ ونحنُ معَ النبيِّ وَلِّ بِمِنِّى، فقال: ((اشهَدوا))، وذهَبَت فِرْقَةٌ نحوَ الجبلِ.
وقال أبو الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ الله: انشَقَّ بمكَّةً.
وتابَعَه محمَّدُ بنُ مسلم عن ابنِ أبي نَجِيح عن مجاهدٍ عن أبي مَعْمَرٍ عن عبدِ الله.
٣٨٧٠- حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ صالح، حدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةً، عن
عِراكِ بنِ مالكِ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ بنِ مَسْعودٍ، عن عبدِ الله بنِ عَّاسٍ رضي الله
عنهما: أنَّ القمرَ انشَقَّ على زمان رسولِ الله ێ.
٣٨٧١- حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن أبي مَعْمَرٍ،
عن عبدِ الله ◌ُّ قال: انشَقَّ القمرُ.
قوله: (باب انشقاق القمر)) أي: في زمن النبيِّ وَّ على طَريقِ المعجزة له، وقد تَرجَمَ
بمعنى ذلك في علامات النُُّوّة(١).
قوله: ((عن أنس)) زاد في الرّواية التي في علامات النُّبوّة (٣٦٣٧): أنَّه حدَّثهم.
قوله: ((أنَّ أهل مكَّة)) هذا من مراسيل الصحابة، لأنَّ أنساً لم يُدرِك هذه
(١) باب (٢٧): سؤال المشركين أن يريهم النبي وَلّم آية، فأراهم انشقاق القمر.

٣٤٥
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨ -٣٨٧١
أبواب المبعث
القِصّة، وقد جاءت هذه القِصّة من حديث ابن عبّاس (٤٨٦٦) وهو أيضاً ممَّن لم
يُشاهدْها، ومن حديث ابن مسعود وجُبَير بن مُطعِمٍ(١) وحُذَيفة(٢) وهؤلاء شاهَدُوها، ولم
أرَ في شيء من طُرقِه أنَّ ذلك كان عَقِب سؤال المشركين إلّا في حديث أنسٍ(٣)، فلعلَّه
سمعَه من النبيّ ◌ِل﴾.
ثمَّ وجدتُ في بعض طرق حديث ابن عبّاس بيانَ صورة السُّؤال، وهو وإن كان لم
يُدرِك القِصّة، لكن في بعض طُرقه ما يُشعِرِ بأنَّه حَلَ الحديثَ عن ابن مسعود كما سأذكرُه،
فأخرج أبو نُعَيم في ((الدَّلائل)) (٢٠٩) من وجه ضعيف عن ابن عبّاس قال: اجتَمَع
المشركونَ إلى رسول الله وَليل منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل
والأسوَد بن المطَّلِب والنَّضر بن الحارث ونُظَراؤهم فقالوا للنبيِّ وَّ: إن كنت صادِقاً فشُقَّ
لنا القمرَ فِرقَتَینِ، فسألَ ربَّه فانشَقَّ.
قوله: ((شِقَّتَينٍ)) بكسر المعجَمة، أي: / نصفَينٍ، وتقدَّم في العلامات (٣٦٣٧) من طريق ١٨٣/٧
سعيد وشَيْبان عن قَتَادة بدون هذه اللَّفظة.
وأخرجه مسلم (٤٦/٢٨٠٢) من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ من حديث سعيد
عن قَتَادة(٤) بلفظ: فأراهم انشِقاق القمر مرَّتَينِ، وأخرجه (٤٦/٢٨٠٢م) من طريق مَعمَر
عن قَتَادة قال: بمعنى حديث شَيْبان. قلت: وهو في ((مُصنَّف عبد الرَّزّاق))(٥) عن مَعمَر
بلفظ: ((مرَّتَينٍ)) أيضاً، وكذلك أخرجه الإمامان أحمد (١٢٦٨٨) وإسحاق في ((مُسنَدَيهما))
عن عبد الرَّزاق(٦).
(١) أخرجه أحمد (١٦٧٥٠)، والترمذي (٣٢٨٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٥٢٨٥)، وابن أبي شيبة ٣٧٨/١٣، والحاكم ٦٠٨/٤.
(٣) وهو أول حديث هذا الباب.
(٤) الذي في ((صحيح مسلم)) إنما هو من حديث شيبان عن قتادة.
(٥) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه))، وهو في ((تفسيره)) ٢/ ٢٥٧.
(٦) ومن الطريق نفسها أخرجه الترمذي (٣٢٨٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٩٠).

٣٤٦
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨-٣٨٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وقد اتَّفَقَ الشَّيخان عليه من رواية شُعْبة عن قَتَادة بلفظ: ((فِرِقَتَينِ))(١).
قال البيهقيُّ: قد حَفِظَ ثلاثة من أصحاب قَتادة عنه: ((مرَّتَينٍ)). قلت: لكن اختُلِفَ
عن كلٌّ منهم في هذه اللَّفظة ولم يُخْتَلَف على شُعبة وهو أحفَظُهم، ولم يقع في شيء من طرق
حديث ابن مسعود بلفظ: ((مرَّتَينِ)) إنَّما فيه: ((فِرِقَتَيْنِ)) أو ((فِلِقَتَينِ))(٢) بالراء أو اللّام، وكذا
في حديث ابن عمر: ((فِلِقَتَينِ))(٣)، وفي حديث جُبَير بن مُطعِمٍ: ((فِرِقَتَينِ)) (٤)، وفي لفظ عنه:
((فانشَقَّ باثنتَينِ))(٥)، وفي رواية عن ابن عبّاس عند أبي نُعَيم في ((الدَّلائل)) (٢١٠): ((فصارَ
فَمَرَينٍ))، وفي لفظ: ((شِقَّتَيْنِ))، وعند الطَّبَري(٦) من حديثه: ((حتَّى رأوا شِقَّه))، ووَقَعَ في
((نظم السِّيرة)) لشيخِنا الحافظ أبي الفضل: وانشَقَّ مَرَّتَينِ بالإجماع. ولا أعرِف مَن جَزَمَ من
علماء الحديث بتعدُّدِ الانشِقاق في زَمَنه ◌َّه، ولم يَتعرَّض لذلك أحد من شُراح
((الصحیحینِ)).
وتَكلَّمَ ابن القَيِّم على هذه الرّواية فقال: المرات يُراد بها الأفعال تارةً والأعيان أُخرَى،
والأوَّل أكثر، ومن الثاني: ((انشَقَّ القمر مرَّتَينِ))، وقد خَفِيَ على بعض الناس فادَّعَى أنَّ
انشِقاق القمر وَقَعَ مَرَّتَينٍ، وهذا مَّا يَعلَم أهل الحديث والسِّيَر أنَّه غلط، فإنَّه لم يقع إلّا مَرّة
واحدة، وقد قال العِماد ابن كثير: في الرِّواية التي فيها ((مرَّتَينِ)) نظر، ولعلَّ قائلَها أراد
فِرِقَتَينِ.
قلت: وهذا الذي لا يَتَّجِهُ غيرُه جمعاً بين الرِّوايات. ثمَّ راجعتُ نَظْم شيخنا فوجدتُه
يحتمل التأويل المذكور، ولفظُه:
(١) البخاري (٤٨٦٨)، ومسلم (٢٨٠٢) (٤٧).
(٢) ووقع في بعض طرقه عند البخاري (٣٦٣٦) بلفظ: ((شقتين)) كما في حديث الباب.
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٠١).
(٤) أخرجه أحمد (١٦٧٥٠)، والترمذي (٣٢٨٩)، وابن حبان (٦٤٩٧).
(٥) لم نقف على هذا اللفظ من حديث جبير، وجاء في حديث ابن عباس عند الثعلبي في ((تفسيره)) ٩/ ١٦١.
(٦) تحرف في (ع) و(س) إلى: الطبراني، والصواب ما أثبتنا من (أ)، وهو في ((تفسير الطبري) ٨٧/٢٧.

٣٤٧
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨ -٣٨٧١
أبواب المبعث
فصارَ فِرِقَتَيْنِ فِرِقةً عَلَت وفِرِقةً للطَّودِ منه نَزِلتْ
وذاكَ مرَّتَينِ بالإجماع والنَّصِّ والتواتُّرِ السَّمَاعِ
فجمع بين قوله: ((فِرِقَتَينِ)) وبين قوله: ((مرَّتَينٍ))، فيُمكِن أن يتعلَّق قوله: بالإجماع بأصلِ
الانشقاق لا بالتعدُّدِ، مع أنَّ في نقل الإجماع في نفس الانشقاق نظراً سيأتي بيانه.
قوله: ((حتَّى رأَوْا حِراء بينهما)) أي: جَبَل حِراء (١) بين الفِرقَتَينِ، وِراء تقدَّم ضبطه في
بَدْء الوحي (٣)، وهو علی یَسار السائر من مگَّة إلیمِنِّی.
قوله: ((عن أبي حمزة)) بالمهمَلة والزّاي: هو محمد بن ميمون السُّكَّريّ المروزيِّ.
قوله: ((عن الأعمَش عن إبراهيم)) وَقَعَ في رواية السَّرَخْسيّ والكُشْمِيهنيّ في آخِر الباب
من وجهٍ آخر عن الأعمَش: حدَّثنا إبراهيم.
قوله: ((عن أبي مَعمَر)) هذا هو المحفوظ، ووَقَعَ في رواية سَعْدان بن يحيى ويحيى بن
عيسى الرَّمليّ: عن الأعمش عن إبراهيم عن عَلقَمة، أخرجه ابن مَرْدويه، ولأبي نُعَيم
نحوُه من طريقٍ غريبة عن شُعْبة عن الأعمش، والمحفوظ عن شُعْبة كما سيأتي في التفسير
(٤٨٦٤): عن الأعمَش عن إبراهيم عن أبي مَعمَر، وهو المشهور، وقد أخرجه مسلم
(٢٨٠١) من طريق أُخرَى عن شُعْبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر، وسيأتي
للمصنّف مُعلَّقاً أنَّ مجاهداً رواه عن أبي مَعمَر عن ابن مسعود، فالله أعلم هل عند مجاهد
فيه إسنادان، أو قول مَن قال: ابن عمر، وَهْمٌ من أبي معمر.
قوله: (عن عبد الله)) هو ابن مسعود.
قوله: ((انشَقَّ القمر ونحنُ مع النبيِّ وَّ﴿ بِمِنَّی)) في رواية مسلم (٤٤/٢٨٠٠) من طريق
عليّ بن مُسِهِر عن الأعمَش: بينما نحنُ مع النبيِّ ◌َلَهَ بِمِنَى إِذ انفَلَقَ القمر، وهذا لا يعارض
قول أنس: أنَّ ذلك كان بمكّة، لأنَّه لم يُصرِّح بأنَّ النبيّ ێ کان ليلتئذٍ بمگَّة، وعلى تقدیر
(١) قوله: ((جبل حراء)) سقط من (س).

٣٤٨
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨ -٣٨٧١
فتح الباري بشرح البخاري
١٨٤/٧ تصريحه فمِنَّى (١)/ من ◌ُملة مكَّة فلا تَعارُض، وقد وَقَعَ عند الطبرانيِّ(٢) من طريق زِرّ بن
حُبَيْشٍ عن ابن مسعود قال: انشَقَّ القمر بمكَّة فرأيته فِرِقَتَينٍ، وهو محمول على ما ذكرتُه،
وكذا ما وَقَعَ في غیر هذه الرِّواية، وقد وَقَعَ عند ابن مردويه بيان المراد فأخرجه من وجهٍ
آخر عن ابن مسعود قال: انشَقَّ القمر على عهد رسول الله وَّهِ ونحنُ بمكَّة قبل أن نَصيرَ
إلى المدينة، فوَضَح أنَّ مُرادَه بذِكْر مكَّة الإشارة إلى أنَّ ذلك وَقَعَ قبل الهجرة، ويجوز أنَّ
ذلك وَقَعَ وهم ليلتئذٍ بمِنِّی.
قوله: ((فقال: اشهَدوا)) أي: اضِطوا هذا القَدْر بالمشاهدة.
قوله: ((وقال أبو الضُّحَى ... )) إلى آخره، يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: ((عن
إبراهيم))، فإنَّ أبا الضُّحَى من شيوخ الأعمَش فيكون للأعمَشِ فيه إسنادان، ويحتمل أن
يكون مُعلَّقاً وهو المعتَمَد، فقد وَصَلَه أبو داود الطَّيالسيّ (٢٩٣) عن أبي عَوَانة، وروِّيناه في
((فوائد أبي طاهر الذُّهْلِّ)) من وجه آخر عن أبي عَوَانة، وأخرجه أبو نُعَيم في ((الدَّلائل))
(٢١٢) من طريق هشَيم كلاهما عن مُغيرة عن أبي الضُّحَى بهذا الإسناد بلفظ: انشَقَّ القمر
على عهد رسول الله وَلِّ، فقالت كفَّار قُرَيش: هذا سِحرٌ سَحَرَكم ابنُ أبي كَبْشة، فانظُرُوا
إلى السُّفّار، فإن أخبَروكم أنَّهم رأوا مثل ما رأيتُم فقد صَدَق، قال: فما قَدِمَ عليهم أحدٌ إلّا
أخبَرَهم بذلك؛ لفظ هُشَيم، وعند أبي عَوَانة: انشَقَّ القمر بمكَّة، نحوه وفيه: فإنَّ محمَّداً لا
يستطيع أن يَسحَر الناس كلَّهم.
قوله: ((وتابَعَه محمد بن مسلم)) هو الطائفيّ، وابن أبي نَجِيح: اسمه عبد الله، واسم أبيه:
يَسار بتحتانيَّةِ ثمَّ مُهمَلة خفيفة، ومُراده أنَّه تابَعَ إبراهيم في روايته عن أبي مَعمَر في قوله:
إنَّ ذلك كان بمكّة لا في جميع سياق الحديث، والجمع بين قول ابن مسعود تارة بمِنَّى وتارةً
(١) في (س): ((فھي)) بدل: فمنّی.
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من مصنفاته، وأخرجه من الطريق المذكور أبو نعيم في ((الدلائل)) (٢٠٧) دون
قوله: بمكة.

٣٤٩
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨ -٣٨٧١
أبواب المبعث
بمكَّة، إمّا باعتبار التعدُّد إن ثَبَت، وإمّا بالحَملِ على أنَّه كان بمِنَّى، ومَن قال: كان بمكَّة لا
يُنافيه لأنَّ مَن كان بِمِنّى كان بمَّة من غير عَكس، ويُؤيِّده أنَّ الرّواية التي فيها ((بمِنَّى))
قال فيها: ((ونحنُ بمِنَّى))، والرِّواية التي فيها ((بمكّة)) لم يَقُل فيها: ((ونحن)) وإنَّما قال: ((انشَقَّ
القمر بمكّة))، يعني: أنَّ الانشقاق كان وهم بمكّة قبل أن يُهاجروا إلى المدينة، وبهذا يَندَفِع
دَعَوَى الدّاووديّ: أنَّ بين الخَبَرَينِ تَضادّاً، والله أعلم.
وابن أبي نَجِيح رواه عن مجاهد عن أبي مَعمَر، وهذه الطَّريق وَصَلَها عبد الرَّزّاق في
((مُصنَّفَه))(١)، ومن طريقه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢٦٥/٢) عن ابن عُيَينةَ ومحمد بن مسلم
جميعاً عن ابن أبي نَحِيح بهذا الإسناد(٢) بلفظ: رأيت القمر مُنشَقّاً شِقَّتَينِ: شِقّة على أبي
قُبَيس، وشِقّة على السُّوَيداء، والسُّوَيداء بالمهمَلة والتصغير: ناحيةٌ خارجَ مكَّة عندها جبل،
وقول ابن مسعود: ((على أبي قُبَيس)) يحتمل أن يكون رآه كذلك وهو بمِنَّى كأن يكون على
مكان مُرتَفِع بحيثُ رأى طَرَف جبل أبي قُبَيس، ويحتمل أن يكون القمر استَمرَّ مُنشَقّاً حتَّى
رَجَعَ ابن مسعود من مِنَّى إلى مكَّة فرآه كذلك وفيه بُعدٌ، والذي يقتضيه غالب الرّوايات
أنَّ الانشِقاق كان قُرب غُروبه، ويُؤيِّد ذلك إسنادهم الرُّؤية إلى جهة الجبل، ويحتمل أن
يكون الانشقاق وَقَعَ أوَّل طُلوعه، فإنَّ في بعض الرِّوايات أنَّ ذلك كان ليلةَ البدر، أو
التعبير بأبي قُبَيس من تغيير بعض الرُّواة، لأنَّ الغرض ثبوت رُؤيَته مُنشَقّاً إحدَى الشِّقَتَيْنِ
على جبل والأُخرَى على جبل آخر، ولا يُغاير ذلك قول الراوي الآخر: رأيت الجبل بينهما،
أي: بين الفِرِقَتَينِ؛ لأنَّه إذا ذهبَت فِرِقة عن يمين الجبل وفِرقة عن يساره مثلاً صَدَقَ أنَّه
بينهما، وأيُّ جبل آخر كان من جهة يمينه أو يساره صَدَقَ أنَّها عليه أيضاً، وسيأتي في تفسير
سورة القمر (٤٨٦٥) من وجهٍ آخَر عن مجاهد بلفظٍ آخَر، وهو قوله: انشَقَّ القمر ونحنُ
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه))، وهو في «تفسيره)) ٢/ ٢٥٧.
(٢) ومن غير طريق عبد الرزاق وصلها البخاري نفسه برقم (٣٦٣٦) عن صدقة بن الفضل، عن ابن عيينة
وحده عن ابن أبي نجيح، به بلفظ: انشق القمر على عهد رسول الله له شقتين، فقال النبي ◌َّ: ((اشهدوا)).

٣٥٠
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨ -٣٨٧١
فتح الباري بشرح البخاري
مع رسول الله وَ﴿ فقال: ((اشهَدوا اشهَدوا))، وليس فيه تعيين مكان. وأخرجه ابن مَرْدويه
من رواية ابن جُرَيج عن مجاهد بلفظٍ آخر وهو قوله: انشَقَّ القمر، قال الله تعالى: ﴿أُقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر: ١]، يقول: كما شَقَقتُ القمر كذلك أُقيم الساعة.
قوله في حديث ابن عبّاس: ((إنَّ القمر انشَقَّ على زمان رسول الله وَ لَ)) هكذا أورَدَه
١٨٥/٧ مختصراً،/ وعند أبي نُعَيم (٢٠٩) من وجه آخر: انشَقَّ القمر فِلِقَتَينِ، قال ابن مسعود: لقد
رأيت جبل حِراء من بين فِلقَتَي القمر، وهذا يوافق الرّواية الأولى في ذِكْر حِراء.
وقد أنكَرَ جمهور الفَلاسفة انشِقاق القمر مُتَمسِّكين بأنَّ الآيات العُلوَّةِ لا يَتَهَيَّأ فيها
الانخِراق والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء إلى غير ذلك من
إنكارهم بما يكون يومَ القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك، وجواب هؤلاء إن كانوا
كفَّاراً أن يُناظَروا أوَّلاً على ثبوت دين الإسلام ثمَّ يُشرَّكوا مع غيرهم ممَّن أنكَرَ ذلك من
المسلمين، ومتى سَلَّمَ المسلم بعض ذلك دون بعض أُلزِمَ التناقض، ولا سبيل إلى إنكار
ما ثَبَتَ في القرآن من الانخِراق والالتئام في القيامة، فيَستَلزِم جواز وقوع ذلك مُعجِزة
لنبيِّ الله ێ.
وقد أجابَ القُدَماء عن ذلك، قال أبو إسحاق الزَّجّاج في ((مَعاني القرآن)»: أنكَرَ بعض
المبتَدِعة الموافقين لمخالِفي الِلّة انشقاق القمر ولا إنكارَ للعقل فيه، لأنَّ القمر مخلوق لله
يَفْعَل فيه ما يَشاء كما يُكَوِّرِه يومَ البَعث ويُفنيه، وأمَّا قول بعضهم: لو وَقَعَ لَجَاء مُتَواتراً
واشتَرَكَ أهل الأرض في مَعرِفَته ولمَا اخْتُصَّ بها أهل مكَّة، فجوابه أنَّ ذلك وَقَعَ ليلاً
وأكثر الناس نيام والأبواب مُغَلَّقة وقَلَّ مَن يُراصد السماء إلّا النادِر، وقد يقع بالمشاهدة في
العادة أن يَنْكَسِف القمر، وتبدو الكواكبُ العِظام وغير ذلك في اللَّيل ولا يُشاهدها إلّا
الآحاد، فكذلك الانشقاق كان آية وقَعَت في اللَّيل لقومٍ سألوا واقتَرَحوا فلم يَتأهَّب غيرهم
لها، ويحتمل أن يكون القمر ليلتئذٍ كان في بعض المنازل التي تَظهَر لبعض أهل الآفاق دون
بعض کما یَظھَر الگُسوف لقومٍ دون قوم.

٣٥١
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨ -٣٨٧١
أبواب المبعث
وقال الخطَّبيُّ: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يَعدِلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك
أَنَّه ظَهَرَ في مَلكوت السماء خارجاً من ◌ُملة طِباع ما في هذا العالَمَ المَرَكَّب من الطَّبائع،
فليس ممّا يُطمَع في الوصول إليه بحيلةٍ، فلذلك صارَ البُرُهان به أظهَر، وقد أنكَرَ ذلك
بعضهم فقال: لو وَقَعَ ذلك لم يَجُزُ أن يَخْفَى أمره على عَوامِ الناس، لأنَّه أمرٌ صَدَرَ عن حِسِّ
ومُشاهدة، فالناس فيه شُرَكاء والدَّواعي مُتَوَفِّرة على رُؤية كلّ غريب ونَقْلِ ما لم يُعهَد، فلو
كان لذلك أصل لَخُلِّدَ في كتب أهل التَّسيير والتَّنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تَركه
وإغفاله مع جَلالة شأنه ووُضوح أمره.
والجواب عن ذلك: أنَّ هذه القِصّة خَرَجَت عن بقيَّة الأُمور التي ذكروها، لأنَّه شيء
طلبَه خاصٌّ من الناس فوَقَعَ ليلاً، لأنَّ القمر لا سُلطان له بالنَّهار ومن شأن اللَّيل أن
يكون أكثر الناس فيه نياماً ومُستَكِنّين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يَقظانَ
يحتمل أنَّه كان في ذلك الوقت مشغولاً بما يُلهيه من سَمَر وغيره، ومن المستَبعَد أن يَقصِدوا
إلى مراصدٍ مَركَز القمر ناظرين إليه لا يَغفُلُونَ عنه، فقد يجوز أنَّه وَقَعَ ولم يَشعُر به أكثر
الناس، وإنَّما رآه مَن تَصَدَّى لِرُؤيَتِهِ مَمَّن اقتَرَحَ وقوعَه، ولعلَّ ذلك إنَّما كان في قَدر اللَّحظة
التي هي مَدْرَك البَصَر.
ثمَّ أبدَى حكمةً بالغة في كَون المعجِزات المحمديَّة لم يَبلُغ شيء منها مَبلَغ التواتُّر الذي
لا نزاع فيه إلّ القرآن بما حاصله: أنَّ مُعجِزةَ كلِّ نبيّ كانت إذا وقَعَت عامّةً أعقَبَت هلاك
مَن كَذَّبَ به من قومه للاشتِراكِ في إدراكها بالحِسِّ، والنبيّ وَِّ بُعِثَ رحمةً فكانت مُعجِزَته
التي تَحَدَّى بها عقليّة، فاختَصَّ بها القوم الذين بُعِثَ منهم لمَا أُوتوه من فضل العقول
وزيادة الأفهام، ولو كان إدراكها عامّاً لَعوجِلَ مَن كَذَّبَ به كما عُوجِلَ مَن قبلهم.
وذكر أبو نُعَيم في ((الدَّلائل)» (٤٠٥/١) نحو ما ذكره الخطَّبيُّ وزادَ: ولا سيّما إذا وقَعَت
الآية في بلدة كان عامّةُ أهلِها يومَئذٍ الكفَّار الذين يَعْتَقِدونَ أنَّهَا سِحر ويَجَتَهِدونَ في إطفاء
نور الله.

٣٥٢
باب ٣٦ / ح ٣٨٦٨ -٣٨٧١
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وهو جيِّ بالنِّسبة إلى مَن سألَ عن الحكمة في قِلّة مَن نَقَلَ ذلك من الصحابة،
وأمَّا مَن سألَ عن السَّبَب في كَون أهل التَّنجيم لم يَذْكُروه، فجوابه: أنَّه لم يُنقَل عن أحد
منهم أنَّه نَفَاه، وهذا كافٍ، فإنَّ الحُجّة فيمن أثبَتَ لا فيمَن يؤخذ عنه صريح النَّفي،/ حتَّى
١٨٦/٧ إنَّ مَن وُجِدَ عنه صريح النَّفي يُقدَّم عليه مَن وُجِدَ منه صريح الإثبات.
وقال ابن عبد البَرِّ: قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم
أمثالهم من التابعين، ثمَّ نَقَّلَه عنهم الجَمّ الغَفير إلى أن انتَهى إلينا، ويُؤيِّد ذلك بالآية الكَرِيمة،
فلم يَبْقَ لاستبعادِ مَن استَبعَد وقوعَه عُذر. ثمّ أجابَ بنحو جواب الخطَّبيّ وقال: وقد يَطلُح
على قوم قبل طُلوعه على آخرين، وأيضاً فإنَّ زمن الانشقاق لم يَطُل ولم تَتَوَفَّر الدَّواعي على
الاعتناء بالنَّظَر إليه، ومع ذلك فقد بَعَثَ أهل مكَّة إلى آفاق مكَّة يسألون عن ذلك فجاءت
السُّفار وأخبَروا بأنَّهم عاينوا ذلك، وذلك لأنَّ المسافرين في اللَّيل غالباً يكونونَ سائرين في
ضَوء القمر ولا يَخْفَى عليهم ذلك.
وقال القُرطُبيّ: الموانع من مُشاهدة ذلك إذا لم يَحصُل القصد إليه غير مُنحَصِرة، ويحتمل
أن يكون الله صَرفَ جميع أهل الأرض غيرَ أهل مكَّة وما حولها عن الالتفات إلى القمر في
تلك الساعة ليختصَّ بمُشاهَدَتِه أهل مكَّة كما اختُصّوا بمُشاهدة أكثر الآيات ونَقَلوها إلى
غيرهم. انتهى، وفي كلامه نظر، لأنَّ أحداً لم يَنقُل أنَّ أحداً من أهل الآفاق غير أهل مكَّة
ذكروا أنَّهم رَصَدوا القمر في تلك اللَّيلة المعَيَّنة فلم يُشاهدوا انشِقاقه، فلو نُقِلَ ذلك لكان
الجواب الذي أبداه القُرطُبيّ جيّداً، ولكن لم يُنقَل عن أحد من أهل الأرض شيء من ذلك،
فالاقتِصار حينئذٍ على أنَّ الجواب الذي ذكره الخطَّبيُّ ومَن تَبِعَه أوضَحُ، والله أعلم.
وأمَّا الآية فالمراد بها قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ ﴾ [القمر: ١]، لكن ذهب
بعض أهل العلم من القُدَماء أنَّ المراد بقوله: ﴿وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾، أي: سيَنشَقُّ كما قال تعالى:
﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، أي: سيأتي، والنُّكتة في ذلك إرادةُ المبالَغة في تَحَقُّق وقوع ذلك،
فنُزِّلَ مَنزِلةَ الواقع.

٣٥٣
باب ٣٧
أبواب المبعث
والذي ذهب إليه الجمهور أصحّ كما جَزَمَ به ابن مسعود وحُذَيفة وغيرهما، ويُؤيِّده
قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِن يَرَوْاِ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، فإنَّ ذلك
ظاهر في أنَّ المراد بقوله: ﴿وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾: وقوع انشِقاقه، لأنَّ الكفّار لا يقولون ذلك يومَ
القيامة، وإذا تَبيَّن أنَّ قولهم ذلك إنَّما هو في الدُّنيا، تَبيَّن وقوع الانشقاق، وأنَّه المراد بالآية
التي زَعَموا أنَّها سحر، ووَقَعَ ذلك صريحاً في حديث ابن مسعود كما بيَّنّاه قبلُ.
ونَقَلَ البيهقيُّ في أوائل ((البعث والنُّشور)) عن الحَلِيميّ، أنَّ من الناس مَن يقول: إنَّ
المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾، أي: سَيَنشَقّ. قال الحليميّ: فإن كان كذلك فقد وَقَعَ في
عَصرنا، فشاهَدتُ الهلال بيُخارَى في اللَّيلة الثالثة مُنشَقّاً نصفَينٍ، عرضُ كلّ واحد منهما
كعرضِ القمر ليلةَ أربع أو خمسٍ، ثمَّ اتَّصَلا فصارَ في شكل أُتْرُجّة إلى أن غاب. قال:
وأخبرني بعض من أثقُ به أنَّه شاهَدَ ذلك في ليلة أُخرَى. انتهى، ولقد عَجِبتُ من البيهقيِّ
كيفَ أقَرَّ هذا مع إيراده حديث ابن مسعود المصرِّح بأنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَأُنشَقَّ
الْقَمَرُ﴾: أنَّ ذلك وَقَعَ في زمن النبيّ وََّ، فإنَّه ساقَه(١) هكذا من طريق ابن مسعود في هذه
الآية: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾، قال: لقد انشَقَّ على عهد رسول الله وَِّ، ثمَّ ساقَ
حديث ابن مسعود: ((لقد مَضَت آية الدُّخان والرّوم والبَطشة وانشِقاق القمر))، وسيأتي
الكلام على هذا الحديث الأخير في تفسير سورة الدُّخان (٤٨٢٠) إن شاء الله تعالى.
٣٧ - باب هجرة الحبشة
١٨٩/٧
وقالت عائشةُ: قال النبيُّ وَّ: ((أُرِيتُ دارَ هِجْرِكُمْ، ذاتَ نَخْلٍ، بَينَ لابَتَينِ))، فهاجَرَ مَن
هاجَرَ قِبَلَ المدينةِ، وَرَجَعَ عامّةُ مَن كان هاجَرَ بأرضِ الحَبَشةِ إلى المدينةِ.
فيه عن أبي موسى وأسماءَ، عن النبيِّ وَلّ.
٣٨٧٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفيُّ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ،
(١) في ((السنن الكبرى)) ٣٥٢/٣، والحديث أصله في (الصحيحين))، فسيأتي برقم (٤٨٢٤) و(٤٨٢٥)،
وأخرجه مسلم برقم (٢٧٩٨).

٣٥٤
باب ٣٧ / ح ٣٨٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
حدَّثنا عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ عُبيد الله بنَ عَدِيٍّ بنِ الْخِيَارِ أخبَرَه: أنّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمةَ
وعبد الرَّحمن ابنَ الأسوَدِ بنِ عبدِ يَغُوثَ قالا له: ما يَمْنَعُكَ أن تُكلِّمَ خالَكَ عُثْمانَ في أَخِيه
الوَلِيدِ بنِ عُقْبةَ، وكان أكثَرَ الناسُ فيما فعَلَ به؟ قال عُبيدُ الله: فانتَصَبتُ لِعُثْمانَ حينَ خَرَجَ إلى
الصَّلاةِ، فقلتُ له: إنَّ لي إليكَ حاجةً، وهي نَصِيحةٌ، فقال: أيُّها المَرْءُ أعوذُ بالله منكَ،
فانصَرَفْتُ، فلمَّا قَضَيتُ الصَّلاةَ جَلَسْتُ إلى المِسْوَرِ وإلى ابنِ عبدِ يَغُوثَ، فحَدَّثْتُهما بِالَّذِي
قلتُ لِعثمانَ، وقال لي، فقالا: قد قَضَيتَ الَّذِي كان عليكَ، فَبَينَما أنا جالس معهما إذ جاءني
رسولُ عُثْمانَ، فقالا لي: قد ابْتَلاكَ الله.
فانطَلَقْتُ حتَّى دَخَلْتُ عليه فقال: ما نَصِيحَتُكَ التي ذَكَرْتَ آنِفاً؟ قال: فَتَشَهَّدْتُ ثمَّ
قلتُ: إنَّ اللهَ بَعَثَ محمَّدَاً وَّهِ، وَأَنزَلَ عليه الكتابَ، وكنتَ مَّنِ اسْتَجابَ الله ورسولِه وآمَنْتَ
به، وهاجَرْتَ الهِجْرِتَينِ الأولَيَينِ، وصَحِبْتَ رسولَ الله، ورأيتَ هَذْیَه، وقد أكثَرَ الناسُ في
شأنِ الوَلِيدِ بنِ عُقْبةَ، فَحَقٌّ عليكَ أن تُقِيمَ عليه الحَدَّ، فقال لي: يا ابنَ أخي، أَدرَكْتَ
رسولَ الله؟ قال: قلتُ: لا، ولكن قد خَلَصَ إليَّ من عِلْمِهِ مَا خَلَصَ إلى العَذْراءِ في سِتْرِها،
قال: فَتَشَهَّدَ عُثْمَانُ فقال: إنَّ الله قد بَعَثَ محمَّداً بالحقِّ، وأنزَلَ عليه الكتابَ، وكنتُ ممَّنٍ
استَجابَ الله ورسولِهِ، وآمَنْتُ بما بُعِثَ به محمَّدٌ، وهاجَرْتُ الهِجْرتَينِ الأولَيَينِ، كما قلتَ
وصَحِبتُ رسولَ اللهِوَلَ﴿ وبايعتُه، والله ما عَصَيتُه، ولا غَشَشْتُهُ حتَّى تَوَفّاه الله، ثمّ استخلَفَ الله
أبا بَكْرٍ، فوالله ما عَصَيتُهُ ولا غَشَشْتُهُ، ثمَّ استُخْلِفَ عمرُ، فوالله ما عَصَيتُهُ ولا غَشَشْتُه، ثمَّ
استُخْلِفْتُ، أفَليسَ لي عليكم مِثلُ الَّذي كان لهم عليَّ؟ قال: بلى قال: فما هذه الأحادِيثُ التي
تَبْلُغُني عنكُم؟ فأَمَّا ما ذَكَرْتَ من شأنِ الوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ، فَسَنأْخُذُ فيه إن شاء الله بالحقِّ، قال:
فجَلَدَ الوَلِيدَ أربعينَ جَلْدَةً، وَأُمَرَ عَلِيّاً أن يَجْلِدَه، وكان هو يَجْلِدُه.
وقال يونسُ وابنُ أخي الزُّهْريِّ، عن الزّهْريِّ: أفليسَ لي عليكم مِن الحقِّ مِثْلُ الَّذي كان لهم؟
قال أبو عبدِ الله: ﴿بَلَّءٌ مِّن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]: ما ابتُلِيتُم به من شِدّةٍ، وفي موضعٍ:
البلاءُ: الابتلاءُ والتَّمحِيصُ، من: بَلَوتُه ومَخَّصتُه، أي: استَخْرَجتُ ما عندَه.
يَبْلُو: تَخْتَبِ، ﴿مُبْتَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]: مُخْتَبِرُكُم.

٣٥٥
باب ٣٧ / ح ٣٨٧٢
أبواب المبعث
وأمَّا قولُهُ: ﴿بَلَّءٌ مِّن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: النِّعَمُ، وهي مِن: أبلَيْتُهُ، وتلكَ مِن: ابْتَلَيْتُه.
قوله: ((باب هِجرة الحَبَشة)) أي: هِجرة المسلمين من مكَّة إلى أرض الحبشة، وكان
وقوع ذلك مرَّتَينٍ، وذكر أهل السّيَر: أنَّ الأوْلى كانت في شهر رَجَب من سنة خمسٍ من
المبعَث، وأنَّ أوَّل مَن هاجَرَ منهم أحدَ عشرَ رجلاً وأربعُ نِسوة، وقيل: وامرأتان، وقيل:
كانوا اثنَي عشرَ رجلاً، وقيل: عشرةٌ، وأنَهم خَرَجوا مُشاةً إلى البحر فاستأجَروا سَفينة
بنصف دينارٍ، وذكر ابن إسحاق: أنَّ السَّبَب في ذلك أنَّ النبيّ وَِّ قال لأصحابه لمَّا رأى
المشركين يُؤذونَهم ولا يستطيع أن يَكُفَّهم عنهم: ((إنَّ بالحَبَشة مَلِكاً لا يُظلم عنده أحد، فلو
خَرَجُم إليه حتَّى يَجعَل الله لكم فَرَجاً»، قال: فكان أوَّل مَن خرج منهم عثمان بن عَفّان
ومعه زوجته رُقيَّة بنت رسول الله وَلَ(١).
وأخرج يعقوب بن سفيان (٢) بسندٍ موصول إلى أنس قال: أبطاً على رسول الله وَ لّ خَبَرَهما،
فقَدِمَت امرأة فقالت له: لقد رأيتُهما وقد حَمَلَ عثمان امرأته على حمار، فقال: ((صَحِبَهما الله، إنّ
عثمان لَأوَّلُ مَن هاجَرَ بأهلِه بعد لوط)).
قلت: وبهذا تَظْهَر النُّكتة في تصدير البخاريّ البابَ بحديثٍ عثمان، وقد سَرَدَ ابن
إسحاق أسماءَهم، فأمَّا الرِّجال: فهم عثمان بن عَفّان وعبد الرحمن بن عَوْف والزُّبَير بن
العَوّام وأبو حُذَيفة بن عُتبة ومُصعَب بن عُمير وأبو سَلَمة بن عبد الأسد وعثمان بن
مَظْعُون وعامر بن رَبيعة وسُهَيل ابن بيضاءَ وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم العامريّ، قال: ويقال
بَدَله: حاطِب بن عَمْرو العامريّ، قال: فهؤلاء العشرة أوَّل مَن / خرج من المسلمين إلى ١٨٩/٧
الحبشة.
قال ابن هشام: وبَلَغَني أنَّه كان عليهم عثمان بن مَظعُون، وأمَّا النِّسوة: فهنَّ رُقيَّة بنت
(١) أخرجه ابن هشام ٣٢١/١-٣٢٢، وقصة هجرة المسلمين إلى الحبشة أخرجها أحمد في «مسنده)) (١٧٤٠) من
طريق ابن إسحاق عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أم سلمة، به. وإسناده
حسن، وانظر تتمة تخريجه والكلام عليه في («المسند».
(٢) في ((المعرفة والتاريخ)) ٢٨٤/٣، وأخرجه من طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٢٩٧/٢.

٣٥٦
باب ٣٧ / ح ٣٨٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
النبيِّ وَّةِ، وسَهْلة بنت سَهْل امرأة أبي حُذَيفة، وأُمّ سَلَمة بنت أبي أُميَّة امرأة أبي سَلَمة،
وليلى بنت أبي حَثْمة امرأة عامر بن ربيعة.
ووافقه الواقديّ في سَردِهنَّ وزاد اثنين: عبد الله بن مسعود وحاطِب بن عَمْرو، مع أنَّه
ذكر في أوَّل كلامه أنَهم كانوا أحدَ عشرَ رجلاً، فالصواب ما قال ابن إسحاق: إنَّه اختُلِفَ
في الحاديَ عشرَ هل هو أبو سَبْرة أو حاطب؟ وأمَّا ابن مسعود فجَزَمَ ابن إسحاق بأنَّه إنّما
كان في الهجرة الثانية، ويُؤْيِّده ما روى أحمد (٤٤٠٠) بإسنادٍ حَسَن(١) عن ابن مسعود قال:
بَعَثَنا النبيّ ◌َلټ إلى النَّجاشيّ ونحنُ نحو من ثمانین رجلاً، فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر
ابن أبي طالب وعبد الله بن عُرفُطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى الأشعَريّ، فذكر
الحدیث.
وقد استُشكِلَ ذِكْر أبي موسى فيهم، لأنَّ المذكور في ((الصحيح)): أنَّ أبا موسى خرج
من بلاده هو وجماعة قاصداً النبيّ وَ ل﴿ بالمدينة، فألقَتهم السَّفينة بأرضِ الحَبَشة فحَضَروا مع
جعفر إلى النبيّ وَّ بِخَيَبَ، ويُمكِن الجمع بأن يكون أبو موسى هاجَرَ أوَّلاً إلى مگَّة فأسلَمَ،
فَبَعَثَه النبيّ وَيهِ مع مَن بَعَثَ إلى الحَبَشة، فَتَوَجَّهَ إلى بلاد قومه وهم مُقابل الحَبَشة من
الجانب الشَّرقيّ، فلمَّا تَحقَّقَ استقرار النبيّ وَ﴿ وأصحابِهِ بالمدينة هاجَرَ هو ومَن أسلَمَ من
قومه إلى المدينة، فألقَتهم السَّفينة لأجلِ هَيَجان الرّيح إلى الحبشة، فهذا مُتَمَل، وفيه جمعٌ
بين الأخبار فليُعتَمَد، والله أعلم.
وعلى هذا فقول أبي موسى: (بَلَغَنا ◌َخَرَجُ النبيِّ وَ لَ))، أي: إلى المدينة، وليس المراد:
بَلَغَنا مَبعَثُه، ويُؤْيِّده أنَّه يَبِعُد كلُّ البُعد أن يَتأخّر عِلمُ مَبعَثه إلى مُضيِّ نحو عشرين سنةً،
ومع الحَمل على تَخَرَجه إلى المدينة، فلا بُدّ فيه من زيادة استقراره بها وانتِصافِه ممَّن عاداه
ونحو ذلك، وإلّا فبعيدٌ أيضاً أن يَخْفَى عنهم خَبَر خروجه إلى المدينة ستَّ سِنين، ويحتمل
أنَّ إقامة أبي موسى بأرضِ الحَبَشة طالَت لأجلِ تأخّر جعفر عن الحضور إلى المدينة حتَّى
(١) في إسناده معاوية بن حُديج، والجمهور على تضعيفه، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((مسند أحمد)).

٣٥٧
باب ٣٧ / ح ٣٨٧٢
أبواب المبعث
يأتيَه الإذن من النبيّ ◌َّهِ بالقُدوم، وأمَّا عثمان بن مَطعون فذُكِرَ فيهم، وإن كان مذكوراً في
الأوَّل، لأنَّ ابن إسحاق وموسى بن عُقْبة وغيرهما من أهل السّيّرَ ذكروا أنَّ المسلمين
بَلَغَهم وهم بأرضِ الحَبَشة أنَّ أهل مكَّة أسلموا، فَرَجَعَ ناس، منهم: عثمان بن مظعون إلى
مكَّة فلم يَجِدوا ما أُخبروا به من ذلك صحيحاً، فرجعوا، وسارَ معهم جماعة إلى الحبشة،
وهي الهجرة الثانية.
وسَرَدَ ابن إسحاق أسماء أهل الهجرة الثانية وهم زيادة على ثمانين رجلاً.
وقال ابن جَرِير الطَّبَريُّ(١): كانوا اثنين وثمانين رجلاً سِوَى نسائهم وأبنائهم، وشَكَّ في
عَّار بن ياسر، هل كان فيهم؟ وبه تَتَكَمَّل العِدّة ثلاثةً وثمانين، وقيل: إنَّ عِدّة نسائهم
كانت ثمانيَ عشرةَ امرأةً.
قوله: ((وقالت عائشة: أُريت دار هِجِرَتكم ... )) إلى آخره، هذا وَقَعَ بعد الهجرة الثانية إلى
الحَبَشة، كما سيأتي بيانه موصولاً مُطوَّلاً في ((باب الهجرة إلى المدينة)) (٣٩٠٥).
قوله فيه: ((عن أبي موسى وأسماء)» أمَّا حديث أبي موسى فسيأتي في آخِر الباب (٣٨٧٦)،
وأمَّا حديث أسماء وهي بنت عُميسٍ فسيأتي في غزوة خَيبَرَ (٤٢٣٠) من طريق أبي بُرْدة بن
أبي موسى عن أبيه قال: بَلَغَنَا تَخَرَج النبيّ وَّهِ ونحنُ باليمن؛ فذكر الحديث، وفيه: ودَخَلَت
أسماء بنت عُميسٍ وهي ثمّن قَدِمَ معنا على حفصة، وقد كانت أسماء هاجَرَت فيمَن هاجَرَ
إلى النَّجاشيّ؛ الحديث.
ثم ذكر قِصّة الوليد بن عُقْبة التي مَضَت في مناقب عثمان (٣٦٩٦)، وتقدَّم شرحها
مُستَوَلَى بتمامه، وفيه قوله هنا: ((أن تُكلِّمَ خالك))، والغرض منها قول عثمان: ((وهاجَرت
الهجرتَيْنِ الأُولَيَينِ)) كما قلتُ، و((الأُولَيَينِ)) بضمِّ الهمزة وتحتانيَّتَينِ: تثنية أُولَى، وهو على
طريق التَّغليب بالنّسبة إلى هِجرة الحبشة فإنَّها كانت أُولى وثانية، وأمَّا إلى المدينة فلم تكن
إلّ واحدة، ويحتمل أن تكون الأوَّليّة بالنِّسبة إلى أعيان مَن هاجَرَ، فإنَّهم هاجَروا مُتَفرِّقين
(١) في «تاريخ الأمم والملوك)» ١ / ٥٤٧.

٣٥٨
باب ٣٧ / ح ٣٨٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
فَتُعَدَّدُ بالنِّسبة إليهم، فمِن أوَّل مَن هاجَرَ عثمانُ.
١٩٠/٧ قوله: ((وقال يونس)) هو ابن يزيد ((وابن أخي / الزُّهْريِّ) هو محمد بن عبد الله بن مسلم
((عن الزُّهْريِّ)» بالإسناد المذكور.
وطريق يونس وَصَلَها المؤلِّف في مناقب عثمان (٣٦٩٦)، وأمَّا طريق ابن أخي الزّهْريِّ
فَوَصَلَها قاسم بن أصبَغ في ((مُصنَّفْه))، ومن طريقه ابن عبد البَرِّ في (تمهيد)(١)، وهو
باللَّفظِ الذي عَلَّقَه المصنِّف، وهذا التَّعليق عن هذَينٍ، وكذا الذي بعده من التفسير في
رواية المُستَمْلي وحدَه.
قوله: «قال أبو عبد الله: ﴿بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ... )) إلى آخره، وَقَعَ في رواية المُستَمْلي
وحده أيضاً، وأورَدَه هنا لقوله: ((قد ابتلاك الله))، والمراد به الاختبار، ولهذا قال: هو من
بَلَوتُه: إذا استخرجت ما عنده، واستَشْهَدَ بقولِه: («نَبلُو، أي: نَخْتَبر، ومُبتَليكُم، أي:
مُتَبِرِكُمْ))، ثمَّ استَطَرَدَ فقال: وأمَّا قوله: ﴿بَلَهٌ مِّن رَّبِكُمْ عَظِيمٌ ﴾ أي: نَعیم، وهو من
ابْتَلَيته: إذا أنعَمت عليه، والأوَّل من ابتَلَيته: إذا امتحنته.
وهذا كلّه من كلام أبي عبيدة في ((المجاز)) فَرَّقَه في مواضعه، وتحرير ذلك أنَّ لفظ البلاء
من الأضداد، يُطلَق ويُراد به النِّعمة، ويُطلَق ويُراد به النِّقمة، ويُطلَق أيضاً على الاختبار،
ووَقَعَ ذلك كلّه في القرآن، كقوله تعالى: ﴿بَلَآءَ حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]، فهذا من النِّعمة والعَطيَّة،
وقوله: ﴿بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، فهذا من النِّمة، ويحتمل أن يكون من الاختبار،
وكذلك قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد:٣١]، والابتلاء بلفظ الافتِعال
يُراد به النّقمة والاختبار أيضاً.
٣٨٧٣- حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدّثنا يحيى عن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن عائشةَ
رضي الله عنها: أنَّ أَّ حبيبةَ وأُمَّ سَلَمَةَ ذكرَتا كَنِيسةٌ رأينَها بالحَبَشِةِ فيها تَصاوِبِرُ، فذَكَرَتا
(١) الذي في المطبوع من ((التمهيد)) ١٦٤/١٠ من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن إسحاق بن
إبراهيم بن حبيب، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ابن أخي الزهري ... وبسياق مختصر ليس
فيه اللفظ الذي علَّقه المصنّف.

٣٥٩
باب ٣٧ / ح ٣٨٧٣ -٣٨٧٥
أبواب المبعث
للنبيِّي ◌َّهَ، فقال: ((إنَّ أولئكِ إذا كان فيهمُ الرجلُ الصالحُ فماتَ، بَنَوْا على قَبْرِهِ مسجداً،
وصَوَّروا فيه ◌ِيكَ الصُّوَرَ، أولئكِ شِرارُ الخلقِ عندَ الله يومَ القيامةِ)).
الحديث الثاني: حديث عائشة: ((أنَّ أمّ سَلَمة وأُمّ حبيبة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة»
الحديثَ. كانت أمّ سَلَمة قد هاجَرَت في الهجرة الأولى إلى الحَبَشة مع زوجها أبي سَلَمة بن
عبد الأسَد كما تقدَّم بيانه، وهاجَرَت أمّ حبيبة وهي بنت أبي سفيان في الهجرة الثانية مع
زوجها عُبيد الله بن جَحْش فماتَ هناك، ويقال: إنَّه كان قد تَنَصَّر، وتزوَّجَها النبيّ وَّلـ
بعده، وقد تقدَّم شرح الحديث في كتاب الجنائز (١٣٤١).
٣٨٧٤- حدَّثنا الحُمَيدِيُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ سعيدِ السَّعِيدِيُّ، عن أبيه،
عن أمِّ خالدٍ بنت خالدٍ قالت: قَدِمْتُ من أرضِ الحَبَشِةِ وأنا جُوَيرِيةٌ، فَكَساني رسولُ اللهِوَه
خميصةً لها أعلامٌ، فَجَعَلَ رسولُ اللهِ وَلِهِ يَمْسَحُ الأعلامَ بَيَدِه، ويقول: ((سَنَاهْ سَنَاهْ)).
قال الحُمَيديُّ : يعني: حَسَنٌّ حَسَنٌّ.
الحديث الثالث: حديث أمّ خالد بنت خالد: وهو ابن سعيد بن العاص بن أُميَّة،
وكان أبوها ممَّن هاجَرَ في الهجرة الثانية إلى الحَبَشة، ووَلَدَت له هناكَ فسَمَاها أَمَة وكنّاها
أمّ خالد، وأُمّها أُمينة بالتصغير، ويقال: هُمينة - بالهاء بدل الهمزة - بنت خَلَف
الخُزَاعيَّةِ.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق بن سعيد السَّعيديّ)) هو ابن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العاص،
وجدّ أبيه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص الأصغر: هو ابن عمّ أمّ خالد المذكورة،
وسيأتي شرح الحديث في كتاب اللِّباس (٥٨٢٣) إن شاء الله تعالى.
٣٨٧٥- حدَّثنا يحيى بنُ حَادٍ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةً،
عن عبدِ الله ﴾ قال: كنّا نُسلِّمُ على النبيِّ وَّهِ وهو يُصلِّي، فَيَرُدُّ علينا، فلمَّا رَجَعْنا من عندِ
النَّجاشيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يا رسولَ الله، إنّا كنَّا نُسلِّمُ عليكَ فَتَرُدُّ علينا، قال:
((إنَّ في الصَّلاةِ شُغْلاً).

٣٦٠
باب ٣٧ / ح ٣٨٧٥ -٣٨٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
فقلتُ لإبراهيمَ: كيفَ تَصْنَعُ أنتَ؟ قال: أُرُدُّ في نفسي.
الحديث الرابع: حديث عبد الله: وهو ابن مسعود. وسليمان في الإسناد: هو الأعمَش.
قوله: ((فلمَّا رَجَعْنا من عند النَّجَاشِيّ)) قد قدَّمتُ من عند أحمد (٤٤٠٠) حدیثَ ابن
مسعود: أنَّه كان ممَّن هاجَرَ إلى الحَبَشة في الهجرة الثانية، وتقدَّم شرح حديث الباب
مُستَوفَّى في آخِرِ الصلاة (١١٩٩)، وبيَّنت هناكَ أنَّ رُجوع ابن مسعود من الحَبَشة في
الهجرة الثانية(١) وَقَعَ لمَّا بَلَغَ المسلمين الذين بالْحَبَشة أنَّ النبيّ نَّهِ هاجَرَ إلى المدينة،
فَوَصَلَ منهم إلى مكَّة أكثر من ثلاثين رجلاً، وكان وصول ابن مسعود إلى المدينة والنبيُّ
﴿ل﴾﴿ يَتَجَمَّز إلى بدر.
وظَهرَ بما تقدَّم من أسماء أهل الهجرة الأُولى إلى الحَبَشة، وَهْمُ مَن زَعَمَ أنَّ ابن مسعود
كان منهم، وإنَّما كان من أهل الهجرة الثانية.
٣٨٧٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا بُرَيدُ بنُ عبدِ الله، عن أبي بُرْدةَ،
عن أبي موسى : بَلَغَنا تَخَرَجُ النبيِّ وَ﴿ ونحنُ باليَمَنِ، فَرَكِينا سَفِينَةً فألقَتْنَا سَفِينَتُنا إلى
النَّجاشيِّ بالحَبَشةِ، فوافَقْنا جعفرَ بنَ أبي طالبٍ، فأقَمْنا معه حتَّى قَدِمْنا، فوافَقْنا النبيَّ ◌َ لِ حينَ
افْتَتَحَ خَيِيرَ، فقال النبيُّ وَِّ: ((لَكم أنتم أهلَ السَّفِينةِ هِجْرتانِ)).
الحديث الخامس: حديث أبي موسى: وهو الأشعَريّ قالَ: بَلَغَنا تَخَرَجُ النبيّ وَلِّ؛ أي:
مَبعثُه.
قوله: ((ونحنُ باليمن)) أي: من بلاد قومهم.
قوله: ((فَرَكِينا سَفينة)) أي: لنَصِلَ فيها إلى مثَّة.
قوله: ((فألقَتْنا سفينتنا إلى النَّجاشيّ)) كأنَّ الرّيح هاجَت عليهم، فما مَلكوا أمرهم حتَّى
أوصَلَتهم بلاد الحَبَشة.
(١) قوله: ((في الهجرة الثانية)) سقط من (ع) و(س).